الفصل 22 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
16
كلمة
5,044
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

لم تقف طويلا عندما استمعت إلى صفق الباب بيده. هرولت بعيدا عن أنظار والدها الذي كان على وجهه علامات الشك. وقبل أن يلفظ بما يدور في ذهنه، اختفت من أمامه. لتقتحم غرفة مرام وهي في حالة أسوأ مما غادرت بها. مما دعى مرام للقلق. فوقفت قبالها وسألتها: "في إيه اللي بيحصل يا مكة؟ مين اللي كان برا؟ ومن بين أنفاسها المتزاحمة أجابتها: "هو... الظابط جه يخطبني."

تراجعت مرام برأسها للخلف بصدمة. لم تستوعب شفافية أختها التي أصبحت مخيفة. فهدرت بدهشة: "مش ممكن يا مكة! إنتي كدا يتخاف منك." هتفت مكة وهي تتفض رأسها بتشتت: "أنا حاسة إنه مش هيسكت." اقتربت منها وأمسكت بساعدها بلطف مستفسرة بحذر عن سبب خوفها: "ليه يا مكة؟ مش إنتي قولتيلي إنك اتجوزتيه في الحلم؟ رفعت مكة عيناها المحملة بالدموع إلى وجه أختها وأخبرتها بحزن: "أنا رفضته في الحقيقة." أحبطت تحمل مرام في توقع تصرفات

أختها وهتفت وهي تزفر: "ليه كدا يا مكة؟ تحركت ببطء نحو الفراش لتجلس. فقد شعرت بأن قدماها لم تعد تتحملها وأن سقوطها محتمل في أي وقت: "عشان متجوز." صمتت مرام لبرهة لتستوعب ما قالته وضغطت على رأسها. ثم عادت تهتف بثقة: "يا بنتي مش إنتي حلمتي إنك اتجوزتيه وعشتي معاه قصة حب؟ إزاي بقى في الحقيقة متجوز؟ يمكن بيكذب عليكي. أنا عارفة إن مكة أحلامها ما بتنزلش الأرض أبدا."

تملكها التعب تحت من فرط الضغط ورأسها لم يتحمل كل هذه الأحداث المتلاحقة. هدرت بيأس: "شكل الحلم هيتحقق بشكل تاني في الواقع." *** "بابا ممكن أطلب منك طلب؟ " هتفت تمار وهي تتطلع إلى والدها بحرج. رفع عينه إليها بعدما تظاهر بالانشغال على هاتفه قائلاً بتوضيح: "بجهز حتة رحلة تستاهلك يا حبيبتي." ابتسمت على مضض وردت عليه: "أنا هفسد من كتر الدلع دا." تحمس وهو يجيب بسعادة: "ومالوا اللي يقدر ع الفساد يقرب واللي ما يقدرش يفارقنا."

نظرت إليه بمكر وهتفت: "هو قادر وقادر قوي. حتى إني ما أستبعدش إنه يجينا هنا لو ما رجعناش في أسرع وقت." تأفف رأفت لسيرته وذكر تحديه يضايقه. فصاح معترضاً: "أنا مش عارف إنتي متمسكة بيه على إيه. ده بكرة يبقى إنتي عندك 35 وهو يبقى عنده 50 ويدوبك يشيل نفسه مش يجري وراكي." ابتسمت من عصبيته وهتفت بمرح: "ومالوا ما أنا عندي بابا أهو أحلى واحد في جيله وهو في الستينات." تشدق بإمتعاض: "وهو زيي؟ أجابت بثقة:

"أنا واثقة إنه زيك وزيك قوي. يمكن سبب خلافكم القوي إنه زيك." سكتت لبرهة لتحيد وجهها عن نظراته المحتدة وأردفت: "الفرق إن هو اتمسك بحب حياته وانت رفضته." اتسعت عيناه عندما أشارت إلى قصة حبه القديمة. وثب من مكانه مغتظاً وسألها بحدة: "هو اللي قالك؟ مش كدا؟ أسرعت بالنفي في سرعة: "لأأأ ابدا. هو ما قاليش. أنا اللي سمعتكم وانتوا بتتكلموا في الموضوع في الفيلا بتاعتنا."

لم يستوعب رأفت الصدمة. كان مغتاظاً في تلك الذكرى والتشبيه. رنين هاتفه جعله يلتقطه ويقاطع الأمر بعصبية ليرد على عدى: "أيوا يا عدى في إيه؟ أجابه عدى بنبرة هادئة رغم شعوره بغضبه البادي في نبرته: "بابا حبيبي مين مضايقك؟ هتف والدته محتداً: "مافيش. قول لي إنت عايز إيه. وأوعى تقول لي أي حاجة عن الشغل. أنا قايل لك أنا في إجازة. وأي حاجة اتصرف إنت." تقبل عدى تحذيره واستسلم:

"لأ يا بابا ما فيش أي حاجة عن الشغل. بس لو في حاجة خاصة بيا ينفع أبلغك بيها؟ زفر رأفت بضيق وهو يسمح له: "أيوا اتفضل." تحمحم مستعداً لإلقاء خبرية غريبة وغير متوقعة يعرف صداها على والده. لذا تمهل ثوان قبل أن ينطق بـ: "أنا عايز اتجوز. ينفع؟ بالفعل انتشرت تعابير الدهشة على وجه والده. ولاحظت تمار ذلك. فإنتظرت أي حديث يصدر من والدها يفسر سبب هذه الدهشة. حتى قال: "يعني من امتى وإيه الاستعجال دا؟ وما ينفعش لما أرجع؟

لم تفهم تمار شيئاً مما قال فسألت بقلق: "هو في إيه يا بابا؟ تدخل عدى: "يعني أنا عارف إنك أخدت تمار شهر عسل قبل الجواز. والله أعلم هترجع إمتى منه. وأنا هنا بائس ووحيد. فما فيش مانع يعني يبقى ليا ونيس." رد رأفت على ابنته أولاً: "عايز يتجوز. حس بالوحدة فجأة." لم تخلو الدهشة من وجه تمار. لكن خالطت الدهشة الفرحة والابتسامة. وجه رأفت لعدى سؤالاً ساخطاً: "ودّي مين سعيدة الحظ دي بقى؟ أجاب بحذر: "مرام."

حاول رأفت التذكر بما أنه ذكر اسمها مجرد فلابد أنه يعرفه: "أنا سمعت الاسم ده فين قبل كدا؟ كانت تمار في انتظار بتلهف معرفة التفاصيل. حتى هتف والدها محتداً: "مـــــــرام السكرتيرة الجديدة." هنا قفزت تمار من مكانها وهجمت على والدها لتخطف الهاتف من يده وتضعه على أذنها وهي تهدر بفرح ومزاح: "كنت متأكدة. مع إني كنت شاكة بصراحة. بس ليه السرعة دي؟ ما كنت استنى سنة كمان. ده إنت حبتها من أول يوم يا ابني وانت بتقاوح."

رد عليها عدى بمرح: "لأ حبتها قبل ما أشوفها. بقولك إيه اقنعي بابا. إلا هطير مني أخطبها حتى على ما تيجوا من الرحلة الطويلة دي." نظرت باتجاه والدها الذي بدا عليه الضيق والانفعال وهتفت بشك: "مش عارفة هو ممكن يوافق ولا إيه. شكله صعب خالص. بس هحاول بأي. إنت دلوقتي اقفل." أغلقت الهاتف دون انتظار رد والتفت لوالدها لتناوله إياه. فاختطفه بحنق وهو يقول محتداً: "إياكي يا مرام حد يعرف بموضوع ده. وبالذات أخوكي. فاهمة ولا لأ؟

طوت يدها إلى صدرها وهي تخبره بتعند: "ده متوقف على إنك هتسيبنا نعيش حياتنا بحريتنا ولا لأ." نظر إليها مطولاً وقد شعر بالابتزاز من ابنته في مقايضة غير عادلة. حكاية قصاد حياة. *** "خطواتها المتعجلة من شارع إلى شارع كانت تسوقها إلى العمل دون أدنى تركيز منها. برأسها الكثير من الأفكار وبقلبها ثقل من المشاعر والتخبط."

ودون أي سبق وجدت شخصاً ما يجذبها للخلف. شهقت بفزع وكان هذا شعورها المبدئي. مما تلاه من المشاعر المتلبدة. بعدما تركها لتلتف. وعندما طالعت صاحب العيون الصقرية الذي هدر بسرعة ودون مقدمات بنبرة أقرب للفحيح: "اللي وفقتي عليه هدخله السجن. وأبوكي وأخوكي وأمك لو حكم الأمر. وإنتي كمان أنا هخفيكي عن الوجود كله وما حدش يعرف لك طريق. وهبسط قوي وأنا بصفي دمك نقطة نقطة."

ابتعدت عنه قليلاً ونظرت إلى عينه بفم مفرغ. الظلام الذي بعينه يوحي بالخطر. هتفت بتوتر وهي تحاول التقاط أنفاسها: "ليه؟ أنا عملت إيه؟ أجاب بصوت جهور ممتلئ بالضيق والحنق: "عشان تبقي تقولي لإلياس النشامى... لأ." "قامت قيامتها لديه. عشقها وهو عندما يعشق يحرق ويهدم. لن تنجو من جنونه. فالدور دوره في الجنون والتهور." *** "في القسم." وقف ماجد بينهم ولذت منار بالصمت. ليخرجها بطريقته. وبالفعل تحدث هو:

"منار كانت بتنقل لي تحركات البنت مروة بما إنها الأخيرة اللي اترددت كتير ع الشقة. وكانت زميلتها في نفس الكلية." أرجعت منار شعرها للخلف بحركة عصبية تدل على رفضها المبدئي. ودارت حول نفسها تشعر بالضغط من إجباره لها على الصمت. لاحظ ماجد هذا فوضع الأحراز على مكتب شريف وقرر المغادرة. وهو يحادثه بتروي: "الفلاشات دي لقيناها في شقته. ويا ريت لما تخلص تنده لي عشان نشوف القضية هتمشي إزاي."

اكتفى شريف بالإيماء. ومن جانب منار كانت تنظر لحظة اختلائها بشريف حتى تنفجر. وقد نالت ما أرادت. بعد سماع إغلاق الباب اندفعت بعصبية شديدة وتهور: "إيه اللي بتعمله ده يا شريف؟ إنت هتطلعني مخبر؟ حضرت الظابط ولا إيه؟ تهجم وجهه من اعتراضها ونبرتها المتبجحة بعد وضعهم هما الاثنان في وضع محرج. فسألها محتداً: "إنتي مشكلتك دلوقتي إنك خايفة تطلعي مخبر؟ حضرت الظابط؟ ولا تطلعي في قضية آداب؟ أردف ساخراً: "وخلي بالك دي قضية مش كلية."

كان يسخر من جهلها ويستفزها كي تدرك للحياة التي تعيش بها. لكنها لم تهدأ وردت عليه بإهتياج: "أطلع زي ما أطلع. زمايلي كلهم هيبصوا لي بأي نظرة." سألها نفس السؤال: "وأنا زمايلي هيبصوا لي بأي نظرة؟ لما الظابط شريف تتحط اسمها في قضية مشبوهة؟ اقتربت منه وحاولت تهدئة نفسها لتسترضيه وتحصل على غايتها: "شريف إنت راجل تقدر تخرج نفسك. وطالما إنك عارف الحقيقة قولها. أنا يستحيل أقبل إني أطلع قدام زمايلي مخبر. أنا مش هقبل."

قرر شريف في هذه اللحظة كشف الستار بأبشع صورة. يحدث ما يحدث ليرى وجهها بعد ذلك. ويسمع قرارها النهائي حول تصرفه. أمسك كرسي وهو ينظر في عينيها ودفعه بالقرب من الشاشة القريبة. وهتف أمراً: "اقعدي." "طالما مصرة اقعدي." وشاهدت عينه الغاضبة أخبرتها أن تستجيب خشية أن ترفض وينهرها. جلست. فتحرك من خلفها ينتقي من أحد الفلاشات والذي يعرف فحواه مسبقاً. ودون أي تردد دسها في الشاشة والتقط جهاز التحكم وتحرك ليقف ورائها ويعبث به.

"مسحت وجهها بضيق ورأسها يكاد ينفجر من المناقشات والصدمات. يوم طويل ما كان ينقصها أبداً. ما وقعت عليها عيناها الآن كادت أن تسقطها مغشياً عليها. لم تطلع من قبل على هذه البشاعة ولم تدنس عينها بهذا الذنب. باتت تسمع صوت نبضاتها المتسارعة وارتفعت درجة حرارتها وشعرت بالشلل التام في كل حواسها. حتى لسانها ما قوى على الرفض أو النطق بالاكتفاء. وكأنها في كابوس من الجاثوم مقيدة وواعية. لكن ولا أي عضو يعمل سوى العقل الذي يستقبل فوق قدرته. بدأت معدتها بالنفور والتقلب. وهذا ما دفعها للوثب كمن لدغه عقرب والركض نحو حمامه الخاص وإفراغ ما في معدتها."

تبعها شريف دون أي تفاعل. كي تعرف كيف تلومه بعد على تصرفه اليوم. فتح لها بوابة لم تطأها قدمها بعد. واليوم فتح لنفسه هو الآخر باباً خاصاً بهم. فتدرك أنه رجل يعشقها. ونهاية كل عشق زواج. "أفرغت ما في جوفها وكففت وجهها بالماء. لم تغادرها الصدمة بعد. والتفت إليه لتراه عاقداً ساعديه ويقف على حافة الباب بانتظارها خالى التعبير. صاحت بضيق من جرأته: "إنت إزاي توريني حاجة زي دي؟ أجابها ببرود:

"كان لازم تشوفي عشان تدركي حجم الخطر اللي كنتي فيه." لم تقتنع بمبرره واحتدت وهي تتجه صوبه بغضب: "تقدر تعمل كدا مع أختك؟ ورد: "وقبل أن تلكمه في صدره التقط يدها ودفعها نحو الحائط في حركة مباغتة وسريعة. جرته للاندفاع وإندفع قائلاً: "عشان إنتي مش أختي. إنتي... مــــــراتـــــي وحــــــبيبــتـــى."

"زاغ بصرها بين عينيه. فاليوم كانت الصدمات شديدة ومتتابعة. أدرك أنه صدمها وصدم معها. كيف دفعته بجنونها إلى الإفصاح في هذا الموقف عن مكنون صدره. الوقت غير مناسب بالمرة لتلقى صدمة بهذا الحجم. كما أن ردة الفعل قد لا تحمد. لكن انطلق السهم من القوس وانتهى الأمر." *** "في بيت إبراهيم السباعي."

لم يغمض لإبراهيم جفن طوال الليل. وبعدما تقلب كثيراً في فراشه اعتدل أخيراً ليكف عن خداع نفسه. هو لن ينام ولن يقنع نفسه بأنه سينام. نهضت معه زوجته خديجة تهتف بقلق: "الشمس طلعت وإنت لسه ما نمتش." أنزل قدميه عن الفراش دون أن يرد عليها. فوضعت يدها على كتفه لتواسيه قائلة: "إنت لسه الموضوع بتاع مكة ده مضايقك؟ بالله ما تزعل. خلاص واحد اتقدم لها واترفض وراح لحاله." حرك رأسه للجانبين بيأس وهدر بيأس:

"لأ ما راحش لحاله. الواد ده مش هيسكت. ده هددها قدامي." مسحت خديجة على كتفه صعوداً ونزولاً لعله يهدأ وقالت: "دي حلاوة روح." لوى عنقه ليرمي لها سؤالاً أرقه طويلاً: "سألتي بنتك عرفاها منين؟ توترت خديجة وهي تخشى أن الإجابة التي حصلت عليها تزيد من قلقه. عندما طال صمتها التف بكامل جسده ليويها وجه ويرى ماذا تخفي عنه. أسرعت بالرد حتى لا يُساء الفهم: "عرفها يوم الحادثة إياه زي ما إنت عارف إنها اتخدت ظلم. وقتها شافها هناك."

ضيق عينه مكذباً إياها أو إجابتها. فما شاهده من ثقته في موافقتها غير موافقة لهذه الكذبة. وهتف: "بنتك ما بتحكيش تفاصيل كل اللي على لسانها من يوم ما جت إنها دخلت السجن." حركت رأسها أسفاً على حالته والشك الذي في كل سؤال يطرحه: "هتحكي إيه بس يا إبراهيم؟ البنت جت من هنا وإنت وقعت من طولك." استطردت بحنو لعله يهدأ: "روّق يا إبراهيم. ماحدش هياخد بنتك عافية." *** "عافية... يعني هكذا سألته مكة عندما تحدته. فأجاب مؤكداً بتفاخر:

"أيوا عافية يا مكة." "لو كان هو كما حلمته به لكانت رحلت معه فوراً. لكنه تغير كثيراً عن أحلامها." هتفت بصوت محبط: "إنت متجوز. وأنا ما أقبلش أخرب حياة حد." نظر إليها مطولاً ثم هتف مستخفاً بأسبابها: "هو ده اللي مخليكي رافضيني؟ أشاحت بوجهها عنه بعدما اكتفت بالإيماء. فإنفجر بها في عصبية: "طيب إيه رأيك؟ هتجوزيني غصب عنك حتى لو متجوز؟ أسبابك دي ما تهمنيش. المهم عندي إني طلبت وإنتي لازم توافقي."

عادت تنظر إليه لتستوعب كل ما هدر. لكنه لم يتوقف بل زاد في حدته وهو يأمرها: "هتروحي لابوكي تقولي له إنك موافقة على ما أخلص مشواري وأجيلك." "سرعان ما ترقرقت الدموع في مقلتيها وهي تسمع أمره شبه المستحيل وقوعه. لن تقوى على الوقوف في وجه أبيها وطلب أمر كهذا. وإزدادت هلعاً عندما أردف بشر: "ويا كدا يا مكة. يا إلا أبوكي واللي اسمه كامل وإنتي فوق البيعة. مش هتشوفوا الشمس تاني." "هرعت إلى يده التي تلوح بشر

لتوقفها وهدرت برجاء خائب: "بلاش. أرجوك أبويا لأ. أنا ما أقدرش أقف في وشه أطلب منه كدا بعد كل اللي عملته. وكنت سبب فيه. حرام عليك ما تحطنيش في موقف زي دا." "نظر إلى يدها المتشبثة بيده. رقت مشاعره لها. لكنه لن يتركها. هو يتعذب بعيداً عنها. وما من طريقة أخرى ليحظى بها. والدها لن يقتنع. وهو ليس لديه وقت لإقناعه. لقد اكتفى من الفراق."

"نظر في عينها ليتأكد أنها مازالت تريده كما يريدها. وطرح ذلك السؤال بعينيه. وكأنها فهمته. فأخفضت بصرها عنه. فأمسك طرف ذقنها ليرفع وجهها بالكامل إليه من جديد. ويا للخسارة. سُجنت فتاة المجنونة التي هوسته بأحلامها وحكايتها الخرافية. سُجنت خلف العادات والتقاليد وطمست معالمها بخاتم من القهر. خلفه قساوة مجتمع لا يرحم وتهور كانت محترفة به في الماضي."

"أنزل يده من أسفل ذقنها وحررها من نظراته وهو متأكد أنها لن تعود كالسابق إلا بعدما يسيقها هو. هتف فوراً: "ارجعي يا مكة ونفذي اللي قولته لك عليه." "أولاها ظهره. فتحيرت بما تناديه. سيتركها في الشارع ويرحل دون أن يستمع لتوسلاتها ولا يتفهم مشاعرها. نادت بصوت مذبوح: "مــــــش هــــــــقـــــــــدر." "رد وهو يستمر بالتقدم دون حتى الالتفات: "هتقدري. أنا عارفك. ما عندكيش حل تاني." "فصاحت من جديد بحجة أخرى: "طيب بعد الشغل."

"توقف فجأة والتف لها ولوح بإصبعه في تحذير: "إياكي تروحي." "تركها وغادر. إختفى فجأة كما ظهر فجأة. دون أن تدرى إن كان إلياس حلماً وردياً أم كابوساً أسود." *** "منار." "صدمة اعترتها بعد نطق هذه الكلمات. لكن إصرار عينيه على ما قال منعها من الشك. ارتجفت شفاها وهي تسأله: "إنت بتقول إيه؟ أجابها دون تردد ودون ترك مساحة لها للفرار: "بــحــبك يا منار. واتجوزتك عشان بحبك. وكل اللعبة اللي عملتها دي عشان توافقي تتجوزيني."

"يكفي على هذا اليوم صدمات." "أشاحت وجهها عن عينيه القريبتين وحاولت الابتعاد من محاصرته وهي تهتف بضيق: "عن إذنك." "اعترض طريقها ورفض إزاحة يده عن الحائط وشدد على كلماته حتى يحصل على جوابها. لا يمكن تركها دون الرضوخ لرغبته: "إنتي عارفاني مش بتنازل بسهولة." "صاحت في وجهه بعتاب هو أكثر من يفهمه: "وإنت كمان عارفني." "هتف بتوتر من ما قد آل إليه الأمر أو يزداد عندها وترفضه كلياً: "إنتي هتموتيني قدامك. أجيب لك صبر منين؟

أرجوكي يا منار ارفضي كل رجال الدنيا إلا أنا." "دفعته لتتحرر من احتجازه لها. لكنه في كل مرة كان يقف بوجهها من جديد ويهدر: "أكيد كنتي حاسة بحبي." "هذا التصرف يزيد من غضبها. فصرخت بوجهه بإنفعال: "إنت عارف إني مش عايزة أحب." "مسح على جانبي رأسها ليرتب خصلاتها الشاردة وهو يحاول تهدئتها: "أنا عمري زعلتك. حبيني أنا. أنا عمري ما هسيبك. عمري ما هتخلى عنك."

"ألم طفولتها عاد يحزنها ويخنق أنفاسها. فترقرق عينيها بالدموع وانفجرت بالنشيج. وذكرتها تستعيد صور تعلقها بوالدها وفقدانها له أو تخليها عنه بمعنى الصحيح. كادت تسقط من شدة انهيارها. فضمها إليه يفهمها حتى دون أن تنطق. مسح على رأسها وكأنه يرقيها من أن يمس قلبها وجع فيمسه أضعافه. ودون إرادة راح يردد: "أنا مقدرش أبعد عنك. أنا أساساً ما أعرفش أحب غيرك."

"كانت تزداد بكاءً. إن قلبها المصاب بالألم لا يريد أن يفتح بوابته لأي مشاعر إضافية حتى وإن كانت تصدقها. مال برأسه ليستكين في أحضانها. سيقنعها بعشقه أو يموت. لا خيار آخر." *** "في مكتب التوريد الخاص بعمل مكة." دخل إلياس دون إذن إلى مكتب المدير إسلام. انتفض الآخر بعصبية من على مكتبه وهو يسأله بحنق: "إنت مين؟ وإزاي تدخل مكتبي بالشكل ده؟ أغلق إلياس من خلفه واعتلى وجهه ابتسامة باردة دون مغزى واضح وهو يرد عليه:

"أنا الواسطة الجامدة اللي مكة مسنودة عليها." "انسحب الدم من وجهه فوراً بعدما اشتبه في شخصه أنه من أمن الدولة. فهتف بتردد: "حضرتك شغال في أمن الدولة؟ اقترب منه إلياس بخطوات رتيبة ورد عليه بجمود قاس: "لأ. أمن مــكــه." "توجس إسلام من حديثه وراح يزدرء ريقه كلما قصرت المسافة بينهم. لا يستبشر خير. وعلى فجأه جذبه إلياس من تلابيبه. فهدر الآخر بفزع: "في إيه يا أستاذ؟ بتعمل كدا ليه؟ أجابه إلياس بنبرة مرعبة:

"عشان إنت كنت بتنكش عليا. وأنا سمي وحش ولازم أدوقهولك." "أصبح الوقت مناسباً للرعب بالنسبة لإسلام. فراح يهدر بهلع: "أنا ماليش دعوة بيك. أنا ما قصدتش أضايقك." "في ثوان كان إلياس دفعه على سطح وكتبه واعتلاه وهو يصيح بشراسة: "لأ ليك. طالما ضايقت اللي يخصني يبقى ضايقتني." "هتف في هلع: "أنا ما كنتش أعرف. بس خلاص طالما حضرتك قولت. أنا مش هقرب ناحيتها تاني."

"دفعه إلياس بعدما شعر بأن نوبة غضبه قد هدأت قليلاً. بعدما أكد على عدم عودة مكة للعمل من جديد. نزل من على سطح المكتب وعدل ملابسه وهو يرمي له تحذيراً أخيراً: "إياك تعامل حد تاني بالطريقة دي. لأني ممكن تكون تخص حد إنت ما تعرفش تتقي شره." "غادر وتركه يزدرء ريقه وينظم أنفاسه التي كادت تنقطع مما فعله." *** "في منزل إبراهيم السباعي." "نهض من فراشه وإتجه صوب غرفة أبنائه. وتبعته زوجته التي لا تطمئن لحالته. فهتفت وهي تتبعه:

"يا حاج إبراهيم رايح فين؟ "دخل إلى الغرفة. فأعتدلت مرام التي بالكاد نهضت من الفراش بتكاسل. لم تكن وجهته مرام بل مكة. والتي كان فراشها خالياً. ألف إليها يسألها بشك: "أختك فين يا مرام؟ "مظهره وطريقته في طرح السؤال جعلتها ترتبك وهي ترد عليه: "نزلت الشغل يا بابا." "التف إلى زوجته التي كانت خلف منه مباشرة وصاح بها معنفا: "إزاي تنزل الشغل؟ مين أذن لها؟ أنا أصلاً الشغل ده ما عدش يلزمني."

"خرج وترك الغرفة وقد اشتعل غضباً من نزولها للعمل الذي لم يجنى من ورائه إلا التعب. واستمر بالصياح محتجزاً: "والله عال. بقيت ولا كأني ليا لازمة. امبارح تقفل على نفسها طول النهار. وانهاردة تنزل الشغل من غير ما تقولي." "اقتربت منه زوجته لتهدئه وهي تقول: "روّق يا حاج. ما إنت عارف إنها مش بترضى تصحيك وتقلقك." "لم يهدأ وهتف بحدة أكثر من الأول: "طيب أنا بقى مش عايز الشغل ده. إيه قولك؟ هتكسروا كلمتي بقى ولا هتعملوا إيه؟

"كانت مكة على عتبة المنزل واستمعت إلى صراخ والدها المهتاج. وتمتمت قبل أن تدير المفتاح في الباب: "هو في إيه؟ إيه الشغل اللي محدش راضي عنه ده؟ "دخلت إلى المنزل لتتوسط النار المندلعة في وسط المنزل. وعلى الفور انفجر فيها والدها كما لم يفعل من قبل: "إزاي تنزلي الشغل من غير إذني يا ست مكة؟ ولا إنتي معتبراني مش موجودة؟ "تفت بتقطع من صدمتها: "إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟ "تدخلت والدتها لتهدئة الأمور بينهم بـ:

"صلي على حبيبك المصطفى واستهدى بالله." "التفت إلى مكة لتسألها بلوم: "إيه اللي رجعك دلوقتي؟ "أشاحت بوجهها وهي تتمتم في سرها: "حظي الأسود." "وثب إبراهيم من مكانه وهو يزجرها: "في حاجات إحنا ما نعرفهاش. وباين عليا نمت على وداني مدة طويلة." "صعقت من تشبيه المخل لها وردت عليه بحزن: "ليه بتقول كدا يا بابا؟ "لن تهدأ ثورته حتى يعرف كل شيء. صاح محتداً:

"عشان أنا اللي رضيت أسد وداري عن اللي حصل لك. وعشان أنا اللي هربتي من إجابته امبارح. وجه الوقت اللي لازم أعرف فيه كل حاجة." "قال جملته الأخيرة بكل إصرار. وأمام إصراره وإصرار إلياس بدت مستعدة لخوض هذه المهمة الانتحارية لتسأل بإستسلام: "حضرتك عايز تعرف إيه؟ "يعرف أن القادم قد يوجعه. لكنه أراد أن يرتاح نهائياً. فهتف دون تردد: "كل حاجة من أول ما اختفيتي."

"عضت طرف شفتها وحاولت استجماع شجاعتها لتريحه كما يريد. وكلا من مرام وخديجة في الانتظار. بدأت بالسرد بإختصار شديد:

"أنا شفت حلم. الحلم ده كان فيه إلياس النشامى. وكنت عايشة قصة حب في الحلم ده خرافية. برغم إني عمري ما شفته في الحقيقة. في لحظة غباء مني أول ما شفته داخل مبنى الشغل عندنا. دخلت وراه عشان أحكيله الحلم ويفسر لي سر الانجذاب اللي جه على فجأة. بس كنت فعلاً غبية. واتورط مع الإرهابيين اللي جوه وخدوني رهينة. وقتها خلصني واتصابت في كتفي. ولما روحت المستشفى اتخطفت من جماعة إرهابية ظنت إني حد مهم يخصه. وجاني هناك وخلصني من إيديهم. بس حظي الوحش كانوا بدلوا مساجين تبعهم بينا قبل ما نتصل بيهم. فكانوا مضطرين يعملوا كذبة على الإعلام إني هربت ورجعت تاني بشرط إني ما أجيبش سيرة الموضوع ده نهائياً."

"أنهت كلامها ونظرت صوبه براحة. فقد أزاحت ثقل كان يؤرقها كثيراً في الأيام الماضية. الصدمة اقتسمتها والدتها معه. وضعت يدها على فمها حتى تستوعب كل ما مرت به ابنتها التي كانت لمدة طويلة أسفل عينها لا يظهر عليها سوى الهدوء. التفت إلى مرام بغيظ وهي تسألها: "إنتي كنتي تعرفي؟ "انصبغ وجه مرام ونفضت كتفيها كي تخرج من الأمر بإجابة محايدة: "مش كله طبعاً."

"عاد إبراهيم لمجلسه بهدوء وصمت غير متوقع. خطت مكة تجاهه وعينيها تلمع بالدموع. وبدى وكأنه يستوعب ترتيب الأحداث ويربط خيوط ببعضها. ليعود إلى النقطة الأولى. ألا وهي "طلب إلياس للزواج بها." "نظر إليه بغموض وسألها وكأنه عرف الإجابة: "إيه اللي رجعك من الشغل؟ "الإجابة كانت أصعب من أي ما تفوهت به. لكن نظرته الثاقبة كانت قادرة على كشفها. فأجاب على نفسه دون أن تنطق هي: "هــو."

"إيماء مكة بالموافقة جعله يثب من مكانه من جديد ويستدير تماماً عنها متجهاً نحو غرفته ليدفن فيها خيباته المتوالية واختبارات الحياة لعجزه القادم لا محالة. أوقفه هتافها المتردد بـ: "هـــو جــاى انهارده." "كان متوقع قدومه من جديد. لذا لم يتفاجأ. لكن ما يضيق صدره أنه لن يقوى على الرفض."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...