تحميل رواية «ضائعه في غابة ظنونه» PDF
بقلم رونا فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطي متخازلة عاد هشام إلى منزله. فتحت سيرين له الباب بلهفة، وغرقت عيناها بالدموع وهي ترى حال أبيها المذرية بعد أن قضى تلك الأيام في الحبس. قالت من بين دموعها: بابا... بابا حمد الله على السلامة. ارتمت بحضنه ليضمها هشام إليه، وتلمع الدموع في عينيه. فهي سيرين، ابنته من زوجته الأولى هدى. لا تشبه أختها سدرة، غير الشقيقة، بشيء، والتي أنجبها زوجته الثانية نادية، والتي هي السبب بكل ما حدث. هي من زيّنت له الطمع بتلك الأموال، وفي النهاية دفعت به إلى السجن وهربت هي. أسرعت هدى تخرج من الغرفة ما إن استمعت لص...
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الأول 1 - بقلم رونا فؤاد
بخطي متخازلة عاد هشام إلى منزله.
فتحت سيرين له الباب بلهفة، وغرقت عيناها بالدموع وهي ترى حال أبيها المذرية بعد أن قضى تلك الأيام في الحبس.
قالت من بين دموعها:
بابا... بابا حمد الله على السلامة.
ارتمت بحضنه ليضمها هشام إليه، وتلمع الدموع في عينيه.
فهي سيرين، ابنته من زوجته الأولى هدى. لا تشبه أختها سدرة، غير الشقيقة، بشيء، والتي أنجبها زوجته الثانية نادية، والتي هي السبب بكل ما حدث.
هي من زيّنت له الطمع بتلك الأموال، وفي النهاية دفعت به إلى السجن وهربت هي.
أسرعت هدى تخرج من الغرفة ما إن استمعت لصوت ابنتها تصيح:
بابا رجع يا ماما.
قالت هدى:
حمد الله على السلامة يا هشام.
أومأ لها ودخل، ليرتمي على الفراش.
بخُذلان وألم من معرفة ابنته وزوجته أنه شريك بهذا الجرم.
لتقول هدى:
معلش يا هشام.
قال هشام:
شدة وزالت.
هز رأسه بأسى زائف:
بنتي أنا تعمل كده!
زمّت هدى شفتيها تمنع نفسها عن الاسترسال بالشتائم، فهي فتاة لعوب ماكرة كأمها التي احتالت على زوجها قبل سنوات وجعلته يتزوجها، وما إن وجدت رجلًا آخر أثريًا حتى تركته وركضت للآخر. فبماذا ستختلف ابنتها عنها؟
فهي سرقت أموال زوجها وهربت.
قالت هدى لسيرين:
روحي هاتي لأبوكي بسرعة حاجة يشربها يا سيرين.
قال هشام بإرهاق:
لا مفيش داعي، أنا عاوز أنام.
نظرت إليه هدى بشفقة وربتت على كتفه، ثم خرجت هي وسيرين.
ما إن خرجت هدى حتى هتفت بغل:
منك لله يا سدرة على اللي عملتيه في أبوكي. ربنا ياخدك.
قالت سيرين:
ليه بس يا ماما بتدعي عليها، حرام عليكي.
زجرتها هدى:
بس أنتِ... حرام عليا ولا حرام على بنت الشيطانة دي.
ياماما... إحنا مش عارفين إيه اللي حصل.
نظرت إليها هدى بغضب:
وعاوزة تعرفي إيه؟ ضحكت على الكل وخدت الفلوس وهربت وسابت أبوكي وجوزها مرميين في السجن.
بكى هذا الطفل الصغير لتسرع سيرين إليه تهدئه، وسط نظرات هدى الحانقة.
التي أخذت تتبرطم غير راضية على إصرار ابنتها عن وجود هذا الطفل بينهم بعد كل ما حدث.
زأر حمزة كالأسد الجريح وهو يستمع لكلام محاميه الكبير الذي كل مرة يأتيه بمصيبة أكبر.
إيه يعني؟
طأطأ رأسه:
يا فندم للأسف... البنك هيحجز على أملاك سيادتك كضمان لتسديد القرض.
أنا طعنت إن لسه ميعاد تسديد أول دفعة من القرض مجاش، بس تصفية الشركة بالطريقة دي وبلاغات المستثمرين مش مساعده وضعنا ده أبدًا.
اهتاج حمزة بشدة وفرك وجهه بعصبية يهتف بعدم تصديق:
إزاي أنا أبقى مغفل بالطريقة دي... إزاي أنا واحدة ست تضحك عليا.
حاول زين صديقه تهدئته:
اهدّي بس يا حمزة وهتلاقي حل.
زمجر حمزة:
حل إيه... حل إيه بس يا زين... أنا ضعت وانتهيت. اسمي واسم أبويا ضاع وبقيت نصاب كمان.
هز زين رأسه:
ما تقولش كده يا حمزة... كل حاجة هتتصلح وإن شاء الله هتخرج من هنا.
شاكر قدم الأوراق اللي كانت بتفيد وجودك في المستشفى بعد الحادثة شهرين وبناء عليها اضطريت تعمل التوكيل ده لمراتك.
زمجر حمزة بحدة:
ما تقولش على بنت ال... دي مراتي... أنا طلقت الكلبه دي وهشرب من دمها بس أخرج من هنا.
قال زين:
اهدّي بس يا حمزة وخلينا الأول نشوف حل في المصيبة دي.
قال المحامي في محاولة منه لتهدئة حمزة:
يا حمزة بيه صدقني أنا مش ساكت وبعمل أقصى جهدي عشان أخرجك من هنا.
صاح حمزة بغضب:
بقالك شهور بتقول كده.
قال محاميه الأستاذ شاكر:
للأسف يا حمزة بيه... أنا قلتلك إن الحل الوحيد حاليًا إننا نسدد ولو دفعة واحدة من القرض عشان نثبت حسن نيتنا للبنك فيتنازل عن البلاغ اللي سيادتك محبوس على ذمته، وإلا هتفضل هنا.
ومفيش قدامنا غير إننا نكلم عبد الحميد بيه.
هز حمزة رأسه وضرب الطاولة بقبضته:
جدي... لا... لا.
قال زين:
هو ده الحل الوحيد... وأكيد هو مش هيرضيه أبدًا إنك تكون في السجن.
لا يا زين... مش ممكن أخليه يشمت فيا.
وهنعمل إيه يا حمزة... هتفضل هنا؟
أنا بعت الفيلا والعربية وكل الحاجات اللي ينفع تتباع، حتى معارض إسكندرية وكل السيولة مغطتش إلا نص المبلغ.
صمت حمزة بتفكير للحظات قبل أن يقول:
بيع الأرض يا زين.
نظر إليه زين بشك:
بس... بس جدك عمره ما هيقبل حاجة زي دي.
شاح حمزة بوجهه وهو يكور قبضته:
ده ورثي وحقي... يرضي أو ميرضاش مهمني. التوكيل معاك تبيع الأرض بأي تمن... أنا عاوز الصبح أكون برا... سامع يا زين.
هز زين رأسه:
حاضر يا حمزة.
هز حمزة رأسه وهو يكتوي بلظى النيران مرددًا:
لازم أطلع عشان آخد حقي من بنت ال... هي وأبوها.
قال شاكر باندفاع:
هشام خرج من يومين يا حمزة بيه.
نظر زين بحدة لشاكر الذي تسرع وأخبر حمزة بهذا الشيء الذي سيزيد من لهيب نيران الغل والحقد بداخله:
إنت بتقول إيه؟
قال شاكر بتعلثم:
النيابة أخلت سبيله... الورق كله مفيهوش أي إدانة ليها.
هاج حمزة:
آه يا ولاد ال... طبخوها ولبستها أنا لوحدي.
قال زين في محاولة لتهدئته:
اهدّي يا حمزة.
مش ههدّي... مش ههدّي غير لما آخد حقي من ولاد... اللي اسمه هشام ده ما يغبش عن عينك لغاية ما أطلع والكلبة دي مسيرها تقع في إيدي.
جلس هشام مكانه بنظرات واجمة على فعل ابنته الشنعاء، فقد سرقت أموال زوجها وهربت، بل وكانت السبب في دخوله إلى السجن أيضًا بعد أن نهبت أموال القرض الضخم الذي كان بضمان ممتلكاته.
وقد استغلت أن والدها كان محاسب حمزة لتجعله شريكًا بها بهذا الجرم بعد أن خانته نفسه وطمع هو الآخر.
ليتذكر كم أنها تشبه والدتها.
ويرتعب من معرفة ابنته وزوجته لحقيقته.
تمدد حمزة على هذا الفراش المهتريء لا يرى أمامه شيئًا سوى تلك النيران التي لا تهدأ وإنما تزداد يومًا بعد يوم.
فهو حمزة السيوفي.
لعبت به امرأة، وليست أي امرأة، وإنما المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تؤثر عليه وتجعله يتزوجها.
لقد قابلها قبل عامين في شركته وعرف أنها ابنة محاسب هشام عز الدين، ومن تلك المقابلة وهي تتقرب إليه شيئًا فشيئًا، وقد حاكت خيوطها حوله جيدًا.
وبعد عدة أشهر كان يتزوجها ضاربًا عرض الحائط برفض جده.
عبد الحميد البدراوي.
والد أمه، والذي ما زال يحمل نفس الحقد على والده منذ ثلاثين عامًا لأنه تزوج بابنته، وقد كان وقتها فقيرًا مقارنة بعائلة أمه الثرية، ولكن والده عمل واجتهد ليكون ثروة معقولة.
حاول حمزة من بعد موت أبيه الحفاظ عليها وتنميتها بحلم كبير لبناء هذا المصنع الضخم، لتأتي تلك الحقيرة تسرق أحلامه وتجهضها بسبب طمعها.
ولكن الحق يقع عليه حينما أمن لها ومنحها بيده السكين الذي ذبحته به.
لقد تعرض لحادث سيارة مات بها سائقه وهو نجا بأعجوبة ليظل بالمستشفى بضعة أشهر، وهي استغلت مرضه وجعلته يقوم بتوقيع توكيل لها لتتابع أعماله.
ولما يرفض وهي زوجته والوحيدة التي له بهذه الدنيا بعد علاقته المقطوعة بعائلة أمه لعدائهم لأبيه طوال حياته.
أمن لها وهي غدرت به بتلك الطريقة.
ولكنه لن يصمت وسيذيقها الويلات.
نظر ذلك الصغير بعينيه الجميلتين لسيرين التي تلاعبه بينما تضع ملعقة الطعام في فمه.
أوه... يلا هم يا جملتي.
ناولها أسر منها الملعقة بينما يصدر أصواتًا عالية بلعبته، لتطعمه ملعقة أخرى.
تعالى جرس الباب لتضع الوسادة بجوار أسر وهي تلاعب وجنته:
دي أكيد تيته هدى نسيت المفتاح. هفتحلها وأرجعلك بسرعة.
ركضت سيرين لتفتح الباب لتتفاجأ بتلك العيون المتقدة غضبًا وشرا.
دفع حمزة الباب بقوة لتتراجع سيرين للخلف مصطدمة بالحائط خلفها، لتتسع عيناها خوفًا حينما صرخ بصوته الجهوري:
هي... فين؟
التفت إلى سيرين وصاح بها بحدة:
فين انطقي؟
زجرته سيرين بغضب:
معرفش.
خرج هشام مهرولًا على تلك الأصوات، ليندفع إليه حمزة يمسك بتلابيبه بعنف:
يا ابن ال... الحرامية بنت ال... فين؟
هتفت به سيرين وهي تندفع إليه تحاول تخليص أبيها من قبضته:
احترم نفسك... وابعد عن بابا.
هتف بها هشام لتتراجع:
سيرين... مالكيش دعوة انتِ.
نظر إليها حمزة بغضب صائحًا وهو يبعدها:
أنا فعلاً كان لازم أحترم نفسي ومحطش اسمي جنب اسم واحدة واطية زيكم.
عاد ليشدد قبضته حول تلابيب هشام:
اسمع ياراجل انت... لو بنتك ما ظهرت أنا هشرب من دمك.
قال هشام بخوف:
أنا معرفش هي فين... والله ما أعرف ولا كنت أعرف باللي هتعمله.
أوعى تكون فاكر الشويتين دول هيخلوا عليا... لا ده أنت اللي مطبخ لها كل حاجة.
والله أبداً.
هتف به حمزة بغضب:
اخرس ومتجيش سيرة ربنا على لسانك الو... ده يا حرامي... أحسن لك ترحم نفسك من اللي هعمله فيك وتقولي مكانها.
قال هشام بوهن:
معرفش والله ما أعرف.
عاد ليقبض على تلابيبه لتتلاشى قدرة سيرين على الاحتمال وتندفع إليه بشراسة تبعده عن أبيها:
أوعى كده ياحيوان... أنت إزاي تعمل كده في واحد قد أبوك مش كفاية إنه اتسجن بسببك أنت وهي.
اشتعلت عيون حمزة بالغضب ليمسك بذراعيها بقوة:
مين ده اللي حيوان يابنت...
رفعت يدها لتصفعه ليمسك بيدها بين يديه بقوة كادت تحطمها وتزداد نيران غضبه اشتعال.
تدخل هشام سريعًا بتوسل:
أبوس إيدك ياحمزة بيه... هي متقصدش.
حاولت سيرين نزع يدها من قبضته القوية متجاهلة هذا الألم وهي تهتف بتحدي:
لا أقصد... أوعى سيب إيدي ياحيوان.
شدد حمزة على قبضته على يدها حتى كادت تنكسر بيده وهو يقول بتحذير:
اسمعي يابت انتي... لمي لسانك ومتخلينيش أفقد أعصابي... أحسن لك.
رفعت عيناها التي اتقدت غضبًا شرسًا:
إنت اللي أحسن لك تخرج برا... إنت عارف كويس أوي إن مالناش علاقة بيها ولا بأمها من سنين... اتفضل روح دور على مراتك في حتة غير هنا.
احتدمت عيناه وهو ينظر إليها بتلك النظرة.
قلتي إيه؟
قالت وهي تنظر في عينيه المرعبتين دون ذرة خوف:
قلتلك روح دور على مراتك... وأوعى تفكر تهدد بابا تاني.
رفع حاجبه:
ولو هددته هتعملي إيه؟
هتفت بحقد:
هبلغ عنك ياخدوك تاني السجن اللي كنت فيه.
هتف بها هشام:
بس يا سيرين... بس.
نظر إليها حمزة بوعيد:
بقي كده... إنتي ناوية تدخلينا أنا السجن؟
قال هشام بتوسل:
متقصدش.
زجره حمزة باحتقار:
اخرس... ابنك مين ياراجل انت... أنا حمزة السيوفي. وإنت كنت كلب شغال عندي وبنتك لعبت عليا لغاية ما اتجوزتها وعيشتها عيشة متحلمش بيها، وآخرتها تسرقني وتسجني.
نظرت إليه سيرين بكراهية، بادلها لها ولأبيها الذي أمسكه بعنف من ياقة قميصه:
من دلوقتي أنا عملك الأسود... إنت وعيلتك هتدفعوا تمن اللي بنت ال... عملته فيا.
تعالى بكاء هذا الطفل ليتسمر حمزة مكانه لحظة قبل أن يركض خلف سيرين التي تفاجأت به خلفها حينما حملت أسر.
نظر بتهكم ممزوج بمرارة الحقد والألغل وهو يرى ذلك الطفل الذي كان أمانة محمود سائقه له حينما مات ليضعه تحت رعايته حتى تشفى والدته زوجة محمود وتفيق من غيبوبتها.
لقد تركه أمانة لسدرة.
قال باشمئزاز وهو يندفع يأخذ الولد من يد سيرين التي تمسكت به:
وأنا متوقع إيه من بنت... زيها.
أزاح يدها ليحاول أخذ الطفل لتتمسك به وتزجره:
أوعى سيب الولد... إنت مالك بيه.
إنت اللي مالك بيه... طبعًا رمته عندكم.
ده ابن صاحبتها التعبانة سيباه عندها وهترجع تاخده لما تعمل العملية.
نظر إليها باستهزاء:
يا شيخة... والكدبة دي من تأليفك ولا تأليفها؟
كذبة.
هز رأسه:
إيه هتعملي نفسك بريئة ومتعرفيش... إيه ما قالتلكيش إنه ابن السواق بتاعي الله يرحمه اللي كانت مصممة ترميه في الملجأ.
سحبت نفسًا عميقًا:
أيًا يكون هو مين... ده أمانة عندي.
نظر إليها باحتقار:
لا... وانتوا مثال الأمانة. أوعي سيبيني الولد.
قلت لك لا... سدرة سابته هنا.
هاج من سماع اسمها ليدفع يدها بقوة:
قلت لك سيب الولد وغوري من وشي.
هتفت به سيرين بغضب:
إنت اللي غور من هنا بدل ما هطلبلك البوليس.
هاج حمزة بشدة ليجذبها من خصلات شعرها وينتزع الطفل من بين يديها مزمجراً:
ده انتي حسابك تقل معايا أوي.
ليتدخل هشام بتوسل:
أبوس إيدك ياحمزة بيه سامحها متقصدش.
قالت بكبرياء من بين دموعها التي أبت النزول من عيونها:
متتذللش لواحد زيه يا بابا.
سحبها حمزة بقوة للخارج غير مبالٍ بصراخها ولا بمحاولتها للافلات من يده القوية، بينما هتف بهشام:
لغاية ما بنت ال... تظهر بنتك دي عندي.
قال هشام بتوسل وهو يحاول تخليص ابنته من يده:
أبوس إيدك... سيرين ملهاش ذنب.
قال حمزة باحتقار وهو يدفعها بقوة:
هربيهالك.. أصل واضح إنك معرفتش تربي بناتك فطلعوا...
لم يبالِ بوجود الطفل بين يديها وهو يجذبها بتلك القوة من ذراعيها ويدفعها بقوة بتلك السيارة التي انطلقت بها، بينما لم تتوقف لحظة عن مقاومته.
انتزع الطفل من يدها وأعطاه لزين الذي بوغت به، يضع تلك الفتاة بالسيارة ويأمره بالانطلاق.
أوقف زين السيارة أمام باحة هذا المنزل لينزل حمزة ويجذب سيرين بقوة من ذراعيها التي كادت تنخلع بيده وهي تقاومه.
أوعي ياحيوان... أوعي سيبيني.
اخرسي.
هتف بها وهو يلقيها بأحد الغرف ويغلق الباب بالمفتاح.
قال زين:
مين دي يا حمزة؟
في إيه؟
شرح له ما حدث ليقول زين بدهشة:
ولما هي أختها جبتها ليه؟
عشان أشفي غليلي من اللي اسمه هشام.
ما جايز ميعرفش حاجة زي ما بيقول وهي عملت كده من وراه.
قال حمزة باستنكار:
إنت هتصدق الأشكال دي؟
والبنت ذنبها إيه طيب يا حمزة؟
أشاح حمزة بوجهه دون قول شيء.
ليقول زين بعقلانية:
حمزة سيب البنت تمشي... أبوها أكيد هيبلغ البوليس، وإحنا أصلًا مش ناقصين شوشرة.
هز رأسه:
لا.
لا يعني إيه يا حمزة... دلوقتي لو البوليس جه هتقوله إيه؟ خاطف بنت!
يا حمزة أنا عارف إنك عاوز تنتقم... بس البنت دي مش هيجيلك من وراها غير وجع الدماغ وشوشرة إنت في غنى عنها.
هتف به حمزة بعناد:
قلت لك مش هسيبها يا زين.
وهتخليها هنا بصفتها إيه؟
قال حمزة بعناد:
هتجوزها.
فغر فاه زين بعدم تصديق.
نعم.
هز حمزة رأسه ودعس سيجارته بحقد أسفل حذائه الثمين بعد أن اختمرت تلك الفكرة برأسه:
هاتلي مأذون فوراً.
إنت بتقول إيه؟
هتف حمزة بعصبية:
اللي سمعته يا زين ومتناقشنيش دلوقتي ونفذ اللي قلت عليه.
دخل إليها حمزة الغرفة لتضع الطفل من يدها على طرف الفراش وتقف في مواجهته:
إنت عاوز مننا إيه؟
هتف بسخرية:
عاوز حقي اللي سرقتوه.
قلت لك ملناش دعوة باللي عملته.
امال مال مين؟
أمسك بفكها بعنف:
مال مين يا ولاد ال...
إنتي اللي تخرسي خالص.
أوعىيي... ابعد عني.
قلت لك منعرفش حاجة عنها.
وإنتي فاكراني أهبل هصدق إن الحرامي أبوكي مالوش يد.
هتفت به بغضب:
اخرس بابا أشرف منك ياحيوان.
صفعها بقوة حتى فقدت الإحساس بوجهها وهو يزمجر:
مين ده اللي حيوان يابنت ال... أنا هدفعك تمن كل كلمة نطقتيها... هتشوفي مني اللي عمرك ما شفتيه... هفعصكم كلكم تحت جزمتي على اللي عملتوه فيا... مش أنا اترميت في السجن بسبب أبوكي... أنا هسجنك باقي عمرك وأذل أبوكي.
خانتها دموعها لتهتف به:
حرام عليك.
قلت لك ملناش ذنب في اللي عملته.
اضحكي بالكلام ده على حد تاني... ووفري دموع التماسيح دي مش هتخلوا عليا.
دفعها بقوة للخلف لتسقط على الأرضية الصلبة ليهتف وهو يشعل سيجارته وينظر إليها بوعيد:
أنا هتجوزك.
تجمدت مكانها من الصدمة لحظة قبل أن تردد بلا وعي:
إنت مجنون... إنت جوز أختي.
صاح بهياج:
طلقتها ياروح أمك ومش عاوز أسمع اسمها تاني بدل ما أقطع لسانك.
على جثتي أوافق على حاجة زي دي.
هتف بإصرار:
هتوافقي غصب عنك.
مستحيل أتجوز واحد زيك.
هتف باستحقار:
وهو أنا اللي هموت وأتجوز واحدة زيك... ولا فاكرة إني بتجوزك عشان جمالك... لا ياحلوة... ده أنا هوريكي أيام سودة.
إنت اللي هتشوف أيام سودة... وهتتسجن تاني على اللي بتعمله.
تهكم بنظراته التي لمع بها شرارات شيطانية وهو يقول:
هتتجوزيني وهنشوف مين اللي هيسود عيشة مين؟
تحدته بشراسة:
في أحلامك!
تراجع بضع خطوات لتتفاجأ به يغلق الباب لتتراجع للخلف، بينما عاد ليقترب منها وعيناه تلمع بها تلك النظرات الخبيثة لتهتف به بتحذير:
أوعى تقربلي.
قال ببرود:
امنعيني.
نظر إليها من رأسها لأخمص قدميها بنظرات وقحة وهو يكمل:
أنا بيني وبينك خمس خطوات لو وصلتلك هخليكي إنتي اللي تتذللي ليا عشان أتجوزك وتبوسي رجلي كمان.
تراجعت للخلف وقد فهمت مغزى كلماته وهي تحاول أن تتحلى بالشجاعة الزائفة أمام نظراته القوية، وهي تهتف:
بقولك أوعى تقربلي... أحسن لك.
تابع تقدمه بخطوات بطيئة لتنهار شجاعتها حينما وصل إليها، وما إن امتدت يداه تمزق ملابسها حتى هتفت ببكاء:
موافقة.
هو في حد بيخطف مراته!
تشفي حمزة بهشام الذي اهتزت نظراته أمام الضابط الذي جاء بقوته بعد إبلاغ هشام عنه أنه خطف ابنتها.
ازدادت نظراته تشفي وهو يكمل:
هي هربت عشان نتجوز... مش خطفتها زي ما أبوها بيقول.
التفت إليها بنظراته الشيطانية:
مش كده يا سيرين؟
ماتت بدموع متحجرة بعينيها، ليتمزق نياط قلب أبيها الذي بسبب غلطته وطمعه ابنته دفعت الثمن.
انصرف الضابط لتتسمر قدما هشام بالأرض حينما ارتمت سيرين بين ذراعيه:
بابا.
انتزعها حمزة من بين ذراعي والدها ودفعها بقوة على الأريكة هاتفا بهشام:
دي أول خطوة في اللي هعمله فيك إنت وعيلتك... اطلع برا... ورجلك متعتبيش بيتي تاني ياحرامي يا واطي برا.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثاني 2 - بقلم رونا فؤاد
انتزعها حمزة من بين ذراعي والدها ودفعها بقوة علي الأريكة هاتفا بهشام:
دي أول خطوة في اللي هعمله فيك أنت وعيلتك. هحسرك على بنتك! اطلع برا، ورجلك متعتبرش بيتي تاني يا حرامي يا واطي، برا!
هل ابنته ضاعت منه؟ هل هي من ستدفع ثمن طمعه؟ هل ستكون هي ضحية غدر أختها بينما تتمتع الأخرى بما نهبته دون عقاب؟
لا، لا، لن يترك ابنته أبدًا. بتلك النيران التي لم ترَ منها شيئًا بعد، فحَمزة سينتقم أشد انتقام!
قال هشام بتوسل:
حمزة يا ابني، أبوس إيدك بنتي ملهاش ذنب.
عض حمزة على أسنانه بقوة حتى كاد يحطمها وهو يصيح بهشام:
أنا مش قلتلك أنا مش ابنك يا راجل أنت!
أمسك ذراعه بقوة يهتف به:
برا بيتي يا واطي يا حرامي، بدل ما أخلص عليك.
توسله هشام وقد مزقت سكاكين الذنب قلبه:
اعمل اللي انت عاوزه فيا، بس سيب بنتي سيرين ملهاش ذنب في اللي عملته أخته.
نظر إليه حمزة باحتقار:
يا راجل، على أساس إنك هتخلف ملاك مثلًا؟ هتختلف إيه عن بنتك ال... التانية!
تشتعلت ملامحه بالحقد وهو يناظر هشام بنظرات التشفي، بينما أكمل بخبث:
يلا بقى غور في داهية من هنا، عشان عاوز أقعد مع مراتي.
مليء الخزي ملامح هشام، بينما يرى نهاية طمعه ومساعدته لابنته على طعن زوجها والغدر به لتدفع تلك البريئة الثمن.
احتقن وجهه سيرين بالغضب، ودفعت يداه التي أمسك بها ذراعيها تصيح به:
ابعد عني.
قال حمزة بوقاحة، قصدها ليهين هشام ويتشفي به:
هو في راجل بيبعد عن مراته ليلة دخلته؟
أسرع هشام لينحني أمامه:
أبوس رجلك سيبها، سيرين ملهاش ذنب.
دفعه حمزة من أمامه بغل وأمسك بذراع سيرين يسحبها بقوة بعيدًا عن هشام الذي تمسك بها وهو يهتف بتوسل:
حرام عليك، أنت جوز أختها!
ازداد لهيب الغل والحقد بداخله ما أن استمع لتلك الكلمة والتي ألهمت عقله وهو يزمجر بهشام بعنف، بينما أسرع ناحيته يمسك بتلابيبه:
أنت عارف إن بنتك ال... أول ما اتسجنت اتطلقت مني.
سخر بمرارة:
وأنا اللي كنت فاكر ده أقصى غدر ممكن تعمله فيا لما واجهتني أزمة. اتاريها مرتبة لكل حاجة. تستغل وجودي في المستشفى، تاخد التوكيل، تبيع لنفسها كل حاجة، تبلغ عني إني سرقت فلوس المستثمرين، يتقبض عليا، تطلب الطلاق مني. اتحمق لكرامتي وأطلقها، تاخد الفلوس وتهرب. وفي الآخر المغفل يكتشف إنها مرتبة كل ده خطوة خطوة ومكانش صدفة.
كلما استرسل بالتحديث عما حدث، كلما ازدادت يداه عنفًا حول عنق هشام الذي احمر وجهه وأصبح يلتقط أنفاسه بصعوبة. أخذت سيرين تلكمه بقوة وتحاول انتزاع يده من حول عنق أبيها، ولكنه كان كالصخرة لا يتزحزح ولا يتحرك. دفعها بيد واحدة بينما الأخرى ما زالت تقبض على عنق هشام وهو يزأر به كالأسد الضاري:
بنتك عملت كده بمساعدة مييين غيرك؟ مييين يعرف بفلوس القرض؟ مييين طلع المستندات الغلط للمستثمرين وعرفهم إن الشركة هتفلس وخلاهم يبلغوا عني عشان أتشغل عنها وتقدر تسحب فلوس القرض وتهرب بيهم؟ مييين غيرك اللي لعب في الحسابات عشان معرفش كل ده إلا بعد ما تكون عملت عملتها؟ إيه... أنتوااا شياطين!
هرع زين بسرعة من الخارج بعد أن وقف يتابع انصراف قوات الشرطة حينما تعالت صراخ سيرين التي لم تتوقف عن محاولة إبعاد ذلك الوحش عن أبيها، والذي أصبح أعمى لا يرى سوى الانتقام والغل والحقد، بينما يسترسل بتذكر تلك الخطة الشيطانية التي لعبتها عليه تلك الحقيرة وأبوها.
حمزة!
صاح زين بخوف وهو يبعد حمزة عن عنق هشام الذي أخذ يسعل بقوة وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:
هتضيع نفسك عشان واحد زيه ميستاهلش.
تنفس حمزة بصوت عالٍ وقد أصبح صدره يعلو ويهبط من فرط الانفعال ليهتف بقوة:
ارميه برا! ارميه برا بيتي! الكلب ابن ال... ارميه برا يا زين! ولو رجله عتبت هنا تاني هقطعهاله.
جذب زين هشام الذي تسمرت قدماه الواهنة بالأرض، ينظر بندم قاتل إلى ابنته التي منحها حمزة نظراته المتشفية وهو يجذبها من خصلات شعرها أمامه حينما أرادت التمسك بأبيها:
بابا!
جذبها بقوة يتحدى هشام ويكسر رجولته بأنه لن يستطيع حماية ابنته منه:
تعالي رايحة فييين ياعروسة؟ هتهربي من أوله؟
توسله هشام:
لا لا أبوس رجلك، اقتلني أنا بس سيب بنتي. سيرين، بنتي ملهاش ذنب. حرام عليك.
غاب صوت هشام بينما يسحبه زين للخارج، وتعالت صراخ سيرين بينما تسبه وتشتمه وتضرب يداه التي تقبض على خصلات شعرها:
أوعي! سيبيني يا حيوان يا زبالة.
تابع حمزة جرها على درجات السلم دون أن يبالي للكماتها أو لركلاتها التي لم تتوقف للحظة عن مقاومته بهم. دفعها بعنف إلى تلك الغرفة لترشقه بنظرات الاحتقار والغل وهي تقول:
أوعي تكون فاكر اللي بتعمله ده رجولة. أنت واحد حيوان قليل الأدب عشان تعمل كدة في راجل قد أبوك، وتستقوي عليه وفاكر نفسك قوي.
اندفع ناحيتها وأمسك فكها بعنف:
إيه قلتي إيه؟
هتفت بتحدي:
اللي سمعته.
حاول الإمساك بأعصابه، فالحفلة لم تبدأ بعد وهو يريد التلذذ بتعذيبها لإطفاء لهيب حقده، ولكن لسانها السليط يدفعه لإخراسها. أشد يداه حول فكها الذي شعرت به يكاد ينكسر من قوة قبضته وهو ينظر إليها باحتقار:
ويا شاطرة اللي عمله الراجل اللي قد أبويا يبقى إيه؟ الحرامي وبنته ال... يبقوا إيييييه؟
بادلته النظرات المتحقرة وهي تقول بجراءة:
كون إن مراتك تضحك عليك وتسرقك، ميديش ليك الحق إنك تحاكم ناس تانية بذنبها وتتهم أبويا. ولا أنت مقدرتش عليها جاي تتشطر علينا وتعمل علينا راجل؟
صفعه قوية أطاحت بها من أمامه وجعلت تلك الدوائر السوداء تحيط برأسها لترحب سيرين بها بدلاً من رؤية نظرات عيناه المرعبة، حينما انقض عليها وهي ما بين الوعي واللاوعي ليذيقها عاقبة ما نطقت به. كان صوته مرعبًا وهو يتوعدها:
أنا هوريك هعمل عليك راجل إزاي.
للحظة ظنت أنها هالكة أمام ذلك الحريق الذي أشعلته وستحترق به. لحظة رعب حقيقي عاشتها حينما جذبها من خصلات شعرها ليجعلها تقف ودفعها بعنف إلى الحائط خلفها لتصرخ بقوة من ألم ظهرها الذي شعرت به أنه انكسر. صرخت به وحاولت تخليص نفسها من قبضته، ولكن كلماتها المسمومة لن تمر بدون عقاب.
استمع زين لصراخها ليسرع يصعد الدرج، فصديقه عبارة عن كتلة من اللهيب لن يردعها أحد، وهو لن يقف يشاهده وهو يقتل أحد ويقضي على مستقبله. اندفع زين يمسك به ويبعده عنها هاتفا:
حمزة! أنت بتعمل إيه؟
دفعه حمزة بعيدًا عنه:
أوعى يا زين خليني أربي بنت ال... دي.
أمسك زين به بقوة:
سيبها يا حمزة وتعالى معايا.
دفعه حمزة بعيدًا عنه وحاول الانقضاض عليها مجددًا:
أوعى يا زين ومتدخلش.
أمسكه زين بقوة وجاهد ليدفع بجسده الضخم خارج الغرفة قائلاً:
لازم أتدخل ياحمزة، مينفعش أسيبك تضيع نفسك. أمسك صديقه بقوة ودفعه خارج الغرفة: تعالي ياحمزة. تعالي عندنا حاجات أهم.
لم تصدق سيرين كل ما مر عليها وكانها بكابوس مرعب. انسابت قدماها بانهيار يماثل قوة احتمالها لتجثو على ركبتيها تنتحب وتبكي. بأعجوبة نفذت من يداه الآن، وهو من داخله ممتن لإيقاف زين له، فهو كان سيقتلها بسبب سم كلماتها لولا وجود زين.
قال بعدم تصديق:
إيه اللي عملته ده ياحمزة؟ أنا مش مصدق. أنت عمرك ما مديت إيدك على واحدة.
قال حمزة بأنفاس ملتهبة من الحريق المشتعل بجوفه:
هموت يا زين، بنت ال... استغفلتني وسرقت شقا عمري أنا وأبويا. دمرت اسمي وسمعتي.
قال زين بجبين مقطب:
طيب وأختها ذنبها إيه بس؟ كلهم عينه واحدة، أكيد متفقة معاها، زي ما اتفقت مع أبوها. أنا لازم أنتقم منهم كلهم، على رميتي في السجن شهور.
اهدي بس ياحمزة وخلينا نفكر بعقل، عشان أنا مبقتش فاهمك.
صاح حمزة بحدة:
إيه اللي مش فاهمه؟ بقولك ضحكت عليا واستغفلتني وسرقتني وهربت بعد ما اتطلقت كمان وأنا في السجن.
وأنا بقولك البنت ذنبها إيه؟
أمال عاوزني أعمل إيه؟ ده أنا هولع فيهم كلهم لغاية ما أرجع شقا عمري. وبعدين بتدافع عنها كده ليه؟ تعرفها منين؟ ماهي حية زيها زي أختها، هتفرق إيه؟ وتقدر تقولي لما هي بريئة، أمال أسر أخده إزاي؟ إيه خلاص الرحمة واخدة حدها معاها تاخد عيل متعرفوش وتربيه؟ كله بتمنه.
أنت كده بتظلم من غير دليل.
عشان اتظلمت. زين بلاش مثاليتك دي مع الأشكال ال... أنا اللي غلطان إني مسمعتش كلامك من الأول واتسرعت في جوازتي من بنت ال... دي. كان لازم أفهم إنها طماعة زبالة.
زم زين شفتيه:
واللي عملته دلوقتي أنا مش موافق عليه. إزاي تتجوز أختها؟
أمال كنت عاوزني أعمل إيه؟ كان لازم أضمن إن هشام هيفضل صباعه تحت ضرسي. كده هيعرف يوصل لبنت ال... دي بأي طريقة ويحاول يخليها ترجع عشان تنفذ أختها.
وأنت فاكر إنها بالسهولة دي هترجع ولا حتى هتهتم بأختها؟
هز رأسه بغضب:
مش هترجع، بس هشام مش هيسكت وهيحاول يوصلها. وقتها أنا كمان هوصلها. وأشفي غليلي منها.
يعني أنت واخد البنت دي كوبري عشان توصل لأختها؟
أمال متجوزها عشان سواد عينيها؟ مجرد ضمان عشان أرجع حقي.
يعني مش هتأذيها؟
رفع حمزة حاجبه بغضب جارف وهو يتهكم:
ده أنا مش هعمل حاجة غير إني أأذيها!
هز زين رأسه برفض وفتح فمه ليعترض، ليوقفه حمزة:
مش عاوز كلام في الموضوع ده يا زين. حقي هاخده بطريقتي. خلينا في دلوقتي... أنا لازم أسلم الفيلا بكرة الصبح للمشتري. شوفلي شقة أُقعد فيها.
هز زين رأسه وأسرع يخرج مفتاح شقته قائلاً:
أنت هتقعد في شقتي وأنا هروح أقعد مع أمي.
هز حمزة رأسه:
لا يا زين خليك في بيتك أنا هتصرف.
قال زين:
حمزة الشقة دي جت بسببك.
قال حمزة:
بسبب تعبك وشغلك يا زين.
بطل عناد، هتقعد فين؟
في أي داهية.
أنت ناسي البنت اللي ربطتها بيك؟
قال بوعيد:
ودي حاجة تتنسي. دي هي اللي هتطفي شوية من النار اللي جوايا.
أغمض زين عينيه:
يا حمزة بلاش الانتقام يخليك ظالم.
هما اللي بدأوا.
مش هما... هي. حرام تاخد الكل بذنبها.
قلتلك مش عاوز نصايح يا زين. بكرة الصبح تكون شفت ليا أي شقة. ودلوقتي خلينا نروح للمحامي نشوف وصل لإيه مع البنك. لازم أقف على رجلي تاني يا زين. لازم!
بتلك الفيلا الأنيقة كانت تلك المرأة التي تجاوزت الخمسين جالسة تضع ساق فوق الأخرى وترتشف من قهوتها بتعالي. بينما جلست في المقعد المقابل لها فتاة جميلة بخصلات شعر شقراء تماشى مع فستانها الأسود المكشوف.
انتفضت من مكانها:
حمزة خرج يا ماما!
تبدلت نظرات المرأة لتقطب جبينها:
أنتي عرفتي منين؟
أشارت لهاتفها بنظرات قلقة:
الخبر نازل!
قالت المرأة وهي تتناول الهاتف من يد ابنتها لتهتف بعدم تصديق:
خرج إزاي؟ ده كان أقل ما فيها هياخد 15 سنة.
هزت سيدرا رأسها بحيرة:
مش عارفة. ده كمان البنك بينزل تكذيب لخبر إنه حجز على أملاكه. لا يا ماما الموضوع كده فيه إن... حمزة جاب منين فلوس يرجع للبنك القرض والبنك يتنازل ويخرج حمزة؟
نظرت إليها نادية:
أكيد كان فيه فلوس تانية محدش يعرف عنها حاجة؟
فلوس إيه بس. أنا حولت لنفسي كل حاجة في حساباته. لولا الفيلا والعربية وأصول شركته مقدرتش أقرب منهم ودول ميجوش نص القرض.
أمال؟
أنا خايفة يا ماما. حمزة مش هيرحمني.
وهو هيعرف طريقك منين؟ وبعدين متبقيش جبانة كده. إحنا هنا في أمان ومحدش هيعرف يوصلنا.
هزت رأسها بحيرة:
مش عارفة بس خايفة. أنتِ متعرفيش حمزة.
ضحكت نادية باستهزاء:
وهو مين اللي بالبساطة دي اداكي التوكيل مش حمزة برضه؟ متخافيش ولا هيقدر يعملك حاجة.
أيوه يا ماما عمل لي توكيل عشان كان واثق فيا.
ضحكت نادية مجدداً باستهزاء:
وأهو دفع التمن. ال كنتِ عاوزة تفضلي طول عمرك عايشة على الفتافيت. شفتي تفكير أمك.
رفعت سيدرا حاجبيها بنشوة الانتصار:
عندك حق يا ماما. هو بالرغم من العيشة اللي كان معيشهالي... بس كان آخري إيه يعنى. طلع بكام ألف وكام هدية. لا أنا كده بقيت صاحبة الملايين دي كلها.
هتفت نادية بطمع:
ولسه لما جمال يشغلك الفلوس دي هتشوفي.
ضحكت سيدرا عالياً وهي تهز رأسها بتهكم:
جمال مين اللي يشغل لي فلوسي؟
قطبت نادية جبينها لتنظر إليها سيدرا:
وأنا هبلة؟ يعني أعمل كده في جوزي وجمال يعملها فيا؟
لوت نادية شفتيها:
أنتِ مش واثقة فيه؟
أنا مش بثق في حد غير نفسي يا ماما.
بس جمال صاحب الفكرة وهو اللي جاب الناس اللي ساعدتك.
واخد تمن خدماته. وأنتي كمان نابك من الحب جانب. واخدتي نايب حلو أوي كمان ومعملتش معاكي زي اللي عملته مع هشام وطلعته من المولد بلا حمص، لا وكمان اتسجن. يبقى متحلميش بأكثر من كده.
دخل ذلك الرجل إلى ذلك المنزل العريق بالصعيد مهرولاً.
الحق يا حج عبد الحميد.
انتفض ذلك الرجل المهيب من على مقعده:
في إيه ياواد يا ماهر؟
في ناس عند الأرض الشرقية بتاعة حمزة بيه وبيسرحوا العمال.
قطب جبينه:
بيسرحوا العمال؟
آه بيقولوا إنه باع لهم الأرض.
اتسعت عيناه بصدمة ليردد:
باع الأرض؟
فتح حمزة تلك الخزانة الضخمة يفرغ محتوياتها بتلك الحقيبة الكبيرة لينظر بسخرية مريرة للخزانة الحديدية أسفل الخزانة والمفتوحة على مصراعيها. لقد أخذت تلك الحقيرة محتوياتها والتي أغدقها عليها مجوهرات وهدايا. أحمق! كور قبضته وأخذ يضرب الخزانة بقوة وكأنه يلكم نفسه على حماقته. كيف استطاعت أن تخدعه بتلك السهولة؟ كيف سلم لها نفسه لتتلاعب بها بين أصابعها بتلك السهولة؟ لقد ظن أن أقسى غدرها به هو طلبها الطلاق أول ما تم إلقاء القبض عليه لتثور كرامته ويطلقها على الفور ليكتشف أن الطلاق كان آخر خطوة بعد أن نهبت أمواله ويكتشف أن إلقاء القبض عليه كان بترتيب منها ليلتهي عنها. غبي! لقد وضعت خطة شيطانية وأوهمت المستثمرين بحسابات مزورة ليتم القبض عليه، وحتى يتم اكتشاف الحقيقة تكون قد استولت على ملايين القرض وتطلقت وهربت منه. كل شيء كان مرتب بخطة شيطانية! ومن يفعل هذا إلا أبوها الذي يعلم كل شيء بحسابات الشركة ويستطيع التلاعب بها! حطم محتويات الغرفة بهياج وهو يتذكر كل شيء. كيف كان رجل أحمق ليتزوج بفتاة مثلها. لم يكن يومًا متعجرفًا ولا ممن يضعون الفوارق الاجتماعية بالحسبان، لأنه أول من عانى بسببها. فأبيه أحب والدته وتزوجها بالرغم عن عائلتها التي وضعت الفارق الاجتماعي عقبة. استطاع أبيه تخطيها وكون اسمًا وثروة، لذا ظن أن زواجه بتلك الفتاة التي تقربت منه خلال تلك الأشهر خطوة صحيحة. لا يستطيع القول إنه أحبها، ولكنها كانت فتاة جميلة وغاية بالذكاء استطاعت أن تجتذب اهتمامه وتجعله يتزوج بها. زم شفتيه بغضب أهوج وقام من مكانه ينتوي أن يذهب ليفرغ غضبه بتلك الشرسة التي سنت أظافرها لمواجهته. إنه أعمى مجنون يريد أن ينتقم بأي ثمن، ولكن ما ذنبها هي؟ إنها أختها فقط! لم تكن علاقتهم قوية ولم تكن بينهم أي علاقة من الأساس. فهي كبرت على نغمة والدتها أنها ابنة من سرقت أباها منها. سيدرا دومًا ابنة الزوجة الثانية الكريهة. وسيرين لم تكن يومًا قريبة منها، فطوال عمرها لم تحاول سيدرا التقرب منها ودوماً تعاملها بكبرياء وتعالٍ، بالرغم من أن سيرين تفوقها في كل شيء، جمالاً وأدباً ورقياً في أخلاقها، إلا أن سيدرا من هؤلاء الفتيات التي تحسن استغلال أسلحتها كانثى وتعرف كيف تستغلها. بدأ كل شيء حينما بدأت بالتقرب إليهم ما أن وضعت عيناها على حمزة مدير والدها صاحب الثروة! لم تهتم سيرين كثيراً لا لاقتراب سيدرا ولا لابتعادها ولا حتى لسماع والدتها التي طالما تحدثت عن سيدرا بالسوء. وقد حدث ما أرادته وتزوجت بمدير أبيها المليونير، ولم تهتم حتى أنها لم تدعُ أختها للزفاف الأسطوري، فقط كان أبوها لأنه كارهتها الرابح لتعرف كل شيء عن ثروة زوجها. رأتها سيرين مرات قليلة منذ ذلك الاقتراب الزائف، منهم تلك المرة التي ذهبت إليها سيرين ما أن سمعت بحادث زوجها لتواسيها، ولكن كعادتها سيدرا عاملتها باستعلاء، ويومها كانت نادية أمها برفقتها واشمأزت سيرين منهم، بينما رأتها تتعامل وكأن زوجها مات وسترتث تلك الثروة، فغادرت على الفور. وبالرغم من هذا انخدعت بها ولم تفهم نيتها الخبيثة حينما أتت إلى منزلهم منهارة بعد إلقاء القبض على زوجها. تحدثت مع أبيها مطولاً لتستمع لجزء من حديثهم، بينما هتف هشام:
لا يا سيدرا، إحنا متفقناش على كده. أنتِ قلتي الورق ده عشان تأمني مستقبلك.
يا بابا متخافش، أنا بعمل كده عشان مصلحة حمزة، لازم أعرف كل حاجة عشان أقف معاه.
هل كان أبوها يعرف بنيتها لسرقته أموال زوجها؟ لا، لا. هزت رأسها، فلا شيء في الحديث يدل على هذا. وحتى سيدرا قالت إنها تريد الوقوف بجوار زوجها. حتى أنها طلبت منها الاهتمام بهذا الطفل:
سيرين معلش أنتِ شايفة ظروفي، ده ابن ملك صاحبتي تعبانة وبتعمل عملية سايباه أمانة عندي وأنا لازم أكون جنب حمزة. خليه عندك يومين لغاية ما أرتب أموري.
وافقت سيرين على الفور وأخذت الطفل الجميل ووافقت أن تهتم به بعد معرفة أن والدته مريضة. لتتفاجأ بعد عدة أيام بإلقاء القبض على أبيها. وتعرف بأمر هروب سيدرا بعد سرقة أموال زوجها الذي قضى أشهر في السجن كانت ستمتد لسنوات. إنه مظلوم، لا تنكر سيرين أن هذا حال بتفكيرها الآن بعد أن فكرت لحظة بخطة أختها الشيطانية، ولكن لماذا يظلمها هي وأبوها؟ ما ذنب أبيها أن ينال تلك الألفاظ الجارحة والإهانة؟ ألا يكفي أنه قضى ذلك الوقت بالسجن وهو مظلوم؟
انتفضت سيرين من مكانها حينما سمعت صوت المفتاح يدور بالباب لتهب واقفة وهي تمسح دموعها سريعاً لتواجهه وهي تتخلى بكل قوتها، فهي لن تكون سجين هذا الحقير.
نظر إليها حمزة باحتقار وخبث وهو يقول:
إيه ياحلوة بتعيطي ليه؟ هو انتي لسه شفتي حاجة؟
نظرت إليه سيرين من فوق أعلى لأسفل، قول شيئاً لتستفزه ليمسك يدها بقوة:
متستفزنيش يابنت هشام أحسن لك.
نزعت يدها من يده وهي تهتف به بجراءة:
أنت متهددنيش، أحسن لك.
رفع حاجبه باستهزاء:
أحسن لي؟
ومات له وبلحظة كانت تركله بركبته بقوة في رجولته وتسرع تفر من باب الغرفة المفتوح مستغلة ذلك الألم الشديد الذي شعر به حمزة ليسبها بأبشع الألفاظ وهو يتحامل على نفسه ويسرع خلفها. ركضت سيرين بأقصى قوتها من أعلى الدرج وعيناها مثبتة على ذلك الباب الزجاجي الضخم المتمثل بخلاصها. ركض حمزة خلفها يلحق بها ولكنها كانت قد فتحت ذلك الباب الزجاجي وخرجت منه. ركضت من فوق تلك الثلاث درجات الحجرية لتري تلك البوابة الحديدية الضخمة وتركض تجاهها بكل قوتها ما أن رأت والدتها تدخل منها. بعدم تصديق ممزوج بصوت أنفاسها المتعالية صاحت وهي تظن نفسها تحلم:
ماما!
أسرعت هدى ومدت يديها تجاه ابنتها التي تركض تجاهها وتمد يديها إليها هي الأخرى:
ماما!
ضاع صوتها ما أن شعرت بتلك القبضة الحديدية تقبض على خصلات شعرها التي كادت تنتزع بيده بينما يهتف بصوت مرعب:
على فين؟
صرخت هدى ببكاء وأسرعت تركض تجاه ابنتها التي مزق قلبها رؤيتها لهذا الوحش يمسك بها بتلك الطريقة:
سيرين!
ترجته هدى وهي تحاول تخليص ابنتها من قبضته:
حرام عليك بنتي ملهاش ذنب.
أبعدها حمزة من أمامه:
قولي كده لجوزك.
هتفت به سيرين التي أبت أن تبكي بالرغم من ذلك الألم الرهيب الذي تشعر به بسبب إمساكه بخصلات شعرها بتلك القوة. ولكن رؤيتها له يدفع والدتها ألمها أكثر:
مالكش دعوة بماما.
ترك حمزة خصلات شعرها وأمسك بيدها بقوة يوقفها خلف ظهره هاتفا بهدى بتهديد:
لو زعلانة على بنتك أوي... خلي هشام يقول لي مكان بنته.
قالت هدى بتوسل:
سيب بنتي أبوس إيدك. بنتي ملهاش ذنب. أبوس إيدك سيبها.
يبقى تخلي جوزك يقول لي مكانها.
انهارت هدى باكية:
ميعرفش، والله ما يعرف.
سخر حمزة:
لما يشوف عذاب بنته... هيعرف!
دفعها حمزة من أمامه وسحب سيرين خلفه بيداه التي تقبض على يدها بقبضة من حديد ليجرها على درجات السلم التي جعلت الكدمات تملأ جسدها. دفعها بقوة إلى داخل الغرفة وعيناه تطلق شرراً جعل جسدها يرتجف:
فاكرة إنك هتقدري تهربي مني؟
هزت رأسها بجراءة زائفة:
أنت اللي فاكر إنك هتقدر تحبسني!
نظرت إليه لتواجه عيناها الجميلة عيناه الثائرة وهي تهتف بجراءة وتحدي:
هرب منك تاني وتالت ورابع ومش هتقدر تمنعني كل مرة. وأول ما أخرج من هنا هفضحك يا حيوان وأقول للناس إنك أجبرتني على الجواز منك. وحته الورقة اللي أنت فاكر نفسك ربطتني بيها تبلها وتشرب ميتها.
استعرت النيران بعيون حمزة وهو ينظر إليها تلك النظرات المخيفة:
صفق... أووه ده أنتِ جريئة أوي.
نظرت إليه بتحدي ليجذبها حمزة فجأة من ذراعها يقربها إليه ويميل ناحيتها هامساً بهسيس مرعب:
أنتي قد اللي نطقتي بيه؟
تغلغلت رائحة عطره القوية بجنبات مسامها، بينما انمحت المسافة بينهما لترتجف أوصالها من همسه المخيف:
عارفة إن اللي بتعمليه ده بيخليني أجل انتقامي منك.
أمسك بذقنها بقوة يرفع وجهها لتنظر إليه:
حظك إني أنا ناوي أستمتع وأنا بذلك وأكسرك عشان كده حسابنا وقته مجاش.
شدد على قبضته على ذقنها ليكمل بوعيد:
بس ده ميمنعش إنك لو طولتي لسانك ده تاني هقطعهولك.
دفعها بقوة من بين يده لتقع على الفراش خلفها، لينظر إليها بخبث قبل أن يغادر قائلاً:
قريب أوي... الحساب هيجمع.
تركها وانصرف لتسمع لصوت إغلاق الباب بالمفتاح ليتركها حمزة وهو ينتوي لها.
بكت هدى بانهيار وكاد قلبها يتوقف وهي تصيح بهشام:
بنتي ضاعت... بنتي ضاعت يا هشام... أنت وبنتك السبب. منكم لله.
وضع هشام وجهه بين كفيه بحسرة دون قول شيء، ليتعالى رنين الباب فتقوم هدى بسرعة تفتحه لتجد أختها تندفع منه بقلب لهيف:
اللي قولتي في التليفون ده حصل يا هدى. سيرين اتخطفت.
أومات هدى ببكاء وعويل ليدخل ذلك الشاب مديد القامة خلف والدته:
إيه اللي حصل يا طنط؟
قالت هدى ببكاء وهي تنظر إلى عمتها بتأنيب:
كله من نادية وبنتها. ضيعوا بنتي. بنتي ضاعت.
قال إياد بجدية:
قولي لي إيه اللي حصل عشان أعرف أتصرف.
شهقت هناء اخت هدي:
خطفها! وهي مالها؟ مقدرش على مراته جاي يتشطر على بنات الناس.
قال إياد بوعيد:
أنا هوديه في ستين داهية. هي سايبة ولا إيه؟ يعني إيه يخطفها؟ أنت إزاي يا عمي متبلغش عنه إنه خطف سيرين؟
قال هشام بصوت مختنق:
بلغت يا ابني. بلغت.
نظر إليه إياد بنفاذ صبر:
وبعدين؟
قال هشام بخزي:
على ما رحت كان كتب كتابه عليها وقال إنها هربت معاه عشان تتجوزه وأنا مخطفهاش.
انصعق إياد كما سمعه، بينما ضربت هناء وجهها بكفها تتلوي بعويل:
أنت بتقول إيه يا هشام؟ اتجوزها إزاي؟ ده جوز أختها.
طأطأ هشام رأسه بخزي ولم يستطع قول المزيد لتهتف هناء بأختها:
الكلام ده صح؟
هزت هدى رأسها بقله حيلة واعتصرت عيونها ببكاء أدمى قلبها، وهي تقول:
أيوه يا هناء.
صاح إياد الذي أفاق من صدمته:
أيوه يعني إيه؟
ماهو مطلق بنت نادية من شهور.
هتف إياد من بين أسنانه:
الجوازة دي حصلت غصب عن سيرين. يعني باطلة. أنا مش هسكت!
أسرع إياد يغادر يقطع الخطوات بغضب أهوج ممزوج بنيران الغيرة، فابنة خالته تلك الجميلة الرقيقة التي طالما حلم بها ضاعت من بين يديه. لا! لن يسمح بشيء كهذا أبداً. لقد انتظر سنوات ليبوح لها بحبه ليخسرها بلحظة.
في اليوم التالي كانت بين قبضته مرة أخرى ليدفعها إلى تلك الشقة الصغيرة. سخر وعيناه تدور بأرجاء تلك الشقة قائلاً:
طبعاً مش زي الفيلا اللي مكنتوش تحلموا تعيشوا فيها يا بنات هشام.
أمسك ذراعها بعنف وقربها إليه ليهمس بأنفاسه الساخنة بجوار أذنها:
بس مش بطالة. تنفع تكون مكان عمرك ما هتنسيه من اللي هتشوفيه هنا.
انتزعت ذراعها من يده ودفعته بعيداً عنها:
متحلمش أوي كده. بدل ما تكون آخر مكان عينيك تشوفها.
أطلق صفيرًا متهكمًا، فهي محاربة شرسة تجعله كل لحظة يؤجل انتقامه ليتلذذ به:
متستعجليش على حسابك يابنت هشام، وتقولي كلام أنتِ مش قدّه.
أمسك بذراعيها بقوة هاتفا بتحذير:
اسمعي يابنت ال... من اللحظة دي البيت ده هيبقى سجنك. هتعيشي فيه زي الكلبة تحت رجليا. مسمعش منك غير نعم وحاضر في أي كلمة أقولها، ولو خالفتي كلامي هتشوفي مني الويل. أنتي حتة حشرة. خدامة. لغاية ما أشفي غليلي منك ومن أهلك بالطريقة اللي تعجبني. حالياً طول ما أنا في البيت مش عاوز أشوف خيالك.
قربها إليه أكثر وهمس بفيحيح وقح:
بس وقت ما أحب هتكوني في سريري وتحت أمري، فاهمة؟
نظرت إليه باحتقار وهي تحاول انتزاع ذراعها من يده:
ابعد عني.
ترك ذراعها لتتقهقر للخلف، بينما سخر منها:
أكيد هبعد حالياً، أصلي قرفان حتى المسك.
تركها وانصرف ليغلق الباب بالمفتاح، لتتهاوى سيرين مكانها وتترك لدموعها العنان، لا تعرف أي ذنب اقترفته ليكون مصيرها أسود بتلك الطريقة على يد ذلك المجنون المتعطش للانتقام. نامت مكانها على الأرضية الصلبة من الإرهاق والتعب، حتى أنها لم تأكل شيئًا منذ الأمس، وهو لم يتحل بقدر من الرحمة ليجعلها حبيسة تلك الغرفة حتى صباح اليوم التالي، كما تسببت أختها بحبسه لشهور.
أفاقت في اليوم التالي على وخزة من طرف قدمه لتفتح عيونها المتورمة على صوته الذي هتف بإذلال:
قومي كلي، عشان مش عاوزك تموتي دلوقتي. لسه حسابنا طويل.
لم تنظر إليه، فقد اكتفت من النظر لملامح وجهه المتشبعة بالتوحش، ليطالعها باحتقار وهو يكمل بلهجة أمره:
أنا خارج. لو فكرتي بس مجرد تفكير تهربي ولا تطلعي صوت، هيكون صوتك على أبوكي اللي هخلص عليه.
تركها وانصرف ليغادر الشقة مغلق الباب عليها من الخارج. قامت بجسد يأن وجعاً وألماً لتنظر بعيونها بحثاً عن الحمام، فتدخل إليه وتغلق الباب خلفها، تخلع ملابسها وتنظر إلى جسدها المتلون بكافة ألوان الكدمات والجروح، تقف أسفل الماء الساخن لعلها تضمد القليل من وجعها. انسابت دموعها التي تحبسها أمامه، فلا تريد أن تمنحه لذة رؤية ضعفها. بعد قليل خرجت لتحيط جسدها بالمنشفة، بينما غسلت ملابسها المتسخة واتجهت للخارج. لا تريد تناول شيء من طعامه، ولكن جسدها يأن جوعاً وهواناً لتضطر لتناول الطعام.
جلس بشركته التي أصبحت خاوية بعد أن انصرف العاملين بها لإجازة لا يعلم إلى متى ستدوم، ولكنه لا يملك حتى دفع مرتبات موظفيه بعد أن باع كل شيء ليخرج من السجن. نظر إليه زين يرى مقدار حسرته مهما حاول إخفاءها وهو يفكر بحل لينهض على قدميه.
إيه يا شاكر عملت إيه؟
قال المحامي المخضرم:
وصلت لحل مع مدير البنك واتفقت معاه على مواعيد جديدة لتسديد باقي القرض على دفعات، أولها بعد ست شهور. دي أقصى حاجة قدرت أوصلها.
هز رأسه:
مش بطال. كده عندنا وقت نحاول نعمل فيه حاجة.
التفت إلى زين:
أخبار المصنع إيه؟
هز زين رأسه:
لو قدرنا نقنع الشركة الأجنبية تجيب المعدات وتأجل الدفعات مؤقتاً، نقدر نشتغل كمان شهرين. وممكن وقتها نقدر نستعيد ثقة الممولين ونطرح أسهم للبيع توفر لنا سيولة نبدأ بها.
هز رأسه ليكمل زين:
عاوزين على الأقل خمسة مليون دلوقتي.
زفر حمزة وفرك وجهه بانفعال من قلة حيلته، فليس لديه شيء.
للتدخل شاكر:
حمزة بيه، تسمح لي أقول رأيي؟
أومأ له ليحمحم قائلاً:
لو بعنا المصنع.
قاطعه حمزة بنبرة قاطعة:
لا المصنع مش هيتباع.
بس يا حمزة بيه، ده هيوفر لنا على الأقل دفعتين.
قلت لا. وبعدين حتى لو سمعت كلامك، باقي الدفعات هنعمل فيها إيه؟
أومأ له شاكر وطأطأ رأسه، ليقول زين بتشجيع:
عندك حق يا حمزة. المصنع هو أملنا الوحيد للخروج من الأزمة دي. المهم، نفكر إزاي نوفر الفلوس اللي هنبدأ بيها، وأما هسافر أحاول أقنع الشركة وأقدم لهم كل الضمانات اللي محتاجينها.
تمام. حتى لو اتضاعفت فايدة الفلوس أنا موافق.
صمت الجميع حينما دخل ذلك الرجل المهيب إلى المكتب وعيناه ترشق حمزة بنظراته غير الراضية. انصرف الجميع ليقف حمزة يواجه جده بنظرات قوية تماثل نظرات ذلك الرجل الستيني الذي لم يزده الزمن إلا قوة وبجبروت.
بعت أرض عيلتك يا ابن السيوفي.
قال حمزة ببرود:
أعتقد إن الأرض دي حقي وورث أمي يا عبد الحميد بيه.
يهتف به عبد الحميد:
أنا الحاج عبد الحميد، مش بيه ولا باشا. أنا جدك اللي اتحديته زي ما أمك عملت وجريت ورا واحدة بعتها اللي وراك وقدامك.
احتقن وجهه حمزة بالغضب، ولكن ما أن فتح فمه حتى ألقى عبد الحميد تلك الأوراق بوجهه.
خد يا ابن السيوفي، دي عقود الأرض اللي بعتها بالساهل. أرض عيلتك مش أرض أمك. الأرض اللي أجدادك بيورثوها لعيالهم مش بيبيعوها بالساهل زي ما عملت.
نظر حمزة للعقود التي وقعت أرضاً باحتقار:
مش عاوزها.
هتف عبد الحميد:
ومين قال إني برجعهالك؟ أنا برجعها لعيلة البدراوي.
أمسك بكتفه بقسوة:
الأرض رجعت، بس ليا. ليا أنا جدك. اللي طول عمرك واقف قصاده.
نظر إليه بقسوة وتابع:
لو مش عاوز تتمرمغ في الوحل أكتر من كده، ترجع لعيلتك، ووقتها هقف معاك.
نظر إليه حمزة بقوة:
بتحلم. العيلة اللي طردت أمي وعمرها ما قبلت وجود أبويا، عمري ما هحتاج لها.
رشق حمزة بنظرات قوية قائلاً:
هتشوف يا ابن السيوفي.
أسرعت سيرين إلى تلك الغرفة مجدداً ما أن استمعت لصوت مفتاح الباب بمنتصف الليل لتسمع لخطواته تقترب فتسرع تندثر بالغطاء الخفيف تغمض عيناها تتضرع لربها ألا يأتي فليس لديها أي قوة لمواجهته، وهي لا تريد من نفسها أن تكون ضعيفة أمامه. وقد استجاب الله لدعائها لتسمع لصوت خطواته يتوجه إلى الغرفة المجاورة ويصفق الباب خلفه. اعتدلت جالسة تفكر في سبيل لخروجها من هذا المنزل.
أيها أيكم... طبعاً خلاص موضوع الجمع بين الاختين. طبعاً شكراً على تعليقاتكم شجعتني بجد.
اقتباس:
بابا... أنا كويسة متخافش عليا.
تجمدت مكانها حينما شعرت بتلك اليد القوية تقبض على الهاتف من يدها ويهتف بوالدها بنبرة قوية:
لا خاف، خاف أوي يا هشام، قطتك بتخرشم يا هشام. بس متقلقش هقص ضوافرها. أصلي محبش مراتي تخرمش.
هتفت به سيرين وهي تدفعه بقوة:
أنت حيواااان!
لمي نفسك يابت انتي.
أنت اللي لم نفسك يا حيوان.
لا ده أنت زودتيها أوي.
هتفت به بجراءة لاتعرف ثمنها:
أنا مش خايفة منك. كنت قدرت عليها مش جاي تستقوي عليا؟
صفعها بقوة مزمجراً:
أنا هوريك إزاي أقدر أستقوي عليكي.
تابعت هدى ببكاء وعويل ليدخل ذلك الشاب مديد القامة خلف والدته:
إيه اللي حصل يا طنط؟
قالت هدى ببكاء وهي تنظر إلى عمتها بتأنيب:
كله من نادية وبنتها. ضيعوا بنتي. بنتي ضاعت.
قال إياد بجدية:
قولي لي إيه اللي حصل عشان أعرف أتصرف.
شهقت هناء اخت هدي:
خطفها! وهي مالها؟ مقدرش على مراته جاي يتشطر على بنات الناس.
قال إياد بوعيد:
أنا هوديه في ستين داهية. هي سايبة ولا إيه؟ يعني إيه يخطفها؟ أنت إزاي يا عمي متبلغش عنه إنه خطف سيرين؟
قال هشام بصوت مختنق:
بلغت يا ابني. بلغت.
نظر إليه إياد بنفاذ صبر:
وبعدين؟
قال هشام بخزي:
على ما رحت كان كتب كتابه عليها وقال إنها هربت معاه عشان تتجوزه وأنا مخطفهاش.
انصعق إياد كما سمعه، بينما ضربت هناء وجهها بكفها تتلوي بعويل:
أنت بتقول إيه يا هشام؟ اتجوزها إزاي؟ ده جوز أختها.
طأطأ هشام رأسه بخزي ولم يستطع قول المزيد لتهتف هناء بأختها:
الكلام ده صح؟
هزت هدى رأسها بقله حيلة واعتصرت عيونها ببكاء أدمى قلبها، وهي تقول:
أيوه يا هناء.
صاح إياد الذي أفاق من صدمته:
أيوه يعني إيه؟
ماهو مطلق بنت نادية من شهور.
هتف إياد من بين أسنانه:
الجوازة دي حصلت غصب عن سيرين. يعني باطلة. أنا مش هسكت!
أسرع إياد يغادر يقطع الخطوات بغضب أهوج ممزوج بنيران الغيرة، فابنة خالته تلك الجميلة الرقيقة التي طالما حلم بها ضاعت من بين يديه. لا! لن يسمح بشيء كهذا أبداً. لقد انتظر سنوات ليبوح لها بحبه ليخسرها بلحظة.
في اليوم التالي كانت بين قبضته مرة أخرى ليدفعها إلى تلك الشقة الصغيرة. سخر وعيناه تدور بأرجاء تلك الشقة قائلاً:
طبعاً مش زي الفيلا اللي مكنتوش تحلموا تعيشوا فيها يا بنات هشام.
أمسك ذراعها بعنف وقربها إليه ليهمس بأنفاسه الساخنة بجوار أذنها:
بس مش بطالة. تنفع تكون مكان عمرك ما هتنسيه من اللي هتشوفيه هنا.
انتزعت ذراعها من يده ودفعته بعيداً عنها:
متحلمش أوي كده. بدل ما تكون آخر مكان عينيك تشوفها.
أطلق صفيرًا متهكمًا، فهي محاربة شرسة تجعله كل لحظة يؤجل انتقامه ليتلذذ به:
متستعجليش على حسابك يابنت هشام، وتقولي كلام أنتِ مش قدّه.
أمسك بذراعيها بقوة هاتفا بتحذير:
اسمعي يابنت ال... من اللحظة دي البيت ده هيبقى سجنك. هتعيشي فيه زي الكلبة تحت رجليا. مسمعش منك غير نعم وحاضر في أي كلمة أقولها، ولو خالفتي كلامي هتشوفي مني الويل. أنتي حتة حشرة. خدامة. لغاية ما أشفي غليلي منك ومن أهلك بالطريقة اللي تعجبني. حالياً طول ما أنا في البيت مش عاوز أشوف خيالك.
قربها إليه أكثر وهمس بفيحيح وقح:
بس وقت ما أحب هتكوني في سريري وتحت أمري، فاهمة؟
نظرت إليه باحتقار وهي تحاول انتزاع ذراعها من يده:
ابعد عني.
ترك ذراعها لتتقهقر للخلف، بينما سخر منها:
أكيد هبعد حالياً، أصلي قرفان حتى المسك.
تركها وانصرف ليغلق الباب بالمفتاح، لتتهاوى سيرين مكانها وتترك لدموعها العنان، لا تعرف أي ذنب اقترفته ليكون مصيرها أسود بتلك الطريقة على يد ذلك المجنون المتعطش للانتقام. نامت مكانها على الأرضية الصلبة من الإرهاق والتعب، حتى أنها لم تأكل شيئًا منذ الأمس، وهو لم يتحل بقدر من الرحمة ليجعلها حبيسة تلك الغرفة حتى صباح اليوم التالي، كما تسببت أختها بحبسه لشهور.
أفاقت في اليوم التالي على وخزة من طرف قدمه لتفتح عيونها المتورمة على صوته الذي هتف بإذلال:
قومي كلي، عشان مش عاوزك تموتي دلوقتي. لسه حسابنا طويل.
لم تنظر إليه، فقد اكتفت من النظر لملامح وجهه المتشبعة بالتوحش، ليطالعها باحتقار وهو يكمل بلهجة أمره:
أنا خارج. لو فكرتي بس مجرد تفكير تهربي ولا تطلعي صوت، هيكون صوتك على أبوكي اللي هخلص عليه.
تركها وانصرف ليغادر الشقة مغلق الباب عليها من الخارج. قامت بجسد يأن وجعاً وألماً لتنظر بعيونها بحثاً عن الحمام، فتدخل إليه وتغلق الباب خلفها، تخلع ملابسها وتنظر إلى جسدها المتلون بكافة ألوان الكدمات والجروح، تقف أسفل الماء الساخن لعلها تضمد القليل من وجعها. انسابت دموعها التي تحبسها أمامه، فلا تريد أن تمنحه لذة رؤية ضعفها. بعد قليل خرجت لتحيط جسدها بالمنشفة، بينما غسلت ملابسها المتسخة واتجهت للخارج. لا تريد تناول شيء من طعامه، ولكن جسدها يأن جوعاً وهواناً لتضطر لتناول الطعام.
جلس بشركته التي أصبحت خاوية بعد أن انصرف العاملين بها لإجازة لا يعلم إلى متى ستدوم، ولكنه لا يملك حتى دفع مرتبات موظفيه بعد أن باع كل شيء ليخرج من السجن. نظر إليه زين يرى مقدار حسرته مهما حاول إخفاءها وهو يفكر بحل لينهض على قدميه.
إيه يا شاكر عملت إيه؟
قال المحامي المخضرم:
وصلت لحل مع مدير البنك واتفقت معاه على مواعيد جديدة لتسديد باقي القرض على دفعات، أولها بعد ست شهور. دي أقصى حاجة قدرت أوصلها.
هز رأسه:
مش بطال. كده عندنا وقت نحاول نعمل فيه حاجة.
التفت إلى زين:
أخبار المصنع إيه؟
هز زين رأسه:
لو قدرنا نقنع الشركة الأجنبية تجيب المعدات وتأجل الدفعات مؤقتاً، نقدر نشتغل كمان شهرين. وممكن وقتها نقدر نستعيد ثقة الممولين ونطرح أسهم للبيع توفر لنا سيولة نبدأ بها.
هز رأسه ليكمل زين:
عاوزين على الأقل خمسة مليون دلوقتي.
زفر حمزة وفرك وجهه بانفعال من قلة حيلته، فليس لديه شيء.
للتدخل شاكر:
حمزة بيه، تسمح لي أقول رأيي؟
أومأ له ليحمحم قائلاً:
لو بعنا المصنع.
قاطعه حمزة بنبرة قاطعة:
لا المصنع مش هيتباع.
بس يا حمزة بيه، ده هيوفر لنا على الأقل دفعتين.
قلت لا. وبعدين حتى لو سمعت كلامك، باقي الدفعات هنعمل فيها إيه؟
أومأ له شاكر وطأطأ رأسه، ليقول زين بتشجيع:
عندك حق يا حمزة. المصنع هو أملنا الوحيد للخروج من الأزمة دي. المهم، نفكر إزاي نوفر الفلوس اللي هنبدأ بيها، وأما هسافر أحاول أقنع الشركة وأقدم لهم كل الضمانات اللي محتاجينها.
تمام. حتى لو اتضاعفت فايدة الفلوس أنا موافق.
صمت الجميع حينما دخل ذلك الرجل المهيب إلى المكتب وعيناه ترشق حمزة بنظراته غير الراضية. انصرف الجميع ليقف حمزة يواجه جده بنظرات قوية تماثل نظرات ذلك الرجل الستيني الذي لم يزده الزمن إلا قوة وبجبروت.
بعت أرض عيلتك يا ابن السيوفي.
قال حمزة ببرود:
أعتقد إن الأرض دي حقي وورث أمي يا عبد الحميد بيه.
يهتف به عبد الحميد:
أنا الحاج عبد الحميد، مش بيه ولا باشا. أنا جدك اللي اتحديته زي ما أمك عملت وجريت ورا واحدة بعتها اللي وراك وقدامك.
احتقن وجهه حمزة بالغضب، ولكن ما أن فتح فمه حتى ألقى عبد الحميد تلك الأوراق بوجهه.
خد يا ابن السيوفي، دي عقود الأرض اللي بعتها بالساهل. أرض عيلتك مش أرض أمك. الأرض اللي أجدادك بيورثوها لعيالهم مش بيبيعوها بالساهل زي ما عملت.
نظر حمزة للعقود التي وقعت أرضاً باحتقار:
مش عاوزها.
هتف عبد الحميد:
ومين قال إني برجعهالك؟ أنا برجعها لعيلة البدراوي.
أمسك بكتفه بقسوة:
الأرض رجعت، بس ليا. ليا أنا جدك. اللي طول عمرك واقف قصاده.
نظر إليه بقسوة وتابع:
لو مش عاوز تتمرمغ في الوحل أكتر من كده، ترجع لعيلتك، ووقتها هقف معاك.
نظر إليه حمزة بقوة:
بتحلم. العيلة اللي طردت أمي وعمرها ما قبلت وجود أبويا، عمري ما هحتاج لها.
رشق حمزة بنظرات قوية قائلاً:
هتشوف يا ابن السيوفي.
أسرعت سيرين إلى تلك الغرفة مجدداً ما أن استمعت لصوت مفتاح الباب بمنتصف الليل لتسمع لخطواته تقترب فتسرع تندثر بالغطاء الخفيف تغمض عيناها تتضرع لربها ألا يأتي فليس لديها أي قوة لمواجهته، وهي لا تريد من نفسها أن تكون ضعيفة أمامه. وقد استجاب الله لدعائها لتسمع لصوت خطواته يتوجه إلى الغرفة المجاورة ويصفق الباب خلفه. اعتدلت جالسة تفكر في سبيل لخروجها من هذا المنزل.
أيها أيكم... طبعاً خلاص موضوع الجمع بين الاختين. طبعاً شكراً على تعليقاتكم شجعتني بجد.
اقتباس:
بابا... أنا كويسة متخافش عليا.
تجمدت مكانها حينما شعرت بتلك اليد القوية تقبض على الهاتف من يدها ويهتف بوالدها بنبرة قوية:
لا خاف، خاف أوي يا هشام، قطتك بتخرشم يا هشام. بس متقلقش هقص ضوافرها. أصلي محبش مراتي تخرمش.
هتفت به سيرين وهي تدفعه بقوة:
أنت حيواااان!
لمي نفسك يابت انتي.
أنت اللي لم نفسك يا حيوان.
لا ده أنت زودتيها أوي.
هتفت به بجراءة لاتعرف ثمنها:
أنا مش خايفة منك. كنت قدرت عليها مش جاي تستقوي عليا؟
صفعها بقوة مزمجراً:
أنا هوريك إزاي أقدر أستقوي عليكي.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثالث 3 - بقلم رونا فؤاد
استجاب الله لدعائها لتسمع لصوت خطواته يتوجه إلى الغرفة المجاورة ويصفق الباب خلفه.
اعتدلت جالسة تفكر في سبيل لخروجها من هذا المنزل.
انتظرت قليلاً حتى عم الهدوء جنبات المنزل لتقوم على أطراف أصابعها تفتح باب الغرفة بهدوء.
تلفتت يميناً ويساراً لتجد الظلام يعم المكان ما عدا الأضواء الخافتة التي تخترق النوافذ الزجاجية.
تسللت على أطراف أصابعها تسير تجاه الباب وهي تتمنى ألا يكون قد أغلقه بالمفتاح.
نظر إياد بغضب لصديقه ماجد الذي يعمل ضابط بالمباحث.
"بقولك متجوزها غصب عنها تقولي ملكوش دعوة."
"أيوه يا إياد. إحنا ميخصناش متجوزها إزاي. المهم إنها حالياً مراته. طول ما هي مقدمتش بلاغ عنه كل اللي بتعمله ده ملوش لازمة."
"عاوزني أسيبهاله؟ أييه يا ماجد شوف حل."
هز ماجد رأسه بتفكير.
"لا مش هتسيبها. بس الحل الوحيد إنها تقدم بلاغ ضده."
"وده أعمله إزاي وأنا مش عارف آخدها على فين؟"
تنهد ماجد بتفكير، بينما نظر إياد أمامه بالفراغ يفكر كيف سيصل إلى مكان وجودها بعد أن غادر منزله وباعه.
جلست سيرين على طرف الفراش بكمد حينما وجدته قد أغلق الباب بالمفتاح.
ذلك الحقير يظنها حيوان يحبسه.
أخذت نفس عميق وهي تتسلل مجدداً على أطراف أصابعها لغرفته وقلبها يكاد يتوقف رعباً بينما تراه نائماً.
تقدمت بضع خطوات وهي تحبس أنفاسها المرعوبة تنظر بجواره بحثاً عن المفاتيح.
زمت شفتيها بيأس حينما لم تجد شيئاً. فلابد وأنه أخفاها.
ذلك الحقيررر.
ابتعلت لعابها بتوتر وهي تمد يديها المرتجفة إلى هاتفها تسحبه من على الكمود بجواره وتتراجع إلى الخلف مسرعة.
أسرعت تطلب رقم أبيها.
ما أن جاءها صوت أبيها الذي ارتجف لسماع صوتها ليقول بقلب محترق: "سيرين. سيرين يا بنتي عمل فيكي إيه؟"
"اطمن يابابا. أنا كويسة متخافش عليا."
تجمدت مكانها حينما شعرت بتلك اليد القوية تقبض على الهاتف من يدها ويهتف بوالدها بنبرة قوية.
"لا خاف. خاف أوي يا هشام. أصل قطتك طلعت بتخربش."
نظر إليها بنظراته الحارقة بينما تابع: "بس متقلقش هقص ضوافرها. أصلي محبش مراتي تخربش."
"هتفت به سيرين وهي تدفعه بقوة. "أنت حيواااان."
"أمسك بذراعيها بتحذير: "لمي نفسك يابنت إنتي."
"هتفت به: "أنت اللي تلم نفسك يا حيوان."
"زمجر بغضب: "لا ده إنتي زودتيها أوي."
"هتفت به بجراءة لا تعرف ثمنها: "أنا مش خايفة منك. كنت قدرت عليها مش جاي تستقوي عليا."
"صفعها بقوة مزمجراً: "أنا هوريكي إزاي أقدر أستقوي عليكي."
بلحظة كان يدفعها على الفراش خلفها ويجثو فوقها وقد بلغ صبره منتهاه من لسانها السليط يريد أن يشفي لهيب قلبه ويروي انتقامه منها ومن أبيها وإذلالهم. ألا يكفي ما فعلوه به؟ بل وتتواقح تلك الفتاة أيضاً؟
سيذيقها عاقبة ما نطقت به. سيجعل شفتيها عاجزة عن النطق أمامه.
تراجعت سيرين إلى الخلف بسرعة تحاول الهروب منه ولكنه كان أسرع حينما جثا بجسده الضخم فوق جسدها النحيف وكبله بقوة بينما انغرست يداه بخصلات شعرها يثبت رأسها.
بينما انقضت شفتاه فوق شفتيها كالليث الجائع يلتهمها بقوة.
طفرت الدموع من عيونها لتخونها إرادتها القوية حينما انقض عليها يلتهم شفتيها البتول بين لهيب شفتيه التي تلتهم شفتيها بلا هوادة لتنساب الدموع من عيونها وهي تتخبط أسفله بجنون تحاول تخليص نفسها منه وهي تلكمه وتغرس أظافرها بكتفه.
تمزقت شفتيها حرفياً بين شفتيه وأدمتها بتلك القبلة الحارقة ليرفع حمزة رأسه قليلاً يطالعها بنظرات متشفية وهو يرى دموعها تتوسله وقد ظنته سيكمل ما يفعله.
لا. لا. كان ينتوي أن يكتفي بتلك القبلة كنبوذة عن عقابه لها لطول لسانها.
ولكنه وجد نفسه يدفعها ليلتهم شفتيها مرة أخرى. ولم يفلح توسلها ولا مقاومتها الشرسة له ليتذوق طعم دموعها التي انهمرت بقوة ممزوجة بطعم شفتيها التي سرق منها قبلتها الأولى بتلك الطريقة التي لن تُنسى.
بعد أن أعتق شفتيها أمسك بذقنها بقوة لتهز رأسها سريعاً ولكنه ثبتها لتنظر إليه بينما قال: "لو طولتي لسانك بعد كدة متلوميش غير نفسك. فاهمة."
ما أن خرج من الغرفة حتى انسابت الدموع من عيونها بقهر وهي تمسح شفتيها بقوة من آثار شفتيه.
لقد دنس برائتها هذا الحقير.
دفنت وجهها بالوسادة تبكي بقوة ما فعله بها فلم تتوقع أن تكون تلك القبلة الأولى التي حلمت بها مع زوجها المستقبلي الذي احتفظت بكل مشاعرها له وتخيلت أنها ستقع بالحب ولم تتخيل أبداً أن تكون تلك حياتها برفقة هذا الزوج.
ستموت من قهرها فماذا فعلت ليكون هذا مصيرها؟
نظر ذلك الرجل إلى سيدرا باهتمام زائف.
"أنا قلبي على مصلحتك."
قالت سيدرا ببرود وهي تتصفح هاتفها.
"مصلحتي أنا عارفاها كويس يا جمال."
نظر جمال إلى نادية قائلاً.
"عاجبك رد بنتك."
"هتفت سيدرا بعصبية: "وماله ردي. اسمع بقي يا جمال إنت أخذت حقك تالت ومتلت. أعمل إيه بقي بالفلوس دي حاجة متخصكش. ومش عشان إنت جوز أمي هتتدخل في حياتي إنت فاهم."
"التوت شفاه جمال بتهكم ورفع حاجبه: "الله. الله. وليه بس النبرة دي ياسيدرا. ده أنا في مقام أبوك."
"سخرت سيدرا: "أبويا أنا بإيدي دخلته السجن. تفتكر اللي في مقام أبويا أنا ممكن أعمل فيه إيه."
بلحظة هي جمال من مكانه ووقف أمام سيدرا بوعيد.
"لا يا روح أمك فوقي أنا مش هشام عشان تفتكري إني لقمة سهلة. أنا في لحظة بخمس قروش أكون مكلم المحروس اللي ضحكتي عليه وبلغته بمكانك."
"بوغتت ملامح سيدرا واتسعت عيون نادية التي أسرعت إليه: "أهدي يا جمال محصلش حاجة لكل ده. سيدرا متقصدش. وانت أكيد متقصدش برضو تهددها. إحنا مصلحتنا واحدة مش كده ولا إيه."
"قالت بنظرات متعالية وهو يرمق بها سيدرا التي أدركت أن هذا الرجل عبارة عن وحش، كبرته وأول ما برزت أسنانه سيلتهمها هي. ولكن الآن عليها أن تهدئ الوسط بينهما كما تفعل أمها الحاذقة: "قولي الكلام ده لبنتك."
"وأنا عملت إيه يا جمال. أنا أدتك إنت وأمي حقكم. الفلوس التانية دي اللي هتحميني من حمزة. مالك بيها."
"عاوز الفلوس تكبر لما تشغليهم زي ما أنا بفكر."
"أومأت له بتسويف: "تمام. بس مش دلوقتي. خلينا الأول نتأكد إن حمزة نسي ونطمن بعدها نشوف موضوع تشغيل الفلوس ده."
"تهكم بنظراته: "نسي؟ هو اللي إنتي عملتيه يتنسي. ده إنتي سجنته وأخدتي اللي وراه واللي قدامه."
"نظرت إليه سيدرا بغيظ: "وهو مين اللي حرض."
"نظر إليها بسخرية: "والشهادة لله إنتي ما صدقتيه."
"أحتاجت سيدرا لتمسك نادية بيدها قائلة: "تعالي يا سيدرا وسيبى جمال."
نظر هشام بخزي لزوجته التي جلست بعد أن أنهت صلاتها تدعي لابنتها ليوخزه ضميره بقسوة.
قال بخفوت وهو يضع أمامها صينية بها الطعام.
"كلي حاجة يا هدى إنتي من امبارح مأكلتيش حاجة."
بكت هدى بحرقة.
"آكل إزاي وأنا معرفش بنتي عاملة إيه. ياترى عمل فيها إيه المجرم ده."
زم هشام شفتيه وردد بداخله.
"هو مش مجرم أبداً. هي اللي مجرمة."
في اليوم التالي.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفاه حمزة وهو يغلق الباب بالمفتاح لدي عودته بالمساء ليرى آثار محاولتها الواهية لكسر قفل الباب.
لا تيأس أبداً. فبالأمس شعر بخطواتها وهي تتحرك تجاه الباب ولابد أنها قضت النهار تحاول كسر القفل.
وهذا ما حدث. فبعد انصرافه أسرعت سيرين وكلها إصرار أن تهرب من أسر.
تفقدت كل ركن بالشقة وبما أن الشرفات بهذا الارتفاع الشاهق فلم يكن لها سبيل سوى باب الشقة المغلق بالمفتاح.
لذا بحثت بجميع الأدراج على شيء فوجدت أحد المفكات وجاهدت لاستخدامه ولكن بلا فائدة فالباب قوي ولم تجدي محاولتها أي نفع.
حتى أنه لا يوجد أحد في الشقق المجاورة لها لتستنجد به.
لتعود إلى الغرفة بوجه محتقن بالغضب.
تفاجأت به يفتح الباب لترشقه بلهيب نظراتها وهي تقول بحدة.
"إنت متعلمتش تخبط على الباب."
"رفع حاجبه قائلاً ببرود: "شكل لسانك محرمشاش."
"أزاحت بوجهها تزفر بضيق فهذا الحقير يستفزها ليكرر فعلته بالأمس والتي لا تنكر أنها أخافتها وجعلتها تتراجع عن استفزازه فتكون هي الخاسرة."
ليأتيها صوته بنبرة مستفزة.
"هو أنا مش هاكل ولا إيه."
"التفتت إليه ببرود: "ماتاكل هو حد ماسكك."
"قال ببرود مماثل: "قومي اعمليلي الأكل."
"رفعت حاجبيها بدهشة: "نعم."
"هتف بعصبية: "اللي سمعتيه. قومي."
"هزت رأسها: "لا طبعاً. وأنا خدامة عندك."
"أمسك ذراعها بانفعال: "لمي لسانك أحسنلك. أنا قولتلك اللي أقوله يتنفذ من غير نقاش."
"نزعت ذراعها من يده: "وأنت مين عشان أنفذ كلامك إن شاء الله. أوعى تكون مفكر أن الشويتين اللي بتعملهم معايا دول هيخوفوني."
"قال بانفعال وهو يمسك بفكها ليسكتها فهي تستفزه لأقصى درجة وهو أصلاً ينتوي لها منذ أن رأى محاولة هروبها: "اتكلمي عدل معايا بدل ما أعدلك يابنت هشام."
"انتزعت وجهها من قبضته: "أنا أتكلم زي ما يعجبني. ومتجبش سيرة بابا على لسانك يا حيوان."
"أمسك بخصلات شعرها بقوة وهو يزمجر: "ده أنا هيجيب سيرته بـ... الألفاظ."
شدد من قبضته حول شعرها يقرب وجهها من وجهه وهو يهتف بهسيس مرعب.
"ليه بتستفزيني؟ أيه اللي عاجبك في اللي بعمله فيكي كل شوية."
ترك شعرها وأمسك بفكها بقسوة وهو يكمل.
"لسانك ده متعرفيش تحطيه جوه بوقك وتخرسي ليه. ليه."
"دفعته سيرين بصدره تحاول تخليص فكها من قبضته وهي تهتف: "أوعى. سيبيني."
"دفعها بقوة لتتراجع إلى الخلف لينظر إليها قائلاً بتهديد: "لو خايفة على نفسك تتخرسي خالص. واللي أقوله يتنفذ. فاهمة."
"هزمت شفتيها بقوة وعيناها ترشقان بلظى النيران المشتعل بداخلها كراهية له. زمجر بصوت جهوري أرعبها: "فاااهمة."
"لم تقل شيئاً ليسير خطوة تجاهها فتغمض عيناها وتهز رأسها التي تأبى أبداً الرضوخ له ولكنها مضطرة."
"تنفس بصوت مسموع ووضع يداه بجيبه ناظراً إليها بنظرات متحدية بينما قال بنبرة أمره: "روحي جهزيلي الأكل وبعد كده ألاقي الأكل جاهز."
"ما أن دخلت إلى المطبخ حتى فتحت الصنبور سريعاً وألقت الكثير من المياه الباردة على وجهها لتمنع عيونها من البكاء فهي لن تبكي أبداً أمامه. إنها قوية ولن تهتز وترضخ لارهابه وجبروته."
"كم تمنت أن يكون لديها سم لتضعه له بهذا الطعام الذي تعده له والذي تشبع بكراهيتها له."
"وضعت الطعام على الطاولة ونظرت بارجاء المكان بحثاً عنه وهي تتبرطم بكافة أنواع السباب والشتائم له."
"سخرت وهي تراه يخرج من الغرفة بخطواته الواثقة: "أخيراً شرفت."
"نظر إليها لتتواجهه عيناه القاتمة بعينيها التي زادها الغضب اشتعالاً فأمتزج خضارها بلهيب محترق جعله يتوقف أمامها يطالعها بنظراته المنتصرة المتشفية وهو يجدها نفذت أوامره."
"كم أرادت أن تغرز أصابعها بعيونه المتبجحة ولكنها أمسكت نفسها بصعوبة فهي قد جربت مواجهته وكان الانتصار حليفه لذا عليها التفكير بشيء آخر."
"على فين؟"
"أوقفتها نبرته الخالية لتزفر قائلة: "داخلة أوضتي أنام. عندك مانع."
"ومين هينضف بعد ما أخلص أكل."
"نظرت إليه بغيظ ليطالعها ببرود بينما يغرس الشوكة بقطعة اللحم ويضعها بفمه يمضغها ببرود ليلقي بعدها الشوكة من يده."
"الأكل معجبنيش. شيليه."
"نظرت إليه بغيظ جعلها تريد أن تغرس تلك الشوكة بقلبه."
"بينما تلذذ حمزة باحتقان وجهها فكما فعل أبوها وتلك الحقيرة به واستمتعوا بإلقائه بالسجن ونهب أمواله سيستمتع بإذاقتها الجحيم."
"استمتع بصوت تحطيمها لأحد الأطباق كناية عن مدى غيظها ليدخن سيجارته باستمتاع ويتوعدها بالمزيد."
"خرجت من المطبخ وتوجهت لغرفتها لتتفاجيء بيده حول خصرها لتنتفض سريعاً وكأن لسعتها حية وهي تهتف به: "إبعد عني."
"شدد من قبضته حول خصرها الذي انغرست به أصابعه ليقول بخبث: "ولو مبعدتش."
"هتفت به: "أوعى تفكر تقربلي أحسنلك."
"دفعته بغيظ محاولة إبعاد يداه عن خصرها ليشدد من قبضته حول خصرها أكثر حتى شعرت بأصابعه تكاد تخترق جلدها من قوته بينما فتح باب غرفته ودفعها لتتخبط بزعر وهي تحاول الفكاك من قبضته. "أوعي. أوعي سبيني."
"يضحك ببرود أشعل أعصابها وهو يفلتها بينما تهكم: "إيه شيفاني هموت يعني وأقربلك. متقلقيش. لسه مجاليش مزاج. أنا جايبك عشان تفضي الشنط بتاعتي."
"لو كانت أنفاسها نيران لكان صريع حريق يخرج من كل إنش بها وهي تنظر إليه بينما يتمدد على فراشه بارتياح يعبث بحاسوبه وهي تفتح تلك الحقائب التي بها ملابسه وتضعها بالخزانة."
"كرهت تنفيذها لما يقوله ولكنها وعدت نفسها بالصبر. سأصبر قليلاً وبعدها ستتخلص منه."
"استمعت لضحكة خافتة منه بينما تجاهد لوضع بعض أغراضه بالرف العلوي فتضطر لأن تشب على أطراف أصابعها لقصر قامتها."
"تجاهلت استفزازه لها وتابعت ما تفعله لتمد يداها بأقصى قوتها وترفع نفسها على أطراف أصابعها وتضع تلك الأغراض."
"شهقت حينما شعرت بتلك السخونة التي هبت من جسده ما أن لامس ظهرها حينما وقف خلفها يتناول من يدها الأغراض ويضعها بالرف بمنتهى السهولة لطول قامته المديد."
"ارتجفت فعلياً من ملامسة جسده لجسدها بتلك اللحظة لتستدير وتدفعه بعيداً عنها وقد احتقن وجهها بالحمرة ليتهم قاصداً إخفاء اضطراب جسده ما أن لامس جسدها البض. وتركزت عيناه على شفتيها التي مازالت متورمة تحمل آثار قبلته."
"الحق عليا. قلت أساعدك."
"ثقل شيء بل أبعدته بأيدي مرتعشة وتوجهت لتضع باقي أغراضه بمكانها ليعود إلى مكانه يستنكر تلك اللحظة التي خانه فيها جسده يريد اقترابها وقد أثاره طعم شفتيها التي ارتشف من رحيقها بالأمس معللاً هذا بأنه رجل وقد مر وقت طويل لم يلمس فتاة."
"نظرت سيرين بغيظ بطرف عينيها إليه من خلال المرآة بينما أخذت تضع على طاولة الزينة زجاجات العطر الخاصة به وبعض علب الساعات الأنيقة وأزرار القمصان."
"كم هو كريه. تريد أن تثأر لنفسها لما فعله بها. لقد أذلها كثيراً ذلك الحقير."
"قبضت بيديها بقوة على إحدى زجاجات العطر الباهظ تفكر أن تقذفها بوجهه لتحطم عظامه ولكنها تراجعت ما أن تذكرت تهديده لتكرار فعلته."
"لتجد نفسها تلقي بزجاجة العطر أرضاً لتتحطم مصدرة ضجيج قوي."
"التفت إليها حمزة بجبين مقطب بعد أن حطمت زجاجة عطره لتتظاهر بأنها لم تقصد إسقاط الزجاجة. ولكن نظراتها فضحتها فهي قصدت إغاظته."
"لمي اللي كسرته."
"قال بلهجة آمرة لتتبرطم: "مش هترتاح إلا لما أقتلك يا حيوان."
"زجرها بنفاذ صبر لتحرك: "قلت لمي اللي كسرتيه."
"انحنت تجمع الزجاج المكسور تحت نظراته الغاضبة والتي تأججت بها تلك النظرات الراضية بينما خانته عيناه تجاه جسدها حينما انحنت أمامه ليزجر نفسه عن انقياده خلف ذلك التفكير فيهتف بها بنفاذ صبر: "خلصي. واطلعي برا. عاوز أنام."
"احتقن وجهها بالغضب لتلقي الزجاج من يدها على الأرض مرة أخرى وتنظر إليه بغضب وتحدي وهي تقول: "اتخمد ربنا ياخدك."
"أسرعت تغادر الغرفة وتصفق الباب خلفها ركضاً إلى غرفتها من لهيب نظراته."
"أمسك نفسه عن اللحاق بها. فلو قام خلفها سيحرقها نيران غضبه وانتقامه ولن تكون مجرد قبلة وإنما سيثأر من أبيها بكل إنش في جسدها الذي سيستحله بينما سيتلذذ بانتقامه."
نظر إياد إلى سلمى أخته قائلاً.
"ها اتفقنا ياسلمى."
"أومأت له: "تمام. بس إنت متأكد إن سيرين في العمارة دي."
"أنا مشيت وراه وهو مروح من شركته لقيته نزل وركن عربيته وطلع الدور العاشر ومنزلش تاني. أنا فضلت هناك لغاية نص الليل فأكيد بيته."
"هزت سلمى رأسها برجاء: "يارب يا إياد نلاقيها."
"هنلاقيها ونخلصها منه إن شاء الله. المهم إحنا من الصبح بدري أوي هنروح نقف بعيد شوية عن العمارة لغاية ما ينزل بعدها نطلع لها."
في الصباح.
فتح حمزة عيناه على تعالي رنين هاتفه.
"إيه يا زين؟"
"إنت لسه نايم لغاية دلوقتي يا حمزة."
"آه."
"طيب يلا قوم عشان نلحق نخلص المشاوير اللي ورانا."
"ساعة وأكون عندك."
قام من فراشه واتجه ليستحم ثم ارتدى ملابسه وتوجه للباب ولكنه ما أن مد يده ليفتح الباب حتى التفت إلى باب غرفتها فهل سيذهب قبل أن يعذبها؟
انتفضت سيرين من نومها على يده التي توكز كتفها تتساءل عن متى ستتخلص من الاستيقاظ على هذا الكابوس. لو فقط تحمل مفتاح لغرفتها لأغلقتها على نفسها حتى تموت بالداخل ولا ترى وجهه.
"هتف بغيظ: "إيه ياهانم نايمة لغاية دلوقتي ومجهزتيش الفطار."
"امتعضت ملامحها لتهتف به بغيظ: "نعم."
"إيه مسمعتيش."
"تهكمت منه بضراوة: "لا سمعت. بس مش عارفة لغاية إمتى هتفضل عايش في دور سي جوزي ده كتير."
"ضحك ببرود وهو يرفع حاجبه فكم أصبح ينتظر لسانها السليط أن يتحفه بتحدي كلماتها كلما تحدثت. مال ناحيتها لتبعد وجهها سريعاً عن وجهه الذي كاد يلتصق بها بينما همس: "قريب أوي الدور هيبقى حقيقي. بسبب طوله لسانك."
"قامت من الفراش سريعاً تريد الفرار من حقارته ووقاحة كلماته التي يخيفها بها."
"نظر إلى ساعته وتمنى لو لديه المزيد من الوقت ليتلذذ ويتشفي بخوفها منه أكثر ولكنه يجب أن يغادر ليلحق مواعيده."
"صاح بها: "فين القهوة."
"زفرت وهي تضع الأطباق من يدها لتتجه إلى ماكينة صنع القهوة وهي تشكر الله لعدم وجود سم لكانت جعلته يتجرعه الآن بدلاً من القهوة."
"تلاشت قدرتها على الاحتمال حينما أتاها صوته الغاضب: "لسه هستنى سيادتك كتير يابنت هشام. إخلصي."
"لن تتحمل لأكثر من هذا وليحدث ما يحدث."
انتفض حمزة من مكانه يصيح بها بجنون حينما ألقت فنجان القهوة عليه بغضب.
"آه يابنت ال..."
"أنقذها من قبضته انشغاله بخلع ذلك القميص وابعاده عن جسده الذي احترق من القهوة الساخنة التي ألقتها عليه."
"لا تنكر أنها ترتجف من داخلها على ردة فعله ولكنه يستحق أن تحرقه حياً على ما فعله بها وليس فقط أن تلقي عليه القهوة الساخنة."
"وضعت يدها على فمها تكتم صوت أنفاسها المتعالية بذعر منه حينما استمعت لخطواته يخرج من غرفته بعد أن أسرع ليبدل ملابسه."
"توقف أمام باب غرفتها يريد أن ينقض عليها ولكن صبرا."
"حظك إني مش فاضيلك. بس الحساب يجمع."
"كان هذا تهديده الذي حاولت تجاهله وطمأنت نفسها أنه غادر وأنها ربما تستطيع الإفلات منه اليوم."
أسرع زين تجاه حمزة.
"إتأخرت كده ليه. مدير البنك مستني من بدري."
"قال حمزة بوجهه محتقن: "مش وقته يازين. تعالي."
نظر ذلك الرجل إلى الأوراق مجدداً بعد أن أنهى حديثه مع حمزة وزين ليقول.
"طبعاً يا حمزة بيه أنا معنديش أي شك في سمعة واسم حضرتك. بس للأسف إنت عارف الإجراءات."
"قال حمزة: "هضاعف الفايدة الفلوس هترجع قبل ميعاد تسديدها."
"نظر الرجل مجدداً للأوراق ليتنهد قبل أن يقول: "عموماً سيب ليا مهلة أفكر وأراجع الأوراق مع الشئون القانونية وأبلغك القرار."
"هز حمزة رأسه: "تمام."
"ركب بجوار زين السيارة ليسأله: "تفتكر هيوافق يا حمزة."
"هز كتفه: "ولو موافقش هنشوف حل تاني. نظر إلى الطريق أمامه قائلاً بتشجيع لنفسه."
"مش هستسلم وهلاقي طريقة إن شاء الله."
"إن شاء الله."
"ساد الصمت لحظة ليقول حمزة بعدها: "أسر عامل إيه."
"ابتسم زين: "كويس. ماما ونهلة مبسوطين بيه أوي."
"معلش يا زين تقلت عليك. بس مفيش عندي غيرك استأمنه مؤقتاً على أمانة محمود."
"إنت أهبل يا ابني تقلت إيه بس. وبعدين مش عاوزني آخد ثواب زيك."
"عموماً أنا بس أظبط أموري وهبقى أشوف له مربية. استحالة أسيبه لبنت هشام."
"ولا مربية ولا حاجة. سيبه عندي قلتلك أمي وأختي مبسوطين بيه."
"نظر إليه زين بطرف عيناه وأكمل: "بس تعرف إنه متعلق بيه."
"نظر إليه حمزة بجبين مقطب: "هي مين؟"
"مراتك."
"نظر إليه حمزة بحدة ليقول زين سريعاً: "هي مش اسمها سيرين."
"أزاح حمزة بوجهه دون قول شيء ليتابع زين: "قاعد يقول يرين. يرين. طول الوقت فين وفين لغاية ما أمي فكت اللغز وسألتني عن اسمها ففهمنا إنه كان بيقول سيرين."
"ظل حمزة مركز نظره على الطريق دون قول شيء فهو مستغرب حتى نطق اسمها فهي مجرد ابنة هشام واخت تلك ال..."
اختمرت الفكرة برأسه بينما يضغط زر الهاتف الداخلي بجوار الباب ليجيب عليها أمن العمارة بعد لحظات.
"أيوه يا فندم."
"قالت بصوت هادئ: "أنا تقريباً كسرت المفتاح في الباب."
"صمت الرجل لحظة قال بعدها: "تحبي أكلم الباشمهندس حمزة."
"هزت رأسها قائلة بسرعة: "لا. لا. أنا هكلمه. إنت بس شوف نجار يكسرلي الباب لو سمحت."
ظلت تسير ذهاباً وإياباً خلف الباب تفرك يدها بتوتر وتنظر إلى ساعتها.
ما زال الوقت باكراً وهو لن يعود الآن.
ستكون خطتها نجت وتتمكن من الفرار منه قبل أن حتى يستوعب ما فعلت.
"تعالي رنين الجرس لتسرع إلى الباب لتصعقها الصدمة حينما استمعت لهذا الصوت."
"سيرين."
"هتفت بعدم تصديق: "سلمي."
"أومأت سلمى بسعادة جارفة فقد نجحت خطة أخيها ووصلوا إليها: "أيوه ياسيرين. أنا سلمى ومعايا إياد."
"طفرت الدموع من عيونها فها قد أرسل الله لها المزيد من النجدة: "إنتوا عرفتوا مكاني إزاي."
"قال إياد: "مش مهم ياسيرين دلوقتي. المهم إحنا لازم نخرجك من هنا."
"أخبرته بخطتها ليقول: "مفيش داعي نكسر الباب. أنا هتصل بالبوليس دلوقتي وإنتي هتقولي إنه خطفك وإجبرك على الجواز منه."
"قالت بتوجس... بس... بس كده ممكن يأذي بابا."
"قال إياد بنبرة واثقة: "متخافيش ياسيرين. أنا جنبك."
انتفضت سيرين برعب ما أن استمعت لتلك النبرة الشيطانية من خلف الباب.
"تخاف من إيه؟"
كان هذا حمزة الذي هرع عائداً ما أن هاتفه أمن العمارة يخبره بكسرها للمفتاح ويستأذن منه لجلب النجار كما طلبت ليتفاجيء بهذا الحوار الدائر بينهم.
تراجع إياد للخلف خطوة وامسكت سلمى بيد أخيها حينما تقدم حمزة منهم بخطوات واثقة.
"مين سيادتك والهانم؟"
"قال إياد بثبات: "أنا ابن خال سيرين."
"رفع حمزة حاجبه وأخفى ببراءة الغضب المشتعل بداخله ليقول ببرود وهو يخرج سلسلة مفاتيحه من جيبه: "لا طالما ابن خالتها. يبقى تتفضل."
"تراجعت سيرين للخلف ودقات قلبها تتعالى بداخل صدرها بزعر حينما انفتح الباب وظهر أمامها بقامته المديدة."
"ابتلع إياد صدمة الموقف ليستعيد ثباته وهو يقول: "تتفضل فين؟"
"سخر حمزة: "تتفضل بيت بنت خالتك."
"زم إياد شفتيه بهجوم: "أنا جاي آخد بنت خالتك."
"توترت نظرات سيرين بخوف واضح فلم يخدعها هدوئه ولا نبرته الباردة بينما وقف أمام إياد قائلاً: "تاخدها فين؟"
"قال إياد بثبات: "آخدها من هنا. إنت خطفتها واتجوزتها غصب عنها."
"نظر إليها حمزة بطرف عيناه ثم عاد لينظر إلى إياد قائلاً: "وإنت جاي بقي تخلصها."
"هز إياد رأسه لتمسك سلمى بيد أخيها ليتراجع عن مواجهة ذلك الرجل ولكن إياد صمم ليتفاجيء بحمزة يجذب سيرين من خصرها ليلصقها به وهو يقول بمغزى: "مقلتليش يعني ياحبيبتي قبل كده إن فيه في عيلتكم أبطال."
"قطرت نبرته سخرية بينما انغرست أصابعه بخصرها بقوة تخبرها عن مقدار الغضب المشتعل بداخله: "أنا أعرف إن فيها حرامية وبس."
"احتقن وجهه إياد بالغضب وأسرع ليرفع يده تجاه حمزة ليلكمه ولكن حمزة كان الأسرع ليدفعها بقوة على الأريكة خلفه ويسدد لكمة قوية أطاحت بإياد وأسقطته أرضاً على الفور."
"انحنى ليسدد له لكمة أخرى ولكن سيرين أسرعت تمسك بيده بقوة بينما تعالت صراخ سلمى."
"أمسكت سيرين بيده بقوة: "إبعد عنه يا مجنون."
"بلحظة كان يقبض على خصلات شعرها وقد نفض كل البرود عنه وعاد مجدداً للاشتعال بينما يلقيها بقوة على الأريكة ويعود ممسك بتلابيب إياد الذي نزف أنفه بقوة من لكمة حمزة ليوقفه على قدمه غير مبالي بصراخ أخته."
"اسمع يا ولد إنت. بنت خالتك دي بقت مرات حمزة السيوفي. لو فكرت تاني تعتب بيتي هقطع رجلك. فاهم."
"ألقاه خارج الباب وصفق الباب بعنف لترتعب نظرات سيرين حينما التفت إليها ترشقها عيناه بنظراته المخيفة بينما يتقدم منها لتسرع تقوم من مكانها وتركض إلى غرفتها ولكنه كان أسرع منها لتجد ذراعها أسيرة يداه بينما كبل جسدها إلى الحائط يهتف بها بحقد: "وياترى بقى كنتي ناوية تهربي مني مع حبيب القلب."
"حاولت تخليص نفسها من قبضته: "أوعي يا حيوان واحترم نفسك."
"دفعها بعنف أكثر للخلف ليصطدم ظهرها بالجدار مجدداً: "أنا أحترم غصب عن عين أهلك يابنت ال... بقي بتستغفليني وعاوزة تهربي. فاكرة إن حمزة السيوفي هيسيب مراته تهرب منه بالساهل كده."
"دفعته بعنف بعيداً عنها تهتف به بحقد وجراءة: "ماهي هربت منك ومقدرتش تعمل لها حاجة جاي تقدر عليا أنا."
"لهيب مشتعل ونيران حارقة لفحت وجهها لتتشعشع نظراتها بالندم على ما نطقت به بعد أن أدركت أنها وصلت للمنتهى."
"ياترى إيه اللي هيحصل."
"إيه رأيكم."
"سيرين. حمزة اللي بتعمله واللي عمله ولسه."
"
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الرابع 4 - بقلم رونا فؤاد
بقي بتستغفليني وعاوزة تهربي.... فاكرة ان حمزة السيوفي هيسيب مراته تهرب منه بالساهل كدة
دفعته بعنف بعيد عنها تهتف به بحقد وجراه لاتعرف ثمنها :ماهي هربت منك ومقدرتش تعمل لها حاجة جاي تقدر عليا انا... .. لما انت راجل اوي كدة هربت منك ليييه...!!
لهيب مشتعل ونيران حارقة لفحت وجهها لتتشعشع نظراتها بالندم علي مانطقت به بعد ان أدركت انها وصلت للمنتهي.... اغمضت عيناها بقوة ماان رفع يداه ناحيتها في انتظار صفعته والخوف يتفشي باطرافها فهي لأول مرة تشعر بهذا الرعب من نظراته التي طالما تحدتها دون أن تبالي بالعاقبه لأنها تلك المرة تشعر انها قد تمادت وافقدته اي قدره له لاحتمال سماع كلماتها المسمومه التي لم تكن تدري كم يجاهد نفسه كل مرة حتي لا يخرسها وهي لاتتوقف ابدا وتسمعه المزيد..... اهانته واهانت رجولته بسبب ثقته العمياء لاختها وابيها ....!
انه يعرف جيدا ماذا فعلت به زوجته وليس بحاجة لها لتذكرة كل لحظة فهو لم ينسي ولو للحظة..... وكيف له ان يفعل وهي لا تتواني لحظة عن سلخة بلسانها السليط ....
لقد شعر بلهيب يسري بوجدانه يحرق داخله بقوة ويريد قربان يقدمه لتلك النيران لتهدأ والا سيحترق هو.....!
كان يريد أن ينتقم بأي طريقه من ابيها ولسانها من اوقعها بطريقه فلو لم تتواقح معه لما كان أخذها من ابيها من البداية...والان هي من أشعلت لهيب نيرانه وهي من سيقدمها قربان لتلك النيران...!
لماذا لم تستمع لتحذيره.. لماذا لم تخشي علي نفسها منه.... لماذا ارتكبت تلك الجريمه بحق نفسها وستدفع ثمن مانطق به لسانها.... ؟
.... سقط قلبها أسفل حينما فتحت عيناها ولم تتلقي تلك الصفعه....!!
ومن قال انه سيضربها تلك المرة....! بل وجدت يداه تمسك بها يجذبها اليه بقوة
فاندفعت دقات قلبها بضخب داخل صدرها وهو يرمقها بتلك النظرة المرعبه التي ارتسمت وسط ملامح وجهه الخالي ....كم تمنت بتلك اللحظة ان يصب عليها جام غضبه ككل مرة.... يصفعها.. يضربها ولكن لايصمت هذا الصمت المخيف... لانه مرعب اكثر من غضبه الهائج....
. خانتها قدميها ولم تعد تشعر بهما بينما تحاول أن تتراجع بتعثر للخلف تريد أن تهرب من امامه ولكن أين ستهرب..... بلحظة كانت يداه تشتد بقبضتها علي خصرها يجذبها اليه بقوة ليهمس بفحيح شيطاني بجوار اذنها : وقت الحساب
ماذا فعلت بنفسها....كيف القت تلك الكلمات بوجهه بالرغم من تحذيرات الامتناهيه له.... لماذا تمسكت بشجاعتها الزائفة لتخونها امام نظراته المرعبه
بجنون تخبطت بين ذراعيه تحاول الافلات من قبضته وكأن ماس كهربائي أصابها ماان لمس جسده جسدها حينما قربها اليه.... لتصيح به
وهي تدفعه بعيد عنها : سيبيني..... مكنتش اقصد
هز راسه وبرقت عيناه ببريق شيطاني بينما تمتم بوعيد : لا... انا عاوزك تشوفي جزاء كل كلمه نطقتي بيها عشان تتعرفي بعد كدة ازاي تطولي لسانك وتنطقي بكلام انتي مش اده
صاحت به وهي تحاول دفع صدره المعضل بعيدا عنها : اوعي ياحيوان... سيبني
لمعت ابتسامته الشيطانية فهي لن تتعلم ابدا..... : ولما انتي عارفة اني حيوان.... بتقفي قدامي ليه
باللحظة التاليه احبتست أنفاسها بداخل صدرها حينما كبل كلتا يداها و حملها وسار بها الي غرفته....
صرخت وهي تحاول الافلات من بين ذراعيه بينما لم تتوقف عن لكم صدره القوي ولكنه تابع خطواته غير مبالي بصراخها.... ألقاها بقوة علي الفراش وقبل ان تحاول الافلات كان ينقض عليها ..... ينتوي اخراس تلك الشفاه التي تثير تلك الاعاصير الغاضبه بداخله بمجرد نطقها ... فقد اختبرت صبره كثيرا فلاتلومه أطبقت سيرين علي شفتيها بقوة وهي تهز راسها فهو لن يفعلها مجددا ويأخذ شفتيها ولو قتلها...ظل يحاول تقبيلها ولكنها لم تسمح له وحاربته بكل قوتها تضغط علي شفتيها رافضه ان تمنحهما لشفتاه الجائعه ليزفر باحتراق وقد زاده رفضها عنادا فأمسك وجهها بيده وضغط على خدودها بقوى لتنفلت شفتيها وتبرز امام عيناه التي نظرت بشهيه لوجبته الدسمه لينقض عليها بشفتاه يمزقهمها ويفترسها بعنفوان ... شعرت به يسلب أنفاسها بينما يتفنن في نهش شفتيها بين شفته فانهمرت دموعها وهي تحاول بيأس انتزاع شفتيها من شفتيه.... قاومته بكل قوتها.... لم تتوقف عن ركله ولكمه وغرس اظافرها بعنقه ووجهه ولكنه لم يتزحزح بل ازداد عناد...... ترك اسر شفتيها حينما شعر بها تكاد تختنق وتريد التنفس بينما لم يريد سوي ارتشاف المزيد من تلك الشفاه التي تقطر سما بينما تخفي بينهما طعم أطيب من الشهد....
ماان ترك شفتيها حتي غرست. سيرين أسنانها بقوة بيده وهي تلتقف انفاسها الضائعة ولكنه سرعان ماانتزع يداه من بين أسنانها وانحني تجاه عنقها يلتهم جلده الناعم بانسانه لتتعالي صرخة قويه منها حتي شعرت بتمزق احبالها الصوتيه فقد ظنت ان تلك القبله هي عقابها كما المرة السابقه
نظر بنشوة لاثار عضته علي عنقها ليعود مجددا ويدفن راسه بعنقها لتشعر بشفتاه تلتقط جلد عنقها الناعم بينما يتحرك جسده فوق جسدها الذي اختفي اسفله..... صرخت وامسكت بشعره بقوة تحاول ابعاده ولكنه لايتزحزج..... انجرحت احبال صوتها وشعرت بالاختناق بينما شفتيه لاتتوقف عن التحرك فوق عنقها يقبلها تاره ويلتهمها تاره ويرسم عليها علامات تاره اخري... ستموت بين يديه شعرت...... احتدت مقاومتها له وازدادت دموعها انهمارا حينما امسك بيداها وكبلها بقبضته بجوار راسها بينما امتدت يده الاخري ليمزق ملابسها ويميل فوقها ينشر قبلاته علي كل انش بجسدها يختمه بملكيته.... بكت بقوة وصرخت ولم تتوقف لحظة عن مقاومته... ... حتي انها اعتذرت وتوسلت ليتركها ويرحمها ولكنه لم يعد يري او يسمع لأي شئ فقد سيطر الغضب والقهر علي كل ذره بكيانه وسرت النيران بجسده والهبت حواسه وتحول بتلك اللحظة الي وحش ضاري جائع يريد التهام فريسته....ولا شئ يسيطر عليه سوي كلماتها....!
لم تتوقف عن الصراخ ولا المقاومه بالرغم من خوار قوتها اما قوته الهائلة .... صرخت به من بين دموعها وهي تشعر بوطأ قوته جسده فوق جسدها ولم تعد تستطيع المقاومه... ... ابعد عني
بقي كفايه..... ابعد ياحيوان... ضربته بقوة وغرست اظافرها بكتفه ليرفع حمزة راسه من عنقها ينظر اليها بعيونا حادتانا وهو يصرخ بها.... انتي الوحيدة اللي خلتني افقد السيطرة علي نفسي..... حذرتك كتير وانتي مسمعتيش كلامي
بكت بقوة واختنق صوتها الذي ابتلعه بين شفتيه وهي تهذي بتوسل... اسففففه
اغمضت سيرين عيناها بقوة وهزت راسها بهستيريا حينما شعرت به قد خطي طريق اللاعوده ووشم جسدها البتول بأثار ملكيته
ولم يعد يستطيع السيطرة علي نفسه التي فقدها بقربها..... فقد
تحولت وحشيته وعنفه لرغبه جارفة لايستطيع مقاومتها..... أراد أن يتوقف ولكنه لم يستطيع فقد اثارت تلك الفتاه رجولته بالرغم من مقاومتها له إلا أن تلذذ بتذوق طعم شراستها..... كان حاله يختلف كثيرا عن حالها فهي رافضه كارهه تأن اسفله بقهر بينما هو تحولت نيران انتقامه لرغبه مستعره اشتعلت بجسده لايعرف متي ولا كيف..... فقد نهل من حبها بلا هواده يتفنن بتذوق كل انش بتلك الانثي التي راقه كثيرا ترويضها بتلك الطريقه القاسيه..... استمر بمايفعله بنشوة كبيرة غيرمبالي برفضها ومقاومتها ولا بدموعها المقهورة ... بكت بانهيار
وكادت تفقد وعيها من الاعياء ولكن
شفتاه لم ترحمها فكلما شعر بها تغمض عيناها كانت شفتاه تلتهم جزء، منها بقوة لتفتح عيونها التي انسابت منها شلالات دموعها بينما ينهشها بتلك الطريقه....... ومن قال ان امتلاك انثي شرسة مثلها لا يجعل الرجل يشعر بتلك النشوة.....! اغمض عيناه بنشوه جارفه بينما اغمضت عيناها وقد غابت عن الوعي وهي تتمني ان يكون الموت خلاصها من قربه ومن لمساته الحارقه......
رفع جسده قليلا من فوق جسدها الذي لم يرحمه ليري مافعله بها وتلتاع نظراته وتفيقه الصدمه ويستوعب متأخرا مافعله بها..... ،! ماذا فعل...؟! لا ياالهي.... ماذا فعل بها.....!
اهتزت نظراته وهو يري انعكاس وحشيته عليها ويدرك ذلك الطريق الذي سلكه لاخضاعها ليهتف بصوت مختنق.... لية خليتيني أعمل فيكي كدة....
وكأنه مغيب لايري انها غير واعيه يما ينطق به امسك بكتفها ليهزها بعنف وهوو يصيح ...لييييه خلتيني اعمل فيكي كدة..... .
انا عمري ماكنت كدة.....
انا مبقتش انا بعد اللي عملته فيكي.....
. انا عمري مامديت ايدي علي واحدة واخرتها اغتصبت مراااتي
خلتيني اعمل فيكي كدة ليييه...... انا عمري
ماظلمت حد.... خلتيني ادبحك لييه
ازدادت يداه التي تهزها بعنف شعرت به من بين لاوعيها ليتدفق صوته الذي يزأر به كالاسد الجريح من بين غياهب وعيها فتفتح عيناها الزائغه علي ملامح وجهه المتشبعه بالخزي والألم بينما يخاف بعتاب قاسي يعرب به من وخز ضميرة ..... انتي السبب
..... انتي اللي مرحمتنيش من لسانك..... انتي اللي فضلتي تضغطي علي وجعي وجرحي... نظر لعيونها وبزغت منها دمعه عاصيه ترفض النزول بينما يصيح بها وهو لايتوقف عن هزها....
تستاهلي كل العذاب ده...... هزز راسه وقد اختنق صوته بالعبرات الحارقه ; ابوكي واختك السبب فيه .....مش انا
ابوكي اللي مشافش مني غير كل خير
...... اختك اللي ضحكت عليا واستغلتني وسرقت شقي عمري ودمرت سمعه ابويا اللي بناها سنين... هما السبب.....
حاسبيهم هما مش انا
هما السبب......!!
لو ابوكي مش عارف انه غلطان مكنش سابك ليا..... كان قتلتني واخدك....
نظر لعيونها التي انسابت منها الدموع التي فاضت قهرا ووجعا حينما استعادت كامل وعيها بسبب يداه التي لاتتوقف عن هزها بينما يسلخها بتلك الكلمات التي يزيل بها عن كاهله بشاعه مافعله بها..... صفعته بقوة ودفعته بصدره تصيح به بجنون : برااا اطلع برا مش عاوزة اشوف وشك..... اطلع برااا ياحيوان...
تلقي صفعتها القويه دون أن يهتز فلتصفعه.. هو بالأساس يريد صفع نفسه.. فلتصيح وتغضب وترشقه بسهام كلماتها لايبالي فلتفعل ماتريد وتثأر لنفسها.....
...........
بعد نصف ساعه كان يسرع بمغادره المنزل وكأنه يهرب بعد ان وقف أسفل المياة البارده علها تهديء من لهيب تلك النيران التي اشتعلت بجسده اسفا وندما ...! قاد سيارته بسرعه دون أن يعي اي شئ سوي نظراتها... بكاؤها... توسلها.... مقاومتها... كل شئ لم يكن يعيه وهو معها وقد اعماه الغضب يتردد بوضوح امامه الان.....
حاول أن يعيد تلك الكلمات التي نطقها امامها دفاعا عن نفسه من هذا الذنب ولكنها لم تجدي نفعا امام ضميرة الذي جلده بلاهواده فهي لم تفعل شئ... لم تفعل شئ ليؤذيها بتلك الطريقه...حتي مانطقت به لك تخطيء به فهي فقط القت بوجهه الحقيقه ... لا لم يرحمه ضميره ابدا. وجلده بلا رحمه.. حتي ذلك الصوت الكي تعالي بداخله يحاول تخليصه وهو يقر انها زوجته ومن حقه مافعله حتي اخرسه ضميره فحتي ان كانت زوجته لايحق له انتزاع براءه جسدها مالم تمنحها له ...... ساعات مضت وهو يدور بلاهدي.... سيموت وهو يتساءل لماذا يجلده ضميره بتلك الطريقه....... لماذا يريد ضرب نفسه...... لماذا لم يتمتع بكسرها كما تخيل.... لماذا يشعر بهذا الوجع الذي يسري بعظامه وهو يعترف بأنه استمتع بقربها بالرغم من كل هذا......
لماذ كل هذا التخبط بداخله ؟ لماذا يتذكر كل تفاصيل امتلاكه لها ولا ينتزعها من ذاكرته..... انها سممت حياته بكلماتها الاذعه
انها واجههته بكل مرة بسموم لسانها ولكنه يعترف ان هذا هو سم الحقيقة.... فكل كلمه كانت تنطق بها هي صفعه علي وجهه.....
فهو ترك المجرم وامسك بها ليأخذ انتقامه منها...!
لاتدري سيرين كم مكثت مكانها لاتعي شئ فقط تنساب الدموع الحارقه من عيونها بلاتوقف....
فركت جسدها بقوة حتي كادت تمزق جلدها المتلون بأثاره...... بكت حتي فرغت دموعها فقد سحق روحها وكسر كبرياءها وقهرها.....
نامت... نامت كثيرا تحاول الهروب من تلك الصور التي لاتباح خيالها ولا من صوت صراخها الممزوج بلهيب نظراته.... نامت وكان النوم هو حلها للهروب ولم تكن ابدا بتلك التي تهرب ولكنه كسر روحها ولم تعد سيرين التي تعهدها.....
عاد في اليوم التالي مساءا ليقف امام باب
غرفتها يعرف ان طلب السماح لن يجدي نفعا وقد اندلعت بدماءه رغبه منه أن يعود ماسحا كل ماحدث وان يتركها بمنزلها ولا ياخذها الي جحيمه..... بداخله أراد أن يمحي كل ماحدث ويعود بالزمن ولكن عبثا فقد حدث ماحدث... انتوي ان تكون اخر اذيه لها ولكنه قد وصل لمنتهي الاذي...
.......
لم ينام بالرغم من محاوله لاخراس أصوات ضميره فهي اخت تلك اللعينه و ابنه هشام الذي سرقه ودمره... انها من تلذذت بلارحمه بتعذيبه وهي تخبره بمافعلوه به وهو لم يستطع فعل شئ... انها من اشعلت تلك النيران التي احرقته..... انه يتجرع العذاب نهارا وهو يحفر بالضخر ليبتعد عن السجن مجددا وليللا يتجرع عذاب الضمير....
نظر الي اثار اظافرها التي حفرتها علي عنقه وكتفه برضي فهي تستحق كل جرح تركت له اثاره.....
........
يومان مروا
لماذا تستيقظ.... لماذا تغادر الفراش... لماذا... لماذا لم تصمت... لماذا دفعت ثمن خطأ اختها غير الشقيقه.... لماذا لم يقتله ابيها ويعيدها اليه
لماذا لم تستطيع ابعاده...... لماذا خانتها قوتها الضعيفه امام جبروت قوته.... اسأله كثيرا كلما فتحت عيناها تهاجمها بضراوه فتغلقها مجددا.... فقدت الاحساس بكل شئ خلال هذان اليومان.... حتي الألم الفيظ الكي يجتاح جسدها لاتشعر به... لا جوع ولا عطش ولاالم ولا شئ سوي وجع كرامتها الجريحة.....
يومان بغرفتها لاتخرج
يومان كلما دخل اليها يجدها نائمه.... لماذا لاتستيقظ..... لماذا لاتخرج شراستها التي اعتادها منها..... وضع تلك الأكياس بجانب فراشها والتي بداخلها الكثير من الملابس بعد ان وجدها تندثر بروب الاستحمام.... نظر مليا لقسمات وجهها الذي حمل اثاره كما حال جسدها كله ولكنه سرعان ماقام من جوارحها وخرج سريعا بعد ان ترك لها الطعام للمرة الالف وهي لاتلمسه ..... يومان تحطمه بنومها اكثر مما كانت تفعل به بتحديها له ومواجهتها له... يريدها ان تقوم وترشقه ليس فقط بسهام كلماتها ولكن بسهام تطعمه بها بقلبه......اخيرا تنفس حينما.دخل المنزل اليوم بالمساء ليجدها حطمت محتويات المنزل ومزقت مالملابس التي احضرها لها ليبتسم فها قد عادت شرسته من جديد.. فقد
كره صمتها الذي استحوذ علي تفكير وكره مافعله بها والذي جعلها ايضا لاتبارح فكره..... أيعقل ان تكون منتهي كراهيته لها منتهي النشوة بالنسبه له..؟ أيعقل ان مجرد علاقه قصد بها كسرها تجعله يفكر بها بلاتوقف...
حمل الطعام اليها وهو مصمم علي إخراج المزيد من لهيبها ليطفيء نيران الذنب التي تنهش به
قومي كلي...جاءها صوته الذي ملئة بنبره بارده قصد بها استفزازها لتهب من مكانها تصيح به...... اطلع برا ياحيوان
أعاد كلماته باصرار اكبر لإستعاده سياط لسانها : قومي كلي .
صرخت به وهي تطيح بصينيه الطعام من يده : مش عاوزة حاجة من وشك
اطلع براااااا..
نظر اليها ولمعت عيناه ببريق لم يفهمه فهو استحاله ان يكون إعجاب ; مش طالع غير لما تاكلي... مش هستني لما مراتي تموت من قله الاكل
هتفت به بحقد : انا اموت ولا اني ابقي مرات واحد زيك
قال ببرود أتقن رسمه : انتي خلاص بقيتي مراتي مش لسه هتبقي... قومي كلي اللي حصل حصل واللي بتعمليه مش هيغير حاجة
اهتاجت تصيح به وهي تتجه صوبه كالنمرة الجريحة بشراسه : أخرس ياحيوان.. ياسافل مش عاوزة اسمع صوتك
ولااشوف وشك القذر ده.......
جذبها الي صدره برغبه جارفه لاحتضانها تفاجأ بها تندلع بعروقه .. لتهتاج بقوة تصرخ به وهي تبعده عنها رافضه لمسته... . اوعي تقرب مني تاني ياقذر يازباله ياحيوااان
لايعلم كيف تجرأت شفتاه مجددا للرغبه بتناول شفتيها بتلك اللحظة ليقترب منها ينتوي تذوق شهد شفتيها المسموم لتندفع اليها ذكريات تلك الليله التي سحق روحها بها
لتدفعه بقوة في صدره وبلحظة كانت تنحني تلتقط تلك السكين التي كانت علي طاوله الطعام وتغرسها بصدره......!
لحظة توقف العالم من حول كلاهما... لحظة لم تدرك مافعلته ومادفعها له.. لحظة لم يدرك كم أحرق روحها فدفعها لسفك دماءه... لحظة رحب بفعلتها والتي ستبرد نيران حقدها عليه وتبرد نيران ذنبه......
لحظة...! فقط لحظة زاغت عيونها وهي تري تلك الدماء تنساب من صدره وتغرق يداها الممسكه بالسكين التي غرستها بصدره....
...!
........
نظر عبد الحميد الي شاكر محامي حمزة الذي قال بتبرير : مقدرش ياحج عبد الحميد انت عارف عناد حمزة
هتف عبد الحميد : وانا مش هسيب حفيدي يتسجن تاني.. غصب عنه هتاخد الفلوس وتسدد القرض....
........
صاحت به وهي تهز جسده الواقع علي الارض غارق بدماءه
.. لا... لا... متموتش..... انا مكنتش عاوزة اموتك. انت اللي عملت كدة...... انت السبب انت اللي كسرتني
انت السبب..... انا مكانش ليا ذنب عشان تعمل فيا كدة .... لييييه اتحمل ذنب موتك. لا..... لا..... . قوم انا مقدرش اتحمل الذنب ده..
...... لا....
اسرعت تمسك بغطاء الفراش تضغط به علي جرحة الغائر تريد إيقاف نزيف دماءه.. لا..... قوم ....... قوم.... متموتش
مينفعش تموت...
فتح عيناه بوهن يري انسياب دموعها يريد أن يخبرها الا تبكي فهو السبب وهي ضحيه...... حاولت جذبه تصيح به :
قوم معايا المستشفي
خرج صوته الواهن.... زين... كلمي زيين
تناولت هاتفه بأيدي مرتعشه تصيح بهستريا..... انا قتلته
لم يستوعب زين شئ من صراخها الهستيري انا قتلته.....
استطاع إخراج صوته يهتف وهو لا يفهم شئ:
انتي بتقولي ايه.....
بسرعه البرق كان زين يقتحم الشقه وهو يستمع لهمهمتها لينصرع لرؤيه حمزة واقع علي الارض غارق بدماءه.....
دفع يدها وجثا بجوار حمزة يتفقده ليرفع اليها نظراته الحانقه ... حمزززه
حمزة.....
لو صاحبي جراله حاجة مش، هرحمك... هوديكي في داهيه.....
امسك حمزة بيده بصوت ضعيف حينما أراد أخذه للمشفي ... لا... هات دكتور
امسك زين بهاتفه يصيح..... شاكر هات دكتور علي بيت حمزة بسرعه.....
مش وقت أسئلة ياشاكر بسرعععععه
لاتدري شئ وقد تسمرت قدماها بلارض بينما وضع زين جسد صديقه الضعيف علي الفراش يحاول انقاذه ليقتحم شاكر الغرفة وخلفه الطبيب وذلك الرجل المهيب الذي هتف بها وهو يري دماء حفيده الغالي الذي لم ينعم يوما باحتضانه
لو حفيدي جراله حاجة هدفنك في أرضك
... ملكش دعوة بيها
كان هذا صوت حمزة الذي هتف بقوة من جسدة الضعيف
هل تقترب منه.... هل تقف بجواره وكانه درع حمايتها.... ،
بارت قاسي بس اعذرو حمزة وطبعا سيرين ضحيه.. وهو كمان
•
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الخامس 5 - بقلم رونا فؤاد
نظر عبد الحميد بعيون حارقة لسيرين التي وجدت قدماها تقودها إلى جواره ولا تعرف لماذا. أسرع الطبيب تجاه فراش حمزة يهتف بزين وعبد الحميد أن يبتعدا.
"لو سمحتوا خلوني أشوف شغلي."
ابتعد زين بينما ظل عبد الحميد واقفًا بجوار حفيده بعيون حادة كالصقر، لا يتوقف عن السب واللعن لسيرين وعائلتها، يتوعدهم بعقاب أليم، فهو لن يرحمهم. لقد عرف متأخرًا ما حدث لحفيده على يدهم، ولو كان عرف من الأول لما ترك منهم أحدًا على وجه الأرض، وخاصة هشام! ولكن صبرًا! سينتقم منهم ويحرقهم جميعًا كما أحرقوا فلذة كبده وابن ابنته الوحيدة التي ماتت في عز شبابها بعد أن انتزعها والد حمزة منه، وقد شب حمزة على تلك الكراهية بين عائلة والدته وبين أبيه، ولكن كيف له ألا يلجأ لجده في ظرف كهذا؟! كيف له أن يتحمل أشهر السجن على أن يتحمل طلب مساعدة عائلة أمه؟!
تابع عبد الحميد غرز سهام نظراته في قلبها الذي يريد انتزاعه بيده، بينما ظل زين يدور حول نفسه في أرجاء الغرفة بقلق وعيناه ترشق تلك الفتاة بنظرات غاضبة، ألا يكفي ما فعلته أختها وأبوها بصديقه، فهي الآن تقتله. نظر إلى صديقه يتساءل ماذا حدث ليتطور الأمر إلى القتل؟!
أدمت سيرين شفتيها وهي تعض عليها، بينما كشف الطبيب عن جرح حمزة أسفل تلك المنشفة الكبيرة التي كان زين يضغط بها على الجرح، لتتألم ملامح حمزة الذي كان يجاهد للبقاء على وعيه، ليرفع الطبيب عيناه إلى عبد الحميد بنظرة أن الأمر ليس سهلًا، قائلًا:
"هو نزف كتير، والجرح عميق. خلينا ناخده المستشفى أحسن."
قال حمزة بعناد واهن من بين بقايا جفونه:
"مستشفى لا. لا."
نظرت إليه بوجهه هربت دماؤه، فهل يرفض الذهاب للمشفى من أجلها؟!
بينما احتقن وجه عبد الحميد ليصيح به بقسوة:
"مش عاوز مستشفى وعاوز تموت يا حمزة؟ إيه، خايف على بنت الـ... دي، ومين قال إني هرحمها وأخليها تتسجن؟ السجن رحمة لها من اللي هعمله فيها."
عض حمزة على أسنانه بألم شديد يصيح بجده وهو لا يقوى على فتح جفونه:
"قلتلك ملكش دعوة بيها."
تدخل زين سريعًا قائلًا:
"مش وقته. لو سمحت يا حج عبد الحميد أنت كده بتأذيه. أجل أي كلام لغاية ما حمزة يقوم على رجليه."
زفر عبد الحميد باحتراق فهو لن يرحمها، ولكنه الآن يجب أن يطمئن على حفيده.
قال زين للطبيب:
"يا دكتور اتصرف وانقذه. بقاله ساعتين في الحالة دي مش لسه هنستنى يروح المستشفى، لو سمحت شوف شغلك."
فك الطبيب أزرار أكمام قميصه وشمر ساعديه وهو يهتف بهم لإحضار بعض المستلزمات اللازمة، ليسرع عبد الحميد مرسلًا حارسه عواد لإحضارها، الذي عاد بسرعة البرق قائلًا بأنفاس لاهثة:
"اتفضل يا حج."
بدأ الطبيب بتمزيق قميص حمزة الذي تحول للون الأحمر، لتضع سيرين يدها على فمها تكتم شهقاتها وهي ترى الجرح الغائر الذي سببته له. لم تكن خائفة من نظرات عبد الحميد التي تريد الفتك بها، ولا من نظرات زين الحانقة، وحتى شاكر كان يتوعدها. كلهم يريدون الانقضاض عليها ولم يحميها حتى الآن سوى تحذير حمزة لهم قبل أن يفقد الوعي.
إنها لم تتخيل يومًا أن تزهق روح. طوال عمرها شرسة وقوية وعنيدة، ولكن أن تقتل لا، لم تتخيلها في أبشع كوابيسها. ولكنه هو من دفعها لهذا. لمعت الدموع في عيونها حينما تذكرت ما فعله بها، ولكنها حبستها سريعًا ونظرت إليه وهو ممد بهذا الضعف أسفل يد الطبيب يصارع الموت، تطبطب على جروحها أنها أخذت بحقها منه! ولكن لا، ليس هذا شعورها أبدًا! إنها لا تشعر بلذة الانتقام منه بل تشعر بالندم لما فعلته! تساءلت لماذا تشعر بتلك الوخزة وهي تراه بتلك الحالة؟ ألم تكن تتمنى موته في كل لحظة كان يستقوي عليها بها؟! ألم تكن تريد تحطيم جبروته وقوته؟ لماذا إذن لا تشعر أنه يستحق ما فعلته به؟!
لقد قتلها واعترف بنفسه بذنبه أمامها، لتتذكر كلماته لها بينما كانت بين الوعي واللاوعي والتي تتردد بذهنها وكأنها كانت تأتيها من واد سحيق. إنه اعترف أنه ذبحها؟ إذن هو يستحق. اغتاظت من نفسها وهي تستمع لهذا الدعاء يتسرب من قلبها أن يبقى على حياته؟ لماذا الآن تتذكر كلماته التي لم تشفع له عندها وقتها فهو حقير اغتصبها دون أدنى ذنب فليستحق القتل. ليس عليها أن تشفق عليه، ولكن دون إرادتها كانت تتمنى ألا يحدث له شيء.
ساعة قضتها وهي تحاول الابتعاد عن نظرات الجميع المشبعة بالاتهام لتجد عيناها تنظر إليه. كان مغمض عينيه ووجهه شاحب يناجي شحوب الأموات، وتلك القسوة التي كانت تقطر من ملامحه اختفت وحل محلها ضعف لم تراه مسبقًا في ملامحه.
تنهد الطبيب براحة بعد أن انتهى من وضع تلك الضمادة الكبيرة حول صدره قائلًا:
"إن شاء الله هيبقي كويس."
قال عبد الحميد بلهفة:
"أنت متأكد؟"
"أيوه يا حج. مع إني كنت أحب يروح المستشفى لكن الحمد لله جسمه قوي واستحمل مع إن الجرح كبير."
زجرها عبد الحميد بنظراته لتبعد عيناها عنه وتنظر لحمزة بينما تابع الطبيب:
"أنا مديله مسكن قوي عشان ما يحسش بالوجع. هيفضل نايم لغاية الصبح. ياخد الأدوية دي بانتظام كل ساعتين. وأنا بكرة الصبح هاجي أطمن عليه وأغيرله على الجرح."
هز عبد الحميد رأسه واتجه إلى فراش حمزة يتطلع ناحيته بحسرة.
شكر زين الطبيب الذي قال:
"تابع حالته ولو في أي جديد كلمني على طول."
"متشكر يا دكتور."
انصرف الطبيب لينظر زين إلى شاكر قائلًا:
"الحج عبد الحميد عرف منين اللي حصل؟"
حمحم شاكر قائلًا:
"بعدين يا زين هفهمك."
نظر زين إليه بشك:
"أنت عارف موقف حمزة منه يا شاكر."
هز المحامي رأسه:
"عارف يا زين. كل الحكاية إنه مصمم يسدد ديون حمزة وقابلني عشان أعمل كده وأنا قلتله مينفعش أعمل حاجة من ورا حمزة بس هو مصمم. أكيد مش هيسيب حفيده يتسجن تاني."
هز زين رأسه بقلة حيلة متنهدًا:
"والله ما عارف يا شاكر إيه اللي بيحصله ده."
أومأ شاكر موافقًا:
"حمزة اتدمر بكل معنى الكلمة. أنا كمان مش عاوز أقوله إن مصلحة الضرايب مقدمة تقرير جزافي عن الشركة وعلينا ليها مديونية اتنين مليون جنيه. ده غير مستحقات الموظفين."
زم زين شفتيه، ليتابع شاكر:
"مفيش قدامه حل غير جده."
تنهد زين:
"ما أنت عارف عناد حمزة."
"بس في وقت العناد بيبقي نهايته الدمار. زي عناده في الجواز الشؤم دي وفي الآخر شوف عملت فيه إيه."
زفر شاكر وتابع:
"أنا مش عارف أصلًا هو إزاي يتجوز أختها!"
"خلاص بقى يا شاكر اللي حصل حصل. نطمن على حمزة ونبقى نتكلم معاه. وأنا مفتكرش إنه هيسمح لها تنفد بعملتها."
تهكم شاكر:
"أنت ناسي كان عامل إزاي لما الحج عبد الحميد هددها."
انحنى عبد الحميد تجاه حمزة يقبل جبينه الذي لمعت فوقه حبات العرق ليهمس بوجع:
"سلامتك يا غالي يا ابن الغالية."
قبل كلتا يديه بحنان ثم أعاد وضعهم أسفل الغطاء ليستعيد بعدها ملامح وجهه القاسية بينما أخرج هاتفه من جيبه قائلًا باقتضاب:
"عواد... اطلع أنت واللي معاك."
أعاد هاتفه إلى جيبه بينما رفع عينيه إلى سيرين التي تراجعت خطوة للخلف حينما توجه ناحيتها وعيناه تطلق شرارات الوعيد، أطبق على ذراعها بقوة يهتف بها:
"بقي أنتي... يا بنت الـ... كنتي عاوزة تموتي حفيدي! حفيد عبد الحميد البدراوي تتجرأ عليه حرمة زيك. ده أنا هدفنك صاحية."
حاولت نزع ذراعها منه بذعر ولكنه سحبها بقوة خارج الغرفة وهو يزمجر:
"مش هرحمك. هخلص عليكي. مش كفاية اللي بنت الـ... عملته فيه. جاية أنتي تكملي عليه. عاوزة تخلصي عليه عشان تتهنوا بفلوسه من غير حساب. آه يا ولاد الكلب. ده أنا هخلص عليكم."
سحبها من ذراعيها وهو يصيح بالحارس الخاص به الذي دخل إلى المنزل وخلفه العديد من رجاله المرعبين:
"عواد... عواااد. خد بنت الـ... ما تشوفش نور الشمس تاني."
لماذا انحشر صوتها؟ لماذا لا تدافع عن نفسها؟ لماذا تعلقت عيناها بالغرفة التي هو بها وكأنه سيهب لإنقاذها؟
التفت زين وشاكر على خروج عبد الحميد من غرفة حمزة يسحب سيرين بتلك الطريقة ليقول زين بجبين مقطب:
"في إيه يا حج عبد الحميد بيه... أنت ماسك مرات حمزة ليه كده؟"
هتف عبد الحميد بغضب:
"ما تدخلش أنت. ودي مش مرات حمزة. إياك تنطق كلمة زي دي على لسانك. أنا ولدي ما يتجوزش الأشكال دي."
قال زين وهو يحاول سحب سيرين من يد عبد الحميد:
"بس هي مراته يا حج ومينفعش اللي بتعمله."
أبعد عبد الحميد يد زين ودفع بها إلى حارسه:
"خد البت دي من هنا."
أسرع شاكر وزين يبعدان الحارس عنها ليقول شاكر:
"لو سمحت يا حج عبد الحميد مفيش داعي للي بتقوله أو بتعمله. أنت بنفسك سمعت حمزة قال إيه."
زمجر عبد الحميد بهياج:
"دي ضربته بالسكين!"
قال زين:
"إحنا ما نعرفش إيه اللي حصل بينهم."
امتعض عبد الحميد بغضب:
"هيكون إيه... إيه هيخلي بنت الـ... تعمل فيه كده."
نظر إليها بوعيد وهو يكمل بغضب:
"أنا لازم أدفعها ثمن دم حفيدي. ابعد من قدامي."
توقف زين أمامه حائلًا بينها وبين عبد الحميد قائلًا:
"لو سمحت يا حج عبد الحميد سيبها. مرات حمزة أمانة لغاية ما يفوق."
أمسك عبد الحميد بيدها ليجذبها ليسرع شاكر يوقفها خلفه قائلًا:
"لو سمحت يا حج... احترم كلام حمزة مش هيعجبه أبدًا اللي أنت عاوز تعمله. حتى لو غلطت هو هيحاسبها."
أخيرًا نزعت يدها منهم وأسرعت بخطاها تدخل إلى غرفته لتغلق الباب وتستند بظهرها إليه وتطلق لدموعها العنان. ماذا يحدث لها؟ ما تلك النيران التي تحاصرها من كل جانب؟
مسحت دموعها بسرعة حينما استمعت لطرقات على الباب لتجده زين الذي استطاع بصعوبة هو وشاكر تهدئة عبد الحميد.
قال زين وهو يرمقها بنظرات جامدة:
"مش معنى إني دافعت عنك إنك تستاهلي. أنا بس بحترم كلام صاحبي اللي لو جراله حاجة أنا اللي مش هرحمك."
نظرت إليه سيرين بغضب دون قول شيء.
ليكمل وهو يرفع أصبعه في وجهها:
"لو فكرتي تستغلي اللي حصل لحمزة وتهربي..."
قاطعته ونظرت إليه باحتقار وهي تقول:
"ما تهددنيش. أنا مش مسجونة عشان أهرب. ولو عاوز تبلغ عني اتفضل مش فارقة."
زم زين شفتيه بغضب ليقول:
"لو عليا كنت بلغت عن مجرمة زيك بس الكلمة الأولى والأخيرة لحمزة. يلا اتفضلي على أوضتك. تفضلي فيها لغاية ما حمزة يفوق ويشوف هيعمل فيكي إيه."
اغتاظت من نبرته لتهتف به بحدة:
"وأنت مين عشان تقولي أفضل فين؟"
أفلتت أعصاب زين ليقول بغضب:
"بنت أنتي! احترمي نفسك."
رفعت إصبعها أمامه بانفعال:
"أنت اللي تحترم نفسك وأنت بتكلمني. واتفضل يلا اطلع برا."
رفع حاجبه بغيظ:
"نعم! أنتي بتطرديني من بيت صاحبي؟"
"آه."
"بصفتك إيه؟"
قالت بانفعال:
"مراته!"
قال زين بتهكم:
"والله! وده من أمتي؟ ما أنا عارف اللي فيها."
زجرته سيرين بحدة:
"اطلع برا."
هز رأسه وتوجه ببرود إلى أحد المقاعد:
"مش طالع وهفضل مع صاحبي."
نظرت إليه بغيظ ليجدها تسحب أحد المقاعد بحدة وتضعه بجوار فراش حمزة وتجلس عليه تحيط صدرها بذراعيها وتزفر بحدة لتلتوي شفتيه بابتسامة متهكمة فهو صديقه منذ سنوات أتأتي هي تطرده؟ حالمة!
طال الليل وكلاهما جالس على المقعد بشرود ليمتلئ حلقها بالمرارة وهي تتساءل لماذا يحدث لها هذا؟ إنها لم تؤذِ أحدًا طيلة حياتها لتتعرض لكل هذا الأذى. لماذا تنكسر وتتدمر بتلك الطريقة البشعة وفي النهاية تقتل إنسانًا؟ مهما كان ظالمًا إلا أنه روح لا يحق لها أن تزهقها. تعالت صراخاتها بداخلها تستغيث بربها أن يرحمها من تلك النيران المستعرة حولها في كل جانب. لا أحد سيرحمها. وهي بالأساس لا ترحم نفسها.
جالت صورة أبيها وأمها تتساءل عن حالهم وماذا سيحدث لهم إن عرفوا ما حدث لها وماذا فعلته؟
تحرك حمزة بألم في نومه ليغمغم بآهات متألمة مجروحة مكتومة.
قامت من مكانها وأسرعت ناحيته لترى بشرته تلمع بحبات العرق بينما يهذي بكلمات غير مفهومة. خرج صوتها متحشرج وهي تسأله:
- أنت... أنت كويس؟
همهم من بين شفتيه المرتعشة بغمغمات غير مفهومة، لتمد يدها بدون وعي تجاه جبينه الذي ينبض بحبيبات العرق، لتشهق بقوة حينما شعرت بتلك الحرارة العالية المنبعثة من جبينه الملتهب.
اعتدل زين جالسًا وفتح عينيه الناعسة حيث غفا وهو جالس، لينظر إليها ويسألها بقلق:
- في إيه؟
قالت باضطراب وتوتر، وقد ماتت من تأنيب الضمير على ما فعلته به ليصل لتلك الحالة، فهو ذاك الكيان الجبار القاسي الذي شل حركتها واستولى على حرمة جسدها بقوته، مسجى أمامها لا يقوى على تحريك أصبعه:
- حرارته عالية.
أسرع زين يتلمس جبين صديقه، ليمسك الهاتف سريعًا ويتصل بالطبيب.
في غضون نصف ساعة كان الطبيب يعاينه، ليسأله زين بلهفة:
- ماله يا دكتور؟
- حمى شديدة بسبب الجرح.
- أنا اديته حقنة تنزل الحرارة وتقاوم التلوث.
- وخلال الساعات اللي جاية هيحتاج كمادات تنزل الحرارة وياخد الأدوية دي.
أومأ له زين ليقول لسيرين التي كانت واقفة مكانها كالمشلول:
- اعملي الكمادات لغاية ما أجيب الأدوية وأرجع.
أسرعت إلى المطبخ لتضع في إناء بعض قطع الثلج مع المياه الباردة، وأحضرت منشفة صغيرة وأسرعت إلى الغرفة مجددًا. دون أن تفكر كانت قد نسيت من هو وماذا فعل بها، فهو الآن إنسان ضعيف يحتاج لها.
جلست على طرف الفراش بجواره، بينما أمسكت بالمنشفة المبللة ووضعتها فوق جبينه الملتهب، ليهب كالمذعور ينتفض وهو يحاول إبعاد المنشفة الباردة عن جبينه، ولكنها وضعت يدها فوق يده توقفه عن إبعادها. كان غائبًا تمامًا عن الوعي ولكنه استعذب لمسة يدها ليده التي ظلت ممسكة بها لدقائق حتى هدأ وتركها تتابع تبديل الكمادات له.
بعد قليل عاد زين يحمل الأدوية، ليمسك ببضع حبوب ويجلس بجوار حمزة على الفراش من الجهة الأخرى ويحاول رفعه قليلًا ليضع الحبوب بفمه، فتمسك كوب الماء وتساعده ليرتشف القليل. تجمدت يداها مكانها والتي وجدتها تمسح طرف شفتيه بعد أن شرب! أهي بعد ما فعله بها تتجرأ على لمسه؟ سحبت يدها كالملسوعة بينما تشنجت عضلات حمزة ليهذي بصوت مخدر:
- أنا ما كنتش عاوز أعمل كده... سامحيني.
ازدردت ريقها بتوتر بينما نظر إليها زين بجبين مقطب، لتبتعد سريعًا وتعود لمقعدها ما إن استمعت لكلماته والتي ذكرتها بما حدث، لينتفض قلبها بداخلها فلا يستحق منها إلا كل كراهية واحتقار، هي فقط تداويه لأنه مريض وضعيف ليس إلا!
ارتجفت يداها بينما تابع هذيانه دون وعي، وقد أخذ يعض على شفتيه السفلى بألم شديد يسري بوجدانه ليكتم ذلك الوجع الذي يسري بدمائه. تنهد زين بتخبط وقلق لبضع دقائق يحاول تهدئة تشنجات جسد حمزة ويرمقها من حين لآخر بنظراته، فيبدو أن صديقه ظلم تلك الفتاة بقوة ليهذي بطلب سماحها بتلك الطريقة.
قطبت نادية جبينها تنظر إلى سيدرا قائلة:
- بكلمك من بدري، سرحانة في إيه؟
هزت كتفها:
- بأفكر في حل.
- حل لإيه؟
قالت بامتغاض:
- لسي جمال اللي بيهددني.
قالت نادية ببرود:
- لا اطمني، جمال طول ما مصلحته معانا ما تقلقيش منه.
- لا لازم أقلق... وخصوصًا بعد ما حمزة قدر يخرج من السجن... أنا لازم أفكر في طريقة أحمي بيها نفسي وأضمن إن حمزة مش هيأذيني.
نظرت بشرود إلى الفراغ وتابعت:
- بس الأول أعرف هو ناوي على إيه.
لم تفارق هدى الدعاء لابنتها التي ينتفض قلبها كلما فكرت فيما قد يحدث لها. التفتت بكراهية واضحة لهشام الذي جلس بملامح واجمة يفكر كم هو حقير جبان ألقى بابنته البريئة للتهلكة.
- منك لله أنت السبب.
انتفض من مكانه على صوت هدى الحاد لترتجف نظراته بينما تابعت:
- عارف لو عرفت إن ليك يد في اللي حصل عمري ما هسامحك.
ارتجفت يداه ليقول:
- هدى... أنا...
قاطعته بحدة:
- أنت اللي ساعدت الكلبة تسرق جوزها وخليت بنتي تدفع الثمن.
هز رأسه بجبن فهو لا يستطيع الاعتراف:
- لا... لا يا هدى...
هتفت به بهياج:
- يبقى تتصرف...
انسابت دموعها بقهر:
- اعمل أي حاجة ورجع بنتي...
لكمته بصدره:
- رجعلي بنتي يا هشام... رجعلي سيرين.
ارتمت على المقعد تبكي بانهيار:
- يا ترى عمل فيكي إيه يا بنتي... يا ترى عمل فيكي إيه؟
ربت على كتف زوجته:
- اهدي... مش هيعملها حاجة.
دفعت يداه بحقد:
- وأنت تعرف منين... تعرف منين هو ممكن يعمل في بنتي إيه وهو محروق من اللي بنتك عملته فيه؟
حاول مجددًا تهدئتها وهو يقول بعزم:
- ما تخافيش... هرجعها...
نظرت إليه بعينيها الباكية:
- هترجعها إزاي؟
- هشوف طريقة أعرف سيدرا فين وهخليه يسيب سيرين...
- وأنت تفتكر العقربة دي هتعرف تلاقيها بسهولة؟
- هحاول يا هدى... ولو ما عرفتش هخليه يقتلني أنا ويسيب سيرين... ما تخافيش يا هدى هرجع بنتنا.
بدأ حمزة بالاستيقاظ شيئًا فشيئًا ليفتح عينيه بتثاقل ويزيغ بصره يمينًا ويسارًا حتى استقرت عيناه على تلك النائمة على المقعد بجواره وشعرها الأسود الغزير منتشر حول وجهها كالشلال، ليلتهي عن آلامه لدقائق طويلة وهو ينظر إليها، ليشعر زين باستيقاظه فيقوم من مقعده ويتجه إليه يسأله بصوت قلق:
- حمزة... أنت كويس؟
قال بخفوت شديد:
- زين... أنت هنا... إيه اللي حصل؟
تنهد زين:
- أنت اللي تقولي إيه اللي حصل؟
تنملت سيرين بنومتها غير المريحة ولكنها لم تفتح عيونها الواهنة فقد ضعف جسدها كثيرًا بسبب كل ما مر عليها.
همس حمزة بخفوت:
- ششش.
رفع زين حاجبه باستغراب ليشير له حمزة بالصمت:
- مش وقته يا زين هبقى أحكيلك.
أومأ له زين قائلًا:
- حمد الله على سلامتك يا صاحبي.
تعالى رنين جرس الباب لتنتفض سيرين من نومها بذعر تتلفت حولها لتقع عيناها على حمزة وبجواره زين يتطلعون إليها. حاولت أن تستعيد رباطة جأشها وهي تقول:
- أنت... أنت كويس؟
هز رأسه، ليقوم زين يتجه لفتح الباب. وسرعان ما كان عبد الحميد يدخل إلى الغرفة وبرفقته رجل أربعيني آخر... إنه خاله شريف.
انسحبت سيرين من الغرفة وتبعتها عيون حمزة الذي لم يعِ الحديث حوله لدقائق إلا حينما هدر عبد الحميد بوعيد:
- والله لأدفعها ثمن دمك.
ليلتفت إلى جده باقتضاب:
- قلت ما لكش دعوة بيها.
قال عبد الحميد باستنكار:
- أنت بتدافع عن بنت الـ...
قاطعه حمزة وهو يتحامل على ألمه:
- مش عاوز أسمع كلمة تانية.
قال شريف بهدوء:
- بابا لو سمحت مش وقته خلينا نطمن على حمزة الأول.
نظر إلى حمزة قائلًا:
- أنا ليا واحد من معارفي صاحب مستشفى كبيرة خلينا نروح نطمن عليك ومش هيكون فيها مشكلة.
هز حمزة رأسه باقتضاب:
- أنا كويس.
زفر عبد الحميد بغضب:
- وآخرة عنادك ده إيه يا ولدي... لو عليها خلاص مش هنقول إن هي اللي عملت فيك كده.
زفر حمزة بنفاذ صبر:
- قلت خلاص أنا كويس.
ربت زين على كتفه:
- خلاص يا حمزة... يا حاج عبد الحميد مش عاوزين نتعبه.
- تعالى نقعد بره...
انقضت بضع ساعات وهي بغرفتها تستمع لأصواتهم بينما يطمئنون عليه وهي لا تقوى على الخروج ولا مواجهة أي شخص. ما إن هدأت تلك الأصوات حتى خرجت من غرفتها تتطلع حولها لتجد باب غرفته مفتوح وزين يغادر.
- أنا هاروح البيت ساعة وراجع.
- هو نايم خذي بالك منه.
أومأت له دون قول شيء ليغادر زين وتقف مكانها مترددة قبل أن تسحب نفسًا عميقًا وتدخل إليه. كان مغمض العينين وأنفاسه منتظمة لتقف قليلًا بجوار فراشه تتطلع إليه. تتخبط بأفكارها التي تعصف بها بلا هوادة. أخيرًا وجدت نفسها تمسك بهاتفه وتخرج من الغرفة. جلست على الأريكة وطلبت رقم والدتها التي اختنق صوتها بالبكاء اللهيف:
- سيرين حبيبتي طمنيني عليكي يا بنتي.
- أنا كويسة قوي يا ماما... اهدي.
بكت كلاهما باحتراق مطولًا لتنهي سيرين المكالمة وتعود لغرفته تضع الهاتف بجواره. فتح حمزة عيناه بصعوبة ليجدها واقفة بجواره. مرت دقيقة من الصمت قبل أن تتحدث بتلعثم:
- عا... عاوز حاجة؟
هز رأسه لتهز رأسها هي الأخرى وتدير ظهرها لتغادر ولكن صوته أوقفها:
- زين... زين فين؟
- قال هيرجع كمان ساعة.
هز رأسه وأغمض عينيه لتنصرف.
في اليوم التالي كانت حالته تحسنت في الصباح حينما دخلت إليه تحمل صينية من الطعام. قالت بخفوت دون أن تنظر إليه:
- كل عشان تاخد الدواء.
أفلتت منه الكلمات المتهكمة:
- حاطة لي سم المرة دي؟
احتقن وجهها بالغضب ولكنها لم تقل شيئًا لتضع الصينية بجواره وتهم بالمغادرة دون قول شيء لتتفاجأ به يمسك يدها قبل أن تغادر قائلًا:
- أنا أستاهل.
نظرت إليه بطرف عينيها التي لأول مرة يرى صفاء لونها بينما تابع:
- اقتليني لو ده هيريحك.
جذبت يدها من يده وقالت بجفاء:
- ومين قال إن موتك هيريحني... أنا مش مجرمة زيك.
ارتسمت ابتسامة على جانب شفتيه بينما يتطلع إلى شراستها التي عادت من جديد ليشاكسها باستفزاز:
- وبعدين في طولت لسانك؟
احتقن وجهها لتهدر به بحدة:
- وآخرتها؟
نظر إلى ملامح وجهها التي اكتست بحمرة الغضب:
- آخرة إيه؟
- آخرة اللي إحنا فيه؟
نظر إليها مطولًا بحيرة قبل أن ينطق:
- ما لوش آخر.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السادس 6 - بقلم رونا فؤاد
جذبت يدها من يده وقالت بجفاء:
"ومين قال إن موتك هيريحني؟ أنا مش مجرمة زيك."
ارتسمت ابتسامة على جانب شفتيه بينما يتطلع إلى شراستها التي عادت من جديد. ليشكسها باستفزاز:
"وبعدين في طول لسانك؟"
احتقن وجهها لتهدر به بحدة:
"وآخرتها؟"
نظر إلى ملامح وجهها التي اكتست بحمرة الغضب:
"آخرة إيه؟"
"آخرة اللي إحنا فيه."
نظر إليها مطولًا بحيرة قبل أن ينطق:
"مالوش آخر."
صاحت به بغضب وحقد:
"لا، له آخر! أنت انتقمت مني."
قال ببساطة استفزتها:
"وأنتِ أخذتِ حقك، كده خالصين."
زمت شفتيها وانتفخت وجنتاها الجميلتان بالغضب وهي تصيح بقهر:
"مش خالصين، وعمرنا ما هنكون خالصين أبدًا."
دفعته بيدها الصغيرة في صدره ليقطب جبينه بوجع حينما لمست جرحه وهي تلكم صدره، ولكنه تركها لتنفث عن ألمها وغضبها منه، بينما سيرين لم تهتم أنها تؤلم جرحه حينما استفزها وهو يصيغ الأمر بتلك البساطة. لترشقه بلهيب نظراتها الغاضبة وهي تكمل:
"أنت اتعالجت وبقيت زي القرد... أنا بقى إيه؟ أنا إييييه؟"
وخزه ضميره من القهر الذي يملأ صوتها لينظر إليها ويقول بنبرة هادئة ظن أنها ستهدئها:
"أنتِ بقيتي مراتي."
احترق قلبها وكيانها مما ينطق به هذا الحقير بتلك البساطة لتهتف به بحدة:
"بتحلم! عمري ما هبقى مرات واحد زيك أبدًا."
رفع حاجبه بغيظ ولكنه تابع بهدوء لم يعهده بنفسه:
"قلت لك بقيتي، مش لسة هتبقي... توهجت وجنتاها بالاحمرار من الغضب الذي دفعه ليرفع يداه يتلمس وجنتها بظهر يده الخشنة بينما يكمل لاستفزازها أكثر: وقبل ما دماغك تروح بعيد... مش هموت يعني وتكوني مراتي... بس ده بقى أمر واقع، واللي حصل حصل خلاص... وأنا ما اتعودتش ما أتحملش نتيجة حاجة أنا عملتها."
دفعت يداه بقوة بعيدًا عن وجهها جعلته يتساءل كيف لتلك الصغيرة التي لا يصل طولها إلى صدره أن تمتلك تلك القوة:
"لا متشكرة لشهامتك، وفرها لنفسك وسيبني."
رفعت إصبعها أمام وجهه بتحذير وتابعت:
"يكون في علمك أنت غصب عنك هتسيبني... أنا الموت أهون لي إني أبص في وشك حتى، مش إني أكون مراتك... أنا باقية بس لغاية ما تخف عشان ما أحسش بالذنب... بعدها همشي ومفيش قوة في الأرض هتمنعني... وإلا المرة اللي جاية هقتلك فعلًا!"
رفع حاجبه ولا يدري لماذا لا يثور عليها؟ ولماذا هو مستمتع لتلك الدرجة بغضبها:
"بتهدديني؟"
هتفت به بقوة:
"أنا بحذرك."
قال بهدوء بينما تتلكأ عيناه على شفتيها التي احتقنت بالدماء وجعلتها تشبه حبة الكريز المغرية:
"أنا اللي عاوز أحذرك من طول لسانك... بلاش تستفزيني."
ارتجفت نظراتها من وعيده ليجلب لها الذكريات المريرة لتقول بوجع ألم قلبه:
"هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟"
شعر بوخز ضميره فقال بلين وعيناه تنظر لعيونها:
"مش هعمل حاجة."
نظرت إليه بجبين مقطب ليرددها مجددًا وقد أوجعه رؤيتها بتلك اللحظة فتاة صغيرة انكسرت على يده بتلك الطريقة تهدد بهذا الوجع وهي مجروحة، فرفع يداه مجددًا إلى وجنتها الناعمة يمررها فوقها وهو يقول:
"مش هعمل حاجة تأذيكي تاني."
اهتاجت بالرغم من لطف نبرته التي لم تعهدها به ودفعت يداه بحدة:
"ما تقدرش تأذيني تاني يا حيوان."
سحب نفسًا عميقًا لا يعرف كيف يكتم غضبه وبنفس الوقت يكتم رغبته بالضحك منها، فهي مزيج ملتهب يجذبه إليه كالفراشة المنجذبة للنيران ولا تبالي إن كانت ستحرقها أو لا. باندفاع سري بعروقه ورغبة في اقترابها وقد أصبح هذا هو حاله أمامها، وجد نفسه يجذبها إليه بالرغم من ألم جرحه الشديد حينما تحرك ليهتف باستفزاز وهو يقرب شفتيه من شعرها الثائر حول وجهها:
"قلت لك مش هعمل حاجة... بس لو هتفضلي تستفزيني... ما عنديش مانع أعمل."
دفعته بعيدًا عنها ليضحك عاليًا وهو يضع إحدى يديه على صدره يتألم من وسط ضحكته بينما بيده الأخرى ما تزال قابضة عليها يقربها إليه مجددًا ليغمغم بوجع من لكمها لصدره المجروح:
"آه..."
نظرت له هاتفة بشماتة وهي تحاول تخليص نفسها من يده التي تمسك بها:
"أحسن."
ضحك مجددًا ليقول بينما يداه مستمرة بالإمساك بها:
"أنا عرفت دلوقتي أنا هعمل إيه في طول لسانك."
نظرت إليه ليتابع بخبث:
"الضرب والتهزيق مش بتجيب نتيجة معاكي."
غمز لها بمكر وعيناه لا تفارقان النظر لشفتيها:
"بس قلة الأدب بتخليكي تقلبي قطة وديعة."
هتفت به بغيظ:
"أنت حيوان."
"وأنتِ حلوة."
حاولت إبعاد يداه عنها وهي تهتف:
"ابعد وما تقربليش."
قرب وجهه من وجهها لترتبك أنفاسها بقوة أثارته، ولا يعرف ماذا فعلت به تلك الفتاة فالبرغم من كل ما مر عليهما إلا أنه يريدها. نظر إليها وتابع بمغزى:
"يبقى تلمي لسانك بدل ما الشيطان يلعب في دماغي وأسكتك بطريقتي."
خفف من قبضته حولها يريدها أن تغادر من أمامه وإلا لن يضمن ما سيفعله لتركض سريعًا خارج الغرفة صافقة الباب بعنف تهتف:
"حيوان!"
ضحك عاليًا وهو يقول:
"سامعك."
بعد خروجها أراح ظهره للخلف متألمًا ليضع يداه على جرحه ويشرد بعيدًا يتساءل لماذا هو مرحب بالألم على يد تلك الفتاة لهذه الدرجة؟ إن كان ألمه يشفي غليلها فهو راضٍ، فألم جسده أهون كثيرًا من ألم ضميره الذي كان يمزقه إربًا.
وضعت يدها فوق صدرها تهدئ من ضرباته العالية وتدفع بخصلات شعرها للخلف بعصبية... لماذا يتحول معها بتلك الطريقة؟ ذلك الحقير أيُتجَرأ على صياغة الأمر بتلك البساطة لتتهكم: "خالصين!"
"مش خالصين أبدًا يا حيوان..."
بعد أن أنهت استحمامها وقفت أمام المرآة وجمعت خصلات شعرها للأعلى لتقع عيناها على آثاره فوق عنقها والتي ما تزال لم تختفِ بعد، لتزم شفتيها بغيظ فهذا الحقير حتى وإن لم يكن أمامها فهو مصمم على إحراق أعصابها. فكت خصلات شعرها لتخفي تلك الآثار عن عنقها وارتدت ذلك الفستان من الجينز الذي كان ضمن الملابس التي اشتراها لها ولكنها لم تستطع تمزيقه، وجيد أنها فعلت فليس لديها شيء لترتديه. تعالى رنين جرس الباب فخرجت من غرفتها وتوجهت إلى الباب لتجده زين. تركته لدى الباب بعد أن فتحته وعادت لغرفتها ليدخل زين وهو يتبرطم بغيظ من تلك الفتاة:
"حمزة... صباح الخير."
"صباح النور."
"عامل إيه دلوقتي؟"
هز رأسه:
"أحسن كتير."
"تمام... أنا جبت الورق اللي طلبته وطارق هيعدي علينا كمان شوية."
قطب حمزة جبينه:
"ليه بس يا زين... شايفني مستحمل سخافة طارق دلوقتي؟"
قال زين بهدوء:
"معلش بقى يا حمزة... أهو كلها ساعة يقولنا بس تطورات الشغل في المصنع ويمشي على طول."
أومأ له ليقول حمزة وهو يشير لزين:
"خد يا زين وحياتك فلوس من الدرج ده وانزل اشتري شوية حاجات للبيت."
أومأ له زين:
"حاضر... عاوز حاجات معينة؟"
هز كتفه:
"أهو هات كل حاجة."
أومأ له زين ليغادر بينما أمسك حمزة بهذا الملف الكبير لتقع عيناه على أول ورقة والتي تحمل مطالبة الضرائب بهذا المبلغ الضخم ليشتعل رأسه بالغضب فحتى أموال الضرائب خدعه هشام ولم يسددها. ألقى الملف بجواره بغضب وأمسك بهاتفه ثم طلب هذا الرقم ليجيب عليه بعد لحظات فيقول حمزة بنفاذ صبر:
"ها عملت إيه؟"
قال عزيز ذلك المحاسب الذي كلفه بمحاولة تعقب الحسابات التي تحولت إليها أمواله:
"والله ما عارف أقول لك إيه يا حمزة بيه."
زفر حمزة بغضب:
"قول يا عزيز؟"
"للأسف ما عرفتش أوصل لحاجة... أرقام الحسابات اللي اتحولت ليها الفلوس كلها اتقفلت بعد ما اتسحبت منها الفلوس بيوم."
زفر حمزة باحتراق ليقول عزيز:
"بس ما تقلقش أكيد في حل تاني..."
فرك حمزة رأسه بغضب:
"حل إيه يا عزيز؟"
"أنا بحاول أتابع تحويل الفلوس واللي لغاية دلوقتي حولتها من أربع بنوك في بلاد مختلفة بس اديني وقت أكتر وإن شاء الله أوصل لحاجة."
هز حمزة رأسه بقلة حيلة ليقول:
"ومطالبة الضرايب؟"
"للأسف حاليًا لازم نسدد بعدها نطعن بالورق المزور اللي هشام عرضه عليك... الورق ده معاك؟"
هتف حمزة بغضب أهوج:
"لا الكلب ده خفى كل الأوراق."
"طيب اهدى بس يا حمزة بيه وأنا هحاول أوصل لحل."
أغلق حمزة الهاتف وألقاه وكل إنش بداخله يحترق.
"آه يا ولاد الكلب بتتهنوا بفلوسي وأنا بتدمر هنا... آه لو تقعي في إيدي... وأنت يا هشام الكلب مش هرحمك هخليك تتمنى الموت."
ليتذكر ذلك اليوم الذي أتى به إليه بالمشفى وهو يحمل تلك الوثائق لتسديد أموال الضرائب وانخدع حمزة ووقع الشيك لسيدرا لتسدد بالتوكيل بدلًا عنه ليتفاجأ أن هذا من ضمن خداعهم له.
فرك حمزة رأسه بقوة بينما الصداع يفتك به وهو يلقي بتلك الأوراق من جواره بغضب.
انتفضت سيرين من مكانها حينما تعالى صوته الجهوري ينادي عليها... سيريييييين! لأول مرة ينادي عليها وتسمع اسمها منه. أعاده مرة أخرى... سيرييين! لتقوم بلا وعي وتسرع إلى غرفته كان وجهه أحمر محتقن بالغضب عكس ما كان في الصباح. قالت بتوتر وهي تنظر لقسمات وجهه المحتقن بالغضب:
"في إيه؟"
قال بغضب:
"اعملي لي قهوة."
نظرت إليه لحظة وإلى نبرته المتآمرة تنتوي الرد عليه ليزفر بغضب ويصيح بها ولم يجد أمامه سواها ككل مرة للتنفيس عن غضبه:
"هتفضلي واقفة تبصي لي كتير... بقول لك هاتي لي قهوة."
فضلت الصمت تلك المرة وهي تنظر إلى الأوراق الملقاة على الأرض وإلى غضبه الشديد فخرجت تزفر بغضب فهو كما هو ما زال نفس الحقير... ينتقم منها دون أن يكون لها أي ذنب. ما إن دخلت إلى المطبخ حتى تعالى رنين جرس الباب لتسرع سيرين لتفتح. نظرت إلى هذا الشاب الذي نظر مليًا إليها قبل أن يقول:
"مش دي شقة حمزة السيوفي؟"
أومأت له ليقول:
"أنا طارق الشاذلي صاحبه."
هزت رأسها دون قول شيء ليتقدم خطوة إلى الداخل، أشارت له سيرين بعدها إلى الممر حيث غرفة حمزة لتدخل إلى المطبخ وتعد له القهوة.
دخل طارق بابتسامة:
"حمزة ألف سلامة عليك."
قال حمزة باقتضاب بعد أن شعر بالضيق من نفسه لأنه تعصب عليها بدون سبب بتلك الطريقة:
"الله يسلمك يا طارق."
جلس طارق وبدأ بالتحدث إلى حمزة حيث إنه المهندس المسؤول عن المباني الخاصة بمصنعه.
دخلت تحمل القهوة التي طلبها بجبين مقطب ليترك حمزة الأوراق من يده ويتطلع إليها بينما تعض على شفتيها وتقطب جبينها بتلك الطريقة كالأطفال ليشعر بالغضب من نفسه فلم يكن ينتوي أن يضايقها ولكن ما حدث جعله يفقد أعصابه.
قال وهو ينظر إليها بينما تضع القهوة بجواره:
"متشكر."
لم تقل شيئًا حينما شكرها لتتوجه إلى الخارج بينما لم ترَ نظرات طارق إليها الذي تساءل عن هوية تلك الفتاة الجميلة... حمحم وعاد ينظر إلى حمزة ويكمل حديثه.
فتحت سيرين الباب لزين الذي دخل يحمل تلك الأكياس الكثيرة... ليقول لها بأنفاس لاهثة:
"خدي مني كده الحاجات دي وشوفي لو في حاجة ناقصة."
نظرت إليه ببرود:
"وأنا مالي؟"
تركته وسحبت تلك الأدوية ودخلت إلى غرفة حمزة على مضض فقد حان موعد دوائه ليزفر زين بغيظ وهو يقول:
"إيه البنت دي... مستفزة! الله يكون في عونك يا حمزة والله أنت المفروض اللي تقتلها مش هي."
نظر إليها حمزة حينما دخلت إلى الغرفة قائلة باقتضاب:
"الدوا."
توجهت إلى جوار فراشه ووضعت بيده تلك الحبات من الدواء ليتطلع طارق إليها مجددًا وقد أولته ظهرها ووقفت بجوار حمزة.
اتجهت سيرين لتحضر له الماء من تلك الثلاجة الصغيرة بجانب الغرفة دون أن تدري بتلك العيون التي توجهت إليها وقد اختطفه جمالها البريء بخصلات شعرها السوداء الثائرة حول وجهها الجميل وجسدها الممشوق بينما تنحني بخفة تحضر الماء وقد ظهرت ساقاها البيضاء حينما ارتفع ثوبها إلى ركبتها.
شهق طارق بقوة حينما أمسك حمزة بتلابيبه بعنف ما إن لمح نظراته إليها:
"أنت بتعمل إيه يا حيوان؟"
حاول طارق التحدث من بين قبضة حمزة الذي زمجر به بعنف:
"أنت عارف اللي بصيت لها تبقى مين؟"
هزه حمزة بعنف وسدد لكمة قوية لوجهه:
"تبقي مراتي يا ابن الـ..."
تراجعت إلى زاوية الغرفة متفاجئة بما يحدث، بينما أسرع زين إلى الغرفة على أصواتهما ليحول بينهما، حيث احتدم غضب حمزة بينما يقول طارق بدفاع:
"مكنتش أعرف يا حمزة..."
خلصه زين من يد حمزة الذي لم يهتم لجرحه، ووجد تلك النيران تتصاعد برأسه حينما رأى طارق ينظر إليها بتلك الطريقة. سحب زين طارق خارج الغرفة لتتفاجأ سيرين بحمزة يقوم من فراشه ويتجه إليها حيث كانت واقفة بزاوية الغرفة تستوعب ما يحدث. توقف أمامها هادرًا بغضب وهو يمسك ذراعها:
"أنتي إزاي توطي كدة وفي راجل تاني في الأوضة؟"
حاولت التحدث، ولكنه لم يعطها فرصة ليهزها بقوة:
"مش شايفاه بيبصلك إزاي؟"
هزت رأسها وحاولت تخليص ذراعها من يده:
"أوعي سيب إيدي..."
ترك يدها وهتف بتحذير شرس:
"روحي أوضتك وطول ما في حد عندي متخرجيش منها فاهمة؟"
تنفست بغضب، ولكنها لا تعرف لماذا لم يخرج صوتها بعد ما حدث والذي قلب كيانها. أيغار عليها؟
دخل زين إليه بعد انصراف طارق الذي قال بدفاع عن نفسه:
"والله ما أعرف يا زين إنها مراته، فكرتها ممرضة، مش هبص لمرات صاحبي يعني."
قال زين:
"طيب امشي دلوقتي وأنا هفهمه."
قال زين لحمزة الذي احتقن وجهه بغضب:
"اهدى بقي يا حمزة."
أخرج حمزة سيجارة من علبته ووضعها بين شفتيه، ليقول زين برفض:
"أنت بتعمل إيه؟ ما ينفعش تدخن وأنت تعبان، مش كفاية اللي عملته، تلاقي الغرز اتفتحت دلوقتي."
قال حمزة بغلظة:
"زييين... بس عشان أنا مش طايق نفسي."
قال زين بجبين مقطب:
"في إيه يا حمزة، اهدى يا أخي، ما حصلش حاجة."
نظر إليه حمزة باستنكار غاضب لتفلت الكلمات من زين:
"اللي يشوف كدة يقول غيران عليها."
زجره حمزة بغضب:
"دي مراتي."
قال زين بهدوء:
"وهو قال ما كانش يعرف واتأسف خلاص بقي."
ضرب حمزة الطاولة بقبضته:
"زييين... ما تعصبنيش بدل ما أخلص عليه."
"يا حمزة خلاص بقي اهدى، على الأقل عشان جرحك."
قطعت غرفتها ذهابًا وإيابًا وعقلها يكاد يفقد صوابه مما يحدث. لتتابع الأحداث لرأسها منذ أن قابلته أول مرة إلى أن فعل فعلته، إلى همسه واعتذاره، طعنتها له، تقبله لما حدث، كلامه لها هذا الصباح، وما حدث قبل قليل وضربه لصديقه لأنه نظر إليها. ماذا يحدث ليس له بل لها؟ لقد قلب هذا الرجل كيانها بتصرفاته المتناقضة، فهو يكرهها ويريد أن ينتقم منها فلماذا إذن فعل ما فعله قبل قليل والذي يدل على غيرته؟!
تعالى رنين الجرس لتهز قدماها بعصبية مقررة ألا تخرج من غرفتها، لتتبرطم:
"أبقى شوف شغالة تفتحلك الباب، مش أنت مش عاوزني أطلع، أنا هوريك."
تعالت تلك الأصوات الآتية من غرفته لتقوم على أطراف أصابعها وتتسلل إلى جوار الباب تستمع لهذا النقاش الذي يدور باحتدام بين حمزة وخاله وجده.
قال شريف:
"يا حمزة إحنا قلبنا عليك."
قال حمزة بنبرة قاطعة:
"مش عاوز حد يتدخل في حياتي."
"إحنا مش حد يا حمزة، إحنا عيلتك يا ابني."
قال حمزة بسخرية مريرة:
"عيلتي اللي أمي ماتت مقهورة بسببكم، واللي أبويا عاش عمره كله منبوذ منكم وبيشتغل ليل نهار زي الثور في الساقية عشان يثبت ليكم إنه مش طمعان في فلوسكم اللي عاوزيني أخدها دلوقتي."
استعرت عيون عبد الحميد بالغضب بينما قال شريف بتعقل:
"ده حقك يا حمزة."
أشاح حمزة بوجهه:
"حقي أخدته خلاص من الأرض، مش عاوز حاجة تانية."
هتف عبد الحميد بامتعاض:
"وأنا مش هقف أتفرج عليك وأنت بتتسجن تاني."
قال حمزة بكبرياء:
"أتسجن ولا أموت مش عاوز شفقة من حد."
قال شريف:
"يا حمزة بطل عناد، شفقة إيه بس، يا ابني إحنا عيلتك ولازم نقف جنبك."
هز رأسه:
"لا مش عاوز حد منكم يقف جنبي."
هتف عبد الحميد بغضب:
"وآخرة عنادك؟"
قال حمزة ببرود:
"ما لوش آخر."
زم عبد الحميد شفتيه بغضب يطالع حمزة لحظة قبل أن يقول:
"وأنا كمان أعند منك، اعمل اللي أنت عاوزه وأنا كمان هعمل اللي أنا عاوزه."
خرج عبد الحميد وخلفه شريف صافقًا الباب خلفه بعنف، ليقول زين بعتاب:
"ليه بس كدة يا حمزة؟ هما خايفين عليك."
قال حمزة بنبرة قاطعة:
"أنت ما تعرفش هما عملوا إيه في أبويا لغاية ما أمي ماتت بحسرتها، زين اقفل الموضوع ده أحسن."
تنهد زين بحيرة:
"طيب هنعمل إيه؟ بكرة ميعادنا مع مدير البنك لو القرض ده اترفض هنعمل إيه وقتها؟"
زفر بحدة:
"هشوف يا زين، هشوف."
قال زين:
"طيب قول لي بتفكر في إيه؟"
فرم وجهه بعصبية:
"لسه ما فكرتش في حاجة، سيبني يا زين دلوقتي وأنا هبقى أكلمك."
خرج زين وتركه ليخرج إلى الشرفة يدخن بشراهة.
فركت سيرين يدها تفكر بكل هذا الكلام ليتغلغل بداخلها شعور بالشفقة عليه، فكل هذا الكم من المشاكل بسبب ثقته بزوجته!؟
جالت صورة سيدرا بتفكيرها لتتذكر كيف قهرت نادية أمها قبل سنوات حينما تزوجت بأبيها وبسبب طمعها تركته وتزوجت بآخر لينقهر أبيها. تذكرت الكثير من مواقف تلك الفتاة معها وتعاليها عليها كونها زوجة حمزة السيوفي. إن خرجت من كونها سيرين التي تعرضت للظلم على يده، سترى أنه مظلوم وجريح ليس أبدًا ظالمًا!
سحبت نفسًا عميقًا ثم بتردد دخلت إلى غرفته تحمل العشاء. كان يوليها ظهره وهو واقف إلى الشرفة لتتأمله قليلًا ببعض الشفقة بينما يحترق مثل سيجارته.
نظرت إلى الأوراق المبعثرة فوق الفراش لتجذب انتباهها. قلبت بهم وقد تركزت بإذنها كلمات زين عن حاجته لهذا القرض والذي سيكون سببًا لوقف خسائره وبداية جديدة. عاد حمزة من الشرفة ليجدها تنظر بتركيز لتلك الأوراق. عصفت الظنون برأسه بينما وجد أوراقه بيدها ليقول بنبرة حادة:
"أنتي بتعملي إيه؟"
تجاهلت نبرته ليتحدث لسانها بالفكرة التي جالت برأسها والتي ستجعله يحصل على القرض بطريق غير مباشر لتكمل:
"كدة الشركة هي اللي هتسدد للبنك وأنت هتسدد للشركة بعد سنة ومن غير الفايدة العالية اللي أنت طارحها، وكمان أي مشكلة شركة التوريدات هي اللي هتبقى مسئولة عنها مش أنت."
نظر إليها مطولًا لا يصدق أنها من تقدم له حلًا بهذا الذكاء، فبلا وعي انتقلت الكلمات السامة من بين شفتيه وقد أرعبه ذكاؤها الحاد لتلعب به الظنون:
"ودي خطة جديدة!"
احتقن وجهها مما نطق به لتقطب جبينها وقد شعرت أنها تلقت صفعة قوية منه بعد أن كانت نيتها صافية لمساعدته ولكنه لا يستحق. رشقته بنظراتها المحتقرة وألقت الأوراق بوجهه وغادرت صافقة الباب خلفها بعنف.
زفر حمزة بغضب وركل الطاولة بغضب. لماذا لذعها بسم لسانه؟ ولماذا يثق بها أصلًا؟ لماذا احترق من نظرات طارق لها؟ لماذا أحب قربها؟ لماذا يريد قتل أبيها والالتصاق به وبنفس الوقت يريدها أن تكون بالقرب منه؟ لماذا لا تفارق تلك الليلة خياله؟ لماذا يشعر بتأنيب الضمير بتلك الطريقة ولماذا يكون أحمق للمرة الثانية ويثق بامرأة؟ عصفت الظنون بكيانه حتى الصباح.
قام من مكانه بصعوبة ودخل للاستحمام بصعوبة أكبر فقد آلمه جرحه بشدة. أحاط خصره بالمنشفة ونزع تلك الضمادة المبللة عن صدره العاري ليعض على شفتيه بألم كتمه بداخله وتوجه إلى المطبخ يبحث عن أحد المسكنات.
قطبت سيرين جبينها حينما استمعت لتلك الأصوات الآتية من المطبخ لتتوجه لترى ما يحدث. كان حمزة يعبث بالأدوية ليجد إحدى علب المسكنات وبعض الضمادات.
شهقت حينما اصطدمت به بينما كان يخرج وهي تدخل إلى المطبخ. ارتدت إلى الخلف لتشعر بيداه تمسك بها سريعًا فتجد نفسها أمام عضلات صدره العاري لتقفز الحمرة إلى وجهها وتتبعثر دقات قلبها بينما يعجز لسانها عن النطق خجلًا. انحنت سريعًا لتجلب له الأدوية التي أوقعها لينحني هو بنفس الوقت فتصطدم رأسها برأسه. اااه، تألمت.
وضع يده بسرعة على جبينها يتفحصه لتجفل أسفل لمسة يده فتبعد يداه عنها بحدة:
"ما تلمسنيش."
ضحك لا يعرف لماذا ولكنها لا تتردد لحظة في إخراج لسانها. اعتدلت واقفة وحاولت النظر إليه بشرر ولكن دون إرادتها شعرت بالشفقة عليه وهو يبتلع تلك الحبوب ويضع يداه بألم على جرحه ليخونها لسانها:
"أنت كويس؟"
هز رأسه وسار بضع خطوات لغرفته قبل أن يلتفت إليها:
"ممكن تساعديني؟"
ترددت لحظة ولكنها هزت رأسها.
لعنت موافقتها فلم تكن تعرف نوع المساعدة التي طلبها لتجد نفسها بهذا القرب منه ويداها على صدره العاري تضع له تلك الضمادة الجديدة.
رفعت حاجبها باستنكار حينما مد يداه إليها بالقميص:
"نعم؟"
حاول إخفاء العبث بعيناه بينما لا يعرف لماذا لا يستطيع مقاومة تلك الرغبة المندلعة بعروقه باستنشاق رائحتها وضمها إليه، ليقول ببراءة:
"مش هعرف ألبس."
جذبت القميص من يده بعنف وتوجهت إليه لتقف خلفه بينما لم تكد تظهر من خلف قامته المديدة. ازدادت حرارة جسده بينما لامست يداها جسده لتغمض سيرين عيناها وتعض على شفتيها بينما توقف أمامه تغلق له أزرار قميصه. ماذا يوجد بتلك الفتاة ويجذبه لتلك الدرجة التي يعجز فيها عن فهم نفسه فبمجرد وقوفها أمامه ينسى كل شيء عن من تكون أو من هو؟ يا إلهي سيفقد صوابه إن لم يعتق أسر شفتيها التي تعض عليها بتلك الطريقة التي تثير جنونه. أغمض عيناه وابتلع لعابه يجاهد نفسه لتنتهي سيرين سريعًا من إغلاق أزرار قميصه وتخرج دون قول شيء.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السابع 7 - بقلم رونا فؤاد
ماذا يوجد بتلك الفتاة ويجذبه لتلك الدرجة التي يعجز فيها عن فهم نفسه، فبمجرد وقوفها أمامه ينسى كل شيء عن من تكون أو من هو؟ يا إلهي سيفقد صوابه إن لم يعتق أسر شفتيها التي تعض عليها بتلك الطريقة التي تثير جنونه. أغمض عينيه وابتلع لعابه يجاهد نفسه لتنتهي سيرين سريعًا من إغلاق أزرار قميصه وتخرج دون قول شيء.
قطّب إياد جبينه قائلًا لخالته:
"كلمتك؟"
هزت هدى رأسها وهي تبكي:
"آه... كانت بتقولي إنها كويسة بس أنا قلبي مش مطمن."
بكت بحرقة لتربت هناء على كتفها قائلة:
"اهدي يا حبيبتي وإن شاء الله هترجع بالسلامة."
قالت هدى بوجع قلب:
"هموت يا هناء... منهم لله... بنتي ضاعت بسببهم."
حك إياد فكه قائلًا بغضب:
"وبعدين هنفضل مكاننا كده وسايبين سيرين في إيد المجرم ده؟"
التفت إلى هشام الواضع رأسه بين يديه قائلًا:
"إيه يا عمي هتفضل ساكت كده؟"
قال هشام بقلة حيلة:
"وأنا في إيدي إيه أعمله... أديك سمعت الظابط صاحبك قال طول ما هي ما قدمتش بلاغ ما يقدرش يعمل حاجة."
طأطأ هشام رأسه الذي يحترق يفكر ماذا يمكنه أن يفعل ليفدي ابنته. هتف إياد بغضب:
"يبقى نروح له."
نظر إليه هشام ليكمل:
"نروح له ونتكلم معاه... نشوف حل... لازم ناخد سيرين بأي طريقة."
أومأ له هشام ليقول:
"نروح له... نروح له يا إياد."
هتفت هدى ببكاء:
"وهو هيسمعكم... أنت ما شفتوش محروق إزاي من اللي بنت نادية عملته فيه."
غص حلق هشام لتهز هناء رأسها بامتعاض:
"والله عنده حق... أنا لو مكانه أقتلها."
بكت هدى:
"وبنتي ذنبها إيه... ذنبها إيه بس؟"
قال هشام بصوت مختنق:
"ملهاش ذنب... ما حدش له ذنب في عملة سيدرا."
فرك رأسه بقوة وهو يقول:
"أنا هوصلها بأي طريقة... لازم هوصلها."
نظر إلى إياد وأضاف:
"أنا محتاج مساعدتك يا إياد."
هز إياد رأسه:
"طبعًا."
تردد حمزة للمرة الألف وهو يتساءل هل يعمل بفكرتها أم لا يعطي ثقته للمرة الثانية لامرأة، وليست أي امرأة... إنها أخت تلك الحقيرة وابنة ذلك الخسيس. بالرغم من كل الظنون التي جابت برأسه إلا أنه وجد نفسه ما إن أوقف زين السيارة أمام مقر البنك حتى قال:
"زين... خلينا نروح شركة الصاوي الأول."
قطّب زين جبينه بتساؤل ليقول حمزة:
"ما تسألش كتير ويلا عشان ما نتأخرش."
لم زين يفهم شيئًا إلا حينما بدأ حمزة بطرح تلك الفكرة الجديدة والتي رحب بها عزام الصاوي مالك مجموعة الصاوي التي ستقوم باستيراد المعدات اللازمة للمصنع.
ابتسم عزام بسعة ليقول:
"كفاية اسمك يا حمزة بيه وثقتك إن شركتنا تكون الوسيط."
نظر إليه حمزة:
"يعني موافق؟"
أومأ له:
"طبعًا... المكسب بالنسبالي خيالي... ده غير إن الوساطة بينا وبينك وبين الشركة الأجنبية هترفع أسهمنا كتير."
"وإذا كان عليّ فأنا شايف إن تعاملنا مع بعض أفضل والبنك مستحقاته توصله من حساب شركتي بعيد عن اتفاقنا."
لمعت عيون زين ليبتسم حمزة برضا بينما تابع حديثه:
"طالما اتفقنا... يبقى أنا الأسبوع اللي جاي هسافر أتفق مع الشركة الأجنبية."
"وأول دفعة مش هتكون بعد سنة هتكون بعد ست شهور."
أومأ له عزام قائلًا:
"عظيم... هخلي المحامي يجهز العقود."
"وأول ما ترجع من السفر نحدد ميعاد للتوقيع."
نزل زين ليحتضن حمزة بسعادة قائلًا:
"مبروك يا صاحبي."
ابتسم حمزة:
"الله يبارك فيك."
ركب زين السيارة وانطلق بها قائلًا:
"بس إيه الفكرة الممتازة دي... أكيد فكرة عزيز."
هز حمزة رأسه بابتسامة:
"لا."
سأله زين:
"أمال؟"
قال حمزة:
"سيرين."
قال زين بعفوية:
"سيرين مين؟"
رفع حمزة حاجبه ليقول زين بعدم تصديق:
"بتهزر؟!"
هز حمزة رأسه وتابع إخباره بما حدث ليقطب زين جبينه:
"بس ما كانش ليك حق تقولها الكلام ده."
زم حمزة شفتيه قائلًا:
"مش عارف يا زين."
"مش عارف إيه؟"
"أنا لا بقيت عارف ولا فاهم حاجة... كل حاجة متلخبطة أنا مضروب على دماغي ومش شايف ولا فاهم كل حاجة بتحصل ورا بعضها."
أومأ له زين:
"عارف ومقدر بس أنا قلتلك من الأول يا حمزة إن مالهاش ذنب."
"خفت لما لقيتها بالذكاء ده."
قال زين:
"هي فعلًا ذكية."
قال حمزة وهو يزم شفتيه:
"زي أختها وأبوها."
نظر إليه زين قائلًا:
"مصمم تحطها في نفس الكفة معاهم؟"
قال بتهكم:
"وهي تفرق عنهم إيه؟"
قال زين بإقرار:
"بص يا حمزة... لو عاوز رأيي البنت دي مختلفة وفعلًا واضح إن مالهاش ذنب ولا عندها فكرة عن اللي أبوها عمله."
"وإيه اللي مخليك واثق كده؟"
"إحساس... بالرغم من إنها لسانها طويل ومستفزة بس شكلها طيبة ولطيفة."
رفع حمزة حاجبه ليكمل زين بمكر:
"وحلوة..."
زجره حمزة بتحذير:
"اتلم."
ضحك زين ليشيح حمزة بوجهه بعيدًا بينما قال زين:
"حمزة."
قال دون أن ينظر إليه:
"نعم."
قال زين:
"أنت حبيتها؟"
هز حمزة رأسه بسرعة:
"لا طبعًا."
"أمال ليه شايف الغيرة دي في عينيك لما اتكلمت عنها... أنت ما شفتش نفسك لما طارق بص لها كنت عامل إزاي؟"
قال حمزة بانفعال:
"زين... ما تفورش دمي."
"ويلا بقى... أنا تعبت وعاوز أرتاح."
أومأ له زين قائلًا بمشاكسة:
"طيب سؤال كمان يا حموز."
قال حمزة بنفاذ صبر:
"خير."
قال زين بمكر:
"طيب طارق وفهمت... إنما اللي هي عملته فيك... سكت لها ليه؟"
قال حمزة بإقرار:
"عشان أستاهل."
التفت إليه زين باستفهام:
"يعني إيه؟"
قال حمزة بنبرة قاطعة:
"زين خلاص قلت أنا أستاهل."
"أنت عملت فيها إيه؟"
"مش عاوز أتكلم في الموضوع ده."
دخل شريف إلى أبيه قائلًا:
"تمام يا حج نفذت اللي قلت عليه... دفعت مرتبات الموظفين وكمان اتصرفت ليهم مكافأة ومن بكرة كلهم هيرجعوا شغلهم في شركة حمزة... وحطيت وديعة في البنك بمرتبات الموظفين لسنة كاملة هتسدد نفسها تلقائي ووديعة تانية بقيمة تاني دفعة من تمن القرض لو حمزة ما سددش في الميعاد هتتسحب وتتسدد للبنك."
قال عبد الحميد:
"عفارم عليك يا ابني."
هتفت نبيلة بامتعاض لعبد الحميد:
"وأنت كده اطمنت عليه؟"
قال عبد الحميد:
"قصدك إيه؟"
هتفت نبيلة:
"فين حفيدي اللي قلت هترجعه؟"
قال عبد الحميد باستنكار:
"وأنا أعمل إيه... أكسر دماغه وأجيبه غصب عنه يعني؟"
قال نبيلة بانفعال:
"اعمل أي حاجة يا حج... العمر ما بقاش فيه بقية وأنا اتحرمت من أمه مش عاوزة أموت وأنا محرومة منه."
قال شريف:
"بعد الشر عليكي يا أمي بس حمزة عنيد أوي والحج حاول معاه كتير."
"ما ليش صالح... أنا عاوزة حمزة يكون في حضننا ونطمن عليه... نظرت إلى عبد الحميد بعدم رضى وتابعت: أنت السبب يا عبد الحميد إن بنتي تموت بعيدة عني عشان خاطر الفلوس وأنت مسؤول قدامي تعوض ابنها عن اللي عملته."
تجاهلت سيرين نداء حمزة حينما دخل إلى المنزل بينما ظلت جالسة تشاهد التلفاز.
قطّب حمزة جبينه وأسرع إلى غرفتها بلهفة فقد خاف للحظة أن تكون قد نفذت تهديدها وتركت البيت... أخفى ارتياح ملامحه حينما وجدها جالسة على فراشها تتابع التلفاز.
"أنا مش بنادي عليكي؟"
لم تجب عليه وأمسكت بالريموت ترفع صوت التلفاز ليغتاظ حمزة من تجاهلها له فيمسك بالريموت ويغلق التلفاز هاتفًا بحنق:
"هو أنا مش بنادي عليكي؟"
نظرت إليه قائلة ببرود:
"أنت مش قلت ما تخرجيش من الأوضة؟"
رفع حاجبه:
"والله...!!"
"ومن إمتى أنتي بتسمعي الكلام؟"
زفرت بحنق:
"عاوز إيه؟"
اتجه ناحيتها يتطلع إليها وهو يقول:
"تتخيلي نسيت.....!!"
مال ناحيتها لتتراجع بوجهها سريعًا إلى الخلف حينما وجدت وجهه بالقرب منها بينما تركزت عيناه فوق عيونها التي أصبحت تجذبه لأعماق مجهولة:
"لسانك ينسي البني آدم نفسه وأعصابه."
زفرت ونظرت إليه بتحدي:
"نفس تأثير شيء لسانك."
هز كتفه:
"لا وأنا أجي إيه في سيادتك... ما شاء الله كلك على بعضك شبر ونص بس لسانك عشرة متر."
"طالما بقي أنت عارف طوله لساني يبقى اتقي شري ويلا اطلع برا."
رفع حاجبه وابتسامة ملتوية ارتسمت على شفتيه:
"بتطرديني من بيتي؟"
نظرت إليه ببرود:
"اطردني أنت لو مش عاجبك."
زفر قائلًا:
"يا رب الصبر من عندك."
"ما علينا... أنا كنت جاي أقولك شكرًا."
نظرت إليه باستفهام:
"شكرًا؟!"
أومأ لها:
"آه... على فكرتك."
نظرت إليه بشك:
"نفعت؟"
أومأ لها بابتسامة عذبة لتصفق بحماس:
"أيوه بقي يا سيري."
نظر إليها بابتسامة بينما تصفق كطفلة لتنظر إليه وهي تقول بثقة:
"أمال أنت بتتكلم واحدة خريجة سياسة واقتصاد يعني الاقتصاد ده لعبتي... والفكرة دي أقل حاجة عندي."
ابتسم دون إرادته فقد انقلبت طفلة جميلة متحمسة أمامه لينظر إليها وقد اجتذبت نظره خصلات شعرها ليمد يداه يبعدها عن وجهها بينما يقول:
"طيب والهانم خريجة السياسة والاقتصاد بما إنها أنقذت شركتي تطلب إيه؟"
ما هذه النبرة التي يحدثها بها وتدغدغ غرورها ويدللها بها... نظرت إليه ببلاهة لحظة قبل أن تستجمع أفكارها وتقول:
"اعتذر لي."
رفع حاجبه:
"نعم؟!"
هزت كتفها:
"بما إنها مش خطة زي الكلام السخيف اللي قلته لي إمبارح يبقى تتأسف لي."
هز كتفه قائلًا:
"ما أنا قلت لك شكرًا."
هزت رأسها بإصرار:
"آسف."
هز رأسه قائلًا:
"لا."
ضيقت عيناها تطالعه بغيظ ليمد يداه تجاه وجنتها التي أصبح انتفاخها غضبًا هوايته ليقول:
"بس ممكن تروحي تفتحي الباب."
"ليه؟"
هز كتفه:
"افتحي وأنتي تشوفي."
أسرعت لتفتح الباب لتتناول تلك العلبة الكبيرة التي أحضرها التوصيل لتسرع تضعها على الطاولة وتفتحها بحماس بينما قال:
"ما أعتقدش هتقاوميها."
لم يكذب حينما انهارت مقاومتها واتسعت ابتسامتها أمام قالب الحلوى الرهيب الذي تتفجر منه الشوكولاتة الشهية من هذا المحل الشهير... نظرت إليه ليهز كتفه... فهي كأي فتاة صغيرة لا تصمد أمام الشوكولاتة... تركها تستمتع بتناولها وذهب إلى غرفته ليتمدد على فراشه يتساءل عن أي منحدر وضع قدمه منذ أن رأى تلك الفتاة التي ينزلق بالمجهول معها... إنه حقًا لا يعرف ماذا يحدث... أمامها يكون حمزة ذلك العشريني الذي يتطلع لحورية جميلة يريد أن يخطفها... أما حينما يعود لنفسه يعود ذلك الرجل الثلاثيني المخدوع والمحترق بلهيب الانتقام من عائلتها.
تسحبت في المساء على أطراف أصابعها واتجهت إلى غرفته لتأخذ الهاتف وتخرج متسللة... طلبت رقم والدتها التي لم تجف دموعها.
"يا ماما يا حبيبتي أنا كويسة... عشان خاطري بلاش عياط."
"عمل فيكي إيه يا نور عيني؟"
عضت على شفتيها وكتمت غصة حلقها وهي تقول:
"ما عملش حاجة يا ماما."
"أنتي بتكدبي عليّ."
"لا يا ماما... أنا كويسة أوي."
"هاتي بابا أكلمه."
قال هشام بصوت مختنق:
"سيرين يا بنتي عاملة إيه؟"
"بابا اطمن أنا كويسة."
"سامحيني يا سيرين أنا السبب في كل ده... يا ريته قتلني أنا."
"بعد الشر عليك يا بابا."
"الشر كله بسبب سيدرا اللي أنا ما عرفتش أربيها."
"بلاش تلوم نفسك يا بابا أنت ما لكش ذنب."
ابتلعت كلماتها حينما تفاجأت بحمزة واقفًا أمامها لتقول:
"بابا اطمن أنا كويسة وخد بالك من ماما."
أغلقت الهاتف لينظر إليها حمزة مليًا قبل أن يقول بسخرية:
"ما لوش ذنب...!"
رفعت عيناها نحوه:
"على فكرة أنت ظالمه."
التوت شفتاه بتهكم:
"ظالمه؟!"
أومأت له:
"أيوه زي ما ظلمتني... نظرت إليه لتستغل هدوءه وتتحدث: مش معنى إن سيدرا عملت كده يبقى بابا شريكها."
تشجنت ملامحه لذكر اسمها لتقول بهدوء:
"ممكن تسمعني... أنا آه... أخت سيدرا بس إحنا تقريبًا ما فيش بينا أي علاقة."
"أنت تعرفها بقى لك كام سنة عمرك سمعتها بتتكلم عني... اتعرفت عليّ إني أختها قبل كده أو حتى شفتني معاها... إحنا علاقتنا شبه معدومة."
وعلاقتها ببابا كانت كدة سنين من وقت ما طلق مامتها، وما رجعتش تكلمه إلا عشانك.
نظر إليها وهو يغالب اشتعال أعصابه لمجرد سماع أي حديث عنها، لتردف سيرين:
من سنتين كانت سيدرا أورجنايزر في حفلة الشركة السنوية بتاعتك. ويومها أول مرة من سنين ألاقي بابا بيتكلم عنها. قابلها في الحفلة، وهي لما شافت علاقة بابا بيك، راحت استغلت مشاعر بابا، وأنها بنته اللي بقى لها سنين بعيدة عنه، ولعبت على الوتر ده. كل شوية تروح له الشركة، وهو مش فاهم إنها بتعمل كدة عشان حطت عينيها عليك. ومن وقتها، وهي رجعت تكلمه وتقرب منه. ما أعرفش إيه اللي حصل، بس هي قربت منه عشانك، وفعلاً كام شهر واتجوزتها.
بابا بقى يعرف منين إنها بتعمل كدة وبتقرب منه عشان ثروتك؟
هزت كتفها وتابعت:
أنت بتقول بابا ساعدها. طيب هي بنته، وقالت له جوزها في المستشفى وعاوزة تتابع شغله. يعرف منين إنها بتعمل كدة عشان تسرقكم؟ حرام عليك بابا ما لهوش ذنب تحمله ذنب إنه وثق فيها زي ما أنت وثقت فيها.
ارتسمت ابتسامة متهكمة على جانب شفتيه لسذاجتها، بينما قال:
ده إيه الخيال الواسع ده؟
اندفعت الحمرة لوجهها الغاضب، بينما تابع:
ياريت خيال يتصدق.
نظر لعيونها وأكمل:
ولما هشام ملاك بجناحات، مين اللي زور الحسابات للمستثمرين؟
عضت على شفتيها بتعلثم:
يمكن حد تاني ساعدها.
ارتفع جانب شفتيه بابتسامة واثقة:
ومين زور ورق الضرايب اللي هو اداهولي بإيده؟ واحد عشر سنين بيشتغل معايا أنا وأبويا ما يعرفش إقرار ضريبي مزور من أصلي.
ارتسمت ساحة من التعبيرات على وجهها جعلته يشفق عليها، فهي ذكية وليست بحاجة لأكثر من هذا لتفهم، ليقترب منها ويتابع:
سيرين أنا ممكن أعترف إني ظلمتك، وإن جايز أنتِ مش شبه أختك ولا أبوكي، بس هبقى مغفل لتاني مرة لو صدقت اللي أنتِ عاوزة تقوليه ليا. هشام بكل اللغات خاين وغدار وحرامي.
هبت واقفة بغضب:
اتكلم عن أبويا باحترام.
قال بغضب:
أبوكي ما يستحقش ذرة احترام.
احتقن وجهها وقذفته بنيران غضبها:
أنت كذاب وحيوان.
هب واقفًا وهتف بها بعصبية:
وأنتِ قليلة الأدب ولسانك طويل.
أمسك ذراعها بقوة وتابع بانفعال:
أنا زهقت من الكلام معاكي. اسمعي بقى. لو في حاجة أنا غلطت فيها، هي إني أخدتك بذنبهم. بس أختك دي بنت كذا وكذا، وأبوكي حرامي، ومصيري أثبت ده وأرميه في السجن، وهي هشرب من دمها. دي الحقيقة اللي لازم تعرفيها.
نزعت ذراعها من يده ومنعت دموعها من الانزلاق، وهي تهتف:
احترم نفسك.
: يبقى بلاش تطولي لسانك واتكلمي معايا بأدب، وما تنسيش إني جوزك.
نظرت إليه بحقد:
أنت ولا حاجة.
زمجر بانفعال:
سيرين!
دفعته بصدره:
ما تنطقش اسمي على لسانك، ويكون في علمك أنا الصبح ماشية من هنا، وأنت هتطلقني فاهم؟
أمسك بذراعها ما إن همت بالانصراف:
استني هنا، رايحة فين؟
نزعت ذراعها من يده:
رايحة في داهية بعيد عن واحد زيك.
صاح بحدة وهو يمسك بيدها:
قلت لك لمي لسانك، وانسى كل اللي بتقوليه ده. ما فيش مشيان من هنا.
قالت بإصرار فولاذي:
لا. في.
قال بإصرار أكبر:
قلت ما فيش، ولو رجلك عتبت برا البيت هكسرها لك.
قالت بتحدي:
اعمل اللي تعمله.
نظرت بعينيه وتابعت:
مش أنا بنت الحرامي؟
نظر لعيونها بتحدي غاضب:
آه.
كتمت غصة حلقها لصورتها بعينيه التي يرفض تغييرها لتقول:
يبقى تطلقني.
اندفع قائلًا:
لا.
واجهته بتحدي:
ليه؟
أشاح بوجهه قائلًا بعصبية:
من غير ليه. اللي حصل بينا مش لعبة، وخلاص ما ينفعش أطلقك.
لكمته بصدره بغيظ وحنق، واندفعت الدموع لعيونها:
اللي حصل ده غلطتك أنت لوحدك. أنت عملت كدة غصب عني يا حيوان.
هتف بحدة وقد أفلتت أعصابه من تأنيبها له:
وخلاص قلت لك هتحمل نتيجة اللي عملته، واللي أنتِ استفزتيني وخلتيني أعمله.
قالت بهياج:
مش عاوزاك تتحمل نتيجة حاجة. ومالكش دعوة بيا. دي مشكلتي أنا. ما تعملش نفسك شهم وأنت أصلاً بتكرهني، وأنا كمان بكرهك ومش طايقة أبص في وشك. روح دور عليها وخد حقك منها بعيد عني. أنا ماشية ودلوقتي.
أسرع ليمسك بذراعها بقوة:
قلت ما فيش مشيان، وما تخلنيش أفقد أعصابي.
خانتها دموعها لتهتف به بانهيار:
حرام عليك كفاية بقى. ما ينفعش تجبرني على إني أعيش معاك وأنت شايل لأبويا كل ده. عمر ما يكون في أي حاجة تجمعنا، سيبيني بقى وكفاية اللي عملته.
رفعت إليه عيناها بتعب وهي تكمل برجاء:
لو سمحت كفاية بقى ارحمني. لو عاوز تكفر عن ذنبك سيبيني.
شهر مضى وما زالت كلماتها تتردد بأذنه. شهر وما زال يشعر بنفس السكاكين تخترق صدره المتمزق بالذنب. لقد تركها! تركها ولم يستطع أن يتابع بعد ما نطقت به. عاد من سفره الذي دام لشهر لتداهم ذاكرته ذكريات تلك الليلة التي انهارت بها أمامه لأول مرة حينما دخل البيت ولم يجدها به، ليشعر بوحشة فظيعة لا يعرف سببها إن كان ما يزال يشعر بنفس الاحتراق والتعطش للانتقام من أبيها وأختها.
ترك حقائبه مكانها وأسرع يغادر المنزل، لا يستطيع المكوث به مع تلك الذكريات.
نزل زين إليه أسفل منزله:
حمزة، ما طلعتش ليه؟
: لا، ما فيش داعي. أنا بس قلت نخرج نسهر.
قال زين بابتسامة:
أكيد. يلا أهو نحتفل إنك مضيت العقود.
ابتسم حمزة بزيف فهو ليس سعيدًا إطلاقًا، ولا يريد الاعتراف أن غيابها هو السبب.
شهقت سلمى ووضعت يدها على فمها بينما تهز سيرين رأسها بهستيريا وهي تمسك بنتيجة هذا الاختبار:
لا. لا مش ممكن أكون حامل.
شهر وهي تحاول أن تنساه وتحتقره ولا تستطيع. شهر وهي تقنع نفسها أن ما مضى قد مضى، لتتفاجأ بهذا الخيط الذي يربطها به.
نظرت هدى إلى وجه سيرين الشاحب لدى عودتها من الخارج برفقة ابنة خالتها سلمى لتسألها:
مالك يا سيرين؟
: ما فيش يا ماما.
نظرت إليها هدى بقلق بينما تسرع إلى غرفتها وهي كما هي منذ عودتها ترفض الحديث عن أي شيء.
نظرت سلمى إليها بشك بينما اتخذت هذا القرار:
بس يا سيرين!
قالت بغصة حلق:
ما فيش بس يا سلمى. أنا أخدت قراري هنزله.
توقف إياد أسفل منزلها بينما ينظر بساعته كل دقيقة والأخرى لتنزل بوجه خالٍ من التعبيرات.
نظرت إليه سلمى من خلال مرآة السيارة:
إياد قولها حاجة.
هز رأسه:
ما فيش حاجة تتقال يا سلمى. اللي هتعمله هو الصح.
زفرت سلمى واستغفرت وهي تشيح بوجهها، بينما ملامحها غير راضية على ما ستفعله سيرين، والذي يساعدها به إياد بعد أن بحث لها عن هذا الطبيب الذي سيجري لها تلك العملية.
قاد إياد طوال الطريق وعيناه على سيرين المتجهمة، وهو لا يدري إن كان ما يفعله صحيحًا أو لا، ولكنه لا يريد لها أن تكون بين يد هذا الرجل مرة أخرى بعد أن علم أنه اختطفها منه بل وحامل منه.
قبض حمزة بيديه على المقود بغضب مكتوم حينما وجدها تركب السيارة برفقة ذلك الرجل. إنها ما تزال زوجته، ومع ذلك هاهي تستغفله! ومن يعلم ماذا حدث بهذا الشهر الذي لم يكن متواجدًا به لتضرب الظنون رأسه من جديد وتغرقها بها.
اندلعت نيران رجولته بدمائه حينما توقف إياد أسفل تلك العمارة ووجدها تصعد معه وحدها بعد أن رفضت سلمى أن تتواجد معهم رفضًا منها على هذا الذنب الذي ستفعله سيرين.
دقائق كانت هي قدرة احتماله لينزل من سيارته صافقًا الباب خلفه بعنف ويندفع خلفهم.
ترتجف كورقة شجر في مهب الرياح بينما تخطو إلى تلك الغرفة المليئة بتلك المعدات المرعبة.
نظر إليها ذلك الطبيب قائلًا:
ما تقلقيش، نص ساعة وكل حاجة تخلص.
أشار لإياد:
اتفضل أنت.
تجاهلت تهكم شفاه الطبيب وهو يحقنها بذلك المخدر، فهي كأخرى أخطأت وقد ظن إياد هو عشيقها ربما. لا يهم أي شيء إلا أن تتخلص من هذا الجنين الذي سيذكرها بتلك الليلة للأبد.
أمسك حمزة بتلابيب ذلك الحارس هادرًا به:
طلعوا فين؟ انطق.
قال الحارس بارتجاف:
عند دكتور مجدي. أول دور.
انتفضت تلك المرأة الغريبة الشكل وتراجعت للخلف بينما اقتحم حمزة الباب بوجهه شرس ينظر في الوجوه أمامه لتستقر عيناه على إياد ليندفع ناحيته يمسك بتلابيبه:
هي فين؟ انطق بدل ما أخلص عليك.
حاول إياد الاشتباك معه ليلكمه حمزة بقوة جعلت الدماء تنبثق من أنفه لتقول الممرضة بذعر:
في الأوضة دي.
اقتحم حمزة الغرفة بعيون تطلق شررًا ليتراجع الطبيب إلى الخلف بعيدًا عن سيرين التي بدأ مفعول المخدر يسري بدمائها. أمسك حمزة بتلابيبه مزمجرًا وقد احتقنت الدماء برأسه وهو يراها متمددة فوق ذلك الفراش:
إيه اللي بيحصل؟
قال الطبيب برعب وهو يحاول تخليص نفسه من قبضة حمزة:
هي، هي عاوزة تنزل الحمل أنا، أنا ما ليش دعوة. أنا بساعدها.
لكمه بقوة لا يستوعب ما نطق به لتجاهد سيرين للبقاء على وعيها، ولكن آخر ما رأته هو تلك اللكمات التي سددها حمزة للطبيب وألقاه أرضًا وتبعه تحطيم المكان، لترى نظرة عينيه المرعبة وهو يتجه نحوها:
بقى كنتِ عاوزة تموتي ابني!
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثامن 8 - بقلم رونا فؤاد
كالوحش الضاري، كان حمزة يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا، يتطلع إليها كل لحظة والأخرى، بينما ما زالت سيرين تحت تأثير المخدر منذ أن حملها وخرج بها من تلك العيادة، والشياطين تتراقص أمام عينيه.
لا يزال لا يستوعب ما حدث... إنها حامل! وحينما يعرف حقيقة صادمة كتلك، يعرفها بصدمة أكبر وهي أنها كانت قاب قوسين من التخلص من ذلك الحمل ببساطة، وليس كأنه روح. نظر إليها بعيون محتقنة يريد الفتك بها، فهي كانت ستقتل طفله بدم بارد لولا وصوله إليها.
اتجه ناحيتها باندفاع يريد أن يوقظها ليصب عليها جام غضبه الحارق، فمن أين أتت لها الجرأة لتقتل طفله دون أن يعرف به! حتى وإن كان حدث نتيجة ما فعل، لا يحق لها أبدًا أن تقوم بشيء كهذا، وفي النهاية هي زوجته وما حدث حقه، وإن كان أخطأ في أخذه إلا أنها زوجته. كور قبضته وضربها بالجدار وأغمض عينيه بقوة، فهي ضحية هي الأخرى، وبعد أن كان يريد الفتك بها أصبح يريد أن يعتذر لها.
دار حول نفسه مرات ومرات يتساءل:
ماذا فعل ليحدث له كل هذا؟ لماذا عليه أن يتعذب كل هذا العذاب؟ لماذا تسبب بهذا الوجع لها وظلمها وظلم نفسه أيضًا بتلك الطريقة؟ فرك وجهه بانفعال فلم يعد يدري ماذا يمكنه أن يفعل. لقد حاول نسيانها ووجد نفسه يذهب إلى منزلها ليتفاجأ بتلك الكارثة التي مؤكد أن القدر ساقه إلى هناك، لأنه يريد أن يكشف له هذا الخيط الذي يجمعهم مرة أخرى.
نظر إليها بينما احتضن الشحوب وجهها ليردد لنفسه للمرة الألف بعدم تصديق: حامل! حامل بطفل منه نتيجة تلك الليلة التي لن تنساها أبدًا... لا... لا... سيُشت عقله!
***
فرك هشام يديه بقلق فقد تأخر الوقت ولم تعد سيرين، ليتصل على هاتفها مجددًا لينظر إليه حمزة الذي أخرجه من جيبها بغل قبل أن يلقيه ويحطمه بالحائط ما إن رأى اسم هشام.
أمسكت سلمى بيد إياد توقفه، ولكنه سحب يديه من يدها وأسرع ليقف أمام هشام هاتفًا بحقد:
"أهو أخذ بنتك تاني... شوف هترجعها إزاي المرة دي."
بوغتت ملامح هشام، لترتجف أوصال هدى التي قالت بصدمة:
"أخذها... مين أخذ بنتي؟"
قال إياد بغضب يشتعل من بين وجهه المتورم:
"اللي اسمه حمزة..."
أشار لهشام باتهام:
"أنت مش بقالك شهر بتحاول توصل لبنتك التانية عشان تنقذه من السجن لما ساب سيرين ترجع... أهو كان سايبها وهي حامل عشان عارف إنها هترجع له تاني!"
زجرته سلمى حينما انهارت هدى بصدمة:
"أنت حيوان... إزاي تقول كدة؟"
ردد هشام بلسان ثقيل:
"حامل!"
هز إياد رأسه بغل وحقد:
"آه حامل منه! الحيوان اغتصبها."
أسرع يغادر بخطوات غاضبة تحرق الأرض أسفل قدمه، بينما أسرعت سلمى تجاه خالتها التي انهارت باكية تردد:
"حامل!"
وضع هشام وجهه بين كفيه بخزي يهز رأسه بأسى، فهو من تسبب بهذا! لقد كانت عاقبة الطمع فقدان كل شيء لديه، ليته لم يستمع لكلام تلك الحية السامة، ليتذكر ذلك اليوم الذي نصبت شباكها حوله.
"بابا أنت شايف حالة حمزة... الحادثة كبيرة أوي والدكاترة بتقول احتمال ما يقومش منها."
قال أبيها بمواساة:
"بعد الشر عليه يا بنتي إن شاء الله يقوم بالسلامة."
قالت بجمود لا يناسب حالة امرأة تكاد تفقد زوجها:
"ولو ما قامش منها يا بابا... أعمل إيه أنا ساعتها؟"
قطب هشام جبينه لتتابع بخبث:
"يا بابا لو حمزة حصل له حاجة أنا هأضيع... كل حاجة هتروح مني."
ربت هشام على كتفها ليتفاجأ بها تكمل:
"عيلة حمزة اللي في الصعيد هتورث كل حاجة وأنا هأطلع من غير أي حاجة."
"يا سيدرا إيه الكلام ده... أنتِ إزاي تفكري كدة؟"
قاطعته:
"لازم أفكر كدة يا بابا... مش وقت عواطف خالص... يرضيك يا بابا بعد العيشة اللي اتعودت عليها أطلع من المولد بلا حمص؟"
بدأت سريعًا في نفث سمومها:
"بص يا بابا أنا مش هأعرف حاليًا أقنع حمزة يكتب ليا أي حاجة في ثروته عشان ممكن يفهمني غلط ويفكر إني طمعانة فيه... وكمان اللي اسمه زين ده لازق لحمزة ومش بيطيقني ووقتها هيقنعه إني طماعة في حين إني خايفة على مستقبلي... أنا عاوزاك تساعدني يا بابا وتقف جنبي وتعرفني كل حاجة في حسابات الشركة... وأنا بقى هأشوف طريقة أقنع حمزة يكتب لي ثروته... أنا أولى من عيلته اللي هترميني برة."
نظرت إلى أبيها وتابعت:
"ولو حمزة قام منها وقتها أرجع له فلوسه... ما قامش يبقى حقي."
وكانت تلك أول خطوة في طريق الوحل الذي خطى به. بعد أن حصلت على التوكيل من حمزة بحجة أن تتابع عمله وهو بالمشفى، تفاجأ هشام بتلك الحسابات المزورة للموقف المالي للشركة والتي ساعدها بها جمال زوج والدتها، ليقول هشام بذعر:
"إيه ده يا سيدرا؟"
قالت بمكر لمع بعينيها الطامعة:
"ده الموقف المالي للشركة."
تلجم لسانه:
"بس... بس ده ورق مزور."
تابعت بكذب:
"ده عشان الضرايب."
قطب هشام جبينه:
"ضرايب إيه؟"
"أنت هتعمل تقرير جذافي على الموقف المالي ده وبكدة حمزة مش هيدفع المبلغ الكبير بتاع الضرايب."
هزت كتفها وتابعت بخبث:
"بابا... أنت أولى بالفلوس دي من الضرايب."
التفت إليها هشام بصدمة لتكمل وهي تتلاعب على وتر ضعف النفس البشرية الطامعة:
"دي ملايين أنت أولى بيها... أنت كل اللي هتعمله تقرير حقيقي تديه لحمزة يمضي عليه وتقرير تاني نقدمه للضرايب."
هز هشام رأسه برفض في البداية:
"لا... أنا مش ممكن أعمل كدة... أنا كدة بسرق حمزة."
"يا بابا بتسرق إيه... أنا بقولك أنت أولى من الضرايب... دي ملايين أنت أولى بيها."
"وبعدين ما أنا قلت لك حمزة حالته خطيرة ومش داري بحاجة."
نظر إليها هشام بشك:
"بس كان كويس وابتدي يفوق."
"لا... دي مرحلة مؤقتة كدة إنما الدكتور مأكد لي إن حالته صعبة وبعدين ما أنا قلت لك يا بابا أهله اللي في الصعيد لو عرفوا هيجوا ويكوشوا على كل حاجة."
ظلت تقنعه وكان الشيطان حليفها، ليقدم هشام التقرير المزيف للضرائب التي سرعان ما قدمت البلاغ ضد حمزة بعد أن قدمت الموقف المالي المزيف للمستثمرين. انصدم هشام بفعلتها ولكن الأوان قد فات، فقد تم إلقاء القبض عليه هو الآخر مع حمزة الذي تفاجأ بالقوات تداهم المشفى قبل أن يستعيد كامل وعيه وتتهمه بالاحتيال والتزوير. لم يكد حمزة يستوعب ما يحدث لتطلب سيدرا منه الطلاق وهو لم يهتم فلتذهب من تركته في شدته، لذا طلقها سريعًا لتضرب سيدرا ضربتها القاضية قبل أن يفيق وتستغل التوكيل سريعًا وتستولي على ثروته وتختفي! خطة محكمة الشيطان نفسه يصفق لها على ترتيبها الجهنمي لكل شيء بتلك البراعة!
بعد بضعة أيام اكتشف محامو حمزة أن الموقف المالي مزور، ولكن كان هذا بعد فوات الأوان، فإن كان موقف شركته مزور والموقف الحقيقي ليس ما قدمته سيدرا للمستثمرين، فقد سرقت أموال القرض التي جعلت شركته تنهار، كما وأنها أثارت الضجة حوله ليطالب البنك سريعًا بالتحفظ على ممتلكاته بضمان تسديد القرض وأضحى محتال سارق بين ليلة وضحاها.
قام هشام من مكانه يجر أقدامه الخائنة، فعليه أن يدفع ثمن خطئه والاعتراف به.
***
بدأت سيرين تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا بتحريك جفونها الثقيلة بصعوبة، ولكنها فتحتها على وسعها ما إن واجهت تلك العيون التي تتطلع إليها، فقد شعر حمزة باستفاقتها ليتوجه إليها وعيناه تفيض بمشاعر كثيرة. تسارعت دقات قلبها التي ركدت طويلًا بين جنبات قلبها طوال الشهر الماضي، رافضة الاعتراف بتلك الدقات الغريبة التي كانت تبحث عنه. تقابلت عيناها بعينيه التي امتزج سوادها بلهيب غاضب ومشتاق في نفس الوقت. لو لم تكن تعرف بكل ما حدث بينهم لأقسمت أنه اشتاق إليها، كما لا تستطيع الاعتراف أنها اشتاقت إليه فقد غالبت كثيرًا تفكيرها به الذي يعتبر نشازًا عن الطبيعة، فهو لم يقدم لها إلا كل أذى، وبالرغم من هذا كان هناك جانب دفين بضميرها يعطيه العذر على ما حدث له. ودون إرادتها لا تستطيع أن تنكر أن هناك جزءًا دفينًا بداخلها لم ينساه ولم يستطع أن ينساه أبدًا مهما حاولت!
ابتلعت سيرين لعابها وهي تستجمع صوتها:
"أنت... أنت جبتني هنا ليه؟"
اقترب منها ببطء مدروس وهو يضغط على أعصابه يتمسك بها بينما قال:
"أومال عاوزني أوديكي فين؟"
فتحت فمها لتتحدث ليشير إليها بيده بتحذير:
"شششش... مش عاوز أسمع منك أي حاجة غير تفسير للي كنتِ عاوزة تعمليه."
انحنى ناحيتها وأمسك بذقنها يضغط عليه بقليل من القوة بينما يكمل:
"أنتِ إزاي تتجرأي تعملي كدة... وإزاي أصلًا تخبي عني إنك حامل؟"
هتفت بحدة متجاهلة نبرته المحذرة:
"وأقولك ليه؟"
تهكم بقسوة بينما لا يزال يقبض على ذقنها:
"باعتبار إني أبوه مثلًا... وليا حق زيك بالظبط أعرف إن ليا ابن... ابني اللي لو ما كنتش وصلت كنتِ موتيه بدم بارد... وكنت فضلت طول عمري ما أعرفش عنه حاجة."
أبعدت وجهها عن يده تقول بغصة حلق:
"ابنك اللي جه بالاغتصاب."
انفعلت ملامحه ليهدر بها:
"جه زي ما جه... برضه مش من حقك تقتليه."
احتدت ملامحها لتقول:
"وأنت مالك ومالي... أنت مش سبتني؟"
هتف باتهام حاد:
"أنتِ اللي قلتي سيبيني... أنتِ اللي طلبتي وأنا وقتها قلت لك مستعد أتحمل نتيجة اللي عملته وأنتِ برضه صممتِ تمشي... كنتِ عاوزاني أعملك إيه؟ أركع تحت رجلك أترجاكِ تفضلي؟"
أشاحت بوجهها:
"وأفضل مع واحد زيك إزاي... أعيش معاك إزاي بعد اللي عملته؟"
هتف بحدة فهي لا تتوقف عن جلده:
"تعيشي بأي طريقة وخصوصًا لما عرفتي إنك حامل كان لازم تقولي لي مش تعملي اللي عملتيه."
زمت شفتيها بغضب واحتقن وجهها بينما هتفت به:
"وهو لما كنت بتتجوزني غصب عني وبتعمل اللي عملته ما كنتش قادر تفكر في عواقب لعملتك... بأي حق جاي تحاسبني ولا ليك عين أصلًا تتكلم؟"
اهتاجت أعصابه ليصيح بها غضب مرعب جعلها تتراجع بظهرها للخلف:
"لا ليا عين ومش عين واحدة يا بنت هشام... أوعي تنسي لحظة اللي عمله أبوكِ وأختك... وأوعي تلوميني هما السبب في كل ده... وأنتِ زيك زيهم... أنتِ أنانية... هما سرقوا فلوسي وشقى عمري ودمروا حياتي وأنتِ كملتِ عليا وكنتِ عاوزة تقتلي ابني."
زجرها وهو يقبض على ذراعها:
"هما خدعوني وكدبوا عليا وأنتِ خبيتِ عليا ابني ومن غير رحمة رايحة تقتليه... لا وكمان معاكِ حبيب القلب!"
دفعته بغضب:
"اخرس!"
زمجر بعنف:
"أنتِ اللي تخرسي... اخرسي خالص مش عاوز أسمع صوتك بدل ما هأحاسبك على كل اللي عملتيه."
"واشكري ربنا إنك حامل وإلا كنت وريتك الوش التاني."
قفزت الدموع من عينيها:
"مين اللي يحاسب مين... مين اللي غلط في حق مين؟ أنا اللي أخدتك بذنب مالكش أي يد فيه... أنا اللي دمرتك ودست على كرامتك... أنا ولا أنت... انطق أنا ولا أنت؟"
انغرزت كلماتها كالسهام المسمومة بقلبه فاندفع ناحيتها بأعصاب تالفة يمسك ذراعها بعنف يصيح:
"اسكتي... اسكتي خالص!"
"... وأنا لو عارف كنت هأبقى واقف قدامك مش عارف أنا عاوز أعمل فيكِ إيه؟ أخنقك ولا أسامحك ولا أطلب تسامحيني... أنتِ إييييه؟"
نظرت إلى عينيه بتحدي:
"أنا واحدة بكل جبروتك اغتصبتها وكانت حامل منك عاوزني أخلي طفل دي كل فكرتي عنه؟"
زمجر بعنف:
"اخرسي!"
اخرسي خالص مش عاوز أسمع صوتك.
دفعته بعيدًا عنها: ماتتكلمش معايا كده.
صاح بقوة: أنا أعمل اللي أنا عاوزه.
هتفت بتحدي: وأنا أعمل اللي أنا عاوزاه، وأنا مش عاوزة الطفل ده.
: مش بمزاجك.
بأي حق تقتلي روح مالهاش ذنب؟
نظرت إلى عينيه باتهام: ليها ذنب إنها منك.
أغمض عينيه يتمسك بأعصابه وهو يقول: إنتي تخرسي خالص مش عاوز أسمع صوتك عشان ما أفقدش أعصابي، أنا ماسك نفسي بالعافية.
أمسك كتفها بعنف ولكنه سرعان ما تركها يهتف بغضب وهو يفرك وجهه: ليه بتخليني أعمل كده؟ قلت لك اسكتي سيبيني أتكلم واسمعيني وإنتي ساكتة.
هتفت باستنكار: ليه بقى! عبدة اشترتني؟
نظر إليها تطلق عيناه السعير بينما يقول بنفاذ صبر: لا... أنا لو فضلت لحظة كمان قدام لسانك الطويل ده هخنقك...
أنا هطلع برا...
خرج من الغرفة وهو يكبح نفسه لا يريد صب جام غضبه عليها، والذي سيكون وخيمًا، فإن أمسكها لن يتركها إلا وهي جثة هامدة بسبب سم لسانها... حاول أن يهدئ من أعصابه التي تثيرها بردودها ليتحدث نفسه أنها ما تزال مجروحة من فعلته ويحق لها، كما وأنها حامل ويجب عليه احتواءها.
حاول أن يتفهم موقفها بالرغم من عدم اقتناعه، ولكن ما حدث أمر واقع وعليه أن يشكر الله أنه وصل في الوقت المناسب، لذا عليهم إيجاد طريقة لسبيل بينهما... لم ولن ينسى أنها ابنة وأخت من حرقوا حياته، وهي لم ولن تنسى أنه اختطفها واغتصبها، ولكن وجود الطفل مؤكد ليس بلا داعي... لا بد وأن القدر شاء أن يكون هناك ما يجمعها...!
مسحت سيرين دموعها بعد أن استغفرت كثيرًا لما كانت ستقترف من ذنب... إنه محق هذا الطفل لا ذنب له...!
نصف ساعة تركها لتهدأ ويهدأ هو الآخر ليدخل الغرفة بملامح خالية بينما قال بجدية: اسمعي الكلام ده عشان مش هعيده تاني ومش عاوز منك أي تعقيب.
... أنا قلت لك قبل كده إني غلطت... بس في الأول وفي الآخر إنتي مراتي، واللي عملته ده حقي... كلمة اغتصاب دي تنسيها ومش عاوز أسمعها منك تاني، خلاص اللي حصل حصل تحت أي مسمى إلا الكلمة دي... عارف إني جرحتك بس كله بسبب اللي أهلك عملوه واستفزازك ليا، وإنتي برضه شفيتي غليلك مني...!
دلوقتي بقى في بينا طفل ومضطرين نعيش على الأساس ده... من دلوقتي إنتي هتأقلمي نفسك على كده... إنتي أم ابني...
ليه؟
إزاي؟ واللي حصل؟... كل دي أسئلة خلاص إجابتها مش هتفرق...! ودلوقتي
من غير نقاش قومي خدي دوش على ما أجهز لك الأكل...
قبل أن تفتح فمها كان يشير لها بإصبعه بتحذير: أنا قلت من غير نقاش، تنفذي اللي قلت عليه.
..........
وقف هشام أمام منزل حمزة الذي نظر إليه بازدراء ما أن رآه...
: عاوز إيه؟
قال هشام بانكسار: عاوز بنتي.
سخر حمزة: مالكش بنات عندي...
قال هشام بتوسل: كفاية اللي عملته فيها... ارحمها هي مالهاش ذنب.
نظر إليه حمزة وهتف بحدة: ليها أكبر ذنب إن واحد خاين وغدار زيك يبقى أبوها.
أومأ له هشام بانكسار: عندك حق...
تهكم حمزة: ده من إمتى؟
نظر إليه هشام قائلًا: حمزة بيه... سيب سيرين ترجع لأمها وأنا أوعدك إني هرجع سيدرا... أنا بقى لي شهر بحاول أوصل لها وقربت صدقني...
هم حمزة بالانقضاض على هذا الحقير، ولكن ما أن لمح بطرف عينيه سيرين في انعكاس المرآة آتية خلفه بعد أن خرجت بخطى بطيئة من غرفتها تستمع إلى حديثهم، لتتغير خطته على الفور وقد انتوى أن يعرفها الحقيقة...!
نظر حمزة إلى هشام الذي تشعشع الندم بملامحه مليًا قبل أن يقول ببطء مدروس: عاوز بنتك يا هشام؟
قال هشام بلهفة: آه.
رفع حمزة حاجبه قائلًا: طيب أنا مستعد أسيب بنتك... وأعمل نفسي مصدق إنك هتسلمني الكلبة بنتك التانية وكمان أعمل نفسي مصدق إنك توبت...
رفع هشام رأسه بعدم تصديق بينما تابعت سيرين تقدمها منهم تستمع لحديث والدها معه ولا تنكر ارتجاف قلبها حينما استمعت له يقول لأبيها إنه سيتركها...
نظر حمزة إليه وقال بفحيح: بس عشان تتوب صح لازم تعترف بذنبك... كده ولا إيه يا هشام؟
رفع أبوها رأسه متسائلًا: يعني إيه؟
نظر إليه حمزة ببرود: يعني عاوز أسمع منك عملت كده ليه.
قال هشام باندفاع: أنا ما عملتش...
قاطعه حمزة بحزم: لو هتشغل أسطوانة الكذب بتاعة "ما عملتش حاجة وماليش ذنب" هفقد أعصابي وأرميك برا وأدخل أطلعه على بنتك.
قال هشام بسرعة: لا... لا...
تسمرت قدم سيرين بالأرض وقد شعرت بصفعة قوية تدمي قلبها حينما نطق أبوها بخذلان: أنا طمعت... وقتها سيدرا لعبت بيا وشيطاني غلبني وطمعت... سلمتها حساباتك كلها وزورت تقرير الضرايب... أردف هشام يسرد على حمزة كل ما حدث بينما تنتحب سيرين بدموع غائرة وهي تستمع لما فعلته أختها وما لم يوقفها أبوها عنه...
قال هشام أخيرًا بندم: ما كنتش أقصد... صدقني... ما كنتش أقصد... طمعت غصب عني طمعت... بس ما كنتش فاكر إنها هتعمل كل ده.
أنا مستعد أدفع الثمن بس بنتي مالهاش ذنب سيبها أبووس إيدك.
لمعت عينا حمزة بالتشفي بينما تهادت شهقات سيرين الباكية إلى أذن أبيها بعد أن تلقت تلك الطعنة...
نظر إليها هشام بمفاجأة فلم يكن يتمنى يومًا أن تستمع ابنته لحقارته ليقول بأسف: سيرين!
إنت... إنتِ.
هزت رأسها بهستيريا.
ليقول هشام بانكسار: سامحيني يا سيرين... تعالي معايا يا بنتي وأنا هفهمك.
توقف حمزة أمامه هاتفًا بجمود: تيجي فين؟
نظر إليه هشام قائلًا: إنت قلت هتسيبها.
قال حمزة بتشفي وقد وصل لمبتغاه وها هي ترى أباها على حقيقته: رجعت في كلامي.
نظر هشام إليه ليمسك حمزة بيد سيرين التي ارتخت قدماها من صدمتها وأوقفها خلفه بينما قال لهشام: بنتك تبقى مراتي وابني في بطنها... وعرفت دلوقتي إنك حرامي خاين... تفتكر ليك عين تبص لها؟
ظلت قدماها الهلامية واقفة بينما دموعها المكسورة تنهمر بصمت ليدفع حمزة هشام خارجًا بينما همس بجوار أذنه: آه نسيت أقول لك...
أنا هسجنك يا هشام وقريب أوي كمان هدفعك ثمن عملتك... ولو على بنتك ما تقلقش هتشرف جنبك هي كمان لأني أنا اللي هوصلها... برا يا كلب يا حرامي...
انهارت سيرين وتعالى صوت بكائها فقد انهزمت قوتها لينظر إليها ويضغط على عينيه بقوة، فلماذا يتمزق لرؤية دموعها؟ إنها ابنة ذلك الذي تآمر عليه ودمره وها هو اعترف... لماذا ألقى بوجهها الحقيقة بتلك القسوة؟ لا ينكر أنه أراد هذا... هل لتكون له؟ ولكن هل سينسى يومًا أنها ابنته وأختها؟ هل أراد أن يكسرها بتلك الطريقة لتتوقف عن مقاومته؟ لا يعرف شيئًا سوى أنه يريد أخذها بحضنه ووضع جرحه على جرحها ليرى من منهما سيداوي الآخر بعد كل ما حدث.
أمسك بذقنها يقول بمشاعر: سيرين.
أبعدت يداه عن ذقنها وأسرعت إلى غرفتها ليتركها تواجه صدمتها...!
........
امتلأت نظرات جمال بالتشفي بينما يقرأ تلك المعلومات التي حصل عليها، والتي جعلته سيدرا مقابل المال يعرف كل شيء عن حمزة لتعرف خطوتها القادمة، ولكنه أخفى عنها خبر زواجه لأختها مؤقتًا ليستخدمه لاحقًا فهي خبيثة بغاية الذكاء ويعرف أنه لا بد أن يؤمن نفسه ضد غدرها...
قالت سيدرا بثقة: أنا لازم أخلي حمزة روحه في إيدي عشان ما يقدرش يأذيني.
قال بخبث: وده إزاي؟
قالت وهي ترفع حاجبيها: الشركة اللي هتورد له المعدات... أنا وصلت ليهم ومش هيكون عند عزام الصاوي أي مانع إنه يتعامل معايا...
هتف بداخله: يا بنت الشيطانة.
قالت بوعيد: لو حمزة فكر يأذيني هساويه بالأرض المرة دي...
............
كانت ليلة صعبة للغاية عليها وهو تركها لتجمع شتات نفسها...
في الصبح دخل إلى غرفتها يوقظها وهو يعلم أن النوم لم يطرق جفونها... سيرين.
هتفت بقهر دون أن تنظر إليه: عاوز إيه؟
قال بثبات: قومي عشان تاكلي.
قالت بصوت مختنق: مش عاوزة.
هتف بقسوة تعمدها: مش كل شوية هنعيد نفس الكلام...
قالت بوهن: قول لنفسك.
: يبقى تسمعي الكلام وتأكلي، اللي في بطنك مالوش ذنب في اللي بيحصل.
صمتت بانكسار لم يعهده بها فهي تأكدت أن أباها فعلها.
قال برقة وهو يقترب منها: سيرين قومي كلي إنتي ما أكلتيش من امبارح.
: قلت لك لا وسيبني في حالي.
قال بإصرار: وأنا قلت هتاكلي...
ويلا قومي عشان عاوز أنزل عندي شغل.
: ما قلتلكش اقعد جنبي.
: ماشي... مش هقعد جنبك.
أنا نازل وإنتي مش صغيرة وهقفل عليكي الباب... بس لو فكرتي تخرجي يا سيرين هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
هتفت بوهن: ما تهددنيش.
أومأ لها بحنان: ماشي يا ستي آسف ممكن تأكلي بقى؟
غص حلقها فهو مضطر أن يفعل كل هذا من أجل الطفل الذي انجبر عليه...
.......
دخل زين سريعًا إلى مكتبه هاتفًا: حمزة عندي ليك خبر بمليون جنيه.
نظر إليه حمزة: إيه؟
قال زين: الحادثة بتاعتك.
طرق جبهته: مالها؟
صعقه حمزة: كانت مدبرة.
تهكم بمرارة فهو شك بهذا حينما فقد محمود سائقه السيطرة على السيارة بدون مكابح: وإنت فرحان أوي؟
قال زين باعتذار: لا طبعًا... بس الخبر ده يساوي ملايين.
نظر إليه حمزة ليكمل زين: ملايين التأمين...
ربت على كتف صديقه وتابع: آسف يا حمزة... أنا بس فرحت لما عرفت إن الشركة هتدفع فلوس التأمين... وإنت عارف إحنا محتاجين الفلوس دي قد إيه وخصوصًا إنك مصمم ترجع فلوس جدك.
أومأ له حمزة بمرارة: عندك حق مش مهم مين دبرها المهم حاليًا الفلوس...
لازم حاليًا أدوس على أي حاجة عشان أرجع تاني زي ما كنت وأقدر آخد حقي.
..... قطب عبد الحميد جبينه بمفاجأة حينما وجد حمزة أمامه.
إيه ده؟
قال حمزة بجمود: فلوسك يا حاج عبد الحميد.
: ومين قال إني عاوزها؟
هز كتفه: ولا أنا عاوزها.
هتف عبد الحميد من بين أسنانه: حمزةةةة.
قال حمزة ببرود: نعم يا حاج.
: كفاية يا ولدي...
هز كتفه: كفاية فعلًا... إنت دفعت فلوس عشان شركتي وأنا برجعها.
قاطع حديثهم دخول جدته التي باندفاع ارتمت بحضنه تهتف ببكاء:
أبووس إيدكم يا حمزة يا ولدي كفاية بقى... كفاية جفا بقى ورحمة أمك.
بكت نبيلة كثيرًا وهي تعتذر وكذلك عبد الحميد ليقول حمزة بجمود وهو يتماسك أمامها: طيب... بس أنا لازم أمشي مراتي لوحدها.
أفلتت الكلمات غير الراضية من فم عبد الحميد: بنت الحرامي.
التفت إليه حمزة بحدة: لا... مرات حمزة السيوفي... وأم ابنه.
تهكم عبد الحميد: كمان؟
أسكته نبيلة: عبد الحميد... كفاية بقى.
أومأ عبد الحميد لسحب نفس طويل:
ماشي يا حاجة... هسكت أنا كل همي صالحك.
يا حمزة.
..........
عاد بعد منتصف الليل ليجد باب غرفتها مغلق ليدخل بخطوات بطيئة يتطلع إليها وهي تعتصر جفونها يدري أنه سيضغط عليها.
... لذا تركها وانصرف...
دفنت وجهها بوسادتها تبكي بقوة طويلًا بينما يعتصر الألم بطنها وهي تتجاهله... فوجع قلبها أكبر بعد أن أقرت أنها أحبته وبنفس الوقت تعلم أن لا سبيل لهذا الحب إلا الوجع بعد ما فعله أبوها وأختها...
طال ألمها حتى لم تعد قادرة على تحمله لتزحف من الفراش ولا تجد ملجأ لها سواه...
آه...
آه!
زحفت بألم تجاه غرفته تهتف باسمه لأول مرة: "حمزة..."
انتفض من نومه ليراها تبكي بقوة وتمسك بطنها: "سيرين، مالك؟"
قالت بألم ينهش بها: "تعبانة قوي... آه!"
"تعبانة قوي."
قام ناحيتها بذعر: "ما تخافيش... تعالي... تعالي ارتاحي وأنا هاكلم دكتور."
ما إن أمسك بها حتى تمسكت بملابسه واعتصرتها بقبضتها وقد سلب الألم أنفاسها: "خدني المستشفى..."
حملها وأسرع بها إلى المشفى وهو يمسح حبات العرق المتصببة على جبينها لتشعر بيده تمسك بيدها بحنان وقلق: "ما تخافيش أنا جنبك."
تلقى صدمة موجعة أخرى حينما قال الطبيب: "للأسف الجنين ما فيش فيه نبض... لازم ينزل."
تلجم لسانه... فالصدمات أقوى من احتماله.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل التاسع 9 - بقلم رونا فؤاد
تلقى صدمة موجعة أخرى حينما قال الطبيب:
"للأسف الجنين مفيش فيه نبض.. لازم ينزل."
تلجم لسانه ولم يستطع النطق.. فالصدمات أقوى من احتماله.
ردد بلسان ثقيل:
"مات؟"
"للأسف.... الجنين ميت من امبارح."
أوجعه قلبه بقوة فقد مات ابنه بسبب صدمتها في أبيها.
ربت الطبيب على كتف حمزة حينما رأى امتقاع وجهه المصدوم ليقول برفق:
"معلش يا فندم.... قدر الله وما شاء فعل... بس حاليًا المدام لازم تدخل عمليات عشان كده خطر عليها."
أومأ حمزة له بنبرة مبحوحة:
"اعمل اللازم يا دكتور...."
جلس أمام غرفة العمليات بعزيمة مكسورة، ووضع رأسه بين يديه وشعور أليم بالذنب ينخر بقلبه... هو السبب؟ هو من جعلها تتعرض لتلك الصدمة في أبيها؟ هو من كسرها وحطم قلبها بتلك الطريقة القاسية ليتوقف نبض الجنين ببطنها.... كان قاسيًا وأراد أن يكشف دناءة وخيانة هشام أمام ابنته ولم يقدر أن بداخلها روح بريئة لن تحتمل تلك الصدمة.... أغمض عينيه بألم شديد فقد نالت تلك الفتاة على يديه الكثير.... اجتاح ذلك الألم أعماق قلبه بقوة وصورتها لا تفارق خياله.
تلك التي كانت تتحداه بعيون شرسة كسر نظرات عيونها بحقيقة أبيها الذي كانت تدافع عنها بهذا الكبرياء العالي... وضع يديه على حلقه لعله يستطيع منع الشعور بتلك الغصة المؤلمة بينما يفكر بآثامه تجاه تلك الفتاة التي تغلغلت بداخله لا يعرف كيف ولا متى ولا حتى لماذا... لا يعرف شيئًا سوى أنه لن يكون سببًا بعد اليوم في أي حزن أو ألم لها....!
بعد ساعة كانت قد خرجت من غرفة العمليات ليقف بجوار فراشها يطالعها بنظرات مليئة بالندم والأسف، وقد اجتاح الشحوب ملامحها المتألمة بينما لا تزال تحت تأثير المخدر.... سحب المقعد ووضعه بجوار فراشها وجلس عليه ومد إحدى يديه يضعها فوق يديها التي تعلقت بها تلك الحقنة المغذية بينما مد يديه الأخرى تجاه وجهها يبعد خصلات شعرها لينظر مليًا لملامحها.... ألهذه الدرجة هي هشة أسفل كل تلك القوة والشرسة التي تتظاهر بها؟ ألهذه الدرجة ليست أكثر من فتاة صغيرة تحلت بجرأة مزيفة في مواجهة ظلمه لها؟ لماذا أدخلها في انتقام لا ذنب لها به؟ لماذا آذاها بتلك الطريقة وهو قد جرب الأذى والظلم؟
لا يعرف لماذا بتلك اللحظة داهمت صورة والدته خياله.... لقد كانت أمه امرأة جميلة لم تفارق صورة ابتسامتها الحلوة خياله بالرغم من الألم الذي عاشت بهذه الحرب مع عائلتها سنوات لتبعدها عن والده.... والده الذي تحمل الألم والمرض ليثبت لهم أنه ليس بطامع أبدًا بأموالهم.... تلك الأموال اللعينة التي جعلت امرأة كانت تنام بين ذراعيه تغدر به وتطعنه بظهره....
لا أحد سيشعر لماذا هو محترق بتلك الدرجة على تلك الأموال التي دفع والده عمره ثمنًا لها....! لقد مات أبيه على مكتبه أمام عينيه بعد نوبة قلبية حادة داهمته وأخبره الطبيب أنها لم تكن الأولى وأنه حذره كثيرًا ولكن أبيه كان مصممًا على أن يثبت لعبد الحميد البدراوي أنه ليس طامعًا ولا مستغلًا... لم يكن يطمع سوى بحب امرأته التي عاشت منبوذة منهم...! لمعت الدموع بعينيه بينما تذكر تلك الليلة التي وقف وحده يأخذ عزاء والده بينما لم يكن أكثر من شاب في مقتبل العمر يبلغ العشرين ربيعًا... تركه والده ووالدته قبله وحيدًا... انكسر ظهره من تلك الدنيا الظالمة التي غدرت به... انكسر ظهره من خيانة هشام أكثر من خيانة ابنته لسنوات عشرة لم يصونها.... انكسر ظهره وهو يخسر كل ما بناه أبيه وحارب من أجله بلحظة وثق فيها بزوجته.... انكسر ظهره وهو يكسر تلك الوحيدة التي لامست قلبه... انكسر ظهره.
من التظاهر بالقوة بينما هو لا يريد سوى الإجهاش بالبكاء ندمًا وألمًا.....
خرج صوته متحشرجًا بينما يطبع قبلة طويلة على جبينها هامسًا:
"آسف...!"
نظرت هدى إلى هشام الذي عاد وهو يجر أقدامه بخذلان ووهن:
"مالك يا هشام؟"
ارتمى على المقعد دون قول شيء لتسأله هدى مجددًا:
"أنت كنت فين... هشام رد عليا. هنعمل إيه دلوقتي؟ سيرين ضاعت كده خلاص.... المجرم ده مش عاوز يسيبها بعد كل اللي عمله فيها. أنت لازم تتصرف يا هشام وترجع بنتي..."
خرجت الكلمات من فمه ثقيلة ليقر بذنبه الذي صعق هدى لتصيح به ببكاء:
"يعني أنت السبب في اللي حصل لبنتي؟... أنت السبب في كل اللي هي فيه!"
أومأ لها لتصيح به بانهيار:
"حرام عليك..... ليه عملت كده؟... ليه حرام عليك؟... أنا مش هسامحك أبدًا.. منك لله ضيعت بنتي عشان طمعك... منك لله."
تركها حمزة بينما لا تزال لم تستفق بعد وذهب لشراء ملابس لها. ولكن ما إن عاد إلى المشفى حتى قطب جبينه بقلق ما إن أسرعت تلك الممرضة ناحيته ليسألها بقلق:
"فاقت؟"
قائلة بتلعثم:
"المدام فاقت بس..."
قال بقلق شديد وهو يتجه إلى غرفتها:
"مالها؟"
هزت كتفها:
"منهارة من ساعة ما عرفت إن الجنين مات...."
أسرع بخطاه إلى غرفتها ليرى الدموع الغزيرة تكسو قسمات وجهها الجميل.....
نظر إليها بنظرات ضائعة تماثل ضياعها بالرغم من أنه حاول التماسك أمامها لتزداد دموعها انهمارًا وتبكي بحرقة كما لم تبكِ من قبل... فكم هو محترق قلبها حينما استفاقت وعرفت أنها فقدت جنينها... ذلك الجنين الذي كانت ستقتله لم تكن تعرف أن وجع فقدانه مؤلم بتلك الطريقة.... ماذا فعلت لينالها كل هذا؟ لماذا حينما تعلقت بهذا الطفل يذهب منها؟ لماذا بعد أن تقبلت وجوده ولمست العذر لحمزة بعد أن عرفت حقيقة غدر أبيها به؟...... إنه لم يحتمل ذلك الحزن الذي سكن وجدانها ولا الانكسار الذي شعرت به حينما عرفت حقيقة والدها...
اقترب حمزة منها ومال ناحيتها فتلاقت عيونها بعينيه ليرى بها انكسارًا وحزنًا لم يراه به سابقًا.... قال بنبرة حنونة:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنتي مش ما كنتيش عاوزاه؟"
ازداد انهمار دموعها لتحرق وجنتيها فلم يكن كلامه به لوم أو تأنيب بل كان حنانًا يتساءل به عن سبب بكائها بينما بالفعل كانت تريد أن تتخلص من هذا الطفل... قالت بنبرة مختنقة بحمم دموعها المنهمرة بلا توقف:
"مش هتفهم...... عمرك ما هتفهمني ولا تحس باللي أنا حاسة بيه... كنت فاكرة إني مش عايزاه بس.. بس ده ابني.... ابني... اللي ربنا عاقبني وأخده مني...!" انهارت بوجع وقهر ولم يعد بإمكانها الصمود فهذا الجنين ضحية بريئة دفع الثمن بلا أي ذنب.... لقد كان ضحية لهم هما الاثنين دون أن يدركا ذلك....!
بلحظة كان يجذبها إليه ويحتضنها بقوة لتنهار روحها المقهورة بين ذراعيه تبكي بوجع وألم وقهر أم فقدت جنينها.... ارتعش قلبه بينما هي راقدة فوق دقاته ليستمع إلى بكائها بصمت هزم رجولته بينما الذنب القاتل ينحره بلا رحمة.... كانت يداه تربت على ظهرها بحنان وكأنها ابنته الصغيرة.... جزء من روحه يتمنى لو بإمكانه سحب كل وجعها وحزنها من داخلها لداخله لعله يجد سبيلًا يرحمه من ألم الضمير القاتل...... بعد دقائق طويلة بدأ بكاؤها يهدأ قليلًا ليربت حمزة بحنان على كتفها بينما يرفع وجهها الباكي إليه ويهمس بكلمة واحدة ليت باستطاعتها مسح كل الذنوب التي اقترفها بحقها:
"آسف..."
لم تتخيل أبدًا في يوم من الأيام أن تكون داخل أحضانه بإرادتها بل وتبكي وهو من يواسيها بهذا الحنان... ما كان بحسبانها أبدًا أن تتحول كل تلك الكراهية التي كانت تحملها له لتلك المشاعر التي لا تفهمها.... لم تتخيل أن تتحول عواطفها من قمة النفور إلى التوق والقبول... ماذا فعل بها هذا الرجل؟ لماذا يثير تلك العاصفة بداخلها؟ لماذا تراه ظالمًا ومظلومًا؟ لماذا يتمزق قلبها من أجله بينما يهمس لها بأسفه وذنبه وهي ترى هذا الوجع بعينيه؟....... لماذا تتوجع من أجل هذا الظلم الذي ناله دون أدنى ذنب من أبيها وأختها؟.... أتلك عاقبة من وثق بزوجته وأبيها؟ كان يصارع الموت وهي تضع الخطط مع أبيها لنهب ثروته.... لماذا فجأة انمحت من ذاكرتها صفعاته وإهاناته وظلمه لها وبقي في ذاكرتها كلماته فقط؟!... كلماته لها تلك الليلة.... نظراته وترحيبه بالسكين التي غرستها بصدره...!
تمزقه ما بين رغبته بالثقة بها وما بين عدم الثقة بعد ما حدث له.... كلمات أبيها وهو يعترف بغدره به.... سجنه شهور طويلة بلا ذنب.... كلمات جده وجلده له بلاذعته!... دوامات متعالية تتقاذف تفكيرها بلا هوادة... ما تلك المشاعر التي تشعر بها تجاهه؟ لماذا تبكي على صدره في محنتها؟!...
لماذا تشعر بهذا الوجع لفقدان ذلك الخيط الذي كان يجمعها به حتى ولو كان جاء بتلك الطريقة القاسية؟! لم تكن يومًا خيالية ولكنها تؤمن بالحب؟!... الحب الذي يجتاح الكيان بلا سبب وبلا وقت وبلا تفسير.
وهذا الرجل بالرغم من كل ما فعله وحدث بينهما إلا أنه الرجل الوحيد الذي تشعر تجاهه بتلك المشاعر دون إرادتها.... فقد انتزع جزءًا من قلبها بالقوة كما انتزعها من منزلها بالقوة وكما انتزع زواجه بها بالقوة.... بعيدًا عن كل هذا ترى فيه حنانًا ورفقًا ووجعًا جعله كالأعمى لا يرى أمامه... فهو يحمل شيئًا عاصفًا قويًا يجتاح قلبها..... نيران ملتهبة تعصف بها كما النيران المتعالية بعينيه.. تلك النيران التي تخبرها أن لا أمل في أي شيء بينهما أبدًا...!
بينما هي بين ذراعيه كان قلبه يتعرض لغزو يجتاحه ويزلزل كيانه وإرادته بأن تلك الفتاة هزت عرش قلبه ومشاعره ولن تتراجع عن احتلال كل خلية من خلاياه بالرغم من مقاومته الضارية... أقنع نفسه الآلاف المرات أنها فقط تعرضت للظلم من جانبه لذلك لا يحتمل دموعها واكتفى بهذا التبرير لرغبته بإدخالها إلى داخل ضلوعه وامتصاص كل الألم من جوانبها....
هدأت شهقاتها لترفع رأسها بعيدًا عن صدره وتمد يداها المرتجفة تمسح دموعها ولكن يداه كانت أسرع لتشعر بأنامله الخشنة تمسح دموعها من فوق خدها الناعم بينما يقول برفق:
"اهدي... ششش خلاص ما تعيطيش... اهدي."
هزت رأسها دون قول شيء لتدخل الطبيبة بعد قليل تتفحصها قائلة بهدوء:
"حمد الله على سلامتك."
هزت سيرين رأسها ولم يخرج صوتها من حنجرتها... لتنهي الطبيبة فحصها وتخرج حيث انتظر حمزة بالخارج ليسألها:
"حالتها إيه؟"
قالت الطبيبة:
"يعني أحسن... بس محتاجة راحة تامة الفترة اللي جاية وطبعًا نراعي حالتها النفسية."
أومأ لها لتدون بضع أدوية وتكمل:
"بس أهم حاجة الأدوية دي هتستمر عليها أسبوعين مع الراحة تامة."
"تقدر تخرج إمتى؟"
"بعد المحلول ما يخلص لو حبيتوا ممكن تخرج.... طالما هتهتموا بيها في البيت...."
كانت طوال الطريق صامتة لا تتحدث وكيف تتحدث أو حتى تنظر إليه وهي ترى كم هي ضئيلة أمام فعل أبيها....! كل بضع دقائق كان حمزة يختطف نظرة ناحيتها ليجدها تسند رأسها على زجاج السيارة دون قول شيء....
سألها برفق:
"أنتي كويسة؟"
هزت رأسها وعادت لتنظر في الفراغ.
بعد قليل أوقف حمزة السيارة أسفل المنزل لتتفاجأ به يلف الناحية الأخرى ويحملها.... ويصعد بها للمنزل.... اضطرت أن تضع يداها حول عنقه بينما كانت خطواته تسير بها ليضعها برفق فوق الفراش.....
نظر إلى وجهها الشاحب لحظة بينما اقترب منها قائلًا بحنان:
"حمد الله على سلامتك."
أومأت له وقلبها يتقافز من مكانه بينما تابع باهتمام:
"على ما تغيري هدومك هكون جهزتلك حاجة تاكليها عشان ترتاحي زي ما الدكتورة قالت."
خرج لتسيل دموعها مجددًا بصمت قاتل فهو يهتم بها بالرغم من فعل أبيها....... كم قلبها مجروح متوجع.....
بدلت ملابسها واندثرت بالأغطية تتكور على نفسها تخفي وجهها الباكي بالوسادة.
دخل حمزة بعد قليل يحمل صينية عليها ساندويتشات جهزها لها وفاكهة ليجدها متكورة على نفسها ومغمضة عينيها.
وضع بجوارها الطعام على الكومود وقال بهدوء:
سيرين، يلا قومي عشان تأكلي.
لم تجب عليه ليستمع لبكائها الصامت الذي يوجع قلبه.
:سيرين
قالت بصوت مختنق وهي تغمض عيونها:
مش عاوزة حاجة.
فقط كانت تلك الكلمات التي سمعها منها كلما حاول أن يجعلها تأكل أو تستيقظ. ففي اليوم التالي أيضًا ظلت كما هي دون أن تنطق أو تتحدث، فقط نائمة.
شعرت به أكثر من مرة خلال الليل يطمئن عليها، ليجتاح الألم قلبها أكثر كلما اهتم بها بالرغم من فعل أبيها.
نظرت سيدرا إلى والدتها قائلة بخفوت:
أنا قلتلك ألف مرة مش هشتغل معاه.
:ليه بس يا سيدرا؟
هتفت بحدة من بين أسنانها:
أنتِ عارفة كويس أوي ليه، ولا فاكراني هبلة بريالة؟ جمال ده هيضحك عليا.
نظرت إلى والدتها وتهكمت بنفسها فهي تعرف جيدًا طمع زوج والدتها.
:ما تنسيش يا سيدرا إن جمال السبب في العز ده كله.
تهكمت سيدرا:
نعم!
قالت نادية بحقد:
إيه تنكري إن هو اللي عرفك طريق حمزة السيوفي، ولا إنه اللي دبرلك الحادثة؟
قاطعتها سيدرا:
طيب بس... بس أنتِ هتفضحينا.
هزت نادية رأسها:
لا يا حبيبتي، أنا بس بفكرك إنه ساعدك.
قالت بسخط:
ما هو خد نصيبه. ولا هو طمع وخلاص.
:لا يا حبيبتي هو عاوز مصلحتنا. الملايين اللي حاطاها في البنك بأفكار جمال هتبقى أكتر بكتير.
لوت سيدرا شفتيها بسخط وحدثت نفسها أنه قد آن الأوان لتضع نهاية لوالدتها وزوجها. أنها قد حصلت على ما أرادت منهم وانتهى دورهم.
في اليوم التالي.
فتح حمزة عيناه على رنين هاتفه حيث غفى على الأريكة وهو جالس.
:أيوه يا زين.
:إيه يا حمزة فينك؟ من إمبارح مش عارف أوصلك.
هز حمزة رأسه وهو يفرك وجهه:
ما فيش، أنا في البيت.
:بيت إيه؟ أنت نسيت إننا النهاردة رايحين المصنع عشان نشوف الماكينات بعد ما اتركبت؟
هز رأسه:
لا مش هينفع. أجله يا زين.
سأله زين بدهشة:
ليه؟
:عادي يا زين، وبطل زن.
:لا طبعًا مش هبطل زن. وبعدين إيه اللي عادي وأهم من شغلك؟
حمحم حمزة قائلًا:
ما فيش يا زين. سيرين بس تعبانة شوية ولازم أفضل جنبها.
فتح زين فاهه لحظة قبل أن يقول بخبث:
سيرين؟!
:بطل سخافة.
:أنا قلت حاجة؟ أنا بس مستغرب. أنتوا رجعتوا لبعض؟
قال حمزة باقتضاب:
بعدين يا زين هأفهمك. المهم دلوقتي أجل كل حاجة يومين كده لغاية ما حالتها تتحسن وأقدر أسيبها لوحدها.
ضحك زين بمكر:
أسبوع يا سيدي مش يومين.
في مساء اليوم كان قد فقد صبره من صمتها ومن حالتها السيئة التي بقيت عليها منذ الأمس، فهي لا تغادر الفراش وكلما دخل إليها يجد الطعام كما هو لا تلمسه. تركها لعلها تهدأ ولكن طال الأمر وستضر نفسها، ليقرر أنه لن يتركها لأكثر من هذا، سيجعلها تنطق.
دخل الغرفة وفتح الأنوار قائلًا:
سيرين، يلا قومي عشان تأكلي. وما تقوليش مش عاوزة. أنا سايبك من إمبارح براحتك، بس النهاردة هتاكلي يعني هتاكلي.
ظلت مغمضة عينيها وتوليه ظهرها لتشعر به يضع الطعام على طرف الفراش بجوارها ويميل ناحيتها يمسك بكتفها.
:قومي يلا.
هزت رأسها وأبعدت الصينية قائلة:
مش عاوزة.
هز رأسه بإصرار:
ما فيش حاجة اسمها مش عاوزة. لازم تأكلي. أنا طلبتلك أكل هيعجبك أوي.
رفع حاجبه قائلًا بنبرة مرحة:
شوربة زعانف السمك.
نظرت إليه بطرف عينيها الخضراوين الجميلتين ليشفق على انكسارها، ليتابع بمرح بينما يفتح على الطعام:
بصي بقى دي شكلها انبهار. والمطعم نصحني بيها.
نظر إليها بينما لم يعهد صمتها بتلك الطريقة وتابع:
قالولي لو سيرين شربتها هتنطق على طول.
قرب يداه بالملعقة إلى فمها قائلًا:
يلا جربي كده.
أبعدت يداه ليزفر ويضع الملعقة بالصينية قائلًا:
لا بصي بقى أنا خلقي ضيق وأنتِ عارفة. هتفضلي ساكتة هأخليكي تنطقي بأي طريقة.
جلس على طرف الفراش بجوارها ونظر إليها قائلًا بمشاكسة:
وبعدين ده أنا سايب شغلي وقاعد معاكي وأنا ما عملتهاش مع أي حد.
غمز لها قائلًا:
شكلك أثرتي فيا!
نظر إليها بينما هددت دموعها بالانهمار ليشاكسها قائلًا:
وبعدين أنا مش واخد عليكي كده. هيبة لسانك هتروح قدامي لو فضلتي ساكتة كده.
ابتسم لها ابتسامته الحلوة لترى لأول مرة صفاء عينيه العسليتين بينما نظر إليها وأكمل:
أنا أخذت على طولت لسانك. يلا بقى قولي أي حاجة.
غص حلقها بقوة فهي لم تتوقع منه أن يكون بهذا العطف والشفقة بها.
هز رأسه بقلة حيلة ليزفر قائلًا:
طيب افتحي بوقك وأنا هأكلك، يلا يا ستي.
فرك حمزة ذقنه وهو يطالعها بمكر بينما قال:
يعني مصممة تفضلي ساكتة؟
اقترب منها وقال ليستفزها:
تعرفي إن شفايفك وهي مقفولة كده مش حلوة.
مال ناحيتها أكثر وهمس بمكر:
بس برضه مغرية! وبما إنك ساكتة كده أنا ممكن أستغل الفرصة وأبوسك مثلًا.
ما أن اقتربت شفتاه من شفتيها حتى دفعته قائلة:
اوعى يا حيوان.
ضحك عليها وهو يقول:
أخيرًا نطقْتِ!
نظرت إليه بغيظ ليربت على خصلات شعرها بحنان ويقرب الطعام منها قائلًا:
يلا بقى كلي.
أمسك بالملعقة وقربها من فمها لتفتح فمها وتتناول الطعام من يده. ابتسم برضى حتى وإن تناولت بضع لقيمات فهي أفضل من لا شيء كما أنه استطاع جعلها تخرج من ذلك الاكتئاب الذي سيطر عليها.
طفرت الدموع من عينيها فجأة وقد أوجعها اهتمامه، فهي الآن كانت بحاجة لينتقم منها ويعذبها حتى لا تشعر كم هي وعائلتها بتلك الحقارة بينما هو يهتم بها بذلك الحنان الذي هي بأمس الحاجة له.
تنهد قائلًا برفق وهو لا يعلم كيف يطبطب على جروحها:
طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
تابعت بكاءها دون قول شيء ليسألها بتأثر:
زعلانة عشان البيبي؟
هزت رأسها وازدادت دموعها انهمارًا ليشاكسها بمرح اضطر له حتى لا تستسلم لتلك الموجة الحزينة:
نجيب واحد تاني يا ستي ولا تزعلي.
انتفض من مكانه حينما قذفته بكوب الماء ليضحك
بوجود البيبي أو لا.
أنتِ اتظلمتِ مني وأنا مش هعيش بتأنيب الضمير ده، لازم أكفّر عن اللي عملته.
نظرت بعينيه وقد لمعت الدموع بعينيها بينما تقول: مش محتاجة شفقة منك.
ومين جاب سيرة الشفقة؟
سحب نفسًا عميقًا وتابع: سيرين خلاص بعد كل اللي حصل مينفعش ننفصل.
ليه؟ أنت مش مجبر.
هز رأسه قائلًا: ومين قال إني مجبر؟
أنتِ بقيتي خلاص مراتي، أنا عملت كده بكامل إرادتي وبالنسبة ليا خلاص جوازنا بقى أمر واقع مينفعش نغيره.
غص حلقها بالدموع: واللي بابا عمل؟
قاطعها بإشارة من يده: مش عاوز كلام في اللي فات.
عمرك ما هتنسى اللي فات ولا أنا هنساه.
نظرت إليه وقالت بكذب: أنت بتكرهني وأنا بكرهك.
هز رأسه قائلًا: حاليًا أنا مش حاسس ولا بكره ولا بحب، أنا عاوز أقف على رجلي وأجمع نفسي وأنسى كل اللي فات.
وأنتِ كمان لازم تنسي، اعتبرينا اتنين القدر وقعهم في طريق بعض وبقى طريقهم واحد.
لمعت الدموع بعينيها: احنا مفيش بينا أي طريق، أنا عدوتك عمرك ما هتشوفني غير كده، ذنب أبويا هيفضل قدام عينيك.
تنهد قائلًا: أنا مش شايفك عدوتي ولا حاجة، أنا مش شايف أي حاجة ولا قادر أشوف.
من كتر النار اللي حواليا.
هزت رأسها قائلة بألم: النار دي أبويا السبب فيها.
تنهد مطولًا ونظر إليها قائلًا: اسمعي يا سيرين، خلاص الموضوع مش لعبة، أنتِ مراتي وشايلة اسمي مفيش حاجة اسمها تمشي وتسيبي بيتي.
ومبدئيًا انسي إن أنا أسيب مراتي تعيش في بيت هشام.
نظر إليها وتابع: ولو فاكرة إني برضه هسمح إنك تعيشي مع مامتك عند خالتك، وابن خالتك تبقي بتحملي.
زجرته بنظراتها الغاضبة: لو سمحت!
نظر إليها ورفع حاجبه: أنتِ عارفة إيه بيعصبني الأحسن ما تعمليهوش.
نظرت إليه واحتقن وجهها بالغضب: ولا أعصبك ولا تعصبني، احنا لازم نطلق.
أمسك ذراعها بقليل من الحزم وهو يقول: بصي بقى أنا جبت آخري، قلت طلاق مش هطلق.
نزعت ذراعها من يده هاتفة: وأنا كمان جبت آخري ومش محتاجة شفقة منك، أنت قلت قبل كده إننا خالصين يبقى طلقني.
زفر بنفاذ صبر: اسمعي بقى اللي هقوله وبطلي كلام، هو.
أنا مش خطفتك وأجبرتك على الجواز مني؟
أومأت له لينظر لعينيها ويتابع: وكمان خليتك مراتي بالعافية.
رشقته بنظراتها الحانقة ليداعب وجنتها المنتفخة بابتسامة باردة يستفزها بها.
يبقى أكيد هجبرك برضه تفضلي معايا، يلا بقى يا مراتي يا حلوة مش عاوز أسمع منك الكلام ده تاني، ويلا ادخلي جوه ولا تحبي أشيلك؟
أبعدت يديه عن وجهها بحدة: ابعد إيدك.
وملكش دعوة بيا.
ضحك قائلًا: وأنتِ شايفاني لازق فيكي؟ أنا بس عاوز أريحك.
زجرته بنظرات غاضبة: أنا مرتاحة.
غمز لها: وده اللي أنا عاوزه.
زفرت بغيظ لترفع إصبعها بوجهه: هفضل بس ملكش دعوة بيا، وكمان هرجع شغلي.
رفع حاجبه: والهانم بتشتغل إيه؟
نظرت إليه بتعالٍ: في السفارة.
نظر إليها بابتسامة لتحمحم، أيوه في الأرشيف.
ضحك وداعب خصلات شعرها باستفزاز.
تمام سيبيني أفكر في موضوع الشغل ده.
نظرت إليه: وتفكر ليه؟ أنا مش مسجونة هنا وحقي أشتغل.
وأنا كمان حقي أوافق أو لا.
فتحت فمها لتتحدث ليقول بخبث: أنا غلطان إني شربتك شوربة زعانف السمك دي، كنتِ ساكتة أحسن.
تركها ودخل إلى غرفته وابتسامة مرتسمة على شفتيه لا ينكرها لبقائها، وهي لم تستطع منه ابتسامتها فهو لم يدعها تغادر.
توقف عبد الحميد وابنه شريف مع نبيلة التي أصرت على المجيء لحمزة.
تفاجأ حمزة بمجيئهم ليظل واقفًا بضع دقائق دون قول شيء لتقول نبيلة: هتسيبنا على الباب يا ولدي؟
هز رأسه وتراجع للخلف لتدخل نبيلة ومعها جده وخاله.
قال عبد الحميد بهدوء: حمزة يا ولدي، أنا جايلك النهاردة وعاوز ننهي الجفا اللي بينا.
نظر إليه حمزة بتهكم الآن فقط أراد هذا.
ليقول بسخرية: بعد إيه؟
تدخل شريف قائلًا: اللي حصل حصل يا حمزة، وياما بيحصل بين الأهل.
بكت نبيلة بحرقة: الله يلعن الفلوس اللي خلتني أبعد عن بنتي.
غص حلق حمزة ليقول عبد الحميد بسخط: أنا ما غلطتش وحدي يا حمزة، أبوك غلط لما أخد بنتي مني غصب عني.
كان بيحبها.
وأنا أعرف منين إنه ما كانش طمعان فيها؟
تنهد عبد الحميد وأردف يتذكر قائلًا:
أبوك كان مهندس صغير لساته متخرج جه البلد عندنا لما عينته الحكومة، واحنا كنا من أكبر عائلات البلد.
كنت أعرف منين إنه ما كانش حاطط عينه على أرضها وفلوسها لما أتقدم لها؟ ومش بس كده ده اتجوزها غصب عني.
إيه يا ولدي كنت عاوزني أخده بالحضن؟
قال حمزة باتهام: لا تدمره وتقفله في كل شغل يحاول يعمله، تكسره وتحرق مخازنه، تتفق مع أعدائه عليه لغاية ما مات.
زم عبد الحميد شفتيه وحاول الدفاع عن نفسه: أبوك دماغه كانت يابسة، قلت له بالذوق كتير بعد موت أمك يسيبك ليا صمم ورفض، الشيطان لعب بيا وفكرت لو فلس هيضطر يسيبك.
زجرته نبيلة بحدة لتقوم من مكانها وتجلس بجوار حمزة تمسك وجهه بين يديها قائلة برجاء: كفاية يا حمزة، كفاية يا ابن الغالية.
قبلت جبينه وكل جزء بوجهه بحنان برجاء: ورحمة أمك سامح وانسى، أنا نفسي تكون في حضني قبل ما أموت.
قال باقتضاب وهو يحاول أن يخفي دقات قلبه: بعد الشر عليكي.
قام عبد الحميد من مكانه وانحنى متخليًا عن جبروته وكبريائه: سامحني يا ولدي.
تسللت سيرين عائدة لفراشها بعد أن استمعت لتلك المحادثة والتي أخبرتها المزيد عن هذا الإنسان المختبئ بداخله، لقد نالت منه الدنيا كثيرًا.
اقتربت خطواته لتتظاهر بالنوم بينما دخل إليها يناديها بصوت هادئ: سيرين.
اعتدلت جالسة تنظر إليه ليقول:
جدتي برا وعاوزة تطمن عليكي.
نظرت إليه بمشاكسة: وهي عاوزة تعمل فيا زي جدك؟
ابتسم قائلًا: لا هي غيره، وبعدين ألوم الراجل ليه إذا كنت أنا مش بقعد معاكي خمس دقايق وببقى عاوز أقتلك، ده زين ذات نفسه اشتكى من لسانك.
تهكمت قائلة: على أساس إنه ملاك.
ضحك قائلًا: لا وأنتِ ما شاء الله.
نظرت إليه بغضب ليقول: ممكن بقى تبقي مهذبة وتخلي لسانك الحلو جوه بوقك، وتقفلي شفايفك الحلوة دي بدل ما أقفّلها أنا.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل العاشر 10 - بقلم رونا فؤاد
دخلت هناء إلى أختها التي تحتجز نفسها بالغرفة ولا تتوقف عن البكاء، لتربت على كتفها بحنان وهي تجلس بجوارها:
كفاية عياط بقى يا هدى، أنتي كده هتموتي نفسك.
بكت هدى بحرقة وحسرة وهي تقول:
كان لازم أعرف إن واحد زيه مالوش أمان. كان لازم أعرف إن اللي يخون مرة سهل يخون تاني وتالت.
تعالت شهقاتها بينما تتابع:
باعني زمان أنا وبنته وجري ورا نادية اللي أول ما أخدت اللي وراه واللي قدامه رمته، وأنا اللي زي الهبلة وافقت أرجعله... وأهي بنتها عملت نفس العملة، خلته يسرق ويخون الراجل اللي طول عمره مأمن له هو وابنه، وبعد كده رمته برضه... بس المرة دي بنتي أنا اللي دفعت التمن.
ربتت هناء على كتفها ودموعها تتساقط هي الأخرى:
منهم لله يا هدى... منهم لله.
نظرت إلى أختها بقلب محترق ملتاع وهي تقول:
هي وأمها بيتهنوا بالفلوس، وبنتي أنا اللي ضاعت يا هناء... بنتي أنا اللي اتأخدت من حضني واتكتب عليها تتجوز الراجل اللي بينه وبين أبوها تار... اللي أبوها سرقه وخانه ودخله السجن... لا وكمان حملت وسقطت. يا قلبي يا بنتي يا ترى بيعمل فيكي إيه؟
ضمتها هناء إليها:
اهدي يا أختي... اهدي ووحدي الله، وبعدين أنتي قلتي إنه قالك لما تتحسن هيخليكي تشوفيها.
قالت هدى من بين دموعها:
أشوفها بأي عين ولا بأي وش... لو كنت رفضت أرجعله زمان بعد ما اتجوز عليا وخاني، وعشت أنا وبنتي بعيد عنه وعن شره، كان زمان بنتي في حضني... كان زمانها اتجوزت اللي تحبه ويحبها.
ربتت على ظهر أختها قائلة:
متعرفيش الخير فين... ما يمكن يكون الراجل ده ابن حلال.
هتفت هدى بحرقة:
إزاي يا هناء... إزاي وكل اللي بينهم تار وانتقام؟
: ربك مؤلف القلوب... وسيرين طيبة، وهو لما يقرب منها هيعرف إنها مش شبه أبوها ولا أختها.
هزت هدى رأسها بأسى:
عمره ما هيشوفها غير بنت الراجل اللي سرقه وسجنه... عمره ما هيشوفها غير خاينة زي بنت نادية.
ابتلعت هناء لعابها بحسرة، ولكنها تحاملت على نفسها تهديء قلب أختها الملتاع:
اهدي يا حبيبتي وارحمي نفسك... أنتي قومي صلي ركعتين واطلبي من ربنا يفرجها من عنده.
قالت هدى برجاء باكٍ:
يا رب... يا رب أقف جنب بنتي يا رب.
نزلت سيدرا الدرج تتهادى بثوبها القصير، لتنظر إلى والدتها وزوجها الجالسين بالبهو قائلة:
ها يا جمال لقيت ليا اللي هيدخل شريك مع حمزة؟
نظر إليها جمال باستهزاء:
وده اللي هو مين إن شاء الله؟
هزت كتفها ببرود:
أي حد... ما هو كله بتمنه.
نظر إليها جمال رافعًا حاجبه:
لا وحياتك... التمن المرة دي هيبقى دم.
قالت باستهزاء:
وليه بقى؟
التفت إليها جمال قائلًا:
عشان وسعت منك المرة دي... إنك تعملي شركة وهمية عشان تضمني رقبة حمزة ده حاجة خطيرة، والآخر منها إنك تسلمي سرك ده لحد متعرفيهوش.
تجاهلت ما قاله لتقول ببرود:
شوف حد مضمون.
سخر منها:
قدام الفلوس مفيش حاجة اسمها مضمون.
رفعت إصبعها أمام وجهه بتحذير:
يبقى نشوف حد وتحط رقبته تحت رجلك.
نظر إليها بحدة:
متتكلميش معايا كده يا بنت أنتي... أنا مش شغال عندك.
تدخلت نادية:
إيه يا جمال اهدي... سيدرا متقصدش.
قالت سيدرا ببجاحة:
لا أقصد... وأنتوا بتشتغلوا عندي بالفلوس اللي أخدتوها.
قال جمال بنبرة ساخرة:
الفلوس اللي أخدناها؟
هزت سيدرا رأسها:
آه.
اندفع إليها جمال بغضب:
لا يا روح أمك... الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي متجيش نقطة في بحر... ده أنتي لهفتي منه قرض بـ 100 مليون.
اهتاجت سيدرا بغضب:
وأنت مالك... بقولك إيه أنتي وهي أنا زهقت من وجع الدماغ ده. أنتِ وأنا معايا من الأول وعشان نضمن إن حمزة مياذيناش لازم نأمن نفسنا، ولو على الفلوس هديك يا جمال اللي أنت عاوزه.
تدخلت نادية لتهديء الجو:
أيوه يا جمال سيدرا عندها حق... إحنا في مركب واحدة.
زم جمال شفتيه قائلًا:
مركب واحدة...!
أومأت سيدرا له ليقول جمال:
بس أنا ماليش دعوة بالموضوع ده.
قطبت جبينها:
يعني إيه؟
: يعني مع نفسك... شوفي أنتي حد يعملك اللي أنتِ عوزاه... إنما أنا برا... مش كل شوية هتعايريني بالملاليم اللي اديتهالي.
زفرت سيدرا فهو يضغط عليها لتقول:
طيب يا جمال... طلباتك.
نظر إليها بانتصار قائلًا:
سيبيني أفكر وأرتب كل حاجة وأقولك.
سحبت سيرين نفسًا عميقًا بينما دخلت نبيلة إلى غرفتها... التفتت نبيلة إلى حمزة قائلة:
سيبني مع مرتك شوية يا ولدي.
نظر حمزة لسيرين ثم إلى جدته وانصرف.
قال خاله شريف له حينما خرج:
ها يا حمزة ناوي على إيه؟
استرسل حمزة يخبر خاله بتطورات مصنعه... ليقاطعه عبد الحميد:
وحقك... هتسيبه؟
نظر إليه حمزة ليزجره شريف:
بابا!
قال حمزة:
لا... عمري ما هسيب حقي... أنا ناوي بس أقف على رجلي الأول وبعدين حقي هاخده.
قال عبد الحميد بعنفوان:
خلينا نجيب اللي اسمه هشام ونقطع من جثته لغاية ما ينطق بمكان بنت الـ...
هز حمزة رأسه:
لا... ده حقي وأنا اللي هاخده.
نظر إليه عبد الحميد ولم يستطع كتم حديثه ليقول:
وبنته اللي اتجوزتها؟
نظر إليه حمزة بتحذير ليقول شريف بتبرير:
إحنا عيلتك وخايفين عليك يا حمزة، وحقنا نعرف إيه اللي في دماغك.
هتف حمزة:
خايفين عليا من إيه... من مراتي؟
قال عبد الحميد:
بنت الحـ... قاطعه شريف وهو يربت على يده:
وبعدين يا حج... ملناش دعوة هي بنت مين... المهم هي مرات مين.
نظر إليه حمزة ليتنهد شريف قائلًا:
أنت واثق فيها يا حمزة عشان تديها اسمك؟
أومأ له حمزة بدون تفكير ليقول شريف:
وإحنا واثقين في اختيارك... من دلوقتي البنت دي مرات حمزة السيوفي.
أومأ له حمزة برضى لينظر شريف إلى والده قائلًا:
مش كده ولا إيه يا حج؟
فرك عبد الحميد وجهه ليقول أخيرًا على مضض:
ميهمنيش غير صالحه.
ربت شريف على كتف حمزة قائلًا:
إحنا عيلتك يا حمزة ودايمًا هتلاقينا في ضهرك.
: أنا معنديش مانع بس مش بين يوم وليلة هتصلحوا اللي حصل في سنين.
: ماشي يا ولدي... إحنا جنبك.
جلست نبيلة تتفحص سيرين بنظراتها قبل أن تهز رأسها قائلة:
أنا معرفش إيه اللي وقعك في طريق حمزة ولدي ولا إزاي، بس يا ريت ربنا يخيب ظني.
عقدت سيرين حاجبيها باستفهام لتتفاجأ بنبيلة تكشر عن أنيابها وهي تقول:
أنتِ كنتي عاوزة تقتلي حفيدي!
تراجعت سيرين للخلف لتميل نبيلة ناحيتها وتكمل:
كنتي عاوزة تقتليه عشان تخفي عملة أبوكي وأختك.
لا تعرف لماذا غزت الدموع مقلتيها ووجدت نفسها تهز رأسها وتخبر نبيلة بما حدث وكأنها تريد إبعاد تلك التهم عنها بعد أن تأكدت أن أباها خائن... صمتت نبيلة قليلًا قبل أن تطالع سيرين بنظرات مطولة، قبل أن تتفلت الكلمات من شفتيها:
جدعة...
بوغتت ملامح سيرين لتهز نبيلة رأسها وهي تقر:
أنا لو مكانك كنت هعمل كده.
أومأت لها سيرين ومسحت دموعها لتتفاجأ بنبيلة تكشر عن أنيابها مجددًا وهي تقول بتحذير:
بس برضه ده حفيدي ولو كان جراله حاجة كنت أكلتك بسناني.
رفعت سيرين حاجبيها باستنكار تردد لنفسها:
دي مجنونة ولا إيه!
ضحكت نبيلة وقد فهمت نظرات سيرين لتربت على يدها قائلة:
صحيح أنتي أخت الغدارة الخاينة وبنت الراجل ده... بس أنا ست كبيرة وأقدر أحكم على الناس وأنتي مش شبههم. صحيح أنتي أخت الغدارة الخاينة وبنت... بس أنا ست كبيرة وأقدر أحكم على الناس وأنتي مش شبههم. عبد الحميد راجل دماغه ناشفة حكم على أبو حمزة عاصم الله يرحمه إنه كان طمعان في حور بنتي... بس أنا مش هخليه يكرر غلطته ويحكم عليكي... هديكي فرصة وأعتبرك مرات حفيدي الغالي وبس.
نظرت إليها سيرين بعدم تصديق لتبتسم لها نبيلة بسعة وهي تقول:
عجبتيني... فرسة صح لايقة لحفيد عبد الحميد البدراوي.
انصرفت عائلته ليدخل حمزة إليها:
مالك؟
هزت كتفها فما تزال كلمات جدته تتردد في أذنها... أحبت تلك المرأة وأحبت حقيقة هذا الرجل الذي تكتشفه يومًا بعد يوم، ولكنها ما تزال ابنة من غُدر به...! ربما تفهمت جدته طعنتها له ولكن هل تفهم أبدًا غدر أبيها وأختها به؟
ظلت سيرين جالسة تفكر بكلمات تلك المرأة التي لم تستطع تمييز طيبتها من شراستها فهي بكل الأحوال خائفة على حفيدها... بعد بضع ساعات كان الصداع المؤلم يفتك برأسها لتقرر إعداد كوب من القهوة يريحها. قامت من مكانها وخرجت لتجد السكون يعم المنزل ولكن هناك الضوء المنساب من أسفل غرفته استوقفها. ترددت قليلًا ولكنها بكل الأحوال لم تقاوم رغبتها في الدخول إليه... كان غارقًا في الأوراق الكثيرة المفتوحة أمامه والتي افترشت سريره الواسع، ولكنه رفع رأسه ما إن طرقت الباب ودخلت ليرى اهتزاز نظراتها ما إن خطت إلى غرفته وقد راودتها ذكريات تلك الليلة لتندم أشد الندم على دخولها... لاحظ حمزة ارتجافة يدها وتراجع خطواتها للخلف ليفهم على الفور أنها تذكرت تلك الليلة ما إن دخلت إلى غرفته. تراجعت للخلف تريد الهرب سريعًا من تلك الذكريات السيئة لتقول بتعلثم:
أنا... أنا شفت النور فقلت أسألك تشرب قهوة.
ابتسم لها بالرغم من أن قلبه انتفض بداخله من ضراوة إحساسه بالذنب ليقول:
يا ريت...
أسرعت تخرج من تلك الغرفة التي شهدت أسوأ ذكرياتها... فتحت الصنبور وألقت المياه الباردة بكثرة على وجهها تحدث نفسها:
انسي يا سيرين... انسي خلاص اللي حصل حصل.
بعد عدة دقائق استجمعت نفسها ووقفت تلهي نفسها بإعداد القهوة... لتتهادى إلى أنفها رائحة عطره الجذاب... لم يحتمل إلا أن يأتي خلفها، ولكنه انتظر خلف الباب حينما رآها تبكي بينما تغسل وجهها وتحدث نفسها ليكره نفسه مما شعر به بتلك اللحظة... التفتت إليه حينما شعرت بوقوفه خلفها لترى ملامح وجهه تحمل الكثير من الألم والندم... وقد تهدلت خصلات شعره على جبينه العريض من كثرة ما عبث بها. تقدم بضع خطوات ليفتح الثلاجة وأخرج منها بضعة أشياء وضعها على الطاولة الرخامية أمامها قائلًا بلطف:
اعملي ساندويتشات مع القهوة... أنتي ما أكلتيش حاجة.
هزت كتفها:
مش جعانة.
قال بإصرار:
بس أنتي لسه تعبانة ولازم تأكلي...
أفلت السؤال من بين شفتيها:
وأنت؟
: أنا إيه؟
: مش هتاكل؟
ابتسم لها بهدوء قائلًا:
هأكل معاكي.
أعدت بعض الساندويتشات الخفيفة تحت أنظاره التي تتابعها... بعد قليل وضعت الطعام على الطاولة التي تتوسط المطبخ... كان مذاق البيض بالسجق الذي أعدته شهي لتتهادى ابتسامة إلى شفتيه قائلًا:
حلو أوي... شبه اللي أمي الله يرحمها كانت بتعمله.
لمعت عيونها بابتسامة لحديثه الودي معها والذي تقريبًا لأول مرة يتحدثان هكذا:
بجد؟
أومأ لها وأردف يتحدث:
بالرغم من إن كان عندها شغالة بس طبخ الأكل كان مقدس عندها، كان أبويا مش بيأكل غير من إيديها.
ابتسمت قائلة:
كانت أكيد شاطرة في الطبخ.
أومأ لها بشجن:
كانت شاطرة في كل حاجة.
: الله يرحمها.
رددت بتعاطف:
الله يرحمها.
أومأ لها ثم ارتشف ما بقي من قهوته قائلًا:
تسلم إيدك.
: الله يسلمك.
: أنا هروح أكمل شغلي... أخدتي الدوا بتاعك؟
: هاخده.
: تمام... لو عاوزة حاجة نادي عليا.
تصبحي على خير.
احتارت وغرقت في أفكارها وإحساسها الذي لم تعد تدري إلى أين يأخذها. لماذا شعرت بتلك الألفة معه ليلة الأمس بينما يتحدثون؟ ولماذا أيضًا راودتها كوابيس تلك الليلة حينما دخلت إلى غرفته وخافت منه؟ لماذا تشعر بالشيء ونقيضه؟ لماذا تشعر بغيابه اليوم مع أنها كانت تكره وجوده؟
خرجت إلى الشرفة وقد تجاوزت الساعة العاشرة مساءً، بعد أن مرت الساعات ثقيلة بينما غاب منذ الصباح عن المنزل. لماذا تشعر بهذه الوحشة؟
أخيرًا، مع دقات الساعة الحادية عشرة، لمحت سيارته تتوقف بالأسفل. ترددت قليلًا وهي تفكر أن تظل مكانها، ولكنها تراجعت سريعًا حتى لا يعلم أنها كانت تنتظره.
دخلت إلى غرفتها مسرعة وتظاهرت بالنوم.
دلف حمزة إلى المنزل بخطوات مرهقة، فهو واقف على قدميه مع العمال منذ الصباح استعدادًا لافتتاح مصنعه. نظر بأرجاء المنزل الهادئ ثم إلى ساعته، ليهز رأسه، "لا بد أنها نامت منذ وقت طويل." بالرغم من أنه لم يستطع إنكار تلك الرغبة التي نشبت في قلبه برؤيتها وسماع صوتها. لقد افتقدها كثيرًا اليوم لا ينكر هذا أبدًا، فتلك الفتاة يومًا بعد يوم تحفر بأظفارها في عقله وقلبه وكيانه، ولكنه لا يلبث ويفيق على حقيقة كونها ابنة هشام وأخت سيدرا. أبدًا لن ينسى تلك الحقيقة!
ألقى مفاتيحه وهاتفه على الطاولة ووضع تلك العلبة التي أحضرها بجوارها، وخلع سترته وتوجه للاستحمام فهو بحاجة لدُش دافئ يريح عضلاته المتألمة ويهرب به من تفكيره. جفف شعره بعشوائية بتلك المنشفة التي يمسك بها، ثم ألقاها على المقعد وتناول بنطالًا أسود ارتداه وتوجه إلى الفراش يرتمي فوقه. ولكنه ما لبث أن تمدد فوقه حتى داعبت صورتها أوصال قلبه ليجد نفسه بدون تفكير يقوم من فراشه ويتوجه إلى غرفتها. وقف لحظة أمام الباب ثم تذكر تلك العلبة التي أحضرها لها. ابتسم وهو يقنع نفسه أنه داخل غرفتها لوضع العلبة بجوارها وليس لأنه لن ينام قبل رؤية ملامحها التي لم يراها طوال اليوم.
ولكنه كاذب بالتأكيد، فبمجرد وقوفه بجوار فراشها حتى خانته كل تبريراته واعترف أنه فقط يريد رؤيتها. مال ليضع تلك العلبة على الكمود بجوارها، فيشم رائحة الياسمين المنبعثة من شعرها المبعثر على الوسادة بجوارها. بلا إرادة تحركت يداه تمسك بإحدى خصلات شعرها ورفعها إلى أنفه يشم عبيرها. إنه ليس عبير خصلات شعرها بل عبير تلك الفتاة ذات الدم الحار الذي عصف بكيانه. نظر إلى عينيها التي أغلقها خلف أهدابها الكثيفة، فكم هي جميلة عينيها الخضراوين التي ترشقه بنظراتها الشرسة. وتلك الخدود التي تنتفخ حينما تغضب. شعرها الذي يريد غرس يديه بخصلاته الثائرة. أما تلك الشفاه التي أصبح عاشقًا لكل ما يخرج منها، فكم يريد تذوقها والتهامها بين شفتيه. يعرف أن تلك الليلة تحمل لها ذكريات سيئة، ولكن بالنسبة له فهي تحمل نشوة لم يشعر بها من قبل. أغرته شفتاها واجتذبته كما تجتذب الفريسة العنيدة صيادها.
مال ناحيتها لتشعر سيرين بأنفاسه الساخنة فتتقاذف دقات قلبها بضلوعها، ولم تستطع أن تمثل النوم أكثر وقد تعالى ناقوس الخطر حينما داعبت أنفاسه الساخنة وجهها لتنتفض من مكانها وليتها لم تفعل، فقد وجدت نفسها بين ذراعيه. وضح ارتباك بتلك اللحظة ولكن ليس بمقدار ارتباكها، بينما شعرت بملمس جسده الساخن أسفل يدها التي وضعتها على صدره لتشهق بقوة فهو عاري الصدر. ذاب وجهها خجلًا لتضع يداها على وجهها سريعًا وتتراجع بظهرها إلى الخلف ليتحول ارتباكه لمكر، بينما امتزجت شفتاها المغرية بخجلها للاتفاق على اجتذابه. شعرت به يقترب مجددًا لأبعد يداها عن وجهها وتهدر به:
انت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم بمكر فها هي لم تلبث طويلًا واستعانت بسلاحها القوي وهو لسانها:
أنا كنت جايبلك ده.
نظرت باستفهام:
إيه ده؟
مد يداه بتلك العلبة إليها قائلًا:
ده تليفون.
نظرت إليه ولا تنكر أنها تكاد تستمع بدقات قلبها فهو أحضر لها هدية.
حاولت ألا تظهر تلك الابتسامة بينما أخفت عينيها عن عينيه تطالع تلك العلبة لهذا الهاتف الأحدث في السوق.
بينما قال حمزة:
قلت أكيد هتحبي اللون الدهبي.. البنات كلها بتحبه.
هزت كتفها بعفوية فهي لا تشبه أحد:
لا.. بحب الأسود.
ضحك عاليًا يشاكسها فهي بالفعل لا تشبه أي فتاة:
أنا قلت برضه إنك مش زي البنات.
نظرت إليه بجبين مقطب لا تفهم هل يسخر منها ليغمز لها بعبث:
أنا قلت هتنطي عليا تحضنيني مثلًا وتبوسيني وتقوليلي شكرًا.
تجعدت ملامح وجهها باستنكار:
نعم! إيه... أنط... وأحضنك وأبوسك! لا يا أخينا، فوق. أنت خيالك وسع منك أوي.
رفع حاجبه وتلكأت عيناه أمام تلك الكرزيتان مطولًا يطالع تشددها بتلك الكلمات ليستفزها أكثر حينما قال بعبث:
وفيها إيه مش جوزك.
رفعت حاجبيها:
لا والله!
نظر إليها وقد حاذت عيناه عينيها بينما قال بابتسامة هادئة:
آه والله تحبي أجيبلك القسيمة؟
زمت شفتيها ودفعته بعيدًا عنها قائلة:
لا متشكرة.
رفع حاجبه لتطالعه بتمرد تجاهله وهو يمد يداه بجرأة إلى وجنتها الممتلئة والتي تشبه التفاحة الشهية، تغليه بقضمها يداعبها بظهر يده:
طيب إيه؟
أبعدت يداه عن وجهها قائلة بحدة:
إيه... إيه؟
هز كتفه ببرود ليستفزها أكثر:
أي حاجة من اللي قلت عليهم.. حضن بوسة... أي حاجة.
أشاحت بوجهها الذي اندفعت به الجزاء من وقاحته:
لا... ويلا بقي تصبح على خير.
أومأ لها وقد نال جرعة منها لينام الآن قرير العين وقد أصبحت إدمانه.
أوقفته ما أن وصل إلى باب الغرفة ليسمع اسمه من صوتها العذب:
حمزة...
التفت إليها لتقول بخفوت:
شكرًا.
ابتسم قائلًا:
العفو يا ستي المهم عجبك.
هزت رأسها:
حلو أوي.
أومأ لها قائلًا:
أكلتي وأخدتي الدوا؟
آه.
تمام... تصبحي على خير.
في الصباح التالي، استيقظت لتجده قد غادر دون أن تراه ككل يوم، ولا تدري أنه لا ينصرف قبل الوقوف قليلًا أمام فراشها يتأملها قبل أن يغادر.
أمسكت بالهاتف الذي أحضره لها وسرعان ما اتصلت بأمها التي انفلتت دموعها فور سماعها لصوت ابنتها.
ماما حبيبتي... وحشتيني أوي.
قالت هدى بلهفة:
وإنتي أكتر يا قلب أمك... عاملة إيه يا سيرين؟
اختنق صوت هدى بالبكاء لتقول سيرين:
أنا كويسة أوي يا ماما.
كويسة إزاي بعد اللي حصل يا بنتي؟
أمر ربنا يا ماما.
ليه ما قولتيش ليا؟
كتمت سيرين غصة حلقها قائلة:
ماما خلاص اللي حصل حصل ومش عاوزة أتكلم فيه... خلينا فيكي طمنيني عليكي.
أنا كويسة طول ما إنتي كويسة.
والله يا ماما أنا كويسة أوي.
قلبي واجعني عليكي أوي يا بنتي.
ليه بس أنا الحمد لله كويسة... صدقيني يا ماما أنا كويسة.
يعني الراجل ده بيعاملك كويس ولا بيعذبك؟
لا يا ماما حمزة بيعاملني كويس.
قالت هدى بشك:
حتى بعد ما اتأكد من اللي أبوكي عمله فيه.
قالت سيرين بسخرية:
هو كان متأكد من الأول... إحنا بس اللي ما كناش مصدقين.
قالت هدى بحسرة:
عندك حق يا بنتي... إحنا اللي كنا مخدوعين فيه.
صمتت سيرين لتسترسل هدى ببكاء:
أنا هخليه يطلقني، لا يمكن أفضل على ذمته لحظة الحرامي ده... خليه يروح للكلبة وبنتها.
أخذت هناء الهاتف من هدى قائلة بخفوت:
مش وقته يا هدى...
أيوه يا سيرين يا حبيبتي... طمنيني عليكي.
أنا كويسة يا خالتو... بس خايفة على ماما.
اطمني يا سيرين أمك كويسة.
خليكي في نفسك... إحنا هنستنى الجو يهدي شوية وبعدين نجي نطمن عليكي.
ماشي يا خالتو... خدي بالك منها.
مرت فترة الظهيرة بطيئة بينما تتطلع سيرين للهاتف كل لحظة والأخرى. هل سيتصل بها؟ هزت رأسها وتابعت التلفاز بشرود مجددًا، فبالتأكيد هو مشغول بعمله ولن يتذكرها. ولكنها مخطئة فهو مشغول بعمله ولكنها لا تخرج من عقله.
عبثت بهاتفها قليلًا قبل أن تجيب عليها أمل بعدم تصديق:
سيرين يخربيتك فينك يا بنتي كل ده؟
أنا أهو يا أمولة.
تنهدت أمل قائلة:
قلقت عليكي كل ده مش بتجي الشغل وكل ما أكلمك تليفونك مقفول... طمنيني.
أبدًا يا أمل... هبقي أحكيلك لما نشوف بعض... إنتي قوليلي أخبار الشغل إيه اترفدت ولا لسة؟
ضحكت أمل قائلة:
لا طبعًا تترفدي وأنا موجودة... وراكي رجالة يا سيري.
قالت بعدم تصديق:
بجد يا أمل؟
أومأت لها أمل:
طبعًا... كنت بخلص أنا وسلوى شغلك والواد ممدوح كان مظبطلك إمضة الحضور والانصراف وأبو لهب مسافر مع البعثة فمحدش أخد باله من حاجة.
قالت بسعادة:
ربنا يخليكوا ليا.
إنتي بتقولي إيه يا سيري إحنا أصحاب.
المهم إنتي طمنيني أخبار باباكي إيه؟
قالت سيرين بشجن:
الحمد لله.
ابتسمت أمل قائلة:
الحمد لله إن ربنا بين الحقيقة وخرج بالسلامة.
أومأت سيرين بأسى ساخر:
آه الحقيقة.
طيب إيه... راجعة إنتي الشغل؟
قريب إن شاء الله.
استيقظت باكرًا لتستعد للذهاب لعملها بحماس لتنظر إلى أكياس الملابس التي كان قد اشتراها لها ولم تفتح معظمها لتنتقي شيئًا لترتديه.
زفرت بعد أن رأت معظم محتويات الأكياس لتحدث نفسها:
إيه اللبس الواسع أوي ده... ألبس إيه أنا دلوقتي؟
انتقلت أخيرًا قميصًا من الجينز ارتدته فوق بنطالها الأسود مع حذاء أنيق وشنطة تلائمه لتستغرب ذوقه بالحقيقة والحذاء عكس الملابس... أيُعقل أن يأتي بمقاس حذاء مناسب بينما الملابس أكبر من قياسها؟
كان حمزة قد استيقظ ووقف يعد قهوته الصباحية حينما تفاجأ بها خلفه.
صباح الخير.
إيه اللي مصحيكي بدري كدة؟
هزت كتفها:
أبدًا رايحة الشغل.
رفع حاجبه ووضع القهوة من يده ولم يستطع منع نبرته المستنكرة لأخذها قرارًا كهذا دون العودة إليه:
ومين بقي اللي قرر؟
قالت باندفاع:
قرار إيه؟
قرار رجوعك الشغل... مش المفروض أكون عارف حاجة زي دي؟
اندهشت من نبرته المتحكمة لتقول:
ما أنا بقولك أهو... صحابي ظبطوا ليا الإجازات الفترة اللي فاتت وخلاص.
رفع حاجبه:
فعلا؟
أومأت له:
آه ممدوح كان بيمضيلي.
حسنًا ازدادت عقدة حاجبيه وهو يردد باستفهام:
ممدوح؟!
أومأت له ببراءة:
آه... محمد ممدوح واحد زميلي.
حسنًا لماذا يشعر بتلك الغيرة فجأة من مجرد ذكرها لاسم رجل آخر؟ اقترب ناحيتها ونظر إليها قائلًا:
ممم... طيب مبدئيًا أنا مش بحب موضوع زميلي ده.
قالت ببراءة:
أمال هو إيه... ما هو زميلي.
هتف بتحذير:
سيرين...
رفعت إليه عيناها بشرر:
نعم.
لا يريد شجار لذا قال من بين أسنانه:
اسمعي الكلام.
أومأت له على مضض:
طيب.
نظر إليها قائلًا:
شغلك بيبقي الساعة كام وبيخلص إمتى؟
تمانية... وبخلص الساعة اتنين.
هز رأسه قائلًا:
طيب أنا كل يوم هاخدك في طريقي الصبح... بس بعد الضهر صعب.
هزت رأسها قائلة:
لا متشغلش دماغك بيا... أنا هتصرف.
وعمومًا أمل صاحبتي ممكن تبقي توصلني.
طيب عمومًا أول كام يوم كدة وبعد كدة هبقي أظبط مواعيدي.
رفعت حاجبيها:
وتظبط مواعيدك ليه؟
قلت لك هتصرف.
رفع حاجبه بإصرار مماثل: وأنا قلت هظبط مواعيدي.
التفت ليغادر المطبخ قائلًا: هروح ألبس على ما تفطري.
: لا هبقى أفطر مع أصحابي في الشغل.
: طيب اشربي حاجة على الأقل عشان الدوا بتاعك.
أوقف السيارة أمام مقر عملها، لتفتح الباب ولكنه أوقفها قائلًا:
سيرين...
التفتت إليه لتجده يمد يداه ويجمع تلك الخصلات التي انسدلت على جبينها، لترتجف بينما تلامس يداه وجهها ليقول:
كدة أحلى.
كاذب هو، يريد أن يبعد تلك الخصلات الفوضوية التي زادت من جمالها، ولكنه تجاهل تفكيره وأكمل:
ما تتأخريش ولما ترجعي البيت كلميني.
: أوك.
استقبلها أصدقاؤها بالترحيب والأحضان والأسئلة التي وجدت لها إجابة منطقية عن غيابها بأنها اضطرت للسفر.
مضى أول يوم بها بالعمل بالروتين العادي، ليأتي موعد الانصراف، فتعود للمنزل الخاوي. ولكن قد مضى نصف النهار بينما وقفت تعد الطعام.
في اليوم التالي تكررت نفس فقرات يومها، ولكنها في موعد الانصراف
قالت لأمل صديقتها: بأقول لك إيه، ما تيجي نروح نشتري شوية حاجات يا أمل.
: ماشي.
اشترت بضع قطع من الملابس الجديدة كما اعتادت، كخطوة منها للعودة بحياتها الطبيعية وتناسي ما حدث خلال الفترة السابقة، وقد أعدت نفسها أن حياتها معه ستسير على هذا النمط. مجرد اثنين يتشاركان المنزل لوقت غير معلوم لحين رؤية ما يخبئه الزمن.
في الصباح قطب حمزة جبينه بينما
نظر إليها ليرى ذلك الفستان القصير الذي ارتدته أسفل تلك السترة
: إيه ده؟
عقدت حاجبيها باستفهام: إيه؟
قال وهو يشير إلى ملابسها القصيرة: اللي أنتِ لابساه.
قالت بعدم اكتراث: ماله؟
: أنا مش فاكر إني اشتريت حاجة كدة.
أومأت له وهي تضع أشياءها بحقيبتها: آه ما أنا إمبارح اشتريت شوية حاجات مع أمل.
سخنت أنفاسه ليقول: ما قلتليش أنك خرجتِ.
قالت بعدم فهم من نبرته: وفيها إيه؟
زم شفتيه قائلًا: فيها أنك كان لازم تقولي لي أنك خارجة.
: ليه؟
هتف بضيق فلا يريد أسئلة: من غير ليه.
نظر إليها وتابع بتحذير: سيرين بعد كده لما تروحي أي مكان أكون عارف بيه، وثانيًا يا ريت تغيري هدومك بسرعة عشان ما نتأخرش.
رفعت حاجبيها باستهجان: نعم.... وأنا أغير ليه؟
قال من بين أسنانه: عشان مش هتنزلِ كدة.. الفستان قصير.
هزت رأسها بعناد: لا مش قصير ولا حاجة... أنا بألبس كدة.
قال بنبرة قاطعة: سيرين اسمعي الكلام.
قالت بإصرار: لا.
قال بإصرار مماثل: وأنا قلت ما فيش نزول كدة.
زفرت بحدة: أُف بقى.
زفر هو الآخر قائلًا: أنا اللي أُف فعلًا..... بطلي مناهدة على الصبح.
يا تغيري الفستان ده يا ما فيش نزول.
تبرطمت وهي تدخل إلى غرفتها صافقة الباب خلفها بعنف.
بعد وقت طويل خرجت، لتلتوي شفتيه باستنكار وهو يراها ببنطال ولكن ببلوزة تكشف عن ذراعيها:
وده إيه ده بقى إن شاء الله هو كل اللبس كده.....
قطبت جبينها بنفاذ صبر من تحكمه والذي استبعدت أن يكون غيرة: كده اللي هو إزاي؟
هتف بضيق: يعني غطيتي من تحت فتحتي من فوق.
هتفت به بحدة: إيه اللي بتقوله ده وبعدين ماله؟
قال وهو يسير لكتفيها وعنقها: مفتوح.
هزت رأسها بعناد: لا مش مفتوح.
نظر إليها: وأنا بأقول مفتوح.
اقترب منها وقال بإصرار فولاذي: ادخلي البسي حاجة من اللي أنا جايبه أحسن.
: لا مش حلوين.
نظر إليها باستفهام لتقول: واسعين أوي.
قال ببرود: ما هو ده المطلوب.
لوت شفتيها قائلة: ليه شايفني تخينة؟
أخرسها بنظراته المتأملة بجسدها الممشوق وهو يقول: لا شايفك حلوة.
أخفت خجلها من كلماته لتقول: والله.
هز رأسه وازدادت نظراته جرأة بينما قال: آه.. ولو ما غيرتيش هدومك هأقول لك تقعدي في البيت.
زفرت بحنق وسحبت جاكيت ووضعته فوقها، لتزفر بحدة بينما تقول له: أنا هلبس ده عشان اتأخرت مش عشان خايفة من تهديدك.
قال بابتسامة ماكرة: ومين قال إني بأهددك... أنا بس بأقول لك.
نظرت إليه قائلة: طيب ها.. بقى كدة كويس.
قال بنصف رضا: أهو أرحم من الأول.. أشار لها لتنزل قبله: يلا اتفضلي.
ظلت تفكر فيما حدث بينهما هذا الصباح. أيغار عليها أم يستفزها.
لا... لا يغار ولن تسمح لنفسها بهذا التفكير، فهو أوضح أنه معها لشعوره بالذنب لا أكثر.
قاطع تفكيرها رنين هاتفها لتجدها سلمى تخبرها أن أمها مريضة. أسرعت بلا تفكير لمنزل خالتها بقلق على أمها التي كان الطبيب قد فحصها.. الضغط عالي جدًا.
جلست بجوار أمها التي احتضنتها بشوق: وحشتيني أوي يا بنتي طمنيني عليكي.
: أنا كويسة أوي يا ماما.
: أنتِ بتكدبي عليا.
: لا والله..... أنا كويسة وحتى رجعت شغلي وزي الفل..... أنتِ بس اللي قلقتيني عليكي.
بكت هدى لتقول هناء: وبعدين بقى يا هدى.. ما هي كويسة قدامك... وبعدين بطلي كلام في اللي فات وارتاحي زي ما الدكتور قال.
احتضنتها سيرين قائلة: آه يا ماما عشان خاطري لو بتحبيني خدي بالك من نفسك.
قالت هناء: تعالي يا سيرين وخلي ماما ترتاح.
: ما أنا معاكي... أنا هأقعد بره مع خالتو وسلمى لغاية ما أطمن عليكي.
خرجت برفقة خالتها التي قالت: قولي لي يا حبيبتي وما تخبيش عليا أنتِ كويسة؟
أردفت تخبر خالتها بكل ما حدث
لتقول: يعني أنتِ هتفضلي معاه؟
: مش عارفة يا خالتو.
ربتت هناء على ظهرها بعقلانية: عمومًا يا سيرين ربنا دائمًا بيعمل لينا الأحسن.. جايز وقتها إحنا بنشوفه ضرر بس في الآخر بيكون خير.
وجايز نصيبك معاه... عمومًا أنا جنبك ولو في أي حاجة قولي لي على طول.
أومأت لها بابتسامة هادئة لتبتسم لها هناء وتربت على ظهرها.
بقيت مع ابنة خالتها وصديقتها سلمى، ولم تنتبه إلى مرور الوقت ولا إلى هاتفها الذي انتهى شحنه.
بينما كان حمزة يجول بالمنزل بخطوات فقدت صوابها حينما عاد قبل ساعة ولم يجدها. نظر لساعته للمرة المائة وحاول للمرة الألف الاتصال بهاتفها المغلق، ليلقي الهاتف بغضب على الأريكة. والظنون تعصف برأسه وفكرة أن مكروهًا أصابها تفتك به. تلاشت قدرته على الانتظار ليمسك بمفتاح سيارته ويقرر النزول للبحث عنها.
كانت تضع المفتاح بالباب بنفس لحظة فتحه له. لتقابل عيناها عيناه التي التهبت بنيران مشتعلة غلبت دقات قلبه التي اطمأنت لرؤيتها بخير أمامه.
: كنتِ فين؟
سألها بنبرة محتقنة لتجيب ببساطة: كنت عند ماما.. أصلها تعبت.
قاطعها بغضب محتقن: ما قلتليش ليه؟
ارتبكت لأول مرة أمامه من حدته، لتزيد من النيران التي اشتعلت بعقله بإجابتها: ما جاش في دماغي.
أمسك ذراعها بقوة هاتفًا: يعني إيه ما جاش في دماغك؟
نظرت إليه وقد تعالت دقات قلبها بينما تابع بصوت جهوري: أنا مش قلت لك تقولي لي قبل ما تروحي أي مكان؟
حاولت نزع ذراعها من يده ولكنه شدد قبضته عليها بينما هدر بحدة: ما كلمتنيش ليه؟
أمسك هاتفها بحدة من يدها وزمجر: ده لازمته إيه؟
بلحظة كان يلقي الهاتف ليتحطم بالحائط لآلاف القطع بينما تابع بصوت أرعبها: إيه متجوزة طرطور... تروحي وتيجي على مزاجك؟
تلجم لسانها أمامه لأول مرة بعد أن شعرت بخوف حقيقي منه حينما صرخ بها. أين ذهب صوتها؟ لماذا استصعبت الرد عليه؟ لماذا أوجعها غضبه عليها تلك المرة؟
: انطقي... مش مالي عينك أنا ولا إيه؟
نزعت ذراعها من يده وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها، ولأول مرة تجهش ببكاء كهذا بينما تعالى صوته الفاضي من خلف الباب: الظاهر إني اتساهلت معاكي فقلتِ تستغفليني... أنا اللي غلطان... ما فيش خروج من البيت تاني.. فاهمة ولا لا؟