بأصابع مرتعشة، أمسكت الصينية من يد والدتها. أخفت دموعها التي أبت الرحيل دون أن تلون عينيها باللون الأحمر القاني. خرجت وقدمها تتعثر كلما خطت نحو مجلسهم. حضرت أمامه، وحاوطت كل تفاصيلها بلهفته المجنونة. لم يسمع نبض قلبه المتسارع، كأن هناك موسيقى تنبع من داخله. حضوره ينثر مسكاً لا يشمه غيره، يسْكره دون شروط. وجودها معه في هذا الموقف الذي لم يحلم يوماً أنه سيقدم عليه، يجعله يشعر بسعادة لم ينل جزءاً منها من قبل.
قدمت بارتباك شديد لوالدها، لكنه أبى أن يلتقط منها شيئاً وأشاح بوجهه بعيداً عنها. زاد ارتباكها وارتجفت أكثر وهي تخطو نحو "ريان"، والذي ابتسم وهو يلتقط الكوب قائلاً بمرح: "ألف مبروك يا ست مكة." لم تجبه، واكتفت بالإيماء. انتقلت لـ"عدي"، والذي هتف برضاء وهو يتناول كوبه: "ربنا يتمم بخير."
اغتصبَت ابتسامة زائفة وهي تؤمئ له. بقي الأصعب هو الذي لم يزحزح عينه عنها ثانية. تحركت صوبهُ ببطء. لم تنظر له، كل همها الآن أن لا تسقط ما بيدها بعدما زاد ارتجافها وشعرت بالبرودة تسري في أوصالها عوضاً عن الدماء. وقفت قباله، ومالت قليلاً حتى يأخذ كوبه من جانبه. شرد في وجهها، ورغماً عنه طفت ابتسامته على وجهه وكأنها قمر سقط في ليلته العتمة. تبخر كل عقله وبقي هي وهو. الجنون الذي لم يهتم بوجود الآخرين.
استنكرت جموده، فرفعت عينها له، وياليتها ما فعلت. عينه التي منحتها غمزة سريعة جرفتها في زرقتها كبحر هائج. كادت تقع مغشياً عليها أمامه، لكنها ظلت متصنمة تحدق إليه ببلاهة، وكأنه ألقى شباك سحره وأنسَاها زمانها وعنوانها وأين هي الآن. والعشق الذي لا ينسيك اسمك لا يكون عشقاً. "مـــــــــــكـــــــــــه! " صاح والدها باسمها بضيق أفزعها.
انتفضت وهي تعتدل في وقفتها. وأخيراً، قام بالتقاط كأسه. قبل أن تلتف، وهو يظهر أسنانه بابتسامة مغترة. هرولت إلى الداخل، واعتدل هو يرتشف بتمهل، ناظراً باتجاه "إبراهيم" وكأنه أثبت سلطته عليها أمامه، وأره بمنتهى الفخر أنها مكة هو وحده، وقبلته الخاصة. كان نصيب إبراهيم هو الضجر فقط. الضجر من العشق الذي ينتابهم معاً. كيف تخونه ابنته بهذا الشكل وترمي قلبها بهذه السهولة إلى واحد منهم؟
واحد من القتلة الذين هددوا حياتهم طوال السنوات الخالية. "الفرح آخر الأسبوع." قال إلياس وهو يضع ما بيده على الطاولة التي تتوسطهم. ثوانٍ، نفض "إبراهيم" صدمته من سرعته وأجاب وقد ازداد حنقاً منه: "مش جاهزين." كان جاهزاً لهذا الاعتراض ورد عليه بجمود: "وأنا مش طالب منكم أي جهاز. هي بالنسبة لي كنز." شعر "إبراهيم" بأنه يضيق عليه الخناق. لا يريده، ولا حتى بات يريدها. هو غاضب منها ومن ما ورطته به.
"يا شيخ إبراهيم، إنت عايز إيه أكتر من كدا؟ توكل على الله بقى. خير البر عاجله." هدر "ريان" بحماس. وتابع "عدي" متحمتحاً بحرج: "وبما إن خير البر عاجله، خلينا أنا ومرام كمان معاهم آخر الأسبوع." ظهرت علامات الدهشة على وجه "إبراهيم". والتف إليه، ولم يكن وحده من اندهش، بل لـ"ريان" كان نصيب. والذي بادر بالسؤال: "عدي، إنت هتعمل فرح وأبوك مسافر؟ أجابه "عدي" وهو يحسسه بمكر: "ما أهو البركة فيك بقى. تروح تجيبه هو وتمار."
أردف وهو يسأله بخبث: "هي تمار ما وحشتكش ولا إيه؟ عض على طرف شفاه وحرك رأسه بيأس من هذا الذي لا يفشل في قراءة أفكاره، وكأنه توأم له. هتف وهو ينهض من مكانه: "حيث كدا، أقوم ألحق طيارتي أنا بقى." *** ازداد حنقه وهو يطرق باب غرفته الذي أغلقت عليه من الداخل. زعق محتداً بعدما فاض به: "افتحي يا منار بدل ما أكسر الباب وأدخل أكسر دماغك."
كانت منهارة في البكاء في الداخل، لكنها لن تريه وجهاً باكياً ولن تعطيه أي إشارة لذلك. أجابته بتحدٍ سافر: "مش هفتح يا شريف. أصلاً بعد اللي شفته وعرفته، مش ممكن تنام معايا في نفس الأوضة." اشتدت قبضته المستقرة على الباب وصاح من بين أسنانه في محاولة لخفض صوته: "هو أنا وريتك حاجة؟ دا أنا هطلع عينك وهعلقك لو ما فتحتيش حالا." سألته بعصبية من تهديداته التي لا داعي لها: "عايزني أفتح ليه؟ أجاب باقتضاب وهو غاضب: "هنهبب نتكلم."
جاوبت بضيق: "مش عايزة أتكلم." مسح وجهه بعصبية وراح يهتف بتوعد: "افتحي يا منار، وإلا أقسم لك بالله ههد الأوضة على دماغك، وإنتي حرة." أغضبه اختفاؤها. كان يود أن يبقى معها ليراقب بنفسه ردة فعلها الذي انتظرها من سنوات. لم يتحمل ابتعادها وأخذ مساحة خاصة لم يعتدها. هو دائماً من كانت تهرب إليه، فماذا هذه المرة تهرب منه؟ كرر ندائه الغاضب: "إفــــتـــحـــى."
بعد ثوانٍ، فتحت جزءاً بسيطاً يبدو منه ملاءة كبيرة تحاوط جسدها بها. دفع الباب بقبضته ونظر إليها متعجباً من حالتها، فقد أسدلت الملاءة على كامل جسدها حتى نصف وجهها السفلي. اقترب منها فتراجعت وهي تسأل بشك: "إيه؟ أمسك طرف الملاءة بسخرية ورفعها لكامل وجهها وهو يهتف بسخرية: "نسيتي دي." أخفت وجهها بالكامل وهدر: "هتفضلي غشيمة يا منار طول عمرك." لم تزيح الملاءة عن وجهها وردت عليه بقلق واضح في نبرتها من أسفلها:
"إنت عايز إيه يا شريف؟ مسح وجهه بعنف. بماذا يخبرها وكيف سيطالبها بالاستقرار الذي ينشده؟ هدأ من نفسه، فهي ستبقى طفلته التي قبل بتربيتها، وهو السبب الأول فيما هي عليه الآن. مد يده ليزيح ما على وجهها، والتقطت عينه بعينها ليكتشف حالتها. لأول مرة يراها خائفة ومترقبة كقطة صغيرة ضلت الطريق في غابة موحشة. كان دوماً وجهتها الأولى عند الخوف والقلق. الآن تهرب وتتخفى منه. نظر إليها مطولاً وسألها وهو يلوم نفسه أولاً:
"أنا السبب في اللي إنتي وصلتي له؟ لم تفهم سؤاله، والتقط هذا من عينيها، فأسترسل ليوضح: "هو حبسي ليكي وتحكمي في إنك ما تنزليش لوحدك، ولا اسمح إنك تخطلطي بحد، كان سبب في أزمتك دلوقتي؟ ضم حاجبيه كأنه تذكر شيئاً فألقاه مستنكراً: "معقولة ما فهمتيش من كل ده إني بحبك؟ وإني ما أخليش طيف شاب يعدي من جنبك، دا ما خلاكيش تسألي هو بيعمل كدا ليه؟
فهمت كل جملة ألقاها، لكنها لم يكن لديها جواب. ما رأته اليوم كان كافياً لتشتيتها، حتى كل ذكرياتها التي طافت فجأة على ذاكرتها لم تغوص أكثر في تفاصيلها. أصلاً لم يسمح لها. لقد أمسك ساعدها فجأة وهتف بنبرة مشحونة بالغضب: "عشان بـــــحـــبـــك. عشان أنا مش شايف ست غيرك تناسبني." انتفضت من مفاجأته وتراجعت وهي تحاول تخليص ساعدها من يده وهي تقول: "لأ، مش أنا. إحنا لازم نسيب بعض."
جحظت عينه أمام ردة فعلها غير المتوقعة والصادمة، وإزداد انفعالاً وهو يصيح بها: "دا مستحيل. أنا استحملت كل اللي فات عشان تبقي ملكي، وأنا مش بفرط في ملكي." أدرأت ريقها من انفعاله وزاد بداخلها التوجس، ومع ما رأته من ساعات خشيت تحوله. فهتف بصوت مرتعش: "إنت... كدا بتخوفني." رفع يده الطليقة ليمسح بها على رأسها بحذر. ترددت هي في تقبلها، لكنه أصر أن يصل لها، ليمررها برفق وهدوء قائلاً بنبرة هادئة كنسيم البحر العليل:
"ما تخافيش أبداً. أنا بعمل كل حاجة عشان تبقي مطمئنة." برفق شديد وتحت سيطرته الكاملة عليها، دفع هذه الملاءة عن جسدها واقترب منها وهو يستأنف بنفس الهدوء: "وعشان أنا جوزك وحبيبك وأخوكي وأبوكي وسندك." أثرت عليه كلماته، فلم تلاحظ أو حتى منعت يده التي حاوطت خصرها بالكامل. كانت شاردة فيما يقول، كأنه يرفعها عنان السماء لترى السحاب يجري من حولها، تماماً كما تجري كلماته في أوردتها الآن. مال إلى فمها وهي يهمس بعشق: "وأمانك."
للحظة كاد يقتص منها وهي في أوج الاستسلام. لكن طرقات الباب المتوالية مع صوت النداء الشبيه بالاستغاثة: "شريف، يا شريف! أجفل بعدما ابتعدت "منار" عنها فوراً وكأنها عادت لرشدها. صر على أسنانه يلعن وهو ثابتاً في مكانه. استمع إلى صوت الباب من خلفه وأخته من ورائه تنادي بوضوح: "شريف." التف إليه محاولاً رسم ابتسامة كي تغطي على غيظه الذي اشتعل بداخله الآن، متسائلاً بسماجة: "إيه؟ بتاع الغاز جه؟ أجابت "ورد" بضيق: "إيه يا شريف؟
بتاع غاز إيه؟ التفت إلى "منار" التي تقف إلى جوارها بارتباك وقالت: "أنا جاية أطمن على منار، أصلها خدت في وشها وطلعت على فوق من غير ما أشوفها." كاد "شريف" أن يقتلها، فزمجر معنفاً إياها: "نعم يا أختي." نظرت له "ورد" وهي تحاول أن ترسل إليه إشارة بعينها أن هناك أمراً هاماً، لكنه من فرط غضبه لم يلاحظ. كانت "منار" الأسرع وأجابت بتسرع وارتباك في آن واحد: "أيوا يا ورد، أنا عايزكِ في حاجة مهمة."
كانت فرصة جيدة لـ"ورد" كي تشرح لشريف سبب حضورها، والذي فقده الاستيعاب تماماً. فكرة رحيل منار عنه بعدما أوشك على الإمساك بها والتأثير عليها ضربت تعقله في مقتل. لم يفق إلا على صوت ورد وهي تقول: "خلاص، اسبقيني على الأوضة وأنا جاية وراكي." لم تنظر، أسرعت في الركض نحو غرفتها لتفر منه. وحاول هو اللحاق بها، لكن منعته ورد وهي تقول بجدية: "رايح فين؟ إنت ما بتفهمش؟ عايزاك في حاجة مهمة." انتبه لها، لكن ضيقه لم يختفِ.
هدر بعبوس وهو يسحب ملابسه: "مهمة إيه بس؟ هو كان فيه أهم من اللي أنا فيه؟ هتفت "ورد" وهي تحسس من وجود منار أو حتى سماعها لما ستقول: "ماما اتصلت وعايزاك ضروري، بتقول إن تليفونك طول النهار مقفول وخالتوا تعبانة." كلماتها أعادته إلى رشده. بحث عن هاتفه فوراً وهو يهدر بقلق: "أنا النهاردة نسيت خالص أسأل عليهم. راسي مش فيا بعد اللي حصل من منار." حاولت "ورد" مواساته، فربتت على كتفه:
"ربنا يكون في عونك. روح شوفهم وأنا هخلي بالي عليها." زفر أنفاسه وتحرك من أمامها. رحلته طويلة بين منار ووالدتها. الجميع متعلق في عنقه، وقلبه متعلق بها وحدها. *** في غرفة الفندق، نقر والدها بخفة بابها فاستجابت سريعاً. تعرف أنه لن يتركها إلا عندما يغلبها النعاس حتى يتأكد أنها قضت اليوم كاملاً دون "ريان". تقابلت مع ابتسامته العذبة وتطلعت إلى يده التي تحمل مشروباً ساخناً، فهتفت بابتسامة مرحة: "أنا مش قد الدلع ده كله."
نفض كتفيه ورد عليها بجدية: "وإن ما كانش تمار الألفي تدلع، مين يحق له يدلع؟ برغم مغازلته الطفيفة، إلا أنها عضت طرف شفتيها بيأس. تفهم مقصده وتعرف غايته. تركها عند الباب ليدخل إلى الغرفة، إنما هي بقيت تبحث عن حديث لائق لتخبره أنها ليست بالكثير على ريان، هو أيضاً يستحقها ولا أحد غيره تراه يستحق الظفر بها. استمعت إلى صوته المنادي: "تعالي نسهر سوا." أغلقت الباب والتفت له لتخطو بخطوات بطيئة تجاهه. التقطت من يده الكوب الذي
قدمه لها وتركته يتحدث: "أخوكي راح برضه عند البنت دي. آه، لو كنت فايق له بس مش مهم، خليه يتسلى على ما أرجع. كل ده هيكون لاغي." رفعت وجهها إليه وسألته بدهشة: "لاغي إزاي؟ مش هو استأذنك وانت قلت لي قول له يروح؟ ارتشف من كوبه دون أن يعير دهشتها اهتمام ثم رد عليها ببرود: "آه، سيبته يتسلى." تركت ما بيدها واتضح الغضب وهي تهدر باستياء بالغ من مراوغته واللعب بمشاعرهم: "يتسلى؟ هي بنات الناس لعبة؟
ولا مشاعرنا واختياراتنا بقوا مش مهمين عندك؟ شعر بغضبها، فأسّرع بالتريس والتلوّن بلونها كي يحافظ على مكانته لديها: "معقول تفكري فيا كده؟ دا أنا بحاول أحميكم." نفضت رأسها وتساءلت وهي ترمقه بتعجب: "تحمينا من مين؟ احمينا منك انت الأول." لم يستطع التماسك بعدما أغضبته، فانتفض في جلسته وزعق بانفعال: "أحميكم مني؟ هو لدرجة دي أنا معذبكم وخانقكم؟ اقتربت منه وأمسكت بيده كي تهدئه وحاولت أن تكون هادئة أمام انفعاله:
"يا بابا، إنت أحسن أب في الدنيا، لكن سياستك غلط. إحنا كبرنا وبقى لينا اختياراتنا، وبقى لينا مشاعر لازم تفهمها ولازم تعمل حسابها وانت بتقف ضدها." شعر بالوخز من حديثها. هو لا يريد أن تبتعد أسرته التي فضلها على حياته ومشاعره، يريد تضحية كما ضحى هو. دفع نفسه لسؤالها: "وأنا قصرت معاكم في إيه؟ من يوم ما أمك ماتت وأنا نسيت نفسي خالص. كان كل همي أنتم. ما كنتش عايزكم تحسوا باليتم ولا حد ياخد مكان أمكم." هتفت بتفهم:
"إحنا عارفين دا ومقدرينه، وحضرتك ورضاك عننا رقم واحد في حياتنا، وأعتقد حضرتك ملاحظ دا، سواء من عدي أو مني." سكت قليلاً ثم طرحت سؤالاً كانت تتمنى إجابته من مدة طويلة ولم يولد له فرصة: "هو حضرتك مش موافق على ريان لشخصه؟ ولا رافض فكرة الجواز عموماً؟ وكأنها أسقطت دلواً بارداً على رأسه. سؤالها يوحي بأنها بالغت في فهمه. راوغها قائلاً:
"لأ، أنا مش موافق على الاختيار، بس يعني ريان شخص ما يناسبكيش. وكمان البت اللي اختارها عدي مش عاجباني. وأعتقد إن من حقي إني أقول رأيي في اختياراتكم، دا لو زي ما بتقولي رضايا مهم." أجابته دون تعقيد: "آه رأيك مهم، بس ما تفرضش رأيك. عدي كبر ومن حقه يختار، وأنا كمان... قطعت كلماتها عندما رمقها بقسوة جعلتها تتراجع عما تريد قوله. مكانتها لديه أكبر من أن تذكر رجلاً أمامه، فمن المفترض أنه الرجل الأول والأخير في حياتها.
هب واقفاً من مكانه وهدر محتداً: "خلاص، كل واحد يمشي على كيفه، وإنسوا إن ليكم أب من الأساس." وقفت إلى جواره وسارعت بتهدئته: "يابابا، إحنا ما نقدرش نتخطاك، وزي ما إنت شايف جوازي واقف من شهور على رضاك، حتى بعد كتب الكتاب." اشتعل غيظاً من حجتها وصاح بضيق: "أنا ما بجوزش ولادي أفاعي. ريان دا دخل بيتي وعاملته كأنه فرد من عيلتي، واستغفلني وضحك على بنتي. والبت التانية دي مجرد ما دخلت شركتي لفت على عدي وضحكت عليه."
لم تستطع "تمار" حبس ضحكتها، فوضعت يدها على فمها كي لا تغضبه أكثر، وبصعوبة استطاعت أن توضح سبب ضحكتها المفاجئ وهو في هذه الحالة الغاضبة وقالت: "مش شايف إن حتة بتاعت ضحكت على 'عدي' أوفر شوية؟ إنت بتكلم على عدي كأنه قطة مغمضة." ظل قابضاً وجهه غاضباً من الفكرة: "الله أعلم دخلت عليه بأي طريقة. أنا عارف الأشكال دي." أسرعت بالرد عليه بـ: "إيه يا بابا؟ أشكال إيه؟ إنت مش شايف ليندا بتعمل إيه؟ دي شوية كمان وهتطلب إيده منك."
لوح بيده وهدر وهو يتحرك في الغرفة: "يلا روحي نامي." "حاضر." قالتها وأمسكت هاتفها، لكنه قبل أن يخرج تماماً من الغرفة صاح بشدة: "قولت لك نامي." تركته باستسلام حتى يهدأ. خرج عندما ألقته على الفراش واستجابت لرغبته. كلما أوشك على امتلاكها بالكامل، تصدمه بحجة جديدة. بات قلقاً من كشفها له وكشف تعلقه الزائد بهم، كأنهم أنفاسه. ***
في منزل إبراهيم، انفضت الجلسة وخلى المنزل إلا من أصحابه. بقيت "مكة" تبكي دون توقف، تدفع ثمناً باهظاً عن تهورها وجنونها اللحظي الذي دفعها للتحرك صوب عش الدبابير. أخذ يتردد في أذنها جملة واحدة قالها "إلياس" بتحدٍ وإصرار وتملك: "إنتي وقعتي نفسك في إيدي، وأنا مستحيل أسيبك." أحضرت المارد وفشلت في إقصائه. استفزت كياناً لا يقبل التراجع أو الهزيمة. وقعت في شباك الصياد بمنتهى السهولة والغباء.
"لا حول ولا قوة إلا بالله. هو إنتِ هتفضلي تعيطي كده لحد إمتى؟ " هكذا هدرت والدتها باستنكار في هذه الجلسة التي بدت كئيبة. كفت "مكة" دموعها، لكنها رغماً عنها كانت تولد غيرها دون إرادة. لا شيء أبشع على النفس من الإجبار، وإن كانت تحبه، لكن شعور أن ليس هناك خيار آخر يهدم روحها ويجعل كل الهموم تطأ قلبها بقسوة. هتفت والدتها وهي تنظر إلى حالتها، وكذلك حال أختها السائمة: "مش إنتي وفقتي بلسانك يا بنتي؟ هو حد غصبك يا بنتي؟
أشارت باتجاه "مرام" واسترسلت باندفاع: "وإنتي كمان مالك؟ جرالكم إيه؟ لو كل اللي بيتخطبوا بيعملوا كده كانت الدنيا وقفت." أجابت "مرام" بحزن: "طيب وأنا مالي؟ هي سألتوها وخيرتوها؟ أنا ليه توافقوا من غير ما تسألوني حتى؟ شهقت والدتها بصدمة وسألتها باستنكار: "لا، هو إنتِ كمان مش عاجبك الأستاذ 'عدي'؟ نهارك أبيض، دا راجل زي حتة السكرة. تصدقوا وتأمنوا بالله، إنتوا مش وش نعمة." هتفت "مرام" وقد أوشكت على البكاء:
"أنا مش عايزة عدي أو غيره. أنا مش عايزة أتجوز من الأساس." صاحت والدتها بضيق وسخط: "آهو ده الكلام اللي يضايق بقى. ما هو مسير البنت لبيت جوزها. هو إيه العكننة دي بس ياربي. لا إله إلا إنت سبحانك إني كنت من الظالمين." نادى "إبراهيم" من الخارج: "خديجة." كان صوته القريب يعلن أنه قادم باتجاههم، وما هي إلا ثوانٍ وكان يقف على عتبة غرفتهم، رافضاً أن ينظر تجاه بناته وهو يهتف بوجه مكفهر: "تعالي يا خديجة، طلعيلي هدوم."
تحركت "مكة" باتجاهه، فهي تعلم أنها خذلته الليلة وكانت سبباً كبيراً في إيذائه. وقفت إلى جواره تناديه وتطلب العفو: "بابا سامحني." كان غاضباً منها لدرجة أنه لم يتحمل حتى صوتها. دار على عقبيه حتى لا يراها، فأسرعت توقف بوجهه. هتفت بانكسار وخجل: "غصب عني يا بابا. ما كانش ينفع أرفضه. عملت كده عشانكم." ضغطت على صبره وخار قواه ليهدر بتعصب: "إنتي بتحبيه، ما تقوليش عشاننا. إنتي مهما أنكرتي حبه باين في تصرفاتك."
هرولت "خديجة ومرام" إلى جواره عندما رفع يده في الهواء ناوياً لطمها بقسوة على ما فعلته به، لكنه توقف قبل أن تصل يده إلى وجنتها وأردف أمام دموعها التي غزت وجنتيها، وعندما اختبائها من صفعته المحتمة، شعر أن لطمها سيريحها، فقرر في آخر لحظة التراجع وعقابها بشكل آخر، لعلها تشعر بشيء من خذلانها له. هتف مستاء: "يا خسارة تربيتي فيكي. أنا مش هقف ضد اختيارك، أنا هقف أتفرج عليكي وإنتي بتتعذبي من الاختيار ده."
بكت وغرقت في دموعها. قسوته لم تعتدها وما فعلته كان غير لائق على ما تربت عليه. "وأنا... " هتفت بها "مرام" لتجذب انتباهه. حالتها السيئة هي الأخرى. تحيرت والدتهم بينهم، مشكلاتهم كبيرة على حالة والدهم الصحية. التف إليها يسألها دون فهم: "وإنتي إيه يا مرام؟ سألته وقد حضرت الدموع في عينيها: "مش هتخليني أختار؟ انت ما أخدتش رأيي." تعجب من حالتها وبادلها السؤال بسؤال: "إنتي مش موافقة على عدي؟
خشيت "خديجة" رفضها، وإن رفضت بالتاكيد والدها سيوافقها بالنهاية. هي سيدة القرار، وكأي أم لا ترى أفضل منه لها، لكن حالته التخبط التي تعتريه تجعلها لا ترى الأفضل بالنسبة لها. فسارعت "خديجة" بالقول: "إزاي؟ هو الأستاذ عدي حد يرفضه؟ وكزتها بخفة كي تستجيب وتصمت الآن، خاصة مع حالة مكة التي تؤلمه. حرك رأسه بإيماء قصير وهو يؤكد على حديثها: "فعلاً الشاب أدب وأخلاق وابن ناس. لعله يعرف يحميكي من اللي هيعملوا فينا خطيب أختك."
نظرت إليه "مكة" بيأس. لم يفهم أنها كانت القربان واليأس لن يقترب منهم بعدما ينالها. كفت دموعها وهتفت باندفاع لكن نبرتها كانت متحشرجة: "إلياس مش هيأذي حد فيكم. هو خلاص خد اللي هو عايزه." حديثها أشعل ناراً بداخله، فاظلمت عينه وهو يسألها بحنق: "أخد إيه؟ لم تقوى على الإجابة وابتلعت لسانها. لم تقوى أن تخبره أنها هي ما يريد من هذا البيت، ووقت ما يحصل عليها سيرحل دون إزعاجهم. وضعت وجهها بالأرض ولاذت بالصمت.
دفع الهواء من رئته بغضب وهدر محتداً: "ابقى اسأليها يا خديجة، أخد إيه. لاحسن أنا ما بقتش مستحمل أسمع أي حاجة عن حياتها من يوم ما اختفت وحرقت قلبنا كلنا." التف عنها وخرج من الغرفة. فالتفت إليهم والدتها تصيح بهم بحدة: "إنتوا جرالكم إيه؟ عايزين تخلصوا عليه؟ لوحت بأصبعها لـ"مرام" وحذرتها بشدة: "وإنتي كمان حطي عقلك في راسك وبصي حواليكي. مين هيتقدم لك أحسن من عدي؟ اعقلي يا مرام عشان ما ترجعيش تندمي."
حركت رأسها برفض وهي تقاوم رغبتها الملحة في البكاء، فلا أحد يعرف سبب رفضها فكرتها للزواج. "يا ماما بالله عليكي... قاطعتها والدتها بـ: "بالله عليكي إنتي وهي، كفايا بقى."
استدارت لترك لهم الغرفة، مهرولة للخارج. الأمر أصبح فوق طاقتهم. في الوقت المناسب للفرح، سكن الحزن وخيم في منزلهم ليسلبهم فرحة الارتباط. انفجرت "مرام" في البكاء، فالتقطتها "مكة" في أحضانها، وربتت على ظهرها بحنان لتواسيها وتختبئ في أحضانها من حزنها المهلك هي الأخرى. همست "مرام" من بين نشيجها: "إنتي عارفة إني ما أنفعش أتجوز." سحبت "مكة" دموعها وردت عليها بهدوء:
"عارفة، وعارفة إن ما فيش حد هيفهمك غير 'عدي'. إنتي انتفضت 'مرام' من أحضانها وصاحت بصدمة: "إنتي كمان بتقولي زيهم؟ إذا كان إنتي عارفة اللي حصل يوم المظاهرة؟ أسرعت "مكة" بتكميم فاها وهي تلتفت خلفها خوفاً من أن يتسرب الصوت للخارج. "هش... هش... عارفة، عارفة." تركتها وعلى أطراف أصابعها تحركت صوب الباب لتغلقه بهدوء، ثم التفت لها بعد اطمئنان أنهم أصبحوا وحدهم. هتفت بهدوء حتى تقنعها:
"عدي عارف اللي حصل، وطالما اتقدم وهو عارف يبقى هيعرف يحتويكي. اديله انتي بس الفرصة." التفت "مرام" حولها وهي تعنفها بضيق: "ومش ممكن يكون بيشفق عليا، أو عشان يبتزني؟ مسحت "مكة" وجهها وصاحت بنبرة محتده برغم خفوتها: "يا ربي أغثني، يا بنتي إنتي بتفكري إزاي؟ يعني 'عدي' بكل المميزات اللي فيه هيتجوزك شفقة ولا ابتزاز؟ هدأت من نفسها وهتفت بتردد: "أنا ما بقتش بثق في حد يا مكة." اقتربت منها "مكة" وحاوطت
كتفها بحنو وهي تقول بحكمة: "اللي تخافي منه ما يجيش أحسن منه. وبعدين عدي هيحميكي وهيفهمك. الصراحة هو أكتر واحد مناسب ليكي." باغتها بسؤال طعنها على فجأة: "وإنتي إلياس مناسب ليكي؟ دفعت كل الهواء الذي برئتيها وترددت في الإجابة، لكنها في النهاية كانت مضطرة لتجيب: "إلياس مناسب لبيته وولاده، إن كان عنده." زاغ بصرها وكأنها تبحث عن شيء في خزانة أفكارها وسألتها "مرام" بتدقيق: "يا بنتي يمكن مش متجوز وبيضحك عليكي؟
نفضت رأسها بيأس. كانت تتمنى هذا، لكن قول "اللواء" جعلها متأكدة من أن له حياة أخرى لا أحد يعلمها، فهتفت بيأس: "لأ، اللواء قالوا قدامي وهو لحد دلوقتي ما أنكرش. هو مش ليا، وأنا بقيت ليه غصب عني." زفرت "مرام" على حالتها وهتفت دون يأس: "مين عارف الحقيقة فين؟ *** هرول في طريقه المستشفى نحو غرفة "زينب". أسرعت باتجاه والدته والتي انفجرت في البكاء. قلبه هوى. أمسكت كتفيها وهو يسألها بذعر: "حصل إيه يا ماما؟ أجابت من وسط نشيجها:
"خالتك تعبانة من الصبح والدكاترة بيقولوا إنها خلاص...... لم تقو على نطق باقي الجملة وعادت للبكاء مرة أخرى. فقد فهم "شريف" دون حاجة للشرح. عض شفتيه وقد لمعت عينه بحزن وألم طعن روحه. وبصعوبة شديدة سألها: "ومنار... أعتقد كفايا كده." هدرت "ماجدة" وهي تحاول مسح دموعها: "عمرها ما هتسامحنا لو ما شفتهاش، خاصة إن زينب جوه بتخرف باسمها." ملأ رئتيه بالهواء وزفر بألم. سريعاً هتف: "خلاص.. أنا هبعت حد يجيبها هي وورد."
دس يده في جيبه ليخرج هاتفه ومن ثم ضغط أزراره سريعاً ليحادث طرف لم يتركه كثيراً ينتظر: "أيوا يا ورد، هاتي منار وتعالي على المستشفى. هبعتلكم السواق." استمع إلى صوتها وهي تردد من ورائه: "مستشفى إيه يا شريف؟ وعلى نفس الأثر سمع صوت "منار" مشحوناً بالقلق: "مستشفى ليه؟ شريف ماله؟ إنت في المستشفى ليه؟ في موقف آخر، كان سيفرح بكل هذا القلق، لكن الآن هو قلق عليها هي أكثر مما جعله يهتف باقتضاب لينتهي ألمه الذي يبدو أنه بدأ:
"تعالي بس، هبعت السواق." أغلق الهاتف وتركها تنادي باسمه بهلع: "شريف، يا شريف، رد عليا." كيف سيخبرها بكل ما فاتها، وكيف ستسامحه؟ هذا الكم من الكيف لن ينتهي بينه وبينها مهما مر من الزمن. شيء حتمي كبقاهم على قيد الحياة. ***
في غرفة مكة، كانت تنظر لهاتفها دون نظر. لعل تلك الأخبار التي تملأ العالم تنسيها شيئاً مما يؤلمها برأسها. ألف فكرة وألف حكاية. إن فتحت كتاباً لم يكفها لتسرد قصتها وكل ما تتمناه. على الطرف الآخر، استسلمت "مرام" للنوم. فالنوم وسيلة أخرى للهروب، نجحت في إيجادها. طال الليل وطالت مأستها ورأسها يضج بالأفكار. ويل بين والدها وويل من إلياس، وعلى ذكراها التي لم تختفِ من رأسها.
صدح هاتفها بالرنين فانتفضت حتى أسقطته على الفراش واعتدلت في جلستها، تطالع هذا الرقم الغريب الذي يتصل في هذا الوقت المتأخر. لابد أنه هو، ومن يجرؤ على فعل هذا غيره؟ لكنها نفضت الفكرة لأنه لا يعرف رقم هاتفها. ومع رنينه المتواصل، أمسكته بأصابع مرتجفة وفتحت الخط وأثارت الصمت حتى تتعرف على هوية المتصل دون أن يسمع صوتها. لكن صوته العميق أربكها: "برافو يا مكة، بحبك وإنتي بتسمعي الكلام."
تسارعت نبضاتها وهو يتحدث معها بهذا الشكل. لم تجب، وبقيت تلتفت حولها برعب أن يسمعها أحد. حسها على الحديث أمراً: "ردي عليا." الخوف معه كان أكبر من مخالفته حتى ولو مجرد المحاولة. أجابت متعلثمة: "اااقول إيه؟ استمعت إلى صوت أنفاسه وهو يدفعها من رئته، فزاد من ارتباكها وشتت كافة أفكارها. ران صمت قصير حتى قاطعه هو بصوت مفعم بسعادة النصر:
"آآآآآآآه، اخــيــرا يا مــكـــه هـــحــبســك. خـلـــيتى الـــخـــرافــه حـــقـــيــقــه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!