الفصل 13 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
6,447
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

أفلت سماعة الهاتف من يده وعينه تأبى التزحزح عنها. ستختفي "مكه" بجنونها ومشكلاتها من حياته. انتهت مهمته وسيسلمها إلى العدالة. أي كان مصيرها، فهو لن يراها مجدًا. لكن أصبح حتمًا عليه الاستسلام. أرخى يده عن سماعة الهاتف وتحرك صوبها. مازالت تقف في الشرفة، يبدو أنها خائفة من الاستدارة والمواجهة. من تقلص جسدها. وقف خلفها مباشرة وهو يهدر: _هنرجع يا مكه. على إثر كلماته، التفت. لا تصدق. نظرت إليه مطولًا قبل أن تهتف:

_قولت إننا هنرجع. اكتفى بالإيماء. فقد كان يودع وجهها الملائكي وكل تعبير ترسمه على وجهها. غصة قوية انتابتها على فجأة لا تعرف لها سبب. وكأن الألحان الحزينة انتشر صوتها من حولهم. لحظات الفراق في بدايتها موجعة. وفي حالتهم هما، فالفراق هو الحل الوحيد المتفق عليه من الطرفين. بالنسبة لها، خيار مناسب لأنه متزوج. وبالنسبة له، تؤثر على اتزانه وتفقده التركيز. أطلق زفيرًا مصاحبًا لسؤال أراد بشدة معرفة إجابته منها هي خصيصًا:

_هيحصل إيه بعد كدا؟ ترقب الإجابة من بين شفتيها بتوق. ربما بات يثق في إجابتها، والتي لم تبخل عليه بها. وهتفت دون تردد: _هرجع لأهلي وانت هترجع شغلك وخلاص خلصت الحكاية. شعر بثورة عارمة اجتاحت قلبه دون رأفة. احتدمت نظراته المصوبة تجاهها، يطل منها غضب وغيظ لا ينتهيان. على أسنانه وهو يسأل بحقد: _يعني مش هتنادي عليا تاني؟ لأول مرة يوجعها الحديث وتؤلمها الحروف. رغم ما نطقت به حرفين باختصار شديد: _لأ.

أدارت ظهرها من جديد لتطفئ نارًا اندلعت دون إنذار في قلبها المحتج على الإجابة والقرار الصارم الذي أصدره العقل. كاد يهشم الغرفة بالكامل وهو يركل كل ما يقابله بتعصب زائد. *** الفراش كان المقبرة الآمنة لكل أوجاعها. دثرت نفسها بالغطاء الذي لا يكفي لستر نفسيتها المهلهلة. ولا للقهر القابع بين ضلوعها. تنساب دموعها بغزارة.

زاد الضغط عليها بشكل مفرط وشعرت بالعجز التام عن مواصلة البحث عن أختها الضائعة والدفاع عن والدها الذي أهلك نفسه بنفسه. دخلت والدتها تنادي: _مرام يا مرام. توقفت عن مناداتها ما إن رأتها وهي تتجه صوبها تلتحف الغطاء وتمسح عن وجهها آثار البكاء. _انتي لسه بتعيطي يا مرام؟ لم تسمع لها إجابة. اقتربت منها وجلست إلى جوارها تمسح على وجنتها وهي ترد على نفسها: _ما تزعليش، انتي عملتي اللي عليكي. إن شاء الله هيرجعوا.

طالعتها "مرام" دون نظر. فما في قلبها من جرح وأد كل شعور وأي تفاعل ممكن أن يوحي أنها على قيد هذه الحياة. تشعر بخزي شديد من والدتها يمنعها من النظر إليها. استمرت والدتها في مواساتها ومواساة نفسها معها: _هيرجعوا بإذن الله.. يارب يكشف الغمة دي ويلم شملنا. _قومي يا "مرام" من السرير، من وقت ما جيتي ما خرجتيش منه. حركتها لتحسها على إجابتها وهي تقول: _قومي عشان تأكلي لقمة طيب.

نفضت "مرام" رأسها بتعب وهي لا تقوى على لفظ صوتها الذي يصرخ بداخلها بنواح عالٍ. استسلمت والدتها لرغبتها وتركتها لترتاح. تعرف درجة القرابة بين مكه ومرام، وتعلم أيضًا أنها فعلت ما بوسعها لتجدهم. *** بين منار وشريف. جلست إلى جواره على الأريكة لتتابع فيلمًا أجنبيًا اختاره "شريف" خصيصًا مفعمًا بالأحاسيس والمشاعر حتى يحرك مكنونها. لكنها بعد منتصف المدة صاحت باعتراض: _إيه اللي انت جايبه دا يا شريف؟ سألها متصنعًا عدم الفهم:

_في إيه يا منار؟ _زي ما انتي شايفة، أومال هنقعد في البيت نعمل إيه؟ هتفت بحنق وهي توزع نظراتها بين الشاشة وبين شريف: _ما أنا عارفة إنه فيلم. إيه المحن الفاضي دا؟ ما تجيب فيلم أكشن ولا مغامرات، حاجة كدا فيها ألغاز. حك خلف أذنه والامتعاض ينتشر على وجهه من رأسها الذي يثبت له استحالة استمالة قلبها. لذا كان عليه أن يستغني عن استخدام التلميح ويعبر شفهيًا ويحدث ما يحدث: _تصدقي أنا زهقت...

من الآخر كدا يا منار، أنا ما اتجوزتكيش عشان أخدمك. أنا اتجوزتك عشان بـ... قطع كلمته رنين باب شقتهم. لينهض وهو يدق الأرض من أسفله. إلى أن يفهم حقيقة مشاعره ستصيبه بجلطة حتمًا. فتح باب الشقة لتعلو زغاريد أطلقتها "زينب" مع ورد وماجدة. وعلى ما يبدو أنهم اتفقوا معًا ليعلنوا هذا في وقت واحد. أثناء فتح الباب، دخل الجميع. لترحب "منار" بورد ووالدتها. ثم التفت إلى زينب التي تقدمت نحوها لتفتح ذراعيها بتلهف: _وحشتيني.

رفعت "منار" يدها في الهواء وهي تلومها بعبث طفولي: _ارتحتي مني خلاص؟ أقبلت عليها لتسحبها عنوة إلى أحضانها وأعينها تذرف الدموع رغما عنها. لتقول بحزن: _اطمنت عليكي. وقفت "ورد" بجوار "شريف" تغمز له وتحرك رأسها باستفسار. ظل يرمقها دون فهم لثوانٍ، حتى هتفت من بين أسنانها بصوت هامس: _قولتلها ولا لاء؟ دفع وجهها بضيق بعدما انتشرت على وجهه علامات السخط وهو يجيب: _كنت لسه هقول. بدى الاستياء على وجه "ورد" وهي ترد عليه:

_أومال كنت بتعمل إيه من امبارح؟ أجاب بحنق: _كنت بأكلها. همت "ورد" لتهمس معه، لكن "ماجدة" تدخلت وهي تدفعها بعيدًا عنه: _يا بنتي سيبيهولي شوية. وقفت "ماجدة" إلى جانبه الآخر وسألته بابتسامة واسعة: _ها يا حبيبي عامل إيه؟ رمقها بنظرة ثاقبة. من بعدها فهم مغزى السؤال فهتف مجيبًا: _آه... الحمد لله يا ماما. في الجانب الآخر كانت "زينب" تحاصر "منار" بالأسئلة المبطنة. لكن منار العنيدة والمتشددة لا تفهم ولا تحاول التفسير.

رأسها السميك لا يريد معرفة أشياء لا تخصها عن نفسها أو عن الجنس الآخر. لذا شعرت "زينب" بالإرهاق في الحديث معها ورفعت يدها تدعو بصوت عالٍ على مسمع الحضور: _ربنا يكون في عونك يا شريف يا ابن أختي يارب. والتفتت "ماجدة" إلى "منار" لتباغتها بمشورة سريعة: _ما تيجي نقعدوا معانا يا منار. تحمست "منار" للفكرة وفي مخيلتها أنها ستقطن مع "ورد" في الغرفة وتنطلق بعيدًا عن تحكمات والدتها. فصاحت بفرح: _آه ياريت يا خالتو.

تهللت أسارير "ماجدة" بموافقة "منار" والتفتت إلى "شريف" تسأله: _إيه رأيك يا شريف؟ لوى فمه بيأس وهو ينظر تجاه "منار" التي تستجدي عطفه بنظراتها المتوسلة وأجاب وهو يزفر: _نيجي يا ماما واحنا يعني قاعدين هنا بنعمل إيه. *** سريعًا جهز "ريان" فرقة من الجيش لجلب "إلياس ومكه" على وجه السرعة. وتوجه هو لإتمام المهمة بعدما بلغ اللواء وقرر إنهاء الأمر تمامًا بشكل مختلف. تواصل معهم "إلياس" ووقف ينتظر الفرقة خارج الفندق.

وإلى جانبه وقفت المسكينة لا ترى شيئًا برأسها. تشويش كبير مما حدث وما سيحدث. كلما جاهد أن لا ينظر إليها خانته عيناه. يشعر بأن خريفه حل بعد ربيع مزهر. رأى ما لم تر. فهتف ليستفز ثرثرتها الذي افتقدها: _خليكي فاكرة إنك مش هتناديني تاني. بالفعل أغضبها بتكرار حديثه عن هذا الأمر وكأنه يمن عليها بحضوره. فأجابته بحدة: _أبدًا. سرعان ما التفت حولهم سيارة سوداء وصادح صوتها في الأرجاء بشكل متقطع وكأنه احتفال.

ابتسم وجه "إلياس" متهللاً بوصول فرقته التي تحتفل به بشكل خاص. عكس "مكه" التي بدأت تدور حول نفسها حتى تحصي عدد السيارات التي اقتحمت المكان وبدأت تفزع من تصرفاتهم العشوائية. لكنها شاهدته يصافح من بها وهم يدورون حولهم. توقف العرض وترجل الجميع ليهجموا على "إلياس" بسعادة وحرارة جعلتها تتراجع لتفسح للعدد الكبير بأخذ مساحتها. وشاهدته يتعامل بود وانسجام كما لم تراه من قبل. بعكس تمامًا معاملته الحادة والقاسية معها.

كان الجميع في تلهف لمصافحته والاطمئنان عليه. في وسط متابعتها له شعرت بيده خشنة تمسك بكتفها المصاب وتدفعها نحو إحدى السيارات لتصرخ عالياً متأوهة: _آآآه. ولا تعرف كيف قفز ليقف بجوارها. من ثوانٍ كانت تشاهده حوله ما يزيد عن عشرة. والآن إلى جوارها يهتف إلى من يمسك بها بـ: _براحة عشان عندها إصابة. التفت دون أن ينظر إليها واستقل سيارة أخرى وتركها لتصعد سيارة السجن. تاركًا لها واقعًا مجهولًا وأحلامًا أصبحت سرابًا. ***

في شقة "شريف ومنار". همت الأسرة بالمغادرة لتركهم ليعيشوا حياتهم التي يظنونها حقيقية. نادت "منار" برجاء: _اقعدوا كمان شوية، انتوا مستعجلين كدا ليه؟ أجابت عليها "ماجدة" وهي تستعد للمغادرة: _خدوا راحتكم، والأسبوع الجاي تيجوا الفيلا بقى. نفضت "منار" رأسها وأكدت بحماس: _أسبوع إيه... أنا الصبح هكون عندكوا. الصراحة القعدة هنا مملة أوي. ساد الصمت وتناقلت نظرات الجميع بينهم وبين بعض.

على عكس "شريف" الذي اتسعت عيناه واعتلى وجهه الصدمة وكأن سقط على رأسه دلو ماء بارد. فهي لن تكف عن حماقتها حتى تصيبه بجلطة. قاطعت هذا "زينب" وربتت على كتف شريف وهي تتشدق بسخرية: _ابقى سأليها يا شريف. نظر إليها بحرج فهو يفهم الإهانة الموجهة إليه. غادروا المكان جميعًا دون انتظار مما دعا "منار" للتعجب. والتفت تسأله بتعجب: _هما مشيوا بسرعة كدا ليه؟ رفع وجهه إليها وصمت لبرهة وهو يحاول تقييد ضيقه تجاهها.

حركت رأسها مستفسرة عن سبب جموده. غباءها الفطري في إحراجه باستمرار دون مراعاة رجولته التي بات ينظر لها الجميع نظرة شك. ورفع حاجبيه وهتف ببرود على عكس تمامًا ما بداخله: _ممكن يا منار ما تتكلميش تاني. للأبد. تساءلت دون فهم وهي تضيق عينيها: _ليه؟ ظهرت تفاعلات غضبه على صفحة وجهه فتحول إلى الأحمر القاني وسألها بغلظة: _إنتي تعرفي إيه عن الجواز؟ اقتربت منه دون شعور بالحرج ووضعت يدها على كتفه بود وأجابته بهدوء عكس ما تخيل:

_شريف، هو انت نسيت؟ إحنا مش متجوزين. انت أخويا. أكيد إنت فاهم. أغضبته بكلمة أخيها مجددًا حتى كاد يصرخ في وجهها بانفعال حاد لكنه آثر الغضب وهدر بضيق ساحقًا كلماته بين فكيه: _أنا فاهم. الناس ما بتفهمش دا. إحنا الاتنين اتجوزنا بعقد وبإشهار وأمة لا إله إلا الله كلها عرفت. التقط أنفاسه ليهدئ من غضبه وأردف متصنعًا الهدوء: _تبقي قدام الناس زي الشاطرة كدا تعمليني كزوجك مش أخوكي خالص. أرخت كتفيها وهتفت بإحباط: _هحاول.

تركته ودلفت إلى الداخل بينما وقف هو يمسك برأسه. تكاد تفقده عقله. يعرف تمامًا أنها بحياتها لم تفكر كالفتيات ولم يكن في أحلامها الزواج بالتاكيد. تجهل الحياة الخاصة بأكملها ولا تدعي. هو من أشرف على تربيتها وأبدًا لم يراها فضولية تستكشف أو حتى تسأل عن أي أمور خاصة. نفخ بضيق من صعوبة ما بقى له معها من تربية. *** في مبنى أمن الدولة. سلك "إلياس" طريقه نحو مكتب اللواء "مندور" الذي شدد على حضوره إليه فورًا.

لكن الآخر قطع عليه الطريق واستقبله بنفسه ليصيح به بغلظة: _أهلاً بالباشا. عرف "إلياس" ما ينتظره من حمم غضب من قبل اللواء وقرر أن يكون هادئًا حتى لا يزيد الأمر سوءًا، خاصة وأن ما سمعه طوال الطريق لا يبشر بالخير. فتركه يسترسل في لومه بغضب جم: _إيه اللي انت هببته دا؟ إزاي تتحرك من غير قوة وإزاي أصلًا تاخد قرار زي دا من غير ما ترجع لنا؟ تحمحم ليرد عليه دون تعقيد: _يا أفندم، أنا أديت واجبي وحضرتك عارف جابر كويس.

طالما طالبني أنا شخصيًا يبقى كان ممكن يتهور وينفذ عملية انتحارية وأنا اتصرفت بسرعة لأن مهمتي الأساسية هي حماية المواطنين. نظر إليه مطولًا ثم تشدق باستخفاف: _هي مكه بقت كل المواطنين؟ رمش بعينه تزامنا مع ازدراء ريقه. باغته باستخفافه لكنه لن يهتز فهتف بثبات: _كان مبلغني يا أفندم إنه هيلبسها حزام ناسف ويحطها في المترو. وقتها كان هيبقى صعب نسيطر على الكارثة خصوصًا إني عارف إن أنا المقصود. التف عنه وهو يأمره مشددًا:

_قدامي على قاعة الاجتماعات نشوف هنتصرف في الكارثة الحقيقية اللي بقينا فيها دلوقتي. تحرك "إلياس" خلفه ومن ثم سأله على استحياء: _طيب بالنسبة لـ مكه يا أفندم؟ أجابه بلا اكتراث وكأنه مطمئن على وجودها بين يد أمينة: _رائف هيحقق معاها. اتسعت عيناه عند سماع اسمه. فهو يعرف جيدًا من هو رائف وأنه رجل المهام الصعبة والمحقق الشرس. سأله بتردد: _يا أفندم، انت عارف رائف صعب شوية على بنت. لم يلتف إليه وهتف وهو

يستمر بالتقدم نحو وجهته: _ما فيش قدامنا غيره لأن دا اللي هيقنعها باللي عايزينه. *** في منزل رأفت الألفي. فتح رأفت باب غرفة "عدي" بقوة غير مكترث بأي شيء. الغضب كان يعميه من ابنه الذي اختفى من المنزل والعمل. كان ينام بشكل عشوائي على فراشه يدفن نصف وجهه في الوسادة. لكن هذا لم يوقف والده عندما وجده غائط في سبات عميق وأصر على إيقاظه من النوم. فصرخ عالياً: _عـــــدي. انت يا أستاذ يا سيادة المحامي المحترم.

انتفض "عدي" من مكانه مستندًا على كف يديه وهو يسحب نفسًا عميقًا تلقفته رئتيه بغيظ. لف جسده ليجلس وهو يزفر. لم يسكت غضبه، كان أقوى من أن يلتفت للوقت أو حالة ابنه: _كل دا كنت فين؟ لا بلاقيك في المكتب ولا في البيت ومن المظاهرة دي للمظاهرة دي و... _صباح الخير يا بابا. هكذا قاطعه "عدي" حتى يخفف غضبه أو يأخذ هدنة من هذا الشجار الذي لن ينتهي. ضم "رافت" حاجبيه وسأله بحدة: _أي خير وراء تصرفاتك الطايشة دي؟ مسح "عدي" وجهه.

لم يأخذ كفايته من النوم ولم يأخذه هدنة من مما حدث معه. يشعر أن عقله متوقف. لكنه كان مرغمًا على إجابته حتى يرحم نفسه من توبيخه المحتّم: _حاضر يا بابا. هروح المكتب وأشيله على كتفي ومن النجمة هتلاقيني هناك. نوعًا ما هدأ "رأفت" لكنه رفع ذقنه ونظر إليه من أسفل حاجبه المرفوع وسأل: _وبالنسبة للمظاهرات؟ أجفل "عدي" وكأنه أسقط حجرًا على قلبه.

فمن بعد ما حدث لمرام تأكد أنه لن ينزل الشارع أبدًا حتى لا يخلق جو مناسب للكلاب ضالة لانتشال الفرائس. ووضع يده أسفل على عنقه كي يزيل غبطته وهدر: _حاضر مش هنزل تاني. حرك "رافت" رأسه معلنًا رضاه لكنه لم يهتف بها. كل ما قاله وهو يدور على عقبيه: _أنا مستنيك في المكتب بعد نص ساعة. خرج تمامًا من الغرفة ليدفع "عدي" الغطاء وهو يقول متذمرًا: _نص ساعة ليه؟ هما نقلوا المكتب في الجنينة؟ يلا أطير وأمري لله. *** في مكتب التحقيقات.

جلست "مكه" أمامه ترتعش. ضخامته وطوله الظاهر من خلف المكتب. لم تسقط عينه عنها وهو يطالعها بنظرات محتدة لا تعرف للرحمة سبيلاً. لم يحيد نظره عنها وهو يضغط زر التسجيل المقابل له وسألها فجأة: _اسمك إيه؟ أخذت وقتًا حتى تستوعب مفاجئته ثم ابتلعت ريقها لتجيبه بصوت منخفض: _مكه إبراهيم السباعي. لم يحتاج "رائف" مجهودًا حتى يخيفها. كانت ترتعب من حركاته حتى وإن كان التقاطه للقلم. كان لديه الكثير من الأسئلة لكنه قرر

التعليق على اسمها بجدية: _أبوكي إرهابي مش كدا؟ نفضت رأسها سريعًا وهي تهدر بسرعة مع وجود خوف من إزعاج هذا الوحش الكاسر الذي أمامها: _لأ. صاحب الجمعية الخيرية اللي والدي مديرها مشكوك فيه. لكن أنا والدي شيخ جامع. وفي حال. التف بكرسيه بملل وكأن إجابتها لم تقنعه. ثم هدر من جديد وهو ينظر في عينها بقسوة: _إيه اللي وداكي مكان الحادث؟ أجابته بتوتر. ذلك الخطأ إن عاد الزمن ستتجنبه دون رجعة: _دا... مكان شغلي.

وأنا ما كنتش أعرف حـ... _ولما الظابط قالك إن فيه إخلاء طلعتي ليه؟ قاطعها بسرعة لتزداد توترًا وارتباكًا وتعالت خفقات قلبها حتى ما عادت تسيطر على أنفاسها المتلاحقة. لكنها كانت مضطرة للهدوء أمام نظراته القانصة والتي تدون كل رمشة وتلقي عليها كل الاتهامات. تشجعت لتجيبه بتأني حتى تخفي رعبها من طريقته في إلقاء الأسئلة: _أصل أنا كنت بشبه على واحد كنت فاكرته خطيبي. سألها بسخرية وكأنه يعرف الإجابة: _وإنتي مخطوبة؟

صدمت من سؤاله لكنها كانت مجبرة على الإجابة رغما عنها. بللت شفتيها الجافة وقالت بحزن: _لأ. عاد يسألها بمكر: _أومال فكرتيه خطيبي إزاي؟ هتفت مترددة بـ: _آآ... آآآ. كشر عن أنيابه وظهر الامتعاض بوضوح على كل تعبير وجهه وهو يهدر بملل من الحديث الذي لم يطل: _بقولك إيه، إنتي شكلك هتعبيني وأنا بصراحة ما بحبش أضيع وقت. ثم زعق عالياً بصوت جهور جعلها تنتفض فجأة: _مــــــــــتــــــــــــــــولـــــــــــــــــي.

على الفور فُتح الباب ليدخل رجل قوي البنية طوله يسد الباب. بيده عصا ثقيلة ضخمة الحجم. اتسعت عينها وهي توزع عينيها بينه وبين ما يحمل وارتجفت من تخيل ما قد يحدث. وأقسمت في نفسها إن هوت هذه على جسدها ستكسر عظمها واحدًا تلو الآخر. وجدت نفسها لا إراديًا تنهض من مكانها وتهرول في زاوية الغرفة وتقفز على الأريكة الجلدية وتصرخ عالياً باسم واحد: _إإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإلـــــــــــــيــــــــــاس. ***

كان يجلس على طاولة الاجتماعات مع اللواء مندور وغيره من الرتب العالية يتناقشون بجدية أمر "مكه" وكيف سيسكتون الإعلام الذي ضج باسمها في الفترة الأخيرة. حتى استمع إلى صوتها الصارخ باسمه يحرك المبنى كله. نظر حوله. نعم انتابه حرج كبير لكن القلق كان أكبر من الوقوع تحت تأثير حرجه. لذا نهض معتذرًا: _بعتذر يا أفندم. ثوانٍ وراجع.

انطلق نحو مكتب "رائف" متجاهلاً كم الضباط الذين يقفون خارج مكاتبهم يهمهمون عن تلك المهووسة الجديدة بإلياس. أصبح له حكاية يتحاكى بها كل ضباط أمن الدولة. لكن لا وقت لديه لإخراس الألسنة. المهم الآن أن ينقذها من بين يد "رائف". اقتحم مكتبه دون مقدمات مناديًا إياه وهو يجز على أسنانه بغضب: _رائـــــــــــف... بتعمل إيه يا رائف؟ التف إليه "رائف" الذي كان يقف بوجه "مكه" التي تعتلي الأريكة ليجيبه بغضب مماثل:

_هو أنا لحقت أعمل حاجة؟ ... بقولك إيه ما تنرفزنيش. سارعت "مكه" فورًا نحوه لتختبئ خلف ظهره ليهدر "إلياس" بصوت هامس من بين أسنانه: _مش قولتي مش هتنادي عليا تاني؟ وكان ناقص تطلعيلي لسانك. هتفت وهي تتشبث بظهره بنبرة تمتلئ بالخوف: _ما اعرفش حد إلا انت. خلصني. صاح "رائف" مما يراه منفعلًا: _إلياس... اطلع برا. سيبني أشوف شغلي. هدر "إلياس" بحنق: _شغل إيه؟ انت أخدت الموضوع جد كدا ليه؟ انت مش عارف تميز خالص. احتد "رائف"

وهو يرد عليه بضيق: _هو أنا لحقت أعمل حاجة؟ دي أول ما شافت متولي نطت على الكنبة وقعدت تصرخ. بس ماشي. أشار لمتولي آمرًا: _هاتوهالي... ليلتك سودة انهارده. رفع "إلياس" يده ليوقفه قائلًا برفض: _لاء لاء. استنى... على مهلك... ممكن تسيبنا مع بعض ثواني. اتسعت عيناه وبرزت عروقه من طلبه الذي أغضبه بشدة: _إنت بتستهبل؟ أنا ما بسيبش مكتبي لحد. احتد "إلياس" هو الآخر وهو يهدر: _مكتبي إيه؟ هو أنا أي حد؟ صاح "رائف" مشددًا في كلماته:

_دي مش طريقة شغل. اتفضل روح على مكتبك. خليني أعرف أشوف شغلي. هتفت "مكه" من خلف ظهره بصوت مرتجف: _لاء أنا مش عايزة أنادي عليك أنت، أنا عايزة أنادي هو. هنا ازداد انفعال "رائف" وزجر بحده: _هو انتي هتنقي؟ متولي هاتها. وقبل أن يتقدم "متولي" صاح إلياس: _استنى بس يا رائف. ممكن تسيبنا عشر دقايق بس. اشتد الحوار ورفض "رائف" التفاهم ليهدر بغضب: _عشر دقايق إيه؟ هو دا فندق جايين تتجوزوا فيه؟ انت حكايتك إيه يا إلياس؟

_بيحصل إيه هنا؟ هذا الصوت الحاد جعل الأصوات تهدأ. اعتدل كلا من "إلياس ورائف" في وقفتهم احتراما لشخص "اللواء مندور" الذي احتدمت نظراته فورًا وهو ينظر نحو إلياس والمدعوة مكه مختبئة خلف ظهره. وزعق غاضبًا: _في إيه بيحصل هنا؟ استعد إلياس للإجابة لكن سبقه "رائف" شاكيًا: _يا أفندم، إلياس مش مخليني عارف أشوف شغلي. ودخل عليا المكتب وقطع التحقيق. نظر "مندور" باتجاه "مكه" لكنها انكمشت لا إراديًا خلف "إلياس". فسألها بصوت خشن:

_إنتي مكه؟ زاغ بصر "إلياس" عندما شعر أنها اختفت من ورائه. فتحرك لتظهر أمامه وتتحدث عن نفسها. وزعت نظراتها الخائفة بين إلياس واللواء ثم حركت رأسها بالإيجاب بالايجاب وهي تجيب بصوت مرتعش: _أيوا. زمجر بصوت جهور حاد كاد يخرق أذنيها: _بصي يا بت انتي، إنتي اسمك عمل لنا صداع بما يكفي وما بقتش طايق أسمع اسمك. فواحدة واحدة كدا عشان تخرجي من هنا وما أسمعش اسمك دا تاني ولو سمعته هقتلك. أردف سائلًا: _عايزة تخرجي ولا لاء؟

حركت رأسها على عجل وكأنها رأت طوق نجاة وسارعت بالقول: _أيوا عايزة أخرج. هدر اللواء بجدية وسط صمت الموجودين: _هتطلعي في برنامج تقولي إنك هربتي مع واحد بتحبيه لأن أهلك رفضوا. وإن أمن الدولة مالهوش دعوة بيكي خالص، بالعكس إحنا اللي رجعناكي. شهقت بصدمة وكأن سقط على رأسها دلو من الماء المثلج في ليلة شتاء باردة. وهتفت بعد استيعاب ما قاله: _أنا... إزاي دا بابا يموت فيها؟ لم يقدر اللواء صدمتها.

كان يريد إنهاء هذه القضية التي أحرجتهم أمام الرأي العام وزادت عن حدتها. فزعق مشددًا في كلامه: _ما هو يا كدا يا نخلي رائف يقنعك بطريقته. نظرت "مكه" باتجاه "إلياس" تستجدي عطفه وتستجير به في هذه الكارثة التي ستحل بأسرتها بالكامل. انتظرت منه التدخل لكن نظراته لها تخبرها بأن الأمر كان أكبر من سلطته. لكن لا مانع من المحاولة لإقناعها بشكل لائق وآدمي. فاستأذن بأسلوب مهذب: _بعد إذنك يا فندم، اسمح لي أنا أقنعها.

أشار له "اللواء" وهو يقول بضيق: _اتفضل أقنعها. واضح إن انت الوحيد اللي بتعرف تقنعها. هدر بحرج: _طيب يا أفندم. دقيقة لوحدنا. كان الطلب غريبًا على كل الطاقم. نظر له اللواء مطولًا وكأنه يقرأ نواياه ويتأكد من شكوكه بأن هذه الفتاة مختلفة بالنسبة له. دار على عقبيه لكنه قبل أن يتجاوز الباب التف ليذكره بصرامة: _ماشي. ما تنساش إنك راجل متجوز. *** في منزل (إبراهيم السباعي) كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

طرقات الباب المتواصلة والقوية جعلت قلب "خديجة" ينتفض. نادت على "مرام" بهلع: _مرام تعالي اقفي معايا نشوف مين. نهضت "مرام" رغما عنها بعدما سمعت هذه الصواعق التي سقطت على باب منزلهم. وقفت على أعتاب غرفتها. لكن سبقتها والدتها لتفتح الباب لتُصدم برجال بالزي الميري انطلقوا للداخل. فتراجعت "خديجة" على الفور وهي تسأل بفزع: _في إيه؟ تقدم "ريان" الذي تولى هذه المهمة خصيصًا.

نظر باتجاه "خديجة" التي احتضنت على الفور "مرام" بقلق من أي حدث جديد غير متوقع. لكن "ريان" أشار بإصبعه إلى أحد العساكر الذي يسد الباب. فتنحى ليأتي بـ "إبراهيم". كان في حالة مزرية للغاية. لولا هيئته المميزة ما كان "خديجة ومرام" تعرفا عليه بسبب هذه الكدمات التي انتشرت على وجهه ويداها المعلقتان في عنقه توحي بحجم الضرر الذي سقط عليه. صرخت "مرام" فورًا عندما تعرفت عليه وانطلقت نحوه: _بابا.

رؤيته بهذه الحالة كانت صعبة على كلا من إبراهيم وخديجة. استطاعت على الفور التقاط نظرة الانكسار في عينه. وضعت يدها على قلبها وانفجرت في البكاء وأصبح لسانها يردد دون وعي: _لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله. حالتهم معًا جعلت "ريان" يشعر بالحرج من نفسه ومقسمًا في نفسه أنه سيحاسب هذا الظابط المستهتر الذي رفع يده على هذا الكهل وأشعره بالمذلة أمام أسرته.

من جانب "إبراهيم" الألم الجسدي كان لا يذكر أمام الألم النفسي الذي لحق به. انهمر هو الآخر في البكاء وهو يتحامل على نفسه كي لا يسند ليسانده العسكري مع "مرام". وصل إلى أقرب أريكة وجلس. فسقطت "مرام" أسفل قدمه وسألته متوجعة لألمه: _مين عمل فيك كدا؟ لم يجيبها. أشاح بوجهه عنها حتى لا ترى دموع قهره الفائض. وخجلت من أن تطارده بالأسئلة. نهضت من أسفل قدمه وتوجهت إلى "ريان" الذي وضع يده في جيبه وأحنى رأسه عن المشهد

برمته وصرخت فيه بجنون: _عملتوا فيه؟ ردو عليا؟ إنتوا إيه؟ ما فيش في قلبكم رحمة؟ رفع رأسه ونظر إليها بحدة جعلت لسانها ينعقد. تعرفه ويعرفها. رأته من قبل في شقته لكنها جهلت أنه رتبة عالية. لقد عاملها بإحسان في منزلها. هتف بكلمات مبطنة: _إنتي أدرى. سكت برهة عندما لاحظ ارتباكها ثم استرسل بجمود: _الظابط اللي عمل فيه كدا هيتحاسب. المهم دلوقتي ممنوع يخرج من هنا ومكه هتكون عندكم. اسمها جذب اهتمام الجميع.

وترقب كلا من خديجة وإبراهيم أي جديد يثلج صدورهم. فرفعت "مرام" عينها إليه وسألته بتلهف: _مكه هترجع؟ حرك رأسه بإيماء قصير وأجابها: _متوقف على تعاونكم معانا. ومن هنا لما ترجع ما فيش خروج. ثم قال مشددًا حتى ينبئهم بخطورة مخالفة الأوامر والتعليمات: _في حراسة هتفضل تحت البيت. ما تجبروناش لا استخدام العنف. *** (إنت راجل متجوز) كلماته المقتضبة كان لها مغزى. فهمه "إلياس" على الفور وأوقد النيران في قلب "مكه".

أشار اللواء للباقين وخرجوا لتفرغ الغرفة إلا من "مكه والياس". أشار لها بالجلوس فأنصاعت على الفور. زفر انفاسه قبل أن يهتف: _مش كنتي بتقولي مش هتنادي عليا تاني؟ اديكي من أول قلم جبتيني على ملاء وشي. حملت نبرتها الغصة التي ملأتها من وقت دخولها هذا المبنى وحدها: _أنا ما اعرفش حد إلا انت. وبعدين أنا خايفة أوي. ما عملتش حاجة وانت عارف. حاول الإسراع في إقناعها رغم أنه يشعر تمامًا بما تعنيه. لكن الوقت ضيق

لا يتسع لمواساتها لذا هدر: _بصي يا مكه، للأسف إنتي حالتك مختلفة. إنتي بقيتي نجمة إعلامية. كله بيسأل مكه فين؟ فإحنا لازم إحنا نطلع قدام الناس نقول مكه أهي اللي انتوا اتهمتونا فيها. فهمتي؟ انتظرت انتهائه وإجابته بتفهم: _تمام. فأردف موضحًا بسلاسة: _ولما تطلعيلي لازم تقولي سبب مقنع. وانتي هتقولي إنك كنتي هربانة مع واحد. اتسعت عيناها ونفضت رأسها لتحثه على البحث عن فكرة أخرى غير هذه: _ما ينفعش بابا يروح فيها.

زفر بهدوء ومال بجسده ليضع رأسيه على ركبتيه وعينه تغيم بأسف على وضعها وقال بروية: _على فكرة يا مكه اللي يعرفك عمره ما هيصدق عليكي. فمعلش لازم خدمة صغيرة كدا للوطن. هتخسري أه بس هترجعيلي لأهلك بدل ما تفضلي في الحبس لحد ما الموضوع ينام. وساعتها الله أعلم هتشوفي أهلك امتى. صدقيني دا أحسن لك. وهترجعي تعيشي حياتك كأن مافيش حاجة حصلت. وإحنا ضمنالك شغلك. صاحت بتعصب لتوضح حجم المشكلة التي تشعر أنه يستهين بها: _شغل إيه؟

أنا ما هيبقى ليش عين أرفعها في حد بعد ما سمعتي بقت في الأرض. حافظ على هدوئه أمام تعصبها وهدر: _ما انتي كان لازم برضوا يا مكه تفكري في سمعتك وانتي بتطلعي ورايا. هنا امتلئت عينها بالدموع. فقد أدركت خطأها بعد وقوع تلك الكارثة. فهمست تؤيده بحزن عميق: _عندك حق، أنا غلطانة. مال عنقه ليخرج الإجابة من فمهها: _يبقى اللي يغلط يقول إيه؟ هتفت وهي تضع رأسها بين كفيها وتسمح لسيل دموعها بالخروج: _آسف. آسفة.

كان صعب عليه رؤيتها هكذا لكنه كان مجبرا على التخلي عن مشاعره مؤقتًا. وأردف بأسف: _والأسف بتاعتنا ما بتبقاش كدا. اطلعي قولي للواء إنك موافقة على كل اللي هيقوله. كفت دموعها ورفعت وجهها تنظر في عينه لتتوسله بـ: _بس. أشاح وجهه عنها حتى لا يسمح للشفقة بالتغلب عليه: _ما فيش بس. إما كدا يا أما هيسيبك للظابط رائف. وأقسم بالله لو اللواء مندور بذات نفسه حب يدخل ما هيسمح له. دا رائف وأنا عارفه.

نهض من مكانه حتى يوحي لها أنه لا رجعة فيما قرروه نيابة عنهما. فأوقفاته بنداء يأس: _استنى أنا عايزة أوعدك بحاجة. التف لها وسألها مستنكرًا: _أوعدك؟ أجابته وقد رسمت دموع عيناها خطوطًا على وجهها جعلتها تبدو كالرسمة البديعة يصعب إزاحة عينه عنها: _آه... اوعدني إن محدش هيضربني. ابتلع ريقه وهتف مغيراً نبرة صوته التي تأثرت كثيرًا بها: _إذا كان على دي اوعدك. هعلقك أي ظابط يفكر يمد إيده عليكي. مبسوطة يا ستي؟

حركت رأسها برضاء فلينتهي الأمر وتعود إلى عائلتها بعيدًا عن كل المشكلات: _آه. سحب نفسًا مطولًا وزفره دفعة واحدة وقال مبتسمًا: _آه لو ما كنتش متجوز يا مكه كان زمانا بقينا تيم زي الفل. رفعت وجهها له وقد أدهشتها كلماته. انتهت الرحلة ولم تنتهِ الأحاسيس التي اشتعلت في جانبيها تجاه هذه الشخصية. والتي ذابت عشقًا بها دون نجاة. وإن استطاعت النجاة من كل هذا كيف تنجو من الشعور الذي سيفقدها عقلها حتمًا. رأته يرمقها بنظرات

غريبة فسألته متحسبه: _إنت بتبصلي كدا ليه؟ حرك كتفيه بخفة وهو يهدر مخفيًا اهتمامه بها: _مش عارف. حاسس إني عايز أودعك بعد الرحلة السعيدة اللي كنا فيها. عمومًا أتمنى إننا ما نتقابلش تاني. صرت على أسنانها وهتفت باندفاع: _يكون أحسن. جعد جبهته وتسأل وقد استاء من إجابتها: _والله؟ ياريت ما تجيبيش اسمي تاني على لسانك وبلاش شغل العيال دا. حركت رأسها كالأطفال وهي تنفي وتؤكد بالقول: _مش هنادي. سألها غير مصدقًا: _وعد؟

سكت لبرهة لكن كان لابد من ذلك. هو ليس لها ولن يكون فلا داعي للتعلق بأحبال دائبة. همست رغما عنها: _وعد. لا يعلم لما يضيق صدره كلما وعدته أنها لن تناديه. لكنه هو الآخر لديه حياة لابد أن يعيشها. أشار بعنقه نحو الباب وهو يهدر بجدية: _خلاص اطلعى بقى على ما أجيب لك طقم على مزاجي عشان تعرفي إن مافيش زينا. على ما تحفظي السيناريو اللي هيتقال. حاولت أن تكون رسمية لعلها تخادع قلبها المجنون: _حاضر... حاجة تانية يا سيادة الظابط.

ألقى نظرة أخيرة لها وهو يودعها تمامًا وينتهي اسمها من حياته وأجابها نافيًا: _لاء شكراً يا مكه. انتهت قصتهم أو بدأت لا أحد يعلم الغيب. هما اللذان اشتعل معًا وانطفأ معًا دون ترتيب أو سابق إنذار. لا تعرف إن كان الأمر صدفة أو قدر أو خيال رؤائي مختل أو شيء خرافي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...