الفصل 30 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الثلاثون 30 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
6,310
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

"وليست الأخيرة" صاحبة الخرافة. في فيلا الألفي، رحل إبراهيم وخديجة إلى عنوان إلياس، وبقيت مرام تجلس بمقابل ريان. بعدما ركن عدى إلى تمار في الأعلى، سألته بشك: "أنت متأكد إن إلياس متجوز؟ نظر إليها بفتور وأجاب دون اكتراث: "آه متأكد، زي ما متأكد إنك قاعدة قدامي دلوقتي." أشاحت بوجهها وزفرت بإحباط، وراحت تهدر من جديد وكأنها غير مصدقة: "مستحيل، مكة شافت إنه مش متجوز." اعتدل في جلسته ومال قليلاً للأمام وهو

يسأل باستخفاف وهو يحذر: "نعم، وشافت فين بقى إن شاء الله؟ فتحت المندل ولا قرت الكف؟ حركت رأسها بنفي وأجابته: "لأ، استغفر الله العظيم، الحاجات دي حرام." استطردت لتوضح له: "مكة أحلامها بتحقق، وزي ما تقول كدا ربنا مديها نور بصيرة. وقبل كل الأحداث دي، هي أصلاً حلمت بإلياس، وطالما هي حلمت إنه مش متجوز، يبقى أكيد فيه حاجة غلط." عادت تكرر سؤالها بشك من جديد: "إنت متأكد إنه متجوز؟

برغم اندهاشه ومحاولة استيعاب ما قالته، هز رأسه بإيماء قصير وبدأ يعيد بذاكرته بداية تعرفه على مكة وكيف بدلت حال إلياس العاكف المضرب عن الزواج. شرد ولم يلاحظ حتى وداع مرام. رأسه كان مع صديقه الذي اتبع الخرافة حتى تحولت إلى حقيقة. ***

في منزل إلياس، اجتمعوا على طاولة واحدة يرأسها إلياس، عن يمينه إلهام وعن يساره مكة. الصمت كان يرافقهم طوال الجلسة، كلا منهم يصطنع التهامه للطعام، لكن الحقيقة أنه لا أحد فيهم يأكل. ومع برودة المجلس، هتف إلياس وهو يغتصب الابتسامة على ثغره: "لا، بس الأكل يجنن. مهما دوقت أكل ولفيت، ما بحبش غير الأكل اللي بتحطي عليه لمساتك."

أمسك بيد إلهام وجذبها إلى فمه ليطبع قبلة عميقة أشعلت نيران مكة التي تابعتهم بصمت. ما كانت إلهام ترضى بهذه المجاملة المزيفة، لكن بالنظر تجاه مكة ورؤية تفاعلات الغضب على وجهها، هذا رائع لتعرف من الآن أنها سيدة المنزل ولا سلطة تعلو سلطتها، حتى وإن كان إلياس الذي اختبأت بأحضانه من قليل.

ترك يدها وأكمل في تناول طعامه بهدوء، متجاهلاً النظر باتجاهها. يعرف أنها في حالة سيئة، ومع استمرار الضغط سيخبرها بكل شيء، فهو لن يتحمل إيذائها. لتعرف أنها والدته، هي السيدة الأولى في حياته ولا تقهر. لأنها زوجته حتماً سيخبرها، لكن في الوقت المناسب.

على فجأة، نهضت مكة من كرسيها وغادرت نحو الغرفة الوحيدة التي تعرفها، لتخبئ معها هذا الألم الذي يعتصرها، ولتتركهم يتغازلون بحرية. لن تكون عازلة يكفي الليلة التي قضتها معه أمس، والليلة ليكون لها هذا هو العدل. بعد دقائق، لحق بها إلياس. أغلق الباب جيداً من خلفه واقترب منها متسائلاً: "مالك يا مكة؟ انتي زعلتي؟ تابعت دخوله المفاجئ وحركته، ثم حركت كتفيها وكذبت: "لأ، ابداً."

نعم كذبت بلسانها، لكن عينها قالت الحقيقة. اقترب منها وحاوط وجنتها بكفيه وهو يهدر مشاكساً: "بتكذبي على جهاز الأمن يا مكة؟ إنتي هبلة يا بنتي؟ دا جهاز كشف الكذب، احنا اللي اخترعناه." أزاحت كفيه عن وجنتها واستدارت من وجهه، لكنه لم يغير معاملته. هي هنا في غرفتهم، قلبه وعشقه الحقيقي، ولن يخجل من دلالها. احتضن خصرها وأسند طرف ذقنه على كتفها، ليكرر نفس ما حدث صباحاً، مغمغماً لعشقه: "مكة يا مدينتي، يا أرضي وموطني."

رغم نبرته المفعمة بالأحاسيس وصدق كلماته الواضح، لم يحرك ضيقتها سنتياً واحداً. ردت وهي توشك على الاختناق من ثقله على أنفاسها: "ما فيش حد بقلبين، يا بتحبها يا بتحبني. في حد فينا بيتلعب بيه؟ لم ينزعج من حديثها، فهي لا تعرف الحقيقة. رفع رأسه عن كتفها وأدارها إليه بخفة، ورفع كفيه ليحاوط وجهها القمري بينهما بتملك. تأملها قليلاً ثم قال: "أنا لو عندي ميت قلب، هحبك بيهم كلهم. حب خرافي."

حديثه تكاد تصدقه، لكن حينما تقفز صورتها أمامها، تعصف بكل هذه الحقيقة ويبقى الشك والقلق. سألت متأثرة: "انت بتلعب بيا صح؟ أنت عايز إيه تاني مني؟ ضمها إلى صدره وهدر مازحاً وهو يتحرك بها: "إنتي بتهزري؟ أنا خدت منك حاجة أصلاً؟ وعندما شعرت أنه أوشك على تكرار التجربة، انسلت من أسفل يده وصاحت وقد تناثرت دموع الحسرة على وجنتها: "ما تروح بات معاها." تشنجت قسماته وقد ظهر على وجهه غضب عارم، وصاح بها بتعنيف: "إسكتي."

ابتعدت عنه وردت عليه وكأنها تحتمي بالمسافة من بطشه المحتوم: "وأنا قولت إيه غلط؟ طالما بتحبها كل الحب ده، وصعبان عليك إنك اتجوزت عليه، تقدر تعتبرني مش موجودة وتروح تبات عندها، وأنا متنازلة عن حقي لها." أصر على أسنانه وازداد حده وهو يزعق أمراً: "مكة، اخرسي. ما تتكلميش في الموضوع ده تاني. وافهمي بقى، مش كل شوية هفهمك." رمقته باستخفاف وقد نال منها الغضب كما نال منه: "أنا مش غبية. إنت ليه بتديني أوامر؟

عايزني برا الأوضة دي؟ ماليش أي لازمة؟ أتفرج؟ أسكتهم ليخبرها بالحقيقة ولينتهي الشجار. هتف بتعب: "مكة، اسمعيني أنا... اشتعلت غضباً وصاحت بصوت جهور: "انت لازم تفهم إنك غصبتني على الجواز منك وهددتني بأهلي. ولو كنت سبتلي حرية الاختيار، عمري ما كنت هختارك ولا هقبل الوضع ده أبداً. قبلك كان كامل، لكن رفضته لنفس الأسباب. أنا وفقت عليك غصب عني."

لم يصدق هذا. هي من أقنعته أنه لا يستطيع الاستغناء عنها، هي صاحبة الخرافة، هي من ركضت خلفه وجعلته يركض وراءها. أوجعته حقاً بحديثها عن كامل والتشبيه السخيف. ليسألها سؤالاً ويكشف حقيقة كذبها لها. هو لم يرغمها، بل هي من أرغمته: "لو أنا غصبتك على الجواز، كنت غصبتك كمان على اللي حصل بينا. إنتي عايزة تصدقي نفسك إنك اتغصبتي، لكن يا حلوة، إنتي من أول لمسة أثبتي إنك اتخلقتي ليا."

بلعت ريقها وزاغ بصرها. نعم تحبه، لكن لن تقبل بشريك. الوضع فوق طاقتها. أجابته بتعند: "أنا مش عايزة يا إلياس، مش عايزك تقرب ليا تاني." طرقات الباب كانت السيف القاطع لهذه الدهشة التي ملأت وجهه. لم يكن يصدق أن كل هذا حقيقي، لولا طرق الباب. أولاها ظهره وتحرك صوب الباب ليدير المقبض في غضب، فتصادم مع إلهام التي رمقته بشك وعلامات وجهها توحي أنها استمعت شجارهم الدائر بوضوح. أشاح بوجهه عنها كي يستعيد هدوءه أمامها،

فهتفت دون إطالة: "في ناس برا بيقولوا إنهم أهل مكة." عندما سمعت مكة هذا، تحفزت حواسها. كانت تود الركض إلى أحضانهم وتحتمي بهم. لو كان إلياس رجلاً عادياً، لقبلت بهذا منه. لو كان أجبرها كما قالت، لم تكن نار الغيرة تأكلها ولم ينال كل هذا الحزن. على عكس إلياس الذي استقبل الخبر بغضب. اندفع ليبثه في مكانه الصحيح. ***

في شقة شريف، حدث ما كان ينتظره شريف بلهفة، وسعادته الآن لا تقاس ولا توصف. حبيبة الصغيره العنيدة التي عذبته حتى وصل معها إلى هذه النقطة. حتى في غمار تجاوبها، كانت قلقة. وهو أيضاً كان قلقاً من إيذائها، لذا كان شديد الحرص في التعامل معها والانتقال من مرحلة وأخرى. لكنها كانت عكسه. ازدادت قلقاً ورعباً. انتفضت من مكانها كالملسوعة وتساءلت وكأن العالم بأسره انهار فوق رأسها: "هو أنا ممكن أجيب ولاد؟

أنا مش عايزة، مش عايزة كدا." نهض من نومته وراح يضمها إلى صدره ليهدئ فزعها الذي أتى على فجأة. لا يعرف كيف تدور عقارب رأسها لتقف على مؤشر كهذا بهذه السرعة، لكنها كررت بغباء: "شريف، شوف حل. ممكن أكون بقيت حامل؟ ضحكة صغيرة اعتلت شفاهه ومال إلى رأسها ليطبع قلبه عميقاً وتابع قائلاً: "ما تخافيش، هخلفهم أنا."

ابتعدت عنه بانزعاج، لم تعجب بمزحه. نعم، لا تفهم الكثير عن هذه الأمور. نعم، استسلمت بكامل إرادته، لكنها فاقت بعدما انتهى كل شيء وبدأ عقلها الصغير في العمل. بدأت في لملمة ملابسها لتلتقط هذا الفستان وترتديه على عجالة تحت نظراته المستنكرة. قالت منزعجة: "لازم يكون فيه حل."

تردد في التحرك نحوها واستمر بمتابعتها وعينه متسعة. عادت طفلة ذات ضفائر تعشق العناد، غشيمة التصرفات، ساخطة على العالم. لكنها حقاً أفسدت مزاجه وأفقدته لذة فرحته بنيلها أخيراً. طوى فمه لأعلى وهتف مسايراً جنونها: "تحبي نروح لدكتور؟ كانت تغدو وتروح في الغرفة وهي تحاوط خصرها بيدها اليمنى ويدها التي تسند عليها تعبث بأسفل ذقنها وهي تغدو الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر، ثم قالت وهي توشك على البكاء:

"أنا مش عايزة ولاد، أنا مش عايزة أجيب ولاد." انتفض من مكانه غاضباً وبخطوات سريعة كان قبالها يصيح محتداً: "إنتي بتقرري على كيفك؟ ارتجفت من صيحته وكذلك ما قاله. نظرت إليه وقلبها يخفق بشدة، عادت معه للخلاف والاختلاف بعدما استقرت أنها تعشقه حتى النخاع. ختم كلماته بوكزة خفيفة في صدرها وظل يحدق لها وهو يرمي جملته الأخيرة بإصرار وتملك عجيب، وشريف إن قال سينفذ: "أنا عايز ولاد منك." توسلت تستعطفه:

"أنا عايزة أكمل دراستي، مش عايزة حاجة تعطلني. صدقني، أنا لو ما كملتش تعليمي و... وكلماتها انقطعت فجأة. بداخلها الكثير، لا تعرف شرحه. ضيق عينه وتأهب لسمع المزيد، لكن كلماتها انقطعت. ولاحظ هو ذلك فاسترسل مكانها غاضباً: "ملعون أبوكِ... ملعون أبوكِ يا منار، مش هو السبب برضه؟ مش دا اللي نفسك لحد دلوقتي تكملي تعليمك عشان خاطر تبهريه، عشان تثبتي له إنك قد المسؤولية، إنك كنتي تستاهلي إنه يفضل معاكي؟

كان دورها في الاختباء. لمعت عيناها بالبكاء، لكنها استدارت عنه. ضغط على نقطة أليمة لم يطأها قدم من قبل أبداً. أجفل لأنه قسا عليها، لكنه يريد أن يبدأ حياة جديدة، حياة خالية من الألم، حياة يكون بها هو الرجل الأول الذي أبداً لن تندم عليه. لمس كتفيها بلطف ليعود لحنانه المعهود وهو يهتف:

"أنا شريف اللي عمره ما خذلك. أنا أبوكي وجوزك وحبيبك وأهلك كلهم. أنا بكل الناس اللي تعرفيهم واللي عايزة تعرفيهم. إوعي تفكري في الماضي، الماضي راح وانتهى. واللي هتعيشيه معايا هو الحقيقة، هو الحياة." كلماته تنزل على قلبها كالجليد على نار مشتعلة. كل ما تحتاجه أمان يمنحه شريف بسخاء. ***

في فيلا رأفت الألفي، بدأت التجهيزات للسفر رغم أنف رأفت. سبقه ريان بجولات وجولات شلت تفكيره، ووقف مكتوف الأيدي، عاجزاً عن إيجاد سبب لمنعهم من هذه الرحلة أو حتى مرافقتهم. سحب حقيبته ومر من جواره وهو ينظر في عينه. تقدمت تمار لتعانقه، لكنه لم يشعر بأي شيء. نظرات ريان لا تريحه، وكأنه خطف كبده وتمار خاصة، فهي قطعة من قلبه. "خلي بالك على نفسك."

هكذا قالت تمار لتودعه. بادلها العناق وهمس في أذنها وهو يحدق بأعين ريان بنظرات غامضة. فضيق ريان عينه غير مرتاح لما يفعل، يبدو كمصاص دماء يمتص فرحتها بالكام. استدارت تمار، وظهر هذا جلياً على وجهها الذي بدا شاحباً كالأموات، وخطت خطوات ثقيلة تجاهه. وما إن اقتربت منه حتى سأل بشك: "قـالك إيـه؟ رفعت كتفيها وكأنها لم تكن تريد أن يسألها: "خلي بالك على نفسك."

لم يصدقها. رمى نظرة نحو رأفت الذي أخيراً لاحت ابتسامة شيطانية على ثغره. مشى نحو سيارته ليرحل الآن، وفيما بعد سيطهر رأسها من جميع سمومها. نزل عدى هو الآخر يداً بيد مع مرام، وقد جاء في وقت لا يسمح لرأفت بالمزيد من كبح غضبه. وها هو يهتف بسخرية: "أهلاً بالحيلة." لم يخفِ تضرره وهو يرد عليه قائلاً: "لأ، مش هينفع كدا. مش كل ما هو يضايقك تطلعيه عليا." نهض رأفت من كرسيه واتجه نحوه متأملاً أن حديثه يؤتي نتائج:

"خلاص، خليني أبطل أشوفه." سأله عدى وهو يرفع أحد حاجبيه مستنكراً: "دا اللي هو إزاي؟ مش انت اللي أصرت إنه يجي يعيش معانا؟ ضيق رأفت عينه بشر وهدر مشجعاً إياه: "تبقى راجل بصحيح لو خلصتني منه." لم يبدِ عدى انزعاجه، فهو يعرف والده جيداً. رفع رأسه ليهتف دون تأثر: "بقولك إيه، أنا ماشي." تركه دون انتظار إجابة. يعرف أنه لن يجيبه ولن يرضى عنه حتى ينفذ مبتغاه ويسير على نهجه. تبعته مرام لتقول بأدب: "مع السلامة يا عمي."

فوق انزعاجه من عدى، ازداد أكثر بكلمات مرام المقتضبة. رد عليها بسخط: "الله يسلمك يا أختي." سحبها عدى من يدها تاركاً إياه وحده. لن يتغير إلا بعد ما يتركه الجميع. لقد تزوجت تمار ابنته، وأتت له أخرى ابنة أخرى، لكنه لم يلاحظ. هو يرى الوحدة التي تنتظره، وهذا كل ما يخشاه. *** في شقة إلياس، خرج إليهم إلياس. غضبه يسبقه، وإبراهيم أيضاً لم يكن هادئاً، فأصبحت الساحة كطريق مستقيم سيصدم به قطاران آتيان بالسرعة القصوى.

قال إلياس بجفاء: "أهلاً يا شيخ إبراهيم. كان الموضوع مستاهل إنك تروح لريان وتصر عشان تيجي هنا بنفسك؟ "وإنت تتجوز بنتي امبارح وتاخدها من بيتها من غير ما تعرفنا؟ دا اسمه إيه؟ مش خطف!

تماماً ككرة قذفها وارتدت في وجهه. وقفت خديجة من خلفه تمسك بيده في محاولة بائسة لتهدئته. ومن وراء إلياس، مكة وإلهام على جانبيه. تنظر مكة بحزن نحو والدتها متمنية أن ينتهي هذا الخلاف، أن يسمح الزمان برمي نفسها في أحضانهم والبكاء على صدرهم حتى يهدأ قلبها الذي تحاربه الدنيا دون شرف. بالفعل، بدأت بالتقدم نحوهم، إلا أن إلياس قبض على رسغها لمنعها من مواصلة التقدم. هتفت إلياس بضيق وهو يقبض على رسغ مكة كالقابض على جوهرة نفيسة:

"خطف إيه؟ ما تصحى لكلامك. اومال مين اللي ماضي على عقد الجواز امبارح؟ شيء ما قبض على قلب إبراهيم عندما شاهد قبضته على رسغ ابنته. شعر بالعجز مجدداً. يرى عيناها المستغيثة وشعر بخطئه. لقد رمى ابنته إلى حفرة نار بينه وبينها خطوة، ولا يستطيع احتضانها. كل هذا دفعه ليتوقف عن مجادلته ويقول: "اتقي الله في بنتي." رد على حديثه هاتفا بتأكيد:

"ما تقلقش، أنا متقي الله فيها ع الآخر. إنت اطمن بس، ما تبقاش تيجي هنا تاني عشان شغلي ما يتأثرش." تحولت لهجته لتحذير وهو يستطرد: "دا لو عايزني أفضل متقي الله في بنتك، يعني." لم تعجب مكة بما قال واندفعت قائلة: "إيه اللي بتقوله دا؟ إحنا ما اتفقناش على كدا." التفت لها وصاح بضيق قد سبق منها من دقائق: "هو إحنا كنا بنلعب؟ مش أنا اتجوزتك غصب عنك؟ كادت تبكي، لكنها تشجعت وحاولت فك يده عن يدها. أبى هو، تركها فتشاجرت معه:

"سيب إيدي. إنت ما تقدرش تمنعني عن أهلي." كان همجياً كحيوان مفترس مجروح. عادته وهو لم ينسَ عدائها بعد. اقترب منها وهو يصيح: "أقدر.. أقدر على أكتر من كدا وما تستفزنيش أكتر." لم تهدأ محاولاتها في تخليص يدها من يده، لكن محاولة الفك عنه كانت صعبة، فصرخت بوجهه بعنف: "ما تـهــددنـــيـــش." تدخل إبراهيم قائلاً بحزم: "مـكــه." استدارت لندائه فهتف بانزعاج:

"ما تعليش صوتك على جوزك وسيبيه لما يهدى وكلميه. أعتقد إني ماربيتكش على كدا." التفت إلى إلياس ليكمل رغماً عنه وهو يريد أن ينسحب، ولكن ليس قبل أن يحمله المسؤولية. رؤيتهم يتشاجرون بسببه لم تعجبه بالأصل. الوالدان وجدا ليكونوا داعمين لأبنائهم وليس سبب في تحطيمهم:

"كفايا يا ابني. إحنا مش هنزعجكم تاني. المهم إني اطمن على بنتي. أكيد واحد زيك حافظ كتاب الله وتعاليم رسول الله مش هيأذيها. مش هنيجي تاني، إنت عارف العنوان، ابقى ابعته."

تصرفه العاقل أدهش إلياس. ربما أمسك طرف خيط رفيع ليدفعه لفهم شخصية إبراهيم ورؤيته من الجانب الصحيح. العناد لا يفيد بشيء، كان على طرف فيهم التنازل. ومع شعور إبراهيم بالضغط وأنه الطرف الأضعف، كان التنازل خياره الوحيد في النهاية. هو زوجها وعليها طاعته. أكثر منه فليتنازل هو كي تسعد ابنته وكي يرضى زوج ابنته. هم بالخروج. فنادته مكة وقد انسابت الدموع على وجنتها كالانهار: "بابا."

ترك إلياس يدها بهدوء سامحاً لها بوداعه. عندما شعرت بالتحرر من يده، ركضت باتجاهه لترتمي بأحضانها وتمسح دموعها في صدره. استقبلها إبراهيم بترحاب. لم يكن أبداً ليصدها، فقد بدأ يفهمها ويشعر معاناتها مع زوج صعب وأب يتهمها باستمرار. هتفت من بين نشيجها: "سامحني، كان نفسي ما أحطكش في كل دا. أنا الغلطانة، أنا آسفة." ربت على ظهرها بهدوء وابتسم وهو يقول بمرارة: "على إيه يا عبيطة؟

إنتي بنتي مهما كان. ما تشيليش همي، روحي ربنا يهدّي سرك." ارتضت بدعائه الذي أثلج قلبها الملتاع، فابتعدت عن صدره لتنظر إلى عينه كي تطمئن: "بجد مسامحني يا بابا؟ بعد كل اللي عملته معاك؟ أكد بإيماء قصير وتبعه بـ: "طبعاً. يمكن أكون زعلت منك، بس قلبي عمره ما غضب عليكِ."

شقّت الابتسامة وجهها المكسم بالدموع وحاوطته من جديد. في هذه اللحظة، ربتت خديجة على ظهرها، كانت هي الأخرى في أمس الحاجة لاحتضانها. ابتعدت مكة مرة أخرى عن أحضان أبيها وحضنتها هي الأخرى. هذا المشهد كانت تتابعه إلهام وعيناها تزرف الدموع. مكة تذكرها بنفس حالتها القديمة، طفلة صغيرة مخطوفة، مجبرة على التعايش مع زوج رغماً عنها. تركت عائلتها كما تركت مكة أهلها الآن، بل بشكل أقسى، وعاشت معانة مع رجل لم تحبه يوماً. لذلك تشعر جيداً بمكة وتتعاطف معها.

تابع إلياس المشهد بدهشة. أحضانها ودموعها بين يديهم تجعله يلقي اللوم على نفسه. هو الذي أقسم أن لا يبكيها. *** انتقل ريان وتمار إلى السيارة متخذين طريق المطار. واستقل عدى ومرام سيارة أخرى، لكن نفس الطريق، فقد قرروا اتخاذ وجهتهم نحو إحدى المدن الساحلية قبل نهاية الصيف لتهدئ أنفسهم من شجارات أبيهم ويخطفوا من الزمن وقتاً مفرحاً بعد كل هذا الشقاء.

في سيارة ريان، قاد بسرعة جنونية فاراً من ضغط رأفت، وكأنه يركض نحو جنته. لكن شيئاً ما نزع فرحته، وهو صمت تمار غير المعهود ونظرة رأفت الشيطانية التي كانت آخر ما رآه منه، وكأنه يخبره أنه مهما ابتعد عنه سيظل يحاربه. ألقى نظرة خاطفة نحو تمار الجالسة إلى جواره ولاحظ شرودها ووجهها الذي بدا عليه علامات الضيق. سأل على فجأة وهو يضم حاجبيه: "قالك إيه؟

خرجت من شرودها بفزع وكأنها كانت في كابوس وهي مستيقظة. استمعت إلى سؤاله، لكنها لم تجد له إجابة مناسبة، فعادت للكذب لتقول بنفي: "ولا حاجة." تململ في كرسي القيادة وفك ضمت حاجبيه ليتحول إلى عبوس قاتم وهو يهدر بضيق جلي: "تمار، ما تكذبيش عليا." الجملة التي قالها والدها رنت في أذنها من جديد: "خلي بالك على نفسك. حاولي تأمني نفسك وما تجبيش منه ولاد. أظني أنتي ما نفسكيش يموتوا زي بنته ومراته."

رفعت حاجبيها بثقل بما ستخبره. لقد تأثرت بكلمات والدها ونجح في إخافتها وزعزعة الثقة بينهم. وتوالت الصيحات في رأسها حتى أصابها الصداع. فامسكت مقدمة رأسها ومالت إلى أحد جانبيها وهي تهتف باقتضاب: "أنا تعبانة. هغمض عيني لحد ما نوصل للمطار."

اصطنعت النوم وأسندت رأسها بيدها أسفل ذقنها، لكنها استرقت النظر قبل أن تغمض عينيها برغبتها لترى وجهه المحتقن بدماء الغضب ويده المشدودة على المقود بضيق وعصبية. عضت طرف إصبعها وأجلت لتوهمه أنها نامت وغابت عن عينه، لعله ينسى أن يسألها مجدداً ماذا قال والدها لها. *** في سيارة عدى، الحماس كان يشعله وهو يحاورها بسعادة قائلاً:

"عارفة، أنا نفسي آخدك مطعم هناك، عمرك ما هتنسي. الأكل بيعملوه بطريقة حكاية. وكمان نركب مركب ونقضي يومين هناك. تخيلي بقى الجمال وإنتي في وسط البحر، مافيش حد غيري أنا وإنتي." كانت تسمعه وابتسامتها الناعمة تزين وجهها. ما كانت تعرف للسعادة معنى قبل أن تعرفه. تريد أن تهبه قلبها ليرى ماذا فعل به وما قدمه له، لكن ابتسامتها لم تكفيه وراح يتساءل وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق: "ساكتة ليه؟ إنتي مش مبسوطة؟ أجابت

في سرعة حتى لا ينزعج: "لأ، أبداً. إزاي مش مبسوطة؟ دا أنا ما عرفتش للسعادة معنى غير وانت معايا." أحنت رأسها وانكمشت على نفسها، سرعان ما يفتضح أمرها وتخجل بشدة لكونها تصرح دون إرادة. ابتسم هو الآخر وهو يحاول التركيز مع القيادة وعدم ترك تفاصيلها دون ملاحظة دقيقة. فقلبه يخفق بشدة وهو يراها خجلة بمشاعرها العذراء الحقيقية غير المتكلفة. قال وهو فرح:

"الله عليكي. أنا كل ما بشوفك بقول أمي كانت راضية عني. معقول لسه فيه حد بالنقاء ده؟ رفعت وجهها بصعوبة وهي تقاوم خجلها، لكن اشتاقت حقيقاً لبحر عينيه العميق الذي لا يقاوم. وما إن اطمأنت لرؤيتهما حتى هتفت: "إنت اللي ما فيش منك، ومهما أقول عنك قليل. وربنا راضي عني عشان أقابلك." أجفل واختطف نظرة سريعة لها ليعانق بعينيه حمرة وجنتها التي يعرف جيداً أنها ستنبثق وهي تقول هذه الكلمات، قائلاً بإستمتاع:

"اطلبي مني اللي إنتي عايزاه. إنتي فرحتي وحياتي كلها." عادت لخجلها، كلما قاومت وقالت له كلمات ضئيلة لا توصف قدر مشاعرها حق الوصف. فاجأها هو بما هو أكثر، حتى أن الكلام لا يمكن أن يكون منصفاً في الرد عليه. ضغطت على يدها بيدها الأخرى وهي تهتف بحرج: "مش عايزة منك غير إنك تستحملني لحد ما...

"ما تفتحيش سيرة الموضوع ده. إنتي هتخفي وأنا وإنتي هنسى الموضوع ده نهائياً لأنه تعبني زيك بالظبط. أنا حاجز عند دكتورة كويسة وهنتابع معاها. وأول ما هنوصل... قاطعها مشدداً على كل كلمة، لا يريد منها هذا الشعور، لا يريد أن تحمل نفسها عبئاً أكثر من طاقتها. إن كانت لا تستطيع منحه أي شيء، فهو أيضاً لا يستطيع تقبل أي شيء سوى وجودها جواره. يعاني كما تعاني، فالعقدة أصبحت بينهم مشتركة. عندما لاحظت تغير مزاجه، قررت هي أن تغير

مسار الموضوع لتقول بتردد: "طيب، ممكن أطلب منك طلب؟ أجاب وهو يحرك رأسه بالموافقة: "أيوا طبعاً." هتفت دون تعجل: "عايزة أكلم أختي." أخرجه بطلبها المهذب من الضيق الذي اعتراه من ذكراهم الأليمة بابتسامة نبثت فمه وهو يجيب: "تصدقي أنا هصاحب إلياس دا عشان خاطرك. استنى بقى عشان أكلم ريان."

أخذ نمرته، ضغط على شاشة هاتفه المستند أمامه في لوحة السيارة وشرع بالاتصال إلى ريان عبر مكبر الصوت. لم يبعد ريان عنه بالأساس، هو أمامه ببضع أمتار. قال بنبرة لم يغب عنها المزاح: "نعم يا عدى؟ هو أبوك هيسبني وإنت هتستلمني ولا إيه؟ ابتسم عدى لمزاحه، يعرف كم ضايقه والده، حتى أنه بات يشك إن انبثق الهواء الذي يطير حوله أنه هو من دفعه إليه ليزعجه. هتف عدى مبتسماً:

"ولا تسليم ولا حاجة. أنا عايز رقم إلياس وعايز أتعرف عليه كمان لو يسمح." لحظة صمت بعد حديثه انتابت ريان، من بعدها هتف: "ومالو، اتعرف عليه. بس ياريت معرفتك بيه تكون محددة." تساءل عدى وهو يقضب حاجبيه: "يعني إيه محددة؟ هدر ريان بجدية: "يعني مالكش دعوة بخصوصياته وما تحاولش تدخل بينه وبين مراته. لا إنت ولا إنتي يا مرام."

انتفضت مرام من توجيه الحديث إليها وكأنه يراهم، فأشار لها عدى برأسه أن تهدأ، فهو يعلم أن ريان يكتشف بسهولة محادثات المكبر الخاص بالصوت. "لو موافق على كدا، أديك رقمه، بس لما أكلمه الأول طبعاً." نظر ثوانٍ إلى مرام التي مستعدة لأجلها فعل المستحيل، وأجاب: "موافق." أغلق ريان الخط بينه وبين عدى دون إجابة وتمتم وهو يعبث بهاتفه ليشرع بالاتصال بـ إلياس: "والله بدري عليك يا عدى. قطع القلب ده."

استمع إلى جرس لم يطل من بعده، استمع إلى صوت إلياس الجامد وهو يقول: "أيوا ياريان." صوته كان يوحي بضيقه، ولاحظ ريان هذا، فتسأل: "يا ابني في إيه؟ كل ما أكلمك ألاقيك مضايق. دا مش صوت عريس امبارح كان طاير من الفرحة. دا صوت واحد مراته بتضربها." استمع إلى زفيره المحتد الذي تبعه بغضب شديد وهو يقول من بين أسنانه: "إخلص يا ريان، عايز إيه؟ تجاهل ريان غضبه وهتف متأثراً: "مش أنا اللي عايز، عدى... حابب يتعرف عليك." ظهر في

لهجة إلياس الضيق وهو يقول: "أكيد عايز يتعرف عليا عشان مكة ويبقى رأفت الألفي يدخل في حياتك، وعدي الألفي في حياتي." رفع ريان حاجبيه، فذكرى رأفت تضايقه. رد عليه: "بما إنك جبت سيرته، فا أنا هعزمك عنده لما نرجع من شهر العسل." لم يكن لـ إلياس طاقة لمجادلته، وتسأل باقتضاب: "إشمعنى؟ رد عليه ريان وهو يخطف النظر لتمار كي يتأكد من استمرار غفوتها ليتحدث بحرية: "أنا مش عارف آخد راحتي هناك وعايز يطردنا بأسرع وقت." بدا الملل على

صوت صديقه وهو يجيب عليه: "نبقى نشوف الموضوع ده بعدين." تساءل ريان غير مبالٍ باقتضاب ردوده: "أومال ما طلعتش شهر عسل ليه؟ نفخ إلياس بضجر من حديثه وهتف لائماً: "بعد الهدية اللي بعتهالي، نفسي أستقيل عن أي حاجة في الدنيا." لطم ريان جبهته ما إن تذكر أنه أرسل إليه إبراهيم دون إرادته. لم يكن يتوقع أن مقابلة ستزعجه إلى هذا الحد، فهدر أسفاً: "أنا آسف، بس الست صعبت عليا. مهما كان يا إلياس، دي بنتهم وأنا عارف إنك قدها وقدود."

قاطعه إلياس متعصباً: "خلاص يا ريان، ما تقلبش دماغي إنت كمان. شوف عدى دا كمان عايز إيه؟ وقسماً بالله لو طلع زي أبوه، لافرغ في راسهم المسدس وأخلص." ضحكات ريان حاول كتمها وهو يجيب: "رأفت ماشي، عدى حاجة تانية. اقفل وهخليه يكلمك." *** "إلياس."

وضعت مكة بينها وبينه سوراً عالياً لم يستطع تجاوزه. شعورها أنه أرغمها على هذه الزيجة أوجعها. رغم أنه لا يشك بحبه لها، لكنه لا يريد أن يصبح أناني مجدداً. لو أنه يستطيع التفريط بها لفعلها دون تردد. لأعادها إلى أسرتها. أصبح الضغط كبيراً عليه من والدته التي تريده إليها وحدها، كما أرادها إليه وحده، ومكة التي أبلغته أنه أجبرها وزادت من تأنيب ضميره بأنه أناني لا يبالي سوى برغباته.

حدق إليها وهي تنظر إلى الفراغ، متعمّدة عدم النظر إليه. كانت تستمع إلى محادثته، لكنها لم تبدِ أي تفاعل، وكأنها لا تريد أي شيء منه، وتتوقع منه الأسوأ بعد هذا الشجار الذي حدث أمام والدها. سكتت تماماً وعمدت إلى عدم النظر إليه. عبث بهاتفه دون أن يفتحه، باحثاً عن حديث ليجذب انتباهها، لكن لم يجد. فظل هكذا يزفر وينظر باتجاهها، يريد أن تغير أقوالها، أن تخبره بمغامراته الخرافية التي اعتاد سماعها منها. يريد أن ينجرف مع جنونها، لكنها خيبت أمله بالصمت.

ما قطع الصمت إلا رنين هاتفه، فقدمه إليها وهو يقول: "أختك عايزة تكلمك. هتكلميها ولا الخرس اللي عندك مطول؟ أخيراً رأى تفاعلاً على صفحة وجهها، كانت تجاهد ألا تنفجر بوجهه بعصبية. لاحظ كيف صرت على أسنانها كي تمنع نفسها من الإجابة عليه، وكيف تحولت وجنتها إلى الأحمر القاني. بقي الدخان الذي يتصاعد من أذنيها، لكنه ليس له أثر. كان يتمنى أن تطلق العنان لغضبها، لكنها بقيت صامتة لا ترد. فأي شيء منها مقبول إلا الصمت.

فتح الخط ليستمع لـ عدى يهتف: "إلياس باشا، ألف ألف مبروك يا أبو نسب." جاهد إلياس لتظهر نبرته ودودة وهو يرد: "الله يبارك فيك. أنا كان نفسي آجي بنفسك أبارك لك في الفرح، بس زي ما أنت عارف، كنت بتجوز." طوى عدى شفتيه بابتسامة حقيقية من دعاباته وهتف هو الآخر: "وإحنا هنروح من بعض فين؟ أكيد هنتقابل ونبارك لبعض." ضم إلياس يده إلى جانبه وأسند يده التي تمسك بالهاتف وهو يؤكد: "أكيد." دخل عدى في الأمر دون تمهيد لشعوره

بتلهف مرام لهذه المكالمة: "ممكن بس مرام تكلم مكة عشان تبارك لها هي كمان." نظر إلياستمعن إلى مكة وهو يشير برأسه لها ويهمس مبتعداً الهاتف عن رأسه: "ها؟ هتنطقي ولا أقوله إنك نايمة؟ هنا كان لزاماً عليها الإجابة بسرعة وبتعلق شديد، قالت وهي تحرك رأسها: "هنطق، هنطق." رد إلياس على عدى الذي استطال صمته: "أيوا، ممكن طبعاً." مال بجذعه وقدم إليها الهاتف. اختطفته من يده سريعاً لتنادي بسعادة: "مرام، إزيك؟

هنا توقف عدى بسيارته ليهدر بصوت وصل إلى مسامع مكة: "أنا هنزل أشتري حاجة." وعلى أعقاب جملته، التفت إلياس وخرج تماماً من الغرفة، صافق الباب خلفه. بقي الجو هادئاً للأختين للحديث الذي بدأته مكة بتلهف: "طمنيني يا مرام، عملتي إيه؟ أجابتها مرام ونبرة السعادة تخالط صوتها: "مبسوطة أوي يا مكة، طلع حنين جداً وبيحبني جداً. أنا عمري ما كنت أتخيل إنه يكون بالشكل ده." استقبلت مكة سعادتها وحديثها بفرح وابتسامة:

"مش قولتلك اللي تخاف منه ما يجيش أحسن منه." لكن سعادتها لم تطول ومرام تسأل هي الأخرى: "وإنتي... إلياس عمل معاكي إيه؟ اختفت ابتسامة مكة فوراً وتبدلت قسماتها المنشرحة إلى حزن عميق، لكنها لم ترد أن تنزع سعادة أختها التي تعلم كم عانت لأجلها. قالت دون كذب: "هو كمان بيحبني قد ما حبيته. حنين وطيب، عصبي شوية، بس بيهدى بسرعة." لم تكتفِ بهذا القدر وسألتها مرام بشك: "طلع متجوز بجد؟ وحقيقي إنك عايشة مع مراته؟

تحطمت الحروف على شفتيها وتصدع قلبها النابض وأظلمت الغرفة تماماً كإنقطاع الضوء. تحيرت بما تجيبها، والكذب لن يجدي نفعاً. فلينقذها أحد. طال صمتها فنادت أختها بتوجس: "مكة؟ في إيه؟ إلياس طلع متجوز بجد؟ بلعت ريقها لتجيب حتى تنهي هذه المحادثة التي غامت فجأة بالحزن: "آه، عادي. مش فارقة. هو أكيد بيحبني أنا أكتر." زفرت أنفاسها مع آخر جملة لترد مرام وكأنها تواسيها رغم حزنها عليها:

"آه طبعاً، أكيد بيحبك إنتي، وإلا ما كانش اتجوزك. دي خطوة جريئة." أجلت وهي تعلق على كلمتها الأخيرة: "والجرأة على مقاس إلياس بالظبط." *** "منار" لم تعرف للخروج ما بداخلها سبيلاً. اكتفت بنداء متحير خرج بصوت مختنق: "شــريف.. إفهمني." صاح بها وهو يقف بوجهها مانعاً إياها من التفوه بتراهلاتها الخائبة التي تفلت شياطينه من عقالها: "إفهمي إنتي. أنا مش هجيب عيال من حد تاني. أنا اخترتك إنتي ومش عايز حد تاني."

تمسكه بها بهذا الشكل الجاد يهدئ قلقها من غدر صنف الرجال. لقد ذاقت الخيبة من قبل وتجرعت مرارتها. وهو يطمئنها شيئاً فشئ. نعم، كانت تريد تحقيق ذاتها حتى تثبت لوالدها أنها تستحق هذا، أن يتمسك بها، أن يستمر معها. وفي نفس الوقت، تخشى الجميع، تخشى أن يكون كل هذا كوالدها وتضاعف الخيبة، خاصة من شريف، ستكون كبيرة. أطرقت برأسها وهي تستأذنه بلطف: "ممكن بس نأجل موضوع الخلفه دا شوية."

كان يفهم مشاعرها وتخبطها، لكنه لم ييأس. سيثبت لها أنه لن يتخلى عنها ولو ملء الأرض ذهباً. أومأ بالإجابة وبأطراف أصابعه لامس طرف ذقنها ليرفعها إليه: "ماشي، بس توعديني إنك تثقي فيا وتسيبلي نفسي." انبثقت فمها بابتسامة رغم بساطتها، لكنها كانت من أعماق قلبها الذي ينبض بحب هذا الرجل دوناً عن سائر الرجال. سأل مستنكراً بمزاح: "معقول مش جعانة؟ هنا انفلتت ضحكتها بشهقة خفيفة، فأردف مازحاً: "أكيد إنتي مش في حالتك الطبيعية... نظر

في عينها بتحفز وهو يسأل: "قوليلي مين واخد عقلك؟ "إنت... واخد عقلي وكمان قلبي." هكذا وجدت إجابتها عليه بمنتهى الصدق. ومن غيره سيأخذ هذه المكانة وهو يمتلك قلبها وعقلها وكل حواسها. شريف الاستثناء الوحيد في حياتها، الاستثناء الذي يستحق الحب والعقل والقلب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...