الفصل 25 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
18
كلمة
6,220
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

ركضت نحوه بهلع تخشى فقدانه. الساعة التي مرت عليها كانت جحيم قبل أن تراه واقفاً في وسط الممر ينتظرها. يضع يده في جيبه وينكس رأسه بحزن. إن اقتربت حتى تحسسته بقلق: "شريف، مالك؟ فيك حاجة؟ انت تعبان؟ رفع يده إلى كتفيها وربت عليهما برفق محاولاً الابتسام ليطمئنها قائلاً: "أنا كويس، ما تخافيش." لكنها لم تهدأ. نظرت حولها وهي تسأله بشك: "اومال احنا هنا ليه؟ انت بتعمل ايه هنا؟

نظر باتجاه "ورد" والتي فهمت على الفور سبب الحضور. أدارت وجهها وأجهشت في البكاء. فالتفتت لها "منار" تسألها وقد زاد قلقها: "في ايه؟ بتعيطي ليه؟ أمسك "شريف" يدها بلطف وهو يطالعها بحزن. من الصعب إحزانها. قلبها وهذه المرة ستكون بيده. تحرك بها نحو الغرفة التي بها والدتها وفتحها بصمت.

كانت فاجعة رؤية هذا الشبح المقارب لشكل والدتها راقدة بلا حراك على فراش وموصل جسدها بالأجهزة. رفض عقلها التصديق بأنها والدتها. إنها امرأة تشبهها حتماً. ما قطع الشك باليقين ظهور "ماجدة" خالتها التي تحركت من زاوية الغرفة تحتضنها. كانت باردة لا تفهم ولا تعي، أو أن عقلها رفض التصديق. سألت خالتها بهدوء: "في ايه يا طنط ماجدة؟ انتوا هنا بتعملوا ايه؟

انفجرت في البكاء وضمتها أكثر إلى أحضانها. الموقف صعب عليها، لكن على "منار" كان أصعب. بدأت تشعر بأن روحها تنسحب شيئاً فشيئاً وعينها تأبى أن تفارق الراقده على الفراش. يعتصر الألم قلبها. ويأبى عقلها التصديق. شيء واحد جعله يؤدي مهمته ويدرك ما حوله. هذا الشيء كان أصعب من تحمله. هو أنين من "زينب" يخالطه هذيان باسم واحد: "مــــنـــار" دفعت "ماجدة" عنها وتحركت صوبها تهتف بذهول وجنون في آن واحد: "دي ماما! إزاي...

إزاي وصلت لكدا؟ ... حصلها ايه؟ نزلت على ركبتيها وأمسكت بيدها. على ما يبدو أنها قد انتهت. لم تتفاعل زينب مع وجود ابنتها وكأنها في عالم آخر. فقط تنادي وتئن باسمها: "مــنــار" هذا جعل "منار" تنهار وتتشبث أكثر بيدها وكأن حياتها تعتمد على ذلك. راحت تصرخ هي الأخرى ودموعها تتوالى دون توقف وتحاول الإجابة التي كانت أصعب ما يكون: "أنا هنا! أنا هنا يا ماما!

"شريف" كان يتألم لرؤيتها في هذا الموقف. ربما لو كانت معها في رحلة علاجها خطوة خطوة لتقبلت الأمر عوضاً عن هذه المفاجأة الصادمة. لكنه العند الموروث في هذه العائلة يؤدي إلى الموت. تعالت أنات "زينب" وعينها زائغة كأنها في عالم آخر. هذا جعل منار تصرخ بجنون: "حد يجيب دكتور! انتوا سايبنها كدا ليه؟ جيب دكتور يا شريف!

نظراته لها خالية من القدرة على ذلك. لقد أتى الطبيب وخرج قبل أن تأتي بدقائق معلناً أن المريضة في لحظاتها الأخيرة. دارت رأسها ترجوه ببكاء حار: "شريف ساعدني! جيب دكتور! كان متجمداً مكانه ينظر إليها مدعياً الثبات. كل شيء سكت فجأة بعد سكون أنفاس "زينب" وسكوت أناتها وندائها. وكأنها انسحبت إلى عالم آخر. حركتها "منار" برفق وتوالت هي هذه المرة النداء: "ماما... ماما"

النداء كان من حي إلى ميت. لكن بالحقيقة كل الأموات تأخذ أرواحنا معها. فإذا صح الحديث فإن كل الفاقدين أموات حتى يأتي موعد جنازتهم. ***

الصدمة هي التي كانت تعتلي وجه "تمار" عندما سمعت صوته العذب ينادي من بعيد باسمها. لم تصدق أذنها إلا عندما رأت "ريان" نصب عينيها يلوح من بعيد. وكأن بلادها أتت لها. هرولت نحوه بجنون متجاهلة والدها الذي كان يغلي من خلفها. حضر عدوه، حضر من أراد إقصاءه. حضر ليخطف ابنته الوحيدة. وبعد كل ما فعله في الأشهر الماضية جاء هو ليخطفها إلى أحضانه.

بنداء، رفضت "تمار" ترك عنقه وتعلقت به بتلهف. طوال هذه المدة لم ير هذه السعادة إلا الآن. وهذه السعادة إن لم تختف قبل الوصول إليه حتماً سيصاب بنوبة قلبية. *** "إلياس" ومض في ذكرته كلمات "ريان" الرنانة قبل رحيله وتحذيره بشدة بعواقب زواجه دون إخبارها. وها هي الجملة تتردد في مسامعه الآن وهو يقف أمام الباب الموصد بتردد: "شوف بقى هتعمل ايه معها. كدا كدا لازم تعرف في النهاية."

عاد من شروده. حقاً إنه في مأزق. يعرف إجابتها مسبقاً. لكن هذه المرة لم يكن على قلبه أي إرادة. مجبر على إخبارها بكل شجاعة وبرغم أنه يعرف نوبة الاهتياج التي ستقام بوجه من مجرد ذكر الفكرة. فهي لن تقبل أن يخطفه أحد مثلما يفعل عمله. وما الحيلة إذا كان لم يستطع إبعاد رأسه عن احتياج "مكة" لوجودها معه؟ دس مفتاحاً في الباب وأداره وهو يزفر أنفاسه بتأني لاستعداده على المواجهة. بمجرد ما ولج من الباب سمع صوتها المتلهف يهتف بسعادة

غامرة وهو يقترب بتعجل: "أخيراً جيت! وافتكرتني! فتح ذراعيه مرحباً وابتسامته الودودة كانت أول الحضور لاستقبال هذا الوجه البشوش. يعرف أنه يغيب كثيراً ويعيش بشقته المستقلة. لكنه لن ينسى أبداً أن قلبه هنا دوماً مهما ابتعد. ارتمت في أحضانه وهي تنادي باسمه: "إلياس وحشتني." دوماً شوقها لا يقل وعطاؤها مستمر مهما جفى هو وابتعد. دسها في أحضانه وربت على ظهرها بحنو كأنه تحول بلحظة إلى كتلة من الرأفة والحنان. اشتياقه غلب تحيره.

قبل جبهتها هو يرد عليها: "وانتي كمان وحشتيني يا أمي الغالية." رفض إخراجها من أحضانه ومشى إلى جوارها. تشبه كثيراً لكنها لم تكن كبيرة بالعمر ولا حتى بالحجم. تراهما في هذا المشهد الحميمي لا يخطر ببالك أنها والدته. بالعكس، هما أحباء في فترة التعارف أيضاً. قالت مؤنبة: "ليه ما قلتش إنك جاي؟ كنت عملتلك الأكل اللي بتحبه."

لم يغادر ثغره الابتسام بالقرب منها. تغمره السعادة. لطالما شعر أنه مسؤول عن حمايتها وابتسامتها وكل شيء يخصها. هي كل حياته بل جزء من روحه. "انتي كل اللي بحبه." حركت رأسها مستنكرة وهتفت بمزاح: "ايه دا كله؟ إلياس بنفسه بيتغزل فيا؟ أكيد ورا حاجة." وكأنما قفز إلى ذهنها سؤال أسرعت بإلقائه دون تردد: "وبعدين انت كنت فين الفترة دي كلها؟ معقول تكتفي بالمكالمات؟ توقف عند الأريكة التي تنتصف المكان وارتمى بثقل جسده عليها هادراً

بإنهاك: "ما أهو أنا لو قلتلك إني رايح مهمة مش هخلص من أسطوانة الشجن المحفزة على ترك العمل والهجرة. فبخدها من قصيرها وأسكت." راحت تسأله بحنق: "ما فيش فايدة خالص؟ هو سن التقاعد بتاعك فاضل عليه كتير طيب؟ أشاح برأسه بيأس. هي لن تتغير. زفر أنفاسه. فليستعد للمهمة الأصعب والتي حذر أنها ستبدأ من بعد ما هدرت بشك: "مالك يا إلياس؟ فكر طويلاً، أي الطرق يسلك؟

هل يعتمد على مقدمة طويلة يحكي بها مشاعره واحتياجه إلى هذا الزواج أم يعتمد على أقصر الطرق ويدخر جهده في الإقناع؟ ثوانٍ ظل يرمي رأسه للخلف يحدق للأعلى دون نظر. مل من الصمت وقد حان وقت الإجابة. سألت: "مالك يا إلياس؟ وأجاب مسبقاً بتنهيدة قصيرة: "عايز اتجوز."

ران الصمت من جديد. تركها لتستوعب الصدمة رافضاً النظر إلى عينيها. يعلم أنها الآن امتلأت بالدموع. رفع يده ليمسح جبهته بإرهاق بدأ يشعر به من قبل النقاش. لكنها همت بالنهوض، فأسـرع بإمساك يدها لتنهار من جديد إلى جواره على الأريكة بصعوبة. نظر إليها وهو يعتدل. احتضن يدها بين راحة يده لتترك الغضب الذي جاهد في إخفائه: "كنت متوقعة أصلاً. انت ابنها."

في كل مرة كانت تشبه به يتألم. يشعر بكل ما مرت به من سنوات. يتجرع هذا الألم دون رحمة. يدفع ثمن أخطاء كثيرة أغلبها ليس له يد فيها. مسح على فمه بتروي هادراً: "ماما أنا ماليش يد في اللي حصل." أجابت وهى ترد عليه باستياء: "مالكش يد... بجد؟ مش أنت عارضت جوازي من بعدها؟ جفل عن هذه الذكرى المريرة. لكنها لم تتوقف عند هذا الحد واسترسلت في غضبها: "اتمسكت بيك برغم كل حاجة. دلوقتي قررت ببساطة تتخلّي عني؟

كيف سيقنعها هذه المرة أن الأمر لا يقبل سوى القبول؟ في المرة السابقة كان مجرد اقتراح ولم يجازف برضاها ولم يحاول حتى إقناعها كثيراً بالأمر. الآن فليجرب شيئاً جديداً لعله يحصل على كلمة يعرف أنها مستحيلة. ليقول الحقيقة: "أنا بحب." هذا لن يغريها. من يعرف أن الحب مهم؟ هي لقد فات زمن على معرفة معنى حقيقي للحب. لذا نطقت باستخفاف: "حب؟

انت أكتر واحد شاهد على عذابي بسبب وهم الحب. انت سبت الشقة دي من كتر العذاب اللي شافته أمك فيه. انت خرجت وسبتني أنا هنا بذكرياتي بستنى الأيام اللي بتيجي تقضيها معايا. وراضية أستحمل شغلك وغيابك المستمر. لكن تيجي واحدة وتاخد شوية الأيام اللي بشوفك فيهم. انت عمرك ما هتقدر توفق بين اتنين. يا إلياس فوق! دا كان اختيارك ودا عهدنا. إوعى تنسي أبداً."

دفن وجهه في كفيه. محقة في كل شيء. لكن لو القلوب شفافة. مع أن مع كل هذا السمك سترى حتى الأعمى يرى أنه بحالة عشق خرافية. أيام كثيرة وصور قديمة حضرت فجأة وهي تروي ذكريات من الماضي الأليم. قصص يعرفها جيداً:

"اتزوجيني غصب عني. واستحملت ضرب وذل وإهانة. حتى انت ما كنتش بتقدر تدافع عني لمجرد رفضي له. الأيام اللي كان بيقضيها هنا كانت جحيم. سلطته ونفوذه كانت خانقاني. وفي وسط كل اللي عشته كنت بستحمل عشانك انت. النور الوحيد وسط الضلمة اللي كنت فيها. وأخيراً انتهى الكابوس ومات. وبدأت أحس إني عايشة. ويوم ما قابلت حد أحبه واختاره. فاكر لما جيت أقولك؟

فكرتك أول حد هيدعمني. لكن لقيتك نزلت على ركبتها تحايل عليا إني ما أسيبكش وإنك هتعوضني. ما كنتش صغيرة وقتها عشان ما آخدش على كلامك. انت كنت واعي جداً وفاهم معنى الــوعد."

سكتت من جديد بعدما نحرته بالحديث عن ماضٍ لم ينسه أبداً. هو يعرف أنه متزوج. متزوج كل هذا الألم والذكريات السيئة والألم التي وعد بمحوها. تزوج بوعد غير قادر الآن على الوفاء به. مهما حاول الابتعاد. هذا هو مرجعه وموطنه الذي حرص دوماً على العودة إليه فارغ القلب. إلى أن جاءت ساحرته والتي عرفت كيف تنسيه الوعد والذكريات والألم بحكاياتها الخرافية. إن تركها لن يعوضها. رحلته الأخيرة علمته أن حياته القصيرة لابد أن يعيشها بالطريقة التي تسعده. كما يقاوم همومه دوماً. قاوم من أجل وجود من يعتني بقلبه المهموم. وكيف يرضي تلك المنتظرة وفاءه بوعده وقلبه لا يفهم بالوعود. كان يتوقع أنه يفهم. لكن كان للعشق رأي آخر.

رفع كفيه عن وجهه وهتف باقتضاب: "مكة. اسمها مكة." صاحت باهتياج وهي تنتفض من أمامه: "مش عايزة أعرف اسمها! عادت تذكره: "فاكر؟ مش دا كان ردك لما جيت أقولك اسمه؟ الألم يفتك به. لن يلومها. كان غبياً بدرجة كبيرة من منعها من مواصلة حياتها بعد والده الذي ظلمها كثيراً. وهو كان خير شاهد على هذا. اعتقد أنه سيظل بكامل جموده وعدم رغبته في خوض تجربة زواج رآها بعينه وكانت أسوأ مثال. ***

في دقائق معدودة كان كل شيء انتهى. رحلت "زينب" وغادرت معها روح "منار". صراخها المتواصل سكت وأصبحت كالخرقة البالية. بقي إلى جوارها كلاً من "ورد وماجدة" يواسيانها. لكن فشلا في إخراجها من حالة الجمود التي انتابتها وهي التي هي أخطر وأشد من البكاء. لكن ما الحيلة إن كان "شريف" انشغل بإجراءات المستشفى وإنهاء كل شيء حتى يخرج جثمانها إلى مستقره الأخير. مالت "ماجدة" إليها لتختطفها في أحضانها وهي تهتف بحزن تام من وسط بكائها:

"وحدي الله يا منار. واترحمي على أمك." كانت كالثلج. الصدمة جمدتها وتركتها بلا حراك. وشعور هذه الحالة من الممكن أن تجرفها في انهيار إن لم تتفاعل وتتجاوب مع الحدث بصورة طبيعية. استمرت "ماجدة" بالحديث: "منار ما تسكتيش كدا. ما تقطعيش قلبي أكتر من كدا يا بنتي. ده حال الدنيا وهي ربنا رحمها من اللي كانت فيه." اندفعت من أحضانها ببطء ونظرت إليها بنفس العينين الخاويتين وكأن الكلمة هي من أيقظتها لتسأل متألمة: "ايه اللي كانت فيه؟

زفرت "ماجدة" وأشارت بعينيها لـ "ورد" كي تساعدها في تهدئة منار. لكن الأخرى كانت في حالة سيئة لا تجعلها تعي أي شيء. "عندها سرطان." هتفت باقتضاب شديد وهي تتمنى أن لا تسألها عن مزيد من التفاصيل حتى لا تؤلمها أكثر. شعور قاسٍ انتاب "منار" لكنه على الأقل انتزع منها الدموع المتجمدة من مدة. وقبل أن تسقط تلك الدمعة وصل "شريف" وعلى وجهه ألم مضاعف. كان يبكي من الداخل حتى ظهر هذا البكاء على روحه وصوته الذي هتف باسمها: "منار."

أفسحت لها "ماجدة" جوارها كي يواسيها. تعرف أنه الوحيد القادر على إزالة هذا الألم. انضمت إلى "ورد" وجذبتها إلى جانب الغرفة. ليجلس هو بجانبها ويضمها برفق إلى أحضانه. هنا فقط استطاعت البكاء. هنا في هذا المأوى زفرت أحاسيسها وكل ما أحزنها. بكت بجنون وكأنها لم تبكِ من زمن. بكت مجددة الأحزان، الألم، وكل شيء محزن في حياتها. والدتها رحلت بعد مدة طويلة من الغياب. رحلت دون وداع حقيقي. تركت فقط الألم والوجع.

بهدوء شديد ربت "شريف" على ظهرها في محاولة فاشلة لسحب كل آلامها إلى صدره. لا يقوى على رؤيتها هكذا. فلتصرخ أو تجن ولتهدم هذا المشفى بأكمله. لكن لا تجلس بهذا الألم في أحضانه ولا تبقى في قلبها غصة تؤلمه. هو قبلها. ماذا يفعل كي يمحو عنها هذا الألم؟ بما يفديها؟ همس متألماً: "حبيبتي هي في مكان أحسن دلوقتي."

وكأنه كان يعطيها سبباً لتزيد من بكائها. انفجرت أكثر وتشبثت بظهره بقوة. لا فائدة. الألم لا يخف. ليته كان في جسدها عوضاً عن روحها التي ليس لها أي مسكن. عاد يهتف وهو يشعر بهذا الألم الغير مرئي: "ما تعمليش في نفسك كدا. أكيد هي مش هتبقى مرتاحة وانتي بالحالة دي. استهدي بالله يا منار وأهدي عشان تعرفي تقفي على رجلك. احنا كلنا مش حمل وجع تاني." سألته بغتة وكأنها في عالم آخر: "انت كنت عارف؟

نظر إليها وهي في أحضانه. يعرف هذا السؤال لكنه يخشي إجابته. لتكرر سؤالها بنفس الحزن الذي يمزق روحها: "كنت عارف؟ كان مضطراً للإجابة والصدق معها. لن يسمح بتكرر خداعها. فلقد تغيرت الأسباب. وحتى لا تلومه أجاب بيأس: "أيوا كنت عارف." اندفعت من أحضانه فجأة جعلته ينتفض. وهبت على قدميها لتخذ خطوات للوراء وهي تحدق إليه بصدمة. خدعها وتآمر عليها. وللمرة الثانية يتلاعب بها ويتصرف نيابة عنها ويلغي وجودها ويحرمها حتى الاختيار. اكتفت

بكلمات قليلة جعلته يندم: "أنا عمري ما هسامحك على ده كمان." *** في الخارج، اقترب "ريان" من "رأفت" وهو يضم "تمار" إلى أحضانه بتملك معلناً انتصاره الدائم عليه. رسم ابتسامة على فمه مصدرها وجه "رأفت" المغتاظ. تبعها بهتاف مرحب: "أهلاً يا حمايا العزيز! هذه الكلمة أحدثت كم من التفاعلات على وجهه لا حصر لها. لكنه كان مرغماً على الإجابة التي لم يستطع نطقها بصورة طبيعية خشية من رصد "تمار" أي تصرف عدائي: "أهلاً... إيه اللي جابك؟

التفت إلى "تمار" ونظر إليها بصدق. كان جائعاً لرؤيتها متهللة بوجودها الآن بقربه وبين يديه. هتف وهو يحدق لها بعدما اكتفى من هذه التعابير الذي لا يفوت على وجهه: "وحشتوني فقولت أجي أشوفكم." لم يستطع "رأفت" تحمل كل هذا الاستفزاز ومسك بيده بغضب ليدفعها عن ابنته هادراً بحنق: "وشوفتنا... هتمشي امتى بإذن الله؟

وضعت "تمار" يدها على فمها كي تخفي ابتسامتها التي قفزت على وجهها من تصرفات والدها الواضحة والتي كلما جاهد إخفاءها يظهرها "ريان" ببساطة. "لأ. أنا قاعد معاكم هنا ومش هامشي غير معاكم." هذه الكلمات كانت كفيلة لجعل "رأفت" يشطاط وصاح منفعلاً من قراره: "نعم؟ ده ما كانش اتفاقنا! ابتسم "ريان" بوجه بسماجة وهو يجيبه: "لأ. ده كان قبل ما "عدي" يحدد الفرح آخر الأسبوع."

تشنج وجهه وهو يستقبل هذا الخبر. واقفت "تمار" منه لتهدئه محدقة بريان بتساؤل. فحرك رأسه مؤكداً أنه لا يمزح ولا يقصد بهذا استفزازه. بالكاد استطاع السيطرة على جنونه وهو يسأله: "مين اللي حدد المعاد ده وازاي يتصرف من دماغه؟ رفع كتفيه دون اكتراث وأجاب: "أهو دا اللي حصل. الراجل مش عايز الخطوبة تطول. أعتقد إنك مش هتقدر تسيطر عليه."

زمجر غاضباً من فشل مخططه وضياع أبنائه. دس يده في خصلات شعره. سيرحلون أبناؤه ويعيش بوحدة. وهذا ما عاشا يخشاه. ***

"إلياس" كل محاولاته في إقناعها لم تجد نفعاً ولم يجد تعبيراً مناسباً لإقناعها. ف"إلهام" تحتاج معجزة لتقتنع. لم تمتلك روحاً أخرى لتضحي بها بعدما أمضت ما بقي من عمرها تحت إمرة وعد. قرر هو الآن الإخلال به. أخطأ بالفعل بحرمانها من عيش حياة عوضاً عن حياتها التي دمرها والده. كان ظلماً وهو كان أظلم عندما صمم على إفناء ما بقي من عمرها دون زواج لتعيش على ذكرى نار مشتعلة بين جنبيها. وها قد أحرقته النار ذاتها. يتألم بندم على ما

عاشته. كانت طفلة لم تتخط العشرين حين استولى عليها والده وأجبرها على الزواج منه لتقضي سنوات تقاسي معه بسبب عدم قبولها له. ويزداد الأمر ثقلاً عندما أصبحت حاملاً. أنجبت قبل أن تكمل عمر العشرين واستمر في إذلالها كلما لمح عدم الرضا أو القبول ضارباً بعرض الحائط وجود ابنه. واكتملت المعاناة حتى بعد موته. ليتولى "إلياس" هذا الجانب ويخط عن نهايتها ويقرر لها مصيراً عندما مال قلبها لرجل آخر متمنية أن تبدأ معه من جديد وتعيش لأول

مرة. توسل لها ووعدها بالبقاء للأبد. لكن ومن يملك الأبد ومن يدري ماذا يحدث غداً؟

هتف وهو يزدرق ريقه بعد مدة الصمت هذه: "الفرح آخر الأسبوع. وأوعدك إني مش هقصر معاكي. حياتي قبل هتكون زي بعد بالظبط." اكتفت بالنظر له ليسترسل وكأنه يتوسلها أن تعفو عنه. لم يكن يعلم أنها في يوم من الأيام سيقابل "مكة" الساحرة بكل جنونها في جذبها إليه دون هوادة.

"هجيبها ونعيش هنا. مش هتحسي بأي تغير. خليها بس جانبي. مش عارف أبعد عنها. حاولت كتير وما عرفتش. حتى إني فكرت أغني. ما اتجوزهاش وأخطفها وأخبيها عنك وعن أبوها والدنيا كلها." نهضت من أمامه واكتفت بقول: "اعمل اللي انت عايزه. بس انت اعتبر نفسك مالكش أم." نهض هو الآخر ليتبعها بعدما قررت تركه ليهدر: "يا إلهام مش كدا الكلام؟ أنا عمري قصرت في حاجة؟

انتي طول عمرك أمي وحبيبتي. ده ما فيش حد يعرف غير إني متجوز. حتى هي ولحد دلوقتي معتقدة كدا."

لم تسمع أي شيء. قررت سد أذنها بأن وضعت كفيها على أذنها رافضة رفضاً تاماً السمع. هي لن توافق. ليس قساوة بل شعور بالاحتياج لوجوده. خاصة أنها ما زالت صغيرة بالسن ولم تثقلها أي تجارب ولم يكن لها علاقات. حياتها بالفعل كانت تعتمد على إلياس. اختفاؤه يعني انتهائها. أغلقت باب حجرتها بوجهه وتركته بين نارين بقلب منقسم. لن يقوى على إغضابها ولن يتجاهل انجذابها تجاه مكة والتي لن يمتلكها إلا بهذا الزواج. ***

في فيلا شريف. اليوم كان طويلاً لدرجة أنه لم يصدق أن هناك شخص عزيز فارق وانهى إجراءات دفنه واستقبل عزائه وانتهى. ولعل هذه رحمة أخرى من الله. فأوقات الفراق الوقت يمر سريعاً. دخل متهدل الكتفين وثقل لا يحتمل في قلبه وجع فراق ووجع من حبيبته التي لم تتحمل عدم وجودها الآن مع والدته وورد. وسأل عنها: "منار فين؟ أجابت "ماجدة" وهي تشير للأعلى بنبرة يتضح عليها عدم القدرة على الحديث:

"فوق. طلعت. بيتهيأ لي اغمي عليها. ما نامتش. يا حبة قلبي. مفطورة من العياط."

الكلمات كانت تشق قلبه شق. إنها "منار" قلبه الذي يتألم الآن. صعد يجر أقدامه نحو غرفتهم يتمنى أن يرمي نفسه إلى جوارها ويضمها إلى صدره حتى يمتص عنها الحزن. لكن وجع الرحيل أكبر من كل الأحضان. ولج إلى غرفته ليراها تتكوم على الفراش بعشوائية. حقاً إنها وقعت في إغماء. لم تنم. الحزن حفر مقاعده على وجهها البريء. لم يتحمل أحد ما تحملته. ما زالت صغيرة جداً على كل ما عاشته. رحيل والدها عنها في أشد وقت تحتاجه خلف وجعاً وتشوه نفسي

لم تتعالج منه. وتبعها ألم رحيل والدتها لتصبح يتيمة مقهورة. لم يفهمها أحد كما فهمها هو. ولم يحتوي أحد عقلها الذي لم ينضج بعد سواه. رضي بذلك وأرضتها به طفلة لا تعرف سواها في الحياة. تربت على يده وسكنت قلبه وتربعت. ليدمنها من كل خلجاته. وبات مسؤولاً عن سعادتها ورعايتها وحياتها. مال بجذعه ليجيب أطراف الغطاء عليها ويطبع قبلة عميقة على رأسها. تنهد متمنياً أن تنتهي هذه المعاناة ويستطيع رسم ابتسامة حقيقية على وجهها من جديد

حتى لو أفنى عمره مقابل هذا.

***

في منزل إبراهيم. الأجواء متوترة. سعى "إبراهيم" بإبعاد نفسه تماماً عن المنزل بحجة الترتيب للفرح الذي أتى فجأة. لم ينزعج من العجلة فهذا أفضل للجميع لترحل مكة بعدما أغضبته وجاهد تماماً ألا يفكر فيما حدث معها. خيبت ظنه وحنت ظهره وساعدته هذا اللعين بإقتلاعها من منزله عنوة. لذا فهو لن يسامحها ولن يرضى عنها. ورغم ذلك فلن يفرق بينها وبين أختها في العطايا. سيقدم لها هديتها ويقدم لها مدخر مالي عوضاً عن جهازها الذي لم يتسن الوقت لإعداده. فقد جمعه بحرص طوال الأيام الخالية. صادفته "خديجة" وهو يفتح باب الشقة ناوياً المغادرة. روحه

شبه مسلوبة ويتحرك بصعوبة: "على فين يا حاج؟ استقرت أمامه وأمسكت ساعده لتحسه على العودة إلى الأريكة والجلوس. لكنه منع ذلك بتثبيت قدمه أرضاً وهتف: "نازل أقضي مشوار في البنك." تنهدت بألم من حالته وعادت تهتف: "ما بلاش انت شكلك تعبان." أجاب باقتضاب: "لأ. هروح." ابتسمت له وأطالت النظر إليه ترى وجهه حزيناً. لكنها لم تحذر السبب فسألته: "انت زعلان على فراقهم ولا لسه زعلان من مكة؟ رفع وجهه وقال بضيق:

"مكة كسرت ظهري. ما كنتش متوقع منها كدا." مسحت على ذراعه وحاولت أن تلطف الأمر وتعطيه شيئاً حقيقياً حتى لا يحزن ولا يغضب عليها: "مكة قالت الحقيقة. لو كانت غلطت في حاجة لا سمح الله ما كانتش قالت كل دا. وبعدين الجدع شكله ابن حلال وشاريها و... "ده من الدخلية. نسيتي؟ الدخلية دول عاملين إزاي؟ مش دول اللي قتلوا ابننا وجابوا لي المرض ومرمطوني على كبر في القسم؟

هكذا قاطعها مهتاجاً. أرخت وجهها عنه وبقيت صامتة. لم تعطيه تفسيراً. ألم رحيل محمد كان كبيراً. لكن ليس لدرجة أن تجرم الكون بأكمله. في النهاية هي مؤمنة بالقضاء والقدر. ثم أن الفوضى كانت كبيرة والمجرم غير معروف. حاولت تهدئته آملة أن تغير الكلمات من حالته الغاضبة: "مش هنفرح بالعيال؟ مش أحلامنا كانت نستّرهم ونطمن عليهم؟ هنكّد على نفسنا ليه بقى؟ لما النصيب جه نفرح." نفض رأسه وهدر أسفاً:

"ما كانش نفسي حد فيهم يكسرني بالشكل ده. أنا حاسس إني بجوزها عشان أخلص من عارها." شهقت "خديجة" من هذه الكلمة الصعبة. لكنه لم يترك لها مساحة لأكثر من هذا. أردف وهو يلتف: "أنا نازل." خرج من المنزل وتحركت "خديجة" نحو غرفة بناتها. كيف يشعر بهذا أو حتى يفكر؟ ابنته لم تفجر ولم يمسسها أحد. أو لا. الشك دفعها للصراخ باسمها: "مـــكـــــه! خرجت فوراً عند سماع اسمها بهذا الكم من الغضب تسأل بدهشة: "في ايه يا ماما؟

خطت نحوها وأمسكت ساعدها لتسحبها إليها متحركة نحو إحدى الغرف. أغلقت الباب ورائهما. فتساءلت مكة بتعجب عن هذا التصرف: "في ايه يا ماما قفلتي الباب ليه؟ راحت تهتف باندفاع: "عشان أفهم إلياس ده عمل فيكي ايه؟ إيه خلاكي بعد ما رفضتي تقبلي؟ ظهر التوتر جلياً على وجه "مكة". حركت شفاها بهمهامات غير مفهومة لتحسها والدتها بالنطق بعدما ضاق صدرها من توقع الأسوأ: "انطقي."

كانت مضطرة أن تجيب. لم تعتاد على الكذب. لكن الصراحة هذه المرة قد تؤلم. الصراحة ليست دائماً راحة. هتفت وهي تتحاشى النظر إليها: "أصل... أصل... هوو متجوز." تعالت شهقات "خديجة" ولطمت صدرها بعنف. ثوانٍ داهمتها الصدمة وصاحت بها: "ولما انتي عارفة كدا ما قولتيش لاء ليه؟ إزاي تقبلي بوضع زي دا؟ أوشكت على البكاء قبل أن تهتف بعجز تام: "ما أقدرش أقوله لاء. عنده استعداد يأذيكم كلكم."

تراجعت "خديجة" إلى الخلف حتى منعتها الأريكة من خلفها من المواصلة. سقطت عليها وتلك الدمعة الهاربة سقطت على وجنتها. غمغمت بكلمات حزينة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. يبقى أبوكي عنده حق. يا ترى هيعمل فيكي ايه؟ ولا هتعيشي معاه إزاي بجبروته دا؟ تذكرت وجهه وانطباعها الأول عنه واستنكرته وهي تستردف:

"ده ما كانش باين عليه خالص. ده أنا قلت أبوكي غلطان وفي غمامة سودا على عينه. لكن طلع التاني مش سهل. وميه من تحت تبن. إخص عليه بقى يهددك عشان يتجوزك." تحركت "مكة" نحوها وهتفت بتأثر وهي تجلس إلى جوارها: "ما تشغليش بالك يا ماما. أنا هعرف أدبر أموري معاه."

ورغم صعوبة الأمر وجدت نفسها تمنح والدتها المواساة التي تحتاجها. هي لم تخشاه إلياس بقدر ما تخشى مقابلة زوجته. كيف ستعيش مع ضرة وترها تقاسمها رجل أحبته أو أوقعت نفسها في شباكه؟ وبما يفيد الندم فقد كانت غبية بما يكفي للقفز في هذه الحفرة السحيقة. كان عليها حسب الضرر الذي سيقع عليها بعد هذه الخطوة المتهورة. ولو عاد الزمن لكانت تجاهلت حدثها. لقد صنعت لنفسها كابوساً في الواقع. وبكل أسف كوابيس الواقع لا نجاة منها.

"المهم بابا ما تخليهوش يعرف. لو عرف إني مجبرة وإنه هدّدني هيرمي نفسه تاني في النار. وبابا ما بقاش حمل تعب ومشاكل. وفي الآخر هيعمل اللي هو عايزه. بس بعد ما يكون خرب البيت على اللي فيه." نظرت إليه "خديجة" بحيرة. ليتاها ما عرفت الحقيقة. لأن ما أكثر الحقائق التي ننقب عنها وتهلكنا معرفتها. ليتاها ظنت أن ابنتها ستتزوج برجل صالح وعاشت السعادة. الآن من يعيد إليها سلامها الداخلي وفرحتها؟

مجبرة تقاسم الحمل مع ابنتها وإخفاء الأمر تماماً عن زوجها. لتقع فريسة بين تأنيب الضمير تجاه مكة وقلق بالغ على ضياع أسرتها بالكامل. الإيماء الذي أشارت به مكة لتقنعها بالقبول. أجدي نفعاً في اختيار الأصلح والأجدر. ***

في الفندق. دار "رأفت" حول نفسه كأسد جائع محبوس في قفصه. يكاد يجن من ما فعله "عدي". لقد أعطى له صلاحية الخطوبة والآخر قفز إلى مستوى أعلى ليفسد خطته. لم يكترث إلى "ريان" الذي يشاهده باستمتاع الآن ويحاوط "تمار" بيده. كانت متوترة من حالة الجنون التي اعترت والدها. وهاتفه الذي لم يتركه لمحاولة الوصول إلى "عدي" ظناً منه أنه يستطيع إيقافه وهو بمكانه. لكن غضبه أعمى أن "عدي" أكثر عناداً منه ولن يثنيه عن قراره حتى وإن كان بوجه. أخيراً سمحت الشبكة بالتواصل وبدأ هاتف عدى بالرنين. لكن هذا أيضاً لم يخفف من توتر والدها. وبدأ ينقر الحائط الذي أمامه. وما إن هتف "عدي" بـ:

"الــو." حتى انفجر "رأفت" دون مقدمات: "بتهبب ايه؟ ما بتردش ليه؟ لم يحتاج لتبرير غضبه. فهو عرف فوراً أن "ريان" وصل وأبلغه. تصنع البرود وهو يهتف بلامبالاة: "بعمل شوية إصلاحات في الفيلا وبغير أوضتي." لو رأى وجهه الآن الذي تحول لكتلة من الدماء والدخان الذي أوشك أن يخرج من أذنيه لكان تردد بإخباره بهذه الحقيقة. صاح بانفعال وهو يتحرك بالغرفة: "ومين سمحلك بكدا؟ كان بيتك؟ ومين قالك أصلاً تقرر معاد فرحك؟

سحب أنفاسه ليستعيد توازنه وأردف بلهجة شديدة التحذير: "وقف الفرح يا عدي بدل ما هنزلك وأخربه على دماغك. ما فيش جواز دلوقتي. ولو عاندت هيبقى ما فيش جواز خالص من البت دي." هذا التحذير لم يؤثر بـ "عدي". فهو لن يسمح له بهدم حياته واتخاذ قرار عنه كما يفعل مع "تمار". لكنه لم يدخل في شجار معه. اكتفى بالهتاف ببرود: "أنا إديت كلمتي." سحق "رأفت" الكلمات بين أسنانه وهو يهدر بتعصب: "وأنا قلت ما فيش جواز."

زفر "عدي" من تحكمه الزائد واتضح في أنفاسه أنه يجاهد ألا يساق معه في الغضب. قال بجمود: "أنا قلت لحضرتك أنا بجهز الفيلا وفرحي كمان يومين. حضرتك هتفضل تحضر أهلاً وسهلاً. هتفضل عندك. يا ريت تبعت تمار وريان لأنني حابب يكونوا معايا في يوم فرحي." كلمته الأخيرة جعلته يزمجر بوحشية: "انت بتحداني؟ وعايز تقعد ال**** كمان في بيتي و... قاطعه "عدي" بحدة وقد ظهر أول انفعال له في هذه المكالمة التي وعد نفسه أنه لن ينفعل بها:

"ما تقولش عليها كدا. لاحظ إنك بتكلم عن مراتي. وأي حاجة تمس كرامتها ما أبقاش راجل إن ما كنت أجبلها حــقــهــا فــيــهــا. ولو مش عايزها في بيتك أنا كفيل أجيب لها بيت تاني."

لم يستطع "رأفت" التحمل أكثر من هذا. ظهرت شراسة عدى التي لا تقل شراسة عنه. يعرفه جيداً. غضبه أعمى. وفي لحظة واحد قد يجازف بحياته تحت تأثير العناد والغضب. لم يرد عليه وقذف "رأفت" هاتفه بعرض الحائط. لن يستطيع السيطرة على عدى إن بقي هو على عناده. لعن وهو يتحرك صوب الهاتف الخاص بالفندق وضغط زرّه سريعاً ليهتف بلغة أجنبية: "إحجز لي تذكرتين عودة."

كلماته جعلت "تمار" تنظر إلى ريان وتبتسم. لقد نجحت "عدي" وأنقذها مرة أخرى من هذه الرحلة التي لم تكن تعلم موعد انتهائها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...