الفصل 14 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
4,121
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

"في فيلا رافت" وقف "عدي" أمام المرآة ليهندم ملابسه ويضع عطره الجذاب. في الغالب لا يحتاج كثيرًا من الوقت في هذه الإجراءات، لكن هذه المرة ما أوقفه الشرود والتساؤل عن حال من تركها، "مرام". كيف كان صبحها؟ كيف شعورها؟ وجع يزحف إلى قلبه عندما يفكر في وحشية ما حدث لها. يراها بحشمتها تقف في مقابله في المرآة وتقيد قدمه. رقة قلبه دومًا تهلكه، لكن في هذه الحادثة هي من أهلكته.

توالي إشعارات هاتفه هي من أخرجته من هذه الحالة المغناطيسية التي انتابته للمرآة. التف وهو يقضب حاجبيه بدهشة من كم الرسائل المتوالية، حتى أوشك هاتفه أن ينفجر. تقدم باتجاهه والتقطه من فوق المنضدة لتتلاحق الرسائل أمام عينيه بسرعة أفقدته الاستيعاب، لكنها أوحت له بخطورة الموقف. وبصعوبة فتح أحد الرسائل التي قفزت أمامه ليقرأ فحواها: "مكه رجعت" "في برنامج انهارده" "الضغط جاب نتيجة يا بطل" "الساعة تمانية" و... و... و...

"عودة مكه إبراهيم السباعي" اتسعت عيناه وأسرع بتصفح الأخبار التي تحدثت عن هذا الخبر وتنويهات عن استضافتها في أحد البرامج الليلة في الثامنة مساءً. جلس مكانه بدهشة. الخبر مفاجئ أربك تفكيره، فأسـرع بالاتصال بـ"ريان" وانتظر إجابته بفارغ الصبر. بعد ثوانٍ أجاب: "أيوا يا عدي" استشف "عدي" من نبرته الغرور، لكنه أسرع بسؤاله دون اهتمام: "الخبر اللي منشور ده صحيح؟ أجابه "ريان" متفاخرًا: "أيوا صحيح، أخيرًا رجعت ست مكه."

لم يكتفِ "عدي" بهذه الإجابة وتلهف ليناوله سؤالًا آخر: "إزاي؟ ورجعت منين؟ وهي أصلًا كانت فين؟ ولا... قاطعه "ريان" بتذمر: "لااا أنا مش فاضيلك، اتفرج على البرنامج بالليل وهتلاقي كل الإجابات. سيبني بقى عشان أشوف شغلي." وقبل أن يغلق الخط، ألقى أمرًا صارمًا ليمنعه من التهور: "آه، وإياك تتصل بأختها. أختها تحت الحراسة الليلة وبلاش اسمك يجي في السكة. وابقى اقفل الصفحات والجروبات اللي باسمها." ضحك ضحكة هازئة وأردف:

"ولا أشقط بيها بنات يا حضرت الثورجي. أهي حاجة تشغلك." زفر "عدي" بتأفف، فهتف "ريان" يسترضيه: "خلاص يا عدي، الموضوع خلص. أخيرًا الكابوس اللي خلانا نختلف هيصلحنا على بعض." سأله "عدي" بحنق: "وأنت مين قالك إني زعلان منك؟ حد يزعل من أخوه؟ أجابه وقد اتضح على نبرته الرضا: "أخويا الصغير وصاحبي وحبيبي. بس في البلايستيشن ما فيش أخوة... هقطعك." ابتسم "عدي" وهتف متوعدًا: "لما تقف على رأسك دي بقى." "مستحيل."

ضحك وهو يهدر على عجالة: "ماشي، بس سيبني أشوف شغلي لأن الساعات الجاية دي مهمة." انتهت محادثتهم بالسلام. "ريان" بالنسبة لـ"عدي" أخ كبير وصديق، وكثيرًا ما وقف بجواره. بينهما انسجام وتوافق مما جعل علاقتهما تتسم بالأخوة. ومن بعد زواج تمار أصبحت الأمور أقوى من أي شيء يعرقلها أو يشوب نفوسهم بالحقد والكراهية. "في المساء"

بدأ كل شيء يأخذ شكل النهاية. ستنتهي قصة مكه وينشغل العالم بقصة غيرها. المسلسل مرتب بإحكام. أحيانًا الكذبات الصغيرة تنجي من مخاطر أكبر تضر بشعب كامل.

ارتدت "مكه" ما أتى به "إلياس" من ملابس، وقد انتقى لها ملابس فضفاضة وحجاب طويل كعادتها، ومن جهة أخرى يستر كتفها المصاب. وتوالت أمرها أحد العاملين مع فريق المكياج، سيدة في مقتبل العمر، وضعت لها بعض المساحيق التي تجعلها تبدو مقبولة أمام الكاميرات، رغم أن جمالها لا يحتاج أي مجهود، لكن للإضاءة سوف تنقل صورة خاطئة. جلست تحت يدها، صامتة، كل شيء حولها يتحرك بينما هي بداخلها ثابتة، جامدة، تريد أن تجهش في بكاء طويل يغسلها من الداخل.

الصمت يعتريها والاستسلام. لكن من داخلها يقاوم، وجع يفتتها شيئًا فشئ. في الخارج، استعد المذيع المشهور بأسئلته التي أعدها له فريق من داخل أمن الدولة. لا يجوز له أن يضيف أو يحرف. عليه حفظ الأسئلة التي أعدت إجابتها بدقة، وإيجاد التمثيل في ردة الفعل والدهشة المتصنعة. الكل يقف متأهب لما سيحدث الليلة. رغم أن الحوار سيجرى مسجلًا وليس على الهواء مباشرًا، لكن السرعة كانت مطلوبة للخروج في الوقت المناسب.

وبرغم انشغال "إلياس" مع زملائه، لكن وصل إلى مسامعه انفعال اللواء الصارخ بزنقة أمام أحد الضباط باسمها: "يعني إيه "مكه" مش عايزة تاخد حاجة؟ هي ناوية تحرجنا ولا إيه؟ الخبر اتنشر في كل حتة؟ خطى "إلياس" باتجاهه وسأله مستفسرًا: "في حاجة يا أفندم؟ أجابه متأففًا وهو يشير نحو الصينية التي بيد الظابط بها كوب من الماء وطبق صغير به حبة بيضاء: "مش راضية تاخد البرشام."

ظل ينظر إليه بصمت، ولكن بمشاعر مضطربة، يشعر بالشفقة تجاه المسكينة التي أصبحت مجبرة أن تفعل كل ما لا يروق لها ولا يشبهها في وقت قصير. لكنه هو أرحم عليها من أي أحد لينفذ هو باللين عوضًا عن أن ينفذ غيره بالقوة. التف ليلتقط الكوب والحبة البيضاء بين ثنايا كفه وهدر باقتضاب: "أنا هتصرف."

اتجه نحو غرفتها وقلبه يدق بعنف من مقابلتها ومحاولة إقناعها من جديد. ما أراح ضميره قليلًا أنها سترتاح قليلًا بعد هذا العقار. نقر نقرات متأولة لتفتح المعدة التي معها والتي أفسحت له بالدخول. وعلى الفور نظر باتجاه مكه الجالسة بوجه المرآة توليّه ظهرها في زاوية الغرفة وسأل هامسًا: "قالتلك حاجة؟ نفضت "المعدة" رأسها وهي تجيبه: "لأ، ما فتحتش بقها بكلمة."

كان يشملها بنظراته وهي لا توليه اهتمام، تحدق في انعكاسها في المرآة دون أن تراه. يظن في داخله أنها حتى لم ترأى نفسها، أنها في عالم آخر لن تخرج منه إلا بهذه الحبة التي بيده. تقدم للداخل وهو يأمر الواقفة: "اخرجي انتي."

امتثلت لأوامره ووقف ورائها يحدق في صورتها المنعكسة على سطح المرآة المستطيلة التي جمعتهما معًا. كان شبيهًا بإطار صورة معلق على جدار. هو بملابسه الفاخرة، وهي الهشة المكسورة ذات الخمار الزيتي. كان اختياره رائعًا لهذا اللون يتماشى تمامًا مع لون عينيها القاتلة. ابتسم رغماً عنه بعدما طال وقوفه فوق رأسها دون أن يستدعي انتباهها، وقال دون مرح: "شفتي ذوقي حلو إزاي؟

نهضت من مكانها بارتباك عندما سمعت صوته المميز، وعيناها تعاندها كل مرة وتنظر إليه ثم أشاحت وجهها بعيداً عنه. لم تجبه. شعور الحزن كان أطغى. يشعر بمثل ما تشعر، وكأن قلبيهما واحد. لكن عقله تدخل ينهي هذه الدراما التي تعيش بها مؤقتًا. ودون أن يلفظ حرفًا واحدًا، اقترب منها ورفع وجهها إليه بطرف إصبعه. نظر إلى عينيها وحرك أنامله على شفتيها ليضع على فجأة هذه الحبة. في البداية تراجعت للخلف، لكنه هتف وهو يثبت عينه على عينيها:

"هترتاحك، صدقيني." ما زالت تشعر بالأمان معه وتثق به ثقة عمياء. ابتلعتها بهدوء، فلقمها بيده الأخرى رشفة من الماء. ظل ينظر إليها مطولًا حتى يتأكد من سريان المفعول. في الغالب لا يطول الأمر، مجرد دقائق معدودة وستبدأ بالتبلد والتعامل ببرود، حتى وإن اشتعلت من حولها البراكين، ستهدأ أعصابها ولا تزرف الدموع على ما ستقول. ستكون آلة ناطقة بلا شعور.

إطالة النظر إليها كانت حربًا خاضها أعزل من السلاح، انجرف في بحيرة عينيها التي يحوطها سور عالٍ من الأهداب السوداء. همس من بين شفتيه مرغمًا: "بـحـبـك." كان سيجن إن لم يقل لها ذلك. ومن هذا المجنون الذي يسكت في حرم الجمال؟

بعدما انفلت منه هذه الكلمة، كان عليه أن يتمالك نفسه وينتبه من خطورتها عليه. جال في وجهها وهو لا يرى أي تفاعل مما قاله لها. لا دهشة، لا فرح، ولا حتى انفعال. وجه سيرميك لا يحمل أي تعبير. اطمئن قلبه بعد التأكد من بدء مفعول الحبة عليها. تقهقر للخلف بخطوات مهرولة من جوارها. أكثر من ذلك لا يضمن العواقب. لتختفي من حياته وتأخذ معها كل سحرها وشعوذتها في السيطرة عليه حتى يصبح حرًا طليقًا كما كان. "تمار"

خرجت من شقتها وهي تدس أصابعها في فروة رأسها لتعدل من خصلاتها المنسدلة على كتفيها. ولكن قبل أن تقصد سيارتها المصطفة إلى جانب الرصيف، وقف إلى جوارها من جديد "فادي" مبتسمًا وهو يهتف: "صباح الخير يا تمار." ابتسمت له على مضض وهي ترد التحية: "صباح الخير يا فادي." اتسعت ابتسامته وأشاد بـ: "كويس إنك فاكراني." أجابته دون ابتسام، فـيكفي ما صنعته إلى الآن حتى لا يتعشم كثيرًا في ود أكثر من هذا: "أومال أنت وصلتني آخر مرة."

سمح لنفسه بالاقتراب خطوة وهو يقول بجدية: "كذا فيه واجب عليكِ لازم ترديه." رفعت أحد حاجبيها بشك وهي تسأله: "أرده إزاي بقى؟ كان مستعدًا للإجابة، لكنه فضل البدء بطلب صغير حتى تسنح له الفرصة بطلب أكبر، فقال: "ممكن نقعد نشرب حاجة في كافيه أو في نادي عشان أعرف أتكلم في موضوع مهم." نفضت رأسها قبل أن تهتف برفض قاطع: "لأ، مش ممكن، مشغولة." ألح على طلبه وبدا مصراً حيث قال:

"ارجوكي يا تمار، بقولك فيه موضوع مهم وفي مكان عام أو أي مكان تحبيه. وبعدين بابايا وباباكي يعرفوا بعض، وإنتي كمان عرفاني، وبأكد إنّي عايزك في موضوع مهم." رمقته ثوانٍ دون إجابة، فحرك رأسه ووضع راحة يده على صدره كإشارة راجية، فاستجابت وهي تمد ذراعها: "اتفضل نروح النادي." تبعها وهو يكاد يرقص فرحًا بقبولها المبدئي هذا. القبول سيفتح له بابًا أوسع لقبولها بأمر آخر أعظم. في الشارع أسفل شقة "إبراهيم السباعي"

كان يعم التوتر من أفراد الحراسة المصطفة أسفل البناية والقلق بالشارع ككل، فحـادث مثل هذا لم يرد عليهم. الجميع متأهب للحلقة التي نوه عنها، وانتشرت الأقاويل الصالحة والطالحة. لكن من بين كل هذا هناك من انتظر عودتها، "كامل"، وانتظر تفسيرًا منطقيًا على غيابها المفاجئ، خاصة أن ثقتهم بالحكومة أصبحت شبه معدومة. سأل القهوجي الذي يدور بالأكواب وهو يطالع الشاشة: "هي مكه بنت إبراهيم هتطلع في التلفزيون الساعة كام النهارده يا ولاء؟

أجابه الآخر على عجل: "بيقولوا النهارده الساعة تمانية." تدخل رجل من جواره وهو يهتف بفرح: "والله بقت الحتة بتاعتنا مشهورة." رد عليه رجل آخر مصححًا بحنق: "مشهورة ولا ملطوطة؟ التف إليه "كامل" ليسأله دون فهم: "تقصد إيه أنت؟ أجابه دون تحفظ: "يعني الحكومة وجت لحد هنا والتلفزيون هيجي وراها، والحتة فيها بنات وشوف مكه جايبة وراها مين كمان؟ جعد جبهته مستنكرًا فظاظته وصاح محتداً: "انت بتلمح لإيه؟

دي بت الشيخ إبراهيم السباعي، مين يقدر يقول عليها نص كلمة؟ أكيد الحكومة خدتها بالغلط، وانهارده كل شيء هيتضح وربنا هيظهر الحق." لوى الآخر فمه، فالكثير يملكون سوء نية قادرًا على تبديل الحقائق ومحوها. قال وهو يدير رأسه: "لما نشوف." زمّـر كامل فمه وأمسك سبحته الطويلة وحرك أصابعه بعجل: "استغفر الله العظيم وأتوب إليه." "شريف" في المطبخ وقف يعد إليها الطعام وهي تجلس أعلى الطاولة التي تتوسط المكان. كان الجو هادئًا

حتى قاطعته هي بسؤال فضولي: "مين اللي علمك الطبخ يا شريف؟ لوى عنقه لينظر إليها وهو يرد من فوق كتفه: "منه لله اللي كان السبب." سألته من جديد: "ياسلام، ومين دا اللي كان السبب؟ التف إليها هذه المرة كليًا وغمز بطرف عينه وهو يهدر بمرح: "ما تيجي أعلمك." رفعت يدها سريعًا كمن أصابه المس وصاحت برفض تام: "لأاااااا، كله إلا دا." لم تردعه إجابتها الصارمة، بل زادت ابتسامته واقترابه وهو يسأل بخبث: "طيب تيجي أعلمك حاجة تانية؟

ضيقت عينيها وهي تشعر بغموض تام في نبرته وردت بسؤال: "حاجة زي إيه؟ اقتصر المسافة بينه وبينها وأسند راحة يده إلى الطاولة ليحاصر جلستها من الجانبين. شعرت بريبة من تصرفاته التي لم تعهدها منه واقترابه الوشيك بات يرهبها. هتف وهو يحاول أن يميل صوبها بالقدر الذي يسمح له برمي رأسه على عنقها: "يعني حاجة تضيع الملل اللي إنتي فيه." فدفعته بغتة عنها وصاحت به بحنق: "إيه؟ أنت بتعمل كدا ليه؟

أجفل وهو يزم فمه بضيق من قطع مشاعره الفياضة وراح يسجدى الصبر الذي بات علقمًا معها، وزجر من بين أسنانه: "إنتِ فصيلة والله النعمة." أسندت يدها إلى الطاولة كي تدفع نفسها عن الطاولة وتنزل إلى الأرض وهي تقول بضيق: "إنت اللي غريب وتصرفاتك مش مفهومة."

من فرط غضبها وشدته كادت تسقط أرضًا، لكنه حال بينها وبين السقوط بيده التي امتدت في الهواء لتلقفها. صرخت من إمساكه بها وبدأت في دفعه كردة فعل غريزية للدفاع عن نفسها. تحمل دفعاتها وأبى تركها وهو يهتف ضاحكًا: "إهدي يا منار." ومع استمرار تمسكه بها ويده التي حاوطت بطنها، مالت بعنقها نحوها لتلتهم يده حتى تجبره على تركها عنوة. بسرعة أفلتها وهو يصيح متألمًا: "آه يا عضاضة." فرت من أمامه نحو غرفتها واستمع إلى صفق الباب:

"ماشي يا منار، طب ما فيش أكل. والله لأجوعك." التف ليغلق زر النار بغيظ وعاد يلمس مكان إصابته منها بتألم ووضعها أسفل الصنبور ليفتح عليها الماء حتى يتلاشى ألمه. "فادي وتمار" جلست معه على طاولة النادي في الهواء الطلق. لم تنتظر طويلًا بعدما جاء النادل بالمشروب، وسألت بنفاذ صبر: "ها، كنت عايز إيه؟ ابتسم ابتسامة قصيرة تبعها بالإجابة التي سبقتها مقدمة خفيفة:

"بصي يا ستي، إنتي عندك ملايين الفلور على الانستجرام إضافة إلى وجهك الحسن وسمعتك اللي سبقـاكي في كل مكان. وأنا كمان زيك عندي فلور وابن شخصية معروفة وحاجات كتير إنتي عارفها. أنا فكرت أعمل قناة على اليوتيوب وإنتي تبدئي معايا." مـطت شفتيها بابتسامة هازئة وتشدقت بسخرية: "يعني إنت ذكرت كل المقومات اللي قلت عليها دي عشان تديني دافع، مع إنك لو ركزت شوية هتكتشف إني بكل المقومات دي مش محتاجة أعمل كدا." أسرع

في الإجابة حتى يقنعها: "إزاي؟ إنتي لازم تعملي كدا. أولًا هتملي وقتك، هيبقى لكِ جمهور على أرض الواقع، هتبقي ليكي شهرة خاصة بيكي غير الشهرة اللي متعلقة بباباكِ. ودي النقطة اللي إحنا بنحاول نوصلها. الموضوع يستاهل بجد، كفاية إنك مش هيبقى عندك وقت فراغ."

وأمام كلمة "فراغ" شردت بالفعل. هي تحتاج شيئًا وإن كان تافهًا يلهيها وينسيها مشكلة والدها واستمرار نبذه وانشغال ريان في عمله، وكذلك أخيها الذي تراه على فترات متباعدة. بدأت بالتفكير، وبدأ هو في الثرثرة التي تشبه السحر عن أرقام خيالية وتجارب أصدقاء سابقين ونكات وحكايات. وأجمل ما في الأمر أنه لا وقت لذكر أي شيء مرهق.

بثت صورتها على جميع الشاشات. ظهورها الليلة كان حدثًا تاريخيًا يتحدث عنه الجميع. جميع سكان منطقتها حتى غير المتابعين للأحداث التفوا حول الشاشات بترقب. "مكه إبراهيم السباعي." هكذا هتف المذيع المخضرم واسترسل بالأسئلة دون أي مشاعر. هو يحفظ جيدًا ولا يهتم بالمشاعر:

"الحقيقة الاسم دا كنا بنام ونصحى عليه. بنت راحت شغلها ومن بعدها اختفت تمامًا. وبرضه ما عرفناش سبب إلقاء التهمة على الحكومة. عبء من ضمن الأعباء اللي بنشيلها لهم. بقت تريند زي ما بيقولوا #مكه _فين؟

اللواء "جمال مندور" مشكورًا خرج فرقة بحث عنها وكَرّس اهتمامه نحو القضية بشكل أبوي مش بشكل عملي. عمل كل جهده ونشرها بمواصفاتها في كل الكمائن والمستشفيات والأقسام لحد ما وصل ليها وهي قاعدة معانا، أهي في الاستوديو بشحمها ولحمها." التف بوجهه عن الكاميرا لينظر باتجاهها وهو يطرح سؤاله: "ها بقى يا مكه، كنتِ فين؟ ودون حرج أو تمهل، وجدت نفسها تجيب: "كنت هربانة." تصنع المذيع الدهشة وهو يسأل: "هربانة؟ إزاي؟

طيب احكيلنا التفاصيل." لا تعرف لما فقدت شعورها وهي تهتف بما حفظته كالشريط التسجيلي: "كنت بحب واحد وأهلي رفضوا جوازنا، فهربت معاه." جمودها وعيناها اللامعة وهي تقول هذا دون تأثير، كاد يصدق. لكن على الطرف الآخر سقط في قلبه كالحجر الثقيل، وعينه مترصدة رؤية ابنته المصونة وهي تعترف أو تكذب بتبجح لتضع اسمه في الوحل وتخفض هامته عن قصد. (إبراهيم السباعي) والدها الذي لا يستحق مشاهدتها بعد هذه المدة بهذا الاعتراف المشين.

أسرعت "مرام" لتخفض صوت التلفاز بعدما رأت دموعه العاجزة تسقط ووالدتها تـلـكـم رأسها كي تفيق من الصدمة. كانت "مرام" مشتتة بين الجميع. أمسكت بذراعه وانتحبت في أحضانه بهستريا بالغة، يغزوها الألم مما تسببت به هي الأخرى دون علمه من حرج وجرح غائر لن يزول بسهولة. تمتمت بانهيار: "ما تصدقش الكلام دا يابابا، دا كذب." "في القهوة" هتف الرجل بسخرية: "أهو يا شيخ كامل، كانت هربانة. قالت بلسانها."

غضب "كامل"، لكن لغضبه لم يكن منفذًا أو وجهًا ليعارضه به. استمع للجمع وهم يأكلون في لحمها بحديث خالٍ من الحياء أو الشفقة، وثورة عارمة اجتاحت الجميع مما فعلته مكه بحارتهم المصونة التي لم يذاع لها صيت قبل هذه الفاجعة. "في التلفزيون"

اختمت "مكه" كذبتها المحبوكة باعتراف نادم وإشادة لضباط الشرطة وحسن معاملتهم، وإعادتها من جديد لأحضان والديها. انتهى كل شيء. وطلب اللواء بعد بث الحلقة مباشرة إرسال "مكه" إلى منزلها مع فرقة من الجيش. رفض "إلياس" الظهور أو الاشتراك في أي شيء آخر يخصها. اختفى تمامًا من بينهم كأنه لم يكن موجودًا. لذا تولى المهمة مكانه "ريان" وقاد الموكب نحو منزلها. لكنه تفاجأ برد فعل الشارع تجاهها، والذي استقبلها بالألفاظ النابية ونعتها بأبشع الصفات بعد رؤيتها تعترف من ساعة على الملأ أنها هربت بإرادتها. حاول دفع الناس الذين لم يهتموا باختفائها من عدمه من الأساس. لكن الجميع ينتظر الفرصة ليصبح جلادًا يجلد الناس دون رحمة أو تفكير.

بصعوبة فض الجمع ووسط حراسة مشددة أوصلها إلى باب شقته. كانت تشعر أن قلبها يقفز نحو هذا الباب الذي يمثل لها كل الأمان. فتحت "مرام" الباب وعيناها منتفخة من الدموع. إن صدق العالم أجمع ما قالته "مكه"، هي لن تصدق حتى وإن أقسمت هي على ذلك. ومن لا يعرف نفسه؟ احتضنتها سريعًا وهي تنفجر بالبكاء. و"مكه" لا تعرف لما لا تبكي؟ لما عيناها جامدة؟ لما لا تشعر بأي مشاعر؟

رفعت عينها لتجد والدها ينظر باتجاهها بانكسار. ابتعدت عن حضن "مرام" لتنطلق باتجاهه، هي بحاجة لحضن أقوى حتى يتهشم الجمود الذي بداخلها. لم يفتح ذراعيه كعادته أو كما توقعت منه. وقفت تسأله بعينيها: هل صدق؟ لكن الدموع في عينيه حجبت الإجابة. رفع يده ليصفعها وتوقفت في الهواء. من يلوم؟

الرؤيا لديه مشوشة مما عاشه ومما سيعيشه في خزي وعار سيلاحقه للأبد. وزعت نظراتها بين دموعه المتسابقة على وجنته وبين يده الثابتة في الهواء. وأسرعت بإمساكها لتقبلها وتقحم نفسها في أحضانه وتنفجر معه في البكاء لتشعر بتراخي جسده شيئًا فشئ. الصدمة كانت كبيرة عليه والمفاجأة كانت صادمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...