الفصل 29 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
16
كلمة
6,904
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

"الياس" سأل بخبث وهو يتطلع إليها: _يعني عجبتك؟ حاولت تخليص نفسها من بين يده وهي تهتف بإنصاف: _إلا عجبتني، دي أنا لو راجل كنت اتجوزتها أساسًا. وب تلقائية شديدة قرص وجنتها بخفة وقال: _خدي بالك إني بغير. وعلى بغته صدمت بمشاعره في النهاية، هي شريكتها التي ستقاسمها حضنه وحنانه واهتمامه، هي زوجته الأولى. ومن الواضح جدا أنها ستكون المفضلته.

حاولت الابتعاد عنه لكنه لم يكن سهلاً، تركها تمسك بها أكثر وجذبها إليه، يشتاق إليها حتى وهي بين يديه، حتى وهو تاركها من قليل، الشوق لا يتوقف ويفقد السيطرة. لكن قبل أن ينجرف وراء مشاعره، تذكر أنه ليس بالمكان المناسب ولا بالوقت المناسب، ستناديه أمه وربما تنزعج من اختفائه وقت طويل بالغرفة معها، خاصتا في البداية. أفلتها من بين يديه ووثب من مكانه على فجأة. ثم اعتدل ليمسح وجهه ويزفر أنفاسه المنزعجة من هذا الحرمان وهتف:

_كويس إنك اتفهمتي الأمر، ياريت تقدرى مشاعرها لأن مش بالساهل ست زي دي تتساب، أكيد صعب عليها اللي حصل وأنا عايزك تقدري ده. حديثه عنها جرحها بقوة، مهما تعاطفت معها، تظل الأنثى التي تشاركها حبيبها. اعتدلت هي الأخرى لكنها غادرت من جواره إلى زاوية الغرفة. لم يرى أيًا من ما ظهر على وجهها أو تعمد، فهو بين نارين، أيسرهما بركان مشتعل. استمر بالتحمل وهتف رغماً عنه: _ممكن تخرجي ليها...

عايزك تحاولي تقربي منها وإديها الشعور إنها هتفضل الوحيدة في قلبي لو تقدري. وهي من يعطيها هذا الشعور يظلمها كثيراً بهذا الحديث، يؤلمها للحد الذي ليس بعده حد. بالأمس كان يعبر عن مشاعره تجاهها كأنها آخر امرأة بالكون، وكأنه لم يعرف نساء قبلها قط، والآن يدفعها لمجاراة أنثى أخرى ويرغمها على إخبارها أنها الوحيدة بقلبه. يالا الظلم، قلبه الذي جرحهما معًا. هتفت بنبرة متألمة:

_أنت أخدتني من أهلي غصب عني وأخدت أكتر، امبارح كفاية عذاب لحد كدا، مافيش غير روحي عايز تاخدها خدها، عشان أنا اللي حطيتها في طريقك. أجفل وهو يستمع إلى حديثها، رافضًا النظر إليها، تؤلمه مشاعرها ويتألم أكثر من موقف والدته. هم ليخبرها بالحقيقة حتى ترتاح، لكنها غادرت الغرفة تمامًا وصفقت الباب من خلفها. سيخبرها مؤكدًا، لن يتحمل أن يؤلمها أكثر من هذا، لكن حين يأتي الوقت المناسب.

نزلت "منار" عن الدرج، ووقف شريف ينتظرها بحلته السوداء. واقع نعالها سقط على رأسه كمؤشر ساعة في منتصف الليل. الصمت يحيط به، وهي وحدها تحدث ضجة في قلبه وعينيه. لا تستوعب كل هذا الجمال، بالاحرى هذه الأنوثة. مسح على فمه يجاهد كل أحاسيسه تجاهها، كتلة الجاذبية تلك، وخاصة أنه يعشق هذه المرأة بجنون.

وعندما وصلت إليه، تناقل بصره لكل انشئ بها وهو يحاول الثبات في موقعه ويقاوم رغبته بخطفها بين ذراعيه والهرب بها إلى عالم آخر رغم عنها. أطرافها التي حركتها على خصلاتها الشاردة على وجنتها القمرية، حركت معه رأسه دون إرادة. هتفت بحرج فور وصولها له: _ما تبصليش كدا. وعندما لاحظت شروده واندماجه الشديد بالنظر إليها، نادته هامسة: _شــــريــــف. عينه التي مرت على وجهها بعد نطق اسمه، كانت تهيم عشقا. عشقًا جعل قلبها يدق بعنف.

يريد إلقاء نفسه بأحضانه، قلبها المتمرد الذي يعشقه. تخشى أن يتغلب لحظة على عقلها المتعند الرافض هذا الاستسلام. لو غفى لحظة لاستسلمت وضاعت للأبد. مال إليها وازداد قلبها خفقانًا. شعرت بأنفاسه الساخنة تغزو بشرتها الباردة قبل أن يهمس هو بنبرة محمومة: _ما تقوليش لاء. إنهاردة إنتي ملكي. رفعت وجهها إليه تطالعه برهبة، لكنه لم يترك لها مساحة. اختطف يدها إلى ابطه ويسرق من ساعات الزمن حياة كان يتمناها كثيراً.

أبدعت في التزين وابرزت مدى سحرها الذي كانت لا تعيره اهتمام من قبل، لحسن حظه. لقد فعلت في حياتها شيئًا واحدًا صحيحًا، تحمد عليه. فتح باب سيارته لها فدلفت والقلق يساورها. سيترك الفيلا وينفرد بها، وهذا ليس جيدًا، خاصة بحالته هذه. جلس إلى جوارها وأدار المفتاح ليشغل محرك السيارة. وما إن اطمئن للانطلاق، نبث فمه بابتسامة جعلتها ترتعب، خاصة مع غموض رحلتهم.

في فيلا رأفت، الأجواء كانت متوترة بعدما قرر "ريان" السفر مع "تمار" وبدأ تجهيز السفر. أشعل "رأفت" وبدأ بتفريغ هذا على كل العاملين، وسط دهشة "مرام" وهي تجلس جوار "عدي" تحاول فهم الأمر الذي زُجت إليه في أول يوم. تلاحظ كل هذا التوتر وتنزعج. لا تتحمل "مرام" الضغط وما يفعله "رأفت" يفوق قدرتها في التحمل. صاح "رأفت" بعصبية وهو يدخن سيجارة بعنف وكأنه ينتقم منها: _أنت يا بني آدم اتصرف، ما تقعدش كدا.

نظر له "عدي" بيأس من تحريضه المستمر ضد سعادة أخته وزوجها وتشنج قائلاً: _أعمل إيه يا بابا، أنا كمان مسافر. غادر الغرفة ذهابًا وإيابًا وتره "ريان" لدرجة أفقدته صوابه. دخلت "الخادمة" تحمل صينية بين يدها، فاصطدم معها وانسكبت كل أكواب القهوة على ملابسه وسقطت أرضًا محدثة دوياً عالياً. صرخ بها رأفت بحدة: _يا متخلفة. سارعت الخادمة بالسقوط أسفل قدمه لتلتقط ما سقط منها بأصابع مرتجفة مع تكرار عبارة الأسف: _أنا آسفة.. آسفة جدًا.

لم توقفه عبارتها واشتط غضباً أكثر وعلى صوته وهو ينفض ملابسه مطلقاً لسانه بسباب لازع جعل "عدي" يزفر وهو يحرك رأسه بحنق من تصرفاته. لاحظ ما فعلته "مرام" والتي اتضح أن حالتها بدأت في السوء وفقدت قدرتها على التحمل، حيث تضع يدها على أذنها وتغمض عينها بشدة. كاد ينسى مشكلتها مع رهاب الأصوات العالية. انتفض من مكانه وحاوط كتفها بيده وهو يجذبها نحوه، لكن تحت وطأة الضغط اندفعت من أحضانه بذعر وصرخت دون إرادة.

مما جذب انتباه "رأفت" والتف نحوهم. زاد ارتباك "عدي" من نظرات والده المستفسرة ونهض من مكانه ووقف أمامه مباشرة ليحجبها عن نظر والده لتأخذ وقتها حتى تستعيد وعيها. لكن الثواني مرت سنوات وهو يتألم من عدم قدرته على مساعدتها أو حتى لمسها لتهدئتها. ازدادت شفقته عليها وتألم من رؤيتها في هذه الحالة. اقترب "رأفت" بفضول من ثبات "عدي" في مكانه وصعوبة رؤية "مرام". ناد بشك: _في إيه يا عدى؟

زفر عدى أنفاسه عندما أرخت يدها وخرجت من هذه الحالة بعد سماع اسمه. نهضت لتقف إلى جواره. عندها التف "عدي" ليجيب والده باضطراب: _مافيش حاجة. أردف بضيق: _وموضوع تمار دا حلوه بعيد عني، أنا كمان هحضر شنطتي وماشي. أمسك بيد "مرام" وسحبها من ورائه نحو الدرج هربًا من كل هذا الضغط. الفيلا خاصة بعد زواج تمار فيها أصبحت مكان غير مناسب لحالة "مرام" التي عاهد نفسه بالاعتناء بها.

وصل "إبراهيم وزوجته" إلى منزل "إلياس" وبعد طرقه متواصلة دامت حتى 30 دقيقة، صاح "إبراهيم" بضيق مهاجمًا تصرف إلياس: _شايفه قليل الذوق، لطعنا على الباب قد إيه؟ دُهشت "خديجة" من عدم الاستجابة للطرق المتواصل الذي كما يقال يوقظ الأموات. ردت عليه بقلق: _مش معقول يكون قاصد، ليكون عندهم مشكلة ولا حصلهم حاجة لاقدر الله. انزعج "إبراهيم" من تخمينها وهدر: _بقولك إيه، مافيش حاجة من الكلام دا وأنا أصلاً غلطان إني هودتك وجيتهم.

ليلتف، لكنها أمسكت بكتفه بتسرع وهي تنفي بقلق ازداد فجأة: _لاء يا إبراهيم بالله عليك مش همشي قبل ما أطمن على بنتي، قلبي واكلني عليه. نظر إليه متعاطفًا ثم عاد ببصره للباب الموصد وهتف: _ما أنت شايفه أهوا بقالنا مدة بنخبط وما حدش بيرد. عبثت برأسها أفكار كارثية وتحركت ركضًا نحو الدرج وهي تقول: _أنا هنزل أنادي البواب يكسر الباب، أنت ما بتسمعش عن الحوادث اللي بتحصل كل يوم والتاني.

تبعها "إبراهيم" هو الآخر يشعر بالقلق على ابنته رغم عنه، مشاعره تتحرك نحوها فهي قطعة منه بالنهاية، لن يرضى لها الضرر. رد دقائق وكانوا لدى البواب يسألون عن إلياس. سأل مؤكدًا الخبر: _شقة سعادة الباشا إلياس النشامى دا مشي الصبح هو ومرته. التفتت "خديجة" نحو "إبراهيم" وهتفت بتردد: _مشيوا فين؟ أجاب البواب بابتسامة زائفة: _وهو الباشا لو راح في مكان هيجي لي برضك يا ست. وضعت "خديجة" يدها على صدرها لتهدئ نبضها المتسارع

وهي تهمس بصوت مسموع: _استر يارب، بنتي خدها فين؟ انفعل "إبراهيم" من تصرفه وصاح غاضبًا: _ولما هو مش هيقعد هنا، خلينا وصلانه امبارح هنا ليه؟ أنا هبلغ عنها. استندت "خديجة" إلى يده وقالت متوترة: _اصبر يا إبراهيم، البت معاها ومش هنعرف نعملوا حاجة في الآخر دي مراته، هنبلغ عن إيه؟ ما إحنا اللي مديينهاله. ولم يهدأ إبراهيم بل صاح وهو يتحرك نحو سيارة الأجرة التي استأجرها لقضاء حاجته:

_وهو يديني عنوان وياخدها منه الصبح من غير ما يعرفنا طريقها، دا مش غلطه. هتفت وهي تتحرك معه: _طيب استنى نروح لمرام ونشوف اسمه إيه دا "ريان" وهو هيدلنا أكيد عدى هيساعدنا. استسلم لرأيها الراجح وأجاب بضيق: _طيب اركبي، خلينا إحنا طول عمرنا مش مرتاحين بسبب مكة. دخلت بأقدم مسافة نحوها والتردد يملؤها من مواجهتها من جديد، لكنه الفضول الأجوج. كيف لـ إلياس أن يتزوج على امرأة مثلها؟ وماذا ينقصها لاتخاذ هذا القرار؟

الأمر أصبح يؤرقها، فهي تلوم نفسها في تدمير حياتها وظهورها المفاجئ في حياته الذي جعله يتخذ هذه الخطوة رغم عنه. لكن لابد أن يكون لها يد في هذا، ما الذي جعله لا يحتسب حسابها لهذه الدرجة؟ الأفكار كثيرة، ومن الممكن أن يكون الإنجاب هو السبب. لاحظت "إلهام" وقوفها بشرود على باب المطبخ ومتابعتها لها وهي تباشر الخدم. تجاهلتها في البداية، لكن مع استمرار شرودها نادتها بعصبية: _أنتِ واقفة عندك ليه؟

انتبهت "مكة" لندائها فاعتدلت، مداهمتها أربكتها وإضطرت الإجابة متعلثمة: _ان... أنا... كنتِ... جايه أساعدك. التفتت عنها وهي تطالعها بإستهانة، لقد بالغت في الخوف منها، إنها تتعلثم من مجرد سؤال. يتضح أنها ضعيفة لدرجة جعلتها تشمئز منها، لأنها تذكرها بالطفلة التي كانت عليها يومًا. اختطفها والد إلياس وتزوجها رغم عنها. أشاحت وجهها وهي تقول دون أن تنظر إليها: _مش محتاجة، زي ما أنتِ شايفة مافيش حاجة تساعديني بيها.

هذا البرود لم يجعل "مكة" تتراجع، هي جاءت هنا لسبب ولن ترحل قبل أن تهيئ حديثًا. لهذا تشجعت للاقتراب منها وهي تتذوق بعض الشوربة. لاحظت أنها تفاجأت من اقترابه، بل ذهلت لدرجة أنها توقفت عن ما تفعل وتركت يدها معلقة في الهواء. جاء دور "مكة" لتتحدث بصوت حزين: _إلياس بيحبك كتير وبيقدرك. تركت "إلهام" ما بيدها وزفرت وهي تهتف بضيق: _طبعًا.. زي ما أنتِ شايفة بيحبني لدرجة إنه اتجوز.

كانت تتمنى الآن أن تنشق الأرض وتبتلعها من فرط الحرج عوضًا من أن تداوي جرحها. جرحتها، لكن رغم عنها دارت وجهها في المكان تبحث عن أي قنينة ماء تبلل جوفها الذي جف فجأة. أردفت "إلهام" لتجذب انتباهها بسؤال: _اتعرفتِ عليه إزاي؟ زادت من حرجها بما تخبرها بحكايتها الأسطورية أم بأحلامها المجنونة التي قادتها للوقوف بوجهه. وتحت نظرات الشك التي حملتها "إلهام" اكتفت بالاجابة المختصرة والمتداولة: _النصيب.

لم تقتنع بإجابتها، فهي تعرف إلياس جيدًا، وهو لن يتزوج تحت مسمى النصيب أبدًا، لابد من شيء قوي دفعه لهذا. رفعت حاجبيها لأعلى ومطت شفتيها. قررت "مكة" تجاهل ردة فعلها وبادلتها هي الأخرى بسؤال ملح في رأسها: _أنتِ عندك أولاد؟ كانت يقظة لسؤالها "إلهام" وابتسمت بمكر وردت مراوغة وهي ترفع كتفيها: _عندي ولد. التفتت لتتركها بصدد هذه الصدمة متسعة العينين وفمها فارغ دون استيعاب. وبدأ رأسها يدور بحثًا عن إجابة لسبب هذه الزيجة.

يستحيل لأي رجل عاقل أن يترك هذه مهما كانت المغريات، ثم أنها اتضح عليها الاهتمام الشديد به بشكل ملحوظ. عاد إليها العطش وبحثت عن أي شيء تتجرعه يطفئ هذه النار المشتعلة في جوفها. أخيرًا سقطت عينها على قنينة زجاجية، التقطتها دون تفكير وتجرعتها دفعة واحدة. "تمار" كانت تسحب ملابسها من الخزانة لترتب حقيبتها مستعدة للسفر معه حتى لو لآخر العالم. أمسكت بعض الملابس وبدأت بالاختيار، لكن سارع "ريان" بالوقوف خلفها ليدفعها أكثر

للخزانة وهو يسأل بمرح: _ما عندكش حاجة هنا تناسبني لأحسن لسه هدومي ما جاتتش. كممت ضحكاتها ونفضت رأسها بنفي محاولة الفرار من احتجازه، لكنه لم يسمح. أمسك بما في يده ليعاينه: _ما ينفعش دا والله، شكلك مستخسرة فيا. نظرت لما بيده وشهقت، فهو ينصب بين يدها أحد بيجامات النوم الخاصة. اختطفته من يده وخبأته خلف ظهرها وهي تقول بحده: _طبعًا ما ينفعش. اقترب منها متسائلاً ببراءة: _ليه؟

جعدت جبهتها من إصراره على إحراجها، لكنها كي تتفادى إحراجه بالتقرب وبالكلام أجابت: _دي حاجات بنات ما ينفعش تخرج بيها. أومأ بتفهم جعلها توهم أنه سيبتعد عنها ويحررها من احتجازها هذا، لكنه خالف توقعها وهتف بمكر: _طالما كدا هاتيه معانا عشان بحب اللون ده. سألته بغباء وقد تصبغت وجنتها بالاحمر: _عشان إيه؟ نفض كتفيه بخفة ومط فمه دون اكتراث: _عشان ألبسه أنا، مافيش كلام.

وكزته في صدره وحاولت دفعه لتخرج من الخزانة التي سدها بجسده، لكنه أبى واستمر بالمزاح: _استنى بس، أنا متأكد إن في هنا هدوم تنفعني، سيبني أنقي براحتي قبل ما أبوكي يطب علينا. وجدتها فكرة جيدة لتفر منه، حركت رأسها بإيجاب وهي تهتف: _هناديه. طرقه الباب العالية والمزعجة اقتحمت المكان، جعله ينفخ بغضب وهو يهدر: _أهو جه على السيرة. زعق وهو يلكم باب الخزانة: _أيواااا. جاءه صوت "رأفت" الغاضب: _افتح.

التفت إلى "تمار" وعض أسفل شفته بغيظ ثم انفرج فمه وهو يخبرها بضيق: _أنا هطلعله بالبوكسر بقى عشان يتلم شوية. لوحت بإصبعها مسرعة: _لاء يا ريان ما تحرجهوش. قُبضت قبضته بعصبية وهو يجيبها: _بذمتك دا حد بيتكسف. لاحظ انزعاجها فهتف ليراضيها: _خلاص، اديني الجاكت الأبيض اللي عندك، بصراحة نفسي فيه. ابتسمت لمزاجه والتفت لتبحث عنه، بالفعل هو نصف عارٍ ولا يصح أن يراه هكذا والده الذي لم يصبر وطرق من جديد بشكل أعنف وبصراخ حاد:

_افتح بقولك. نظر إليها وهو يميل برأسه مشيراً أنه لا مفر: _أهو مش سيبلي فرصة أهو. التفت فهرولت لتقذف إليه شرشف ليحاوط به خصره على الأقل، كان رافضًا، لكن همساتها المتوسلة: _عشان خاطري. جعلته ينصاع وعادت تختفي نحو الحمام الملحق بالغرفة. فتح الباب ليتواجه مع رأفت الذي رمقه بعداء تحول فجأة إلى صدمة، لكنه لم يتراجع. زمجر به وكأنه وجد شيئًا مناسبًا للوم: _أنت إزاي تخرج كدا. أجابه "ريان" ببرود:

_حضرتك مستعجل والحقيقة مارضيتش أوقفَك كتير لأن ممكن في ثانية تجيب لنا بوليس الآداب وتخرجنا من هنا بملايات. انزعج "رأفت" من ردوده الباردة واستفزازه المستمر وتلميحاته السخيفة واشتد غضبه وهو يدفعه ليدخل للغرفة: _وقــــح. أنا كلامي مش معاك، أنا عايز بنتي. زفر بضيق من استمرار اقتحامه حياتهم الخاصة ومن ثم ينزعج. أجاب بعدما دار حول نفسه في الغرفة: _فين بنتي يا بني آدم أنت؟ رد البنت فين؟ من بين أسنانه رد "ريان":

_أنا خارجلك بالبشكير، هتكون هي فين؟ ..... في الحمام. لوح "رأفت" بإصبعه واتجه نحوه يهدره بحدة: _أنت عارف إني مش موافق على موضوع السفر دا، وبرغم من كدا عملته. قابل حدته بنظرات باردة، محاولاته المستميتة باستفزازه والتحكم بقراراته وإدارة حياته التي لم تنته. من الواضح أنه لا يجد ما يشغله. استمر يحدق به حتى هدر من جديد: _امشي يا ريان، خلي عندك دم، هدمر البنت، أنا مستعد أجيب لك أي ست تشاور عليها بس سيب بنتي.

اشمأز من حديثه وظهر الامتعاض على وجهه. مد يده إلى ما حول خصره وهو يهتف بنبرة فاترة: _بالسلامة أنت بقى عشان عايز أغير. اقترب منه رأفت وهو يهدده ساحقًا الكلمات بين أسنانه: _امشي بكرمتك ولا أقسم بالله هخرجك من هنا بفضيحة. لم يهتم بتهديده وهتف بنبرة شبه متوسلة: _ما عندكش أنت بنطلون بقميصه عشان لسه ما جبتش لبسي من البيت التاني. رمقه " رأفت" بحنق فاستطرد: _هرجعوا والله، أوعى تفهمني غلط يا حمايا. حرك "رأفت"

من أمامه وهو يهتف بضيق: _البيت دا ليه حرمة، مش بيتك عشان تمشي فيه على كيفك. ودون اكتراث أجاب ضيقه ببرود: _خلاص أروح بيتي عشان أبقى فيه على كيفي. خرج رأفت عن الغرفة وترك "ريان" يهتف مستنكرًا: _قال البيت ليه حرمة، أومال لو مكانش ليه كنت عملت فينا إيه أكتر من كدا. في غرفة عدى، كلا منهم اتخذ طرفًا يغلب على "مرام" التوتر بسبب ما حدث، تشعر بالضيق لإحراجها، تكاد تبكي من فرط شعورها بالحرج، وكلما طال الصمت ازد تحفزها للبكاء.

في الجهة الأخرى كان "عدي" يدس يده في جيبه ويحدق في الفراغ من شرفة الغرفة التي تطل على الحديقة الواسعة. صمته لا يعكس ما بداخله، بداخله بركان مشتعل. تفاعلات تظهر على عينيها التي تحولت زرقتها إلى بحر هائج ومظلم. غضب لم يكن لها منه نصيب، بل كان على حالتها التي أوقعها فيها وكان سبب في جرحها بهذا الشكل. لا تستحق هي كل هذه المعاناة، وكما شكلت الحادثة عقدة نفسية لديها، شكلت في نفسه تشويه عميق.

أصبح يرى ما حدث نصب عينيه ويتفاعل على وجهه بغضب يكاد يحرق كل المكان. أسند رأسه إلى زجاج الشرفة ولكم رأسه عدة مرات، وهذه الصورة البشعة ترفض أن تختفي من وجهه. حتى أوشك على تحطيم الزجاج، ما منعه من هذا صوتها المتردد الذي ناداه ليخرجه من كل هذا: _عــدي. توقف على فجأة واجفل عندما انتبه إلى وجودها معه. التف لينظر لها وقد لاحظ فورًا كم الحزن الذي يكسو وجهها، وبسهولة شديدة التقطت أنها تلوم نفسها بشدة. رد عليها بتلهف:

_نعم يا مرام. عضت طرف شفتها وزاغ بصرها في الغرفة وسكتت قليلاً وكأنها تبحث عن شيء ما. أثارت فضوله في معرفة ماذا بعد هذا التشتت، وتمنى أن لا يكون اعتذار، ولكن ليس كل ما نرجوه نجده. هتفت بحرج شديد ووجنتها مخضبة بالحمرة: _أنا آسفة. سحب نفسًا مطولاً وكأن الهواء سيختفي، فملأ رئته بالهواء ثم زفره ليهتف نافضًا رأسه بتأكيد: _إنتِ مش محتاجة تعتذري نهائي يا مرام، إنتِ محتاجة حياة أفضل من اللي أقحمتك فيها، ودا اللي ناوي عليه.

سألت بشك وهي تعاين وجهه الذي بدا حزينًا وأسف: _يعني إيه؟ مط شفتيه مستدعيًا ابتسامة لم تكن من قلبه فقط، بل اصطنعها ليطمئنها: _هنروح نتابع عند دكتورة نفسية أول ما نسافر مع تمار وريان. انتفضت من كلماته وتحركت صوبَه بقلق وهي ترتعش من أين يعرض عرضًا كهذا في ثاني يوم للزواج. تستصغر نفسها كثيرًا وتزداد خيبة أنها فشلت حتى في إرضاء أفضل رجل قابلته في حياتها. وقفت ترجوه: _لا بلاش نروح لحد، أنا هبقى كويسة.

أردفت وهي تشيح بنظرها عنه: _أنا عارفة إن المفروض إن مش دا اللي أنت منتظره مني، لكن أنا بوعدك وقت قليل وهاخد عليك وهبقى تحت أمرك. قطعت كلمتها الأخيرة خوفًا من عدم الوفاء بها. لم يعجبه ما سمعه منها فهتف بنبرة حازمة وهو يميل برأسه إليها: _أنا اتجوزتك عشان بحبك، دا أول سبب وحطي دا في راسك على طول، وأي حاجة تانية تيجي بعدين. كل اللي محتاجه بس إنك لما تحسي بخوف....

أخرج يدها من جيبه وفتح ذراعيه على مصرعيهما، فجذب نظرها إليه وكأنه فتح الكون بأكمله أمامها ليردف بابتسامة مؤكدة: _إنــك تــطـــمـــنــى فـى حـضــنـى. كانت تود بشدة أن ترتتمي في أحضانه، ومن يقاوم هذه الجنة التي فتحت أبوابها على مصراعيها أمامها؟ من سيرفض هذه الأحضان وهذه الابتسامة؟ كادت أن تلقي نفسها دون تردد نحوه.

واتسعت ابتسامته عندما لاحظ تقربها تجاهه، شعر بإحراز تقدم سريع يكفي ضمها إلى قلبه، فهو لم ينس هذا الحضن الذي ناله في المستشفى عندما شعرت بالخوف، كان متشوقًا لتذوقه مرة أخرى. لكن طرقه الباب قطعت كل شيء قيل من ورائها برسمية شديدة: _"عدي بيه". أهل الست مرام تحتارخى.

يده وأشار لها لتخرج معه، ربما لم يكن وقتًا مناسبًا، لكن كان مخرجًا مناسبًا لها، فهي لا تضمن ردة فعلها إن جاذفت وارتمت بأحضانه، قد يسوء الأمر أكثر وربما كرهًا للأبد، وهذا لن تتحمله أبدًا. وصل "إبراهيم وخديجة" وأول من سأل عنه هو "ريان" بعد موجة حارة من الترحيب من كلا الطرفين. فأجابهم "عدي" مندهشًا: _ريان فوق، حضرتك محتاج حاجة؟ ظهر الضيق على ملامحه "إبراهيم" ورد بسخط:

_أيوا عايزين نسأله على صاحبه إلياس، إحنا لسه موصلينه امبارح وإنهارده غير العنوان. حرك رأسه بتفهم ونهض من مكانه وهو يهدر: _حاضر هطلع أناديه. التفتت "خديجة" إلى "مرام" وهي تسألها بسعادة: _أخبارك إيه يا مرام؟ حركت رأسها وابتسمت على مضض وهي تجيب باقتضاب: _الحمد لله. عادت لتسألها خديجة وهي تنظر حولها: _هو صحيح أخته اللي فرحها كان معاكي امبارح دي هتعيش معاكم على طول؟ حركت كتفها ونفضت رأسها قائلة: _ما أعرفش.

تدخل "إبراهيم" مناديًا إياه بحنق: _خديجة واحنا مالنا؟ إحنا هنتحكم في الناس يقعدوا مين في بيتهم ومين لاء. التفتت إليه خديجة وهي تبرأ نفسها بقول: _أنا بس عايز أطمن على بنتي، ماليش دعوة بحد تاني. أجاب وهو ينظر باتجاه "مرام": _إحنا مجوزينها لراجل محترم، وهو اللي ملزوم قدامنا، وأنا شايف إن عدى قادر إنه يحميها ويطمنا عليها. أشاح بوجهه وهو يسترسل بضيق: _الدور والباقي على التاني.

نقر "عدي" على باب غرفة تمار بلطف، وعندها كان "ريان" لا يزال يقف في منتصف الغرفة يلف الشرشف حول خصره وتمار تبحث له على ملابس مناسبة. ضاق صدره عندما استمع إلى طرق الباب مرة أخرى واعتقد أن رأفت عاد من جديد، فهدر غاضبًا: _تاني، والله المرة دي أخرجله ملط، الراجل دا هيجنني خلاص. أسرعت "تمار" بجذب ذراعه لتوقفه عن ما نوى وهي تتوسله قائلة: _خلاص بقى ريان، كفايا بقى إحراج. نظر إليها وهتف متشنجًا:

_أنا لسه قايلة إني ما جبتش هدوم وهو برضوا مصر يرجع تاني. أردف مازحًا وقد هدأ عواصفه وهو يحدق بها، غمز بطرف عينه: _إيه رأيك، ممكن يكون أعجب بيا؟ ابتسمت له وعاد ليحتضنها من جديد وهو يهتف بحنو: _أنا مستعد أتحبس معاكي هنا ميت سنة وأكتر. وما إن استمع إلى طرق الباب من جديد حتى أكمل من بين أسنانه: _بس يراعوا مشاعرنا. هنا صاح "عدي" من خلف الباب: _افتح ياريان عايزك.

وعندما استمع إلى صوته تحرك صوب الباب، ما كان ليفعلها إلا لعدي فقط. فتح الباب وسرعان ما رفع "عدي" أحد حاجبيه متعجبًا من ظهوره هكذا أمامه. انتبه "ريان" وعقد ساعديه أمام صدره وتسأل ببرود: _أكيد عجبتك مش كدا. ضم عدى حاجبيه وسأله مستنكرًا: _الجواز أثر على دماغك لدرجة دي؟ حرر "ريان" يده وهو يرد عليه بحنق: _أعمل إيه؟ نسيت أجيب هدوم معايا وأبوك زهقني من امبارح عايز يبات معايا، مش عارف أنا اتجوزته هو ولا إيه؟

لوح له "عدي" بيده وقال متفهمًا: _خلاص هجيب لك هدوم من عندي بس انجز عشان عم إبراهيم تحت وعايزك. سأل "ريان" متعجبًا: _ودا كمان عايز إيه؟ أجابه "عدي" قبل أن يلتف عنه: _عايز يعرف إلياس ودا مكة فين؟ "مكة" عندما شعرت بحرقان حاد اندفع إلى جوفها. صاحت وهي تسعل بشدة إذ تبين أن ما تجرعته لم يكن ماء بل خل أبيض. التف حولها الخادمات يتساءلن بقلق: _مالك؟ انتِ كويسة؟ نفضت رأسها وأدمعت عينها وكأنها وجدت سبب لهذا.

كادت تسقط أرضًا وهي تدور بفوضى بحثًا عن أي شيء تستند إليه، لكن لم تجد إلا الفراغ. كانت "إلهام" تشاهدها وهي في تلك الحالة وهي تعقد يدها دون أن يترف لها جفن، تتمنى حقًا أن تكون تجرعت سم وحان موعد موتها. حبها أعمى وكرهها أعمى على هذه الجلبة والهمهمات. حضر "إلياس" والذي فزع من تخبط "مكة" ووجهها المحتقن وسعالها المستمر مع دورانها حول نفسها. أسرع باتجاهها وهو يناديها بفزع: _مـــكـــه، مالك؟

أمسك بها ليساندها وتحرك بها صوب أحد الأحواض وهو يزعق بضيق في كل الحاضرين: _إنتوا إزاي سايبنها كدا؟ حصلها إيـــــه؟ همست إحداهن وهي تنظر باتجاه "إلهام" التي بدا الغضب عارمًا على صفحة وجهها: _شربت خل. ضمها إلى صدره وبدأ يهيل المياه على وجهها. استغلت وجودها في أحضانه وكذلك المياه التي غمرت وجهها وانهارت بالبكاء دون صوت، يأكلها الألم والحسرة حتى صدره الذي تحتاجه به شريك.

لم يكن لها وحدها، حلمها هوسها باسمه وصورته بات كابوسًا مرعبًا. لمس بشرتها بحنو وعينه تنتقل بسرعة على وجهها وهو يسألها بقلق: _حاسة بحاجة؟ علقت عينها بعينه واتضح له أنها تبكي من شيء آخر، لا تشكو من أي شيء. أجابته بهمس متوسل: _نار في قلبي إطفيها. استمر يحدق إليها، أوشك على قول الحقيقة وإعلان الاستسلام، ثم رفع وجهه ليحدق حوله ليشاهد نظراتهم التي لم تتزحح عنهم، وكذلك وجه والدته المشتعل. بات بين المطرقة والسندان.

أبعدها عنه وكأنه لاحظ قلقه الذي جذب انتباه الجميع وأغضب والدته. أبعدها عنه وصاح بهم بإنزعاج: _بتبصوا على إيه؟ خليكم في شغلكم. توجه نحو والدته لكنها سريعا انسحبت من المكان، فهرول ورائها دون النظر خلفه. شعرت "مكة" بالخواء. نظرت حولها لتجد نفس الأعين التي كانت تحسدها من لحظات على اهتمامه بها، تشفق عليها عندما ظهرت من هي مالكة قلبه الأولى والأخيرة، وهي بالنسبة له يوم وسينتهي قريبًا.

"إلياس" ناداها وهو يخشى حديثها اللاذع الذي حتمًا سينزع استقراره: _إلهام أنا بس،،،،، استدارت فجأة وصاحت به غاضبة، الغضب الذي كان ينتظره: _أنت جايبها هنا ليه؟ روح من هنا خدها وإمشي واعتبرني مش موجودة في حياتك، أنا ما بقتش عايزاك. صوتها العالي كان يصل إلى أذن "مكة" بوضوح وازداد شعورها بالخجل وتحيرت أين تختفي. هي أيضًا بين نارين.

إنسانيتها لن تجدي نفعًا في العيش وسط هذا المجتمع، لكن ما استمعته منه يوضح أنها ستعيش معه حياة قصيرة جدًا، لا للأبد. "إلياس" حلم وردي ستفيق منه في أي لحظة. صوته كان يصلها بوضوح وهو يحدثها قائلاً: _عمري ما أقدر أسيبك، أنتِ عارفة إنك أهم واحدة، أهم حتى من نفسي. صاحت عليه من جديد ولكن نبرتها كانت مجروحة للغاية: _أنت ما شفتش نفسك وانت بتجري عليها، أنت حتى ماكنتش واخد بالك من أي حد.

ما تكذبش يا إلياس، أنت عمرك ما هتعرف توفق ما بينا، عشان كدا كفايا عليا أنا كدا، لمها وإمشي من هنا. هنا انفجرت "مكة" في البكاء، لم تقوى على تحمل كل هذا الألم وحدها. انبثقت دموعها بلا توقف. وحتى لا تسقط كرامتها أكثر من هذا وسط الخدم، هرولت نحو غرفتها لتخبئها هي ودموعها. فيلا رأفت، جلس "ريان" مقابل "خديجة وإبراهيم" وهتف بترحيب: _أهلا وسهلا شيخ إبراهيم. حرك رأسه "إبراهيم" وهو يرد ترحابه بمباركة روتينية: _أهلا بيك...

ألف مبروك. باقتضاب أجاب ريان كي ينهي كل هذا ويدخل إلى سؤاله مباشرة: _الله يبارك فيه، خير. وبالفعل لم يطل "إبراهيم" هدر سريعا بنبرة عدائية: _مكة فين يا باشا؟ أجفل "ريان" ونفخ بضيق: _يادي أم السؤال اللي ما بيخلصش. مال بجسده للأمام وضم أطراف أصابعه ليتساءل: _هو إحنا مش جوزنها امبارح وبقت في عصمة راجل جاي تسألني أنا ليه؟ أجابه "إبراهيم" بضيق: _وإحنا كنا نعرف منين راجل ولا عيل. لم يعجب "ريان" عداء إبراهيم تجاه إلياس، لكنه

ابتسم وهدر وهو يغمز له: _لاء راجل وسيد الرجالة كمان، وأنت عارف كدا كويس. إلياس لو كان عايز يخطفها كان خطفها وما عرفتلهاش طريق، جره لكن دخل البيت من بابه واشترى رضاك. لو وحش زي ما بتقول ما كنتش الدبان الأزرق كان هيشم ريحتها وكنت فضلت عمرك تسأل مــكـــه فـــين؟ تململ "إبراهيم" في جلسته بعصبية ولم يتردد وهو يزمجر بحنق: _وإذا كانا وصلناه امبارح على عنوان وإنهارده غيروا يبقى غرضه إيه؟

بيخطفها باسم القانون ولا بيكتفنا عشان لما نبلغ عنه يبقى في السليم. تراجع "ريان" بجسده وشهق وكأنه مصدوم: _يكون أخدها يعرفها على مراته الأولى. اتسعت عين "إبراهيم" على آخرهم وتوترة كلا من "خديجة ومرام". هتفت "خديجة" وهي تضع يدها على صدرها باستنكار: _معقول ياخدها في يوم صبحيتها. استمرت دهشة إبراهيم لثواني ثم قال: _يعني متجوز قبل بنتي وما قالش. أومأ "ريان" وهو يرسم على وجه ابتسامة سمجة: _ويقولك ليه مش بنتك عارفة...

وبعدين هو هيتجوزها هي ولا هيتجوزك أنت؟ عرف "ريان" الحقيقة، لكن كانت رغبة إلياس وهو لن يخالفها، هذه حياته يديرها كيف يشاء، هو حر تمامًا فيما يفعل ولا سلطة لريان عليه. نهض "إبراهيم" وقد تملكه الغضب حتى أنه لم يعد يرى أمامه ونادى "خديجة" بانفعال: _يلا بينا يا ام محمد خلي بنتك تشبع بيه. وقفت "خديجة" إلى جواره وتوسلته قائلة: _بالله عليك يا ابو محمد نروح نطمن عليها، قلبي وجعني عليها ومش عارفة هي عاملة إيه دلوقتي؟

ولما لمحت منه القبول، تعرفه قلبه اللين لن يقسو على ابنته مهما غضب، التفت إلى "ريان" تسأله بإستعطاف: _ممكن يا ابني تدينا العنوان. لم يكن يقبل أبدًا، خاصة بعدما حذره "إلياس" من هذا وابلغهم أنه سيأتي بنفسه ولا حاجة لقدومهم، لكن نبرة خديجة وتلهفها بقلب أم مكلومة على رؤية ابنتها جعلته يملي إليها العنوان. يده تحركت عليها وبدت مستسلمة مع خطواته الراقصة.

وجدت نفسها في غرفة منتشر على فراشها ورود ومزينة ببعض البالونات وكذلك ملصقات ذات ألوان زاهية بأحرف "أحبك". لم يصل معها أحد لهذه المرحلة ولم تسمح لأحد بالتقرب منها إلى هذا الحد. شردت معه وهامت مع أحاسيسه المجنونة، وهذا يعني لها الكثير، أولها هو الأمان. هي لا تأمن أي شخص كما تأمن شريف ولا تحب شخص بقدره ما تعشقه. لكن هذا العشق لم تكتشفه من قبل لأنها كانت جاهلة في التفريق بين كل المشاعر.

وقد تحول شريف من أخ وأب وأمان إلى زوج وحبيب وسند. أوشكت على الغرق معه، لكنها عندما استمعت إلى صوت سحابة فستانها انتفضت وكأنها استيقظت من غفوتها لتتقلص وهي تهتف برهاب: _بلا ش أنا خايفة. لم يكن هناك اختيار، لقد وصل لنقطة لا رجوع بها. تشبث بها معانقًا ملامحها التي ود من زمن أن يقبلها ولا يترك منها إنش دون قبلاته. هدر: _يا حبيبة عيني، ما تخافيش، وأنتي معايا. عبث في خصلاتها المتدلية على وجنتها وأستطرد بهيام:

_أنا مستني اللحظة دي من زمان. عارفة أقسى آمال العاشق إيه؟ عاد يسيطر عليها وتودد إليها بلمسات ناعمة على عنقها وهو يهمس ببطء متعمد: _قرب وحضن ودفء وأمان. أنا محتاجلك وإنتي كمان محتاجاني. قلبها ناب عنها بالاجابة: نعم تحتاجه، ومن بقى لها بهذا العالم سواه؟ ومن بقيت تحتمي به من كل شيء؟ حتى والدتها لن تستطيع الابتعاد عنه ولا تعرف سبيلاً غير طريقها. أين تذهب وهو الآن يفتح لها أبواب صدره؟

شفاه التي استقرت فوق ثغرها كانت السيف القاطع. انتهت مقاومتها وترددها وبدأت تتجاوب معه. يالها من لحظات لم تجربها هي من قبل وهو كان يتمناها من زمن. اليوم يوم عيده، اليوم يوم انتصاره، اليوم يوم خـــــرافـــــي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...