"فى منزل ابراهيم" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) هكذا رتل المأذون قبل أن يشرع في كتب الكتاب، موصيًا بكلمات عدة للزوج بحسن المعاشرة والصدق والالتزام. كل كلماته ذهبت سدى، فهناك اثنان لم يسمعا قط ما قيل، أعينهما في تحدٍ تزول منه الجبال. "إلياس وإبراهيم"
كلا منهما يقرأ الآخر بشكل خاطئ. يراه "إلياس" مجرمًا إرهابيًا يسعى لإفساد وطنه، ويراه "إبراهيم" جنديًا مستبدًا يتكئ إلى سلطته ليقتل الأبرياء بالباطل. يده ملوثة بالدماء، وقلبه أسود كالفحمة. هتف المأذون قائلاً: _حطوا إيديكم في إيدين بعض.
نظر "الياس" نحوه باستخفاف. لولا مكة لما كان فعلها. مهمته هي حماية وطنه وليس وضع يده مع مخربيها. أصعب ما في الأمر هذه الخطوة. مد يده وظل "ابراهيم" يحدق بها، متخيلًا دماء ولده "محمد" تقطر من يده. أطال النظر حتى حسه المأذون. هتف: _إيه يا أبو العروسة! حط إيدك في إيده.
بصعوبة شديدة رفع يده ليضعها في يده. تلقفها الياس وضغط عليها بشدة، وكأنه ينفس بها عن غضبه. وضع المنديل. لو كان الاختناق يأتي من اليد، لاختنق "ابراهيم" ومات. لم يتحمل. قبضت يده، وهذا الغطاء الأبيض الذي اعتلاهم يراه يغرق بالدماء. أملى المأذون قائلاً:
_نستغفر الله العظيم.. نستغفر الله العظيم.. نستغفر الله العظيم. تبنا إلى الله ورجعنا إلى الله وندمنا على ما فعلنا وعزمنا على ألا نعود إلى المعاصي أبدًا، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام. قول يا "عريس" ورايا. امتثل لأمره "الياس" وهتف ورائه: _إني استخرت الله تعالى لتزوجني ابنتك الآنسة (مكة إبراهيم السباعي) أردف المأذون: _البكر الرشيد لنفسي وبنفسي على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله.
استقبل آخر جزء بابتسامة. أخيرًا سيحصل على مبتغاه: _البكر الرشيد لنفسي وبنفسي على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله. التف إلى "ابراهيم" ليمليه: _قول يا "أبو العروسة". _وأنا زوجتك ابنتي (مكة إبراهيم السباعي) على كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم -، وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا. سارع يردد ورائه بأنفاس ثقيلة، وكأنه يريد الخلاص من الأمر قبل أن يختنق:
_وأنا زوجتك ابنتي (مكة إبراهيم السباعي) على كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم -، وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا. قول يا عريس: كانت جملته الأخيرة ليهتف بها بانتصار، فرحًا بما وصل إليه: _وأنا قبلت منك زواجًا. ليهتف المأذون وهو يرفع المنديل عن يدهم قائلاً: _قولوا كلكم ورايا: بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير. ليردد الحاضرون بـ:
_بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير. المأذون: _الشهود فين؟ وضع كلا من "ريان" واللواء "مندور" بطاقتهما على سطح المكتب. نهضوا ليحتضنوا "إلياس" بفرح مباركين. أولهم كان "ريان" الذي صمم على الحضور والشهادة، قائلاً بسعادة: _الف مبروك يا. تبادله "الياس" الحضن وهو يهتف: _الله يبارك فيك يا حبيبي، عقبال ما نفرح. تركه ليحتضنه اللواء "مندور" قائلاً بابتسامة متكلفة:
_مبارك يا إلياس. ما تطولش في الإجازة، المبنى كله ما بيبقلوش طعم من غيرك. احتضنه إلياس وهو يجيبه بسعادة بالغة لحضوره بنفسه لهذا الزواج: _حاضر يا أفندم.
التف ليوقع العقد. مال بجذعه ونقش اسمه بفخر وانتصب. ليلاحظ "ابراهيم" في زاوية المنزل دموعه تنهمر ويفشل في إخفائها. كلما غطا واحدة، خانته الأخرى. اتخذته العاطفة ليقترب منه ويهنئه في النهاية. هو إنسان يهب قطعة من قلبه لرجل لم يعرف عنه الكثير. يقدر موقفه، لكنه أبدًا لن يزيل عنه أسباب الحزن. فهذا انتصاره الذي انتظره من مدة. فتح ذراعيه ليجذبه إليه قائلاً بنبرة جامدة: _الف مبروك.
رفض ضمه إليه وأشار بكلتا يديه بالتوقف. ليس لديه قدرة ليضمه. حميمية مزيفة. يكفي تزييف. اقترب منه ومال برأسه وهو يهتف بشحنة من الغضب: _أخدتها غصب عني وغصب عنها. وأحب أقولك إن الغصب ده بداية هلاكك. تراجع للخلف لينظر في عينه، لكن "الياس" لم يعطِ أي تعبير. ارتسم الجمود وهو يطالعه. حتى تحرك من أمامه، لتظل نظرته جامدة أمام هذا الباب الذي فتح في هذا التوقيت. وخرجت "مكة" منه.
وجدت نفسها على فجأة أمامه مباشرة، وكأنما جاء ليأخذها من غرفتها. ارتجفت فور رؤيته. ونظرته القاتمة هذه جعلتها تهابه أكثر. رمقته بتوتر وهي تكاد تذوب في جلدها. ابتسم أخيرًا، مادًا يده بلطف: _مبروك يا مـــكـــه.
ودت في هذه اللحظة أن تستدير على عقبيها وتركض فارّة منه إلى آخر العالم. كل ما رأته في الحلم تحقق، لكن بشكل معكوس ومدمر. رفضت وضع يدها في يده وتجاوزته. عندما ناداها والده لتوقع على العقد، فزفر بيأس من هذه الزيجة التي لا ترضي الجميع، ولكنها أرضته هو. وهو يكتفي برضاه.
خرجت والدتها من خلفها تنظر إليه بلوم، ووقفت في قبالة. حاول الابتسام لها، لكن كل شيء حوله كان يدفعه للعبوس. برغم أن "خديجة" لا يشعر حيالها بأي سوء مما يشعر به تجاه "ابراهيم"، لكن ما يحدث في ظروف سيئة قد يهلك العلاقات. قالت له بنبرة تحمل لومًا وعتابًا: _الف مبروك يا سيادة الظابط. حرك رأسه وهو يجيبها باقتضاب: _الله يبارك فيكي. طالعت ابنته وهي توقع على عقد الزواج بأصابع مرتعشة، ونظرت نحوه وهي تهتف محذرة:
_إوعى تستقوي عليها. ربنا على القوي. ضم حاجبيه بدهشة من تحذيرها، لكنها لم تعطِ له فرصة إجابة. لتستأنف وهي تلوح بوجهه: _إعــــدل... ربنا ما يرضاش بالظلم. كان يريد الهرب من كل هذا اللوم. يعلم أنه سيظلمها، بل إن الزيجة كلها لو اعتمدت على العدل لأصبحت باطلة. تريس بداخله حتى يهديها إجابة دبلوماسية لا تعتبر وعدًا ولا تبعث القلق أكثر مما يعاني. فلم يجد أمام كل هذه النظرات المشككة سوى كلمة واحدة: _دعـــواتـــك.
قالها ودار على عقبيه. لكنها أوقفــته من جديد لتهتف بنبرة متوسلة: _خليها تكلمني كل يوم. نفض رأسه بيأس، وكأن ابنتهم ستغادر مع وحش. الوقت لم يتسع له لشرح أكثر، فهو يريد الانتهاء حتى يتركهم للاحتفال بزواج "عدي". وقفت "مكة" أمام والدها الذي أهداها سوارًا باهظ الثمن دون أن ينبس فمه بشيء. فما زال يتحاشى النظر إليها وكأنها محرمة عليه. أمسكت بيده وهي ترجو رضاه قائلة: _أنا متشكرة يا بابا.
لم يتجاوب معها وهم ليستدير، لكنها تحركت لتقف بوجهه وعيناها تلمع بالدموع: _ربنا وحده اللي يعلم أنا وفقت ليه. ما تظلمنيش يا بابا. زفر أنفاسه مطلقًا معها آه متوجعة. فقلبه المريض لا يتحمل كل هذا الضغط. نظرة الانتصار في عين إلياس كانت تذبح ضعفه وتطعن عجزه، حتى أصبح منهكًا، لا يقوى حتى على النظر في عين ابنته. هتف ليفلت من هذا الاجتماع بكلمات لائمه: _أنتي اخترتي، يا رب اختيارك يبقى صح واحنا اللي غلطة.
هذا كل ما قاله قبل أن يهرب منها ويحل محله "الياس" الذي أراد هو الآخر الهرب من هنا. تبطأ ذراعها "الياس" وتوجه نحو الباب. كانت تُساق معه دون تركيز. كل ما برأسه عائلته. تعجل خطواتها دون وعي. فليبتعد عنهم وكأنها شاه تركت نفسها فريسة حتى لا يتأذى ولده.
من جانبه هو، كان طائرًا. لم يكن يعرف أن ارتباطه سيجعل قلبه يرقص بهذا الشكل، أو أن العشق جميل إلى هذا الحد. وكأنه يحلم. رفع يده الطليقة ليمسك بيدها التي تعتلي ذراعه، قابضًا بلطف. هذا التصرف كان بمثابة ومضة أنارت كل الظلمة بداخله، لكنها أبدًا لم تطمئنها. تجاه كي تطمئن تحتاج الكثير. ومع انتهاء خطواتها على الدرج، علا صوت المزمار البلدي وقرع الطبول. اتسعت عيناها وهي تشاهد هذه الفرقة بالحصنة تجول الشارع. نظرت نحوه
وكزته في يده وهي تهتف: _إحنا ما اتفقناش على كده. _دي إحتفـــلات الـــنـــصـــر.
غمزلها تلك الغمزة التي تجعلها تذوب. يفعلها بطريقة مدهشة. ذلك الذي لا يلين لأحد. رأته في أشرس حالاته وهو يجز على أسنانه. كوحش ضارٍ لا يعرف الرحمة. رأته عندما كان يطلق النار على أعدائه. القاسي المتهجم البربري الذي أتى من الجحيم. يشاكس بعيناه الساحرة. إنها حقًا معجزة. المرأة لا تغرم بالرجل ضعيف الشخصية، ولا بالقاسي المستبد. تغرم بالقوي الذي لا يلين إلا لأجلها فقط.
في ثواني شرودها، كان انسحب من جوارها ليمسك بالعصا يراقص صديقه "ريان" بإتقان ويلتف حولها. متعمدًا صوت الطبول والمزمار، يبعث بهجة قوية في الأوصال، وهو بنفسه يقدم عرضًا. كانت حقًا مجبرة على الفرح، على الأقل من داخلها. لم يحرمها من حفل الزفاف حتى ولو كان بهذا الشكل البسيط العفوي.
لوح بعصاه في الهواء وراح يغدو ويروح إلى جوارها، وكأنه طير شريد، معبأ بالكثير من المرح. رفع العصا على جبينه ومال بظهره للخلف ليدفعها إلى كتفه بتركيز. ومع كل حركة، كان يزداد قرع الطبول وتهاليل أصدقائه الفرحين به.
شاهدت كل عروضه وقلبها يتقاذف معه. ما زالت لا تعرف ماذا عليها أن تفعل معه. قلبها يعشقه، وعلقها لازال يرفضه ويلومه، خاصة بعدما نظرت باتجاه والداها ونظرة الضيق التي يرمقه بها. تعود الخيبة تسكنها ويتحول فرحها مأتم. الحيرة التي تغزوها كبيرة على استيعابها. لكن رؤيته الآن يمتطي حصانًا استطاعت أن تخرجها من كل هذا. بقيت مشدودة وهي تشاهده كالفارس المغوار يرقص بالحصان. من يراه الآن لن يصدق أن هذا الذي لم يصدق الخرافة، الغير مقتنع بالأساس أن هناك شيئًا اسمه زواج أو فــرح.
"فى فيلا عدى"
تركت "تمار" أخيها بعدما اطمئنت أنه سيخرج في أبهى صورة. غاصت في خزانته لتخرج فستانًا يليق بهذه المناسبة. لسوء الحظ، السرعة وعدم التخطيط لم يمكنها من شراء جديد، لكن ليس هناك مشكلة، فهي تمتلك الكثير لم ترتديهم من قبل. وأثناء انشغالها بالامر، تصاعد رنين هاتفها. أخيرًا ظهر اسمه على شاشة هاتفها. طالعته بعيون متسعة غير مصدقة. حاولت تهدئة نفسها والمحاولة على الحفاظ على نبرة صوتها وأن لا تظهر متلهفة لهذا الاتصال الذي اعتقد أنه لن يأتي.
فتحت الخط لتسمعه يسأل بهدوء: _بتعملي إيه؟ أجابته وهي تنظر إلى خزانتها بملل: _بجهز فستان للفرح. وصل إلى مسامعها ابتسامة قصيرة تبعها بـ: _وعلى كده عندك فستان فــرح؟ خفق قلبها بشدة وكادت تقفز من مكانها من شدة الفرح. هذا يعني أنه وافق وسيأتي ليتمم الحفلة. تلعثمت وهي ترد بتشتت: _إيه؟ يعني تقصد إنك..... قاطعها بجدية وحنان: _أقصد إني بحبك وما أقدرش أتخلى عنك، وإن الليلة هتبقى ليلة فرحنا.
تسارعت أنفاسها، عيناها تلمع بسعادة. قلبها لا ينبض بل يقفز كالمجنون. تداخلت الأفكار والأسئلة وهي تغدو في الغرفة دون هدف، وهدرت بلوم متلاحق: _ليه ما قلتش؟ أنا هجهز إزاي الفرح كمان ساعتين؟ مش هلحق أعمل حاجة...... قاطعها بضحكات عالية على سيل كلماتها وفرط حماسها. فانتظرت سماعه بعدما صمت ليخبرها بنبرة مفعمة بالفرح والجنون: _أنا جهزت كل حاجة. أومال أنا كنت مشغول فين طول اليومين اللي فاتوا. لم تتسعها الأرض فقفزت
بمرح وهي تصيح بانتصار: _yas……yas……yas……yas…… ازدادت ضحكاته وهو يتخيلها في هذه السعادة، حتى أنه كاد ينسى أن يحذرها. فعاد إلى رشده ليخبرها بتشديد: _اسمعي كويس. إوعي أبوكي يعرف. أنا مخصوص عملت نفسي مش موافق عشان عارف إنه هيخترع ألف حجة بعد كده. عدي يمشي، وانتِ هيجيلك الفستان والماكير وكل اللي تحتاجيه. جهزي، هاخدك وندخل عليهم الفرح ونحطهم قدام الأمر الواقع.
بعدما أنصت إلى أوامره، توقفت عن الحماس وراودها القلق حيال موقف والدها، فسألته بتردد: _يعني أنت متأكد إن بابا مش هيعارض؟ أكد لها وهو يطمئنها: _ما تقلقيش. الموافقة كانت مرتبطة بأني أقبل الشرط اللي حاطه، رغم إني عارف إنه حاطه غلاسه، ومُتأكد إني مش هوافق، لكن وافقت مؤقتًا لحد ما هو يزهق مني ويخلينا نستقل بكامل إرادته. زفرت بملل وهي لا تعرف موعد لانتهاء هذه الحرب بينهم. عاد "ريان" ليمازحها بعد شعوره بتوترها:
_يارب بس ما يحكمش علينا نبات معاه في الأوضة. انفلتت منها ضحكة رغما عنها. فزفر بارتياح. أخيرًا ستنهي قصتهم بالزواج، أخيرًا سيرفع راية انتصاره على أرضه ويظهر للعلن أنها ملكه. هتف محملًا نبرته بالحب: _هتبقى أحلى عروسة، وهيبقى أحلى يوم. وهتبقى كل يوم في عيني عروسة جديدة. مبروك يا عروستي يا عشقي. "منار وشريف"
خرج من الحمام جسده يقطر ماء، لكنه لم يهدأ. شعور الاشتعال الذي نشب بداخله. حرك يده على ياقة قميصه وهو يتقدم إلى الغرفة، ومن ثم فك أزراره واحدًا تلو الآخر حتى انتهى. خلع قميصه بالكامل وجفف جسده وبدل ملابسه. رأسه كانت مشغولة بها. في كل يوم تتعقد علاقتهم، حتى زادت العقد، وبقي لا يعرف متى سيرتاح. متى ستبادله الحب الذي يكنه لها. لكن هو لن يتراجع، سيحاول وسيحاول ولن ييأس. "منار" زوجته بالفعل، والقادم سيكون جيد.
اتجه نحو ملابسها وأخرج لها ملابس عبارة عن بنطال وجاكت دون أزرار ذو لون رمادي. تحرك نحو الحمام وطرق مناديًا: _جبتلك الهدوم. بالداخل كانت تجلس أسفل الماء، ضامة يدها حول قدميها بسكون غريب، وكأن لا تشعر أساسًا بالحياة. تكرر ندائه: _منار.
فاضطرت أن تنهض من جلستها. لن تسمح له بالدخول. تحركت صوب الباب تاركة المياه كما هي وفتحت الباب لتلتقط منه الملابس. وقعت عينه في عينها، فأزاحتها سريعا بغضب. ما فعله مها جعلها لا تطيق النظر إليه. أغلقت الباب سريعًا قبل أن يفتح فمه. دقائق معدودة وخرجت. كان يجلس أمام طاولة الطعام الصغيرة في انتظارها. تحركت من جديد نحو الفراش وكأنها لم تراه. فناداها بحده، أمرًا: _تعالي كلي، وبعدين اعملي اللي انتي عايزاه.
التفت إليه وقد ضاق صدرها من أوامره. بأي وجه يأمرها وهو خانها مرتين ودمر ثقتها به. وجدت نفسها تهتف دون أن يرف لها جفن: _طــلــــقــــني. رفع عينه في عينها، منذرًا إياها بالتمادي. يعرف أنها غاضبة منه، ومهما كان، لن يسمح لها بالتجاوز في الغضب. ثوانٍ كان يتحاربان بالنظرات، حتى أوشك الصمت أن يتملك زمام الأمور. انتظرت إجابته، لكنها رأت العند بعينيه. فأردفت:
_أنا مش عايزة أعيش معاك. أنت عارف إني كنت بعتبرك أخويا الكبير، وإنت خذلتني. أنا عايزة أرجع بيتنا وأكمل حياتي لوحدي. حك أسفل ذقنه بتمهل وتصنع البرود. هو يتشدق بسخرية: _إحــــلمي. إحــــلـــمــي. وإيه كمان؟ تجاهلت سخريته واسترسلت: _أنا هخلص دراستي وهسافر، ومش عايز ارتبط بيك. نهض من مكانه بعصبية وصاح بحنق من مبالغتها في الأمر: _خلصتي حلم ولا أسقعك قلم يفوق من أحلام اليقظة دي؟
خط باتجاهها، ولم تبدِ أي انزعاج من غضبه. بل كل انفعالاته كانت مستعدة لها. استقر أمامها وأردف بضيق: _وإيه خذلتك دي كمان؟ من امتى وأنا بخذلكك؟ هتفت وقد انتابتها غصة مما فعل: _أنت خبيت عليا كل حاجة. اتصرفت كأني مش موجودة ولا ليا رأي. ضم أصابعه ونقر بها على رأسه وهو يصيح بانفعال: _أنتي ما بتفهميش؟ غبية! قلتلك أمك اللي ما كانتش عايزة تعرفك، مش أنا. ردت عليه وقد انهمرت في البكاء وتساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى:
_واللي بتعمله دلوقتي؟ وضحك عليا عشان نتجوز؟ أجاب وقد اشتط غضبًا: _هو أنا ضحكت عليكي يا حماره؟ أنا بحبك. نفضت رأسها رافضة ذلك وصاحت: _أنت كنت عارف إني مش هوافق أبدًا إني أتجوز. أنا مش عايزك تعاملني كدا. أنا وفقت بيك وأمنتلك عشان كنت بأعتبرك أخويا. أنت استغليت ده لمصلحتك. استغليت إني مش هرضى بأي حد غيرك. أنت ضحكت عليا وفوق كدا اتصرفت معايا وكأن يحقلك تعمل دا. أنا إنسانة، أنا حقي أرفضك أو أقبلك.
عيونه كانت مسلطة عليها بدهشة. نعم، هو استغل ثقتها وجرفها للزواج به دون أن يسألها بشكل مباشر إن كانت مستعدة أن تكون زوجة وتعطيه كل الحقوق. لقد تلاعب بها لمعرفته التامة أنه لن ترضى بهذا. لا ينكر، استخدم وساطته وقرابته بها لتكون معه، لكن لن يسمح لها برفضه. وأن وصل الأمر لنهرها. أجاب وهو يشير نحو نفسه:
_أنا بحبك، وإنتي بتحبيني، وأنا واثق من ده. بس إنتي اللي مش عارفة تفرقي بين الحب الأخوي وبين مشاعرك الحقيقية اللي انتي خنقها ومش مديها مساحتها. استدارت عنه وقد نال منها الإنهاك. نعم، تحبه، لكن تصرفاته الحميمية الأخيرة جعلتها تشمئز منه. صاحت بضيق: _أنت قلتلي إنك هتجوزني عشان أكمل تعليمي، ودلوقتي طالب حاجات فوق طاقتي وبتدعي إنها موجودة. أنا ما عنديش قابلية لكده. هتف بإحباط وهو ينفض رأسه:
_حرام عليكي. هو انتي ما اتعلمتيش في الحقوق أي عدل؟ ردد عليه وهي تمسح دموعها بعنف: _أنا قلت اللي عندي. أنا ما أنفعكش. اقترب منها وأمسك كتفها بحنو. ما زال مستعدًا ليمنحها حنانًا لا آخر له وحبًا لن يتكرر مهما غضبت منه وتشاجرت، فهي تظل ابنته البكرية وحبيبته الأولى وزوجته التي لن يبدلها. _مين قال إنك ما تنفعيش؟ مــافــيــش فــي واحــدة في الدنيا تنـــفــعــنــي غــيــرك. بلطف شديد أدارها إليه واسترسل بابتسامة أمل:
_تحبي تجربى أوريكى قد إيه إنتى بتحبينى وأنا بحبك؟ ضمت حاجبيها بعدم فهم وهي تسأله بحده: _أنت تقصد إيه؟ هتف بوضوح وهو يحافظ على ابتسامته: _موضوع إني أطلقك ده مــــســـتـــحـــيــل. طــلــعــيــه مــن دمــاغــك. _نعيش زي ما كنا، يا نعيش زي أي اتنين متجوزين في تبات ونبات ونخلف صبيان وبنات. ظهر الاعتراض على وجهها وهمت ترفض، لكنه أسرع بوضع سبابته على شفتيها برفق وقال بتلاعب:
_ما تجاوبيش. سيبى اللي جواكي ياخدنا للاختيار الصح. وتأكدي إن مفيش حاجة هتمشي إلا برضاكي. "فى شقة إلياس"
ليلة مميزة بكل تفاصيلها وصورها لا تمحى من الذاكرة، سواء بالخير أو بالشر. لكن بالنسبة لها، هي لا تشعر بشيء. لقد خطفت من أهلها غصبًا، حتى وإن كان قلبها يميل له، فكرة أنها مجبرة على الزواج منه جعلتها تكره الليلة التي نامت فيها ورأته بأحلامها. كل حواسها في حالة ثبات. تسمع نبض قلبها بأذنها، لكنها لا تشعر بالحياة. فقدت الإحساس والتجاوب، ولا تشعر سوى بأنها باردة كجثة في ثلاجة الموت. منذ أن خطت بقدمها منزله.
على النقيض تمامًا، كان هو كتلة من النيران المشتعلة والحماس. شعور بالنصر يغمره لظفره بها بعدما أذهبت النوم من عيناه لأشهر، وسلبت لب عقله وراحة قلبه. أخيرًا هي معه، ملكه مكتوبة باسمه. لا يحول بينهم حائل، لا ظروف، ولا أسباب. هي وهو فقط. أخـــــيـــرًا قد سمح الزمان.
خطى نحوها بتعجل، وهي توليه ظهرها. ليمرر راحة يده على كتفها بعد سكونها لثوانٍ دون أن تخرج أنفاسًا. استوحى بثبات قدمها على قيد الحياة، لكن من أثر لمسته انتفضت فورًا وكأنه مس كهربائي. ابتعدت ودارت على عقبيها حتى كادت تتعثر في طبقات فستانها الرقيقة. قبض هو حاجبيه معلنًا دهشته من نظرة التحدي التي بزغت في عينها فورًا، وهي تسأله بحده: _إيه.. عايز إيه؟ مط جانب فمه وهو يرد عليها ساخرًا: _إيه اللي عايز إيه؟
أفضى بسؤال آخر أكثر سخرية: _انتي مجنونة يا بنتي ولا إيه؟ مش ده كان حلمك من الأول؟ أخيرًا اتحقق وبقيتي رسمي حرم إلياس النشامى. انتي واصلة. أردف وهو يفرد أصابعه أمام كتفه: _وأبصم بالعشرة دول. تقدم نحوها من جديد، لكنها صاحت بعد صمت: _مكانك... خليك مكانك. عاد من جديد للوجوم وفضل السخرية عن اتخاذها على محمل الجد، وهدر: _إيه مش فاهم؟ هتولعي فيا مثلًا لو قربت؟ عاندها واستكمل طريقه إليها، حتى صاحت هي من جديد بتعجل وبإرتباك:
_مش نفذت رغبتك؟ أجابها ببرود صدمها: _الحقيقة مش كلها. هدرت بصوت مبحوح وقد تشتت بين الضعف والقوة، وبات قلبها وعقلها في صراع جلي: _ما بقاش عندي حاجة تانية أضحي بيها. هتف مستنكرًا بضيق: _تضحي؟ إنتي مسمية جوزك مني تضحية؟ يبقى لازم أرجعلك عقلك مكانه. يظهر عليه طار من الفرح.
اختصر الطريق بينهما بخطوة. وتراجعت هي حتى أصبح لا مفر من الهرب. أسند ذراعيه على الحائط خلفها بحركة هيمنية لم تكن جديدة، لكن منه هو تحديدًا كانت أشد رهبة. اقترب منها ليهمس بنعومة على وجنتها الحريرية: _مش كنتي قولتي إننا اتجوزنا وخلفنا ولد في أحلامك؟ أهو أنا نفسي أجيب الولد ده. ابتلعت ريقها وبدأت في تسارع أنفاسها المتلهبة وقلبها الذي يرفرف كالعصفور. تشدقت بغصة: _أنت متجوز؟ ممكن يكون عندك أولاد كمان؟
أردفت بيأس: "مش كل الأحلام بتحقق." لم تجرؤ على أن ترفع عينها إليه، لكن سمعت صوته شهيقًا يعلو وهو يهتف بمراوغة: _مــيــن قــال؟ إحنا على بعد خطوة من تحقيقها. رفع نفسه عنها ليمد يده بجوار خصرها ويضغط على شيء ما خلفها. اتضحت أنها القابض الخاص بباب غرفة. لم تعِ ما قاله إلا بعدما اختفى ما استند به ظهرها، وترجعت رغما عنها حتى كادت تسقط للخلف من هذه المفاجأة. لكنه لم يسمح بذلك، حيث احتضن خصرها بكفيه.
نظرت في عينيه تلك اللحظة، وياليتها ما فعلت. سقط قلبها سهوًا. كيف تقاوم اقترابًا وشيكًا كهذا من رجل كانت تعشقه. حلمًا لم تستطع المقاومة أكثر من ذلك. إن ظل ينظر إليها بهذا الشغف المطل من عينيه التي تشبه الفضاء الخارجي. خفق قلبها بشدة حتى بات تسمعه بأذنيها، لكن عقلها المجذوب تدخل ومنعه من أن يلتقط تلك القبلة الوشيكة وأصدر أمرًا حاسمًا. فتشنجت وهي بين يديه في محاولة لتحرر. نفخ بصوت مسموع وأرخى يده عنها ثم هدر بحزم:
_إعقلي بقى. أنا حذرتك قبل كده من إنك تمانعي أو تعارضي. لاحظ اهتزاز مقلتيها بخوف، فتمالك غضبه وهتف بهدوء عكس ما يضمره: _أنا هديكي فرصة خمس دقايق تدخلي تغيري وتهدي نفسك. يا تبقى الليلة دي ذكرى حلوة بينا للأبد. احتدم من جديد وهو يسترسل بغضب جارف: _تبقى ليلة سوداء عمرك ما هتنسيها. لم يترك لها الخيار أو حتى الرد، بأن أوصد الباب بينه وبينها. "فى الفندق"
وصل "عدى" وتحرك نحو الغرفة التي تتجهز بها "مرام". قلبه يدق بسرعة تفوق سرعته الطبيعية، وهو يراها بفستانها الأبيض تحيطها هالة من نور. كل من بالغرفة كان بانتظار هذه اللحظة إلا هي. "مرام" حتى آيات الذكر اختفت من رأسها. شعرت بالبرودة رغم لطف الجو، لكن كلما رأت أقدامه من أسفل تلك القماشة الشفافة التي أسدلتها المزينة على وجهها، تشعر وكأنها تهوي إلى الظلام. الجميع هنا، لكن هي تشعر أنها وحدها، والرياح تهب من كل مكان لتجرفها نحو فوهة حفرة سحيقة ليس لها آخر.
انتفض فجأة من أثر زغرودة أطلقتها إحدى الفتيات، فأشار لها "عدى" بأن تتوقف. كان يشعر بها ويفهم كل ما تخفيه، حتى عن والدتها التي تقف خلفها مباشرة. من بعيد، أمسك طرف الطرحة ليرفعها عن وجهه. تطلع إليه وفرحته تزداد: _ما شاء الله تبارك الله.
لم يقبلها قبلة على جبينها كما طلب منه المصور. لا يحرجها ولا يظهر ضعفها للعلن، فهي أصبحت جزءًا منه، بل وجزء حساس واجب ستره عن الكل. ثنى ذراعه وهو ينظر لها، محفزًا أن تضع يدها بيده ومطمئنًا إياه أن كل الأمور ستكون بخير.
ببطء شديد وضعت يدها على ساعده. كانت تشعر بالأرض تميد بها وهي تلمسه. تشعر بشوك مسنن أسفل يدها، لا قطعة القماش الناعمة الخاصة بستترته. خرج إلى الجماهير التي تنتظرهم ليطل عليهم "عدى"، فتى الميديا الأول ونجم عائلة "الألفي" المضيء. الجميع كان بانتظار رؤية عروسه المحظوظة، والتي من الممكن أن تموت بالحسد هذه الليلة.
وفور ظهوره أعلى الدرج المزين بالورود، يده في يد عروسه بتلك البدلة التي أعطته وسامة إضافية. شهقن الفتيات وكدن يقعن في إغماء مفاجئ. مجرد ضياع هذا الفتى الذي لا ينقصه شيء من يدهم تصيبهم أزمة. الثراء والجمال والشخصية الخرافية.
نظراتهم رأتها "مرام". رأتهم جميعًا. الإعجاب يسيل من أعينهم. تناقل بصرها بينهم، لا تصدق حسنهم وثرائهم الذي لم تكن هي على قدر ضئيل حتى منه. تجاهلت الموسيقى التي تصدح في الأرجاء وكل ما يدور حولها، وأدارت رأسها لتنظر إليه لتطالعه بدهشة اختفت فورًا عندما وقعت عينها. شردت به. الجمال لم يكن منصفًا حينما انصب عليه وحده، تاركًا قلوب العذارى تحترق من أجل رجل واحد. تخلى عن الجميع ليختارها هي. ولما؟
كررت السؤال في نفسها وهي توليه وجهها. انتبه لها، فنظر إليه هو الآخر مبتسمًا، ابتسامته الآخاذة صاحبة الرضا فقط. من تنالها، وجدت نفسها تسأل دون إرادة بصوت هامس: _لــــيــــه انــا؟
صوتها الهامس وكل الصخب الذي يمنع صوتها من الوصول إليه. ظنت أنها لن تسمعه أبدًا، وسيبقى إجابة سؤالها مجهولة للأبد. لكن "عدى" كان يقرأ عينيها جيدًا، يلاحظ همس شفتيها ويقرأه دون أن يسمعه. فالمده الماضية في التعامل معها اعتاد عدم الاعتماد على سماعها، وتعلم لأجلها قراءة الشفاه، بل شفاها هي فقط. مال برأسه واقترب من أذنها ليعلمها بصدق: _عـــشـــان قــلــبــى مــا دَقـــش غــيــر لـــيــكــى.
ابتعد عنها ليؤكد بعينيه ما قال، وليتأكد من أنها استمعت جيدًا لما قال. ابتسم عندما رأى تعبير وجهها وكأنها على وشك إغماء. اتسعت ابتسامته وأرخى ساعده ليمسك بأطراف أصابعها. حرك أصابعه على أطــرافــهــا، وإنــصــاع الــقـــلــب وكــأنــه تــلاعـــب بـــنـــبـــضــه. " منار وشريف"
طلب "شريف" من منار الخروج من الغرفة والنزول للاجتماع مع العائلة التي انقطعت عنهم كل هذه المدة. أمسك يدها وخطى بها الدرج خطوة خطوة. لا تزال هي مأخوذة من الحالة التي وضعها بها شريف، والإضراب والتخبط يفتعل بها الأفاعيل. فور سماع قرع أقدامهم جذب انتباه كلا من "ورد وماجدة" الذين ملتفين حول طاولة الطعام. هتفت ماجدة متهللة: _أهلاً. أخيرًا عرفت تخرجها.
كان سعيدًا بما وصل إليه مع "منار"، حتى ولو كان ليس كافيًا، لكن إقناعها يستحق الاحتفال. رد عليها مازحًا: _معقول يا أمي بتشكي في قدراتي؟ أنا مسيطر على طول. انتهى بجملته بالوقوف أمام الطاولة، فأسرعت "ماجدة" بدعوتهم للانضمام معهم على الطاولة لتهتف: _اقعدوا كلوا معانا بقى. نظرت إلى "منار" وأردفت: _أنا مبسوطة إنك قدرتي تخرجي ورجعنا نشوفك.
ترد اكتفت بالإيماء. استجابت فقط لدعوتها وكأنها لا تقوى حتى على الحديث. فشريف عصف بكل ذرة عقل في رأسها. هتفت "ورد" وهي تبتسم وتنظر لشريف: _والله شريف طلع مش سهل. ابتسم لها "شريف" ورد عليها مشاكسا: _إن شاء قريب هتتأكدي من ده. بدأت "ماجدة" بغرف الطعام وهي تهدر بسعادة: _والله اللي نفسي يبقى قريب تجبلنا حتة عيل بقى.
اتسعت عين "منار" على الفور وانصبغ وجهها بالاحمرار، وهذا ما جعل "ورد" تندهش من متى "منار" تنصبغ بالاحمرار وتلاحظ أي تلميح. من الواضح أن علاقة شريف بمنار بدأت تتخذ وضعها الصحيح. رد شريف بغير مبالاة وهو يلتقط ما قدمته: _إدوني أنتم بس فرصتي وأنا همللكم الكوكب ده عيال. قدمت "ماجدة" الطبق الآخر للمنار:
_ربنا يرزقك يا حبيبي، والله يا منار ده من عيني. مش هدخل بقى وأعمل زي الحماوات. أنا ليا حفيد ألعب بيه، وانتِ خدي راحتك على الآخر كأنك ما خلفتيش. نظرت إلى الطبق وادعت الانشغال بالطعام رغم عدم رغبتها أساسًا بتناوله. أخفت خجلها وتوترها بهذا. أي طفل تريد خالتها، وهي أيضًا طفلة تحتاج إلى كل ما يحتاج الأطفال من حب وحنان واحتواء وتفهم، وإلى التفهم أكثر من أي شيء. "مكه"
لم يكن أمامها خيار سوى أن تنفذ ما قاله، ليس رضوخًا، لكن حقًا كانت تريد التخلص من هذا الفستان. بدلت ملابسها وارتدت من خزانتها المصفوفة بالملابس الأكثر حشمة. قطعة تشبه القفطان ذات أكمام مزينة وكذلك الخصر والذيل بنوع من الخرز اللامع الذي يعكس الضوء مع لونه الفيروزي الهادئ أعطاها هالة من الجمال أخفت كل الإرهاق والتعب الساكن أسفل عينيها الذي سببته الأيام الخالية.
اتجهت صوب الباب دون تفكير كي تخرج إليه، لكن في آخر لحظة قررت الهروب. أدارت المفتاح وأغلقت عليها جيدًا من الداخل. "ألياس" لم يتحمل الانتظار أكثر من ساعة، غدا فيها الشقة ذهابًا وإيابًا. خلع رابطة عنقه وكذلك الجاكت وحرر بعض أزرار قميصه العلوية بعدما نال منه الضجر. نادى بصوت جهور: _اتأخرتي.
لم يسمع لها إجابة، فساورته الشكوك حول نيتها بالاختفاء في الغرفة، فاتجه إلى الباب ليتأكد من شكوكه. حاول عدة مرات فتحه دون إذن، لكن صدق ظنه، لقد أغلقت الباب بينها وبينه. دق الباب بعنف ونادى من وسط طرقاته: _افتحي. انتظر إجابتها، لكنها ارتجفت خلف الباب بعدما اتخذت قرارها بمنعه من الوصول إليها في اللحظة الأخيرة. لم ترَ غضبه بعينيها، لكن كان واضحًا في صوته حين صاح بعنف: _هكسر الباب.
ازدادت ارتجافًا من وعيده وانكمشت على نفسها وهي في زاوية الغرفة. تراجع للخلف بضيق وركل الباب بقدمه عدة مرات وهو يزأر: _انتي كده اخترتي الليلة السوداء.
محاولاته في الاقتحام كانت عنيفة، غاضبة، وكأنه يصارع كل ما حال بينه وبينها على مدار أشهر. وتحت وطأة الضغط اتجهت نحو الباب ليحدث ما يحدث. انتظار البلاء أشد من حدوثه. أدارت المفتاح وترجعت خطوة لتستوعب ما قد يحدث بعد ذلك في هذه الليلة الغريبة التي هي فوق المتوقع. وبركلة أخيرة منه خارت قوى الباب وارتد من قوة الركلة لتقابله معه من جديد. ارتجفت لا إراديًا من هذا البركان الذي يطل من عينيه ينذر بحرق الأخضر واليابس. انهارت على الفور وتلاحقت دموعها تبعًا دون أي تدخل منها، وكأنها فاقت على صدمة غير متوقعة. الخوف والاضطراب كانوا يتنافسون على إسقاطها.
علت شهقاتها وكأنها تغرق في محيط درجة حرارته منخفضة إلى حد التجمد. رأى ذلك وهرول إليها على الفور. احتضن وجنتيها بباطن يده بعدما تملك منه القلق من رؤيتها هكذا. خشي بصدق أن تنهار، لذا هدئها بحرص بالغ: _ما تعيطيش خلاص خلاص. ما تخافيش. أنا عمري ما هاذيكي. إهدي إهدي. خالطت دموعها كف يده وإزداد حنق وتوتر، فأردف بجدية: _أنا ما اتجوزتكيش عشان أبكيكي.
هدئت من أثر كلماته المتناغمة وشعرت بالراحة بين أحضانه، وكأنها وجدت موطنها بعد سنوات من المشقة والعناء. فزفرت براحة وسقطت عنها آخر دمعة حزينة. ضمها إلى صدره وقبض عليها في أحضانه مهدئًا إياها بصوت ناعم: _أنا إتجوزتك عشان نحقق حلمك. خلاص يا مكة الحلم إتحقق. خليتيني أصدق الخرافات. أنا وإنتي مع بعض. أنا وإنتي اتخلقنا لبعض. أنا وإنتي شــئ خــرافــي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!