الفصل 15 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
18
كلمة
4,416
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

مر شهر كامل على الجميع. خرجت ثلاثون شمسًا بأوجاع مختلفة ومشاعر مختلطة، ولا شيء يساعد على النسيان إلا مرور الأيام.

عادت "مكة" لعملها بعدما تم شفاء والدها من نوبة القلب التي أصابته فور رؤيتها. برغم أن كل أهل منطقتها تجنبوها ولم يكفوا عن زجرها سواء بالكلمات أو النظرات التي لا تُحتمل، فإن خروجها للعمل كان هو الضوء الضعيف الذي ينير حياتها التي أصبحت مظلمة. لم تعد تفكر في مشاعرها أو حتى بقلبها، تعلمت الدرس جيدًا ولن ترفع عينها عن مستوى نظرها، لن تحلق في الخيال أو تصدق أحلامها مجددًا.

كل ما تفعله هو أن تحاول النجاة من الحزن وليس خلق سعادة، فهي أصبحت لا تعيش الأيام بل تنجو منها. باتت محاصرة في المنزل والشارع وأيضًا العمل. ما زالت حتى الآن تسمع الهمز واللمز وهي تنكب على كتابة مهامها اليومية على الحاسوب. لم تعد تهتم، أصمت أذنها عنوة حتى لا تسمع ما يضايقها، وأجبرت نفسها على الانهمام بالعمل والتركيز فيما تفعل، حتى لطمت إحداهن سطح مكتبها المقابل بعدما انفجرت غيظًا من تجاهلها.

انتفضت "مكة" على أثر الصوت المفاجئ لتنظر نحو الصوت بفزع. لتصيح الأخرى وهي تحدق بعينيها: "بنات ما اتربتش صحيح." ضاق صدرها مما تُرمى به، لكن كتمت غضبها وعادت للتجاهل. كل شيء قابل للنسيان إلا خطأ اقترفه غيرك. من أسبوعين وهي تفعل هذا دون ملل، بعدما ذهب أسبوعان من هذا الشهر في المشفى مع والدها، وهذه لم تنسَ. وطوال الوقت تلمز وتسب وتلعن كأنها أمسكتها بالجرم المشهود.

نهضت "مكة" باتجاه غرفة المدير، وبعدما التقطت الملف من أعلى سطح مكتبه لتعرض عليه بعد الانتهاء منه. طرقت الباب الموصد بطرقات هادئة. استطاع "إسلام" تمييزها، فأتاها صوته: "ادخل." أدارت المقبض وهي لا تنظر باتجاهه، وضعت الملف على مكتبه لتتركه للمراجعة. ظل يرمقها بنظرات واحدة تلو الأخرى بينما هي لا تحيد عينها عن الأرض. إلا بعدما شعرت بنهوضه من كرسيه، وجهت بصرها تجاهه بارتباك. لينطق وهو يتجه صوبها:

"إنتي شايفة شغلك كويس يا مكة؟ برغم الضغط اللي عليكي وبرغم الحادثة اللي حصلتلك." لم تجبه لأنها لم تجد ردًا على تلك الخبرية. فأردف ليوضح: "أكيد إنتي عارفة إنك بسبب غيابك كنتي اتفصلتي، لكن الأوامر العليا اللي أجبرتنا إننا نرجعك." أنهى جملته وهو يقف بوجهها، وبخبث بالغ سألها: "إيه هي وسطتك؟ فرغ فاه وهي تحدق إليه بذهول، بحياتها لم تسمع هذه الجملة ولم تعرف لها معنى. ***

عادت "منار" برفقة "شريف" إلى فيلا العائلة التي ستتقر بها بعد مدة مناسبة أمام المجتمع. لم يفلح شريف في مصارحتها بمشاعره ولا حتى التقرب لها. هي ذات رأس صلب وتفكيرها طفولي كأنها لم تبلغ سن الرشد. اكتفى بقضاء ما تحتاجه حتى من مراجعة دروسها وإعداد طعامها، وهذا بالنسبة له كان سعادة بنكهة مميزة. يكفي أنها معه وتحت أنظاره ليلًا ونهارًا. يكفي أنه أخذ من زواجه منها اسمها الذي بجانب اسمه في ساحة الفيلا.

استقبلتها كلا من "ورد" وماجدة وزينب بترحاب وسعادة وأحضان شوق طالت. ليقطع كل هذا الود "شريف" ساخرًا: "هو إحنا كنا مسافرين ولا إيه؟ أومال لو ما كانتش الشقة في آخر الشارع." أجابته والده "ماجدة" بفرح: "المرة دي مختلفة. دخلة منار علينا وهي مرات ابني ليها طعم تاني." ابتسم وهو يرد عليها: "يا ألف بركة." وجه بصره إلى خالته "زينب" وسألها: "طيب إنتي يا خالتي مش فرحانة بيَّ بما إني جوز بنتك وكده؟ تهللت أسارير "زينب"

وهي تتوجه نحوه: "طبعًا يا حبيبي." احتضنته بتودد ثم همست في أذنه حتى لا يصل إلى أذن "منار" ما ستقول: "خد منار واطلع عشان أنا عايزة آخد ماجدة وأروح للدكتور." حرك رأسه بالموافقة وانطلق نحو "منار" ليمسك براسغها وهو يهدر: "يلا يا منار أوريكِ أوضتنا." نفضت رأسها وهي تنظر إليه ببلاهة مجيبة بتعجب: "إيه يا شريف هو أنا غريبة عن البيت ولا إيه؟ سحبت يدها من يده وأردفت: "ثم إني هبات مع ورد."

شهقت "ماجدة" ونظرت باتجاه "زينب" بدهشة. ليتدارك "شريف" الموقف قائلاً: "ههههه مش ممكن يا منار محدش فاهم هزارك." جز على أسنانه وهو يأخذها أسفل إبطه دافعًا إياها رغماً عنها وهو يقول: "يلا بينا يا حبيبتي." هتفت بعدما ابتعد عن الجميع: "في إيه يا شريف؟ أجابها باقتضاب: "اطلعي يا منار.. قولتلك ميت مرة تسكتي خالص قدام الناس." ***

في أحد صالات الجيم كان يجلس على إحدى الآلات التي تعمل لرفع الكتل لتقوية عضلات الذراعين. يتصبب عرقًا وبعض خصلات من شعره سقطت على جبهته والتصقت بها. ضاعفت وسامته لكنه لم يبدُ عليه التعب كأنه لا يبذل مجهودًا مضاعفًا عن جهده المعتاد. إلى جانبه "ريان" الذي يجاوره على آلة الركض. اعتاد أن يتمرن معه قبل العمل شبه يوميًا. مالم يجد جديدًا بينهما حوار طويل وصل إلى هذه النقطة، والتي جعلت "إلياس" يهتف بسخرية: "وبعدين معاك؟

هتفضل بابا كده كثيرًا؟ كان يلهث من زيادة السرعة على آلة الركض دون هوادة، لكن سخرية "إلياس" جعلته يهدر بامتعاض: "والنبي بلاش تريقة في الحكاية دي. إنت عارف كويس إن نشفان دماغ أبوها هو السبب في حكاية الأبوة دي." أطلق "إلياس" أنينه المكتوم مصدره تلك الأحمال المضاعفة، وتبعها برد: "بالله قول لي إنت كده ضفت إيه لحكايتكم؟ ما كنت سبتها في بيت أبوها لحد ما يوافق بدل ما إنت خلقت أزمة ليك وليها."

توقف "ريان" عن الركض ونزل بهدوء عن الآلة ليسحب هذه الفوطة القطنية ويجفف عرقه قائلًا لصديقه المقرب بيأس: "أنا عارف رأفت الألفي كويس، ما كانش هيقعدها في البلد ساعة وهيحبسها برا. وحط لي تحت مدة إيده عليها دي ميت خط." لم يترك "إلياس" ما يفعله، كان يقسم تركيزه بين التمرين وبين حل مشكلة صديقه: "خلاص انهي الموضوع وتمم الجوازة، وأبوها يستوعب على مهله، وكفايا أوي إن أخوها 'عدي' في صفك."

مسح "ريان" عنقه بشرود، فالفكرة فعلاً بدأت تروق له بعدما أصبح يفر من المنزل خشية من الضعف أمام حبه الوحيد. خرج من شروده وهو يهدر بتفكير: "أنا فعلاً بقيت عايز أستقر، وحكاية إنها كل شوية تروح لابوها تحايل عليه يحضر الفرح دي ما بقتش عاجباني." باغته "إلياس" بمرح: "الحقيقة يا ريان يا زميلي اللي يسمع حكايتك دي ما يصدقهاش، لكن اللي يعيش ياما يشوف." مط جانب فمه وهو يرد عليه بمزاح: "ومين في الحب ما عاشش قصة ما تتصدقش؟

أصلًا ما كانش حاجة خرافي ما يبقاش حب." زفر "إلياس" وهو يرفع يده بالأحمال مادحًا إياه بصوت عالٍ: "الله عليك يا فيلسوف." أردف بغمزة من عينيه الماسيتين: "ما تحرمش العالم من فيلسوف صغير كده يكمل مسيرتك." التقط "ريان" حقيبته ليوكزه في صدره بها مجيبًا بانفعال: "احترم مديرك يا صفيق." ترك "إلياس" ما بيده وقهقه عاليًا وهو يزجره: "ما كنتش مديري وإنت بتضيع وقتي السمين في استشارتك العاطفية." أجابه "ريان" بتعجرف: "هو إنت تطول؟

تعال أوصلك بتمن الاستشارة السمينة دي." هدر "إلياس" مجيبًا وهو يدفع بيده بغير مبالاة: "لأ.. بس إنت استعجل عشان نتغدى حاجة سمينة." "قول يارب." قالها "ريان" وهو يرفع حقيبته على كتفه ثم سأله: "مش هتمشي؟ يدوبك فاضل ساعة على الشغل." أجابه وهو ينهض ويجفف جسده بالشرشف القطني الخاص به: "لأ 'رامي' جاي، عنده استشارة هو كمان قبل الشغل." تحرك "ريان" من أمامه وهو يمازحه بوكزة في كتفه: "إنت بتشتغل حكيم روحاني قبل الشغل؟

وقبل أن يتحرك أمسك "إلياس" بساعده يناشده بنبرة جادة وغامضة: "خليك لما رامي يجي." قضب "ريان" حاجبيه وهو يحاول سبت أغواره، لكن باغته "إلياس" بابتسامة وهو يفك يده عنه ويربت على ظهره مودعًا بـ: "بالسلامة إنت يا أخويا."

رامي جه. أشار إليهم على بعد أمتار قليلة شاب في مقتبل العمر يلوح من بعيد بابتسامة. لم يكن يقترب من أعمارهم، لكن طبيعة "إلياس" الودودة ورجاحة عقله تجعل الصغير والكبير يلجأ إليه. وعلى الرغم من أن ريان أكبر منه سنًا إلا أنه يعجب دومًا بآرائه وينفذ أغلبها. تبادل الأدوار، رحل "ريان" وجاء "رامي". ***

في منزل إبراهيم السباعي. الأيام بالنسبة "لمرام" أصبحت متشابهة تحمل في نفسها ألمًا نفسيًا يفوق قدرتها في الاحتمال. وازداد الأمر سوءًا بعدما فصلت من عملها وبقيت ليلًا مع نهار في منزلها، تخبأ في حجرتها وتندثر تحت غطائها كلما داهمتها ذكرى سيئة من هذه الحادثة البشعة. خارجيًا ثابتة، لكن من داخلها تتمزق لأشلاء. تنظر بخواء تجاه السقف والدموع تسقط على وجنتيها، تود أن تأخذها عناية السماء ويحتضنها لطف الله.

وأثناء شرودها الطويل صدح هاتفها بشكل متواصل. أمسكته بملل، في البداية كانت تود تجاهل المتصل فقد احتقنت نبرتها بالبكاء. وعندما اكتشفت هويته خجلت من رفضه، فهو من ساندها في عودة "مكة" لولاها ما قد عرف أحد بمكانها حتى الآن. تحمحمت ليظهر صوتها طبيعيًا أمامه وأجابته: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." أتى صوته محرجًا بعض الشيء وهو يرد عليها السلام: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."

ساد الصمت لثوانٍ. لم يدرِ "عدي" كيف يكشف حجته في الاتصال بها بعد هذه المدة من الانقطاع، حتى هتف مترددًا: "أنا ما قدرتش أهنيكِ برجوع مكة بسبب ا... قاطعته بحزم لكنه رغم شدته كان وهنًا: "لو صدقت اللي اتقال، ارجوك وفر على نفسك الكلام." أجاب مسرعًا: "لأ مش قصدي. المهم إنها رجعت بالسلامة أيًا كان السبب." سكت برهة وأردف: "كان لازم أطمن عليكي بعد اللي حصل، بس أنا كان عندي شغل كتير متأخر."

ارتبكت بشدة والتهب وجهها بالحمرة عندما ذكر هذا الأمر مجددًا ولم تجد ما ترد به عليه. ليسترسل بأسف: "أكيد أهلك اتضايقوا مني إني عرضتك لحاجة زي دي." لم تسمع ما قاله، بعد ذكر أهلها وانتفضت كمن لدغته عقرب لتهدر سريعًا وتوقفه: "لأ لأ اا اهلي ما يعرفوش حاجة عن الموضوع دا." شعر بالخجل الشديد وزفر بتفهم أنها لم تشارك تجربتها المرة مع أحد. كثير من الألم أحاط قلبه وهو يسمع شهقاتها المختنقة وهي تبلغه بتوسل:

"ارجوك ما حدش يعرف حاجة عن الموضوع دا." لم يكن منه إلا أنه هتف دون تكليف: "مفهوم مفهوم." ابتلع ريقه ليحيد عن هذا الأمر متسائلاً: "قولتيلي إنك بتشتغلي مش كده؟ بحت صوتها التي تنم عن ألم عميق أرهقت ضميره وهي تجيب باحباط شديد: "للأسف اتفصلت بعد مدة غيابي." كل الطرق تُسد بينهم، وكأن لمعت عينه بفكرة لحظية ألقى بها فورًا: "ما تيجي تشتغلي معايا في المكتب."

استعدت لإنهاء المكالمة عند هذا القدر، فقد شعرت بعدم قدرتها على المواصلة بعدما استشعرت شفقته: "أنا متشكرة لحضرتك." أسرع في القول حتى لا ينتهي الأمر عند هذا الحد: "هكون ممنون جدًا لو حاولتِ تلاقي وقت، لأني مش بروح المكتب الصغير نهائيًا، وإنتي عارفة فيه ناس كتير محتاجة مساعدة، والمساعدة اللي في المكتب الكبير بتنقل كل تحركاتي لبابا، وأكيد إنتي محل للثقة. أتمنى إنك ما ترفضيش." أجابته باقتضاب لتنتهي كل هذا

وتعود مرة أخرى إلى شرودها: "هفكر.. شكرًا لحضرتك." أغلقت الخط سريعًا قبل أن يجيب ويستقطبها لحديث آخر، فهي موجعة حتى من الاستماع لأي تفاصيل. كما أنها كلما سمعت صوته تذكرته، أنه الوحيد الذي شهد انكسارها بشكل مهين. ***

"منار وشريف" وصل إلى غرفتهما بالطابق العلوي، والتي فاجأت "منار" باتساعها وانتقاء ذوقها. لم تطأ قدمها هنا من قبل، كانت غرفته بمعزل عن الفيلا تمامًا في جهة مختلفة عن جهة والدته و"ورد". تطالعت إليها بإعجاب متناسية سبب حنقها عليه، لكن صوت الباب الذي أغلق للتو جعلها تفيق وتلتف إليه متسائلة بعنف: "إنت بتقفل الباب ليه؟ أنا هبات مع ورد." نظر إليها بتحدٍ وكأنها دخلت إلى عرينه وأصبح يشعر بالهيمنة على أرضه، ثم أجابها

من أسفل حاجبيه المرفوعين: "إنتي مش هتباتي مع أي حد في الدنيا غير معايا." نفرت تمامًا من الفكرة وبدأ يظهر على وجهها التشنج وصاحت برفض قاطع: "كده تبقى اتجننت! إزاي أبَات معاك في أوضة واحدة؟ أجاب بسخرية متعمدًا إغاظتها: "أمك عارفة إنك بايته معايا." رفعت إصبعها في وجهه وهتفت بتحذير: "شريف ما تهزرش، إنت عارف إنك أخويا." اقترب منها وهو يضيق عينيه مقرًا إحراجها بـ: "وخايفة من إيه طالما أنا أخوكي؟

انكمشت على نفسها بحرج فطري في موقف لم تعيشه أبدًا: "أنا مش خايفة بس مش هبقى على حريتي." ابتسم بتسلية من تخبطها، يسره جدًا أنها بفطرتها ويسره أيضًا تعليمها. مال إليها وهو يهمس بخبث: "اعملي اللي إنتي عايزاه وأنا هغمض عيني." قال جملته واختفى من أمامها إلى طرف الغرفة. وعندما أدركت ابتعاده صاحت معترضة: "وليه ما أبَاتش مع ورد؟ عاد إليها ليتمتع بأثر كلماته على وجهها: "عشان إنتي على ذمتي. ما يصحش أبدًا تباتي بعيد عني."

نفخت بحنق وهي تضع يدها على خصرها بيأس لتقول وهي تزفر: "لحد إمتى الوضع ده هيستمر؟ أجاب بكذبة برغم ضيقه من هذا السؤال الذي يريد إجابته إلى الأبد: "لحد ما تخلصي تعليمك زي ما إنتي عايزة."

تجاوزته لتتجول بالغرفة الواسعة الأقرب للجناح. الفراش الكبير يتوسطها بشكل أسطوري، وعلى الجانب الآخر طرقة صغيرة تؤدي إلى حمام داخلي، إلى جانب الطرقة غرفة خاصة للملابس. فيما عدا ذلك فالغرفة واسعة تخلو من الأثاث إلا من أريكة وطاولة قريبة من مكتبة صغيرة بها مجموعة من الكتب. في مواجهة الشرفة وقفت أمامه. تركها وشرد قليلاً أمام الشرفة، اليوم ستشاركه نفس الغرفة وسيختلط هوائها البارد بأنفاسها الدافئة. سأل نفسه كيف سيقيد جنونه بها وكيف سيخبرها بحقائق مؤكدة وحياة خاصة بالبالغين.

"إنت تجيب لي سرير هنا." انتبه إلى تلك العبارة وجحظت عيناه وهو يلتف إليها متسائلاً بدهشة: "نعم؟ هدرت دون اهتمام لدهشته: "إيه اللي نعم؟ المفروض إن ده جواب بالفصحى ولا سؤال بالعامي؟ تجاهل سخافتها وردد في نفسه أين أنا وأين هي. جعد جبهته متسائلاً: "نعم عايزة إيه يا منار؟ هكذا هدر، فأجابت بيسر: "عايزة سرير." أشار خلف ظهره وتساءل: "وده مش عاجبك؟ هتفت ببرود متعمد وهي تطوي ذراعيها: "لأ، ده بتاعك. لازم يكون لي سرير لوحدي."

ناشد الهدوء في نفسه وهتف متسائلاً: "وده هندخله هنا إزاي؟ أجابت بانفعال: "ما الأوضة واسعة، يدخل من أي حتة." اقترب منها وهو يستجدي الصبر: "وأمي وأمك لما يسألوا ليه قاسمين الأوضة نقول إيه؟ رفعت إصبعها من جديد مستنكرة أي إضافة بعد فكرة الإقامة معه بالغرفة وصاحت منفعلة: "لأ ما أنا مش هنام معاك في نفس الأوضة وعلى نفس السرير." أزاح إصبعها من وجهه وأخرج كلماته من بين أسنانه بحنق: "يخربيت صباعك ده."

استدعى هدوءه كي يدخل الفكرة في رأسها بهدوء ودون إجبار: "السرير واسع. ثم إن أنا أكتر الأحيان شغلي بيبقى بالليل، وبآجي الصبح." سألته هازئة: "والأيام اللي حضرتك هيبقى عندك شغل بالنهار أعمل أنا إيه؟ أجابها بنفس طريقتها: "ابقى حطي بينا مخدات." التف من وجهها قبل أن تزيده غيظًا وغضبًا وانفعالاً. لقد استحال التفاهم معها، بات يفكر في أقصر الطرق وأكثرها صدمة ليخرجها من شرنقة الطفولة إلى عالم النضوج ويرتاح. ***

في المكتب هدرت "مكة" ببراءة: "حضرتك أنا عنديش أي واسطة وما أعرفش حضرتك تقصد إيه؟ تشنج فمه بعدما خيل له أنها تراوغه. باغتها بسؤال آخر: "فين عشيقك اللي هربتي معاه؟ ازدادت ارتباكًا من حديثه وأجابته بأنفاس متقطعة: "أنا ما عنديش حاجة أقولها غير اللي حضرتك شوفته في البرنامج، ومن فضلك اقفل الموضوع ده لأن بجد مش عايزة مشاكل أكتر من اللي بتجاهلها برا المكتب ده." على فجأة قفز إلى جوارها فابتعدت تلقائيًا وهي تشهق بفزع.

صاح من بين أسنانه: "لو عايزة المشاكل برا المكتب تقل أو تتمحي، خلي بالك من علاقتك هنا جوه المكتب." زاغ بصرها بين حدة عينيه ومكر ما يقول، وهتفت بخوف يكاد يسقطها أرضًا: "أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه." عقله لا يستوعب براءتها وهي من ضجت الصحف بفضيحتها. يجزم بشدة أنها تراوغه. سبها بحنق: "هو إيه مش فاهمة؟ مش فاهمة؟ أومال كنتي هربانة مع عشيقك عشان إيه؟ "اتجوزه." أجابت بتلقائية وبلاهة لا تناسب هذا العالم الخبيث.

ضيق عينه وهو يتراجع عنها هادرًا بعنف: "يا تفتحي مخك يا تستقيلى من نفسك." وصل إلى مكتبه، ودون أن يلقي نظرة على الملف الذي وضعته منذ قليل، مد يده به لها وهو يقول بسماجة: "غيري الخط خليه 16." حسنًا ما حدث سيئ وما يطلبه أسوأ. هذا الملف يتطلب وقتًا أكبر من ساعات العمل لإنهائه. وقبل أن تفتح فاه لاستجداء عطفه صاح بها بزنق: "اتفضلي على شغلك." التقطته وقد خانتها الدموع. خرجت من المكتب وقد هزمها الحزن وسيطر على أحاسيسها. ***

العالم أصبح صغيرًا وبعيدًا في نفس الوقت. نخترع كل ما يقربنا إلى أحبائنا لكننا نبتعد مسافات عن كل ما هو قريب. ملايين المشاهدين على فيديوهات "تمار وفادي" منتقدين أو مشككين أو فضوليين أو محبين ومشاهدين. الجميع اجتمع على تلك القناة الخاصة بهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. لديهم نشاط مفرط لتغذية هذه القناة بمحتوى كوميدي ساخر، مما أدى للانتشار السريع والذي كان ذا جانب سيء لم تدركه "تمار" أبدًا. فهي كانت مستمتعة بالشهره

التي اكتسبتها في هذا الوقت القصير. لولا أن أحد الموظفين عرض أحد الفيديوهات هذه على والدها "رأفت الألفي"، والذي قفز من مكتبه غير مصدق ما وصلت إليه ابنته من جنون وما وصل لزوجها من الاستهتار في تركها تفعل هذا الهراء مع هذا الشاب. وتجول الأقاويل أنهم على ارتباط، لكنه لم يفوت الفرصة سيريه كم هو غير لائق ومناسب لابنته التي تركته فورًا عندما وجدت من يناسب عمرها. فرصة جيدة ليثبت وجهة نظره في هذه الزيجة الفاشلة.

ضغط زر الاتصال بـ "ريان" الذي كان يقود سيارته متجهاً إلى منزله. لا عجب أنه عبث بشدة فور رؤية اسم "رأفت" يقفز على شاشة هاتفه، ليتمتم بزنق: "يترى إيه المصيبة بتاعة المرة دي؟ ضغط بطرف بنانه على شاشة هاتفه المثبت أمامه وفتح الميكروفون ليحادثه وهو يقود. حاول ضبط درجة صوته وهي يجيب: "أيوا." تفاجأ بحدة وقتامة صوته وهجوم دون مقدمات:

"لما قولت لك الجوازة دي مش مناسبة ومهما كان تمار لسه شبه صغيرة وهتحتاج لشب يعيشها سنها مش يقفل عليها أربع حيطان، كان لازم تحصل فضيحة عشان تفهم سبب رفضي." زاغ ببصره "ريان" وهو يحاول لقط جملة تبصره سبب هذه الفضيحة، فهدر متشنجًا من حدته: "فضيحة إيه؟ إنت بتقول إيه؟ أجابه "رأفت" بسخرية لاذعة: "هه، إنت كمان نايم على ودانك. والله صنت الأمانة."

وقبل أن يصيح به "ريان" غاضبًا، فكلاهما يعرف الآخر تمام المعرفة، فمن أبشع الحوادث تحول الصداقة لعداوة. "تمار بنتي المصون اللي أخدتها من حضني عشان تحميها مني، بتعمل فيديوهات مع عيل من دورها والكل بيتكلم عنهم. يلا اتصرف ياللي خدتها مني، يلا وقف المهزلة دي وسيبها تعيش حياتها مع اللي يفهمها بدل ما تدفنها إنت بالحيا." ظل "ريان" صامتًا يستوعب الصدمة التي تلقاها من "رأفت" لتوه. ليطرق هو على الجديد وهو ساخن مسترسل بنبرة

مغايرة تحمل توسل أبوي: "ارجوك يا ريان، إنت عارف إن تمار أصغر منك بكتير ومش مدركة أبعاد الجوازة دي. دي أنسب فرصة تسيبها فيها. سيبها يا ريان تعيش حياتها. إنت عاقل هي مش عارفة مصلحتها فين؟ اديها أول ما بابها دق فتحت من غير تردد. كفايا لحد كده ورجع لي بنتي."

لاشك أن كلماته أوجعته وضربت عقله في مقتل. أغلق الخط دون أن يجيب وانحرف عن الطريق ليقف جانبًا. وبتلهف شديد أمسك هاتفه يبحث في مواقع التواصل الاجتماعي الذي أهمله لمدة طويلة بسبب انهماكه في عمله. اتسعت عيناه بألم عندما رآها بسيارة مع شاب غريب ويدور بينهم حوار، أو يتصنع الإغماء وهي تتحسس كتفه بقلق بادٍ في عينها. كان يتمنى أن يكون أبوها كاذبًا رغم معرفته أنه لم يفعل هذا. ابتلع ريقه وهو يشعر بالاختناق متسائلاً في نفسه هل يصلح لها كزوج وشريك وحبيب، أم أناني يتغذى على ضحكتها التي تعيد به الزمن للوراء ووجودها الذي يرتب بعثرة أيامه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...