يقف بشرفة المنزل الواسعة يراقب الطريق الممتد أمامه بغضب. لاتمر عليه دقيقة إلا وهو ينظر بساعته ضيقاً وضجراً. فالأميرة خاصته تأخرت بالعودة، وأيضاً لا تجيب على اتصالاته ولا رسائله. وعلى مايبدو أنه دللها حد الإفراط كي تتدلل عليه وتتجاهل رسائله. يستند بذراعه على السور الرخامي للشرفة مائل بجزعه قليلاً. بجانبه على السور كوب الشاي الساخن تتصاعد منه الأبخرة.
رمق ساعة يده مرة أخرى غاضباً، وأصوات إخوته بالداخل تناديه ويتجاهلها بدوره. فاليوم ميلاد والدته وهم يحتفلون بها رغماً عنها. فوالدته الحبيبة لاتحبذ تلك الأشياء وتخبرهم كل مرة بأنها كبرت على ذلك والعيب وشيب رأسها وما إلى ذلك. ومع ذلك يحتفلون بها بقالب حلوى بسيط وهدايا قيمة تناسبها.
رفع رأسه مرة أخرى للطريق أمامه، وأخيراً رآها تسير بخطوات بطيئة على غير هدى وكأنها محبطة. خصلاتها المموجه برقة على وجنتيها وجبهتها تخفي ملامحها عن عينيه المشتاقتين. رآها وهي تدلف للداخل بهدوء ليرتشف كوب شايه الساخن على رشفتين، ثم يلج للداخل. لحظات وكانت أمامه تزفر بقنوط ملامحها عابسة ولا يعرف السبب. نزعت عن كتفيها حقيبتها ثم ألقتها أرضاً جانباً. خطوات بسيطة وكان أمامه. وبسلطة فرضها هو عليها هتف بتساؤل: -اتأخرتي ليه؟
قلبت ملامحها بضيق. وبحركة عصبية بأناملها أبعدت خصلاتها عن وجهها وقالت: -كان عليا درس بعد المدرسة. تحدث بحدة: -و مقولتليش ليه؟ والدرس ده كان من أمته انشاءالله؟ قلبت عيناها بملل ثم هتفت من تحت أسنانها: -مقولتلكش عشان مش لازم اقولك. مش كل حاجة لازم تعرفها ياقاسم. وقبل أن يبتلعها كالعاصفة على قلة تهذيبها معه كانت أمه تناديها بنبرتها الطيبة: -تعالي ياحنين كلي تورته. أنا عارفة انك بتحبي الشيكولاته ياحبيبتي.
ليقول كمال الذي يجلس بجوار والدته وهو يضحك بخفة: -حنين عاملة دايت ياأمي. مش هترضي تاكل. عقدت الأم حاجبيها باستفهام: -ايه الدايت ده ياولاد. تعالي يانونا كلي أي حاجه.
نظرات الأم الطيبة لها لم تهز بها شعرة. ف هي قد أتت بآخر مالديها من صبر وطاقة تحمل. تجاهلتها كما تجاهلت حديث كمال المرح ونظرات قاسم الغاضبة، ونظرات ريم الحاقدة المحترقة بحسرة وهي ترى بأعينها اهتمام قاسم بها وحبه الجلي كالشمس. تكرهها وبشدة، فهي كانت الأولى والأحق باهتمامه وليس هي. ودون سلام أو استئذان غادرت حنين تحت انظارهم المندهشة من تغيرها. ليلحق بها قاسم بخطوات واسعة غاضبة: -حنيييين..
كانت تلك زعقته باسمها يستوقفها قبل أن تصعد. -مالك فيه ايه؟ والاهتمام ظاهر والنبرة قلقة والملامح تفضح عن حب لا يستطيع كتمانه أكثر. -مفيش. فقط كلمة واحده منها باهته كقسماتها اليوم. لتزيد من قلقه. لانت نبرته قليلاً. وغير الموضوع. -لما اتأخرتي فكرت انك بتجيبي هدية لأمي. قالت بنبرة حادة مستهينة: -وأنا هجيب هدية لأمك ليه. غضن جبينه بغضب. حاول كبحه ونجح. قال باستفهام وهو يحدق بعينيها كعادته وكأنه بحاول سبر أغوارها:
-هي مش أمي تبقى امك بردو. سكتت. سكتت دقيقة كامله تدار بين نظراتهم حرب. نظرات غضب وحنق. ونظرات انتظار. نظرات ذهول. وبعزم وإصرار هدرت: -لأ مش أمي. ثم صعدت خطوه وشددت على كلماتها بفحيح: -أمي لسه عايشه ياقاسم. وولته ظهرها واستكملت خطواتها. فهتف بغضب: -أمك اللي عايشه دي رميتك زمان ولا نسيتي. اقتربت منه خطوتان ومالت بجزعها العلوي. ورفعت سباتها بوجهه محذره: -آخر مره ياقاسم هسمحلك انك تقول اني رمتني زمان. ليمسك برسغها
يجذبها إليه في عنف واضح: -ولو قولت ان امك رميتك هتعملي ايه. ها ردي عليا قوليلي هتعملي ايه. ثم تابع بحرقة صدره منها. وقد أرتفعت نبرته واحتقنت ملامحه: -مش دي الحقيقة. مش امك رميتك وراحت أتجوزت وبدل الراجل اتنين وتلاته. بتدافعي عنها اوي ومحموءة. طب بالنسبة للناس اللي ربوكي واهتمو بيكي واحتوكي دول ايه. هوا. تمتم بخفوت مشتعل وكأن كلماته تخرج كنار تحرقه قبلها: -احمدي ربنا ان احنا موجودين ف حياتك كان زمانك ضايعة. واقترب
منها حد تلامس الأنفاس: -متبقيش جاحده زي امك. تنهد بضيق وهو يجلس أمامها قرابة الساعة وذات الحديث الذي لا ينتهي. ود لو غادر وتركها بمفردها ولكن يعلم بأنها ستأكل رأسه بعتابها ولومها وكم أنها ضحت لأجله وانتظارها له والى آخره من كلامها الذي لاتكل ولا تمل من تكراره عليه.
اعتدل بكرسيه واراح بظهره عليه يرمقها بحيرة. جيلان كانت حب عمره منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها بالجامعة وباتت حلم كل ليلة. كم لعن غباؤه وتسرعه حينما تركها واستمع لجده وتزوج نورهان. واااااه من زواجه بنورهان. وكأن نورهان عدوى أصابته باضطراب المشاعر وانفصام العواطف. فها هو يجلس أمام جيلان والمفترض بأنه يتوق أكثر منها لزواجهما ولكن عقله شارد بكلمة قالها زياد كان غافل عنها "أو تسيبك وتطلق" وهو لايريد طلاق فهي يتيمة ووحيدة وهو رجل ولا يقبل بأن يتخلى عنها. هكذا برر لنفسه تمسكه بها.
ضربة جيلان الغاضبة على الطاولة البلاستيكية الفاصلة بينهما جعلته ينفض أفكاره من رأسه وينتبه لها وهي تسأله باستياء: -أكرم. هو انت متصل بيا وعايز تقابلني عشان تفضل ساكت وانا اللي اتكلم.
تأملها بعينان مركزتان تعقد مقارنة بداخلها. شعرها أسود ناعم دائماً منسدل على ظهرها. ملامحها الهادئه الناعمه وبشرتها الحنطية على العكس من نورهان شعرها قصير لا يتجاوز كتفيها خصلاتها دائماً منسابة بهدوء ودلال على وجنتيها كشخصيتها الخجولة دائماً. عينا جيلان سوداء ماكرة بنظرة واحدة لعينيها تعرف كم هي ذكية. أما نورهان فزيتونيتيها دائماً حالمة. عض على شفتيه غيظاً من أفكاره اليوم وشروده. ليقول متنهداً:
-آسف. بس أنا مصدع من الشغل وكمان منمتش امبارح. استندت بذراعها على الطاوله وابعدت كوب عصير البرتقال الموضوع أمامها بضيق. ثم قالت وحاولت أن تكون نبرتها ناعمه حزينة قدر المستطاع: -قولي طيب يا أكرم هتقول امتى لأهلك ع جوازنا. انا بقيت حاسة انك مش عايزني زي ما انا عايزاك. بنظرات حائرة سألها: -ليه بتقولي كده. انكمشت ملامحها بحزن تجيد تمثيله وقت اللزوم. وصنعت نبرة لطالما أثرت بها عليه:
-علطول سرحان وكلامنا مع بعض قل. هو انت مبقتش عايزني يا أكرم. ومالت بجزعها أكثر للأمام وبكفها أمسكت كفه الموضوعة أمامه بدلال وجرأة أكملت كلامها: -قولي يا أكرم خلاص مبقتش تحبني زي الأول. خلاص نسيتني. عايزني أبعد. نظر لوجهها ورسم ابتسامة لطيفه على ثغره. وقال بجدية: -طبعاً عايزك ولسه بحبك. وصدقيني خلال الأسبوع ده هكون معرف جدي كل اللي بينا. لتنفرج أساريرها وهي تقول بسعادة:
-بجد يا أكرم وأخيراً. يارب فعلاً المرة دي تقوله بجد وتبطل خوف. أنت مش عارف أنا ضحيت عشانك ازاي واستنيتك قد إيه. وها قد عادت لنفس الكلام عن التضحية والانتظار. ليقول بسخط وضيق: -أنا مش خايف يا جيلان. أنا بس مستني فرصة مناسبة عشان اكلمه مش أكتر ولا أقل. هتفت بتوتر وهي ترفرف بأهدابها كالأطفال: -طبعاً ياحبيبي اكيد مش قصدي. سحب كفه من بين كفيها وقال بجمود: -طب يللا اشربي العصير بتاعك عشان اوصلك لاني تعبان وهموت وانام.
ابتسمت رغم شعور داخلي خبيث بداخلها يوسوس لها بأن الأمور لا تسير على هواها وأكرم نفسه تغير حاله. أمسكت بكأس العصير ومازالت ابتسامتها المصطنعة تعلو وجهها وأخذت ترتشف من العصير رشفات قصيرة متتالية. أما عن أكرم فنيران مشتعلة بخافقه بسبب ما قاله زياد ليهتف غاضباً بباله "منك لله يازياد".
ان قلنا أن شهريار متيم. ستشعر بغباء وانت تقرأها. كيف لرجل لا يؤمن بالحب يقع به. كيف لرجل ك "عاصم" أن يسلم قلبه لامرأة حتى وإن كانت ببراءة وجمال أمنية. كيف أن يثق وقد فقد ثقته في الجميع.
يجلس بمقهى خاص برفيقه على طاولته الخاصة بالمكان مرتدياً بنطال كلاسيكي كحلي اللون وقميص أزرق فاتح مفتوح أزراره العلوية بتبجح ليظهر صدره العريض وجسده المنحوت. تجلس بالقرب منه فتاة تنتظر ولو نظرة فقط منه وهو بارع بالتجاهل وخاصة وأن كان عقله شارد بأخرى. أخرى جميلة رقيقة ذات غرة تسلب الأنفاس. والجميلة تجيد التدلل فمنذ أن اتفقا على اللقاء بشكل يومي بالنادي من أجل أن يتعرف على بعضهما بشكل أقوى وهي مختفية.
تململ بجلسته ونظرات ملتصقة من جواره باتت تخنقه. التمعت بعينيه فكرة سرعان ما قام بتنفيذها. انتصب بجسده العلوي على الكرسي وقام برفع هاتفه النقال بطول ذراعه وقام بالتقاط صورة له بخاصية "السيلفي" وهو يبتسم ابتسامته الرائعة. ثم حملها ووضعها على "الانستغرام" تبعه مرفقة بكوب من القهوة. وهو ينقر باصبعه برتابة بانتظار نجاح خطته. وبالفعل لحظات وجائته رسالة على الرسائل الخاصة: "حلوة الصورة". وابتسامته تحولت لضحكة ظفر. رد وقال:
-انتِ اللي حلوة. مرفقة بوجه يغمز. وردها كان "قلب أحمر" وفقط. أرسل لها وقد نفذ صبره: -مش بشوفك ليه. ردها كان سريع دون تفكير كتبت: -مش فاضية خالص. بذاكر. اندهش. أي مذاكرة تتكلم عنها. -بتذاكري إيه. مش المفروض انك خلصتي كلية. غابت عن الرد دقيقة. دقيقة كافية برسم العبوس على وجه الوسيم. ثم ردت: -ااه. ايوة بس انا باخد كورسات انجليزي وبراجعها حاليا. المهم انت عامل ايه. كتب سريعا:
-الحمدلله تمام. المهم انتِ وحشاني هنتقابل امتى. من الذي يتحدث ويسحب الكلام منها. هو. عاصم. والله لو قال أحدهم له قبل تلك الساعة أنه سينتظر رد فتاة على رسائله والتودد لها لضحك وقال عنه مجنون. كتبت: -بكرة هشوفك ف النادي. -طب وبالنسبة لوحشاني. ضحكت بخجل وارفقته بوجه أحمر وكتبت "أنا محستهاش" وأغلقت. وهو لازال على وضعه الهاتف بيده والإبتسامة على وجهه ورغم غرابة نظراته الا أنه كان سعيد. سعيد لدرجة الانتشاء.
ان عشت طفولتك في كنف أمك وأبيك بشكل طبيعي فهذه نعمة لا يدركها سوى من حرم منها. لطالما آمنت بأن اليتم الحقيقي هو يتم الأم والأب وهما على قيد الحياة. أنت لا تدرك معنى أن تكون بحاجة لحضن أمك ولا تجده لأنها وببساطة شديدة فضلت آخر عليك. آخر على شكل زوج. وأنت. أنت آخر اهتماماتها.
ممدة على فراشها. تنهمر دموعها دون إرادتها. وخافقها يضرب صدرها بعنف. تتسائل لما كل هذا يحدث معها. ف بعد أن اتفقت مع صديقتها هنا على مقابلة رامي. إلا أنها تراجعت بآخر لحظة خوفاً من أن يراها قاسم. وليتها ما تراجعت ع الأقل ما كانت سترى أمها. كانت تسير بجوارها مع رجل يبدو أنه أكبر منها بالكثير ولكن من ثيابه الفاخرة يبدو مدى ثراه. لم تنتبه أمها عليها. لم تشعر بها من الأساس. كانت وستظل على الهامش بحياتها وحياة والدها.
ازداد نحيبها قهراً وألماً حتى قاسم ذلك الكاذب والذي يدعي حبها لم يشعر بألمها. أليس الحب أن يشعر المحب بمن يحب دون أن ينطق. وكانت كلما شعرت بقهرها ضربت بقبضتها الصغيرة الفراش غضباً. أمسكت بوسادتها وكتمت به صرختها خشية من أن يسمعها جدها. صرخة لو سمعها أحد لتمزق قلبه وجعاً لأجلها. نحيبها يزداد وسؤالها المقهور يضرب كل خلية بجسدها بقوة. "متى ستعود لأمها. أو بالأصح متى ستعود أمها لها".
بهوة المشاعر والأحلام كانت ريم تسقط دون إرادتها. تنظر إليه وهو أمامها يصعد درجة وأخرى إلى أن وقف أمامها وبابتسامته الهادئة الرزينة كشخصيته ألقى عليها تحية بسيطة. والشكر لله أنه وأخيراً رآها وحتى وإن كانت زوجة أخيه لا يهم. هي أرغمت على الزواج من كمال. هي مازالت تحب قاسم وترسم خيالات هو بطلها. تنهدت بعمق وردت تحيته بابتسامة واسعة حالمة لم ينتبه عليها. واستكمل صعوده واستوقفته بصوتها الناعم كآلة موسيقية
صوتها خفيف على الأذن: -قاسم. أنا عايزة أتكلم معاك. وقاسم وكعادته عقدا حاجبيه أكثر وضاق ما بين عينيه. ليتسائل ببلاهة: -عيزاني أنا. خير ف ايه. صعدت درجة لتفصل بينهما درجة واحدة صغيرة ترمقه بطوله المهيب وملامح الغاضبة دوماً. تلاعبت بخصلاتها ثم تحدثت بتوتر خجل: -أنا ياقاسم عايزة اقولك اني اتغصبت على الجواز من كمال. وإن انا مش بحبه.
وليتها ماتحدثت ولا استوقفته. فالملامح الطيبة الغاضبة انكمشت أكثر وأكثر وتطاير الشرر من حدقتيه لو طالها لاحرقها مكانها. -وتقوليلي ليه انك مغصوبة. مش عاجبك العيشة معاه اتطلقي كمال اخويا ألف واحدة تتمنى ضفره. التمعت الدموع بعينيها وقالت بصوت غلبه النحيب بعد أن تشجعت: -أنا بقولك عشان انا بحبك انت. بحبك انت ياقاسم. كان كالشيطان أمامها باحمرار عيناه وقسماته التي احتقنت كالدم القاني. امسك بمعصمها بعنف آنت هي متوجعة.
قال من بين ضروسه: -اوعي اسمعك تقولي الكلام ده تاني. ولو شوفتك ف وشي تاني همسح بكرامتك الأرض. تكلمت من بين غلالة الدموع المتساقطة على وجنتيها متوجعة: -قاسم أنا. ليقاطعها هو بحدة وهو ينفض يدها بعيداً عنه: -انتِ حقيرة.
أحست بالضيق في كل شيء حولها. الدرج أصبح أضيق من ثقب الإبرة. ضاق صدرها عليها وضاقت أنفاسها. أحست بالاختناق لتنتفض من نومها فزعة. استقامت بمنتصف جسدها وهي تلهث بذات الوقت الذي اقتحم فيه كمال غرفتها دون أن يطرق الباب. أشعل الضوء الجانبي وهرول ليجلس بجوارها على الفراش. بكفه مسح جبينها من العرق الذي يتصبب عليه. ورفع خصلاتها الملتصقة بوجنتيها وجبهتها. ليقول قلقاً:
-ف ايه ياريم. انا كنت بصحي مراد عشان يفطر قبل مايروح المدرسة سمعتك وانتي صوتك مخنوق كأنك مش قادرة تطلعي صوتك. رمقته ريم برعب وكأنها مازالت بذلك الكابوس الذي يراودها منذ فترة. قالت محاولة التقاط أنفاسها: -مفيش كان كابوس مزعج. الحمد لله اني صحيت. مسح بيده على خصلاتها وأعلى كتفها متجاهلاً قميصها الشبه عاري وهيئتها المهلكة لعينيه. قال مهدئاً بصوته الحاني:
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. خير متتوهميش نفسك. ارتاحي انتي. وأنا هفطر مراد وحاتم واوديهم المدرسة. وأما تفوقي وتهدي ابقى قومي لزين. شكرته بعينيها وقد استمعت بعضاً من صوتها: -شكراً يا كمال. هناملي ساعة ولا حاجة وهقوم لزين. وكمال مضطر أسفاً أن يبتعد. نادماً أنه سيتركها هكذا. نهض مستاءً ليلتفت برأسه لصوتها وهي تقول: -ممكن تقفل النور والباب وراك.
امتعصت ملامحه. ثم ضغط كمال بعنف على زر الإضاءة كي يطفأه ثم صفق الباب خلفه مغتاظاً.
سيسأل الرجل لامرأته ما أن يضمن بقاءها. تلك المقولة قالتها أمامي إحداهن. وكم كانت صادقة على قدر وجعها. الأمور كانت تسير بشكل روتيني بمنزل أكرم ونورهان. نفس الطقوس اليومية يعاد تكرارها. منذ آخر مرة تواجه بها معها وتركها. وهي مبتعدة عنه. ليس الابتعاد المادي الملموس فهي تقوم بواجباتها على أكمل وجه ملابسه مغسولة ومطوية بعناية. أكله ونومه وفراشه المنظم دائما. قهوته المرة والتي أدمنها من صنع يديها كل صباح بنفس الموعد تكون
بانتظاره لاحتسائها. ولكنها مبتعدة معنوياً. نظراتها تائهة منكسرة وقد اختفى البريق اللامع بهما والى الأبد. يشعر بأنها جسد ينبض بلا روح. صامتة على الدوام عدا من بعض كلمات بسيطة كطلب يخص ملك ابنتهما أو شئ للمنزل. لا ينكر أن صمتها يحيره ولكنه يثير غيظه فهو غير معتاد.
اليوم لابد وأن يعرفها بما ينوي فعله. ف هو له كل الشكر لم يقصر معها أبداً. ولابد وأن يحيا حياته كما يريد ومع من يحب وهي ليست مضروورة بشيء. انتظر أن تجلس بعد أن وضعت الطبق الأخير لوجبة الغذاء على المائدة. وقبل أن تبدأ قال بهدوء منافٍ تماماً لتوتر أعصابه: -أنا هتجوز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!