مشيو البنات ورا حاج محمد وكل واحدة فيهم جواها توتر وقلق من الموقف، لكن كان جواهم حاجة بتقولهم إنه راجل غلبان وباين على وشه السماحة والطيبة، وإنه رسالة من ربنا ليهم. بعد وقت بسيط وصلوا تحت البيت. الحاج محمد: تعالو يابنات معلش البيت مش قد المقام. عشق: متقولش كده، بالعكس ده شكله مريح. طلعوا وراه، كان ساكن في الدور الأول. طلع المفاتيح وفتح. الحاج محمد: يانور يانور انتي فين يابنتي.
جه صوت نور من بعيد: أنا هنا يابابا، في المطبخ، استنى جايه. الحاج محمد: طب تعالي شوفي المفاجأة.
فضلت البنات يبصوا للشقة، على قد ما هي بسيطة بس فيها كمية راحة متتوصفش من بيوت زمان الجميلة. سقفها عالي وبحري وليها ريحة خاصة، ريحة تعبر عن أصالة المكان والجو الشعبي الجميل بتاع زمان. وفي وسط ما هما بيبصوا عالبيت، جت نور وهي لابسة بيجامة بيتي مريحة ورافعة شعرها ورابطاه بأيشارب عشان ميتبهدلش، ولابسة مريلة مطبخ وماسكة في إيدها جوانتي بتاع فرن، والإيد التانية سكين، كان شكلها يموت من الضحك.
نور: خرجت من المطبخ لقت والدها واقف وجنبه 3 بنات ومعاهم شنط، وقفت تنحت. نور: اتجوزت ياحاج محمد؟ ويوم ما تتجوز تتجوز 3؟ (كتمت البنات ضحكهم) الحاج محمد: اتجوزت إيه يآخرت صبري؟ أنا متجوزتش من يوم المرحومة أمك، هاجي دلوقتي وأعملها؟ ويوم ما أعملها أتجوّز بنات قد بنتي؟ أقول عليكي إيه؟ كسفاني طول عمرك. معلش يابنات بكره تتعودوا عليها. نور: بكره الموضوع شكله مطول، طب إيه لسه في مرحلة تعارف؟
الحاج محمد: يابنتي اسكتي بقى، وأنا هفهمك. ابلعي ريقك بس وتعالي سلمي. نور: مين دول؟ الحاج محمد: أنا لسه هتعرف عليهم ياستي وعلى أساميهم معاكي. نور: كمان جايب بنات متعرفش أساميهم؟ لا ياحاج انت بقيت خطر على الأمن الوطني. (ضربها حاج محمد على دماغها) الحاج محمد: يابت اسكتي شوية. الحاج محمد: معلش يابنات امسحوها فيا، هي لسانها متبري منها، بس مفيش أطيب من قلبها، بكره تحبوها. نور: أه والله، ده أنا بلسم. بس بردو انتو مين؟ عشق:
(بضحك) انتي شكلك مشكلة. تمارا: أنا اسمي تمارا. زهرة: وأنا زهرة. عشق: وأنا عشق. نور: إيه ده بجد اسمك عشق؟ الله حلو أوي. عشق: انتي اللي جميلة يانور. نور: (قربت من والدها وبصوت واطي بس مسموع للبنات وبطريقة كوميدية) أيوه ياحاج، بس بردو دول مين؟ أنا بصراحة ربنا مش مطمنالك.
الحاج محمد: يابنتي اسكتي بقى. بصي ياستي، أنا كنت بجيبلك الحاجة اللي طلبتيها، وأنا ماشي لقيت البنات واقفين بيتكلموا مع بعض وشكلهم باين عليهم إنهم تايهين، وفجأة لقيتهم ابتدوا يعيطوا، وصراحة حاجة قالتلي استنى أشوف حكايتهم وأعرف مالهم، يمكن أقدر أساعدهم. ومن كلامهم عرفت إنهم مش عارفين يروحوا فين. نور: يعني انتوا تايهين؟ عشق: (بابتسامة) لا يانور مش تايهين، دي حكاية طويلة، عندك وقت تسمعيها؟ نور: إيه ده؟ حكاية وطويلة؟
أموت أنا في الرغي. أه طبعًا عندي وقت، خصوصًا إن النهاردة خميس أهو، تبقى حكايتكم بدل الفيلم بتاع السهرة. (بصلها حاج محمد) نور: إيه ده؟ أوعوا تزعلوا، أنا بهزر والله. تمارا: (بابتسامة) لا ياستي مش زعلانين.
الحاج محمد: طيب، الأول ياآخرت صبري، خدي البنات. أنا هدخل الأوضة بتاعتي، وانتي دخليهم الأوضة بتاعتك لو حابين ياخدوا حمام، واضح إنهم من صباحية ربنا بره. وبعد كده حضري لنا الأكل عشان يبقى عيش وملح، وبعد كده نبقى نقعد ونحكي. نور: طيب تمام، يلا بقى ياحاج على أوضتك، وأول ما نخلص نبقى ننادي عليك. الحاج محمد: ماشي يابنتي، بعد إذنكم يابنات البيت بيتكم. دخل الحاج محمد وخدتهم نور على أوضتها. البنات كانوا محروجين.
نور: لا بقولكم إيه، اللي فهمته من بابا إن تقريبًا هتقعدوا معانا النهاردة، فانفكوا كده وبلاش الإحراج ده. ده أنا مصدقت ألاقي حد يسأل عننا أو يزورنا. عشق: ليه محدش بيزوركم؟
نور: لا خالص، ماما اتوفت وأنا صغيرة، وأصلًا أهل بابا وماما من محافظة تانية، وبابا وماما بعد ما اتجوزوا جم عاالقاهرة، كنا بنروح فالإجازات. وبعد ما ماما ماتت تقريبًا بنروح كل فين وفين. بابا ديما مشغول عشان الشغل، وأنا فالجامعة مفيش وقت خالص، ومليش صحاب. وزي ما انتوا شايفين مليش غير بابي. تمارا: ربنا يخليه لكِ. نور: طب يلا بقى لو حابين تاخدوا شاور؟ انتوا معاكم هدوم ولا تاخدوا من عندي؟ إحنا تقريبًا نفس المقاس.
عشق: لا إحنا معانا، تسلمي يانور. نور: طب يلا طلعوا هدومكم وتعالوا واحدة واحدة كده تاخد دش عشان ناكل. أحسن أنا واقعة من الجوع. تمارا: طب اكسبوا فيا ثواب وادخل أنا الأول. نور: طب تعالي يلا. لحد ما هما يظبطوا هدومهم. طلعت تمارا بچامة نوم والأسدال بتاعها عشان تلبسه فوق الهدوم، ودخلتها نور. وفضلوا البنات واحدة ورا التانية لحد ما أخيرًا خلصوا. نور: يلا ياحاج محمد، الأكل جاهز.
خرج والدها: أنا كمان جاهز ياست نور، وميت من الجوع. يلا يابنات اتفضلوا. هي فين عشق صحيح؟ نور: بتصلي يابابا. الحاج محمد: البنات صَلّوا وخرجوا وهي بتصلي وجاية ورانا. الحاج محمد: ربنا يبارك لكم يابنات. (خرجت عشق) الحاج محمد: تقبل الله يابنتي. عشق: منا ومنكم. الحاج محمد: تعالي يلا يابنتي اقعدي كلي. أنا مش عايز كسوف، اعتبروا البيت بيتكم. أينعم الأكل أكيد هتلاقوه بعافية شوية، بس يلا هنعمل إيه بقى. نور: نعم يا سي بابا؟
تصدق انت شكلك كده هتقطع بعيشك معايا؟ ودي أول وآخر مرة هعمل أكل وهسيبك تجوع بعد كده. عشق: ربنا يخليك ياحاج محمد، وطبعًا تسلم إيدك يانور، والله الأكل ريحته جميلة. زهرة: أه والله. وبصراحة أنا واقعة من الجوع، إحنا مفطرناش. نور: مفطرتوش؟ دي الساعة 10 ليه كل ده؟ تمارا: لا ناكل الأول عشان نعرف نحكي. ده انتي غلبتيني يانور في الرغي. نور: الله الله! طب يلا ناكل.
ابتدوا البنات ياكلوا، كانوا مكسوفين، بس مع تهريج نور اللي حست إنها تعرفهم من زمان، ومع طيبة الحاج محمد، ابتدوا ياكلوا وكانوا بياكلوا كأنهم بقالهم زمن مكالوش حاجة. وبعد وقت بسيط خلصوا. قامت نور تشيل والبنات ساعدوها. عملتلهم تمارا شاي. وابتدت نور تغسل الفاكهة وتحطها في أطباق، وحطت في طبق لب، وخدت كل حاجة جابها الحاج محمد وبقت ترص الحاجة بره عالترابيزة. واعدوا كلهم مع بعض.
عشق: بص ياحاج محمد، في البداية كده من حقك علينا إنك تعرف حكايتنا بعد اللي عملته معانا. الحاج محمد: بصي يابنتي، الأول كده لو مش حابة تحكي حاجة دي حاجة ترجعلك طبعًا، واللي عملته معاكم ده واجب، وأي حد في مكاني كان عمل زي ما عملت، ماهو استحالة يعني تناموا في الشارع. عشق: لا خالص، معندناش مشكلة إننا نعرفك حكايتنا. ثانيًا وده الأهم، حضرتك عملت معانا معروف هيفضل في رقبتنا لحد ما نموت.
الحاج محمد: يابنتي متقوليش كده، أنا معملتش حاجة.
عشق: إحنا كان بينا وبين النوم في الشارع خطوة، وانت رحمتنا من البهدلة. في البداية أحب أقولك إننا والله العظيم مفيش من ورانا أي قلق أو أذى ليك أو لبنتك. إحنا أغلب وأضعف كتير من إننا نأذي حد. أنا هحكيلك حكايتنا. أنا اسمي عشق ودي تمارا ودي زهرة. منعرفش ولا اسم ثنائي ولا ثلاثي. باختصار إحنا ملناش حد، لا أهل ولا أم ولا أب. إحنا جينا الدنيا لقينا نفسنا بنتربى في ملجأ لحد سن معين. مكناش نعرف يعني إيه ماما، يعني إيه بابا. فتحنا عينا ملقيناش غير بعض، ولا حتى نعرف مين ودانا الملجأ. مكنش معانا أي حاجة من ريحة أهلنا عشان نقدر لما نكبر نحاول نوصلهم.
(وكملت بدموع وزهرة وتمارا دموعهم نازلة بصمت) وسط تأثر واستغراب الحاج محمد ونور.
عشق: باختصار إحنا ضحية أب وأم ضحك على عقلهم الشيطان في لحظة ضعف، وجينا نتيجة غلطة. غلطة مقدرش يواجه الأب ويحارب عشاننا. ونيجي راسنا مرفوعة. أب مش راجل مقدرش يصلح غلطته عشان لما نيجي يبقى هو ضهرنا وسندنا. اتخلى عنا ببساطة وشاف إن اللي عمله غلطة، وبكل جبروت خلانا إحنا اللي ندفع تمن غلطته طول عمرنا. وغلطة أم مستهترة اتخلت عن شرفها في لحظة ضعف لحد حبته وكانت فكراه راجل. أم متعرفش ربنا، متعرفش يعني إيه أمومة ولقب أم ده
حرام يكون ليها. أنا اللي عرفته إن وصلت الملجأ وأنا جوه كيس زبالة من غير هدوم. أمي اتخلت عني وأول ما ولدتني رمتني. مهانش عليها تلبسني، مهانش عليها تحسسني بالأمان وتاخدني في حضنها لأول وآخر مرة. مهانش عليها تشبعني من لبنها قبل ما ترميني. مكنش عندها وقت، كان كل همها تخلص مني أول ما تولدني، وكأني عار وفضيحة بتخلص منها. طيب لما أنا عار وفضيحة ليه عملتي كده من الأول؟
ليه جبتيني الدنيا وحملتيني غلطة وذنب أنا مليش دعوة بيهم؟ (وكملت بانهيار)
أنا مكنتش أتمنى أبدًا أتكلم كده عن أمي وأبويا اللي أنا أصلًا معرفهمش. أنا كان نفسي بس أعيش، أحس بحبهم ويحسوا بحبي. كان نفسي أكون بنت طبيعية عندي أم وأب وإخوات. كان نفسي في حضن أمي أوي، كان نفسي أجرب إحساس الدفا والحضن والبيت والعيلة. كان نفسي أجرب إحساس إني أتعب وأصحى ألاقي أمي قاعدة جنبي. كان نفسي أجرب إحساس إني أعمل غلطة وأجري أستخبى في حضن أبويا. بس هما حرموني من ده وخلوني أحس إن مهما يحصل حلو في حياتي هيفضل عندي
نقص في فقدانهم. مكنتش أتمنى أحس إني بكرههم، بس غصب عني أنا ملاقيتش منهم حنية عشان يلاقوا مني حنية عليهم. وياريت خلصت على كده. لما وصلت الدار طبعًا مديرة الدار هي اللي سمتنا، أي طفل بيجي الدار من غير أي هوية كانت هي اللي بتسميه. كانت ست طيبة، فضلت موجودة لحد ما تمينا سبع سنين، وللأسف اتوفت وسابتنا بعد ما اتعلقنا بيها. بس الظاهر إن الدنيا كانت مصممة تيجي علينا أكتر من كده، ومسكت الدار المديرة الجديدة اسمها حنان، وللأسف
اسمها ملوش علاقة بيها. ورتنا ذل وقهر وعذاب مفيش حد في الدنيا يستحمله. كانت بتشتمنا وبتضربنا بتعنفنا بالكلام، رغم إننا كنا هاديين جدًا وعمر ما حد فينا عمل تصرف يخليها تكرهنا الكره ده كله. طول عمرها مفيش على لسانها غير كلمة "بنت حرام"، وكأن إحنا اللي اخترنا نكون كده. إحنا الحمدلله طول فترة الدراسة كنا شاطرين جدًا. أنا بدرس طب بيطري جامعة القاهرة، وتمارا وزهرة في تجارة جامعة القاهرة. إحنا مش وحشين، بس هي طول عمرها
بتكرهنا من غير سبب. وطبعًا اللي بحكيه ده ميجيش ذرة في عذاب سنين عشناها معاها، لحد انهارده الصبح. من غير أي مقدمات قررت إنها تمشينا عشان إحنا أكبر ناس فالدار وفيه خمس أطفال رايحين الدار ومفيش مكان غير أوضتنا. مدتناش فرصة نعترض، ولما سألنا قالت خلاص، إنتوا المفروض قربتوا على 21 سنة، مع إن ده مش قانوني، المفروض نفضل لحد ما نتمهم، واللي حابة تخرج تخرج، واللي مش حابة أو مش عندها مكان تروحه بتطوع إنها تخدم في الدار، على
الأقل تبقى اتطمنت إن ليها مكان تعيش فيه. بس للأسف الست دي كانت واصلة وتقدر تعمل أي حاجة. وقدرت تاخد موافقة بأنها تخرجنا. وفي خلال ساعتين كنا لمينا حاجتنا ورمتنا بره الدار. الحسنة الوحيدة اللي عملتها إنها أدت لكل واحدة فينا ظرف فيه ألفين جنيه عشان نقدر نمشي نفسنا بيهم. أو بمعنى أصح هي خدت تبرعات على حسنا للدراسة في الترم الجاي، فرمتلنا مبلغ وخلصت منا. خرجنا ومكنش عندنا فكرة إيه اللي ممكن يحصلنا. كان اللي فاصل بين
حياتنا القديمة فالدار وحياتنا الجديدة هو باب الدار. خرجنا جينا عالحسين، كنت دايما أشوفه في أحلامي إننا بنيجي نزوره أنا والبنات، ولأني مكنتش عارفة نروح فين حبيت إن ده يكون أول مكان نروح، وبعد كده ربنا يحلها. وفعلاً عملت كده وخرجنا من المسجد. فضلنا ندور على أي شقة بسيطة تلمنا لحد ما نحاول نشوف شغل ونقدر نقف على رجلينا، بس للأسف الشقق كلها غالية جدًا. أقل شقة شوفناها كانت بـ 3 آلاف جنيه في الشهر، وإحنا كل اللي معانا 6
آلاف، يعني إيجار شهرين. لفينا كتير لحد ما فقدنا الأمل وقعدنا عالرصيف، والباقي حضرتك عارفه. أنا بس طالبة من حضرتك طلب بسيط، نفضل معاكم يومين تلاتة بالكتير، ومن بكرة الصبح هننزل نلف على أي شقة حتى لو في مكان تاني خالص تكون أقل، هننقل فيها على طول ونبتدي ندور على شغل. لو مش موافق مش هنزعل والله، ومن بكرة الصبح هنمشي. بس هطلب منك طلب، نسيب بس شنطنا، لأن التحرك بيهم صعب. الشنط مليانة كتب وكل أوراق دراستنا وهدومنا، وللأسف
تقيلة أوي وهتعيق حركتنا في إننا ندور بسرعة على مكان.
(عشق وهي بتمسح دموعها) أنا خلصت كلام واختصرتلك على قد ما قدرت حكايتنا. الحاج محمد باصصلهم بعين بتلمع من الدموع وحاسس إنه فقد الكلام. الحاج محمد: أنا مش عارف أقولك إيه يابنتي، اللي حكيتيه ده مفيش بشر يقدر يستحمله. أنا مش عارف أتأسفلكم عن اللي حصل لكم من أهلكم ولا على اللي حصل لكم في الدار. انتوا اتحملتوا كتير،
بس عايز أقولكم حاجة بسيطة: ربنا عمره ما كان ظالم، ومتعرفوش إيه حكمته من إنكم تعيشوا الحياة اللي عشتوها دي. بس انتوا بنات زي الفل، محترمين، عارفين ربنا، بتدرسوا في كليات محترمة، واللي حصلكم مأثرش على أخلاقكم، بالعكس. عايز أقولكم إن فيه عيال مع أهلهم وللأسف ميعرفوش حاجة عن التربية، بس انتوا مختلفين، حلوين، محترمين، متربيين، متعلمين. (وكمل بضحك)
تبقوا طماعين لو عايزين أكتر من كده. بصوا بقى، اللي حصل في حياتكم ده لازم يكون درس ليكم، وميأثرش عليكم. لازم تبقوا أقوى، توصلوا لحلمكم وتقفوا على رجليكم وتنجحوا. متفكروش في الماضي، متفكروش في الجانب الوحش في حياتكم، لأن التفكير في الماضي بيدمر الحياة. اعتبروا يوم خروجكم من الدار النهارده هو يوم ميلادكم لحياة جديدة. وبخصوص الكلام العبيط اللي قلتيه ياعشق يابنتي، ده كأني مسمعتهوش. انتوا هتفضلوا معانا. أنا كان عندي بنت، والنهاردة ربنا كرمني وبقوا أربعة. من النهاردة اعتبروني أبوكم زي نور. لو توافقوا، هيبقى شرف ليا يبقى عندي بنات زي الفل زيكم كده.
تمارا: طبعًا يشرفنا، انت أحسن حد قابلناه في حياتنا. بس مش هينفع نفضل هنا، إحنا مش عايزين نكون ضيوف تقيلة وحمل على حضرتك، بس زي ما عشق قالت، لو بس تستحملنا يومين لحد ما نلاقي مكان. الحاج محمد: حمل إيه يابنتي بس؟ إحنا كلنا هنا في الدنيا ضيوف على أرض الله، وكلنا حمل عليه هو بس اللي بيقسم الأرزاق. وأنا ربنا رزقني ببنت واحدة، وبعد العمر ده كله رزقني بتلاتة كمان. أقوله لأ؟
أبقى عبيط لو رفضت رزقه ده. بصوا يابنات، أنا ربنا مرزقنيش غير بنور ومراتي اتوفت من سنين، وملناش حد. أهلي وأهل مراتي كلهم في البلد، وكل واحد ملهي في حياته، وتقريبًا الدنيا خدتنا لحد ما بقاش حد بيسأل عن التاني. يعني أنا ونور ملناش حد، وانتوا كمان ملكوش حد. يعني من النهاردة انتوا عيلتنا وإحنا عيلتكم. ومن النهاردة انتوا ولادي زي نور، ونور أختكم. على الأقل لو جرالي حاجة نور تلاقي حد واقف جنبها، وأبقى مطمئن إني سايبها مع حد.
عشق: (بدموع) بعد الشر عليكي، ربنا يديك طولة العمر ويخليك ليها. الحاج محمد: انتوا هتفضلوا هنا معانا وهتكملوا دراستكم وتشتغلوا وتعملوا اللي نفسكم فيه، وهسلمكم بإيدي للعرسان، وربنا يقدرني وأقدر أسعدكم وأحقق لكم جزء من اللي اتحرمتوا منه. اتفقنا يابنات؟ عشق: (بابتسامة وجع) اتفقنا، بس بشرط. الحاج محمد: اشرطي زي ما انتي عايزة يا ست البنات. (قامت عشق وقفت وراحت على أوضة نور، دقايق وخرجت) عشق: اتفضل.
الحاج محمد: إيه ده يابنتي؟ عشق: دول الفلوس اللي خدناهم من الدار، دول 6 آلاف بتوعنا إحنا التلاتة. هما ناقصين فلوس التاكسي اللي ركبناه بس. الحاج محمد: انتي بتشتمني يابنتي؟ عشق: (اعدت جنبه) العفو، متقولش كده، بس كمان إحنا مش هينفع نقعد ونبقى حمل عليك. أهو حاجة تساعد حضرتك لحد ما نلاقي شغل، والفلوس اللي هتيجي من الشغل هنساهم مع حضرتك في البيت. إنتوا كنتوا اتنين في البيت، الوقت إحنا خمسة، وده حمل على حضرتك.
تمارا: عشق عندها حق. ودي حاجة بسيطة. صدقنا إحنا مش محتاجين الفلوس، وأدام حضرتك هتعتبرنا زي نور، يبقى لازم ناخدها.
الحاج محمد: عيب يابنتي، متقوليش كده. خير ربنا كتير، شيلي فلوسكم يابنتي، وأنا أدام هعتبركم زي نور، يبقى من اللحظة دي أنا المسؤول عنكم. وصدقيني ربنا مبيدييش حد فوق طاقته، وأنا ربنا هيعيني عليكم إنتوا الأربعة. وحتى لو ربنا كرمكم بشغل، فلوس شغلكم هتشيلوها بطريقتكم عشان تأمنوا مستقبلكم وتقدروا تتسندوا على قرش ينفعكم. وعشان أطمنكم، أنا ربنا بعتلي رزقكم قبل ما تيجوا. النهاردة كنت فاكر إنه رزق نور عشان الحاجات اللي طلبتها، مع إنها كانت مستورة. بس الوقت عرفت الفلوس اللي جاتلي من الشغل النهاردة جات ليا إنتوا. وشكم حلو ورزقكم واسع ورزقكم جالي ووصلني قبل ما أشوفكم. عرفتوا بقى إن ربنا بيدي كل واحد على قد طاقته؟
عشق: (بحب) إنت إزاي كده بجد؟ على الرغم البساطة اللي انتوا فيها، بس ربنا غنيكم بقلب أنا في حياتي مشوفتش زيه. هو أنا ممكن أطلب من حضرتك حاجة ياحاج محمد؟ الحاج محمد: طبعًا يابنتي، بس من غير "حاج محمد" دي. إحنا اتفقنا إنكم ولادي، يبقى أنا من النهاردة بابا. عشق: انت أحلى بابا في الدنيا. الحاج محمد: أيوه كده بقى، اطلبي. عشق: (بارتباك وإحراج) هو أنا ممكن أحضنك؟ الحاج محمد: (بدموع) طبعًا يابنتي.
(وخدها في حضنه وقربت منه تمارا وزهرة ونور) نور: النهاردة أحلى حاجة حصلت في حياتي، أنا مبسوطة أوي. خلص يومهم، دخلوا عشان يناموا. فضلو يتكلموا شوية، وأخيرًا ناموا. ولاول مرة... يناموا براحة من سنين، من غير وجع وحزن وتعب، من غير تفكير، من غير قهر. أخيرًا حسوا بدفا وحب وعيلة بجد. في صباح يوم جديد، وعلى صوت العصافير ودوشة الشارع وصوت البياعين وريحة عربية الفول وريحة الخان الجميلة. سمعوا خبط عالباب.
الحاج محمد: يلا ياولاد الفطار جاهز. (صحيو البنات ولبسوا أسدالاتهم وخرجوا الأربعة) نور: إيه الفطار الحلو ده؟ تمارا: تعبت نفسك ليه؟ كنت صحينا إحنا نحضره. الحاج محمد: انتوا شكلكم كان تعبان، سبتكم تناموا براحتكم، ونزلت صليت الجمعة وجبتلكم أحلى فطار. تعالوا دووقوا الفول ده من أحلى عربية فول في خان الخليلي كله.
نور: طبعًا، انتوا هتدوقوا أحلى فول من عربية عم زغلول. بكرة تدمنوها. أنا بستنى يوم الجمعة مخصوص عشان أفطر من إيد بابي. الحاج محمد: يلا اغسلوا وشكم على ما أجهز لكم أحلى شاي بلبن. عشق: لا خلي حضرتك، أنا هعمل الشاي. نور: (بمرح) استني متقطعيش برزقك، ده حاج محمد عليه أحلى كوباية شاي بلبن. عشق: طب أجي أساعدك. الحاج محمد: لا ياستي أنا هعمله بنفسي. يلا بس اغسلوا وشكم عشان الفول ميبردش. البنات: حاضر.
أما عند ليل، كان الوضع مختلف. فا بعد سهره امبارح وبعد شرب كتير، كان نايم زي القتيل. دخلت عليه والدته. سهام: ليل... ليل... يلا ياحبيبي اصحى الساعة 1. يلا قوم كل ده نوم. (وراحت تفتح الستاير، دخل الضوء على عيون ليل ضايقته، حط المخدة على وشه) ليل: ماما سبيني أنام، أنا نايم متأخر. سهام: ما انت نايم متأخر عشان السهر لوش الفجر. أنا مش عارفة ليه بتعمل كده. عاجبك منظرك ده ياليل؟ كل ليلة سهر. ليل: (قام وهو مضايق)
أنا صحيت يا أمي خلاص. سهام: هتفضل كده لحد إمتى ياليل؟ ليل: أنا زي الفل يا أمي، في إيه بس؟ سهام: زي الفل فين بس؟ كل ليلة سهر وشرب وترجع بالمنظر ده. ليل: عايزاني أعمل إيه يا أمي؟ سهام: عايزالك مرتاح ياليل، عايزالك تبطل سهر وشرب، عايزالك تفوق لنفسك، عايزالك تشوف حياتك وتعيشها صح. ليل: يا أمي أنا زي الفل والله، إنتي بس بطلي قلق عليا.
سهام: طول ما أنا عايشة هفضل قلقانة عليك. إنت ابني حبيبي وأول فرحتي. نفسي أشوفك مرتاح ياليل، نفسي أشوفك متجوز وعندك أولاد، عايزة أشوفك مبسوط وأطمن عليك قبل ما أموت. ليل: (وهو بيبوس إيدها) بعد الشر عليكي يا أمي، متقوليش كده. حاضر يا أمي، هفرحك وأعملك اللي انتي عايزاه. سهام: امتى بس ياليل؟ ليل: سبيها بظروفها يا أمي، بس أوعدك إني هفرحك قريب. سهام: يارب، ربنا يطمني عليك انت وإخواتك. ليل: هما فين صحيح؟
سهام: دخلت صحتهم ونزلوا عشان نفطر. يلا قوم عشان نفطر سوا. أنا مبصدق تيجي الإجازة، مبقتش ألم عليكم غير يوم الجمعة. واعمل حسابك انت والجزم اللي تحت دول، محدش فيكم هيتنقل النهارده من البيت، هتفضلوا معايا. ليل: حاضر ياست الكل، إنتي تأمري. أعدين معاكي، بس يارب متزهقيش. سهام: لا مش هزهق. ليل: ربنا يخليكي لينا يارب. سهام: يلا قوم خد شاور ودقيقتين بالظبط تكون تحت. ليل: حاضر يا حبيبتي، هنزل وراك على طول. سهام: ماشي ياحبيبي.
خرجت سهام، واعد ليل على طرف السرير وسرح في الماضي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!