عاد "رأفت" وبقي عاجزاً عن صد عناد "عدي". قرر ولن يتراجع في قراره، وهذا ما زاد غضبه وفقدانه لصوابه. وفي أنسب وقت، اختار "ريان" الطرق على الحديد الملتهب بأن يطرح طلبه الذي انتظره من مدة طويلة، أوشكت على الدخول في سنوات. وجاءت الفرصة بعدما بعثر "عدي" كل خططه في وسط الجلسة التي ضمت أولاده "عدي وتمار". هدر "ريان" بصرامة: _وأنا كمان هعمل فرحي مع "عدي".
اتسعت عين "رأفت" بغضب قوي وهو ينظر إليه، ناسياً تماماً دور المكر الذي كان يمثله. خشي "ريان" أن يفقد صوابه وينسى أنه وعد ابنته بالموافقة بعد رحلة السفر المزعومة. نبهه بنظرات محذرة من الرفض حتى لا يضر "تمار" ويفقد مصداقيته وابنته للأبد. في لحظة، كاد يضيع كل شيء لولا صوت "تمار" الذي قطع هذه الحرب بالنظرات بينهم: _الوقت مناسب يا بابا عشان توافق على طلب "ريان". حضرتك وعدتني لما نرجع من السفر. التفت
إليها وهو يرد عليها بضيق: _اتفقنا بعد سنة. رفعت كتفيها بحرج من النقاش في أمر كهذا وبصوت بالكاد يُسمع: _وليه نأجل؟ مادام "عدي" هيتجوز، مش هينفع نسافر. وكمان إحنا مكتوب كتابنا من قبله، وحضرتك موافق. ليه نستنى؟
أمسك "رأفت" بسيجارته ليشعلها بسرعة، يخفي بها تعصبه. ليفكر بعقلانية، هو الآن في الجهة الأضعف. إن استمر عناده سيخسر أبناءه للأبد، لذا فليفكر قليلاً ويضع شروطاً أكثر تعقيداً. وها قد أتت الأفكار وهو يسحب أنفاسه عبر سيجارته. زفر دخانها الكثيف وهو ينظر إلى "ريان" باستمتاع. خمن هو أنه بعده كارثة، فهدوء "رأفت" والانتشاء الذي به لا يأتي بعده خير. هدر "رأفت" بعد برهة:
_اهاا، بما إني هتنازل، يبقى لازم الطرف التاني كمان يتنازل يا "تمار". نقل بصره بينهم وهو يراقب التأهب لسماع المزيد. كلماته أردفها أخيراً: _تعيشوا معانا هنا بعد الجواز. علامات السخط طفت لا إرادياً على وجه "ريان"، وحرك وجه متمتماً بسخرية بصوت منخفض: _لااااا لعب. يعرف "رأفت" أنه من المستحيل أبداً قبول "ريان" لهذا الأمر. هو رجل حر واعتاد على الحرية، كيف يقيده بمنزله ويملي عليه شروطه، ويأتي إلى منزله كعروس بحقيبة ملابسه؟
هذا مستحيل. من جانب "تمار"، لم تنزعج أبداً. ستبقى مع حبيبها وعائلتها بنفس المكان. ابتسمت وهي تلتف إلى كلا من "ريان وعدي"، واختفت فرحتها عندها لاحظت انزعاج "ريان". ثوان وانفجر الآخر: _والله العظيم يا "رأفت يا ألفي" أنا مستعد آخد "تمار" وأسيبلك البلد باللي فيه، وأعلى ما في خيلك اركبه. ما منعني عن كده غير "تمار" وغيرها. أنا مش مسؤول أراضي. حدرقه "رأفت" ببرود وهو ينفث الدخان:
_لن يتركه يفوز عليه، لابد أن يرضخ في النهاية. إن كان حقاً يعشق "تمار" سينفذ. هتف دون اكتراث: _زي ما انتي شايفة يا "تمار"، أنا هديله بنتي نور عيني، وهو مش عايز حتى يقدم تنازل بسيط. انتي مش رخيصة عندي عشان أديكي لواحدة مستخسر فيكي أي تنازلات. زمجر "ريان" عندما عاد "رأفت" لألعابه النفسية يعبث بعقله ليشَكك بحبه لها ويبرئ نفسه أمامها. نهض من مكانه، فنهض "رأفت" بمواجهته مبتسماً بغرور، مستعداً لاستلام راية الانتصار منه.
اقترب منه "ريان" وهو ينوي المغادرة. مال إلى كتفه وهو يهمس من بين أسنانه بحنق: _انت عارف أنا ممكن أقهرك قد إيه لو عشت معاك تحت سقف واحد. لكن أنا مش هاخد "تمار" سكة عشان أنتقم بيها منك. أنا هعرف أنتقم منك لوحدك. اختفت ابتسامة "رأفت" تدريجياً. ليس من السهل أن يهدد "ريان مسعود"، لكن من الصعب عدم تنفيذ تهديده.
رحل "ريان" وترك الجميع في حالة ارتباك. وبقيت "تمار" تنظر إلى فراغه بذهول. رحل وأخذ قطعة من قلبها الذي تمزق أشلاء بين والدها وحبيبها وزوجها. أسرع "عدي" بضمها إلى صدره خشية من أن تنتبها أي حالة نفسية طارئة. مسح على رأسها وهو يضمها إلى أحضانه، ناظراً إلى والده بلوم. همس مطمئناً إياها بحنو: _ما تقلقيش، كل حاجة هتبقى تمام. أجابته بتخدير: _مشي. رد عليها وهو يحاول ضم وجنتيها بين كفيه بلطف:
_هيرجع. سيبه يفكر وهيرجع. "ريان" قال إنه مش هيسيبك، وأنا عارف لو قال، يبقى هينفذ. "مكه" لم يترك لها حرية اختيار فستان الزفاف، لكنه اختار أجمل الفساتين وأكثرها حشمة. ترك كل ما تحتاجه وأرسله في صندوق إلى بيتها. لم يحادثها، ولم تسمع صوته من آخر توعد لها بالحبس. اختفى بشكل كامل، فلم يظهر ولم يتحدث. ابتعد كأنه لم يقترب من الأساس.
قلبها كان غير مطمئن، تشعر أنها ستتزوج شبحاً لم تعرف عنه وعن نواياه شيئاً. فعودته كانت غامضة. لا تعرف هل كان حباً، أو انتقاماً، أو اقتناعاً بالشيء الخرافي الذي بينهم. شعرت وكأنها تقفز إلى المجهول. وبما أن كل شيء مجهول، فلعل القفز إلى المجهول هو النجاة.
حالتها لم تكن أفضل من "مرام" المصابة برهاب اللمس والأماكن المزدحمة وأي صوت عالٍ. كتلة من الأمراض النفسية اجتمعت في هذه المسكينة التي تنام أكثر مما تستيقظ، تهرب من الشمس والقمر، من الأيام ومن الأحداث، حتى يمر هذا اليوم الذي لم تريد أن تذكره.
برغم اتصال "عدي" المتكرر ومحاولة طمأنتها بتفهم وإدراجها في كل ما يختار حتى لا تنفر منه، ويعطي لها مساحة كبيرة في اختيار الألوان الخاصة بالموبيليا وغيرها من التغيرات التي أحدثها في جناحه، ولكنها بالكاد كانت تدلي بذوقها. في النهاية، كان ينجح في أخذ المكالمة إلى اتجاه آخر، وكأنه يبني معها حياة عبر جسر قوي اسمه الحب. "الليلة ليلة الزفاف"
في غرفة تمار، لم تخفِ "تمار" انزعاجها من كل شيء، وأعصابها كادت تتلف من كثرة الانتظار. ما بين انشغالها في تجهيز "عدي" وتجهيز فستاناً لائقاً بفرح أخيه، دفعت كل ما قابلها بغرفتها بضيق. رحل "ريان" ولم يعد، لم يقدم لها أي تنازل كما قال والدها، لم يسأل عنها، ولم يخبرها حتى بقراره. كانت غاضبة منه لدرجة أنها لو رأته لكمته في صدره دون توقف حتى تدمي قلبه وتذيقه نفس الذي يذيقه إياها بقلبها.
تساقطت دموعها عندما نفذ الغضب. جلست في مكانها بعد كل الفوضى التي أحدثتها في غرفتها، وكأن الحرب قامت دون مبالغة. الدموع تحولت لبكاء، والبكاء جرها للانفجار. تشعر بالعجز لعدم وجوده، حتى لو لم يكن زوجها. الليلة كان عليه الحضور لضم يدها وإخبارها أن كل شيء سيكون بخير. لن تقتنع أن هناك خيراً إلا إن قال هو. طرقات الباب علت وصوت "عدي" قادم من خلفه ينادي: _تمار، ممكن مساعدة؟ كفت دموعها سريعاً وجاهدت أن يظهر صوتها طبيعياً
وهي ترد عليه: _أيوا يا حبيبي، هاخرج حالا. أجاب ممتناً: _شكراً حبيبتي، أنا مستنيكي في أوضتي.
نهضت على قدميها وتحركت صوب المرحاض لتغسل وجهها الذي تلطخ من أثر البكاء. لن تفسد على أخيها المستعد إفدائها بروحه هذه الليلة المتحمس لها بشكل جنوني. نظرت إلى نفسها في المرآة وجاهدت الابتسام وهي تحاول تذكير نفسها أن سعادة "عدي" الآن هي الأهم. دست يدها في خصلاتها وهي تعدل من فوضوية شعرها وتنسقه كي تبدو في حالة جيدة. نظرت لنفسها نظرة أخيرة وغادرت نحو غرفة أخيها. إلياس
وقف وحده أمام المرآة يعدل من بدلته السوداء. كان وسيماً للغاية، لكن هذه الوسامة طغى عليها الحزن. لم يكن سعيداً بفوزه بمكة أخيراً بعد كل هذه المعاناة. فشله في إقناع والدته أفقده هذه اللذة. حاول طيلة الأسبوع أن يلين قلبها، لكنها كانت ترفض حتى سماعه أو نقاش الأمر معه، مما جعل موافقتها مستحيلة. حتى قرر أخيراً أن يتخذ الخطوة. هو يحتاج بشدة لهذا الزواج، ومهمته الأخيرة جعلته يصر على ذلك، لكنه لن ييأس.
قدم لها فستاناً جذاباً انتقاه خصيصاً، مشبهاً لفستان الزفاف الخاص بمكة، ليخبرها بطريقته الخاصة أنها ستكون عروسته التي لا يهملها ولا ينساها. وجاء خصيصاً لمنزلها ليرتدي ملابسه ويخرج معها عريساً كما تتمناه. وضع يده على جيبه ليتحسس علبة قطيفة صغيرة ويطمئن لوجودها. ثم دار على عقبيه، تاركاً انعكاسه في المرآة، التي لو نطقت لهتفت أنها أوسم رجل رأت منذ وجودها. نقر بأطراف أصابعه على باب غرفتها، لكنها لم تجب كعادتها. نادى بلطف:
_هووومه، افتحي يا هوومه، عايز أوريكي حاجة. لم يسمع لها إجابة. هكذا قررت الاختفاء، الهرب فترة تواجده بالمنزل. كرر ندائه: _طيب، أنا هدخل. أدار المقبض عندما لم تمنع. وقف بمكانه يتطلع إليها، لعلها تنحي وجهها عن الكتاب الذي بين يديها وتنظر إليه، لكن هذا الأمر أصبح شبه مستحيل. رأسها أصلب منه. هتف: _طيب، قولي رأيك حتى في البدلة؟ _مش حلوة.
هكذا أجابته باقتضاب دون أن تحيد نظرها عن ما بيدها. لم ينزعج، بالعكس ابتسم، فقد نجح أخيراً في الحصول على شيء خيراً من لا شيء. ابتسم وهو يتقدم نحوها. من خلف الكتاب، سقط قناع التجاهل الذي ارتدته، وبدأت تشعر بالارتباك مع كل خطوة يخطوها نحوها. زاغ بصرها متعلقاً بالسطور، وكأنها تستجدي النجاة. فلينشغل عقلها عن ما يفعل، إنه ينحرها بهذه البدلة وبحفل الزواج. شعرت به توقف أمامها وسمعت صوته اليائس يقول: _برضه ما لبستيش الفستان.
سكت قليلاً قبل أن يستأنف: _أنا اخترته قريب جداً لفستان العروسة. عضت على شفتيها وجاهدت عدم البكاء. لن ترضى عن قراره ولو بعد قرون، لكنها أيضاً تريد له السعادة. أينما قرر، حفل زواجه هذا يعتبر جنازتها هي. الصمود أكثر من هذا سيفتتها. شعرت به يخرج شيئاً من جيبه وينزل على ركبتيه، لكنه لم يحركها قط. لن تنظر إليه حتى لا تنفجر في البكاء، حتى لا تسقط هي أسفل قدمه وتتراجه أن لا يتركها ويظلمها كما قضت حياتها مظلومة مع والده.
هتف بصوته العميق: _دي هدية، كان نفسي أقدمهالك قدام الكل وأقول قدام الناس كلها إنك الملكة بتاعتي وتاج راسي. أخيراً تحركت مقلتاها بنظرة خاطفة نحو ما قدم، وتسلحت بالجمود وهي تنهره بزنق: _اطلع برا يا إلياس، وفر حركاتك دي للتانية. أنا مش هروح معاك. زفر أنفاسه بضيق ونهض من نصف جلسته التي جلسها أسفل قدمها. ومال ليضع الخاتم اللامع إلى جوارها قائلاً بيأس:
_عموماً، أنا هقضي النهارده في شقتي أمهد لها الموضوع لأنها لسه ما عرفتش إنك موجودة. وأجبها ونعيش مع بعض. حذرته بلهجة شديدة الصرامة وغير قابلة للنقاش: _اوعى تقولها يا إلياس، مش هدخلك بيتي. أقسم بالله لا انت ولا هي. زادت الموضوع تعقيداً، وسيظل "إلياس" في نظر "مكة" نصف رجل. وما الفائدة؟ هو دوماً سيكون نصفاً لأنه سيقدم "إلهام" عنها في كل شيء. شعور بالظلم بدأ يقف في حلقه. ظلم والدته وسيظلم "مكة" معه.
دار على عقبيه بعد أن هتف: _زي ما تحبي، مش هقول. وأنا عند وعدي، انتي ليكي الأولوية في كل شيء. ما إن شعرت باستدارته حتى رفعت بصرها فوق الكتاب لتلقي نظرة أخيرة متشوقة لرؤية ابنها عريس. شردت في حديثه وهي تتذكر ما عانته من قسوة تحملتها في سبيل النجاة به، وما تركت من أجله. تركت شبابها وراحتها وسعادتها وقلبها النابض وحبها، ليتركها هو ببساطة من أجل نفس السبب، الحب. في منزل شريف
لم تغادر "منار" غرفتها طوال الأيام الخالية. صبت آلامها كلها في الفراش ولجأت إلى النوم كعلاج. بالكاد كان يغصبها شريف على الطعام ويتركها تنخرط في نوبة بكاء تسقط بعدها في شبه إغماء وتنام. الأيام بالنسبة لشريف كانت مشنقة كبيرة تلتف حول عنقه بعدما تركته يواجه آلامه برؤيتها كهذا دون أن تتحدث حتى إليه. كان مستعداً حتى أن تنهره وتصرخ عليه ولا يراها في هذه الحالة الكئيبة. العمل كان دون طعم، بل الحياة كلها.
وها هو عائد إلى منزله يسأل عنها بإرهاق والدته: _ما نزلتش برضه يا ماما؟ أجابته الأخرى وهي تتنهد بألم: _لأ يا ابني، حتى ورد مش بتكلم معاها. مافيش حد غيرك بيقدر يخليها تنزل. بق مايه في بقها. حرك رأسه وهتف: _لو سمحتي، بلغى حد من الشغالين يعمل أكل ويطلعوا فوق على ما آخد شاور. حركت رأسها بإيجاب دون اعتراض، سوى على الإرهاق والتعب الذي يظهر جلياً على وجهه: _حالك مش عاجبني يا شريف، شكلك هتقع من طولك.
جاهد رسم ابتسامة مطمئنة على وجهه وهو يقول كذباً: _ما تقلقيش عليا، أنا كويس، بس الشغل انهارده كان متعب حبتين. دار على عقبيه ليصعد إليها رغم تعبه من عمله الذي سيزداد برؤيتها في حالة السكون التي اعتادتها. إلا أنه متشوق إلى ضمها إلى صدره الذي باتت لا تعترض عليه مؤخراً. هذا يسكن ألمه ويشفي روحه بقدر يجعله يقاوم في أقصائها عن عدم رغبتها في الطعام.
وصل إلى غرفته ودخل ليراها كما هي، تغلق الستائر وتلتف حول نفسها وسط الفراش. أغلق الباب من خلفه وتحرك صوبها. خلع عنه الجاكت الخاص وتركه على جانب الفراش. ثنى ركبته على الفراش ليسقط إلى جوارها. وأسند وجنته فوق وجنتها، رفع يده ليتحسس وجنتها وهو يناديها بلطف: _منار... منار. همهمت وهي تتجاوب مع ندائه: _اممم.
ابتسم رغماً عنه وهو يراها تغرق نفسها غصباً في نوم لا ترغبه، ومع ذلك تتمسك به، ليسحبها من كل هذا باستغاثة تأتي من أعماق قلبها الذي امتلكه هو وحده. هتف وهو يحرك أطراف أصابعه على وجنتها: _قومي عشان تاكلي. حركت رأسها لتدفعها عنه وهي تقول: _مش عايزة. لم يتخل عنها. حاوط جسدها بساعده ضاماً ظهرها إلى صدره. هذا أزعجها، فحاولت دفع يده وهي تهدر بحنق: _شريف، سيبني.
سحب أنفاسه بقوة، كأنه يختزل رائحتها في رئتيه. سكن ورائحتها تسكن أنفه، حتى أطلق أنفاسه وهو يجيب بإصرار: _مش هــســيــبــك ابــدا. زفرت بيأس دون أن تفهم شيئاً، لتكرر برجاء طفولي: _ارجـــوك. شعرت به يتحرك لينهض من جوارها دون أن يغادر الفراش. مسح وجهه بضيق وبدا وكأنه يجاهد نفسه، وكبح جماح نفسه في التعبير عن حبه الذي بات غير قادر على إخفائه. زفر وهو يجلس بجانبها هادراً: _قومي.
لم تتحرك، ظلت ساكنة وكأن حواسها لا تعمل. حتى صاح من جديد وكأنه لا يضمن جنونه إن بقيت هكذا: _بقولك قومي. استجابت لكن بغضب من حدته. لم يكن انصياع بل كان انفعال. شعر بهذا وقرر استفزازها أكثر حتى يخرجها من هذه الحالة: _انتي أنانية يا منار. أمك ماتت، وانتي بدل ما تطلعي لها صدقة جارية ولا تقري لها قرآن، ولا حتى تدعيلها بالرحمة، قافلة على نفسك ونايمة ليل نهار. وثب من الفراش ونزل عنه ليمسك بساعده وهو يصرخ بها:
_قومي من مكانك. بدأت تتهاوى دموعها أمام صراخه. نقلت بصرها بين عينيه وكأنها ترجوه أن لا يجبرها على مواصلة حياة باتت تكرهها بعدما رحلت والدتها عنها. لكن هذه النظرات رغم تألمه منها لم توقفه. "منار" تحتاج إلى صفعة تعيدها لرشدها. صفعة واحدة لتنجو. ترك ساعدها وحاوط خصرها ليرفعها بخفة عن الأرض وهو يهدر بوجه غاضب: _أنا هــفــوقـــك بــطــريـــقـــتــي. لدى عدي
دخلت تمار إليه لتره متأنقاً بحلته السوداء. اعتادته وسيماً وسامة تغرق الكثيرات ويتمنين نظرة واحدة، لكن هذه المرة كانت مختلفة، فالسعادة تقفز منها. تعرف أخاها لم يسعد بهذا القدر من قبل. تقدمت نحوه وهي تهتف مبتهجة: _هي العروسة هتروح فين قدام جمالك؟ رفع أحد حاجبيه محذراً: _بس ما تكونيش بتبالغى.
دارت حوله وهي تدقق النظر عن قرب، وكأنها تبحث عن خطأ أو خيط رفيع ينزع هذا الجمال. دس يده في جيبه وشد ظهره كي يسمح لها بذكر الأخطاء الذي يعرف أنها ماهرة في اصطيادها، خاصة إن تعلقت بالأزياء والمكياج. تابعت دوارانها لتلاحظ أنه لم يرتدِ ربطة عنقه. سألته: _فين الكرافته بتاعتك؟ أجابها بتعجل وهو يحرر يده عن جيبه: _ما هو ده اللي ناديتك عشانه. مش عارف ألبسها لونها إيه.
تحركت من جواره، لكنها قبل أن ترحل نزعت أزرار الأكمام الكاسية التي بيده، فتركها تفعل ما يحلو لها. انتقل إلى الخزانة الواسعة تفتش بها. لفت نظرها كم الملابس النسائية التي أحضرها. ألقت نظرة عابرة دون تعمق، وخطى "عدي" من خلفها. لم تترك الأمر دون تعليق أدلت به وهي تفتش في أغراضه عن أزار أخرى للقميص ورابطة عنق مناسبة: _مش ناسي حاجة خالص. عينت الرابطة على كتفه وابتعدت لتقيمها وهي تسترسل: _بس الغريب إنك ما أخدتش رأيي.
نظر بطرف عينه إلى ما تقصد وأغلق الباب على الجزء الذي يخص "مرام" من ملابس. والآن بعدما أخفى ملابسها سأل مبتسماً: _وأخد رأيي ليه؟ رفعت عينيها إليه التي تتحاشى الالتقاء بعينيه حتى لا يرى حزنها المكثف بهما، وهتفت مستنكرة: _والله، أومال حضرتك بتاخد رأيي دلوقتي ليه؟ تناقل بصره بين عينيها وقد لاحظ ما أخفته من حزن دفين بهما، ليجيب عليها بعدما أشاحت بوجهها مدعية بحثها عن رابطة عنق أخرى:
_أنا باخد رأيك في لبسي أنا، إنما "مرام" تخصني أنا لوحدي. مش هاجي أطلب رأيك في اللي بتلبسه مراتي. اكتفت بإيماء وهي تصدر صفراً بإعجاب: _راااااجـــــــــــل. اتسعت ابتسامتها وهي تمسك رابطة أخرى وتضعها حول عنقه، قائلة بغنج لعل هذا يمحو ما التقطه الآن من حزن في عينها، وأردفت: _جــنــتــل مـــان بــجــد. تركته تغلق رابطة عنقه وهي تخفض بصرها عنه، وهتف بإيجاز: _هيــجــي.
لم تعلق على كلمته، فهي تعرف ما يرمي إليه. فمن الصعب على "عدي" أن لا يرى حزنها وأن يتركها دون أن يتولى دفعه عنها. أردف عندما تجاهلت التعليق: _"ريان" طالما قال إنه مش هيسيبك، يبقى مش هــيــســيبــك. كلماته جعلت يدها تتعثر للحظة، كانت ستفسد الأمر وتنهار بين أحضانه، لكنها تمالكت نفسها بصعوبة لتقول دون اكتراث: _حـــلــــو. نظر إليه "عدي"، فابتسمت دون رفع عينيها وأردفت: _الكرافته دي حلوة.
دارت عنه سريعاً حتى لا يحاصرها فتنهار، وهي الآن أضعف من المقاومة: _ننقي الدبوس والزراير. تركها تفعل ما يحلو لها. لا يحتاج اليوم للبكاء، فثقته في "ريان" لا حدود لها. سيأتي، ولكن لا أحد يعرف كيف، فدوماً حضوره قوي وغير مسبوق.
بدأ "رأفت" في تجهيز القاعة رغم رفضه التام لهذه الزيجة. لكن اختفاء "ريان" هو الجانب المبهج الليلة. اختفى عدوه اللدود وترك له الساحة ليلعب بعقل ابنته حتى ترفضه للأبد. بالنسبة لـ "رأفت"، "تمار" الآن هي الأهم. "عدي" سيترك "مرام" سواء برغبته أو بضدها، وتلك هي إحدى عاداته أن يترك الأمور تجري حتى يقرر هو أن تجري لمصلحته. و"مرام" لم تكن جهة قوية لتصمد أمامه، يستطيع إزاحتها بسهولة وبإشارة من إصبع يده الصغير. الأفكار للتخلص منها كثيرة، لكن أصغر حيلة مما في رأسه تطيح بها في أقل وقت. لكنه اعتمد على الصبر ليترك ابنه يعبث بها قليلاً، ومن ثم يبدأ دوره هو.
لدى مكة
اختياره كان جميلاً للفستان، كما قال سابقاً، إن ذوقه جيد في اختيار الملابس. يوم اشترى لها بنفسه ملابس لإعداد البرنامج. لونه الناصع وكمه المنفوش المحكم بأزرار من الأساور كان مختلفاً وحشمياً للغاية، وكأنه يقرأ أفكارها. أفكارها التي فقدت تنظيمها من وقت ظهوره في حياتها. تواردت على رأسها مشاهد من حلمها الوردي هذه الليلة المشؤومة، وأبرزها كانت جملة قالها بعد ما طالعها مطولاً وكأنه يعانق كل إنش في وجهها. طرح عليها شباكه ليأسرها بكلماته الساحرة، قائلاً
بعمق: _حــبــي، ســـجـــنتــك فــي قــلــبــي. لكن في الواقع، سمعتها بشكل عنيف مشحون غضب ووحشية من بين أسنانه، كان يهتف متوعداً دوماً: _هـــــســجــــنــك. اقسم بالله هــســـــجـــنــك. نفضت رأسها بنفور مما قد يفعله بها انتقاماً، ولما لا وهو الذي توعدها هادراً: _اعمل فيكي إيه يشفى غليلي. مش مهم، أكيد هلاقِي ألف حاجة أعملها. تتعمل، انتي أصلاً مستفزة وتستاهلي كل اللي هيتعمل فيكي. كيف تأمن شره بعد كل ما رأته في الحقيقة؟
إن "إلياس" الحقيقي مختلف تماماً عن "إلياس" فتى أحلامها. هذا شخص لم تألفه، تفزع من رؤيته وتنفر من حضوره. يكفي أنه دمر حياتها بالكامل لتعود إلى تعقلها وتعي أن الألم غير الواقع نهائياً. انتهت المزينة، وضعت البودرة الخفيفة أعلى عينيها وهتفت لتنادها بعد فترة من السكون التزمها واتخذتها فرصة لتنجرف في ذكرياتها: _افتحي عيونك يا عروسة. فتحت عينيها لترى نفسها بالمرآة المقابلة لتسألها الفتاة من جديد: _إيه رأيك؟ أجابت باقتضاب:
_كويس. سارعت الفتاة وهي تمازحها: _كويس بس؟ لأ، بقولك إيه، اديني شوية ثقة. ده "إلياس النشامى" منبه عليا بنفسه. نظرت إليه "مكة" وسألتها دون فهم: _يعني أعمل إيه؟ أجابت الأخرى مستمرة بالمزاح: _يعني امدحيني، قولي برافو يا سوار، ايدك تتلف في حرير يا سوار، أنا مبهورة، أي حاجة من دي. مطت جانب فمها. لم تكن في مزاج جيد لترد على حماستها وتتفاعل مع مزاحها. لكن "سوار" لم تسكت. استمرت بالثرثرة:
_برغم إني ما أنكرش إنك حلوة، بس هو... حركت يدها على صدرها وهي تسترسل بهيام: _قمر، يا لهوي عليه. هنا فقط سمحت "مكة" لنفسها أن تهدر بسخط: _لو عاشرتيه هتكرهيه. رفعت الأخرى حاجبها وبدت غير مهتمة وهي تقول: _فكري تسيبيه انتي بس، وأنا جاهزة. أنا هفضل مستنياه لآخر العمر.
نفخت "مكة" متأففة، فالحديث عنه بهذا الشكل جعل يضيق عليها الخناق. نعم، تحتاج أكثر مما رأت من "إلياس" لتغار عليه، لكن مهما كان حديثها بهذه الفجاجة وكأنها ستنقض عليه، أصابها الغثيان. دخلت والدتها ووجهها يكسوه الحزن. خرجت "سوار" لتركهم معاً. تحركت صوبها ووقفت وراء ظهرها لتنظر لها بالمرآة وهي تهتف بفرحة مكسورة: _الف مبروك يا حبيبتي. كان نفسي أفرح بيكي من قلبي، مش وأنا بزفك لواحدة ما عندوش ضمير.
كادت تبكي على حالتهم، لكن منعتها والدتها مشددة بقوة على كتفها: _اوعي تبكي يا مكة، ما يقلقش اللي عنده أب، ما بالك باللي عنده رب. جمدت الدموع في عينيها وشددت من تحذيرها بنصائح ذهبية:
_مهما كان السبب، أوعي تعامليه وحش. انتي بنت متربية، ولو كان ايده طويلة، قصري لسانك. ما تديلهوش فرصة يمدها عليكِ. ولو عينه زايغة، ليه ربنا يحاسبه. إياكي تعاتبيه، انتي مش ربه. هيكتب كتابك دلوقتي، يعني بقى عليكي السمع والطاعة، وانتي عارفة الحلال من الحرام. ومراته التانية مالكيش دعوة بيها، خليكي في حالك وهي في حالها. اوعي تشتكي منها مهما عملت، انتي الدخيلة يا بنتي وهي الأصل. وربنا يعلم إننا ما كانش يرضينا كدا لولا الجبر واللّي فرضوا علينا.
كانت تسمعها "مكة" وهي تئن بداخلها. يكفي الإجبار لتبغضه، لكن بعقد الزواج الذي فرض عليها، أصبحت مجبرة على تنفيذ وصايا والدتها، التي لولاها لكانت أذقته من الجحيم ومن التعند والجنون الذي لم يذوقه بعمره. وما زالت الفكرة تأبى أن ترحل من رأسها. اكتفت بالإيماء لتعطي لوالدتها بعض الراحة: _حاضر. زفرت أنفاسها الحبيسة وقالت وهي تنبهها: _اوعي يا مكة ما تتصليش بيا وتطمنيني عليها. هتفت دون تردد:
_ما تقلقيش عليا، أنا ربنا هيكون معايا. نهضت من كرسيها وسألت بحزن: _مش هشوف "مرام" عروسة؟ كان نفسي أشوفها. ابتسمت "خديجة" نصف ابتسامة وردت عليها آسفة: _"مرام" في الفندق، هنكتب كتابك ونروح لها على هناك. أنا مش قلقانة عليها. "عدي" ابن حلال. أسرعت لتخبرها بحزن أبى أن يفارقها: _بالعكس، لازم تقلقي عليها أكتر مني. انتوا هنا جنبي، وهي محتاجاكم أكتر مني. أمسكت والدتها كفيها وجاهدت لتبتسم من أعماق قلبها حتى لا تزيد من حزنها:
_عموماً، مش هنتأخر عليها. هنكتب كتابك ونوصلك ونطلع عليها. هيكون لسه في وقت. الظابط زمانه جاي بالمأذون. في الفندق لم تكن تتخيل أبداً شكل فستان زفافها. لكن ما انتقاه "عدي" بمشاركتها كان فوق كل التخيلات. لم ينوب عنها الاختيار برغم رفضها التام للنزول معه للشراء. فظل يحاكيها عبر الهاتف ويرسل إليها الصور بإلحاح حتى انهارت من كثرة الضغط وانتقته.
هتفت المزينة، عملها وعدلت من طرحتها البيضاء على وجهها حتى تعطي لزوجها المفاجأة لحظة رؤيتها الأولى بعد هذا التغيير الكامل لشكلها بفعل المكياج. "مرام" كانت هادئة للغاية ولم تفتح فمها طوال الجلسة، لكن بداخلها كان يغلي كالبركان. تود الهرب بعيداً عن كل ما يحدث ضد رغبتها. لا أحد ينكر أن "عدي" جيد ومناسب جداً لأي عروس إلا هي. هي فقط تذكر موقف قديم حدث في مكتبه. موقف واحد. برغم انجذابها الطفيف تجاه شخصيته التي لم تتكرر، إلا أن الموقف كان يخبرها أنه هي الغير مناسبة.
>>>>> فلاش باك عودة >>>>> شهقت وهي تفيق من هذه الذكرى وشعورها يشبه الغرق الذي لم تقاومه. حركت رأسها غير مصدقة أنها ترتدي فستان زفاف لتزف كعروس له. كيف وهي كادت أن تصرخ من مجرد لمسة غير مقصودة؟ كيف سيغلق باباً واحداً عليهما؟ مهما كان "عدي" طيباً وحنوناً، بالتأكيد لن ترضى له حياة كحياتها المليئة بالندوب النفسية والملطخة بالسواد. هو يستحق الأفضل، الأفضل منها. لدى شريف
لم يفلت قبضتها برغم تلويها بين يده لتحسه على التوقف. كان مصر على إفاقتهامن هذه الحالة. كل مقاومتها البائسة ذهبت مع الريح وهي تتواسله: _انزلي يا شريف، سيبني. صاح وهو يتحرك بها نحو الحمام: _مش هسيبك إلا لما تفوقي. أخيراً لامست قدمها الأرض الخاصة بالبانيو. حاولت الهرب لكنه ضغط بجسده ليضيق عليها المساحة. بدأت بدفعه وهي تتشدق بحنق من تصرفه: _إيه اللي بتعمله ده؟
دفعها ودفعته واستمر شجارهم حتى انزلق مقبض الدش ليمطرهم بالمياه. ليس هذا ما جعلها تتجمد وتتوقف عن المقاومة، بل تلك النظرة الهائمة التي تراه في عينيه، والمسافة التي باتت معدومة بينهم. تبللت ملابسهما معاً والتصقت بأجسادهم، حتى بدأت تشعر بزحفه نحوها وكأنه يبتلعها. همست بصوت مرتجف: _شريف. ليس اسمه الآن، هذا يجعله يجن أكثر ويلغي عقله ليرد الهمس بهمسات مقرباً إياه من شفتيها:
_عـيـون شـريف، قــلــب شــريف، كــل عــمــري رهــن إشـارتـك بـس تـحـسـي بــشـريف. أذدرقت ريقها محدقة به دون استيعاب وتلاشت الكلمات وهو يقترب أكثر. قلبه ينبض في الثانية الواحدة ألف نبضة، يتحرك من داخله بسرعة ألف حصان، لكن في الواقع يزحف كأمرض سلحفاة. عينها، وآه من عينها، تسكره بلا خمر. سقط ولن يقوم أبداً إلا بترياق خاص. كانت كالمشلولة أمام حركاته التي بدأت تفهم مغزاها. غاص لتحقيق حلمه وأوشك على النيل منها،
لكن صوت طارق ينادي باسمه: _شـــــر يــف بــاشــا،، شـــــريـــف بـاشــا. لعن بصوت هامس وهو يصر على أسنانه من جديد: _يلعن شريف باشا يا شيخة. وكأن هذا كان إشارة جعلتها تقفز من أسفله لتأخذ جانباً بعيداً في أحد الزوايا بانتظار رده ليصرف من ينادي حتى يتسنى لها الخروج بعدما غرقت ملابسها بالمياه. تكرر النداء: _شريف باشا، الأكل جاهز. مسح وجه بعنف وجذب بعض خصلاته للأسفل مع حركة يده العصبية ليكمل من بين أسنانه:
_عــنــنــا مــا اكــلــنــا. ويبدو أنها لم تسمع لعناته المتوايه بغضب لتسأل ببرائة: _حضرتك بتقول حاجة؟ زمجر غاضباً: _ســـبــيــه وإمــشــي. حك خلف رأسه ليقف أسفل المياه بكامل ملابسه، لعله يطفئ نيرانه. لم تنظر باتجاهه "منار"، كانت تتحاشى النظر إليه، فهو بات غريباً يشل تفكيرها ويؤثر على عقلها، حتى أنها باتت تخشى من الانجراف معه فيما يريد. خرج من البانيو وملابسه بالكامل يتساقط منها المياه وتحرك صوبها وهو يشير البانيو:
_خدي دش. كان يبدو عليها القلق وهي تتجنب الاقتراب منه. يفهمها جيداً، بل درسها حرف حرف وأخذ في فهمها أعلى التقديرات. بداخلها حب له، لكنها أبداً لم تعترف به. حب حقيقي يجعلها تتساهل معه في أوقات معينة عندما يقترب من امتلاك حواسه، وبمجرد أن تزول تلك الحالة تعود بنفور أفضع مما كان قبل. لن يجبرها، سيتركها حتى تقع تحت تأثيره من جديد، ويختار وقتاً ومكان مناسب. هتف وهو يتحرك للخارج: _هجيبلك هدوم.
تركها وعقلها شارد تحت تأثير كلماته التي تخطف القلب دون أدنى مقاومة وتردد بداخله كتغريد العصفور، مستحضراً كل حرف مما هدر بلذة: _عـيـون شـريف، قــلــب شــريف، كــل عــمــري رهــن إشـارتـك بـس تـحـسـي بــشـريف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!