نظر عبد الحميد بعيون حارقة لسيرين التي وجدت قدماها تقودها إلى جواره ولا تعرف لماذا. أسرع الطبيب تجاه فراش حمزة يهتف بزين وعبد الحميد أن يبتعدا. "لو سمحتوا خلوني أشوف شغلي."
ابتعد زين بينما ظل عبد الحميد واقفًا بجوار حفيده بعيون حادة كالصقر، لا يتوقف عن السب واللعن لسيرين وعائلتها، يتوعدهم بعقاب أليم، فهو لن يرحمهم. لقد عرف متأخرًا ما حدث لحفيده على يدهم، ولو كان عرف من الأول لما ترك منهم أحدًا على وجه الأرض، وخاصة هشام! ولكن صبرًا!
سينتقم منهم ويحرقهم جميعًا كما أحرقوا فلذة كبده وابن ابنته الوحيدة التي ماتت في عز شبابها بعد أن انتزعها والد حمزة منه، وقد شب حمزة على تلك الكراهية بين عائلة والدته وبين أبيه، ولكن كيف له ألا يلجأ لجده في ظرف كهذا؟! كيف له أن يتحمل أشهر السجن على أن يتحمل طلب مساعدة عائلة أمه؟!
تابع عبد الحميد غرز سهام نظراته في قلبها الذي يريد انتزاعه بيده، بينما ظل زين يدور حول نفسه في أرجاء الغرفة بقلق وعيناه ترشق تلك الفتاة بنظرات غاضبة، ألا يكفي ما فعلته أختها وأبوها بصديقه، فهي الآن تقتله. نظر إلى صديقه يتساءل ماذا حدث ليتطور الأمر إلى القتل؟!
أدمت سيرين شفتيها وهي تعض عليها، بينما كشف الطبيب عن جرح حمزة أسفل تلك المنشفة الكبيرة التي كان زين يضغط بها على الجرح، لتتألم ملامح حمزة الذي كان يجاهد للبقاء على وعيه، ليرفع الطبيب عيناه إلى عبد الحميد بنظرة أن الأمر ليس سهلًا، قائلًا: "هو نزف كتير، والجرح عميق. خلينا ناخده المستشفى أحسن." قال حمزة بعناد واهن من بين بقايا جفونه: "مستشفى لا. لا." نظرت إليه بوجهه هربت دماؤه، فهل يرفض الذهاب للمشفى من أجلها؟!
بينما احتقن وجه عبد الحميد ليصيح به بقسوة: "مش عاوز مستشفى وعاوز تموت يا حمزة؟ إيه، خايف على بنت الـ... دي، ومين قال إني هرحمها وأخليها تتسجن؟ السجن رحمة لها من اللي هعمله فيها." عض حمزة على أسنانه بألم شديد يصيح بجده وهو لا يقوى على فتح جفونه: "قلتلك ملكش دعوة بيها." تدخل زين سريعًا قائلًا: "مش وقته. لو سمحت يا حج عبد الحميد أنت كده بتأذيه. أجل أي كلام لغاية ما حمزة يقوم على رجليه."
زفر عبد الحميد باحتراق فهو لن يرحمها، ولكنه الآن يجب أن يطمئن على حفيده. قال زين للطبيب: "يا دكتور اتصرف وانقذه. بقاله ساعتين في الحالة دي مش لسه هنستنى يروح المستشفى، لو سمحت شوف شغلك." فك الطبيب أزرار أكمام قميصه وشمر ساعديه وهو يهتف بهم لإحضار بعض المستلزمات اللازمة، ليسرع عبد الحميد مرسلًا حارسه عواد لإحضارها، الذي عاد بسرعة البرق قائلًا بأنفاس لاهثة: "اتفضل يا حج."
بدأ الطبيب بتمزيق قميص حمزة الذي تحول للون الأحمر، لتضع سيرين يدها على فمها تكتم شهقاتها وهي ترى الجرح الغائر الذي سببته له. لم تكن خائفة من نظرات عبد الحميد التي تريد الفتك بها، ولا من نظرات زين الحانقة، وحتى شاكر كان يتوعدها. كلهم يريدون الانقضاض عليها ولم يحميها حتى الآن سوى تحذير حمزة لهم قبل أن يفقد الوعي.
إنها لم تتخيل يومًا أن تزهق روح. طوال عمرها شرسة وقوية وعنيدة، ولكن أن تقتل لا، لم تتخيلها في أبشع كوابيسها. ولكنه هو من دفعها لهذا. لمعت الدموع في عيونها حينما تذكرت ما فعله بها، ولكنها حبستها سريعًا ونظرت إليه وهو ممد بهذا الضعف أسفل يد الطبيب يصارع الموت، تطبطب على جروحها أنها أخذت بحقها منه! ولكن لا، ليس هذا شعورها أبدًا! إنها لا تشعر بلذة الانتقام منه بل تشعر بالندم لما فعلته!
تساءلت لماذا تشعر بتلك الوخزة وهي تراه بتلك الحالة؟ ألم تكن تتمنى موته في كل لحظة كان يستقوي عليها بها؟! ألم تكن تريد تحطيم جبروته وقوته؟ لماذا إذن لا تشعر أنه يستحق ما فعلته به؟! لقد قتلها واعترف بنفسه بذنبه أمامها، لتتذكر كلماته لها بينما كانت بين الوعي واللاوعي والتي تتردد بذهنها وكأنها كانت تأتيها من واد سحيق. إنه اعترف أنه ذبحها؟
إذن هو يستحق. اغتاظت من نفسها وهي تستمع لهذا الدعاء يتسرب من قلبها أن يبقى على حياته؟ لماذا الآن تتذكر كلماته التي لم تشفع له عندها وقتها فهو حقير اغتصبها دون أدنى ذنب فليستحق القتل. ليس عليها أن تشفق عليه، ولكن دون إرادتها كانت تتمنى ألا يحدث له شيء.
ساعة قضتها وهي تحاول الابتعاد عن نظرات الجميع المشبعة بالاتهام لتجد عيناها تنظر إليه. كان مغمض عينيه ووجهه شاحب يناجي شحوب الأموات، وتلك القسوة التي كانت تقطر من ملامحه اختفت وحل محلها ضعف لم تراه مسبقًا في ملامحه. تنهد الطبيب براحة بعد أن انتهى من وضع تلك الضمادة الكبيرة حول صدره قائلًا: "إن شاء الله هيبقي كويس." قال عبد الحميد بلهفة: "أنت متأكد؟
"أيوه يا حج. مع إني كنت أحب يروح المستشفى لكن الحمد لله جسمه قوي واستحمل مع إن الجرح كبير." زجرها عبد الحميد بنظراته لتبعد عيناها عنه وتنظر لحمزة بينما تابع الطبيب: "أنا مديله مسكن قوي عشان ما يحسش بالوجع. هيفضل نايم لغاية الصبح. ياخد الأدوية دي بانتظام كل ساعتين. وأنا بكرة الصبح هاجي أطمن عليه وأغيرله على الجرح." هز عبد الحميد رأسه واتجه إلى فراش حمزة يتطلع ناحيته بحسرة. شكر زين الطبيب الذي قال:
"تابع حالته ولو في أي جديد كلمني على طول." "متشكر يا دكتور." انصرف الطبيب لينظر زين إلى شاكر قائلًا: "الحج عبد الحميد عرف منين اللي حصل؟ حمحم شاكر قائلًا: "بعدين يا زين هفهمك." نظر زين إليه بشك: "أنت عارف موقف حمزة منه يا شاكر." هز المحامي رأسه: "عارف يا زين. كل الحكاية إنه مصمم يسدد ديون حمزة وقابلني عشان أعمل كده وأنا قلتله مينفعش أعمل حاجة من ورا حمزة بس هو مصمم. أكيد مش هيسيب حفيده يتسجن تاني."
هز زين رأسه بقلة حيلة متنهدًا: "والله ما عارف يا شاكر إيه اللي بيحصله ده." أومأ شاكر موافقًا: "حمزة اتدمر بكل معنى الكلمة. أنا كمان مش عاوز أقوله إن مصلحة الضرايب مقدمة تقرير جزافي عن الشركة وعلينا ليها مديونية اتنين مليون جنيه. ده غير مستحقات الموظفين." زم زين شفتيه، ليتابع شاكر: "مفيش قدامه حل غير جده." تنهد زين: "ما أنت عارف عناد حمزة."
"بس في وقت العناد بيبقي نهايته الدمار. زي عناده في الجواز الشؤم دي وفي الآخر شوف عملت فيه إيه." زفر شاكر وتابع: "أنا مش عارف أصلًا هو إزاي يتجوز أختها! "خلاص بقى يا شاكر اللي حصل حصل. نطمن على حمزة ونبقى نتكلم معاه. وأنا مفتكرش إنه هيسمح لها تنفد بعملتها." تهكم شاكر: "أنت ناسي كان عامل إزاي لما الحج عبد الحميد هددها." انحنى عبد الحميد تجاه حمزة يقبل جبينه الذي لمعت فوقه حبات العرق ليهمس بوجع:
"سلامتك يا غالي يا ابن الغالية." قبل كلتا يديه بحنان ثم أعاد وضعهم أسفل الغطاء ليستعيد بعدها ملامح وجهه القاسية بينما أخرج هاتفه من جيبه قائلًا باقتضاب: "عواد... اطلع أنت واللي معاك." أعاد هاتفه إلى جيبه بينما رفع عينيه إلى سيرين التي تراجعت خطوة للخلف حينما توجه ناحيتها وعيناه تطلق شرارات الوعيد، أطبق على ذراعها بقوة يهتف بها: "بقي أنتي... يا بنت الـ... كنتي عاوزة تموتي حفيدي!
حفيد عبد الحميد البدراوي تتجرأ عليه حرمة زيك. ده أنا هدفنك صاحية." حاولت نزع ذراعها منه بذعر ولكنه سحبها بقوة خارج الغرفة وهو يزمجر: "مش هرحمك. هخلص عليكي. مش كفاية اللي بنت الـ... عملته فيه. جاية أنتي تكملي عليه. عاوزة تخلصي عليه عشان تتهنوا بفلوسه من غير حساب. آه يا ولاد الكلب. ده أنا هخلص عليكم." سحبها من ذراعيها وهو يصيح بالحارس الخاص به الذي دخل إلى المنزل وخلفه العديد من رجاله المرعبين: "عواد...
عواااد. خد بنت الـ... ما تشوفش نور الشمس تاني." لماذا انحشر صوتها؟ لماذا لا تدافع عن نفسها؟ لماذا تعلقت عيناها بالغرفة التي هو بها وكأنه سيهب لإنقاذها؟ التفت زين وشاكر على خروج عبد الحميد من غرفة حمزة يسحب سيرين بتلك الطريقة ليقول زين بجبين مقطب: "في إيه يا حج عبد الحميد بيه... أنت ماسك مرات حمزة ليه كده؟ هتف عبد الحميد بغضب:
"ما تدخلش أنت. ودي مش مرات حمزة. إياك تنطق كلمة زي دي على لسانك. أنا ولدي ما يتجوزش الأشكال دي." قال زين وهو يحاول سحب سيرين من يد عبد الحميد: "بس هي مراته يا حج ومينفعش اللي بتعمله." أبعد عبد الحميد يد زين ودفع بها إلى حارسه: "خد البت دي من هنا." أسرع شاكر وزين يبعدان الحارس عنها ليقول شاكر: "لو سمحت يا حج عبد الحميد مفيش داعي للي بتقوله أو بتعمله. أنت بنفسك سمعت حمزة قال إيه." زمجر عبد الحميد بهياج:
"دي ضربته بالسكين! قال زين: "إحنا ما نعرفش إيه اللي حصل بينهم." امتعض عبد الحميد بغضب: "هيكون إيه... إيه هيخلي بنت الـ... تعمل فيه كده." نظر إليها بوعيد وهو يكمل بغضب: "أنا لازم أدفعها ثمن دم حفيدي. ابعد من قدامي." توقف زين أمامه حائلًا بينها وبين عبد الحميد قائلًا: "لو سمحت يا حج عبد الحميد سيبها. مرات حمزة أمانة لغاية ما يفوق." أمسك عبد الحميد بيدها ليجذبها ليسرع شاكر يوقفها خلفه قائلًا: "لو سمحت يا حج...
احترم كلام حمزة مش هيعجبه أبدًا اللي أنت عاوز تعمله. حتى لو غلطت هو هيحاسبها." أخيرًا نزعت يدها منهم وأسرعت بخطاها تدخل إلى غرفته لتغلق الباب وتستند بظهرها إليه وتطلق لدموعها العنان. ماذا يحدث لها؟ ما تلك النيران التي تحاصرها من كل جانب؟ مسحت دموعها بسرعة حينما استمعت لطرقات على الباب لتجده زين الذي استطاع بصعوبة هو وشاكر تهدئة عبد الحميد. قال زين وهو يرمقها بنظرات جامدة:
"مش معنى إني دافعت عنك إنك تستاهلي. أنا بس بحترم كلام صاحبي اللي لو جراله حاجة أنا اللي مش هرحمك." نظرت إليه سيرين بغضب دون قول شيء. ليكمل وهو يرفع أصبعه في وجهها: "لو فكرتي تستغلي اللي حصل لحمزة وتهربي... قاطعته ونظرت إليه باحتقار وهي تقول: "ما تهددنيش. أنا مش مسجونة عشان أهرب. ولو عاوز تبلغ عني اتفضل مش فارقة." زم زين شفتيه بغضب ليقول:
"لو عليا كنت بلغت عن مجرمة زيك بس الكلمة الأولى والأخيرة لحمزة. يلا اتفضلي على أوضتك. تفضلي فيها لغاية ما حمزة يفوق ويشوف هيعمل فيكي إيه." اغتاظت من نبرته لتهتف به بحدة: "وأنت مين عشان تقولي أفضل فين؟ أفلتت أعصاب زين ليقول بغضب: "بنت أنتي! احترمي نفسك." رفعت إصبعها أمامه بانفعال: "أنت اللي تحترم نفسك وأنت بتكلمني. واتفضل يلا اطلع برا." رفع حاجبه بغيظ: "نعم! أنتي بتطرديني من بيت صاحبي؟ "آه." "بصفتك إيه؟ قالت بانفعال:
"مراته! قال زين بتهكم: "والله! وده من أمتي؟ ما أنا عارف اللي فيها." زجرته سيرين بحدة: "اطلع برا." هز رأسه وتوجه ببرود إلى أحد المقاعد: "مش طالع وهفضل مع صاحبي." نظرت إليه بغيظ ليجدها تسحب أحد المقاعد بحدة وتضعه بجوار فراش حمزة وتجلس عليه تحيط صدرها بذراعيها وتزفر بحدة لتلتوي شفتيه بابتسامة متهكمة فهو صديقه منذ سنوات أتأتي هي تطرده؟ حالمة!
طال الليل وكلاهما جالس على المقعد بشرود ليمتلئ حلقها بالمرارة وهي تتساءل لماذا يحدث لها هذا؟ إنها لم تؤذِ أحدًا طيلة حياتها لتتعرض لكل هذا الأذى. لماذا تنكسر وتتدمر بتلك الطريقة البشعة وفي النهاية تقتل إنسانًا؟ مهما كان ظالمًا إلا أنه روح لا يحق لها أن تزهقها. تعالت صراخاتها بداخلها تستغيث بربها أن يرحمها من تلك النيران المستعرة حولها في كل جانب. لا أحد سيرحمها. وهي بالأساس لا ترحم نفسها.
جالت صورة أبيها وأمها تتساءل عن حالهم وماذا سيحدث لهم إن عرفوا ما حدث لها وماذا فعلته؟ تحرك حمزة بألم في نومه ليغمغم بآهات متألمة مجروحة مكتومة. قامت من مكانها وأسرعت ناحيته لترى بشرته تلمع بحبات العرق بينما يهذي بكلمات غير مفهومة. خرج صوتها متحشرج وهي تسأله: -أنت... أنت كويس؟
همهم من بين شفتيه المرتعشة بغمغمات غير مفهومة، لتمد يدها بدون وعي تجاه جبينه الذي ينبض بحبيبات العرق، لتشهق بقوة حينما شعرت بتلك الحرارة العالية المنبعثة من جبينه الملتهب. اعتدل زين جالسًا وفتح عينيه الناعسة حيث غفا وهو جالس، لينظر إليها ويسألها بقلق: -في إيه؟
قالت باضطراب وتوتر، وقد ماتت من تأنيب الضمير على ما فعلته به ليصل لتلك الحالة، فهو ذاك الكيان الجبار القاسي الذي شل حركتها واستولى على حرمة جسدها بقوته، مسجى أمامها لا يقوى على تحريك أصبعه: -حرارته عالية. أسرع زين يتلمس جبين صديقه، ليمسك الهاتف سريعًا ويتصل بالطبيب. في غضون نصف ساعة كان الطبيب يعاينه، ليسأله زين بلهفة: -ماله يا دكتور؟ -حمى شديدة بسبب الجرح. -أنا اديته حقنة تنزل الحرارة وتقاوم التلوث.
-وخلال الساعات اللي جاية هيحتاج كمادات تنزل الحرارة وياخد الأدوية دي. أومأ له زين ليقول لسيرين التي كانت واقفة مكانها كالمشلول: -اعملي الكمادات لغاية ما أجيب الأدوية وأرجع. أسرعت إلى المطبخ لتضع في إناء بعض قطع الثلج مع المياه الباردة، وأحضرت منشفة صغيرة وأسرعت إلى الغرفة مجددًا. دون أن تفكر كانت قد نسيت من هو وماذا فعل بها، فهو الآن إنسان ضعيف يحتاج لها.
جلست على طرف الفراش بجواره، بينما أمسكت بالمنشفة المبللة ووضعتها فوق جبينه الملتهب، ليهب كالمذعور ينتفض وهو يحاول إبعاد المنشفة الباردة عن جبينه، ولكنها وضعت يدها فوق يده توقفه عن إبعادها. كان غائبًا تمامًا عن الوعي ولكنه استعذب لمسة يدها ليده التي ظلت ممسكة بها لدقائق حتى هدأ وتركها تتابع تبديل الكمادات له.
بعد قليل عاد زين يحمل الأدوية، ليمسك ببضع حبوب ويجلس بجوار حمزة على الفراش من الجهة الأخرى ويحاول رفعه قليلًا ليضع الحبوب بفمه، فتمسك كوب الماء وتساعده ليرتشف القليل. تجمدت يداها مكانها والتي وجدتها تمسح طرف شفتيه بعد أن شرب! أهي بعد ما فعله بها تتجرأ على لمسه؟ سحبت يدها كالملسوعة بينما تشنجت عضلات حمزة ليهذي بصوت مخدر: -أنا ما كنتش عاوز أعمل كده... سامحيني.
ازدردت ريقها بتوتر بينما نظر إليها زين بجبين مقطب، لتبتعد سريعًا وتعود لمقعدها ما إن استمعت لكلماته والتي ذكرتها بما حدث، لينتفض قلبها بداخلها فلا يستحق منها إلا كل كراهية واحتقار، هي فقط تداويه لأنه مريض وضعيف ليس إلا!
ارتجفت يداها بينما تابع هذيانه دون وعي، وقد أخذ يعض على شفتيه السفلى بألم شديد يسري بوجدانه ليكتم ذلك الوجع الذي يسري بدمائه. تنهد زين بتخبط وقلق لبضع دقائق يحاول تهدئة تشنجات جسد حمزة ويرمقها من حين لآخر بنظراته، فيبدو أن صديقه ظلم تلك الفتاة بقوة ليهذي بطلب سماحها بتلك الطريقة. قطبت نادية جبينها تنظر إلى سيدرا قائلة: -بكلمك من بدري، سرحانة في إيه؟ هزت كتفها: -بأفكر في حل. -حل لإيه؟ قالت بامتغاض:
-لسي جمال اللي بيهددني. قالت نادية ببرود: -لا اطمني، جمال طول ما مصلحته معانا ما تقلقيش منه. -لا لازم أقلق... وخصوصًا بعد ما حمزة قدر يخرج من السجن... أنا لازم أفكر في طريقة أحمي بيها نفسي وأضمن إن حمزة مش هيأذيني. نظرت بشرود إلى الفراغ وتابعت: -بس الأول أعرف هو ناوي على إيه.
لم تفارق هدى الدعاء لابنتها التي ينتفض قلبها كلما فكرت فيما قد يحدث لها. التفتت بكراهية واضحة لهشام الذي جلس بملامح واجمة يفكر كم هو حقير جبان ألقى بابنته البريئة للتهلكة. -منك لله أنت السبب. انتفض من مكانه على صوت هدى الحاد لترتجف نظراته بينما تابعت: -عارف لو عرفت إن ليك يد في اللي حصل عمري ما هسامحك. ارتجفت يداه ليقول: -هدى... أنا... قاطعته بحدة: -أنت اللي ساعدت الكلبة تسرق جوزها وخليت بنتي تدفع الثمن. هز رأسه بجبن
فهو لا يستطيع الاعتراف: -لا... لا يا هدى... هتفت به بهياج: -يبقى تتصرف... انسابت دموعها بقهر: -اعمل أي حاجة ورجع بنتي... لكمته بصدره: -رجعلي بنتي يا هشام... رجعلي سيرين. ارتمت على المقعد تبكي بانهيار: -يا ترى عمل فيكي إيه يا بنتي... يا ترى عمل فيكي إيه؟ ربت على كتف زوجته: -اهدي... مش هيعملها حاجة. دفعت يداه بحقد: -وأنت تعرف منين... تعرف منين هو ممكن يعمل في بنتي إيه وهو محروق من اللي بنتك عملته فيه؟ حاول مجددًا
تهدئتها وهو يقول بعزم: -ما تخافيش... هرجعها... نظرت إليه بعينيها الباكية: -هترجعها إزاي؟ -هشوف طريقة أعرف سيدرا فين وهخليه يسيب سيرين... -وأنت تفتكر العقربة دي هتعرف تلاقيها بسهولة؟ -هحاول يا هدى... ولو ما عرفتش هخليه يقتلني أنا ويسيب سيرين... ما تخافيش يا هدى هرجع بنتنا.
بدأ حمزة بالاستيقاظ شيئًا فشيئًا ليفتح عينيه بتثاقل ويزيغ بصره يمينًا ويسارًا حتى استقرت عيناه على تلك النائمة على المقعد بجواره وشعرها الأسود الغزير منتشر حول وجهها كالشلال، ليلتهي عن آلامه لدقائق طويلة وهو ينظر إليها، ليشعر زين باستيقاظه فيقوم من مقعده ويتجه إليه يسأله بصوت قلق: -حمزة... أنت كويس؟ قال بخفوت شديد: -زين... أنت هنا... إيه اللي حصل؟ تنهد زين: -أنت اللي تقولي إيه اللي حصل؟
تنملت سيرين بنومتها غير المريحة ولكنها لم تفتح عيونها الواهنة فقد ضعف جسدها كثيرًا بسبب كل ما مر عليها. همس حمزة بخفوت: -ششش. رفع زين حاجبه باستغراب ليشير له حمزة بالصمت: -مش وقته يا زين هبقى أحكيلك. أومأ له زين قائلًا: -حمد الله على سلامتك يا صاحبي. تعالى رنين جرس الباب لتنتفض سيرين من نومها بذعر تتلفت حولها لتقع عيناها على حمزة وبجواره زين يتطلعون إليها. حاولت أن تستعيد رباطة جأشها وهي تقول: -أنت... أنت كويس؟
هز رأسه، ليقوم زين يتجه لفتح الباب. وسرعان ما كان عبد الحميد يدخل إلى الغرفة وبرفقته رجل أربعيني آخر... إنه خاله شريف. انسحبت سيرين من الغرفة وتبعتها عيون حمزة الذي لم يعِ الحديث حوله لدقائق إلا حينما هدر عبد الحميد بوعيد: -والله لأدفعها ثمن دمك. ليلتفت إلى جده باقتضاب: -قلت ما لكش دعوة بيها. قال عبد الحميد باستنكار: -أنت بتدافع عن بنت الـ... قاطعه حمزة وهو يتحامل على ألمه: -مش عاوز أسمع كلمة تانية. قال شريف بهدوء:
-بابا لو سمحت مش وقته خلينا نطمن على حمزة الأول. نظر إلى حمزة قائلًا: -أنا ليا واحد من معارفي صاحب مستشفى كبيرة خلينا نروح نطمن عليك ومش هيكون فيها مشكلة. هز حمزة رأسه باقتضاب: -أنا كويس. زفر عبد الحميد بغضب: -وآخرة عنادك ده إيه يا ولدي... لو عليها خلاص مش هنقول إن هي اللي عملت فيك كده. زفر حمزة بنفاذ صبر: -قلت خلاص أنا كويس. ربت زين على كتفه: -خلاص يا حمزة... يا حاج عبد الحميد مش عاوزين نتعبه. -تعالى نقعد بره...
انقضت بضع ساعات وهي بغرفتها تستمع لأصواتهم بينما يطمئنون عليه وهي لا تقوى على الخروج ولا مواجهة أي شخص. ما إن هدأت تلك الأصوات حتى خرجت من غرفتها تتطلع حولها لتجد باب غرفته مفتوح وزين يغادر. -أنا هاروح البيت ساعة وراجع. -هو نايم خذي بالك منه.
أومأت له دون قول شيء ليغادر زين وتقف مكانها مترددة قبل أن تسحب نفسًا عميقًا وتدخل إليه. كان مغمض العينين وأنفاسه منتظمة لتقف قليلًا بجوار فراشه تتطلع إليه. تتخبط بأفكارها التي تعصف بها بلا هوادة. أخيرًا وجدت نفسها تمسك بهاتفه وتخرج من الغرفة. جلست على الأريكة وطلبت رقم والدتها التي اختنق صوتها بالبكاء اللهيف: -سيرين حبيبتي طمنيني عليكي يا بنتي. -أنا كويسة قوي يا ماما... اهدي.
بكت كلاهما باحتراق مطولًا لتنهي سيرين المكالمة وتعود لغرفته تضع الهاتف بجواره. فتح حمزة عيناه بصعوبة ليجدها واقفة بجواره. مرت دقيقة من الصمت قبل أن تتحدث بتلعثم: -عا... عاوز حاجة؟ هز رأسه لتهز رأسها هي الأخرى وتدير ظهرها لتغادر ولكن صوته أوقفها: -زين... زين فين؟ -قال هيرجع كمان ساعة. هز رأسه وأغمض عينيه لتنصرف. في اليوم التالي كانت حالته تحسنت في الصباح حينما دخلت إليه تحمل صينية من الطعام. قالت
بخفوت دون أن تنظر إليه: -كل عشان تاخد الدواء. أفلتت منه الكلمات المتهكمة: -حاطة لي سم المرة دي؟ احتقن وجهها بالغضب ولكنها لم تقل شيئًا لتضع الصينية بجواره وتهم بالمغادرة دون قول شيء لتتفاجأ به يمسك يدها قبل أن تغادر قائلًا: -أنا أستاهل. نظرت إليه بطرف عينيها التي لأول مرة يرى صفاء لونها بينما تابع: -اقتليني لو ده هيريحك. جذبت يدها من يده وقالت بجفاء: -ومين قال إن موتك هيريحني... أنا مش مجرمة زيك.
ارتسمت ابتسامة على جانب شفتيه بينما يتطلع إلى شراستها التي عادت من جديد ليشاكسها باستفزاز: -وبعدين في طولت لسانك؟ احتقن وجهها لتهدر به بحدة: -وآخرتها؟ نظر إلى ملامح وجهها التي اكتست بحمرة الغضب: -آخرة إيه؟ -آخرة اللي إحنا فيه؟ نظر إليها مطولًا بحيرة قبل أن ينطق: -ما لوش آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!