الفصل 6 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل السادس 6 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
6,961
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

انتقل إلياس وحيدًا نحو أحد الميادين كما أُرسل إليه، مخاطره قد تؤدي بحياته من أجل تلك المجنونة التي تسوقه دون إرادة وتسيطر بقوة على تحركاته. أمره بترك سيارته وهاتفه والسير نحو أحد الجراشات الموجودة في الميدان. نفذ المطلوب دون اعتراض أو خوف.

تحرك بين صفوف السيارات الساكنة داخل الجراش حتى خرج إليه اثنان من الرجال ذوي الوجوه الكالحة. وبدون أي مجهود ذهني عرفهم إلياس وتحرك ورائهم ليسحبوه في إحدى السيارات العالية. غطوا عيناه وبدأوا بتفتيشه وهو ساكن تمامًا، ثم انطلقوا بسرعة. ***

لم يغمض لمرام جفن بعدما عرفت بما حدث لأختها. أسرتها بالكامل كانت في حالة من الحزن، إلى جانب مرض والدها الذي تضاعف بعد هذا الخبر. أصبح لا يقوى على مغادرة الفراش. كلما جال في مخيلته ما سيحدث لابنته يزداد نبضه ويرتفع ضغطه ويدخل في نوبة بكاء. فقدان ابنه يؤثر عليه ويخشى أن تتكرر المأساة بعدما فقده في ظروف مشابهة.

اعتدلت على فراشها بعدما سمعت صوت المنبه الذي كانت في انتظاره. غادرت الفراش بهدوء وكل جوارحها شبه مخدرة. التقطت فستانها الرمادي وارتدته. كانت مرام لا تختلف شكلاً عن مكة كثيرًا، اختلاف بسيط في لون العينين اللتين بلون عسلي باهت ورثتهما عن والدتها، بينما مكة لون عينها فاحم لأبيها. بيضاء البشرة ووجهها ذو استدارة ممتلئ من الوجنتين.

انتهت من ارتداء فستانها الذي طمس تمامًا معالم جسدها النحيل وارتدت حجابها الذي فاض عن كتفها وأسفل صدرها. خرجت من غرفتها وهي تحمل حقيبتها لتجد والدتها كما تركتها بالأمس تجلس على سجادة الصلاة وترفع يدها إلى السماء. اقتربت منها ومسحت على كتفها قائلة: "ماما أنا هنزل ألف لفة على المستشفيات." جرت دموعها على خدها دون إرادة وكأن كل ما في قلبها تحول إلى ماء لينال على وجنتها.

"أنا مش عارفة أقولك إيه، أنا خايفة عليكي انتي كمان. وفي نفس الوقت مش لاقية حد يغيثني ويدور على اختك ومش عارفة أتحرك عشان أبوكي تعبان." زفرت مرام وقد كسا الحزن والألم وجهها وتشدقت بـ: "يا ماما إن شاء الله هلاقيه، ما تقلقيش انتي وخليكي جنب بابا عشان ما يخرجش. وإن شاء الله يكون المحامي دا عرف مكانها." رفعت خديجة يدها إلى السماء وهي تدعو برجاء. ***

استيقظت من نومها لتكتشف أنها في غرفة ريان. انتفضت تبحث عنه إلى جوارها ودقات قلبها تتسارع. أطلقت تنهيدة مرتاحة بعدما تأكدت أنها في الغرفة وحدها. نهضت من الفراش تعدل ملابسها وذهبت إلى المرآة لتتفقد وجهها وتطمئن على طالتها. كانت تمار تعشق الأناقة وتهتم بنفسها وبجمالها الذي وهبها الله به. عينها الفيروزية الواسعة وأنفها المرفوع وفمها المكتظ. كل ملامحها تبدو كاللوحة وهي تعشق الألوان والزينة بشكل خاص.

عدلت من شعرها المتوسط الطول وخرجت من الغرفة لتبحث عن ريان الذي لا تذكر كيف تركته أمس. فتحت الباب لتجده ممددًا على الأريكة بنفس ملابسه يغفو بشكل غير مريح تمامًا. أسرعت خطواتها نحوه وجلست على ركبتيها لتكون في محاذاته ونادته متأثرة بحالته: "ريان... حبيبي." أزاح ثقل جفنيه عندما سمع صوتها وأصدر همهمة تنم عن تعب دفين: "اممم." عضت شفتيها بحرج وهدرت أسفًا: "أنا آسفة إني نمت في أوضتك امبارح."

استند على الأريكة ليعتدل قليلاً لكن تألم ظهره ورغمًا عنه أطلق أنينًا مع إجابته: "آه.. لا ولا يهمك." سألته وهي تشعر بالذنب حياله: "لي ما رحتش تنام في أوضتي؟ ابتسم لها وأثر النعاس ما زال في عينه وأجابها وهو يبعث لها نظرات مؤثرة: "ما ينفعش أدخل أوضتك من غير ما أستأذنك."

تزداد إعجابًا به يومًا عن يوم ويزداد هو عشقًا بكل جوارحه ويغرق في سحر جمالها دون نهاية. مظهرها وهي تجلس أرضًا وهو يطالعها من الأعلى كان أكبر مما تستوعبه عيناه وشعر أنه كثير عليه هذه الطلة الصباحية. ظل ينظر إليها وفمه لا إراديًا يبتسم. جمالها يجمل كونًا بأكمله. كيف هو يسيطر على مشاعره تجاهها وهو أمامها كالمسحور. سألته بعدما زاد الصمت: "هتدخل تكمل نوم ولا أحضرلك فطار تنزل شغلك؟ تحمحم وهو ينفض تأثيرها عن رأسه

وأجابها وهو ينهض من مكانه: "لا أنا هاخد النهاردة إجازة، مش قادر عايز أنام." *** وصل إلياس إلى معسكرهم السري الذي استقر وسط الجبال. كل ما جال في رأس إلياس هو رؤيتها فورًا. شعور خفي تملكه للاطمئنان عليها وكأنها تسيطر على عقله.

حرره أحد الأشخاص من وثاقه وأزال الغمام عن عينه. فجال بمقلتيه في المكان الذي كان كالمنزل واسع ولكن من الحجر منحوت بدقة. به أكثر من غرفة. عاينه بدقة وسرعة. لقد كان مستعدًا لذلك وقد سنحت له الفرصة جاء بقدمه لمعاقلهم ليرى كل ما سمع عنه من أهوال. فقد كان هذا المكان بمثابة حصن متين يحول بينهم وبين أيدي الحكومة.

دفعه أحدهم فتحرك في هدوء لا يظهر أي اهتزاز أو قلق حتى باغته الآخر بدفعه إلى إحدى الغرف وأغلق الباب من خلفه. زفر براحة ما أن رآها في جانب الغرفة تحتضن كتفها وكأن روحه عادت إليه. لكنها رمقته بنظرة باردة وكأنها لا تهتم لمجيئه من عدمه. قبض جبينه عندما لاحظ سكونها غير المعتاد وتذكر على الفور ما هدر به في آخر لقاء بينهم وكيف كانت حالتها عندما أخبرها أنه متزوج. لوى فمه وقطع الصمت بصوته العميق:

"كسبتي الرهان وجبتيني على ملء وجهي وأنا أوعدك لو خرجنا من هنا إحنا الاتنين مش هسيبك. لازم أشوفلك شغلانة معانا، ده انتي مكشوف عنك الحجاب." أشاحت وجهها عنه وظلت صامتة. فصاح بضيق: "أنا هسجنك، وربنا لا أندمك إنك حلمتي بيا أصلًا."

كلامه لم يستفزها بعدما ملأ قلبها حسرة. وبرغم من غضبه على سكونها إلا أنه ابتسم جانب فمه. أنها لم تقابله بحرارة. ستنتقل مؤكدًا عبر الكاميرات المدسوسة في الجدران. جابر الذي بالتأكيد جعله يختلي بها عن عمد كي يتأكد من شكوكه بعلاقتهم.

سكت إلياس وجلس في مقابلها تاركًا مسافة بعيدة بينهم. لكنه كان يسمع نشيج بكائها المكتوم ويحاول تجميد مشاعره مؤقتًا كي يخرج بها من هذا المأزق. حتى قطع كل هذا صوت انفتح الباب. دخل إلى المكان أبو صهيب أو جابر وعلى وجه ابتسامة انتصار بآسر ذلك النسر الذي حصد منهم الكثيرين. فتح ذراعيه هادرًا بنبرة محملة بالاستهزاء والنصر في آن واحد: "أهلاً ومرحبا بسيادة المقدم إلياس النشامى. عدوي اللدود وقعت ولا...

سكت ليغمز بعينه كإشارة إلى مكة. الهواء الذي رماك. لم يفقد إلياس أعصابه أمام هذا الاستهزاء البائن وظل يرمقه بنظرات باردة لكنها مميتة وتبعث في الآخر قلقًا من ثقته وثباته. تراجع جابر للخلف محتميًا بمن خلفه ويقف بالقرب من أعوانه حتى نطق إلياس بكل ثقته: "أنجز عشان أنا مش مطول." تحولت لهجة أبو صهيب إلى العربي الفصحى قائلاً: "لما العجلة أخي، نحن نريد استضافتك أنت وحبيبتك."

كانت مكة تسمع تحاورهما جيدًا وعند هذه النقطة تحاملت على نفسها ونهضت من مكانها تهرول نحو جابر وتصرخ في وجهه بحدة: "أنا مش حبيبته. أنا عايزة أمشي من هنا. خرجني من هنا." صر إلياس على أسنانه من انفعال هذه الداهية أمام مجرم خطر كهذا. اقترب منها جابر وأمسك بكتفها المصاب متعمدًا إيلامها. بالفعل تشنجت تحت لمسته وهدر بصوت حاد: "مش انتي اللي كنتي بتنادي عليه جبناهولك ولا باينلكم زعلانين سواء واحنا هنصالحكم على بعض."

وبرغم كتمها هذا وتظاهرها بالثبات خاصة أمامه، لكن ظهر دون إرادة على وجهها حجم الألم الذي تخفيه. ابتلع إلياس ريقه وظهر الغضب في عينه وفشل في تقييده لذا اندفع صارخًا: "جابر ما تعرفش تعامل رجالة ولا إيه؟ سيب البنت في حالها ما فيش بيني وبينها حاجة." تركها أخيرًا والتف إليه مستعيدًا لهجته الفصحى: "ليس لنا بها حاجة. حاجتي معك أنت." نفخ بضيق من لهجته التي لم تليق به من الأساس. صاح آمرًا بامتعاض:

"كلمني بالبلدي وحياة والدك. اللهجة دي بتنرفزني." هدر الآخر باستفزاز دون اندهاش من ضيقه: "لماذا أخي، إنها لغة القرآن." ابتسم جانب فمه من إجابته وهتف باستهتار: "لا والشهادة لله أنت حافظ القرآن. قولتلك ما عنديش وقت." أصر على استفزازه ورمقه بنظرات حاقدة وهو يزجره بـ: "تخاف اللغة من أجل كلمة." سكت قليلاً لينطق بغليل: "القصاص."

انفلت غضبه وأطلق كل وحوشه لمجاراة هذا الوقح الذي قتل المئات منهم تحت مسمى هذه الكلمة "القصاص". فقد بسببها أكثر من صديق وأكثر من تلميذ وخلف ورائه مئات الثكالى والأيتام. فهتف بحنق: "ثكلتك أمك يا أبو صهيب." اقترب منه منفجرًا بكل ما أوتي من غل تجاه هذا الشخص الذي يعرفه جيدًا ويعرف أنه بعيد تمامًا عن الإسلام بل هو نقمة على الإسلام وأنه مريض نفسي بالدرجة الأولى:

"عارف أنا أكتر واحد عارف حقيقتك وحقيقة أمك، وانت عامل لي قدام الرجالة دي إنك شيخ الإسلام. انت أصلًا ما فتحتش كتاب دين مش كتاب الله. لما تحب تعلى ما تنساش أصلك. استنى لما اللي يعرفوك يموتوا." احتقن وجه الآخر من ردته الشرسه وكشفه أمام أعوانه فصاح بأحدهم أمرًا: "اضربه." لم يتوان الآخر عن وكزه بسلاحه في وجنته، لكن إلياس تلاقاها وهو ثابتًا لم يهتز حتى دفع من ضربه وغيره مما حاولوا التغلب عليه ليعود ويصرخ به دون اكتراث:

"انت عارف إني مش هخرج من هنا يا قاتل يا مقتول. وبما إنك استدعيتني واتقابلنا بعد المدة دي يبقى نقرأ الفاتحة مقدمًا على الحي والميت." رفع إلياس يده وهو يهدر: "بسم الله الرحمن الرحيم." مال برأسه واستطرد ليسأله باستهزاء: "حافظها ولا لأ." *** ظلت تفكر طوال الليل في عرض شريف وازداد تحيرها في التخلص من زن والدتها. ظلت كما هي بالفراش حتى دخلت إليها ورد تحمل بيدها صينية محملة بالطعام. هدرت بتذمر:

"ما تقومي بقى يا ست المحامية، هو إحنا هنشتغل عندك ولا إيه؟ شريف يعمل لك الفطار وأنا أجبهولك لحد السرير. والنبي انتي ما عندك دم." اعتدلت فورًا على ذكر اسم شريف وسألت غير مبالية بتوبيخها: "شريف هنا؟ وضعت ورد ما بيدها وهي تجيبها بضيق: "لا يا أختي مشي." عبثت في شعرها بملل فهي في حالة من التشتت. لتزعق ورد بضيق: "ما تقومي بقى طول الليل عمالة تفركي في السرير، ما عرفتش أنام منك." نفخت منار بضيق وهدرت وهي تتنحى عن الفراش:

"هو أنا كنت نمت؟ وقفت ورد بوجهها وضيق عينها وقد لاح بعينها الغضب: "هو انتي هتستعبطي يا منار؟ هتلاقي أصلًا أحسن من شريف فين؟ أزاحتها من وجهها وقد ضاق صدرها من محاماة ورد لأخيها باستمرار وصاحت بانفعال: "يا ستي أنا مش عايزة أدور أصلًا. لولا زن أمي كان زماني ما شفتش وشك." التفتت ورد وقد تشنج غضبها لكن هما معًا لا مجال للخلاف. وصاحت بضيق: "وانتي حد لمك غيرنا؟

احترمي نفسك بقى. أهو على الأقل هتبقي معانا في نفس البيت بدل ما بنشحتك من أمك." ارتخت ملامح منار وأجابت بملل: "والله يا ورد أنا كمان بفكر بنفس طريقتك بس إني أتزوج شريف صعبة. شريف أخويا، إزاي يبقى جوزي؟ حاجة أنا مش راكبة في دماغي. أنا عارفة إنه بيساعدني عشان أخويا، لكن بعد ما نتجوز الأخوية دي هتستمر ولا هكرهه زي بقيت الرجالة."

عضت ورد شفتيها وهي تضع يدها في جانبيها تكتم ما يكنه أخاها لها وتلعن غباؤها في تفسير ما يفعله شريف كتصرف أخوي نبيل. شحذت همتها لتقنعها دون أن تفشي سر شريف وعمدت أن يكون هذا بمرح: "اتجوزيه يا منار، أصلًا مش هتلاقي حد يستحملك غيره لأن أمك مش هتبطل زن. انتي عارفها أعند منك ونصيحة بقى ما تقفيش في وش التيار." أردفت بضيق من رأسها اليابس: "يا ريتك يا أختي انتي كان عندك أخ كنت طلعت من المناهدة معاكي بمصلحة."

وضعت منار يدها في جنبيها وهدرت بعند وهي تخرج لسانها القصير: "ما كنتش هرضى أجوزهولك." فجرت الغضب بداخلها فراحت تبحث عن ما تقذفه به وبالفعل أمسكت الأكياس القطنية وبدأت في ضربها وال الأخرى تضحك بجنون. *** بعدما زارت كل المستشفيات القريبة من الحادث خرجت من إحداهم وهي تزفر بضيق ورأسها في مكان وجسدها يسير دون روح. لكنها في وسط شرودها اصطدمت بجسد آخر فانتبهت على الفور عندما سمعت أنينه العالي لتفيق من شرودها وتهتف مرتبكة:

"أنا آسفة يا... "إنتي هكذا" قاطعها عدي الذي كان بالقرب من أحد المستشفيات ليغير على جرح يده. عندما وقعت عينه عليها رأى ذلك الحزن الذي أذبل عينها وأشحب بشرتها. لكن نقاء روحها ينعكس على وجهها مما جعلها أكثر من جميلة. أما هي وكأنها وجدت ضالتها هدرت على الفور: "الحمد لله إني لقيتك. أنا كنت هكلمك بس كنت خايفة الوقت ما يكونش مناسب." نفى عنها الحرج بأن قال: "عادي كلميني في أي وقت بالأساس أنا مدياكي رقمي عشان كده."

بللت شفتيها وسألته مسرعة: "عرفت أي حاجة من معارفك عن مكان أختي؟ كان يشعر تجاهها بالعطف دون معرفة السبب. ملامحها البريئة تمنحه شعورًا بأنها غزالة برية في وادي للذئاب. عينها التي دومًا ترسل إشارات راجية تجعله لا إراديًا يتشبث بها. أجاب وهو يحاول الاعتدال في ردوده حتى لا يزج اسم زوج أخته في أي مشكلات: "محدش يعرف مكانها."

الصدمة كانت كبرى باختفاء أختها تمامًا وبعد قطع آخر خيط أمل امتلأت عيناها بالدموع. لوى عدي فمه وهو يشعر بتأنيب الضمير فسأل نفسه كيف يتخلى عن مساعدة هذه الفتاة وهو من وقف أيام وليالٍ بالشارع ليأتي بحقوق شباب يا فعين. أسرع كي يهدأ من روعها ويخفي تلك الدموع التي أوشكت أن تطأ وجنتيها بسرعة: "بس أنا عندي حل." هدرت بتلهف كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة: "قوله أرجوك." ابتسم مطمئنًا لها وهتف وهو يمسك يده التي تحاوط الشاش:

"بس الأول أروح أغير على الجرح عشان الخبطة اللي خبطتيهالي فيه دلوقتي وجعتني جدًا." وضعت يدها على فمها وشعرت بالحرج من إيذائه غير المقصود وتشدقت بندم: "أنا آسفة." حافظ على ابتسامته اللطيفة: "ولا يهمك. اتفضلي نرجع المستشفى." ***

كانت مشكلة كبيرة في النوم في نفس الفراش بعدما غادرته حوريته. تقلب يمينًا ويسارًا لا يعرف للنوم طريقًا. فشل تمامًا في إيقاف تفكيره بها. وفي وسط كل هذا الإضراب تعالى صوت هاتفه مشيرًا أن هناك حدث مهم لعدم توقفه على الرنين. سحب هاتفه وضغط زر الرد باهتمام قائلاً: "أيوا يا أفندم." قال الطرف الآخر بنبرة منفعلة: "سيادة المقدم إلياس خرج مهمة من غير ما يبلغنا ولا ياخد حماية." فرك ريان جبهته وتساءل باهتمام: "مهمة إيه يا أفندم؟

أجابه اللواء جمال مندور وقد زاد تشنجه: "راح لجابر لوحده." اتسعت عين ريان غير مصدقًا جنون صديقه الذي سيقضي عليه بالتأكيد. اعتدل في جلسته وهدر بقلق: "طيب حضرتك عندك معلومات عن سبب خروجه؟ أجابه جمال وانفعاله لا ينتهي: "راح لأنه طلبه بالاسم يجي ياخد مكة إبراهيم السباعي." ازداد ريان توترًا وهدر: "أكيد إلياس عامل حسابه." قاطعه الآخر بصوت عالٍ محتد:

"أنا قولته ما يتصرفش غير لما يرجع لي الصبح. والصبح اكتشفت إنه ساب لي رسالة إنه مشي لوحده. تعال أنت كمان حالا ومش عايزين الإعلام يشم خبر عشان ما نعملش بلبلة في الشارع." نهضت تمامًا من على فراشه مستعدًا للمغادرة بعدما أغلق اللواء الخط. أسرع باتجاه قميصه المركون على طرف الكرسي وهو يهدر بتشنج: "إيه يا إلياس التهور ده؟ ده مابقاش شغل قيادات ده بقى شغل عيال." ***

وقف أمام شقة خالته ليضغط الجرس. فتحت زينب على الفور مبتسمة وعندما وجدته وحيدًا دون منار اختفت ابتسامتها وهي تسأله: "فين منار؟ مش قولت هترجع الصبح؟ وبدون أي مقدمات أو حتى تطأ قدمه داخل الشقة هتف وهو يرمقها بجمود: "هــتــجــوزها." فرغ فاها وهي تسمع منه الكلمة التي لا تحتمل الشك أو تكون مزاح من هيئته. رفعت يدها إلى صدرها وقد تخبطت مشاعرها بين الفرح والضيق. ثوانٍ من استيعاب الصدمة لتعود تسأل بتعلثم: "ليه؟

هو انت قولتلها إنك بتحبها؟ ظل في نفس حالته الجامدة وحرك رأسه فقط بالنفي وهو يجيب بهدوء: "ما تعرفش. هتجوزها وبعدها هقولها في الوقت المناسب." عادت زينب لحالتها الطبيعية وهي تهتف راجية لعل تقنعه: "يا ابني يا حبيبي منار مش هتنفعك والله أنا خايفة عليك. هتعيش باقي عمرك في نكد." لم يتحرك له رمش ولم يتغير جموده. يعرف كل ما تقوله لكن هذا أهون من أن يتركها لغيره. هدر متجاهلاً كل ما قالته: "هتجوزها." سألته هي متحسبة:

"هي موافقة؟ أجابها بنفس الهدوء وهو مستعد لمغادرة: "هجبهالك تسأليها." غادر وتركها فمها مفتوحًا. هيئات من هذه الزيجة التي ستجمع المتضادين. إنه نار وهي بركان. أكثر متناقضين سيجتمعان تحت سقف واحد. بالتأكيد سيجعلون البيت ركامًا. ***

بدل غيار يده وجلس على حافة السرير المعدني في غرفة التمريض يرتدي قميصه بصعوبة شديدة ناتجة من استخدام يد واحدة. دخلت مرام لتتفقد غيابه بعد خروج الممرضة والتي شهقت على الفور عندما رأته دون قميصه وجسده مكشوف. استدارت سريعًا واستعدت للخروج حيث أتت إلا أنه ناداها بسرعة: "يا آنسة مرام استني." ودون أن تلتف أجابته بمنتهى الخجل: "نعم." زفر مستصعبًا الأمر وهي لم تلتف حتى لترى كم الجهد الذي بذله لقول هذا:

"لو سمحتي بس تيجي تساعديني ألبس القميص عشان الممرضة خرجت وأنا مش عارف عشان الجرح مألمني." شعرت بالبرودة التامة من ما هدر. اتسعت عينها وكأنما لدغتها عقرب وبحثت بعينها عن أي شخص يقوم بهذه المهمة لكن كانت الطرقة فارغة. اندفعت نحو الخارج وهي تهدر: "مستحيل."

لوى فمه بضيق من رفضها وحاول مساعدة نفسه مع أن ذلك كان صعبًا. وقفت في الخارج لتدعو أحدًا من الرواق لكن على فجأة امتلأ الرواق بأشخاص كثيرين مع عدة مصابين في حادث وبدأت تعم الفوضى والصراخ لتجد نفسها تعود سريعًا إلى الغرفة التي ما زال بها عدي. أغلقت الباب من خلفها فهي تصاب برهاب من صوت الصراخ وضعت يدها على أذنها كي تخفف ذلك الصوت الذي أربك مشاعرها وملأها خوفًا واعتصرت عينها كي تتجاهل كل هذا. موت أخيها، جدتها التي أطبقت يدها على جسدها قبل الوفاة. الصراخ يزداد وهي تنتفض وتضغط على أذنها أكثر لعله يختفي وتطبق عينها بقوة وكل الذكريات السيئة تطفو في ذكرتها كالأشباح وتلتف حولها لتخنقها بحوادث قديمة تجعلها هشة ضعيفة تخشى حتى الصراخ.

انتشلها من وسط هذا دفء حاوط جسدها جعلها تنظم أنفاسها وتفتح عينها ببطء وترفعها على ذلك الصدر العريض وعضلات مقسمة كاللوحة فنان. وقبل أن تستوعب ما رأت أو تتخذ خطوة للفرار سمعت عدي يسألها: "خايفة من إيه؟ انتفضت فورًا وتراجعت للوراء وهي تشيح بوجهها عنه لا تعرف كيف تخفي خجلها. لكن وجدت الأنسب إخباره كي ينتهي الموقف برمته ولا يُساء فهمها. تشجعت وهدرت بارتجاف: "أنا ما بخافش من صوت الصراخ قوي وبيدمر أعصابي."

أمعن النظر بها متعجبًا من رقتها المتناهية وبرائتها التي تؤكد أنها المادة الخام للنقاء. هتف ليهدئها بالين: "طيب تجاهلي الصوت خالص وساعديني ألبس القميص واحنا هنخرج من هنا."

كلماته المرتبة والهادئة والموقف الذي هي به جعلها لا تسمع سوى صوته. نظرت إلى عينه التي تجعل الثابت يتحرك وتبحر بقارب خشبي في أمواج من لون السماء دون البحث عن شاطئ. وسط كل هذا مد يده بالقميص وحسها بنظرات مغناطيسية على فعل ما يريد. أمسكت القميص من يده وعينها لا تتحرك من عينه. تجاهلت الأصوات التي علت بشكل هستيري وركزت في عيناه التي تمنحها هدوء وسكينة. كان هو الآخر يشرد بتفاصيلها الناعمة والتي تشبه الثمرة الناضجة للتو.

كان مرنًا وهذا ما سهل الأمر. الدقائق مرت كالساعات وهو ينظر إليها مشدودًا. موقف حدث صدفة لكن هذه الصدفة لا يمكن لها أن تمحى من ذاكرته. انتهت وظهرت الأصوات التي لم تختفِ بالأصل لكن انشغلت بخلجها مما جعلها لا تشعر بأي شيء آخر. عادت تشنجها ووضعت يدها على أذنها وهي توشك على البكاء. فجأة حاوطها هو بيده وجذبها أسفل إبطه وفتح الباب ليخرج معها من وسط هذه الغواء.

*** من جراء استهزائه بخصمه قيده أحدهم وبدأوا بضربه بكل قسوة تحت نظر مكة التي لم تتحمل المشهد وراحت تصرخ فيهم بهلع من أن يصيبه مكروه: "حرام عليكم سيبوه هيموت في إيديكوا كده."

لم تحظَ بالانتباه من أي منهم. استمروا على ما يفعلون بغل. إلياس يمثل لهم عدوًا لا آخر لها. إن لم يقتلوه سيقتلهم. الجميع يعرفه يعرف أنه أقوى مقدم في مكافحة الإرهاب. يعمل بجد واجتهاد. لكن هو المتمرد لم يقبل أن يهان بل أهانهم جميعًا. من وسط اللكمات وأصبح يستفزهم بكل برود وكأنه لا يؤثر به شيء. ها هو عاد يهتف بعد لكمة هذا الرجل في بطنه بسخرية: "إيدك بترعش كدا لي؟ شكلك خايف." مال برأسه كي يرى جابر ويخبره بمزاح:

"الناس اللي جايبهم عارفين إن اللي بيضربوا أقوى منهم حتى وهو متكتف." وقبل أن يرد عليه جابر مغلولاً صاحت مكة به مندده بحماقته: "اسكت بقى هيموتوك." سكتت تمامًا بعد أن رأت عينه تحولت نحوها بشراسة لم تراها من قبل. حلماً كان أو علمًا انتابها خوف أكبر من الخوف من وضعها الحالي. هتف بقوة تثبت أنه كالجبل الشامخ لا يؤثر به اللكم: "إحنا الموت لينا شرف."

خرجت أنفاسها المكتومة بعد كلماته لا تعرف لما تخشاه وتخشى تلك النظرة التي تخترق روحها قبل عيناها. حول نظره عنها وقد اكتفى من رؤيتها ترتجف كالعصفور فقط من نظرة والتف لجابر وأردف بجدية: "مش كل شهيد في الجنة يا شيخ." نهض جابر من على كرسيه وهو يأمر من حوله: "كفايا، خد واجبه وزيادة."

مال إليه وهو مقيد لكن النظر في عين ذلك الشجاع مربك. لكنه اشتد بمن حوله وحاول طمئنة نفسه بعد من حوله وأنه فرد واحد مقيد لا حول له أمام تعتاد جيوشه وقال هامسًا: "لا ااا يا إلياس مش انتوا اللي ليكم الجنة انتوا أعداء الدين." لم يجبه إلياس واكتفى بدحجه بنظراته الجليدية ليتركه يكمل وهمه بـ: "انتم أجبن من إنكم تبقوا شهداء." نبث فم إلياس بكلمات مقتضبة مصراً على خروجه من طوره: "بأمارة ما انت رابط الجبان."

ترك الآخر يغلي من هذا المخبول الذي لا يراعي مدى صبره في المحافظة عليه واسترسل بهدوئه المدمر: "انت عارف كويس مين فين الجبان. كفايا إنك بترعش قدامي وأنا متكتف. كفايا إنك عارف كدا من جواك إن النهارده أنا ضيفك بكرة أنت ضيفي وصدقني واجبك هتاخده هتاخده." رفع جابر وجهه عن هذا المستفز وزمجر بصوت عالٍ: "هاتوا تليفونه على الفور."

استجاب أحدهم وعين مكة مصلبة على وجه إلياس الذي يقطر دمًا. قلبها يتفتت لرؤيته في هذا الموقف غير ملتفتة لحالتها التي ستصبح أسوأ منه بن جرحها النازف. أمسك جابر براسغها وصاح وهو يوجهها نحو إلياس: "البت دي تلزمك."

كان سؤالاً صعبًا عرقل لسانه ذو الست أمتار. ليس لديه أي مشاعر لتدله عن إجابة هو لا يعرفها مطلقًا. لكن في المرات القليلة التي تقابل معها شعر أنها أشغلت جزء كان فارغًا من زمن حتى ظن أنه ليس موجودًا. بدأت عينه تنتقل على عينها الدامعة وعين الآخر الذي تقرأ نظراتهم الصامتة بتأنٍ والتي كان صعبًا عليه أن يفهم ما بينهم. هما أنفسهم لا يعرفون سر المغناطيس الذي بينهم. لقد قطع مسافة طويلة تشبه الحج في سلف العصر كي يصل إلى مكة خاصته. وبعد برهة

هتف وقد غلف مشاعره بالقوة: "أنا جاي عشان أخــدها." الكلمة نفسها جعلت مكة ترتعد لا تصدق ما قاله. لذا التفتت إلى جابر وكأنها تسأله هل قال ما سمعته؟ هل هي مهمة لدرجة قدومه هنا وحيدًا؟ وهل حياتها غالية حتى لا يخاطر بها؟ حتى في أحلامها كان دومًا منقذها. لابد أن تبحث عن مفسر يفسر لها هذا الواقع الغريب. كيف تشعر بكل هذه الأحاسيس في وقت واحد؟ وكأن الذي بينهم سحر عقد في باطن الأرض صعب الفكاك منه. لوى الآخر فمه بغل وهدر:

"دي مش هتخرج من هنا إلا لما رجالتنا اللي عندكم يخرجوا." سأله إلياس متجاهلاً تهديدته لمكة والتي ظهر عليها الرعب وهي تسمع كلماته الشرسه: "انت مشكلتك مع مين بالظبط يا جابر؟ معاها ولا معايا؟ أجابه وهو يقبض أكثر على ذراعها قائلاً بنبرة قاسية: "انت تحمد ربنا لو خرجت انت على رجليك." وقبل أن يرد عليه إلياس دخل أحد الرجال ليناوله الهاتف. بحث عن اسم اللواء جمال مندور وشرع في الاتصال. ***

طوال الطريق ومرام تضع وجهها للأسفل تحدق بأصابعها التي تضغط عليها بالأخرى من شدة الخجل. ما عاشته من قليل ليس هينًا. هي لأول مرة تقترب لهذا الحد من أي رجل ولم تساعد من قبل رجلاً عاريًا ولم تجرب شعور أن يخطفها أحد داخل عينيه. وأيضًا تركب إلى جوار غريب في سيارته. ظل عدي يوزع نظره إلى الطريق ويخطف نظرات جانبية إلى تلك التي لا ترفع عيناها عن الأرض. تحمحم مرات لكن ما كان منها إلا أنها تزيد من الضغط على أصابعها ويتصبب جبينها عرقًا

مما دفعه ليتساءل بقلق: "آنسة مرام انتي كويسة؟ فاجأه سؤاله وإن كانت تجيد الكذب لأخبرته أنها بخير لكنها أبدًا ليست على ما يرام. كل شيء حولها فوضوي حتى مشاعرها تبحث عن من يعيد ترتيب هذه الفوضى. لم ترد وازدادت حالتها سوء حتى أوشكت على الإغماء وتحول لون بشرتها الناصع إلى الأصفر الذابل. حالتها كانت تبعث القلق في نفس عدي الذي أصبح شغله الشاغل مراقبتها مكررًا سؤاله بإلحاح: "مالك؟ انتي شكلك تعبان جدًا."

أجابت كي تسكته وترتاح من تأنيب الضمير الذي يأخذها بتواجدها معه في سيارة واحدة وهذا ضد مبادئها وتربيتها وأيضًا أختها لا تعلم لها أرض: "ما فيش، حاسة بشوية إرهاق."

أصابه التوتر وهو يرى شحوب وجهها الزائد. أسرع وسط الزحام حتى يصل إلى مكتبه ومن بين يده التي تتلاعب بمقود السيارة أمسك هاتفه أرسل رسالة قصيرة إلى السكرتيرة الخاصة بمكتبه بأن تحضر له إفطار وبعض المقويات. وانطلق يشق عباب الريح حتى وصل إلى مكتبه في وقت قصير. تنحى عن سيارته والتي فور ظهورها هرول إليه الحارس ليصطفها وهو يهتف مرحبًا بحفاوة: "عدي باشا نورت الدنيا."

ابتسم له فهو متواضعًا بشوش قريب من الناس عكس والده تمامًا لذا يعشقه كل العاملين هنا في مكتب والده. "الدنيا كلها منورة بيك يا حاج إسماعيل." ابتهج الرجل من إجابته وتقديم اسمه بالحاج فقال وهو يرفع يده للسماء: "حج يارب يرزقني ويرزق كل مشتاق." ربت عدي على كتفه وهو يطمئنه برفق: "إن شاء الله هتحج يا راجل يا طيب."

تنحى عنه ليذهب إلى مرام والتي كانت مذهولة من معاملته الحسنة مع ذلك الرجل البسيط والذي لا يبدو أبدًا ذا أهمية ليقف عدي معه أسفل هذا الصرح الشاهق الذي لا تعرف ما علاقته به لكن لابد أن له علاقة وطيدة بالمكان لدرجة ترك مفتاح سيارته له. وبين كل هذا ظهر أمامها عدي يفتح لها السيارة وهو يقول: "اتفضلي." سألته وعلامات الدهشة لم تختفِ عن وجهها: "أنزل فين؟ انت جايبني فين؟ أجابها وهو يشير بعينه إلى هذا الصرح: "مكتبي."

تبدلت الدهشة وتحولت إلى حنق وراحت تنهره: "انت بتضحك عليا؟ مكتبي اللي جيتيني فيه امبارح غير ده." ابتسم نصفه ابتسامة وهو يهتف بتفهم: "المكتب اللي جيتيني فيه امبارح ده أنا مش بروحه غير بالليل. إنما أنا طول النهار هنا. مكتبي والدي رأفت الألفي." ابتلعت ريقها وهي تستشعر الحرج من اتهامها له دون سابق معرفة. أثارت الصمت ليسترسل هو: "يلا انزلي. وقفتنا كده مش حلوة." أشار بذقنه لعم إسماعيل:

"خاصة إن في حد بيبصلنا على إننا اتنين حبايب وشوية شوية هيجيب لنا اتنين لمون وشجرة." رمت ببصرها نحو إشارته لتجد ذلك العجوز ينظر لهم بهيام وابتسامة واسعة تظهر على وجه الشارد. ترجلت من السيارة لكن هذا الدوار لم يتركها. أمسكت مقدمة رأسها بسرعة فوضع عدي يده على كتفها وحاول إمساك يدها وهو يقول: "تعالي أسندك." انتفضت فورًا وكأن أمسكت بها الكهرباء وهدرت بنبرة محتجة تحمل بعض التهذيب: "لو سمحت ما تلمسنيش."

رفع يده مستسلمًا ثم أشار لها أن تتقدمه. كانت تراه شخصًا مختلفًا لبقًا جدًا وصبورًا لكنها تشعر بقلق شديد حياله لا تعرف له سبب خاصة رغبته في مساعدتها دون مقابل. "والله الأستاذ عدي دا جوهرة." كان هذا صوت عم إسماعيل الذي هدر وهي تمر من جواره. قطع أفكارها بل وبعثرها تمامًا. لم تفكر حتى بالرد لتجيبه ناب عنها عدي قائلاً بمرح: "والله ما في أحلى منك يا راجل يا طيب."

تحرك معها أمام المصعد وقدمها عنه بيده ثم وقف إلى جوارها وضغط زر المصعد. رائحة عطره انتشرت في المكان وتخللت إلى حواسها العصبية. له رائحة تشبه عبق الورد وقت زهوره يخالطها بعض من القهوة. جاهدت نفسها حتى لا تلتفت إليه مع أن النظر إليه متعة أكبر من النظر إلى الباب الحديدي الذي لم ترفع عيناها عنه. بينما هو النقيض تمامًا جاهد أن لا يلتفت لكن عيناه تمردت وأصبح يرمي لها من جانب عينه نظرات مطولة جائعة لرؤية تفاصيل وجهها كاملة.

أخيرًا فتح المصعد وخرجا معًا لكن عين مرام اتسعت على آخرها وهي ترى تلك المرأة تقف أمامهما بجيب فوق الركبة يظهر سيقانها المشدودة واللامعة وجاكت ضيق من منطقة الصدر وشعرها الأصفر منسدلًا على جانبي كتفها تهتف بابتسامة أبدًا غير بريئة: "صباح الخير مستر عدي." ويبدو أن عدي لم يكن مستنكرًا رؤيتها بهذا الشكل وكأنه اعتادته. وجهها الصارخ بكل الألوان لم يلتفته وهو يرد: "صباح النور ليندا. حضرتي اللي بلغتك بيه؟

كان لها أيضًا نصيب من الدهشة وهي ترى تلك الفتاة بملابسها الرثاء التي لا تظهر سوى وجهها. أمعنت النظر بها وهي لا تصدق تواجدها إلى جانب عدي داخل مبنى كبير كهذا. ليس من حيث الحجم لكنه كبير على تلك النكرة من وجهة نظرها وحدها. أجابته وهي لا تزيح عينها عن تلك الفتاة: "أيوا يا أفندم. الفطار جاهز في المكتب."

تحرك نحو مكتبه وتبعته مرام والتي هي أيضًا بادلتها التفرس كما فعلت ليندا. كلاهما يكتشف الآخر بسخط، متباهيًا بما لديه وبنفس درجة الترفع والكبرياء. *** "انتي هتجوزي شريف يا منار؟ " كان هذا سؤال زينب إلى ابنتها فور عودتها من منزل خالتها. ما زال في نفس منار بعض الحزن من معاملة والدتها أمس. أجابتها بضيق دون أن تنظر لها: "أيوا. مش انتي اللي عايزة أتزوج؟ لاحظت عينها التي تتحاشى النظر في عينيها وتحركت صوبها ومسكت

منكبيها وهي تهتف بحدة: "بصيلي هنا. اشمعنى شريف؟ دفعت منار يدها عنها وقد انفعلت من استمرار معاملتها الحادة معها: "أنا مش عيلة صغيرة. كل يوم هتضحكي عليها بحكاية. انتي مش كنتي عايزة أتزوج؟ واديني بقولك أهو. العريس جاهز وهيخلصك مني أسرع وقت. تقولي لي اشمعنى شريف؟ صاحت بها وقد كان هذا آخر ما توصلت إليه من صبر: "انتي عارفة إنه زي أخوكي. ليه هتعذبيه معاكي؟ شعرت بوخز قليلاً من تأكيد فكرتها أن ربط اسمه بها عذاب. لكنها

ابتلعت ريقها وهي تصدى لها: "خلاص مش عاجبك اقفلي الموضوع كله وسيبيني أركز في دراستي." أجفلت زينب وقد تريثت قليلاً لعلها تقنعها لمرة واحدة: "منار يا حبيبتي الست لو طلعت المريخ آخرتها الجواز بيت وولاد وحياة لازم تبنيها زي التعليم بالظبط. وأنا مش هعشلك العمر نفسي أطمن عليكي مش أسيبك في الشقة هنا وحدك. الدنيا تهدي القوى نفسي أفرح بيكي قبل ما أموت."

انفجرت في البكاء عند الوصول إلى هذه النقطة. ضعف قلب منار فورًا وراحت تحاوطها بيدها وهي تهتف بتأثر: "بعد الشر عليكي يا ماما." هتفت زينب من بين نشيجها: "بلاش شريف يا منار حرام عليكي هتعذبيه أكتر." شردت منار بعيدًا وهي تهمس بتشتت: "ما فيش غيره."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...