الأمور كانت تسير بشكل روتيني بمنزل أكرم ونورهان. نفس الطقوس اليومية يعاد تكرارها. منذ آخر مرة تواجه بها معها وتركها، وهي مبتعدة عنه. ليس الابتعاد المادي الملموس، فهي تقوم بواجباتها على أكمل وجه. ملابسه مغسولة ومطوية بعناية. أكله ونومه وفراشه المنظم دائماً. قهوته المرة والتي أدمنها من صنع يديها كل صباح بنفس الموعد تكون بانتظاره لاحتسائها. ولكنها مبتعدة معنوياً.
نظراتها تائهة منكسرة وقد اختفى البريق اللامع بهما وإلى الأبد. يشعر بأنها جسد ينبض بلا روح. صامتة على الدوام عدا من بعض كلمات بسيطة كطلب يخص ملك ابنتهما أو شيء للمنزل. لا ينكر أن صمتها يحيره ولكنه يثير غيظه فهو غير معتاد. اليوم لابد وأن يعرفها بما ينوي فعله. فهو له كل الشكر لم يقصر معها أبداً. ولابد وأن يحيا حياته كما يريد ومع من يحب وهي ليست مضرة بشيء. انتظر أن تجلس بعد أن وضعت الطبق الأخير لوجبة الغذاء على المائدة.
وقبل أن تبدأ قال بهدوء منافٍ تماماً لتوتر أعصابه: -أنا هتجوز. بهدوء قالها. هدوء ظاهري نقيض لحيرة تأكل كل شيء بداخله. كانت تمسك بمعلقتها كي تبدأ بالأكل وبجملته الباردة تلك ألجمتها. وضعت المعلقة بهدوء على المائدة أمامها. وإن كان يريد منها تبدلاً أو شيء يثبت له بأنها لازالت تحيا، فقد ناله. فنظرتها التي رفعتها لناظريه كانت كفيلة بالرد. نظرتها وكأنها خاب أملها. نظرة منكسرة لجندي خسر معركته الأخيرة. -مبروك.
من قال أن المرأة سهل فهمها فهو أحمق، أبله. فأكرم توقع ثورة. انقلاب. دموع ورجاء بألا يتركها. ولكنها، وللأمانة، أفحمته بردها. صمت قليلاً وهو يقلب بملعقته الطعام أمامه دون أن يأكل. ثم سألها باستغراب لم يستطع كبحه: -متفاجئنيش يعني. كأنك كنتي عارفه. والعجيب أنها ابتسمت. نصف ابتسامة تعلو ثغرها، ملامحها احتلتها الحزن رأسها محني قليلاً وأمامها طبقها كما هو لم تمسه. -كنت حاسة. ثم انكسرت نبرتها أكثر.
ووجهها زاره البؤس رغم أدعائها بالنقيض. وقالت: -كنت حاسة بكل حاجة. كل حاجة أنت كنت بتعملها معايا كانت بتأكدلي إنك هتسيبني قريب. عاجلها بنبرة صادقة دون شك بصوته الأجش: -أنا مقولتش إني هسيبك. أنا هتجوز. وبعرفك عشان متتفاجئيش وعشان تشوفي إنتي ناوية على إيه. رفعت وجهها إليه. وتفاجئ هو بنظراتها وكأن الدموع تحجرت بمقلتيها. لو هزها لانهمرت على الوجنتين. ظلت تنظر إليه بجمود. جمود غريب عليه.
ران الصمت الثقيل عليهما لحظات طوال كانت كفيلة بحرق أعصابه وهو ينتظر ردها. ونطقت أخيراً بعد تنهيدة مكتومة حبستها بصدرها. نهضت من مكانها واستقامت. -أنا هقوم آكل ملك. مبروك للمرة التانية. وتركته وهو يحدق بها بذهول وحيرة وبعض من الضيق. ضيق للأسف اكتنف صدره ولا يدري سببه. *** القهر يولّد الغضب، والعناد يولد التمرد. وبداية التمرد عند حنين. تنورة رمادية ضيقة تتجاوز الركبتين بالضالين.
إن رآها المقصود أغاظه لجن جنونه وهذا المطلوب. يعلوها بلوزة زهرية اللون ضيقة للغاية مفتوح أول ثلاثة أزرار منها. تقف أمام فراشها تنظر للبنطال والبلوزة والتي اعتادت ارتدائهم بناءً على تعليماته بغيظ تود تقطيعهم. ولذلك ارتدت غيرهم من الممنوع عليها ارتدائهم. وإن لم يعجبه فأمامه الجدار وليطرق رأسه اليابس به. جمعت خصلاتها من الأمام بدبوس معدني مزين بحبات لؤلؤية صغيرة وباقي خصلاتها الكستنائية تركتها مسترسلة على كتفيها وظهرها.
جذبت حقيبتها المدرسية واحتضنتها وخرجت من غرفتها ثم خرجت من المنزل دون فطور، فمازال الجد نائماً على الأغلب. كانت تطوي درجات السلم مسرعة وكأنها تسابق نفسها. تنوي مغادرة البيت قبل أن يراها قاسم. فهي حتى وإن تعمدت إغاظته فلا تفضل رؤيته حالياً. ولكن، وللأسف، من لا تريد رؤيته يفصل بينهما عدة درجات بالفعل. قلبت عيناها ما إن رأته أمامها بمدخل البيت الواسع يستند على البوابة الحديدية بانتظارها تقريباً.
يرتدي بنطال جينز أزرق داكن يعلوه قميص قطني رمادي خصلاته مبعثرة وذقنه غير مشذبة كعادته مؤخراً. وما إن رآها حتى انتصب بوقفته وتبدلت قسمات وجهه من ملل الانتظار إلى الغضب بسبب ملابسها. اتقدت عيناه ناراً تطاير الشرر منهما وهو يراها تتجاهله وتتخطاه دون كلمة وكأنه هواء. خطوتان خلفها وكان يمسك برسغها يجذبها إليه بغيظ. فتلفت إليه دون أن تنظر إليه. فقال مستهزئاً: -يا بنتي لو النظر عندك بعافية شوية. عرفينا عشان نعالجك.
جذبت يدها من قبضته بعنف. وقالت بحنق وهي تفرك رسغها من أثر مسكته الغليظة: -مش عايزك تكلمني ياسيدي. وأظن ده من حقي. اشتد به الغيظ منها فقال بحدة: -هو إيه اللي مش عايزة تكلميني. هو أنا عيل بلعب معاكي. وبعدين إيه اللي إنتِ لبساه ده ياحنين من امتى وانتِ بتلبسي كده. قال كلامه الأخير وهو يشير بنظراته السوداء على ملابسها. -من النهاردة ياقاسم هلبس كده عنداً فيك ووريني هتمنعني إزاي. رفع إحدى حاجبيه بتحدي وقد اتسعت فتحتي أنفه.
مال عليها بطوله وهمس: -أوريكي. ابتعدت عنه قليلاً بخوف وتراجع. ازدردت ريقها وهي تقول بتلعثم خفيف: -مش من حقك تتدخل في حاجة تخصني أنا. بابا عايش وكمان جدي مسؤول عني. مش انت. صاح بها وقد غلبه الغضب: -اللي متعرفوش، أو عرفاه وبتستعبطي إن جدك نفسه هو اللي وكّلني أكون مسؤول عنك. عنك كلك بلبسك بأكلك بشربك بكل حاجة. من وانتِ خمس سنين وأنا كنت كل حاجة بالنسبالك وانتِ كمان.
شددت من احتضان حقيبتها وكأنها درع واقٍ سيحميها منه ومن فوران غضبه الدائم. أشاحت بوجهها عنه وأغمضت عينيها وهي تهتف: -ألغى كلام جدي أنا كبرت وخلاص أنا مسؤولة عن نفسي. -من امتى. ونبرته كانت غريبة. عادت بنظراتها إليه لتتلقفها نظراته الغامضة. وملامح وجهه لا تعبر عن شيء. تسائلت بعدم فهم: -هو إيه اللي من امتى. وتلك المرة لانت نبرته ومازالت نظراته الغامضة تأسرها.
اقترب منها ونظراته مرت على كل شبر بها بدأ من خصلاتها المنسابة مروراً بحقيبتها السوداء والتي تخفي عن عينيه جزعها العلوي إلى أن وصل لخصرها ومقدمة تنورتها الضيقة. فأعاد النظر ثانية لعيناها وهمسته الأجش باسمها. -كبرتي من امتى ياحنين. ولم يكن سؤال وقح. تلك النبرة كانت صادقة هي أحست بها. وكعادتها تهوى الهروب اعترضت. تنهدت بضيق والحمرة القانية لونت وجهها: -قاسم. لو سمحت. ولكنه تجاهل اعتراضها. فسأل بآخر: -كبرتي عليا.
-صباح الخير والعسل. استدارا كليهما برأسيهما على صوت كمال وهي يلقي تحية الصباح عليهما بابتسامته المعهودة وملامحه الهادئة بفطرته. أشاح قاسم بوجهه محرجاً دون رد وبادلته حنين التحية وهي تقترب منه مبتسمة: -صباح الفل يا أبيه. صاحي بدري ليه. ارتفعت نبرة كمال وهو يرمق قاسم بخبث ليشير عليه وهو يقول بمكر: -الظاهر إن مش أنا بس اللي صاحي بدري. صاحي ياستي بدري عشان عندي شغل ضروري ولازم يخلص انهاردة عشان الحق أروح المحكمة.
تنحنح وأجلى حلقه يحاول أن يتخلص من ارتباكه. فهو يكره أن يكون مكشوفاً هكذا. ويعلم بأن كمال يفهمه وهذا يزيد من حرجه وتوتره. قال ونظراته يوزعها هنا وهناك: -صباح الخير يا كمال. يللا ياحنين عشان أوصلك. ردت بعناد: -لأ. أجز على أسنانه. ثم تكلم بغضب غلف نبرته: -بقولك يللا عشان هوصلك. تدخل كمال منهياً كلامه: -خلاص ياقاسم روح انت شوف مصلحتك أنا هوصلها. اقتربت أكثر من كمال حتى صارت بمحاذاته. ثم قالت مغيظة له كالأطفال:
-أيوة أنا عايزة أبيه كمال يوصلني. فارت دماؤه حد الغليان. زفر أنفاسه بغضب ثم قال لكمال بنبرة مكتومة: -أنا بس مش عايزك تتعطل عن مصلحتك. أنا هوصلها في طريقي يعني. ابتسم كمال بمكر. قال بتلاعب يجيده مع قاسم: -لا مش هتعطل ياسيدي متخافش. يللا يانون. أحاطها كمال بذراعه على كتفيها بعاطفة أبوية تفتقدها هي دائماً ودائماً كان يعوضها كمال بها. وما إن رأى قاسم ذلك المنظر حتى تحول لثور هائج من سرعة أنفاسه الساخنة الغاضبة.
ظل يراقبهم إلا أن اختفوا من أمام عينيه المشتعلة غيظاً. استدار وسار بالطريق المعاكس وهو يسب ويلعن ويتوعد وبقدمه يركل الأحجار الصغيرة بعنف منفساً فيها ولو قليلاً عن غضبه. *** وبعد أن أخذا الطريق سيراً على الأقدام، متجاهلاً هو لسيارته المعطلة. كان كمال أمام مدرستها يقف أمامها ونظراته مليئة بالحنان. فلطالما كان كمال بمثابة الأخ الكبير والذي عوض غياب الأب إلى حد ما. وضع كفيه على بشرة وجنتيها بحنو صادق. وقال بطيبته:
-حنين أنا عارف إني قصرت معاكي في الفترة الأخيرة بسبب وفاة خديجة الله يرحمها وانشغالي بالأولاد. بس خلاص ابتدت الأمور تتظبط وريم ابتدت تشيل عني الحمل شوية. لو عايزة أي حاجة مني ف أي وقت. أي وقت يانون. تكوني مكلماني أنا. وسيبك من الواد قاسم الغلس ده. اللمعت عيناها بالدمع ولا تعرف لما. أومأت برأسها وهمست: -عارفة. أنا فعلاً محتجالك أوي يا أبيه الفترة دي. وابتسم لها وهو يربت على وجنتيها وقال بمرح:
-وأنا ياستي هكون المارد بتاعك وقت ما تعوزيني. اطلعيلي علطول وأنا كلي أذان صاغية. وضحكت بوجه مشرق له. ثم ودعته ملوحة له بكفها ودخلت لمدرستها وهو استكمل طريقه بعد أن استوقف إحدى سيارات الأجرة. *** ومن توقع بأنها رفعت عنه الحمل ولو قليلاً غارقة حتى أنفها، فريم أنثى على مشارف الثلاثين لا تجيد شئ في الحياة إلا الدلال والغنج. فوالدتها كانت لا تعتمد عليها بشيء وهي أيضاً.
وبين ليلة وضحاها أصبحت زوجة وأم بديلة لأولاد شقيقتها المتوفية. حتى وإن كانت زوجة مع إيقاف التنفيذ إلا أنها تقطن مع رجل غريب عنها مسؤولة عنه وعن ملابسه وأكله وما إلى ذلك. أما الأولاد فحدث ولا حرج. مراد الولد الأكبر يشبه والده بكل شيء منظم حد الملل مهذب معها بالحديث وهي لا تشتكي منه أبداً. فولد كمراد ذو السبع أعوام بتصرفاته تلك بالتأكيد معجزة.
وزين ذو العامين ونصف العام وحمداً لله أنه نائم الآن فهو منذ أن يستيقظ إلى أن يغفو إما أن يبكي أو يريد أن تظل حاملة إياه تلاعبه وتهدهده. وحاتم واه من حاتم سبب عنائها بهذا المنزل ألا يكفي أنها مرغمة على العيش معهما. لا، فحاتم لا يتقبلها كزوجة أبيه ولا يقبل مساعدتها بشيء ولا حتى يحدثها. وإن صادف واجابها تكون وقاحته رداً: "انتي مش ماما عشان أسمع كلامك". "انتي عايزة تكوني مكان ماما".
خطوات سريعة وكانت تلحق بمراد تلبسه حقيبته المدرسية على ظهره وتضع بها شطائره والعصير الخاص به. ثم ودعته بقبلتين على الوجنتين يخجل الولد بسببهما ولكنه يكتفي بالايماء. يلحق به حاتم عاقد حاجبيه ممتعض الملامح منها ومن تصرفاتها. لتقترب هي منه لتعدل من قميصه البيج فينفض يدها عنه بقلة تهذيب ويقول لمراد: -كفاية رخامة بقى. الباص هيفوتنا. وهي لن تحزن فحاتم مازال طفل ولن تهتم بتصرفاته الوقحة تلك.
فخير علاج لوقاحته معها أن تتجاهله. هرولت إلى شرفة المنزل بعد أن ارتدت مئزر الصلاة وعدلت الحجاب على خصلاتها. لوحت للصغيرين بكفها قبل أن يصعدا الأتوبيس المدرسي ليلوح لها مراد بكفه مبتسماً والأخير هز رأسه رفضاً وصعد حانقاً. *** وحضور الطابور المدرسي والنشيد الوطني والشمس المشرقة على رؤوس الطلبة لأمر مكروه عند حنين وهنا. هنا التي ما إن رأتها حتى سحبتها من كفها خلفها لتسير ورائها تسألها: -انتي وخداني موديني على فين.
مش هنحضر الطابور. تسير دون أن تأبه بها. ردت بلامبالاة: -لأ مش هنحضره. عايزة أوريكي حاجة مهمة. وتجاوزا البوابة الحديدية الكبيرة. وخرجت وحنين ورائها منساقة. وبشارع جانبي وراء المدرسة رأته. مستنداً على مقدمة سيارته "الجيب" مكتفاً ذراعيه أسفل صدره، يرتدي بنطال أزرق فاتح وقميص قطني أبيض مفتوح أعلاه يعلوه سترة سوداء وبعنقه سلسال فضي يختفي طوله أسفل قميصه. اعتدل بوقفته وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة رائعة يجيد رسمها.
ونظراته الثعلبية لمعت بمكر عند رؤيتها. شهقت حنين بعنف وقد تفاجأت من وجوده. التفتت برأسها إلى هنا ورمقتها بغضب. ولكن هنا لم تهتم تركت يدها وابتعد قليلاً وقالت ضاحكة: -أعمل إيه. هو كان عايز يشوفك وانتي مترددة دايماً. قولت أدبسك. وركضت مسرعة لداخل المدرسة وتركتها بمفردها بمواجهته. ليتحول غضب حنين إلى خجل وضيق فلأول مرة تكون بهذا الموقف. استدارت سريعاً بنية العودة ولكنه كان أسرع منها فسد عليها طريقها دون أن يلمسها.
وقال لاهثاً وهو مازال يبتسم: -انتي رايحة فين بس. أنا ما صدقت أن وأخيراً شفتك وهنتكلم. حبيبات عرق نبتت على جبهتها وارتباكها ورجفة أطرافها كانا دليلين على خوفها. هتفت وهي تتلاشى النظر إليه بصوت بالكاد يُسمع: -أنا خايفة حد يشوفني. وبعدين أنا أول مرة أقف مع شاب. والثعلب اقترب والخطوة الأولى كانت جرأة منه. واقترابه زاد من إصراره ليقول بنبرة صادقة زائفة وهو يضع يده على صدره: -طب أعمل إيه.
حطي نفسك مكاني بقالي مدة نفسي أشوفك وأكلمك وانتي بتماطلي. وارتباكها ازداد وارتجف خافقها وقربه الجريء تسبب بصدمتها. لتبتعد خطوة وتلون وجهها بالحمرة. تردف بتلعثم: -أنا مش بماطل. وابعد شوية لو سمحت. وجنتيها متوردتين أكثر من السابق. تبدو شهية للأكل. نفذ طلبها فوراً وابتعد ولكن ليس كثيراً. همس بأسف مصطنع: -آسف. بس بجد أنا تعبت من الانتظار، وحابب يكون كلامنا وتعارفنا face to face من غير هنا ما تكون بينا. تسائلت بضيق:
-طب وبعدين. آخرة تعارفنا إيه. صمت برهة وكأنه تفاجئ بسؤالها. تدارك صمته سريعاً وقال مؤكداً: -طبعاً لازم هاجي أخطبك. أنا كلمت ماما عليكي وهي نفسها تشوفك فعلاً وتتعرف عليكي. ثم أخرج من جيب بنطاله الضيق ورقة بيضاء مطوية واعطاها لها مستطرداً: -عموماً ده رقمي. أنا خدت رقمك من هنا. سجليه عندك عشان لازم نتكلم. وأثناء حديثه كانت هي تتأمله بصمت. طويل جداً يفوق قاسم بسنتيمترات قليلة.
خصلاته الفحمية الناعمة بتسريحة عصرية تليق به كثيراً على عكس قاسم لا يمشط شعره إلا بالأعياد. ولحيته السوداء الخفيفة وبابتسامته المذهلة ليس كعاقد الحاجبين دائماً. نفضت رأسها تنفض تفكيرها بقاسم ف أكيد ليس وقته. ابتسمت بخجل وتوترت ما إن لامسها بأطراف أنامله وهو يعطيها رقمه. -حاضر. ممكن تعديني بقى. وكان مطيع. فانزاح عن طريقها. -اتفضلي. خلي بالك من نفسك عشان خاطري. ظل يراقب ظهرها وابتسامته الثعلبية ازدادت مكراً. حدث
نفسه وهو يتوجه لسيارته: "على عيني أسيبك بس الجايات أكتر ياقطة". *** بشركة عاصم النجار. أتاه صوت زياد من خلف باب مكتبه المغلق يطلب الإذن بالدخول وهو ما منحه له على الفور. ليدلف زياد للداخل بهدوء ويجلس أمامه دون كلمة. تسائل عاصم بحاجبين مرفوعين مندهشاً: -زياد جاي بدري الشركة. لأ دنتا تتحسد أنا هندهلك أماني تبخرك. وزياد ليست تلك طبيعته. فكان جالساً بهدوء يناقض صخبه المعتاد يزفر بضيق وهو ينقر بأصبعيه على المكتب.
عاود سؤاله باستغراب: -مالك. تنهد زياد ومازال يضرب بأصبعيه سطح المكتب: -نيرة عايزة بيبي. ورد عاصم ببساطة: -طب ماتجيب لها بيبي. رمقه بنظرة حانقة. ثم تحدث من بين أسنانه: -ولاه إحنا هنستظرف. والآخر قرر مناوشته وزيادة عبوسه: -هو إيه اللي هنستظرف. زياد انت تمام يااض. ونال الضحكة وعاد العابث لشقاوته ليهز كتفيه بمشاغبة: -أنا زي الفل واسأل عليا. ضحك عاصم بشدة وهتف بنبرة سمجة: -لأ معلش أتأكد.
ليجيبه زياد غامزاً وقد تعدل مزاجه وأخيراً: -لأ أنا ملييش في الخشن. أنا في الناعم وبس. -اتفضل دي العقود اللي حضرتك طلبتهم مني. انتفض كل منهما على صوت ارتطام الملفات بسطح المكتب وصوت مدام أماني العالي الحانق دوماً. قال عاصم وهو يرمقها بغل يحاول التقاط أنفاسه: -بسم الله. ف ايه ياحاجة. قطعتيلي الخلف. التفت زياد إليها برأسه وصاح بها: -والله ما أعرف هو انتي عدوة البيبان يا ست انتي. نفسي مرة أشوفك بتخبطي.
قالت وهي تتجاهل النظر إليه. وقد امتعضت ملامحها فصارت كالجورب المقلوب: -بلاش انت تتكلم معايا. روح ربنا يهديك. اتسعت حدقتاه مندهشاً ليسأل بحنق: -إييييييه ده. عاصم أنا مش عارف مين شغال عند مين. وهي مازالت تتجاهل بمنتهى الوقاحة والبرود قالت بتقرير: -لو سمحت يامستر عاصم. قول لمستر زياد الست ال Rubbish اللي بتجيله هنا الشركة متجيلوش تاني. حفاظاً على سمعة الشركة. مال عاصم بصدره على المكتب وهمس بصوت مسموع نسبياً:
-أنت تعرف rubbish من ورايا. وارتفع صوتها واستنكرت تصرفاته الغير مسؤولة: -لا بجد يافندم أنا ملومش على مستر زياد بقى. إذا كان رب البيت بالدف ضارب. ثم خرجت من المكتب وهي تضرب الأرض بكعبي حذائها المتوسط غاضبة. وما إن صفت الباب خلفها حتى كادت أن تخلعه. ليلفت زياد لعاصم مستفسراً بذهول: -أنت سايب الست دي تخبط فينا كده ليه. ليجيبه عاصم ببديهية وهو يعدد على أصابعه مميزاتها: -شايفة شغلها صح.
محترمة مواعيدها تظبط عليها الساعة ومنظمة وبتفهمني ودي أهم حاجة. ثم استطرد مستنكراً: -وبعدين إيه موضوع الست اللي بتجيلك هنا دي أنا مرضتش أحرجك قدامها. بس لو عايز تعط تعط برة مش في شركتي يالا. زفر زياد وعاد العبوس لملامحه مرة أخرى: -صدقني أنا عايز أخلع منها. أساساً أنا حاسس إن نيرة شاكة فيا. ورد عاصم كان مليئاً بالشماتة: -أحسن تستاهل. يارب تعرف وأسيبك. -حرام عليك. لأ أنا خلاص هنهي الموضوع الشمال ده. أنا قلبي مش مرتاح.
اعتدل عاصم على كرسيه. وهتف بجدية: -يبقي أحسن. نخلينا في الشغل بقى. أخبار الصفقة إيه. أجابه واثقاً: -متخافش إن شاء الله هترسي علينا. وعاصم توجس. عقد حاجبيه وقال بشك: -هو أنا ليه لما انت بتقولي متخافش بخاف. -والعابث غمزته حاضرة ورده ثقة ليشغبه: -عشان انت خفيف ياحلو. *** "... علموني أندم على الماضي وجراحه. واللي شوفته قبل ما تشوفك عيني. عمر ضايع يحسبوه ازاي عليا." صدح المذياع بتلك الكلمات الملحنة للست أم كلثوم.
وبصوتها الذي يروقه دائماً ويعدل من مزاجه قام برفع صوت المذياع أكثر. ثم عاد ليجلس كما كان جالساً عكس الكرسي الخشبي يستند بذراعيه على ظهره بفمه سيجارة وأسفل كرسيه وبجواره العديد من أعقاب السجائر التي قام بحرقها. لم يكن مدخناً شرهاً من قبل ولكن اليوم شياطين الكوكب تتلبسه. كان ممسكاً بهاتفه يضغط على شاشته عدة ضغطات ثم رفعه على أذنه. يهز ساقيه بعصبية. ينفث دخان سيجارته بضجر وهو بانتظار الرد.
وقد أتاه ليلقي سيجارته بالأرض وهو يهتف بتهذيب غير معتاد عليه: -السلام عليكم. إزيك ياعمي عماد. وعلى الجهة الأخرى جاؤه رد ليجيب كاذباً: -وإنت كمان والله. لقيتك واحشني قولت أتصل أطمن عليك. صمت قليلاً ريثما يأتيه الرد من عمه. عنقه بكفه وهو يقول بحرج: -إيه ده. هو أنا للدرجادي مكشوف. طب بما إنك عارف ياعمي. فأنا شايف إن مفيش داعي للتأخير وتنزل الأسبوع الجاي نكتب الكتاب. كاد أن يستمع ولكنه قاطعه: -كل ده ومستعجل.
حرام عليك ياعمي. ده تقريباً أنا الوحيد في العيلة اللي لسه متجوزتش. عبست ملامحه وقال بضيق: -طب ولا حتى تقدر تنزل خلال الشهر ده. وانتظر أن ينتهي عمه ثم قال وهو يزفر أنفاساً مشتعلة: -طيب خلاص. اللي صبرني كل ده هيصبرني للشهر الجاي. صمت مرة أخرى. ثم قال منهياً قبل أن يغلق الهاتف: -تنزل بالسلامة. لا إله إلا الله. *** "لو ياستي عايزة تتأكدي أن جوزك بيخونك تعالي المكتب بتاعه الساعة 9 وانتي هتتأكدي بعينك".
لن تكون تلك الرسالة هي الأولى فقد سبقها الكثير من الرسائل من أرقام مجهولة وبالتأكيد لن تكون الأخيرة إذا قررت التجاهل ككل مرة. ولكن تلك الرسالة لا تستطيع تجاوزها هكذا. فتلك بها ميعاد محدد. وأمام التجاهل أو الحذف وقفت كالصنم. والغريب أن ولأول مرة قررت نيرة المواجهة وتركت الرسالة دون حذفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!