"ما أراده الله لن يوقفه بشر" برغم من أن حفل الزفاف كان لعائلة "رأفت"، ابنه وابنته التي أشهر زفافها على ريان السعدي، رجل الدولة المعروف، إلا أن السعادة لم تكن تغمر "رأفت" كباقي الآباء في ليلة كهذه. وبرغم اشتعال الحفل بالرقص والغناء، إلا أن بداخله عزاء كبير منعه حتى من الابتسام.
الليلة أعلن "ريان" انتصاره واحتفل بالشكل الذي يليق به. نصب عينيه، ها هو يقف يدًا بيدها دون خجل أو خوف. يراه يقبض على يدها بتملك وكأنها آخر ما تبقى له، ويلوح بيده الطليقة بسعادة ويبتسم ابتسامته الباردة التي تشق صدره أكثر. لم يلتفت لعدي الذي بجواره بالأصل. "مرام" لا تشكل خطرًا كهذا الذئب الضاري الذي سيدخله عقر داره الآن، خاصة بعدما انتهى الحفل وبدأت مراسم الوداع.
وقف عدى إلى جوار "مرام" ليودع الجميع، وإلى جواره "تمار" وكل من "ريان" من جهة أخرى. لم تكن تصدق "تمار" أن الحلم أخيرًا تحقق بعد عام كامل من المعاناة مع والداها للحصول على هذا المشهد. وراحت توزع الابتسامات هنا وهناك وتلوح بحماس لصديقاتها الذين بادلوها الإشارات.
كاد يطير عقلها وهي تضع يدها الأخرى بيد أعظم رجل، رجل عشقته دون قيود، دون خجل، رجل توالى كل الأدوار في حياتها من أخ لأب لصديق لسند، حتى أصبح الآن زوجًا لها. لم ينساها هو الآخر في غمار فرحته ومال لأذنها ليداعبها قائلاً: "أخيرًا أبوكِ هيعرف إنكِ بايته معايا."
أطبقت شفتها داخل فمها لتحبس تلك الضحكات المتوالية التي إن تركتها تخرج الآن، لن تترك لشك العابثين مجالًا حول ما قيل لها. خطفها إليه بعبثية شاب طائش وكأنه لم يتزوج من قبل، ولم يؤسس حياة مكتملة من قبل. معها هي وحدها يختلف "ريان السعدي" عن سجيته، لأنها هي فقط من تخرج هذا الدنجوان العاشق. وهذه الليلة هي أنسب الأوقات للخروج.
من جانب "مرام"، لم يكن لها الكثير من الصديقات لتودعهن. بينما "عدي" فقد التف حوله أصدقاؤه، وخاصة الفتيات. كانوا يتعاملون معه بحميمية قاصدين قهر عروسه وإشعارها بالدونية. تابعتهن وكل واحدة منهن تتجرأ عليه بمنتهى الفجور، تضمه وتنظر في عينيها نظرة حقد وحسد لتشفي صدرها المغلول من ظفرها به. يتصنعن الود بشكل مقرف ومكشوف، يشددن على ذراعه مدعين الفرح والتوصية، والحقيقة أنهم يحاولون جذب انتباهه، أنهم سيُزلون الاختيار المنتظر إن فكر بالتراجع في أي وقت.
شاهدت هذه المسرحية الهزلية باستياء، وعينها تتناقل مع كل واحدة والغيرة تنهش صدرها كذئب ضار. مهما يكن، هذا حقها هي وحدها. من الظلم كل هذا التجرؤ على لمس مستحقاتها تحت أنظارها. بين الحين والآخر كان ينظر باتجاهها "عدي"، لم يغفل عنها للحظة، وبدا يلاحظ هذا التحول الملحوظ في تعبيرات وجهها. فشدد على يده المحتفظة بيدها. لكن إحدى العابثات، لا الصديقات، جذبت انتباه لها بوضع باطن يدها على صدغه لتستعيد بصره نحوها بقول رقيق:
"ركز معايا يا بيبي." هنا قد فاض به. فقد طالت السلامات واختنق من الحكايات. دفع يدها ليلتصق بزوجته وهو يقول مدعيًا الابتسام: "عقبال عندكم يا جماعة. استعوضوا ربنا فيا، أنا اتجوزت يعني مدة صلاحيتي انتهت."
هنا تعالت الضحكات، وكذلك صرخات الخيبة من جمع أصدقائه. مشى مع "مرام" نحو السيارة، وبدأ نبضها في الازدياد. ومع كل خطوة كانت تتعثر دون أن تفهم سببًا واضحًا لهذا، لكنها كانت فرصة جيدة ليميل "عدي" نحوها ويحاوط جسدها النحيل ويخطفها بين يديه. مفاجأة جعلتها تشهق بفزع، غير مصدقة ما فعله أمام الجميع. وراحت تحمد الله أن والديها رحلا قبل أن يرى هذه المهزلة الحقيقة التي رأتها والكارثة التي تحدث الآن.
ومع شهقاتها، تعالت شهقات مغلولة من باقي النساء. استمعت إليه وهو يهتف بلطف بالغ وهدوء حذر يرجوها أن لا تفسد اللحظة: "ما تخافيش، شيله بريئة عشان ما تقعيش." ثم أردف مازحًا كي يلاطفها: "والله الفستان أتقل منك. أنا مش عارف انتي مستحملاه إزاي."
علت الهمهمات هنا بين النساء. فأجفلت عينها حتى تتحمل. برغم توترها والفزع الذي انتابها، إلا أن مفاجئته هذه ونظرات الحسرة التي تراها في أعين من استَفزّوها من قليل، هي ما جعلت تفكيرها يحيد عن الخطر الذي تتوقعه والقلق الذي ينتابها. لتصر على أسنانها بجلد وليمر الموقف بسرعة البرق، كأي عروس في ليلة زفاف حقيقية. *** في منزل إلياس.
"مكه" تمتد إلى جواره في الفراش، يدها تحتضن خصره الممدد إلى جوارها كأنها حوت العالم بأسره. لم تتوقع أبدًا ما حدث، لكنها سبق وأن رأته في أحلامها. وما أدهشها أكثر أنه كان هو الذي حلمت به، ليس الشرير الغاضب المتهور العنيف. لقد كان حنونًا فوق الخيال، هادئًا وصبورًا لجعل تلك الليلة لا تُنسى أبدًا.
كل ما عاشته كان كالحلم يتكرر مرارًا وتكرارًا، وكل مرة بمذاق مختلف. وهذا ليس غريبًا، فإلياس نفسه مختلف في كل شيء. واللقاء الفائت يثبت ذلك. هو فارس أحلامها الذي أتى على حصانه ليخطفها من الواقع ويضعها بأحضانه الآن بمنتهى الجنون والتهور. والعجيب أنها انصاعت له. همست وهي تستمع إلى نبضه المنتظم أسفل أذنها: "كان حلم ولا حقيقة؟ سحب أنفاسه بقوة واختزلها قليلاً ثم دفعها مرة أخرى ليرد عليها مبتسمًا: "ده كان حقيقة بطعم الحلم."
اتسعت ابتسامته وهو يهتف بمزاح: "بـقـيـتـي مـراتـي يا هـبـلـه." أجبرها على الضحك، ووكزته بخفة في صدره لنعتها بهذه الصفة. التف قليلاً لينظر إليها: "تعرفي، موضوع الجواز ده كان متشال من دماغي للأبد." اتسعت عينها بتحفز لسماع المزيد. عبث بخصلات شعرها برفق وأردف: "كان مستحيل أتجوز، بس لما قابلتك انتي حسيت إني لبست في حيطة بجد. ما كنتش عارف أتجاوزك وأكمل حياتي. انتي كنتي فعلاً حيطة قوية، كان صعب عليا أعديها."
لأول مرة يفتح قلبه ويحادثها بهذه السلاسة. استغلت هي ذلك وسألت: "عشان كده بعدت شهور؟ اتسعت ابتسامته ورفع أحد حاجبيه وأجاب: "يقال 'الحائط الذي لا تستطيع تفاديه، اصطدم به بكل قوتك'." زفر واستطرد بشرود: "لما غبت كنت في مهمة صعبة والموت كان حوالي. عمري ما خفت منه لأني عارف إن عمري مش بإيد حد، ده بإذن ربنا. ليلة وراء ليلة وأنا متأكد إن النهاية خلاص قربت." نهضت على فجأة من مكانه وكأنه تذكر لحظة فارقة في حياته. فنهضت
إلى جواره ليكمل بجدية: "هجموا سبعة على المكان اللي كنت فيه واضطريت إني أستخبى في حفرة في جبل. مسكت سلاحي اللي كان عدد الطلقات اللي فيه مستحيل يصد مع الرشاشات اللي معاهم. حبست نفسي وكل همي إنهم ما يقربوش من الكهف ده. شايفهم في الضلمة وأنا بقيت زي الحجر اللي مستخبي فيها، مش خايف بس لسه ما كملتش مهمتي اللي جيت عشانها. الدقايق كانت بتمر سنين والقلق كان بيعصرني. وعامل أفكر مين هيقتلني الأول؟ ويا ترى لو مت حد هيفتكرني؟
حد هيبكي أصلًا؟ في النهاية مشيوا وبقيت أسأل نفسي... سألت نفسي أنا إيه الحياة اللي هخرج منها دي؟ أنا عملت فيها إيه؟ ولو ليا حبيبة كانت هي اللي هتفتكرني؟ هي اللي ممكن تجيب لي الولد اللي يبكي ليا واللي يشيل اسمي بدل ما أخرج منها بسكات." الدقائق دي نبهتني للي عمري ما انتبهت له في سنين. نظر إليها وقد تلاشى كل القلق والجدية التي اعترته طوال حديثه. عينه كانت مفعمة بالحب وهو يهتف محتضنًا وجنتها:
"إنتي أول حد جه في بالي. إحساسي ما كانش عايز يحس غير بيكي. إنتي الخرافة اللي خلتني أغير كل أفكاري." رغم أن حديثه يحيي الروح ويروي ظمأها، لكن الدهشة لم تغادرها وهي تسمعه. تشجعت لتسأله، لكن الشجاعة لم تساندها لتنظر في عينيه. خرج صوتها خائفًا مترقبًا: "إنت مش قلت إنك متجوز ليه؟ اتجوزتني؟ وكأنه عاد إلى غموضه، تجمدت تعابيره. التف عنها وهدر محاولًا المزاح:
"أهو أنا لقيتك بنت عبيطة وهبلة وعطفت عليكي وقولت أتجوزك بدل ما تعنسي وإنتي بتدوري على بديل لإلياس النشامى." رمى لها نظرة متعجرفة قائلًا بتفاخر: "ودا صعب طبعًا." نظرت له باستهانة وهمت لتنهض من أمامه: "على كده بقى أرجع لأهلي، لأني بطلت أحلم بيك." أسرع باحتضانها من الخلف ليجذبها إلى أحضانه متسائلاً بمرح: "خلاص خدتيني لحم وهترميني عضم؟ أهون عليكي يا مكه؟ ده أنا حتى لسه فاتحلك قلبي." تململت لتتخلص
من قبضته وهي تتصنع الحنق: "ما تهربش من السؤال." زفر وهو يحكم قبضته على خصرها متشبثًا بيدها: "يا دي السؤال. قولي يا ستي ومش ههرب، بس أوعديني إنك إنتي كمان ما تهربيش لما تعرفي الإجابة." توقفت عن المقاومة وتريثت قبل أن تهتف بقلق: "كلامك بيدل إن مافيش حد في حياتك، مع إنك قلت إنك متجوز. إيه الصح فيهم؟ قول إنك مش متجوز. إيه الصعب فيها؟
أنفاسهم كانت تُسمع بوضوح من فرط الصمت الذي ساد المكان. لم يقو على إخبارها بالحقيقة، فستظل والدته تشاركها كل الاهتمام والحياة، حتى عدد أنفاسه قد لا تتحمل هذا، ويدخل في دوامة أخرى من عدم تقبل والدته التي بالأصل لم تقبل وجودها حتى الآن، وتعامله أنه ملكية خاصة لا يقترب منها سواها، كما عاملها هو وبدأ بفرض ذلك لتبقى له وحده. بعد تفكير عميق أجاب: "الصعب إني فعلاً متجوز، والصبح هنروح بيتها ونعيش معاها للأبد."
في هذه اللحظة حررها، لِتلف إليه وكأنه طعنها بخنجر مسموم. نظرت إليه النظرة التي كان ينتظرها وشعر بألامها دون أن تنطق. عمد لتهدئتها، فقلبه منشطر. رتب خصلاتها بباطن يده بحنان وهتف لينوب عن دورها: "إعرفي إني مهما عملت معاها، بحبك إنتي. حب مختلف. هي لازم تحس إني بحبها وإنها الوحيدة. عارف إنه صعب عليكي، بس أنا متوقع منك إنك هتستحملي عشاني." دمعة هاربة كانت الإجابة، بلحظة هدم أحلامها وتحول من جديد إلى وحش غريب هادم لذاته.
*** في غرفة ريان وتمار. شبه مزق بدلته من فرط حماسه. لقد انتظر طويلاً ومنع نفسه كثيراً حتى هذه اللحظة، كسجين انتظر بلهفة الحرية. أمطرها بقبلات كانت مؤجلة، وأحضان محمومة انتظرت دورها بفارغ الصبر. أخيرًا أغلق بابًا عليهم، ولا يهم أي باب، المهم أنه أغلقه بعد معاناة استمرت عامًا للوصول إلى هذا الحلال. كانت تتجاوب معه هي الأخرى، سعيدة بهذا الانتصار. أخيرًا رضي والداها بهذه الزيجة. لم يكن للكلام مجال، فزمن الكلام ولى.
طرقات الباب المفزعة هي ما جعلتهم ينتفضون من فراشهم: "تمار... تمار! صوته المزعج جعل "ريان" يجز على أسنانه. نظرت إليه تمار بتردد وقلق، فأشار لها بالسكوت. نفضت رأسها لتعلن عدم رضاها، فأسرع بتكميم فاها بقبضته بإحكام، حتى كرر "رأفت" طرقاته الغاضبة مناديًا: "تمار افتحي أنا عايزك." حاول "ريان" السيطرة على نفسه وضبط انفعاله. لقد قطع عليه لحظات هامة. جاهد أن تبدو نبرته عادية ورد عليه باقتضاب: "تمار نامت."
ضيق "ريان" عينه ينظر تجاه الباب وهو يكاد يرى غضبه دون أن يراه، واستعد لتنفيس غضبه الذي لم يتأخر وصاح متحديًا: "وأشمعنى إنت صاحي؟ أكيد عملت في بنتي حاجة. افتح أطمن عليها." نظرت إليه "تمار" بقلق من الممكن قلق والداها يدفعه ليقتحم عليها الغرفة وهي هكذا. فتحركت من أسفل يد "ريان"، لكنه ثبتها جيدًا بإصرار على عدم حركتها وهو يهتف بصوت جهور: "إنت بتهزر يا رأفت؟
روح اطمن على عدي، ولا أقولك انزل شم شوية هوا في الجنينة وروّق أعصابك." لكم الباب بقوة وغضب، واستمر "ريان" متأهبًا لأي جنون قد يفعله أو يتفوه به. تحسس بيده الأخرى سلاحه الموضوع إلى جواره، فانتفضت "تمار" مما يفكر. كان مستعدًا لتصويب على رأسه دون شفقة إن قرر الدخول عليهما. لكنه استمع إلى قرع خطواته المبتعدة، ليترك أخيرًا فم "تمار" لتأخذ أنفاسها وتهتف بتسرع: "إيه اللي عملته ده يا ريان؟ "بابا... "بابا غيران."
هكذا قاطعها بانفعال ليتركها متسعة العينين مذهولة مما قال. وعندما شعر بفطاط ما قال، التف إليها ليسترسل برفق: "تمار، أنا عارف أبوكِ كويس. هو شرط عليا أجي هنا عشان يضيق عليا وما آخدش راحتي. وأنا وفقت عشان خاطرك، فيا ريت تساعديني استحمل الفترة دي لحد ما هو يطردنا من نفسه." أحزنها ما قاله، فكلما تخطت مرحلة من الحزن تأتي أخرى. ومتى ترتاح وتستقر في مكان سعادتها الأبدية؟ هتفت بحيرة: "بس ده بابا يا ريان، مهما كان أنا بحبه."
التف لها بكامل جسده مبتسمًا: "وأنا بحب بنته، وعشان خاطرها مستعد أعمل أي حاجة، حتى لو كان أعوذ بالله يعني أحبه." ابتسمت على مزاحه، فهتف بسعادة: "أيوه كده اضحكي، خليني أعرف أضحك." *** "مرام وعدي" "عشان قلبي ما دقش غير ليكي."
الجملة التي قالها بصدق بنظرته الساحرة هي ما بقى يتردد في ذهنها طوال الحفل، وحتى بعدما أغلق باب الغرفة، وحتى وهي تجلس أمام المرآة ساهمة، تاركًا المغرم بها يعانق تفاصيلها بحرية، وهذه الابتسامة التي تشع سعادة تفضحه. دقائق مرت وهو يقف عاقدًا ساعديه بمقابلها، مسندًا كتفه إلى الجدار، مبتهجًا برؤيتها دون قيود أو خوف.
"كانت له قدرًا وأجمل الأقدار التي تصادفنا دون خطط." قلبه يرقص طربًا، إنها الآن بغرفته، زوجته التي اختارها من بين مئات. هي من خطفت قلبه باختلافها، وأجمل ما في الأمر أنها افتعلت الأفاعيل دون قصد. "وكأنها آية نزلت على عاصٍ فاهتدى."
خرجت من شرودها ولاحظت ابتسامته ونظراته الشاردة بوجهها، فانتفضت على الفور متحمحمة بحرج، وظهرت التفاعلات على وجهها بألوان مختلفة، وارتبكت نظراتها، وشعرت بأنها معه في عنق زجاجة. اعتدل في وقفته ليهتف متهللًا، فارًدا ذراعيه بإعجاب: "قوليلي بقى إيه الجمال ده كله؟ أسرعت بإمساك يدها الأخرى ونهضت من كرسيها لتقف على أقدام مهتزة. حاولت تجميع حروفها بصعوبة لترد عليه، لكنها وقعت فريسة لجمال كلماته وسحر عينيه، لتهتف باسمه،
هو المرادف لكل جمال: "ع... عـــدي." ضحك أكثر وهو يهتف متغزلًا باستمتاع: "يا أحلى عـــدي سمعتها من يوم ما اتولدت." اقترب منها بخطوات قليلة، فأبتعدت لا إراديًا وقد ظهر الخوف في عينيها. توقف في مكانه. هو أكثر من يفهمها ويقدر حالتها. رفع يده باستسلام ليهدر مهدئًا: "أنا هفضل مكاني، وهفضل بعيد لحد ما إنتي اللي تقرري تاخدي خطوة تجاهي. ومن هنا لحد ما تاخديها، أنا هفضل مكاني إن شاء الله لآخر العمر."
يحرجها بأدبه وأسلوبه. لا أحد بهذه الأخلاق هذه الأيام. "عدي" يومًا بعد يوم يبهرها بلطفه وحسن معاملته. تشعر أنها تظلمه، لكن قلبها الذي يدق الآن أمامه بهذا الشغف والجنون، لن يجد مثله ولو دار الكون بأكمله. لكن حائطًا منيعًا بينهم. يا ليت قلبها يكن أشجع منها في اتخاذ هذه الخطوة الصعبة. هي مستعدة لتفديه بحياتها وتكن سندًا لا يميل، لكن ذكرياتها السيئة تمنع هذا الإجراء. نظرت للأرض وهي تهتف بحرج: "أنا آسفة مش... قاطعها بتفهم:
"أنا فاهم، ما تتأسفيش خالص." أردف وقد انطلت نبرته بالأسف: "اللي حصل لك أنا كنت سبب فيه، وعشان كده أنا ناوي نتابع مع أخصائي لحد ما الأمور تحسن." ازدادت حرجًا، لكنها كانت مضطرة لتسأله، فرفعت وجهها لتسأله بشك: "وإنت هتصبر؟ ابتسم لها ورد بتأكيد: "أيوه، عشان أنا عندي كلام كتير عايز أقوله وإنتي عمرك ما كنتي هتسمحيلي أقوله، حتى لو كنا مخطوبين." رجف قلبها ورغمًا عنها انصاع ثغرها للابتسام. اطمأن لابتسامتها وسأل ممازحًا:
"في مشكلة في الكلام؟ نفضت كتفيها دون اعتراض وأجابته هامسة: "لأ." مال بجذعه متسائلاً بصوت عالٍ: "إيه؟ مش سامع؟ عجلت حنجرتها ليخرج صوتها الذي يختفي أمامه، وهو الوحيد الذي لا يسمعه: "لأ، ما فيش مشكلة." اعتدل في وقفته وخلع ذلك الجاكت عن أكتافه، ليشد من ظهره. رمشت بقلق من تصرفه، فهدر وهو يميل عنقه قائلًا بجدية: "حتى لو قولتلك إني بـحـبـك، بـحـبـك بـجـنـون. بحـبك للأبد، لـحـد مـا يـخـلـص الـكـلام."
اتسعت عينها. الكلمات من فمه بها مخدر، يقولها بطريقته التي تخطف القلب، يقولها بصدق لا يصدق. فليخبره أحد أن قلبها الضعيف لا يتحمل. أشارت على نفسها للتتأكد من أنه يعنيها. حرك رأسه بإيماء مؤكد. لم تصدق، لتكرر بسؤال مذهولة: "أنا... حبيتي أنا؟ أسدل عينيه وهو يرى سذاجتها في التعرف على قيمتها. إنها بالنسبة له أكثر مما يتمنى. هو أجاب مؤكدًا: "آه."
عضت طرف شفتها وقد تعرق جسدها بالكامل، وكَسَحب ملغمة بالمياه وأمطرت لتو بما ترد على جمال كلماته ومشاعره الفياضة. زاغ بصرها في المكان تبحث عن مهرب. كان يتابع ارتباكها وخجلها بابتسامة مسلية. وضع يده في جبينه ليهتف متعجبًا: "اللي زيك في الزمان دا بقوا نادرين." رفعت عينيها لعينه، وكيف لا يتحرك قلبها أمام كل هذا اللطف والعشق والجمال: "إنت اللي زيك بقى نادر." هتف وهو يحافظ على ابتسامته: "طيب، كده اتفقنا؟
تعالي بقى نقعد لأني عندي كلام كتير عايز أقوله." حركت رأسها بالموافقة وبدت مستعدة لسماعه لآخر العمر، كما قال، للأبد، وحتى ينتهي الكلام. *** في منزل شريف.
استيقظت بعد ليلة طويلة لم يهدأ رأسها من التفكير. المشاعر التي يجرها إليها "شريف" أكبر من استيعابها. استمرت متمددة بفراشها تضغط على مقدمة رأسها بيدها وتحدق للأعلى بملل. الهدوء الذي حاوطها ساعدها على الثبات على هذا، حتى شعرت بثقل أُلقي في مقابلها، وكان هذا "شريف" الذي وضع يده إلى جانبيها ليميل بجسده نحوها. انتفضت كالملسوعة وهي تهتف بفزع: "فيه إيه... إنت هتعمل إيه؟ برغم ما ظهر في عينيه من تسلية واضحة،
أخفى ابتسامته وهدر بجدية: "في حفلة خاصة." حركت رأسها وهي محاصرة بين يديه متسائلة ببلاهة: "يعني إيه حفلة خاصة؟ أقصد حفلة إيه؟ هنا تحررت ضحكته وأشاح بوجهه ليضبط نفسه من جديد، حتى يقنعها بـ جديته ويجبرها على الموافقة حتى لو كان بالإرهاب: "حفلة ليا أنا وإنتي في مكان بعيد عن هنا." انتابها القلق من أسلوبه وصاحت باعتراض: "والله... لآآآ، أنا مش هتحرك من هنا." أجاب ببرود على اعتراضها مستغلاً هذا القرب الذي يمتلكها به:
"ومش هتحركي من هنا ليه؟ تكوني خايفة مني؟ تناقلت ببصرها لعينه، هي لا تخشى "شريف"، تخشى تصرفاته التي أصبحت مؤخرًا متهورة. ناب عنها بالإجابة متجرئًا: "حقك الصراحة." اقترب مع كل كلمة أكثر: "أنا... خطر وشرس وصابر عليكي يا مطلعة عيني." استغلت نعومة الفايبر من أسفلها وضغطت رأسها في الوسادة وتيبست مكانها حتى تهرب منه، فلم تجد مفر فصرخت به: "شريف اتلم!
ابتعد أخيرًا وهو يزفر محررًا إياها، فأسرت بالنهوض من مكانها قبل أن يعود لحصرها مجددًا، فهي لا تأمنه، خاصة عندما ظهر وجهه المختلف غير الذي اعتادته. أشار إلى زاوية الغرفة وهتف بطريقة مسرحية: "عشان أتلم، دي بقدملك الهدية دي يا منار. جهزي نفسك بقى من هنا لبليل." نظرت باتجاه إشارته ورأت هذه العلبة الكبيرة المغلقة بواسطة شريط أحمر من الستان. تحركت صوبها وهي تسمع صوته يؤكد بجدية: "جهزي نفسك بكل اللي فيها."
كانت متعجلة لترى ما بها وترى نيته بوضوح. فتحتها بعصبية ثم ضمت حاجبيها فورًا وهي تنظر لهذا الفستان ذي الحملات الرقيقة. رفعته بين يديها لترى لونه الأحمر الناري، لترى ما أسفله والذي كان بعض من الملابس الخاصة. تفاقم الغضب بداخلها وأسرت بقذف الفستان على العلبة وأغلقتها، وعادت نحوه. وازداد غضبها. نظرته الوقحة وابتسامته الباردة. سألته بغضب جم: "إيه الجرأة اللي بقيت فيها دي؟ رفع أحد حاجبيه باستنكار وهدر هازئًا:
"هو إنتي متجوزة مدرس ألعاب؟ أنا ظابط في الآداب يا منار." مسحت عنقها بعصبية وهتفت بتعند: "مش هروح." ضيق عينه كان متوقعًا للعند، لكنه أبدًا لن يسمح بأن تهدم ما قرر هو بناءه: "هو إنتي ما اتعلمتيش في الحقوق أي عـدل؟ نظرت إليه بلوم لمطالبته بما لم ترضاه. فكما قيل: "إن أردت أن تطاع، فأمر بالمستطاع." ليستطرد هو بجمود:
"أنا طول عمري بنفذ كل اللي إنتي عايزاه، وأي حاجة فيها مصلحتك كنتي بتمشي ورايا وإنتي مغمضة. دلوقتي جه دورك إنك تنفذي اللي أنا عايزه." اندهشت من طريقته في الحديث، كيف يقايضها هكذا؟ يريد رد الجميل بهذا الفعل. وضعت يدها على فمها وسألته تدعي الثبات: "يعني إنت عايز مقابل كل اللي عملته؟ نفض رأسه بيأس، واقترب منها ليمسك بكتفيها بلطف وقال بنبرة رغم حنوها حازمة لا تقبل الرفض:
"خالص. أنا عايزك تسمعي كلامي زي زمان. يوم واحد بس وسيبك نفسك ليا لآخر اليوم، وبعديها ارجعي لعنادك." رفع يده إلى طرف ذقنها وضم أصابعه ليتحكم بحركة رأسها ويحركها بالموافقة مبتسمًا برضاء، وهو يهدر: "أيوا كده، هي دي منار حبيبتي الشطورة. كنت عارف إنك مش هترفضى طلبي والله." تركها على الفور وهي مصدومة من سؤاله الذي أجاب عليه بثقة غير مسبوقة. قام بكل الأدوار وتركها بفم مفرغ. تمتم بدهشة بعد اختفائه: "ده مصمم." ***
"إلياس ومكه"
طريق طويل قاده بسيارته نحو البيت الآخر. قاد بصمت، مكفهر الوجه، وكأنه ذاهب إلى الجحيم. لاحظت صمته وحالته التي تغيرت بسرعة، وكأنه لا يعرفها حقًا. بدأت تهابه وتهاب المجهول الذي يقودها إليه. انتظرت حتى ينطق حرفًا، حتى ولو كان عاديًا، فقط لتطمئن أنه لم يتحول، أو أي شيء يمحو الخوف الذي بدأ يتسرب إليها، وكأن الجو تحول إلى فصل الشتاء والغيوم حطت فوق رؤوسهم وأظلمت السماء رغم سطوع الشمس. وبرغم الزحام المروري، شعرت أنها في غابة خالية من البشر، كثيفة الأشجار.
كل هذا كان جو مناسب ليدخل الشيطان الذي بدأ يوسوس لها أن تهرب من كل هذا، تفتح باب سيارته وتركن بين السيارات وتختفي، ولن يعثر عليها مجددًا. كانت ليلة سعيدة لتختفي على أثرها، قبل أن تبقى عالقة للأبد مع امرأة أخرى تشاركها به وتأكلها نار الغيرة ليلة تلو الأخرى. مدت يدها لتمسك المقبض الخاص بالباب، مستغلة شروده. ستخرج خارج السيارة وتترك نفسها للرياح تأخذها لأي جهة كريشة خفيفة لا تعرف المعارضة. بدأت في الضغط على المقبض، لكن صوته العميق
ناداها ليوقفها عن ما نوت: "مــكــه." التفت إليه دون أن تخفي التفاعلات التي شحنت على وجهها، متسائلة بغباء الخوف، وفي لحظات الخوف دائمًا يحضر الغباء: "إيــه؟ فيه إيه؟ ابتسامة طفيفة لم تصل لفمه، رد بها على فشلها الذريع في وضع خطة محكمة. كل ما جال برأسها كان يراه بعينه المجردة على سطح وجهها البريء: "هتروحي فين يا مكه؟ عايزة تضيعيني تاني؟ قبضت حاجبيها وتسألت بتوتر: "أضيعك إزاي؟ وبعدين مين قال إني همشي؟
اشتدت قبضته التي تمسك المقود أمامه قبل أن يجيبها بثبات: "أنا توهت كتير من غيرك. لو خرجتي تاني من حياتي هنهار بجد. أنا ما فيش حيل أدور تاني، ويمكن أقرر إني أغرق في شغلي وأنسى كل اللي عيشته معاكي." ضغطت على قبضتها بيدها الأخرى في محاولة بائسة لتخفيف التوتر الذي غزاها على فجأة. حديثه عن أهميتها في حياته يجعلها تشعر بالمسؤولية تجاهه، لتكون طيبة وتسأل أسئلة طيبة لتطمئنه، لكن لابد أن يطمئنها هو الأول. فسألته: "هي كويسة؟
هذه المرة ابتسم حقيقيًا ونفض رأسه بيأس. لن يستطيع وصف ما ستعيشه، لكن عليها أن ترى لتقرر. برهة وأجابها: "هي مختلفة. كل اللي هتحتاجه بس مشاعر كتير من المشاعر." انتظرت تفسيرًا أوضح، لكنه سكت. اكتفى بهذا ليعود الصمت لمرافقتهم طوال الرحلة. بعد مدة قصيرة، وصل إلى الشقة المنشودة. دس يده في جيبه ليخرج المفتاح، ثم التف إليها ليهدئها، فقد شعر بكل ما انتابها طوال الطريق ويعرف أنها بحاجة الآن للدعم:
"ما تخافيش، أنا مش هسيبك لحظة." جاهدت الابتسام، لكن لم تستطع. الأمر ليس سهلاً. رغبتها الملحة بهدم البيت على رؤوسهم لازالت تحاول قمعها. استدار ليفتح الباب، باسطًا ذراعه لها لتدخل. خطت للداخل ودارت بعينيها في المكان، لم تهتم للتفاصيل. هي تبحث عن غريمتها التي لم يستطع "إلياس" التفريط بها، تنتظر ردة فعلها وهو يدخل عليها بامرأة أخرى ليخبرها أنها زوجته. تبعت خطواته وهي مازالت تبحث عنها في لهف.
أخيرًا سقطت عيناها على امرأة جالسة في الأرض ترتدي قميصًا دون أكمام أو أزرار ملتصق بجسدها، مغمضة العينين، تلصق كفيها ببعض أسفل ذقنها، تجسد حركة اليوجا بإتقان. وبرغم إغماض عينيها، إلا أنه يكفي هذا الجمال الصارخ للتحدث عن نفسه. جسدها المتناسق، أنفها الصغير، حاجبيها المنسقين، حتى هذا العطر الذي يفوح منها ويصل إليها. ساحرة. الحرب بينها وبين مكه خاسرة لا محالة.
التفت إلى إلياس الذي يطالعها بابتسامة ناعمة منتظرًا شعورها بوجودهم، وأعطاها ألف سبب وسبب لهذه الابتسامة. تستحق كتلة الجمال هذه الابتسام بلا أساس. لما يبتسم الناس؟ أليس للأشياء الجميلة والزهور، وهي مثلًا. "إلهام."
حتى اسمها جميل، هذا ما ترددته في نفسها عندما استمعت لمناداته وهي تنظر نحوها منتظرة تفاعلها معهم. فتحت عينيها أخيرًا. تمتلك نفس لون عينيه الفضية الساحرة. كيف لبشر أن يختزل هذا الجمال في شخص واحد. ابتسمت له، ثم نهضت من مكانها وتحركت صوبهم بنظرة سريعة شملت "إلهام"، "مكه" دون تعمق، وكأنها لا تعنيها. اقتربت من "إلياس" لتهتف بأدب وكأنها تلومه، يتضح منها أنها بينها وبينه حرب لن ترد الإفصاح عنها: "مبروك."
لاحظت كيف كان راضيًا بهذه الكلمة رغم خلوها من المشاعر، وتلهفه ليجيبها بحماس: "زي ما وعدتك بالضبط، جبتها وجيت على هنا تاني يوم." هنا التفتت إليها "إلهام" وهتفت بابتسامة مزيفة: "أهلاً." ردت "مكه" بسرعة وكأنها سارت على نهجه، القليل منها يكفي للتفاعل معها: "أهلاً بيكي." عادت ببصرها نحو إلياس وسألته: "فطرت مش كده؟ ابتسم لها وحاول ألا يزعجه بالإجابة: "آه، فطار خفيف كده عشان أعرف أسوق." مالت برأسها لتؤكد كشفها له:
"عشان تعرف تسوق بس." كانت عين "مكه" عدسة ترصد كل حركة وفعل بينهما، وكيف لا تفعل؟ فغريمتها أجمل منها بكثير، بل لها سيطرة على "إلياس" تتضح في تصرفاتهما معًا، خاصة وهو يقول مراضيًا: "عمومًا، أنا كده كده عامل حسابي أتعشى هنا. ولو عايزاني أفطر تاني، ما عنديش مشكلة." أشارت له نحو الممر قائلة ببرود: "أوضتك جاهزة، وريها للمدام على ما أشرف على الغداء مع الطباخين."
أنهت جملتها ورحلت من أمامه. لاحظت كيف حك عنقه بقلق وملامحه غير مرتاحة بالمرة. همت لتحدثه وقد ظهر الانفعال على وجهها، لكنه أسرع بالإشارة لها بالسكوت، دافعًا إياها إلى إحدى الغرف. في الممر الطويل وصل إليه سريعًا، أغلق الباب عليهما وأسند مرفقه إليه وحاصرها وهو يسألها هامسًا: "فيه إيه؟ عايزة تقولي إيه؟ لوحت بإصبعها في وجهه وصاحت بغضب وتسرع: "تتجوز على دي؟ إنت مجنون؟ دي حد يتجوز عليها يا جاحد؟
ولما تتجوز على دي واحدة، أنا يتجوز عليا كام؟ أربعة؟ إنت جاحد، أقسم بالله." لم يستطع إيقاف تدفق ضحكاته المتوالية دون توقف. تعالت ضحكاته واندفع عنها ليسقط على الفراش، متمددًا وضحكاته الهسترية لا تنقطع. تحركت صوبه ومالت صوبه وهي تصيح لتنهره: "بتضحك على إيه؟ إنت مجنون؟ إزاي تعمل فيها كده؟ اديني سبب واحد." كررت بهجاء: "سبب واحد منطقي."
صراحتها في التعبير عن إعجابها بها ومدافعتها عنها، المفترض أنها ضرتها، كادت تهلكه ضحكًا. استغل اقترابها وجذبها إليه لتسقط معه تحديدًا على صدره. نظر إليها بتعمق، وهذا ما جعله يتوقف عن الضحك، لكن الابتسام إليها كان لا إراديًا. أرادت سببًا واحدًا وأخبرها بكل إحساس: "إنـي بـحـبـك يا خـرافـيـه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!