لم يغب عن رأسها المشهد الذي رأته من ساعات، تفكر وتقارن وتحلل بتدقيق. اهتدت أن "مكة" نفس حالتها، تذكرها بحالتها القديمة عندما أجبرها والد "إلياس" على الزواج وقاطعها عن كل أهلها، وأصبحت حياتها الوردية جحيماً استمر سنوات عديدة وانتهى بموته.
غضبه كان مثل غضب "إلياس" عليها، وضعف "مكة" وانكسارها أمام والداها أحيا لديها الكثير من المشاعر وذكرها بما كانت عليه، واستشعرت طعم الظلم من جديد الذي بات كالشوكة في حلقها. بدأت تتعاطف مع "مكة" وتميل إليها، لكن بشكل خاطئ. فمكة لم تكن تكره "إلياس" على عكسها هي، لكن سماعها لشجارهما أوحى إليها بهذا، لذا ستكون عوناً لها للتخلص منه والابتعاد عنه. ستساعدها كي تهرب وتخرج من حياتهم للأبد.
لذا نهضت من جلستها المطولة في غرفتها لتتجه نحوها وتتفق معها. تحركت صوب غرفتها في نهاية الممر وطرقت الباب بهدوء. ثوانٍ وفتحت "مكة" الباب، وعندما وقعت عيناها على "إلهام" بدا على وجهها التعجب، وكأنها كانت تنتظر شخصاً آخر اختفى من مدة. سألت "إلهام" بشك: _هو إلياس مش هنا؟ حركت رأسها بأسف وقد اعتلى وجهها حزن عميق وهي تخبرها: _ما أعرفش. من وقت ما خرج من الأوضة ما رجعش. نفضت "إلهام" رأسها وقالت وهي تخفض رأسها بنبرة منخفضة:
_طالما ما بلغنيش بخروجه، أكيد ما خرجش برا البيت ولسه موجود. دفعتها بخفة للداخل وهي تستأنف: _ادخلي، عايزاكي في موضوع. استجابت لها "مكة" رغم اندهاشها من هذا الاجتماع الغريب، وازدادت دهشة عندما أغلقت الباب من خلفها وعمدت إلى التهامس وهي تقول بجدية: _أنا شفت اللي حصل مع باباكي ومع إلياس، والحقيقة إنك صعبتي عليا، وأنا جيت عشان أساعدك لأن ظروفك زي ظروفي، بس أنا ما لاقيتش حد يساعدني.
حاولت "مكة" فهم مقصدها الذي بدا مريباً بهذه النبرة المخيفة وسرعة الأداء، وتساءلت بقلق: _تساعديني إزاي؟ هتفت "إلهام" بثقة وهي تنظر في عينيها بجدية لا تميل أبداً للمزاح: _هـ..ـساعدك تـ..ـهـ..ـربـ..ـي مـ..ـنـ..ـه. انتصبت الشعيرات في رأسها وفرغ فمها وهي تردد مذهولة: _أهرب من إلياس!
بعد ساعات، وصلت طائرة العرسان إلى المدينة المنشودة. وقد قرر "ريان" اتخاذ شاليه خاص به بعيداً عن "عدي"، فيكفيه اختلاط إلى هذا الحد. يريد أن ينفرد بزوجته ويشعر بالحرية. بينما "عدي" حدد وجهته الأولى على الفور نحو طبيبتها النفسية التي ستبدأ في علاجها. لم يشأ تضيع الوقت حتى يتسنى له أخذ قسط من الراحة والسعادة مع "مرام" في هذه الرحلة القصيرة، وفي هذه الأجواء الرائعة التي ربما لا تتكرر بسبب ضغط والده المستمر.
في الشاليه الخاص بـ"ريان"، ألقى آخر حقيبة ناولها إياها الحرس بالداخل، وهتف بمرح وهو يتجه نحو "تمار" خالعاً الجاكت الخاص به: _تعاليلي يا بطة. تراجعت فجأة بعدما كشفت نواياه بسهولة، وهتفت بسرعة: _أنا هغير وأستريح لأن المشوار كان متعب. توقف "ريان" مكانه وسألها مستنكراً: _مشوار إيه اللي كان متعب؟ جاين على طيارة وطول الرحلة نايمة وجاية هنا عايزة ترتاحي؟ أردف وقد نما غضب مفاجئ داخل صدره: _جرى إيه يا تمار؟
هتبقى إنتي وأبوكي عليا ولا إيه؟ إنتابها القلق عندما شعرت أنه استشف تهربها منه، وعلى من تكذب؟
على "ريان" الذي يعرفها كباطن يده. هي لا تنوي التهرب منه، لكنها كانت بحاجة لترتيب أفكارها بعدما فتح والدها النافذة للرياح تهب وتبعثر كل أروقتها. وجد ثغرة ليطفئ مشاعرها الملتهبة تجاهه، وعبث برأسها بحديثه عن مدى صلاحية ريان للأبوة بعد حادثة زواجه الأولى، والتي انتهت بوفاة ابنته إثر هجمة غاشمة من أحد أعدائه، ليروح ضحيتها ابنته وزوجته في ريعان شبابها، وبات هو المتهم الوحيد، ودارت حوله الشكوك والاتهامات واللوم المستمر على أنه السبب الأول في نهايتها بهذا الشكل البشع.
أسرعت بالتقرب منه كي تنفض كل ما جال برأسه، وأمسكت بياقة قميصه لتداعبها قائلة: _مالوا بابا؟ بس أنا بقالي أسبوع كامل ما بنامش عشان فرح عدي وفرحي جه على فجأة وزي ما إنت فاهم ما نمتش امبارح. طبيعي أفصل. اديني وقتي أسترد طاقتي. لم يقاوم نعومتها وتوددها إليه بهذا الشكل، أنساه ما برأسه وأطاح بكل شكوكه. حاوط خصرها ومال بجبهته إلى جبهتها وسأل بصوت محموم: _طيب نص ساعة حلو؟ رغم صدمتها من تسرعه، عمدت إلى اللطف
معه وهي تهتف برقة متناهية: _قليل أوي. هتف متوسلاً: _خلاص بالله عليكي ربع ساعة بس. سردت مستنكرة: _معقول؟ دول يدوب أوصل بيهم للسلم. ابتسم بمرح وهو يقول: _أنا هوصلك في دقيقتين. مال بجذعه قبل أن تستوعب كلماته وحملها بين يديه مستطرداً: _ربع ساعة بس. رغم هرولته عبر الدرج، هذا لم يمنعها من الاستهزاء: _ياااه إيه الكرم ده؟ الراجل ده كريم أوي. ضحكت مستسلمة، فهو بحالته وجنونه وهوسه شيء يدخل السرور على القلب.
لدى "عدي"، الأمور كانت تجري بشكل أسرع بما أن "عدي" و"مرام" متفقين على شيء واحد، وهو إصلاح ما قد يفسد عليهم حياتهم والاندماج سريعاً في الحل كي لا يضيع وقتهم سدى.
خرج "عدي" من الحمام بعدما انعشه الماء البارد الذي انغمر به في حوض الاستحمام. لم يكن قد ارتدى سوى بنطاله القماش باللون البني ومجهزاً باقي ملابسه على حافة الفراش. وقف أمام مرآته مستعداً لارتداء باقي ملابسه والخروج معها نحو الطبيبة التي تنتظره. عمد إلى تضميد نفسه بالعطر وضغط على قنيته باتجاه عنقه من الجانب الأيمن وكذلك الأيسر، وبفوضوية على كامل جسده.
في هذه الأثناء، طرقت "مرام" الباب لتبلغه أنها انتهت وفي انتظاره. لكنه لم يكن يعي حالته الشبه عارية وناداها قائلاً: _تعالي. لم تعطِ خوانا وضغطت على المقبض وولجت إلى الداخل، وعلى فجأة وجدته هكذا، فأسرت برفع يديها إلى عينيها واستدارت عن مواجهته. فأسرع آسفاً: _آسف بجد ما أخدتش بالي.
هرول ليتقط قميصه الأزرق وارتداه على عجالة، لكن نبت فمه بابتسامة خفيفة عندما قفز إلى رأسه أولى ذكراهم الذي أحياها هذا الموقف. لم يغلق أزرار قميصه والتف لها منادياً بلطف وهو يدنو منها: _فاكرة أول مرة لمست يدها؟ برفق، ليُبعدهم عن عينيها، لكنها اعتصرت عينيها كي لا تفتح عينيها عليه. أردف هو: _زي كدا بالظبط... إنتي جيتيلي منين؟
فتحت عينيها ببطء كبطء كلماته التي تزحف في وريدها، وجدته كسابق ينتظر منها أن تغلق أزراره، يطلب مساعدة باتت مستحيلة، خاصة بعد الحادث الأخير. همست وهي تعود إلى إغلاق عينيها باستسلام: _قدر وأحلى قدر جمعني بيك. تسلطت أنظاره على شفتيها، ولأول مرة يشعر برغبة جامحة تجاهها. قاوم بشدة ألا يطبق عليها، بل لشفاه السفلى وحجزها بين أسنانه وملأ رئتيه بالهواء، لعل هذا يلطف حالته. يعشقها، وما أصعب أن تعشق المستحيل. "شريف ومنار"
اللحظات التي عاشوها مجدداً أطاحت بكل مخاوفها، وشيئاً فشيئاً وجدت نفسها تندمج معه وتستقبل كل شيء منه وتتوق للمزيد. في ليلة واحدة انتقل بها "شريف" إلى عالم جديد ومنحها سعادة لم تكن تعرف لها طعماً. ناداه وهو يقف على أعتاب الغرفة مرتدية شرشف ذو أكمام: _إيه يا منار؟ هتفضلي عندك؟ قومي يلا عشان نرجع الفيلا. اتكأت على مرفقيها لتنهض من الفراش وهي تسأله بقلق: _إيه؟ إحنا هنرجع؟
كاد يصل إلى المرآة في طرف الغرفة، لكنه تراجع ليغير مساره مندهشاً من قلقها مجيباً: _أيوا. وصل إليها وجلس إلى جوارها على الفراش وأمسك يدها وتساءل بلطف: _مالك؟ إنتي قلقانة من إيه؟ حركت شفتيها لا إرادياً معلنة تحيرها وهتفت وهي تحاول التهرب من نظراته الفاحصة: _لأ مش قلقانة ولا حاجة. ابتسم وهو يقول: _إذا كان عليا عايز أعيش معاكي في كوكب لوحدينا، لكن إنتي عارفة ماما ورد مالهمش غيري. بحرج شديد سألته: _هما هيعرفوا اللي حصل؟
ضحك من قلبه على سذاجتها وأجابها بعدما استطاع إيقاف ضحكاته: _مش هيعرفوا بس ما تقلقيش، كلها تسع شهور نثبت الجريمة. رفعت وجهها سريعاً إليه وكأنه لدغث بثعبان مبين، واتسعت عينها، لم تجد تعبيراً مناسباً. خرجت كلماتها عفوية وهي تهدر: _لأ بلاش، ارجو بلاش دلوقتي. مد يده ليجذبها إلى أحضانه. ارتتمت بثقلها على كتفه باحتياج شديد لا يملئه إلا أحضانه. كان صبوراً متفهماً جهلها التام بهذه الأمور، سعيداً بتعليمها على يده.
سمعته يهدر بصبر: _إحنا من يوم ما اتجوزنا وهما معتقدين إن حياتنا طبيعية، اللي حصل بينا هو اللي مش طبيعي. الأمان والدفء الذي تنعم به في أحضانه أشبه بالمخدر. لم تجرب هذه الحياة، لكنها معه هي مستسلمة لأبعد الحدود، مطمئنة لكل ما يأتي. يبتلع كل خوفها بضمته ويمحي كل آلامها بكلماته. همس وهو يهتف بمرح: _إحنا نبات هنا النهارده، واللي يقول يقول.
في فيلا الألفي، كانت النار المشتعلة بين جنبيه لم تنطفئ بعدما رحل أبناؤه. الوحدة والفراغ بقى معه ليخبراه أن نهايته الحتمية هي النبذ والوحدة. بعدما فنى أثمن أوقات شبابه. غدا القصر ذهاباً وإياباً ليفكر فيما سيفعل كي يردهم إليهم بأسرع وقت، لكي يهدأ الغليان الذي بداخله. بدد سجائر كثيرة، يبدل واحدة بواحدة، ولا شيء يجدي نفعاً. رأسه لم يجد حلاً مناسباً ولا مخرجاً لهذه الورطة الذي وضع "ريان" بها، فقد تقدم عليه بمراحل وأوشك أن يسدد اللكمة القاضية.
هتف وهو يهدئ نفسه: _مش هينفع كدا يا رأفت. إنت لازم تهدى عشان تعرف تفكر. جلس على أقرب كرسي ليدفع نفسه عنوة للهدوء والتفكير بعقل. أغمض عينيه وهو ينظم أنفاسه بترتيب. لطالما كان ثعلب خطر في ساحة القضاة، لم يتغلب عليه أحد ولم يخسر قضية.
ثوانٍ وبدأ يهدأ بالفعل، وبدأت أنفاسه تنتظم. استسلم لإغمض عينيه ورأسه بدأ يعمل بشكل ممتاز، وسرعان ما وجد الحل وكأنه كان ينتظر هدوءه. فتح عينيه سريعاً وقد اتسعت بشرذذ بخطر قادم أو طوفان سيجرف الجميع. هتف معلناً انتصاره: _أيوا كدا يا أنا يا إنت يا ريان يا عدي.
وجد الحل، لكن بقى التنفيذ. والتنفيذ لابد أن يكون بشكل محكم حتى يخسر ريان "تمار" للأبد، ويخسر "عدي" أيضاً "مرام". كل الطرق مشروعة في هذه الحرب الذي عمد انتصاره بها. لكن الصداع الذي هاجمه منعه من الوقوف على قدمه من جديد. أجفل من جديد مستسلماً للألم الذي سببه له كثرة التفكير. "مكة" العرض كان غريباً ومدهشاً، ولكن أين تهرب من "إلياس"؟ وهي كادت تجن عندما استيقظت من أحلامها ولم تجده، ومن يساعدها؟
هي غريمتها التي أفسدت حلمها وخالفت تنبؤها، وما سبب كل هذا ودوافعها للفعل هذا التصرف؟ قالت شيئاً غير مفهوم، سألت به مكة مندهشة: _إنتي تقصدي إيه بظروفي زي ظروفي؟ نفخت "إلهام" بضجر من سؤالها وقالت بتذمر: _يا ستي مش مغصوبة عليه، أنا هخلصك منه. لازمته إيه الأسئلة دي كلها؟ قالت "مكة" موضحة:
_أيوا بس أنا عايزة أرجع لأهلي، مش أفضل هربانة للأبد. ثم إنه أول ما هيحس بإختفائي، أهلي هما أول ناس هيتأذوا، وأعتقد كفاية عليهم أذية بسببى لحد كده. لوت "إلهام" طرف شفتيها السفلى وبدا على وجهها إمارات التفكير، ثم هتفت بعدما وجدت الحل: _طيب إيه رأيك إني هسفركم كلكم بره؟ المهم إنك دلوقتي تلبسي وتمشي، وأنا هشغله لحد ما تروحي تاخدي أهلك وتسافري بره. وهديكي فلوس كتير تعيشك مرتاحة إنتي وأهلك.
كانت فرصة لا تعوض، إن فكرت بعقلانية. يكفي ألم لأسرتها، ويكفي منها أن عاشت معه ليلة واحدة جميلة، ولا تبقى حتى تتشوه هذه الذكرى وهي تراه كل ليلة مع واحدة أخرى. لن تتحمل هذا، وستكرهه بمرور الأيام. فلترحل وهي تحبه أفضل. قبلت الأمر وهمت لتنفذ قائلة: _أنا همشي، بس اوعديني إن الموضوع يمشي بنفس السهولة اللي حكيتيها دي. أومأت برأسها مؤكدة:
_اوعدك، وأوعدك كمان إني هفضل على تواصل معاكي بعد ما تخرجي برا، وهوصّلك كل الفلوس اللي تحتاجيها. اتخذت "مكة" قرارها الأهوج وشرعت في التنفيذ، لتهتف "إلهام" وهي تمشي صوب الباب: _أنا هروح أجيبلك كل الفلوس اللي معايا دلوقتي. أسرعت "مكة" بارتداء ملابسها، وكأنها ستفر من جميع أحزانها. التعجل في القرار أنساها من هو إلياس، وأين تختفي منه؟
فكرة غبية، حتى ولو نفذتها ببراعة. إن عثر عليها لن يغفر لها ما فعلت، خاصة بعدما عانى للحصول عليها، وما أتى صعباً التفريط فيه يصبح أصعب. دقائق وعادت "إلهام" تنقر بابها بنقرات خافضة. سمحت لها "مكة" وهي تعدل من حجابها. هتفت "إلهام" على الفور هامسة: _أنسب وقت. عديت عليه، لقيته رايح في سابع نومة. لاحظت الحقيبة السوداء التي بيده عندما رفعتها بين يديها وهي تقول:
_دول كل الفلوس اللي معايا، وده مبلغ كبير مش صغير. وهتواصل معاكي أول ما تروحي. العنوان اللي سبتهولك في الشنطة، هتقعدي هناك مدة قصيرة والشخص ده هيخرجك إنتي وعيلتك برا. عمره ما هيعرف يوصلك. كل شيء مرتب وسريع بشكل مخيف. مساعدة "إلهام" لها لم تجعلها تفكر في قلبها الذي انتفض فجأة منادياً باسمه. ستفقده للأبد، لن تراه. وبغباء شديد انساقت وراء التصرف الأهوج ولم تأمن عواقبه عليها هي شخصياً. هتفت بصوت راج:
_طيب ممكن أشوفه مرة أخيرة قبل ما أمشي. حدقت إليها "إلهام" مستنكرة، من أين تهرب منه؟
ومن أين تريد توقيع طريقة نطقها بهذا الشكل يوضح أنها تعشقه. من خلال خالاته، لو لم تكن استمعت بأذنها إلى شجارهما صباحاً، ما صدقت أبداً أنها وافقت على أمر الهرب. هي لو كانت في مكانها لهربت دون أن تلتف خلفه. لم تعير "مكة" دهشتها شيئاً وتحركت للخارج مسلوبة الإرادة. تحركت بقلبها الذي لا تقوى على ردعه. أليس هو من قادها تجاهه بجنون في أول مرة؟
وقفت في الممر تلتف حول نفسها لتعاين الغرفة، تحذر أين هو في أي غرفة من ورائها. "إلهام" تحاول فهم ما يجري. كيف تفكر هذه؟ وما الذي بينها وبينه؟ وما الشيء الذي يدفعها للبحث عن جلاد اختطفها من أسرتها ومنع والديها عنها؟ حاولت فهم الأمر، لكن قاطعتها "مكة" بسؤال: _فين الأوضة؟ ضيقت عينيها وسألتها بشك: _إنتي عايزة إيه بالظبط؟ إنتي عايزة تمشي ولا تقعدي؟ أجابتها وهي لا يترف لها جفن: _أنا عايزة أمشي... ترددت وهي تردف:
_بس قبل ما أمشي عايزة أشوفه. أشارت بإصبعها إلى إحدى الغرف، فتحركت صوبها. فلا سلطة تطغى على سلطة القلب إذا هوى.
تحرك "عدي" مع "مرام" إلى سيارته. مشى أمامه بخطوة واحدة، لم يقو حتى على مجاورته. بعدما فقد السيطرة وقبلها رغماً عنها. لم ينسَ تشنجها والرجفة التي شعر بها في كامل جسدها. أدرك بعد ثوانٍ ما فعله وبدأ في تهدئتها، لكنه فشل. لذا أسرع في غلق أزرار قميصه ودعها للحاق بها. لم يقو على النظر لعينها بعدها. فتح باب سيارته لتدخل. نفذت دون تردد برغم ارتعاش جسدها المستمر وبكائها الذي لم يتوقف. تكاد تدخل في نوبة انهيار. رآها بهذا الشكل قبل أن يغلق الباب عليها، وصر على أسنانه بحنق، لعن نفسه بشدة على تهوره، ولم يجد شيئاً ليعبر به عن أسفه. فتح سيارته وركب خلف المقود وراح يدير سيارته بتعصب. على نفسها عليه، لكنه استطاع أخذ أنفاسه
ليقول دون أن يطالعها: _بصي أنا آسف، وأوعدك إن ده مش هيتكرر. حركت رأسها بسرعة باستسلام، لكن هذا الاستسلام لم يكن قبولاً أو فهماً، بل كان خوفاً. وهذا زاده انفعالاً. تحرك سريعاً ليصلح ما فعله. يبدو أن طريقه طويل وشاق. تذكر المرة التي تحرك بها وهي في نفس الحالة، وهو أيضاً كان غاضباً، لم يقو أيضاً على النظر إليها تماماً كالآن. وكأن الآلام تعيد نفسها.
من حسن حظها أن "مرام" وقعت مع "عدي". حظها الطيب في الدنيا بأكملها. وضع لها في هذا الرجل الحنون المتفاهم الواعي. طلب منها بهدوء: _ممكن تغمضي عينيكي؟
استجابت على مضض. فتح جهاز الموسيقى الخاص بسيارته وانتقى موسيقى هادئة للبحر والأمواج وزقزقة عصافير بعيدة، متعمداً تهدئة أعصابها وأعصابه معها. ظل يتابعها المرآة ويتابع تشنجات وجهها وقسماتها التي تهتز، يوحي أنها تقاوم شيئاً خفياً وتصارع كوابيس مريضة تهاجمها بلا رحمة. لم يكن تعبيراً مبالغاً به، بل حقيقياً. كانت تشعر باختناق وبأيدي كثيرة تلتف حول عنقها لتسقطها في بركة مياه وتغرق بفعل هذه الأيدي. تذوق ما ذاقته من قبل وتكرر معاناتها. ترى الضوء ولا تستطيع أن تصل إليه، ترى المياه تغمرها ويدها الممدودة لا تمسك سوى بالفراغ. تظل تبتعد وتبتعد، لكن ترى انعكاس صورة شخص يمد يده من وسط المياه ليساعدها.
غاصت في أحلامها وهي تتبدل. هو "عدي"، الرجل الذي لم تتوقع وجوده بهذا العالم، الذي تأمنه على روحها دون تردد. وضعت يدها في يده، وبدا هذا في الواقع وهي تمسك بالكرسي من تحتها. تريد أن تنسى العالم والناس وكل ما قاسته. وتعطيه بقدر ما أعطاها من أمان واحتواء. لو تقوى على مرور المرحلة هذه لتريه جنة الله على الأرض، لتعطيه روحها دون مبالغة. غاصت في أحلامها وهي تمسك بيده وتضمه فقط. أحلامها.
وطأت قدمها الغرفة على أطراف أصابعها، تحبس أنفاسها. لم تصدر أي صوت. طالعته وهو متمدد على الأريكة، عيناه مغمضة وملامحه النائمة تشير بأنه ملاك. وضع ساعده على جبينه وترك الأخرى متدلية من الأريكة. لم تكتفِ بمشاهدته من بعيد. اقتربت منه، لكن بحذر شديد. تريد الهرب منه وتريد الشبع من وجوده، الذي تعرف أنها ستعض عليه الآن أنامل حسرة. فما خلق قلبها إلا لحب إلياس، وما وجدت إلا أن تكون له. سقطت دمعة حارة وحائرة. البعد قاسٍ والاقتراب مؤلم، لكن لابد من الهرب بعيداً عنه. هو السبيل الوحيد لعدم كرهه بمرور الأيام، لتبتعد وهي تحبه حتى لا تنهدم أحلامها أكثر من هذا الواقع المؤلم.
استدارت لتبتعد وهي تنظر إلى "إلهام" التي تطالعها بحيرة. لم تستنكره، هي تعرف أن علاقتهما معقدة إلى الحد الذي لن يفهمه أحد على وجه الأرض، ولا حتى هي. الانجذاب الذي بينهما خرافي. قبض على معصمها فجأة فسقط قلبها في قدميها في التو. أرسلت لـ"إلهام" نظرة رعب واستغاثة، لكن الأخرى ما إن استوعبت اختفت فوراً لتتركها تواجه مصيرها وحدها. سألها وهو لم يفتح عينيه بعد: _جاية ليه؟
سكت وهو يتلمس يدها التي بين أطراف أصابعه. استشعر برودتها ففتح عينيه ليرى من ظهرها ترتدي ملابس توضح أنها ستخرج. وثب من نومه وهو لا يزال ممسكاً بيدها. سأل بشك: _إنتي رايحة فين؟ التف بسرعة ليقف بوجهها. حدق إليها ملياً وكأنه يقرأ تفكيرها ككتاب مفتوح. حجزت عيناها وهو يكرر سؤاله بشكل مخيف: _كنتي رايحة فين؟ ردي. ثقل لسانها فجأة وتاهت الكلمات. خشيت أن تجيبه وألا تجيبه. تساقطت دموعها دون داعٍ وارتعش فمها وهي ترد خائفة: _أ...
أأأ مش رايحة أنــ... قاطعها وهو يحرك رأسه بتفهم واستهجاء في آن: _من غير عياط بس... العياط وقته جاي. ازدادت رعباً وقد علمت أن وجهها أخبره بكل شيء واختفت كل الحجج من رأسها وطار معها الأمان. شعرت وكأن الأرض تميد بها وبدأت بالتوسل: _أنا آسفة والله.. خلاص والله خلاص.
تغير وجهه ونظرته كذلك، تحولت إلى الخيبة. خيبة عميقة نابعة من حب عميق وخذلان مبين لم يكن يتوقعه منها. ياليته جلدها ولا نظر لها هكذا. شعرت بالخجل وبالذنب، ولا تعرف كيف حولها بنظرة إلى مذنب. الآن عرفت أحد جرائم العشق. وجدت نفسها تقترب منه وتهدر دون إرادة: _إنت زعلت؟
ترك يدها واستدار تماماً عنها. عشقها مؤلم وتحمل في سبيل الحصول عليها الكثير، وهي تفرط به بهذه السهولة وتلجأ إلى الهرب. لم يجبرها، لكنها دوماً تعطيه شعوراً أنه أجبرها. أنها لم تكن تحبه أصلاً، بل تلاعبت به. هذا يحرقها من الداخل. لم يفت على جرحها السابق وقت، قرر معاقبتها. ومعاقبتها هي الصمت. الصمت عنها كان أكبر عقاب قد تتخيله. آخر كلماته لها كانت مقتضبة للغاية: _إخرجي لو عايزة تمشي خالص، إمشي.
خرجت تجر أذيالها، لم تقو قدمها حتى لتأخذها تجاه الباب، فكيف تغادر؟ مرة أخرى عرقلها قلبه. دخلت إليه "إلهام" عقبها، ولم يكن لديه أي قدرة على الكلام. هتف دون أن ينظر لها: _لو سمحتي أنا مش قادر أتكلم. رفضت طلبه ووقفت قباله تسأله بحدة: _أنا عايزة أفهم إيه بينك وبين البنت دي؟ في وقت سابق كان سيحكي لها أنها أفضل امرأة وأجن امرأة في الكون كله، لكن الآن لا طاقة للتفوه حتى بحرف. الخيبة صفعته بقسوة. دعك جبهته وهو يكرر متألماً:
_لو سمحتي سبيني لوحدي. اندفعت تخبره دون خوف أو حتى ندم: _أنا عرضت عليها تهرب ووفرتلها فرصة ما كانتش تحلم بيها. إزاي عايزة تشوفه؟ عايزة تودعك؟ وأنا لو كنت مكانها كنت ولعت البيت باللي فيه قبل ما أمشي. إنت جبرتها على الجواز وحرمتها من أهلها، بالظبط زي أبوك ما عمل فيا. خرج "إلياس" عن شعوره وصمته وصاح بغضب عارم: _أنا ما غصبتهاش على حاجة. أشار بإصبعه للخارج وهو يتحدث بعصبية لم تراها منه من قبل:
_اللي بره دي هي اللي رمت نفسها في طريقي. هي اللي كانت بتحكيلي عن حب خرافي. أنا حبيتولها في أحلامها. هي اللي جاتني. أنا ما غمضتش عيني من يوم ما دخلت حياتي. ما عرفتش أنساها ثانية. ما عرفتش أتخطاها. ما غصبتهاش وعمري ما هغصبها. أنا مش زيه. إنهاره في هذا الحديث صدمها. "مكة" تعيش قصة حب متخبطة. "مكة" شيئاً مختلف لم تحسب حسابه.
لدى "ريان"، شوقه المبالغ فيه دفعه إلى الدخول إلى "تمار". شيئاً ما يعجله، متعجل، ربما لا يأمن مكر "رأفت"، وخاصة إنها ليست على سجيتها من وقت ما خرجوا من الفيلا. اقترب منها بحرص وتأملها قليلاً وهي نائمة، وهو يدس يده في جيبي بنطاله القصير، مستمتعاً بوجودها معه دون قيود من قبل. لم يكن يسمح لنفسه بهذا، والآن يشعر بالحرية والسعادة معاً. ثنى ركبتيه لينضم إليه، وبهدوء شديد احتضنها ومال عليها مبتسماً عندما اندثرت في أحضانه
كنقطة ناعمة تبحث عن الدفء. قبّل جبهتها بعمق وحب. ما كان قلبه يدق بعد زوجته الأولى. بقى سنوات بلا زوجة، عازفاً عن هذا الأمر، معتقداً أن قلبه مات، مصدقاً همهمات البعض بأنه السبب في قلتلها. لكن هي أتت لتحيي قلبه المتوقف عن الحياة. أنارت عتمة حياته ونثرت الورود في طرقات روحه. قبلها من جديد مستمتعاً بوجودها في أحضانه. همس مدللاً
إياها: _يا جميلتي، هتصحي إمتى؟ وحشتيني. أصدرت همهمة بسيطة تدل على غرقها في النعاس. ناد مكرراً وهو يحركها بين يده: _يا بت يا حلوة إنتي يا حبي. لمح شبح ابتسامتها على ثغرها وتورد وجنتها، فضحك أنها تتدعي النوم. مد يده الأخرى ليسحب الغطاء عليهما وهو يقول: _حيث كدا أنام بقى أنا كمان.
فضحها بمناغشته، فضحكت بصوت عالٍ عندما حرك أصابعه على عنقها عامداً إضحاكها ونجح بالفعل. أوقف عبثهم وضحكاتهم العالية صوت رنين الهاتف. قاومت الخروج من تحت الغطاء الذي حجزها لأسفله وهي تهتف ضاحكة: _استنى بس أشوف مين؟ تحدث بتذمر وهو يتمسك بها: _يولع مين ما كان. لكنها أصرت لكي تهرب منه قائلة بإصرار: _يكون حاجة مهمة. استنى بس هشوف مين. خرجت أخيراً لتطلتقت هاتفها، وما إن قرأت اسم المتصل، اعتدل سريعاً وهي تهتف متعجبة:
_دا من الفيلا بتاعة بابي. إنتابه الغضب وهو ينفخ بضجر جلي. أسند ظهره إلى الوسادة وانتظر معرفة السبب، والذي لم يتأخر. عندما صاحت "تمار" على فجأة وهي تقف على قدميها: _إيه؟ بتقول إيه؟ أنا هاجي حالا. التف يحدق إليها باستنكار متسائلاً: _تيجي فين؟ أجابت وهي فازعة تدور حول نفسها: _بابا تعبان وضغطه علي فجأة ووقع. كان يستمع لها مضيقاً عينيه دون تصديق، ثم حرك رأسه رافضاً وهو يقول: _ولا تدخل عليا التمثيلية دي بربع جنيه.
تعجبت من برودة أعصابه، بينما روحها تحترق لألم والدها: _بابا واقع لوحده هنا. كلم يكترث لحديثها ومال بجسده ليمسك ساعدها جاذباً إياها نحوه: _ده أنا اللي واقع هنا وربنا. سحبت نفسها من يده وصاحت غاضبة: _إنت إزاي مشاعرك باردة كدا؟ نهض من مكانه وقد اشتطاط من سذاجتها في تصديق ترهلاته وعدم إدراكها خداعه وأمن مكره الذي عانوا منه كثيراً: _جرى إيه يا تمار؟ مشاعر مين اللي باردة؟
إنتي من ساعة ما أبوكي كلمك وانتي فيكي حاجة مش طبيعية. تحركت صوب حقائبها التي لم تفتح غير واحدة لتأخذ منها ملابس أكثر راحة، لكن على ما يبدو أنها ليس مكتوب لهم الخروج وستعود بهم من حيث أتت. لم تبالِ بما قال. عبثت بهاتفها وهي تخرج ملابس أخرى لتغادر المكان وسط تأففات واضحة من "ريان" المصر على البقاء والمستمر في القول: _إنتي بتعملي إيه؟ إحنا مش هنمشي. دي خطة منه عشان يرجعنا تاني ليه. إنتي هتصدقيه برضو؟
ضغط إيه اللي يوقعه دا أبوكي شباب أكتر مني. رفعت هاتفها على أذنها لتقول دون اهتمام بحديثه: _أيوا يا عدي بابا تعبان وأنا راجعة تاني. هتيجي توصلني؟ تمام. طالما كلموك يبقى تعال نمشي سوا. أغلقت الهاتف وشرعت في ارتداء ملابسها. فوقف بوجهها وصاح بها: _إنتي عاملة نفسك مش سامعاني ولا إيه؟ نظرت له بتحدي وهي تقول دون تردد: _لو قلت من هنا لبكرة مش هسمعك. ده أبويا يا ريان مش هسيبه حتى لو كان بيمثل.
حرك رأسه وبدا غاضباً من آل الألفي جميعهم. هتف مستسلماً لكن بغيظ: _وماله نروح نطمنه ونطمن عليه. "لدى مكة"
دخل "إلياس" بعد مدة طويلة إلى غرفتهم. كانت في انتظاره، ولكنه غاب بما يكفي لتمددها على الفراش والشروع في النوم. وما إن استمعت إلى صوت إغلاق الباب حتى انتفضت من مضجعها في انتظار عقابه. لم يوليها وجهه حتى قرر تجاهلها وكأنها غير موجودة. استلقى إلى جوارها وأولها ظهره وعقد ساعديه على صدره وكأنه يضم نفسه بنفسه ويمنعها من عصيانه والتحرك صوبها.
رفعت نفسها كي ترى جيداً ما إن كان نائماً أم لا، وفجأتها بأنه يفتح عينيه على اتساعهما. سألت بتردد وهي تشعر بالخزي من تصرفها: _إنت هتنام؟ أجاب باستهجاء: _لأ رايح الشغل.
لوت فمها من سخريته. هكذا سينام غاضباً دون حتى عتاب قصير يوضح أهميتها لديه. هكذا سينام غاضباً عليها، لاعناً إياها من جنة أحضانه ونعيم رضاه. كانت غبية لتفكر به بهذا الشكل، لكن الألم لم يحتمل. عادت تغضب منه، أنه أجبرها على حياة لم تكن تريدها. أرغمها أن تحترق لألف مرة وهي تراه مع أخرى تراها أجمل منها ويصغي لها أكثر منها ويغفر لها دونها. اندفعت تنهره بضيق: _طالما زعلت مني، ما تروح تنام عندهم. زعق
بصوت كرعد ينذر بغضب مشتعل: _قلتلك ما تكلميش في الموضوع ده تاني. كانت محاولة يائسة لنبش حديثاً معه لمعرفة ما يكنه مع صمته المريب. بات تخشى كل شيء وتزداد تخبطاً. قالت دون وعي: _أومال أكلمك في إيه؟ إنت اتجوزتني أساساً ليه؟ إنت بتنقم مني؟ لم تدرك أي شيء بعد كلماتها. فجأة وجدته اعتلاها، وبعينيه جحيم مشتعل يحرق بؤبؤ عينها الذي يخترقه بنظرة. قال وهو يسحق الكلمات بين أسنانه: _إنتي باين عليكي عايزة تتأدبي.
خارت قواها وذهب اندفاعها أدراج الريح. ناقلت بصرها بين عينيها وسألته بنبرة متوسلة: _إنت ليه بتعمل فيا كدا؟ ريحني. ما زال غضبه يسيطر عليه وما زال أسنانه تلتصق ببعضها البعض. هتف وهو على نفس حالته: _إنتي مش عايزة تفهمي. أنا مش عايز أقولك بحبك تاني. أنا كل ما أحبك تبعدي. تلألأت الدموع في عينيها وقالت بلهجة حزينة: _والله بحبك. أنا ما عرفتش الحب أصل غير لما قابلتك.
وكأنها أخمدت ناره بكلماتها. تحولت نظرته ونبض قلبه بخفة كريشة في مهب الريح. قالت تحبه، وهذا يكفي. إنها الكلمة الوحيدة التي يرجوها منها. سألها بهدوء وهو لا يزال يعتليها: _أومال عايزة تهربي ليه؟ أجابت وهي تزفر أنفاسها المتألمة، لعل الجبل الثقيل الذي على قلبها يتحرك قليلاً ويسمح لها بالتنفس:
_أنا مش عايزة أتألم تاني. صعب عليا أشوف واحدة تانية في حياتك. صعب عليا أحب راجل مش ملكي بالكامل. مش قادرة على بعد أبويا عني. مش عارفة أصدق إني مش مجبورة عليك، وكل حاجة حواليا بتثبتلي إني مش حرة، إني مرغمة عليك. أذدرق ريقه وهو يسمعها، يشعر بها. لكن ما خيار آخر؟ ستظل تشعر نفس الشعور حتى وإن علمت أنها والدته، ستظل تفكر في البعد. هتف عاجزاً عن منحها أي شيء يطفئ نارها:
_وأنا مش عارف أبعد. صدقيني أنا مش بجبرك، أنا مش قادر أبعد عنك. أنا وإنتي برغم كل الظروف بينا انجذاب أقوى من أي مغناطيس. عارف إن كل اللي حصل مش طبيعي، بس برضه اللي بينا كان خرافي.
تراجع عنها وتمدد إلى جوارها يحدق إلى السقف دون إهدار المزيد. لم يقو على الهتاف بأكثر من ذلك ولم يجد أي حافز أكثر من هذا لتبقى معه. هي لم تتوقع كل ما قاله، ويتضح أنها لابد أن تتجاهل مشاعرها وتتحمل كل شيء في سبيل الحب الذي قذفت نفسها تجاهه بمنتهى الغباء. تبعه قلبها ولتبعه حتى النهاية، فأصبح لا مفر. "فإذا هوى القلب تبعته الجوارح".
وسط كل هذه الفوضى، صدح هاتفه في الأرجاء. مال على جنبه ليطالع شاشة هاتفه المضيئة دون اكتراث، وضغط زر الإجابة وهو يتساءل ببرود: _هو إنت متجوز عشان تتصل بيا أنا ولا إيه؟ قال "ريان" وصوته مشحون بالضيق: _هو أنا عارف أتزوج؟ وإنت كمان كل ما أكلمك ألاقيك مضايق. عندك إيه؟ أجاب وهو يعود إلى سابق جلسته متنهداً بأسف: _عايزة تمشي وتسيبني. هتف "ريان" متحمساً: _حلو! أنا عندي حتة حلوة تروحها، هتعجبها أوي. تروح لأختها.
سأله "إلياس" متعجباً: _بتقول إيه؟ هدر الآخر مغتاظاً: _رأفت الألفي عامل نفسه عيان ورجعنا من شهر العسل قبل ما نفتح الشنط. عايزك توجب معايا، والصبح تبقى عندي إنت والعيلة كلها تقضي اليوم معايا عشان أضايقه. وعلى المصحف لأعزم له الجهاز الأمني كله عشان يزهق ويطردني. مش عارف آخد حريتي.
مال جانب فمه بابتسامة صغيرة، مجبر على تنفيذ رغبته ومساعدته حتى وهو في هذه الحالة، فهو بات شبه آلة فقدت معنى الحياة. بما أن مشكلة لن تحل أبداً، فيحل مشكلة صديقه: _حاضر، هاجيلك بكرة. هلت نبرة "ريان" وهو يهتف معلناً فرحه: _تشكر يا سعادة الباشا. نجاملك في الأفراح. وبالنسبة لمكة، تجي لي بكرة نحل مشكلتك بإذن الله. هتحلك.
أنت تجلس إلى جواره وتستمع إلى حواره بالكامل. انزعجت من شكواه إلى ريان والتحدث عنها بهذه الاريحية، لكنها كتمت كل هذا في جانبها المظلم مع كل ما تعانيه منها. أغمضت عينيها وتركته يتقلب في الفراش دون استقرار على جنب واحد. بالأمس نامت في أحضانه، واليوم لا تستطيع أن تنال هذا الحض رغم رغبتها الشديدة لذلك. "شريف" نزل معها من شقتهم قائلاً ويده متشابكة بيدها بفخر: _كدا حرم شريف بيه بصحيح. ابتسمت له ومالت
برأسها على كتفه وهي تقول: _كفايا عليا حبيبته. _اوبا واحدة واحدة عليا يا بت خالتي كدا. أنهى جملته بغمزة لم تراها هي وهو ينظر إليها من أعلى كتفه. كانت تحتمي به وهي تتقدم معه خطوة بخطوة نحو الخارج. لم ترد عليه، فهي أطلقت العنان لمشاعرها، وجميع ما ستشعر به ستخبره به. لن تخفي عنه شيئاً ولن تهاب أي شيء.
خرج من العمارة وظلت كما هي، تمسك بيده وتميل إلى كتفه. كانت صامتة، لكن مشاعرهم تتحدث نيابة عنهم بتشابك الأيدي والدفء المسيطر على لغة جسدهم. لم تكن الفيلا الخاصة بهم تبعد عن شقتهم الذي اختلى فيها. وصلوا بعد مدة قصيرة. دخلوا إلى الفيلا. في الداخل كانت تنتظرهم "ماجدة"، وتهللت عند رؤيتهم بهذا الشكل الذي لم تعتاده، وسعدت أكثر عندما رأت منار في سعادة غابت عنها مدة طويلة. قال معا: _مساء الخير يا ماما.
أجابت وهي تطالعهم ببهجة: _مساء النور يا حبايبي. أحضرلكم العشاء؟ هتف "شريف" باسماً وهو يرمي نظرة نحو منار بخبث: _لا إحنا اتعشينا، ما تعبيش نفسك يا ماما إحنا هنطلع ننام على طول. تحدثت "ماجدة" بلهجة أسفة وقد خيب آمالها بعد انتظارهم في مؤانستها: _ليه كدا؟ أنا حتى مستنياكوا من بدري. شريف: _معلش اصــ... قاطعته "منار" لترد عليها: _مين قال إني هنام دلوقتي؟ أنا عايزة أتعشى.
رفع أحد حاجبيه وهو ينظر إليها مندهشاً. تابعت دهشته قائلاً باستنكار: _تتعشي؟ إنتي مفجوعة يا منار؟ والسفرة اللي عملتهالك ونسفتيها هناك في الشقة دي كانت مسح زور ولا إيه؟ شاكسته لتغطي عن ذكر الشقة في الموضوع وهي ترمق خديجة بوجل من كشف أمرها: _سفرة إيه؟ إنت طبيخك كله عك، دي الحقيقة اللي مخبياها عليك. لم يعِ شيئاً سوى هجومها وإرادته بالانفراد بها من جديد: _يا سلام وإنتي كنتي دقتي أكل مين عشان تحكمي؟
أنا طول عمري أنا اللي بأكلك يا مفجوعة. حركت رأسها ودغعت نفسها باتجاه بتعند: _إنت اللي مفجوع وأكلك مايع. واطلع نام لوحدك. أنا هتعشى الأول. كانت تنظر إليهم "ماجدة" وتضحك على مزاحهم وكميدياتهم التي أشبه بالقط والفأر المسلي. جذبها إليه وتبدلت نبرته وهو يهمس بحرارة لم تسمعه والدته، لكنها شاهدتها حتى الأعمى سيبصر قصة حبهم حديثة الولادة: _أيوا أنا مفجوع عشان مش بشبع من ك. هنا صاحت "والدته" بهم وهي تنهض قائلة:
_خلاص ما فيش عشا. أنا أصلاً عايزة أنام. اللي عايز يتعشى يتعشى واللي عايز ينام ينام. قالت كلماتها وهي ترحل عن مجلسهم. نفخ بضيق من ملاحظتها وعدم تحكمه بنفسه مراعاة لوجود والدته. هتفت "منار" لائمه: _كان لازم تجيب سيرة الشقة وتخليها تاخد بالها. رد عليها ساخراً وهو يضع يدها في جانبيه قائلاً: _وانتي كان لازم تقولي على أكلي وحش؟ هتفضلي لحد إمتة غشيمة. أشارت له وهي ترد إليه إهانته: _وإنت قليل الذوق. اقترب منها متسائلاً
بتحذير: _مين دا اللي قليل الذوق؟ تراجعت وهي تلوح بنفي: _أنا... بسرعة كبيرة حملها بين ساعديه وهو يقول: _تعالي بقى أنا نفسي من زمان أقص لسانك اللي فضحنا. أدركت في الهواء وهى تهتف من بين أسنانها بصوت حاولت أن يكون خافضاً: _إنت اللي هتفضحنا. نزلني. تحرك صوب الدرج غير هابعاً بما تقول ليصر قائلاً: _إذا كنتي خايفة من الفضايح، أحب أطمنك إن فضيحتنا هتبقى على مسمع كل أفراد الفيلا وضوحيها. قهقهت رغماً عنها، فعلق ساخراً:
_أموت في الفضايح. وتبدلت نبرته وهو يطوي الدرج أسفل قدميه، يردف بمشاعر فياضة: _وأموت فيكي وفي ضحكتك وفي طول لسانك وكل حاجة منك. أنساه بكلماته المكان والزمان. تمسكت بعنقه، وضعت رأسها على قلبه واستسلمت لكلماته ومشاعره وعشقه ولكل ما يجول في خاطره. تبخر العند وبقي القلب يمشي على هواه فرحاً بهذا الحب الخرافي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!