تحميل رواية «ضائعه في غابة ظنونه» PDF
بقلم رونا فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطي متخازلة عاد هشام إلى منزله. فتحت سيرين له الباب بلهفة، وغرقت عيناها بالدموع وهي ترى حال أبيها المذرية بعد أن قضى تلك الأيام في الحبس. قالت من بين دموعها: بابا... بابا حمد الله على السلامة. ارتمت بحضنه ليضمها هشام إليه، وتلمع الدموع في عينيه. فهي سيرين، ابنته من زوجته الأولى هدى. لا تشبه أختها سدرة، غير الشقيقة، بشيء، والتي أنجبها زوجته الثانية نادية، والتي هي السبب بكل ما حدث. هي من زيّنت له الطمع بتلك الأموال، وفي النهاية دفعت به إلى السجن وهربت هي. أسرعت هدى تخرج من الغرفة ما إن استمعت لص...
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رونا فؤاد
انسابت دموع سيرين من عينيها بينما ينهي المأذون إجراءات طلاق أبيها وأمها بعد أن صممت هدى على عدم مسامحته وصممت على الطلاق.
بعد ذهاب المأذون، أخرج هشام من جيبه شيكًا ماليًا بمبلغ كبير ووضعه على الطاولة أمامها قائلًا:
"دي حقوقك يا هدى."
أبعدت هدى الشيك واعتدلت واقفة بينما تقول بهدوء:
"متنازلة عنها."
قال هشام بصوت مختنق:
"ده حقك."
قالت بمغزى:
"مش عاوزة فلوس يا عالم جاية منين."
انكسرت نظرات هشام ليقول بأسى:
"أنتِ عارفة يا هدى إن عمري ما مديت إيدي على فلوس مش من حقي إلا المرة اللي شيطان لعب بيا فيها... وحتى وقتها ما أخدتش الفلوس."
قالت هدى باقتضاب وهي تشيح بوجهها:
"أنا معرفش حاجة ولا عاوزة أعرف... دي حاجة تخصك."
نظرت هدى إلى سيرين التي نظرت لأبيها بشفقة قائلة بحزم:
"يلا يا سيرين."
قال هشام:
"ده بيتك يا هدى أنتِ هتفضلي فيه... أنا اللي همشي."
قالت هدى بنبرة قاطعة:
"قلت مش عاوزة حاجة منك."
نزلت سيرين برفقة والدتها والدموع تملأ مقلتيها تشعر بالحزن والأسى تجاه أبيها الذي انكسر بتلك الطريقة القاسية لتقول بعتاب لأمها:
"ليه جرحتيه بالطريقة دي يا ماما؟"
قالت هدى بحدة:
"كنتِ عاوزاني أعمل إيه يا سيرين؟"
قالت سيرين بنبرة راجية:
"تديله فرصة وتسامحيه."
هزت هدى رأسها:
"مقدرش... سامحته واديته فرصة قبل كده... اللي يخون مرة يخون ألف وهو طمع وخان وسرق... خان الراجل اللي طول عمره مأمن له هو وابنه... مشي ورا الشيطان ومش بس كده... ده كذب وقال إنه معملهاش وأنا صدقته وكمان طلع جبان ما اعترفش بغلطه وسابك تتحملي نتيجة غلطته... ساب راجل تاني ياخدك من بيته وسكت عشان عارف إنه غلطان."
ابتلعت هدى باقي كلماتها حينما شعرت بحدة وقسوة كلماتها لتمسك كتف سيرين بحنان قائلة:
"سيرين حبيبتي أنا مش قصدي أفتح في اللي فات ولا أضايقك... بس أنتِ عشان طيبة ومتعلقة بيه هو صعبان عليكي... بس أبوكي غلط ولازم يدفع تمن غلطته."
"كل ما تمر السنين وتلاقي عينيكي مش قادرة تترفع في حد وأولهم جوزك بسبب عمايله هتعرفي إحساسي... ولادك لما يسألوا ليه جدهم وأبوهم ملهمش علاقة ببعض هتقولي ليهم إيه..."
اجتاح الألم والحزن محياها من كلمات أمها التي تراها متحاملة على أبيها بشدة وترفض الوقوف بصفها... تعرف أنه أخطأ ولكن لماذا لا تسامح وتغفر.
وجدت حمزة بأسفل العمارة بانتظارها والذي انسحب من عمله ليطمئن عليها بعد أن أخبرته أنها ذاهبة لمنزل أبيها لأنه سيطلق والدتها اليوم... لذا ترك عمله وجاء إليها فلابد أن حالتها ستكون سيئة.
بتهذيب نزل من سيارته ما إن رأى هدى تنزل برفقة سيرين ليصافحها بود... نظرت إليه هدى بخزي فكم كانت تتمنى أن تكون صديقة زوج ابنتها وتكون مثل أمه ولم تتخيل ألا تستطيع أن تنظر في عينيه بسبب فعل زوجها.
قال حمزة بتهذيب:
"اتفضلي أوصلك."
هزت هدى رأسها قائلة:
"متشكرة يا ابني... خد أنت سيرين."
نظرا إلى أمها برجاء لتقول:
"سلمى هتعدي عليا... روحي أنتِ مع جوزك يا سيرين عشان تعبتي."
احتضنت أمها وبكت بحرقة لتربت هدى على كتفها وتهمس:
"ششش... بطلي عياط يا حبيبتي أنا كويسة وأبوكي هيبقي كويس... خليكي في ابنك."
حمحم حمزة قائلًا بحرج حينما وجد سيرين متعلقة بحضن أمها:
"يا ريت تتفضلي تقعدي مع سيرين كام يوم أهو تاخدي بالك منها."
وهل تستطيع المكوث في منزله بعد أن خان زوجها ثقته لتقول هدى بلطف:
"معلش يا ابني مرة تانية إن شاء الله."
أومأ لها ولم يصر فهو يرى مقدار عزة نفس تلك المرأة والتي كان يراها لهشام سابقًا لذا انصدم حينما فعل فعلته فلم يتوقع أن يكون يخدعه كل تلك السنين بالمثالية والشرف والأمانة بينما في النهاية يخونه ويسرقه.
أسندت رأسها على زجاج السيارة الجانبي تتابع الطريق بشرود... أبعد حمزة عينيه عن الطريق ونظر إليها قائلًا:
"سيرين."
التفتت إليه ليقول بحنان:
"كفاية عياط يا سيرين... اللي حصل حصل."
قالت بصوت ممزوج بالدموع:
"بابا صعبان عليا أوي... ليه ماما صممت على الطلاق... ليه ما ادتهوش فرصة... بقت بتكرهه أوي."
لم يخرج صوتها من حلقها لتصمت.
قال حمزة:
"بصراحة والدتك عندها حق... ما كانش ينفع تكمل معاه بعد اللي عمله والدتك تصرفها صح."
خرجت منها الكلمات العدائية من وسط دموعها:
"أنت عشان بتكرهه بتقول كده."
أبعد عينيه عنها ونظر إلى الطريق بضيق أنه فتح هذا الحديث الحساس معها.
لا تعرف كيف احتدت ملامحها الباكية لتهتف به بهجوم وقد ظنت صمته تحقير من أبيها:
"لعلمك أبويا ده أحسن أب في الدنيا وطول عمره محترم لولا الشيطانة اللي كنت متجوزها عمره ما كان يفكر يعمل كده... مش عشان غلطة كلكم تعملوا فيه كده... ده ربنا بيرحم ويسامح... أنتوا لأ ليه؟"
صمت حمزة وتركها تخرج ما بداخلها من انفعالات حتى وإن لم تكن صحيحة فهي ابنة أبيها المدللة وهو يعرف أن علاقتهما جيدة وأنها سرعان ما سامحته بالرغم من كل ما فعله.
أوقف السيارة أسفل المنزل لتنزل منه وتصفق الباب بعنف وتصعد سريعًا لترتمي على فراشها وتبكي بحرقة... يؤلمها قلبها على أبيها دون إرادتها.
بعد أن سار بضع أمتار وجد نفسه يلف بالسيارة ويعود إليها مرة أخرى.
فتح الباب ودخل إلى المنزل ليجدها فوق الفراش تبكي بانهيار.
سحب نفسًا عميقًا بعدم رضا عن ما تفعله بنفسها وهي حامل بسبب هشام... لتعود إليه ذكريات حملها السابق وكيف مات طفله بسبب هشام ليجتاح الخوف أوصاله فلا هو ولا هي ستحتمل لا قدر الله شيئًا كهذا مرة أخرى!
اقترب منها بضع خطوات قائلًا بلطف:
"سيرين."
تفاجأت بعودته فدفنت وجهها بالوسادة ولم تكن تريده أن يراها بتلك الحالة... تعرف أنه يكره أبيها ويحق له ولكن دون إرادتها تشعر بالشفقة والتعاطف لأبيها... فمن منا لا يخطئ وهو حاول بكل الطرق التكفير عن ذنبه!
جلس إلى جوارها وجذبها إلى حضنه يربت على ظهرها بحنان:
"ششش بس... اهدي كفاية عياط يا حبيبتي."
ربت على كتفها بحنان ثم أخذ بيدها ليغسل لها وجهها بالماء البارد وهو يهدئ من نوبة بكائها... أجلسها على الفراش ثم أحضر لها كوبًا من العصير وجلس إلى جوارها قائلًا بحنان:
"ممكن كفاية عياط وتشربي ده."
قالت بصوت واهن:
"مش عاوزة."
قال برقة:
"عشان خاطري."
ارتشفت القليل ليقول وهو يربت على خدها:
"أنا عارف إنك زعلانة على اللي حصل وإنك بتحبيه ومش هلومك... ده أبوكي مهما كان وحقك تلتمسي له العذر بس أنا غصب عني مش قادر ألتمس له أي عذر عشان كده أنا شايف مامتك عندها حق..."
وضع وجهها بين كفيه وتابع بعطف:
"سيرين... مش فارق أنا بحب هشام ولا بكرهه اللي فارق إني بحبك أنتِ ومش عاوز أي حاجة في الدنيا تزعلك... ما ينفعش اللي بتعمليه ده يا حبيبتي أنتِ في جواكي روح حرام تأذيها... أنا مش بقول كده أنانية مني لأ ده خوف عليكي... صدقيني."
ضمها إليه بحنان وقبل رأسها:
"إن شاء الله كل حاجة هتبقى حلوة."
............
قالت هناء بعتاب:
"كده برضه يا هدى عاوزة تسيبيني؟"
قالت هدى:
"معلش يا هناء لازم يكون ليا بيت."
"وإيه لازمته يا هدى ما أنتِ قاعدة معايا؟"
"معلش لازم يكون ليا بيت... حتى لما سيرين تحب تيجي تزورني يكون لأمها بيت."
قالت هناء بخجل:
"كله من إياد وعمايله."
نظرت إلى أختها وتابعت:
"أوعي تفكري إني زعلانة من سيرين... جوزها عنده حق وده ابن خالتها بدل ما يحافظ عليها بيقول الكلام الفارغ ده."
...........
لا تنكر أن وجوده بجوارها خفف عنها الكثير ذلك اليوم ولكن ما إن ذهب في المساء إلى عمله حتى عادت الوحشة والكآبة تتغلغل بداخلها مرة أخرى.
اتصلت بأبيها لتطمئن عليه في المساء:
"أمك عندها حق يا بنتي... بلاش تلوميها."
"أنا هسافر أعمل عمرة يا سيرين يمكن ربنا يسامحني."
أومأت له بسعادة:
"إن شاء الله يا بابا."
"خدي بالك من نفسك وسامحيني."
"مسامحاك يا حبيبي."
............
جلس حمزة إلى مكتبه بينما يعرض أمين عليه حسابات الشركة للعام:
"دي كده ملفات الحسابات السنة اللي فاتت."
أومأ له حمزة وأخذ الملفات ينظر إليها بضع لحظات قبل أن يقول:
"ماشي يا أمين سيبهم هبقى آخدهم معايا البيت أبص فيهم."
قال أمين:
"تمام يا حمزة بيه... وبالنسبة للنظام الجديد اللي سيادتك عاوزنا نمشي عليه أنا عملت جدولة جديدة هتلاقيها في الفلاشة دي."
رفع حمزة عينيه إليه قائلًا:
"تمام يا أمين... هبقى أشوفه."
صمت أمين لحظة ثم قال بتردد:
"هو... هو يعني يا حمزة بيه بالنسبة لفلوس القرض هي خلاص كده مش هترجع... يعني... يعني دي هتفرق معانا كتير أوي في موقف الشركة المالي لو رجعت."
نظر إليه حمزة وقد أخفى تعبيرات وجهه ليقول بقلة حيلة:
"هنعمل إيه يا أمين؟ وهرجعها إزاي؟ ربنا يعوض علينا بقى والبركة في شغلنا الجديد."
نظر إليه أمين بخبث قائلًا:
"يا رب يا حمزة بيه."
..........
بعد خروجه التفت حمزة إلى شاشات كاميرات المراقبة التي وضعها بكل مكان بشركته... أصدقت توقعاته وسرعان ما يتصل أمين بجمال يبلغه بما حدث.
أسند حمزة رأسه للخلف وأغمض عينيه يرتب للمرة الألف أوراقه وخططه للقادم بينما بدأت أوراق اللعبة تتضح أمامه وتلك المرة لن يكون خاسرًا أبدًا.
...........
قالت نادية لابنتها:
"ما تقولي ليا بتفكري في إيه عشان أنا ما بقيتش فاهماكي."
قالت سيدرا ببرود بينما بداخلها تشتعل غيرة وحقدًا:
"عاوزة تفهمي إيه؟"
"أفهم موضوع الجوازة اللي جت على فجأة."
هزت كتفها:
"وليه لأ... بصراحة راجل زيه ما يتفوتش."
رفعت نادية حاجبيها:
"وده ناوية تعملي فيه زي اللي عملتيه في حمزة."
ضحكت سيدرا قائلة:
"ده أنا لو بمنتهى الغباء استحالة أعمل كده... يا ماما... اللعبة ما تتلعبش مرتين بنفس الطريقة."
"أومال؟"
"أبدًا... ليه متجوزهوش... عضت على شفتيها بحقد وتابعت: ما بنت هشام راحت اتجوزت حمزة."
غلت نادية ملامحها وهي تقول:
"لئيمة زي أمها... بنت الـ..."
"هفرقع وهاين عليا أقتلها."
"لأ لأ... قتل إيه... اعقلي كده وفكري براحة."
"وبعدين أنتِ قلتي روح حمزة هتبقى في إيدك أول ما تاخدي التوكيل وبسهولة تقدري تخسريه كل اللي وراه واللي قدامه... تبقي وقتها بقى تشبع بيه بنت هدى."
أومأت لها سيدرا وهي تضع ساق فوق الأخرى:
"قريب أوي هتجوز عزام ونمضي الشراكة وبعدها أضرب ضربتي وآخد توكيل المعدات من حمزة ووقتها يشوف هيشغل مصنعه إزاي... هتكتر عليه الديون وهيسلم بإرادته وجده بقى مش هيعرف يلاقيها منين ولا منين... فلوس القرض ولا الديون الجديدة ولا حقوق الموظفين ولا ولا... ومش بعيد يدخل السجن تاني... وأنا بقى هبقى في الأمان عمره ما هيقرب ليا وأنا مرات عزام الصاوي."
قالت نادية:
"وأنا وجمال مش في حساباتك دي؟"
نظرت إليها سيدرا بجدية قائلة بخفوت:
"أنتِ آه... إنما جمال كفاية عليه أوي كده."
قطبت ناحية جبينها باستفهام:
"قصدك إيه؟"
قالت سيدرا باشمئزاز:
"قصدي إنه طمع أوي وكل ما بديله بيطمع أكتر وشوية ومش هنقدر نسيطر عليه عشان كده لازم نسيطر عليه قبل ما ياكلنا."
قالت نادية بعدم رضا:
"ما تأذيش جمال يا سيدرا."
"مش هأذيه...
بس هعمل فيه زي ما هعمل في حمزة.. روحه هتبقى في إيدي.. أنا اللي أشد الحبل حوالين رقبته أو أنا اللي أرخيه.
نظرت إلى أمها التي تجهمت ملامحها بعدم رضى وتابعت:
أنا خايفة عليكي... تضمني منين ما يسيبكيش ويتجوز واحدة صغيرة؟ ولا حتى أنا أضمن منين ما يروحش يسلمنا لحمزة؟
قالت نادية بعداء:
لو جمال كان عاوز يعمل كدة كان عملها من زمان... وبرضه لو كان عاوز يسيبني ويتجوز كان عملها من زمان بلاش تقلبيني عليه يا سيدرا.
رفعت إصبعها أمام وجهها بتحذير:
ويكون في علمك، لو آذيتي جمال أنا هأذيكي.. فاهمة؟
زفرت سيدرا بغضب وهي تبرطم خلف والدتها التي غادرت بغضب:
في داهية أنتي وهو.
...
قالت سيرين بعتاب لابنة خالتها:
إيه يا سلمى يعني لازم أتحايل عليكي عشان أشوفك؟
قالت سلمى وهي تجلس إلى الأريكة:
ما أنتي اللي نسيتي صاحبتك.
:أنا برضه ولا أنتي.. أنا كل يوم بتحايل عليكي تجيلي وأنتي اللي مش فاضية.
قالت سلمى بحماس:
بصراحة يا سيري أصل صاحبتك وقعت ومحدش سمى عليها.
لمعت عيون سيرين:
مين وامتى.. احكيلي.
استغرقت الفتيات في الحديث لتقول سلمى وهي تنظر بساعتها التي تجاوزت التاسعة مساءً:
أنا هقوم بقى جوزك زمانه راجع.
هزت سيرين رأسها بعدم اكتراث:
قولي قدامه خمس ساعات ويرجع.
عقدت سلمى حاجبيها:
ليه؟
هزت كتفها:
بقى العادي بتاعه أغلب الوقت مشغول... أنا تقريبًا مش بشوفه غير لو فضلت سهرانة للفجر.
ربتت على يدها:
معلش يا سيري.. أكيد عنده شغل كتير.
أومأت لها:
عارفة.. بس غصب عني متضايقة.
ابتسمت قائلة:
معلش.. بكرة البيبي يشرف وأنتي اللي تبقي مشغولة عنه ويتمنى تفضي له خمس دقايق.
ضحكت سيرين:
تفتكري؟
أومأت لها:
طبعًا كل الرجالة بتغير من ولادها أول ما يتولدوا عشان الست بتهتم بولادها أكتر.
ضحكت سيرين لتقول سلمى:
لسة معرفتيش نوع البيبي؟
هزت رأسها بحماس:
هعرف كمان كام يوم.
أومأت لها:
لو عاوزاني أجي معاكي للدكتور يا ريت.
:لا حمزة هيجي معايا.
أومأت لها قائلة:
ماشي يا سيري... طيب هقوم أنا بقى.
:بس ابقي عدي عليا تاني يا سلمى... أنتي عارفة ما بقتش أعرف أجيلك.
قالت سلمى بغضب:
كله من غباوة إياد الزفت.
قالت سيرين:
اللي حصل حصل خلاص بقى.
...
...
في المساء
شعرت به حينما عاد بينما يرتي بجوارها على الفراش بإرهاق واضح لتفتح عيونها تتطلع للساعة الكريستالية بجوارها لتجدها تجاوزت الرابعة فجرًا.
شعرت به يطبع قبلة فوق جبينها ويجذبها إليه ويدفن رأسه بعنقها لتلفح أنفاسه الساخنة رقبتها بينما أراح رأسه فوق صدرها وما هي إلا دقائق وانتظمت أنفاسه وغرق بالنوم.
لتنظر سيرين إليه بحب واشتياق جارف فكم أصبحت تفتقده فقد اعتادت وجوده بجوارها طوال اليوم واشتاقت لقضاء الوقت معه والحديث معه. داعبت يداها خصلات شعره برقة لترتاح ملامحه ويستعذب لمستها بعد طول إرهاق يومه.
...
في الصباح وقف أسفل المياه الباردة مطولًا ليستفيق... كم يشعر بالإرهاق تلك الفترة ولكنه مضطر فهو لا يأمن لأحد سوى زين وعليه متابعة كل شيء بنفسه.
خرج من الحمام يجفف شعره بالمنشفة ليبتسم لسيرين التي فتحت عيونها للتو قائلًا وهو ينحني ناحيتها يقبل خدها:
صباح الخير يا جميل.
قالت بملامح خالية:
صباح النور.
قبل جانب ثغرها قائلًا:
الجميل مكشر ليه؟
هزت كتفها وأرجعت ظهرها إلى ظهر الفراش:
مفيش... بس ظهري واجعني شوية.
نظر إليها بقلق:
ليه يا حبيبتي؟
:مش عارفة.
قال باهتمام:
تحبي نروح للدكتور؟
قطبت جبينها كالأطفال ووضعت يداها على وجنتها قائلة برجاء:
أحب تخليك معايا النهاردة.
ضحك لها بعذوبة وهو يجذبها إلى حضنه:
وأنا أحب أبقى معاكي على طول... بس غصب عني يا قلبي عندي شغل مهم أوي.
عبست بشدة قائلة:
أنت بقيت بتحب شغلك أكتر مني.
هز رأسه ومرر يداه برقة على جبينها العابس:
أنا بحبك أكتر من نفسي يا سيري.
هزت كتفها بعبوس:
كداب... أنت طول الوقت بقيت مشغول عني... حتى...
صمتت وابتلعت كلماتها ليحمر وجهها بشدة مما كادت تتفوه به... ضحك حمزة وداعب وجنتها الحمراء بينما غمز لها بمكر:
حتى إيه؟
نظرت إليه قائلة بتعلثم:
حتى مش بتاكل معايا زي الأول.
ضحك عاليًا ليقول بخبث بينما تتحرك يداه على عنقها برقة:
هو ده بس اللي ما بقتش أعمله؟
هزت كتفها بخجل:
أيوه طبعًا... أمال هيكون إيه؟
همس أمام شفتيها ببطء:
هيكون أني بقالي أسبوع ما عملتش كدة.
التهم شفتيها بين شفتيه باشتياق جارف سرعان ما اندلع بعروقه لتغمض سيرين عيونها تترك العنان لشفتيه المشتاقة ترتوي من شفتيها التي اشتاقت له أضعاف شوقه إليها.
... بعد فترة طويلة توسدت صدره ليغمض حمزة عيناه بنشوة بينما كان مشتاق إليها حد الجنون بعد أن قضى أسبوع دون أن ينعم بحبها... طبع قبلة مطولة على جبينها هامسًا:
بحبك يا سيري.
ابتسمت له وهي ما زالت مغمضة عيونها براحة بين ذراعيه:
وأنا بحبك أوي يا حمزة... خليك جنبي وما تبعدش عني تاني.
قبلها بنهم قائلًا:
ما أقدرش أبعد عنك يا روح قلبي.
لحظات وقطع وقتهم الحميمي تعالي رنين هاتفه... أجاب بصوت أجش بينما ينظم أنفاسه اللاهثة:
ألو... طيب يا درية بلغيهم ساعة وأكون موجود.
ألقى الهاتف بجواره ونظر إلى سيرين التي سرعان ما عبست ملامحها وهي تعتدل جالسة وهي تجذب الغطاء حول جسدها العاري.
قال بتعلثم:
معلش يا سيري... أنا لازم أنزل.
أشاحت بوجهها وقالت باقتضاب:
عادي يا حمزة.
وضع يداه على كتفها:
حبيبي ما تزعليش بقى...
أبعدت كتفها عنه بجفاء وهي تقوم من الفراش قائلة:
مش زعلانة.
خرجت من الاستحمام والعبوس يغلف ملامحها لتصفف شعرها سريعًا بينما تجاهلته تمامًا وهو يرتدي ملابسه وعيناه تنظر إليها من خلال المرآة... تعرف أنه مشغول ولكن ألا يحق لها أن يكون لها القليل من وقته؟
تركت الغرفة وخرجت لتجلس بالخارج تهز قدمها بعصبية بينما تعبث بهاتفها تتشاغل عنه... خرج حمزة من الغرفة بعد أن أنهى ارتداء ملابسه ليجدها جالسة تتشاغل بهاتفها وتتجاهله.
قال بهدوء، وهو ينحني يقبل رأسها:
أنا نازل يا حبيبي عاوزة حاجة؟
لم ترفع عيونها عن الهاتف وهزت رأسها دون قول شيء ليسحب حمزة نفسًا عميقًا يهديء به انفعاله فهو مشغول دون إرادته فلمَ لا تلتمس له العذر:
هحاول أجي بدري النهاردة.
قالت ببرود دون أن تنظر إليه:
براحتك.
زفر بضيق وأخذ مفاتيحه وانصرف.
...
...
كادت تجن من طول يومها وهي وحدها وحنقها يزداد منه فهي ألقت اللوم عليه دون إرادتها بسبب انشغاله عنها.
تهكمت ملامحها بينما استمعت لصوت مفتاحه بالباب في تمام الثانية عشر ليلًا فهو عاد مبكرًا عن كل ليلة من وجهة نظره.
:مساء الخير يا حبيبتي.
أومأت له باقتضاب وتابعت النظر إلى هاتفها:
مساء النور.
نظر إليها بطرف عيناه فقد توقع أنها قد تجاوزت ما حدث هذا الصباح وقدرت انشغاله دون إرادته ولكن يبدو أنها قد انتوت افتعال مشكلة... خلع سترته وقميصه واتجه للاستحمام بينما يحاول ألا يغضب من أنها تجاهلت وجوده كليًا تشغل نفسها بالتراسل مع سلمى.
خرج من الحمام بعد دقائق لتقول دون أن تنظر إليه:
تحب أجهز لك العشا؟
سألها بهدوء:
أنتي مش هتاكلي معايا؟
هزت رأسها ببرود:
أكلت من بدري.
ابتسم بينما يراها غاضبة منه وتتصرف كطفلة صغيرة... داعب خصلات شعرها قائلًا بمرح:
أكلتي من غيري؟
لم تستجب لمشاكسته لتقول ببرود بينما تتابع عيناها هاتفها ولا تنظر إليه:
ما أنا معرفش مواعيدك... مش هنام كل يوم من غير عشا.
أومأ لها ومرر ظهر يداه برقة على خدها قائلًا:
عندك حق بس غصب عني يا سيري مشغول أوي الفترة دي.
هزت كتفها تتظاهر بعدم الاهتمام:
براحتك.. مش فارقة.
رفع حاجبه مرددًا بامتِعاض:
مش فارقة.
لم تقل شيئًا بل تابعت ما تفعله متجاهلة حديثه.
فرك حمزة ذقنه بضيق من برودها المتعمد معه ليقول بقليل من الانفعال:
بتكلمي مين؟
قالت ببرود شديد:
سلمى.
وضع سيجارة بين شفتيه بانفعال فهي تتعامل معه بتلك الطريقة لسبب خارج عن إرادته... ما أن مد يداه بولاعته الذهبية ليشعل سيجارته حتى قالت بامتِعاض:
أنت هتشرب السيجارة هنا؟
نظرت إليه بتهكم وتابعت:
الشغل خلاك تنسى أني حامل وهتدخن جنبي كمان.
التهبت نظراته التي سرعان ما أبعدت عيناها عنها وعادت لتنظر لهاتفها تحتمي به من نظراته الغير راضية بينما استعر غضبه ليسحب السيجارة بحدة من بين شفتيه ويكورها بيده ويلقيها على الأرض... تمدد على الفراش والغضب يغلف قسماته.
لتشعر بقليل من الارتياح لإغاظته... فهي تبقى طوال اليوم بغيظها وغيرتها من عمله... بينما هو يتوقع أن فور عودته تتفرغ له.
تابعت النظر لهاتفها ليستدير ناحيتها قائلًا بجبين مقطب:
أنتي مش هتنامي؟
هزت رأسها بعدم اكتراث ويداها مستمرة بالعبث بالهاتف قائلة:
لا مش جايلي نوم.
أولاها ظهره وجذب الغطاء عليه بحدة... يحاول السيطرة على أعصابه ويلتمس لها العذر من غضبها منه... ولكن بعد دقائق لم يستطع السيطرة على أعصابه فالتفت إليها بقليل من العصبية:
سيرين يلا اقفلي التليفون ونامي.
:لا.
نظر إليها بعدم تصديق:
لا؟
أومأت له ببرود:
آه.. لا... أقفله ليه أنا مش عاوزة أنام.
اعتدل جالسًا بعصبية:
عشان ما يصحش تفضلي تتكلمي لغاية وش الفجر مع صاحبتك.
قالت بعدم اكتراث:
وفيها إيه؟
هتف بانفعال:
فيها أن أنا قلت لك اقفلي الزفت ده.
هتفت بحدة وعناد:
وأنا قلت لا أنا كمان... وبعدين أنت مالك أنا بعمل إيه... أنت طول اليوم سايبني ومش بتسأل فيا... الساعة اللي هتبقى موجود فيها هتتحكم فيا كمان.
هتف بتحذير غاضب:
سيرين لمي الدور وما تعصبينيش.
رشقته بنظراتها الغاضبة بينما تقوم من جواره قائلة بتهكم:
حاضر يا حمزة بيه. مش هعصبك... أنا سايبالك الأوضة وماشية.
بلحظة كان يقفز من الفراش ويمسك بذراعيها يوقفها هاتفًا من بين أسنانه:
أنتي ليه عاوزة تعملي مشكلة من الهوا؟
نزعت ذراعها من يده:
أنا مش عاوزة حاجة.... أنا في حالي وأنت كمان خليك في حالك.
سحب نفسًا مطولًا بينما يتطلع إليها بغيظ قائلًا من بين أسنانه:
طيب لمي الدور يا سيرين ربنا يهديكي.
قالت بعناد:
أنا مش مجنونة عشان ربنا يهديني.
هتف بجنون من تصرفاتها التي تفقده صوابه:
يا رب صبرني عليها.
:أنت مالك ومالي... نام ومالكش دعوة بيا.
بلحظة كان ينقض فوق شفتيها يخرسها بطريقته... وضعت يدها فوق صدره تحاول إبعاده ولكن شفتيه لم تترك شفتيها التي تفقده صوابه بعنادها لتزداد قبلته قوة بينما يدفعها برفق على الفراش خلفها ويجثو فوقها.
:ممم أوعي.
هتفت بينما تنتزع شفتيها من بين شفتيه التي سرعان ما أطبقت عليها مجددًا وكبلتها يداه التي أحاطت خصرها برقة قبل أن يعض لسانها بقليل من القوة يعاقبها عن استفزازها له... صرخت صرخة مكتومة ابتلعها بين شفتيه وعاد ليقبل كل إنش بها بقليل من القوة.
همس بين ثنايا عنقها الذي التهمه بقوة.
"هوريكي آخرة طوله لسانك ده يا سيرين!"
تلقت عضة أخرى على عنقها، نظر إلى آثارها حمزة بتشفٍ بينما عاد ليدفن رأسه في عنقها من جديد، ولكن تلك المرة يوزع عليها قبلاته الشغوفة لينتزع استسلامها لسيل عواطفه الجياشة.
تسارعت أنفاسه وهو يتهالك فوقها بينما انتهى من جولة طويلة قضاها في حبها.
وبالرغم من عنفه الذي عاقبها به قليلًا، إلا أنها أحبت اقترابه كما تعشقه بكل حالاته.
همس وهو يطبع قبلة راضية على جبينها:
"اوعي تاني مرة تتجاهليني ببرود كده."
"... عشان كل ما هتستفزيني هعمل كدة."
نظرت إليه بتحدٍ وشراسة يعشقها:
"وأنت كل ما هتتأخر هعمل فيك كدة."
بلحظة كانت يداه تقرص خصرها بقوة لتصرخ سيرين بألم وهي تلكمه بصدره المعضل:
"اااه!"
ضحك قائلًا:
"وجعتك؟"
أومأت له وهي تدلك مكان قرصته:
"آه... يا حيوان..."
ابتلعت كلماتها حينما لمعت نظراته المغتاظة منها بعينيه بينما جذبها أسفله وهو يقول بوعيد:
"يعني مفيش فايدة في طوله لسانك دي..."
أفلتت ضحكتها بينما تحاول التملص من أسفله:
"لا يا حمزة ما كانش قصدي..."
انقض على شفتيها لتحاول دفعه وهي تقول برجاء:
"حمزة أنا حامل، بطل قلة أدب."
قال بخبث وهو يكبل يديها:
"هو أنتِ لسه شفتي قلة أدب؟ تعالي يا أم لسان طويل هوريكي قلة الأدب."
ضحكت عاليًا بينما دغدغتها أنفاسه التي داعبت عنقها وهو ينشر فوقه قبلاته الشغوفة.
***
قال ريحان بتحكم:
"أنا عاوزة أروح معاكم ما ليش دعوة."
قالت حياة برفض:
"لا طبعًا... وأنتِ لازمتك إيه؟"
قالت ريحان:
"ليّا لازمة طبعًا، مش لازم أروح أشوف بيت بنت خالي؟"
قالت نبيلة بهدوء:
"يا ريحان ما إحنا هنشوفه كلنا لما نبقى نروح نبارك لها بعد الجواز... إنما المرة دي سارة وأمها وأمك هيروحوا يشوفوا الشقة ويختاروا الفرش ويرجعوا."
هتفت برفض:
"وأنا عاوزة أروح أختار معاها."
"وهي حفلة يا بنتي؟"
"ما ليش دعوة."
قالت حياة بحزم:
"وبعدين معاكِ... قلت مفيش مراوح يعني مفيش."
هتفت بامتعاض:
"هو كل حاجة أوامر؟ والله لأقول لجدو..."
قالت حياة بغضب لريحان التي ركضت سريعًا لغرفة عبد الحميد:
"استني يا بنت!"
نظر عبد الحميد لحياة التي دخلت خلف ابنتها تزجرها بغضب:
"ما لكِش دعوة بيها يا حياة."
قالت ريحان بدموع مزيفة:
"شفت يا جدو بتعاملني إزاي؟ فيها إيه يعني لما نفرح كلنا مع سارة؟"
قالت حياة:
"ما تفرحي هنا، حد مانعك؟"
نظرت إلى أمها قائلة:
"وفيها إيه لما نروح كلنا معاها ونقعد كام يوم في القاهرة لغاية ما تفرش بيتها ونشتري اللي إحنا عاوزينه للفرح ونغيّر جو أحسن من الخنقة دي؟"
قالت حياة بغضب من ابنتها:
"وهتقعدوا فين إن شاء الله؟"
قالت ريحان بخبث خفي:
"عند حمزة، وتيته كمان تيجي معانا."
"إيه برودك ده يا بت أنتِ!"
هز عبد الحميد رأسه قائلًا:
"بس يا حياة سيبيها... وماله البنت عندها حق تفرح مع بنت خالها... خديها معاكِ أنتِ وهادية ونبيلة."
انشرحت ملامح ريحان للحظة قبل أن يكمل عبد الحميد:
"أنا هخلي شريف يحجز ليكم في أي فندق."
أفلتت شفتيها بعد عبوس ملامحها فقد ظنت أنها ستتقرب إليه:
"وما نقعدش عند حمزة... قصدي سيرين يعني... صاحبتنا وكده."
هز رأسه:
"لا بلاش نتقل عليهم."
قالت حياة باستسلام:
"اللي تشوفه يا بابا."
***
فتحت سيرين عينيها تتمطأ بإرهاق بعد ليلتها الصاخبة مع حمزة والتي لم تنم فيها إلا بعد الفجر... ارتسمت ابتسامة حالمة على شفتيها بينما تتذكر جنونهما تلك الليلة ولكن سرعان ما انمحت ابتسامتها وحل محلها الغضب حينما لم تجد له أثر بالمنزل.
هتفت بحنق:
"شغل... شغل... مفيش غير الشغل!"
أمسكت بهاتفها تتصل به وكل أنش بها حانق وغاضب:
"صباح الخير يا قمر."
جاءها صوته الذي يقطر ارتياح وسعادة، وكيف لا بعد تلك الليلة التي قضاها في أحضانها ينعم بحبها طويلًا.
انتزعت الهدوء من شفتيها وهي تقول:
"صباح النور."
"عاملة إيه؟"
"كويسة... أنت فين يا حمزة؟ النهاردة الجمعة."
أومأ قائلًا بهدوء:
"آه يا روحي أصل أنا في البلد."
قطبت جبينها مرددة:
"أنت ما قلتش إنك رايح هناك."
شرح لها بهدوء:
"آه جت فجأة... شاكر كلمني الصبح عن مستورد كبير عاوز يتعاقد معانا فاضطريت أجي وما رضيتش أصحيكِ الصبح."
هتفت بحنق:
"وهو ما كانش ينفع أونكل شريف أو أونكل حسين يتفقوا معاه بدالك؟"
"ما إحنا كلنا هنحضر الاتفاق... عمومًا يا حبيبتي أنا وعد مش هتأخر النهاردة... كلها ساعتين وأمشي من هنا وأكون عندك على الساعة سبعة بالكتير."
ظلت صامتة ليخفض صوته قائلًا بمكر:
"أخبار القرصة إيه... هاجي أعالجها بنفسي."
أفلتت ابتسامتها ولكنها تظاهرت بالجدية بينما تقول:
"ما تتأخرش يا حمزة."
قال بابتسامة:
"حاضر يا قلب حمزة... بس وحياة حمزة عندك بلاش نكد."
ضحكت قائلة:
"والله ده يتوقف عليك."
"حتى لو ضاعفت جرعة الشيكولاتة؟"
قالت بابتسامة متنمرة:
"أنت كده كده هتضاعفها... ولا ناسي إن ابنك بياكلها معايا؟"
ضحك بحب قائلًا:
"في دي عندك حق... إزاي فاتتني... من النهاردة الشيكولاتة دبل عشان خاطر عاصم باشا."
"خليك أنت كده متعشم إنه ولد وفي الآخر تطلع بنت."
"ما أنا قلت لك يا قلبي، حبيبي بنت براحتك بس بعدها تسع شهور وتجيبي لي الولد."
هتفت ضاحكة:
"ضامن قوي يعني؟"
قال بمكر:
"لا في دي أنا ضامن نفسي... باجيب جون من أول مرة."
اندفعت الحمرة لوجنتها لتقول بخجل:
"قليل الأدب وسافل."
"وإيه الجديد؟"
صمتت من وقاحته ليتابع بعبث:
"طيب بذمتك مش بتحبي قلة أدبي؟"
هتفت به بحدة وهي تعض على شفتيها خجلًا:
"اقفل يا قليل الأدب... اللي باحب قلة أدبك اللي..."
ضحك عاليًا وأغلق الهاتف وأعاده لجيبه ليعود لجلسته مع خاله وجده وشاكر يعدون العقود.
***
اتصلت سيرين بوالدتها تطمئن عليها لتعرف بقرارها بشراء منزل جديد لها:
"ليه بس يا ماما؟"
"لازم يكون ليّا بيت يا سيرين."
"بس يا ماما..."
قاطعتها هدى بحنان قائلة:
"ما تقلقيش أنا كان معايا فلوس في البنك... كمان بعت الدهب بتاعي وده هيجيب ليّا شقة كويسة... أنا كلمت السمسار وهيشوف لي مكان مناسب."
قالت سيرين:
"طيب بلاش سمسار... أنا هكلم ممدوح زميلي باباه بيشتغل في المقاولات هشوف لو عنده شقق فاضية في عمارة من عماراته."
انتهت من محادثتها مع والدتها لتقوم إلى المطبخ بحماس تعد عشاء لكليهما.
***
هز حمزة رأسه بينما صممت نبيلة على تناوله الغداء معهم:
"لا يا حجة مش هينفع خالص."
قالت نبيلة بإصرار:
"والله ما تمشي إلا لما تتغدى معانا."
"لا... اعفيني يا حجة... لازم أتحرك سيرين لوحدها ولازم أرجع ليها بدري."
"أنا هكلمها وأقول لها إني أنا اللي عطلتك."
"مش هينفع يا حجة..."
خفض صوته قائلًا:
"أنا طول الأسبوع سايبها لوحدها والنهاردة المفروض أقضيه معاها من حقها... فأعفيني يا حجة عشان أرجع بدري."
أومأت له نبيلة على مضض لتقول:
"طيب يا ولدي... بس المرة اللي جاية تجيبيها معاك وحشتنا قوي."
تدخلت ريحان سريعًا بخبث:
"آه يا حمزة وحشتنا قوي... ده كان نفسي الكام يوم اللي هنكون فيهم في القاهرة تبقي معانا بس مش عارفة الفندق اللي هنكون فيه قريب ولا بعد عنكم."
قطب حمزة جبينه بتساؤل لنبيلة:
"فندق؟"
وكزتها حياة بكتفها بغضب بينما قال حمزة بعدم رضى:
"كده برضه يا حجة... تنزلوا في فندق وبيتي موجود؟"
"يا ابني دول يومين."
صمم حمزة:
"هتقضوهم عندي من غير نقاش."
بعد ذهاب حمزة، تحملت ريحان وكزات أمها وتأنيبها لها ما دامت وصلت لهدفها لتركض لغرفتها بسعادة فها هي ستقضي أسبوعًا بمنزله.
***
عاد مبكرًا كما وعدها ليتناولا العشاء سويًا ويجلس كما أرادت معها يشاهدان فيلمًا وهي بين أحضانه يتجاذبان الحديث ليراضيها عن انشغاله عنها.
سعدت كثيرًا حينما أخبرها أن عائلته ستقضي معهم بضعة أيام الأسبوع المقبل لتقول:
"طبعًا ينوروا... أنا هاخد إجازة أسبوع عشان أقعد معاهم."
"ماشي يا روحي..."
قبل رأسها وتابع قائلًا:
"طيب إيه رأيك تاخدي إجازة على طول؟"
نظرت إليه:
"ليه؟"
وضع يديه بحب على بطنها:
"ترتاحي... وتفضّي لي أنا وعاصم باشا."
هزت كتفها بدلال:
"والله أنا فضية لك... أنت اللي مشغول."
قبل رأسها قائلًا:
"حقك عليّا يا حبي... كلها الفترة دي تعدي وأفضى لك."
ابتسمت له قائلة:
"وعد يا حمزة؟"
أومأ لها:
"وعد يا قلب حمزة."
غمز بمكر:
"إحنا هنقضي الليلة كلام وتليفزيون ولا إيه؟"
أسندت رأسها إلى صدره بسعادة:
"آه يا ميزو... أنا مفتقدة قوي نقعد نرغي مع بعض."
أدار وجهها إليه وتلاعبت بعينيه نظراته العابثة:
"وأنا مفتقد قوي قلة الأدب يا عيون ميزو."
ضحكت بينما تلاقت شفتاه بشفتيها:
"هو ده اللي أنت فالح فيه."
همس بخبث بينما يلتهم شفتيها:
"آه من طوله لسانك..."
***
قالت سيرين لزميلها:
"ممدوح كنت عاوزة منك خدمة."
قال ممدوح بأخوية:
"تأمري يا قمر."
"عاوزة بابا يشوف شقة لماما."
قال ممدوح بترحيب:
"بس كده حاضر."
قالت أمل بينما تجلس إلى مكتب سيرين:
"أنتِ هتاخدي إجازة تاني يا سيري؟"
أومأت لها:
"آه قرايب حمزة جايين الأسبوع اللي جاي وعاوزة أقعد معاهم."
قالت أمل:
"بقيت آخر من يعلم يا سيري... فجأة تتجوزي وفجأة حامل وفجأة قرايب حمزة."
ضحك ممدوح قائلًا:
"شكلها خايفة من الحسد."
قالت سيرين بضحكة:
"لا والله... بس فعلًا كل حاجة جت فجأة."
"طيب إيه بقى مين جوزك... إحنا نعرفه؟"
هزت رأسها:
"لا..."
قال ممدوح بفضول:
"بيشتغل إيه؟"
قالت سيرين:
"مهندس."
قالت أمل:
"طيب أنا عازماكم على حفلة عيد ميلادي عشان نتعرف على جوزك."
هزت سيرين رأسها:
"هاشوف معاه وأقول لك."
***
قال حمزة بجبين مقطب:
"مش عارف يا سيري بس صعب مش هكون فاضي اعتذري ليها."
عقدت حاجبيها:
"يعني مش هتفضي نفسك ساعتين يا حمزة؟"
"صعب يا روحي والله."
أشاحت بوجهها بسخط:
"براحتك..."
"وعد هنخرج آخر الأسبوع وهعوضك عن الحفلة دي."
قالت باقتضاب:
"لا عادي براحتك... أنا هروح لوحدي."
رفع حاجبه بتحذير:
"لا طبعًا."
هتفت بحدة:
"ليه لا؟"
"مش هتروحي حفلة لوحدك."
"وفيها إيه؟"
"فيها إنه عادي... أنت مش فاضي أروح لوحدي."
"بطلي عناد."
"أنت اللي بطل تحكم."
زفر بعصبية وهو يقوم من جوارحها:
"يييوووووه أنا زهقت!"
لمعت الدموع بعيونها بينما تركها وخرج الشرفة ليدخن.
جثم الغضب على كليهما ليمر اليوم التالي وكل منهما لا يحدث الآخر.
حتى جاء موعد الطبيب لتجده يتصل بها يخبرها أنه ساعة وسيمر عليها لأخذها لموعد الطبيب... بالرغم من سعادته التي ملأت قسمات وجهه لمعرفة أن الطفل القادم ولد كما تمنى إلا أنها أتقنت وجوم ملامحها.
ما إن ركب السيارة بجوارها حتى داعب وجنتها بمشاكسة:
هتفضلي مكشرة كتير؟
أبعدت يداه وأشاحت بوجهها دون قول شيء، ليعود مجددًا يشاكسها:
طبعًا زعلانة إنه ولد.
هتفت بغيظ:
وأيه الجديد؟ ما كل حاجة ماشية على مزاجك، حتى البيبي.
ضحك قائلًا:
إرادة ربنا أقول إيه.
زفرت ليجذبها لحضنه قائلًا بمرح:
المرة اللي جاية دلعيني وأنا أجيبلك بنت.
دفعته بصدره قائلة بسخط:
ده لو فيها مرة تانية.
رفع حاجبه:
ومفيهاش ليه بقى إن شاء الله؟
نظرت إليه بغيظ ليداعب شعرها قائلًا:
أنا قلتلك عاوز ولاد كتير.
قالت بحنق:
أبقى جيبهم لوحدك.
ضحك وأدار السيارة قائلًا:
دقايق ونوصل البيت وأقولك هجيبهم لوحدي إزاي.
عضت على شفتيها تكتم ضحكتها وتتظاهر بالغضب:
مش عاوزة أروح.
نظر إليها:
أمال عاوزة إيه؟
قالت بتحفز:
عاوزة أخرج زهقانة.
خالف توقعها ليقول:
بس كده؟ حاضر.
بالفعل أخذها لتناول العشاء بالخارج، كما اشترى لها هدية ساعة باهظة للغاية احتفالًا بقدوم ولي عهده، ولكن هيهات أن يراضيها.
مين بيتصل؟
قالت ريحان بخبث:
ممدوح عرض أقل.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رونا فؤاد
نظرت سارة بتوجس لريحان التي تعد حقائبها والابتسامة تملأ وجهها، فها قد وصلت لمبتغاها:
"أنا مش عارفة أنتِ ناويه على إيه... بس يا ترى غباءك مصور لك إن حتى لو قعدنا في بيتهم إيه اللي هيتغير... ما هما بيقعدوا معانا كتير."
تجاهلت ريحان حديث سارة وتابعت ما تفعله، لتزفر سارة قائلة باستنكار:
"عيب قوي اللي بتعمليه ده يا ريحان... طلعي حمزة من دماغك."
قالت ريحان ببرود:
"مالكيش دعوة."
قالت سارة بتهديد:
"لو حد عرف من العيلة هيقتلوكي."
قالت ببرود:
"أو يجوزني."
دفعتها سارة بغضب:
"حرام عليكي... كانت عملت لك إيه سيرين عشان تخربي بيتها؟"
قالت ريحان باستنكار:
"مين دي اللي أنتِ زعلانة قوي عليها... دي بنت الراجل اللي نصب على حمزة وسرقه هو وأختها."
قالت سارة بحدة:
"وأنتِ مالك؟"
قالت ريحان بحدة مماثلة:
"أنتِ اللي مالك؟ بتدخلي ليه؟"
قالت سارة بعقلانية:
"عشان أنا خايفة عليكي... اللي بتعمليه ده غلط... وعمومًا أنا حذرتك واتحملي بقى."
***
فتح حمزة عيناه صباحًا على قبلات رقيقة تطبعها سيرين على وجنته، لترتسم ابتسامة على شفتيه بينما همست بنعومة ودلال:
"صباح الخير يا ميزو."
داعب خصلات شعرها قائلًا:
"صباح النور يا عيون ميزو."
ضحكت ليعتدل جالسًا وهو يتطلع بسعادة لإشراقة وجهها هذا الصباح ليقول:
"إيه الروقان ده كله يا قلبي؟"
مررت يداها برقة على وجنته قائلة برقة:
"معلش يا حبيبي أنا عارفة إني كنت سخيفة معاك الفترة اللي فاتت بس كان غصب عني... بس لما فكرت لقيت إن كان لازم أقدر ظروفك... معرفش إزاي كنت بضغط عليك بس يعني كنت عاوزاك معايا أغلب الوقت وخلاص من غير تفكير."
ابتسم لها قائلًا بمرح:
"ودلوقتي خلاص مبقتيش عاوزاني؟"
هزت رأسها بحب وهي تحيط عنقه بذراعيها:
"لا طبعًا عاوزاك... بس كمان مش عاوزة أضغط عليك... يعني أنت عندك شغل وضغوط كتير وأنا لازم أكون مقدرة ده."
جذبها لحضنه وقبل رأسها قائلًا:
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي."
"ويخليك ليا يا حمزة."
قبل جبينها قائلًا:
"أنتِ قلب وحياة حمزة."
ابتسمت بعذوبة ورفعت عيناها الفاتنة إليه:
"بجد يا حمزة... بتحبني قوي كده؟"
قبل جانب عنقها قائلًا:
"بموت فيكي وبعشقك يا مجنونة."
نظر إلى عيونها وتابع بحب:
"أنا لو عليا أفضل معاكي على طول بس غصب عني يا سيري مشغول عنك... بس وعد الفترة دي بس تعدي وأقف على رجلي وهتلاقيني على طول جنبك."
قالت بتشجيع:
"إن شاء الله يا حبيبي ربنا هيقف معاك وتعوض كل اللي فات."
قبلت خده برقة قائلة:
"يلا بقى قوم خد شاور عشان أنا جهزت فطار تحفة بما إن النهاردة الجمعة وأنت قاعد معايا."
***
انتهت سيرين مع حمزة من تناول الإفطار الشهي الذي أعدته ليقول بلطف:
"تسلم إيدك يا سيري."
ابتسمت له:
"بالهنا والشفا يا حبيبي... تحب أعملك قهوة؟"
"يا ريت."
جلس إلى الأريكة وفتح حاسوبه يعمل، بينما توجهت سيرين لإعداد القهوة له... دقائق وتعالى رنين هاتفها الموضوع على الطاولة.
نظر إليه حمزة بعدم اكتراث وعاد لينظر لحاسوبه، ولكن تعالى الرنين مرة أخرى ليمد يده إلى هاتفها من فوق الطاولة يمسك به...
انتفضت سيرين حينما ناداها بصوته الجهوري:
"سيرييين."
أسرعت إليه لتجد جبينه مقطب بينما يرفع أمامها هاتفها الذي يرن وهو يقول بغضب:
"مين ده؟"
قالت ببساطة وهي تتطلع إلى الاسم:
"ده ممدوح زميلي."
قال بسخط:
"آه ما أنا شايف مش أعمى... زمجر بحدة: بيتصل بيكي ليه؟"
قالت بهدوء وهي لا تستوعب سبب صياحه الحاد:
"وفيها إيه؟"
صاح بحدة:
"متستفزنيش."
عقدت حاجبيها قائلة:
"في إيه يا حمزة...؟ أنا طلبت منه خدمة وأكيد بيتصل يقولي."
احتدت ملامحه بلهيب غاضب وهبت منها نبرات الغيرة الهواء بينما يهتف بنبرة عالية:
"طلبتي منه خدمة؟"
أومأت له ببساطة شديدة فليس هناك ما يستدعي ما يفعله:
"أيوه يا حمزة... كنت عاوزة باباه يشوف لماما شقة بما إنه بيشتغل في المقاولات وأكيد بيتصل يبلغني."
عبست ملامحه وقال بغضب:
"وأنا آخر من يعلم؟"
هزت كتفها:
"ما جتش مناسبة وأنت أغلب الوقت مشغول... قاطعها بحدة شديدة: بتعاقبيني يعني... عشان مشغول أقرطسه؟"
احمرت وجنتها من كلماته لتزجره بتحذير:
"حمزة خد بالك من كلامك."
صاح بغضب:
"أنا أتكلم زي ما يعجبني."
احتقن وجهها بالغضب من طريقته ولم تعد تحتمل المزيد من غضبه لتقول:
"وأنا أتصرف زي ما يعجبني طالما ما بعملش حاجة غلط."
اهتاجت أعصابه بشدة من كلماتها ليهتف بعصبية مفرطة:
"آه ليكي حق ما هو جوزك طرطور ما لوش كلمة عليكي... قلت مفيش حاجة اسمها زميلي وأنتِ كسرتي كلامي ويا عالم بتعملي إيه كمان من ورا ضهري."
أفلتت أعصابها لتجد يداها ترتفع تلقائيًا تجاه وجهه تنتوي صفعه وقد أفقدها اتهامه اتزانها:
"أخرس..."
أمسك بيدها قبل أن تصل لوجهه واشتعلت عيناه غضبًا والتهب الموقف اشتعالًا حينما تجرأت ورفعت يداها تجاهه بينما صاح بغضب عارم وصوت جهوري أرعبها:
"أنتِ اتجننتي... بترفعي إيدك عليا؟"
ترك يدها بحدة لتتقهقر إلى الخلف بضع خطوات رحمتها من رؤية نظراته الحارقة بينما هتف بغضب عارم وصوت جهوري أرعبها:
"احمدي ربنا إنك حامل وإلا كنت اديتك بدل القلم عشرة."
باللحظة التالية ازداد جنونه ليمسك بالهاتف ويلقيه بالحائط ليسقط متحطمًا لآلاف القطع وهو يقول بغضب:
"وادي التليفون."
تراجعت للخلف بخوف من صوته ومن أفعاله المجنونة ليرفع أصبعه أمام وجهها بتحذير:
"واعملي حسابك خروج من البيت من غيري مفيش وشغل كمان مفيش."
تناول هاتفه ومفاتحه ليزمجر وهو يغادر المنزل:
"أنا هوريكي إزاي تعملي حساب لكل كلمة أنا بقولها بعد كده."
انتفضت على صفقة للباب بتلك القوة وبكت بكاءً هستيريًا وهي لا تتخيل تلك الثورة والغضب المخيف لمجرد اتصال من زميل لها... جلست على الأرضية لا تقوى على الوقوف أكثر بينما عيناها تذرف الدموع بغزارة، فهو لا يثق بها ولا يتردد في أقل موقف من إهانتها واتهامها بتلك التهم...
***
بينما حمزة بعد خروجه أخذ ينتفض من الغضب لا يعرف ما دهاه ولا كيف تطور الأمر لهذا الوضع.. ولكنه يغار بجنون وينمحي أي عقل أو تفكير في وجودها أمام نيران غيرته.
يعترف أنه تمادى ولكن أعمته الغيرة ككل مرة...!
***
بعد عدة ساعات عاد للمنزل وكما توقع ها هي بدأت العقاب، فلدي عودته كانت قد تركت له الغرفة وكانت تنوي ترك المنزل بأكمله لولا أنه أغلق الباب ليشعرها بالإهانة أكثر لعدم ثقته بها.
حدثت نفسها... حسنًا تلك المرة غير أي مرة، لقد تجاوز كل الحدود معها...
ماذا يعني الحب أمام غضب عارم وثورة نارية لغيرة هوجاء حمقاء تحرق الأخضر واليابس وليست بغيرة بريئة وإنما عدم ثقة.
تساءل حمزة وهو ينظر إلى باب الغرفة المغلق كيف سيصلح ما أفسده.. تلك المرة لا يعرف حقًا فهو تجاوز الحدود معها ولكن دون إرادته تطور الأمر وأفلت من يده... يعترف أنه لم يكن يمثل هذا التهور سابقًا ولكنه يحبها ويغار عليها بجنون... معها لا يحتمل أن ينظر إليها أحد ولا أن يحدثها أحد، يريدها أن تكون له وحده... لماذا لا يكون عقلاني بتفكيره... ربما أخطأت حينما لم تخبره بما طلبت من زميلها ولكن لم يكن يستدعي الأمر كل ما فعله... تنهد بندم وطرق الباب ولكن كما توقع لم يجد إجابة منها... تقلب طوال الليل على جمر ملتهب يريد لو يعود به الزمن بضع ساعات لم يكن ليوجعها بتلك الطريقة التي يعجز عن إصلاح ما أفسده بها...
تلاقت عيونه بعيونها التي تورمت من كثرة البكاء في الصباح ليلتاع قلبه لرؤيتها بتلك الحالة.
كلمة واحدة نطقت بها صوتها من بين حلقها وجوفها الملكوم...
"طلقني."
انصعقت أذناه مما سمعه ونظر إليها بعدم تصديق فلم يصل الحال بينهم لتلك الكلمة ولكن بالنسبة لها وصل لأبعد من هذا.
سيطر على أعصابه فالوضع لا يحتمل أي انفعال من جانبه ليتجه إليها ويحاول التحدث بهدوء بينما يمسك بكتفها:
"سيرين خلينا نتكلم براحة."
أبعدت يداه عن كتفها بعدائية هاتفة بحزم:
"مفيش بينا كلام غير الكلمة دي... طلقني."
قال بإقرار:
"اهدي يا سيرين... أنا عارف إني زودتها..."
قاطعته بانفعال فليس هناك من كلمات أو تبرير أو اعتذار لما فعله:
"مش عاوزة أسمع أي تبرير... أنا مش عاوزة أعيش معاك تاني بعد اللي عملته... وقبل ما تنزل ما تقفليش الباب، أنا مش قطة حابسها وقافل عليها... أنا إنسانة ليا كرامة وكرامتي ما تسمحليش أعيش مع واحد في أقل موقف بيشك فيا."
زم شفتيه بحنق وخجل من نفسه:
"سيرين يا حبيبتي..."
هتفت بعصبية:
"ما تنطقش اسمي على لسانك."
قال باعتذار وهو يحاول جذبها لصدره:
"أنا آسف يا سيرين الغيرة خلتني اتجننت... أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي... سامحيني."
دفعته بقوة بعيدًا عنه فهي لا تطيق لمسته بعد ما فعله بها لتصيح بإصرار غاضب:
"في أحلامك... عمري ما هسامحك."
قال بنبرة راجية:
"سيرين."
قالت بنبرة قاطعة:
"أنا قلت اللي عندي... مش هعيش معاك تاني بعد اللي قلته."
دخلت إلى غرفتها وصفقت الباب خلفها وهي واثقة من قرارها فبأي حق يطلب السماح... فرك حمزة يده بعصبية لا يعرف ماذا يفعل وكيف يراضيها بعد اندفاعه وغيرته العمياء... يعرف عنادها.. ستترك المنزل وتصر على رأيها... وهو لن يتركها تغادر وستنفلت أعصابه وربما يزداد الأمر سوءًا لذا أخذ يفكر بعقلانية وبقي بالمنزل فهو لا يستطيع المغادرة ويعرف أنها ستترك المنزل ما إن يغادر وأيضًا لا يستطيع أن يغلق الباب كاليوم السابق بعد أن شعر بحقارة فعلته... ولكنه اضطر لها حتى لا تترك المنزل... فكر ليجد أن ربما وجود نبيلة يقلل من حدة التوتر بينهما.
ليتصل بجدته:
"ممكن أطلب منك طلب؟"
"أومر يا ولدي."
***
لم تتأخر نبيلة في تلبية طلب حمزة وبعد ساعتين كانت أمامه...
فتحت سيرين عيونها المرهقة على طرقات الباب وصوت حمزة الخافت:
"سيرين الحجة نبيلة بره."
تعرف نبيلة بالمشكلة ولكنها كما اتفقت مع حمزة تظاهرت بعدم معرفة شيء.
قالت وهي تستقبل سيرين التي لم تتردد في الخروج لها:
"أنا قلت أجي بدري عنهم عشان أقعد معاكم."
قالت بابتسامة باهتة من التعب:
"نورتي يا ماما نبيلة."
قالت نبيلة وهي تحتضنها:
"عاملة إيه يا بنتي وحمزة الصغير عامل إيه؟"
تغيرت ملامح وجهها ما إن تحدثت نبيلة بذكر اسمه لتكمل وهي تجلسها بجوارها وتتطلع بقلق لهيئتها الباكية والواهنة:
"شكله تاعبك."
هزت رأسها:
"لا أبدًا. الحمد لله."
قالت نبيلة بمغزى:
"يبقى حمزة الكبير اللي تاعبك."
هزت رأسها بصوت مختنق:
"لا أبدًا... هو بس ظهري بيوجعني شوية."
قالت نبيلة بلهفة وقلق:
"واضح إنك تعبانة..."
يلا ناخدها يا حمزة للدكتور.
قال سريعًا: حاضر.
هزت رأسها: لا مفيش داعي، أنا كويسة.
تشربي إيه يا ماما نبيلة؟
ولا حاجة، ما تتعبش نفسك.
لا مفيش تعب.
قالت نبيلة بابتسامة هادئة: اللي تعمليه.
ما إن انصرفت سيرين حتى نظرت نبيلة له بعدم رضى: ليه بس كدة؟
نظر لها بقلة حيلة قائلًا: غصب عني.
هتفت بامتِعاض ورؤية سيرين بتلك الحالة الحزينة تمزق قلبها: زودتها يا ولدي.
أومأ لها بندم: عارف.
قالت نبيلة بعدم رضى: وجودي أه هيخليها في البيت... بس هتصفي إزاي ليك؟
قال برجاء: قوليلي أعمل إيه؟
هتفت نبيلة بحزم: لو عليا كنت اديتك القلم اللي هي ما قدرتش تديهولك.
قال حمزة بعدم تصديق: أنا؟
أومأت له نبيلة بغضب مكتوم: أيوه... وأنت تهينها وعاوزها تسكت... عارف يا حمزة البنت دي كبرت في نظري لما ما سكتتش عن حقها في اللي عملته فيها وضربتك بالسكينة.
أبعد عيناه عن نبيلة بخجل قائلًا: هي قالتلك؟
أومأت له: أه... نظرت إليه ووبخته: تفتكر بقى واحدة زيها ما سلمتش ليك وأنت جوزها... مش هتوقف أي كلب عند حده، ما بالك إنه زميل... جايز عندنا مفيش كدة بس لو حصل بنقبل ونفهم... وأنت مش راسك يابس كدة عشان من غير تفكير تتهمها.
قال بتبرير: غصب عني، بتجنن... بس والله حب وغيرة مش الهبل اللي في دماغها عن شك وقلة ثقة... غيرة وبس.
طيب ما تقولها؟
هز رأسه: مش عاوزة تسمع.
قالت نبيلة بتفكير: طيب ما تيجي أديك قلمين قدامها عشان تهدي.
ضحك من بين ملامحه الحزينة: لا يا حجة.
أنا أه عاوز أصالحها... بس هيبتي برضه.
هتفت نبيلة بامتِعاض: خلي هيبتك تنفعلك.
زفر قائلًا بحنق: هو جنني غير إنها رفعت إيدها عليا يا حجة.
أومأت له: في دي عندك حق... ما يصحش ترفع إيدها على جوزها بس برضه معذورة.
عادت سيرين تحمل صينية عليها الحلويات والعصائر ليقوم حمزة سريعًا يأخذها من يدها ولكنها بجفاء أبعدت يداه.
بالفعل وجود نبيلة منعها من المغادرة وقد استغل الفرصة ليعيدها إلى غرفتهم أيضًا لعله يستطيع الاعتذار لها.
دخل خلفها إلى المطبخ قائلًا برجاء: سيرين لو سمحتي ما ينفعش نبين قدام الحجة إننا متخانقين... ارجعي الأوضة بتاعتنا.
وأنا مش هقربلك.
نظرت له باحتقار ليزم شفتيه بغيظ منها ولكنه لا يستطيع فعل شيء... فهي غاضبة ويحق لها... بعد انتهاء العشاء دخلت نبيلة للغرفة التي جهزتها لها سيرين لتنام.
لتدخل سيرين إلى غرفتهم بملامح وجه جامدة... استبدلت ملابسها وخرجت لتجده يتمدد على الفراش.
قالت دون أن تنظر إليه: نام على الأرض.
رفع حاجبه باستنكار: نعم؟
هتفت بحزم وهي تشيح بوجهها: اللي سمعته، نام على الأرض يا همشي وأسيب الأوضة.
قال برفق وهو يتجه ناحيتها: يا سيرين، أنتي اللي استفزتيني... ما تنسيش إنك رفعتي إيدك عليا.
تجاهلت كلامه وزفرت بسخط: هتنام على الأرض ولا أنام أنا؟
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رونا فؤاد
قال برفق وهو يتجه ناحيتها:
"ياسيرين انتي اللي استفزتيني.... متنسيش انك رفعتي ايدك عليا."
تجاهلت كلامه وزفرت بسخط:
"هتنام علي الارض ولا انام انا."
سحب وسادة وألقاها على الأرض قائلاً بضيق شديد:
"ماشي ياسيرين هنام على الأرض."
رفع إصبعه أمام وجهها وأكمل بنبرة تحذير مبطنة:
"بس يكون في علمك أنا مش عاجبني اللي بتعمليه... خناقة عادية حصلت بينا مش لازم تأدبيني أنا مش عيل صغير هتعاقبيني."
احتقن وجهها بالغضب منه فور نطقه أمامها بكلمة "خناقة عادية". أهكذا يصوغ الأمر وما حدث بينهما؟ لتصيح به بغيظ:
"ومين قال إني بعاقبك... أنا مش طايقاك."
انصدمت ملامحه مما نطقت به لتكمل بغضب شديد:
"أعتقد أن ده إحساس طبيعي جداً بعد اللي عملته."
نفرت عروقه بجانب صدغه بجنون مما نطقت به وتعبيرها عن نفورها منه، ليهتف بحدة وعناد:
"وأنا عملت إيه... متوقعة مني أعمل إيه لما ألاقي واحد بيتصل بمراتي؟"
سخر بشدة وتابع:
"أحطلك التليفون على ودانك عشان تكلميه."
لو كانت للكلمات نصل، لما شعرت بوجع أكبر ينغرس بصدرها وهو يرشقها بتلك الكلمات التي ألهبت نيران غضبها من تصويره للأمر وكأنه ملاك بريء بينما هي من أخطأت.
احتدت كل ملامحها لتزدهر الحمرة بوجهها وتضرم النيران بغابات عيونها الخضراء وهي تزمجر بحدة:
"أنت أكيد مجنون عشان تقول كده."
استنفرت عروق جسده واندفع ناحيتها يمسك ذراعها هاتفا بعصبية شديدة:
"لمي لسانك ياسيرين وخذي بالك من كلامك."
اندفعت بغضب أكبر:
"خذ بالك من كلامك أنت الأول واعرف أني مسمحلكش تقول عني الكلام ده."
هز رأسه بانفعال:
"أنا مقلتش عنك حاجة... أنا بفهمك إن حقي أغار عليكي."
غزت الدموع مقلتيها، فعن أي غيرة يتحدث وهو بتلك العصبية والأفعال وإلقاء التهم وإصراره الرهيب على موقفه بأنه يحق له ما فعله.
كبحت تلك الدموع داخل أهدابها وهي تهتف به بنبرة مليئة بالحزن والشجن:
"دي مش غيرة... ده شك وعدم ثقة."
تلاقت عيناها بعيناه لحظة ليري احتباس دموعها، ولكنها هربت من عيناه سريعاً ونزعت ذراعها من يده بعنف، تمددت على الفراش وأولته ظهرها، وكل عرق بداخلها ينتفض بمزيج فائر من المشاعر: غضب، حزن، ألم، ووجع. أأيجرؤ على النطق أن ما حدث شئ عادي وأنه فقط يغار، بل وتنتابه نوبة جنون بتلك الطريقة بدلاً من الاعتذار؟ يعود مجدداً ليكون ذلك الرجل الذي كان يؤذيها.
ظل واقفاً مكانه بضع لحظات يفرك وجهه بعصبية شديدة. لا يعرف كيف بتلك البساطة يمكن أن يؤلم كل منهما الآخر، لماذا يتحول كل حديث بينهم لشجار؟ يعرف أنه عصبي ولا يستطيع التحكم في أعصابه خاصة حينما يتعلق الأمر بها، لماذا لا تراعي أعصابه التي تثيرها أقل كلمة منها؟ فماذا كان سيحدث إن قالت لن تحادث زميلها هذا مرة أخرى وتطفئ نيران غيرته بحبها؟ ماذا كان سيحدث إن اعتذرت عن عدم تجاهله وطلبها لطلب من رجل سواه بدلاً من تأنيبه بتلك الطريقة وإخباره أنه مشغول لذا لجات لسواه؟ مشغول ولكن عنها لا يشغله شيء. لماذا لا تقدر أن حبه وغيرته عليها شيء خارج عن سيطرته؟ لماذا دوماً تكون إثارة أعصابه أسهل شيء تفعله ويكون جنون عصبيته من نصيبها؟
جلس على الأرض وأوجعته رؤيتها تتماسك وتدفن دموعها بعيونها، فهو يحبها ويعشقها وجنون غيرته يصل حد السماء، ألا يغفر له هذا؟ هي حامل ومتعبة وهو يصب عليها جام غضبه، ولكن كله بسبب لسانها وإثارتها لأعصابه.
حاولت أن تجذب النوم لعيونها وتتجاهل الألم الذي تشعر به في أسفل بطنها وظهرها وذلك الغثيان الذي ازداد مع توترها وغضبها، تبعد أي تفكير فيما حدث بينهم، فهي مستنزفة ولا تستطيع التفكير أو فعل شيء سوى الاستسلام لذلك الحزن المؤلم، فهي بالنهاية لم تفعل شيئاً لكل هذا الجنون الذي نالته. لم تفعل شيئاً أبداً ليتهمها أنه لا يعرف ماذا تفعل خلف ظهره وكلامه تفوح منه رائحة اتهام بأنه لا يثق بها بسبب غدر عائلتها به. هل يتوقع أن تصمت عن اتهام كهذا؟
تقلب حمزة على الأرضية الصلبة التي لا تقل صلابة عن عقله الذي يصارع قلبه المشفق عليها ولا يريد أن يكون للخصام والجفاء سبيل بينهما. قلبه يريد منه أن يجذبها ويدفنها بين ضلوعه ويطفئ لهيب الغيرة والغضب المشتعل بداخله بحبها، ولكن عقله يصارعه بقوة، فهو لم يخطئ وعليها أن تتوقف عن عنادها وتحديها له. لقد أخبرها من قبل أنه لا يسمح بمجرد حديث بينها وبين رجل آخر وهي ضربت بكلامه عرض الحائط بل وطلبت منه طلب بينما هو زوجها لا يعرف شيئاً.
تماوجت الحرب بشد وجذب بين عقله وقلبه، بينما كانت عيناه لا تفارق النظر إليها تارة بغيظ وحنق وتارة بندم، فهي محقة بغضبها منه وهو محق بغيرته عليها. وأكثر ما أشعره بالضيق وأفلت عقدة أعصابه هو أنها أبعدته عنها وصممت ألا تنام بجواره وهي من بدأت بإغضابه فور تصريحها أنها تنفر منه ولا تطيقه، لذا اهتاجت أعصابه بتلك الطريقة. فهو بالرغم من أي شيء يحدث بينهما، إلا أنه دوماً يحبها ويريد قربها ولم يشعر للحظة أنه يريد بعدها الذي لا يقوى عليه أساساً لتنطق هي تلك الكلمات مراراً... لا تطيقه!
كور قبضته بغضب شديد. ومع ذلك أنبته نفسه كثيراً لقسوته عليها وتركها تنام وهي بهذا الحزن. فقد كان عليه تحمل غضبها منه، فهي محقة. لقد غضب عليها بشدة وحطم هاتفها واهتاج بجنون، لم يكن عليه أن يتهمها بتلك الكلمات.
زفر بضع مرات قبل أن يعتدل جالساً على الأرض ينظر إليها، بينما يجدها هي الأخرى لا تستطيع النوم من حركة جسدها المتشنجة.
قال بهدوء:
"سيرين خلينا نتكلم براحة ونتفاهم."
دون أن تلتفت إليه هتفت بحدة متألمة من وجع ظهرها وشعورها بالغثيان:
"قلتلك مش طايقاك ولا عاوزة أتكلم معاك."
اعتدل واقفاً بعصبية من تكرارها لتلك الكلمة، فهو لم يكد يهدأ حتى استفزته مجدداً ليتجه ناحيتها قائلاً بانفعال:
"ماشي ياسيرين براحتك... بس يكون في علمك مش عشان أنا عاوز أصالحك يبقى أنتِ مش غلطانة... أنتِ اللي غلطانة من الأول وأنتِ اللي وصلتينى لكده."
اعتدلت جالسة بانفعال شديد لتزمجر به بعيون تتقد شراً:
"أنا..."
أومأ لها قائلاً من بين أسنانه:
"أولاً أنتِ عارفة موضوع زميل ده مرفوضة بالنسبالي وكان لازم تحترمي رأيي ومع ذلك ولا عملتي اعتبار لكلامي وكمان بيتصل بيكِ."
"ثانياً إزاي تطلبي من حد أي خدمة أو طلب وأنا موجود وكمان أكون آخر من يعلم."
"ثالثاً رديتي عليا واستفزتيني وكمان رفعتي إيدك عليا وأنتِ عارفة إن عصبي بتجننيني."
اجتاح الألم كل شبر بها وامتزج بتماوج الغضب بداخلها من كلماته وتبريره أنه لم يخطئ، لذا بالرغم من عدم قدرتها على الكلام، إلا أنها تحاملت على نفسها وتحدثت بحدة:
"أنت مصدق نفسك في اللي بتقوله ولا أنت بتبرر عدم ثقتك وشكك فيا بأي كلام وخلاص؟ ومع ذلك أنا هرد عليك... بالنسبة لزميل ده شيء عادي والمفروض إنك واثق فيا وفي أخلاقي وقولت سبب اتصاله."
"ثانياً أنت عارف كويس أوي حساسية علاقتك بعيلتي، يعني استحالة أطلب منك حاجة تخصهم."
"ثالثاً موضوع إني استفزيتك، كنت متوقع مني أسكت؟ وأنا كنت عملت إيه أصلاً عشان تقولي ياعالم بتعملي إيه من ورا ضهري... أكيد كان لازم أرد لما ألاقيك بتهيني بالطريقة دي. وأنت نفسك قلت لو مكنتش حامل كنت أدتيني بدل القلم عشرة، يعني عندك استعداد تمد إيدك عليا؟"
هتف بانفعال وهو يهز رأسه:
"لا ياسيرين ده كان كلام لحظة غضب... وكل اللي قلته كان غيرة مش أكتر ولا كنت قاصد أهينك أو أتهمك."
"وموضوع حساسية مامتك، جايز عندك حق من وجهة نظرك، بس أنا استحالة تطلبي مني حاجة ومعملهاش مهما كانت... أنتِ شفتي إني مستحملتش زعلك يوم ما هشام سلم نفسه ومهما كنت مصمم على رأيي وقراري مقدرتش على زعلك وجيت على نفسي وتنازلت عن حقي وفضلتلك أنتِ مع إني كنت مستحيل أعملها وأسامحه بعد غدره بي."
تسارعت أنفاسها وامتقع وجهها بالألم ما إن تطرق مجدداً لتلك الحلقة التي دوماً تلف حول عنقها لتخنقها وتجعلها تدفع ثمن ذنب لم تقترفه. أظلمت عيناها وداهمها الغثيان بقوة ليتفاجيء بها تركض إلى الحمام.
"سيرينا..."
أسرع خلفها بقلق شديد. بينما جثت سرين على الأرضية الرخامية الباردة وانهارت باكية من كل ما تمر به. ليتمزق نياط قلبه ويؤلمه وجعها وبكاؤها بتلك الطريقة. فهي حامل ولا تستطيع احتمال كل هذا الضغط العصبي.
استندت بيدها إلى الحائط وفتحت المياه الباردة تغسل وجهها تحاول إيقاف شلال دموعها المنساب. لا تعرف أيهما يؤلمها أكثر، وجع قلبها أم جسدها؟
برفق وحنان أحاط بخصرها وكتفيها بيده ومد يديه ليغسل وجهها. جفف وجهها برفق وانحنى يحملها متجاهلاً لكماتها لصدره بينما تقول بصوت باكي:
"ملكش دعوة بيا... ابعد عني، كل ده بسببك."
غابت بنوبة بكاء بينما يزداد ألمها الذي يجتاح كل شبر بجسدها ولا تعرف سببه. ليضمها إليه برفق شديد متحمل ضربها لصدره هامساً:
"شششش بس متعيطيش..."
دفنت رأسها بصدره تبكي منه له... تشكو قسوته لحنانه، تشكو غضبه لرفقه ولينه، تشكو نيرانه لجنته. فكم حبه غابة مظلمة لا تخطو بها خطوة دون أن تتوه بمتاهته.
وضعها على طرف الفراش برفق ورفع وجهها إليه وجفف دموعها بحنان قائلاً:
"حقك عليا، متزعليش مني."
قالت بوهن:
"أنت على طول ظالمني وأنا مش هسامحك أبداً."
ضمها إليه متجاهلاً يدها التي تبعده عنها لتطوقها يداه بينما يقول بهدوء بعد أن هدأت قليلاً:
"... سيرين.... حبيبتي.... أنا بحبك وبموت فيكي لدرجة أنتِ مش ممكن تتخيليها..."
أمسك ذقنها برفق لينظر إلى عيونها ويكمل:
"سيرين أنا جايز عصبي مجنون والغيرة بتعميني بس ده من حبي فيكي... أنا عمري ما كنت كده ولا عمري حسيت بنار الغيرة دي قبل كده... حتى معاها عمري ما فكرت أصلاً ولا حسيت باللي بحسه معاكي... كانت بتخرج وبتلبس وبتحضر معايا حفلات ومكنتش بهتم إلا لشكلِ كراجل مش أكتر. إنما معاكي أنتِ حاجة تانية... بغير عليكي من الهوا... بتجنن وبفقد أعصابي لأقل حاجة... بصة طارق ليكي أنا لسه فاكرها وبتحرق كل ما افتكر إن راجل تاني بص لك... ابن خالتك بموت وأنا بتخيل إنه بيفكر فيكي وعندي استعداد أخنقه من غير تفكير لو بس قرب منك..."
ذبلت زيتونتا عيونها بينما نظر إليها بعينيه التي اجتاحتها فوران مشاعره وهو يكمل:
"أنا مش ناسي أبداً إني اتجوزتك غصب عنك يعني أنا اتفرضت عليكي وعلى حياتك... اضطريتي تبقي مراتي وتعيشي معايا... أنتِ مختارتنيش بإرادتك وأنا خايف تندمي وتسبيني في يوم من الأيام."
عقدت حاجبيها وهتفت باستنكار:
"أنت إزاي تقول كده... أنا لو مكنتش عاوزاك مكنش فيه حاجة في الدنيا تجبرني أعيش معاك لحظة."
نظر إلى عيونها راجياً:
"يعني بتحبيني؟"
قالت وهي تبعد عيناها عن عيناه:
"أنت عارف."
"محتاج أتأكد إنك عمرك ما هتسبيني..." غص صوته بينما قال:
"سيرين حتى لو خسرت كل حاجة في الدنيا أنا معنديش استعداد أخسرك."
نظرت إليه باستفهام:
"ليه بتقول كده...؟ إيه اللي يخليني أسيبك؟"
نظرت إليه وتابعت بجدية:
"حمزة أنت هتفضل في دايرة الشك دي وهتدمر علاقتنا."
أومأ لها قائلاً بصدق:
"عندك حق... بس غصب عني اللي عيشته."
قاطعته قائلة:
"اللي عيشته مكنش معايا، ماليش ذنب عشان أدفع تمنه."
جذبها إلى صدره ومرر يديه برفق على ظهرها بينما يقول:
"عندك حق.. أنا آسف ياسيرين سامحيني.... وعد مني إن دي آخر مرة أزعلك."
قاطعته بوهن وهي تبتعد عن صدره:
"... متوعدنيش."
نظر إليها لتقول:
"أنت وعدتني قبل كده كتير... لسه من كام أسبوع وعدتني وكررت غلطتك وقبلها وقبلها."
هتف ليوقفها:
"سيرين متضغطيش عليا."
هزت رأسها بشجن وتعب:
"مش بضغط عليك..... أنا بقول الحقيقة.... مينفعش نعيش مع بعض وأنت مش واثق فيا."
قال بإصرار:
"أنا بثق فيكي ياسيرين.... قولتلك بغير."
"تغير بعقلك؟" هتفت باستنكار حاد:
"هو فيه عقل في الغيرة؟"
أومأت له:
"أه... لازم تحكم عقلك عشان أنا تعبت من عصبيتك اللي ملهاش داعي."
بعد أن هدأت الأمور قليلاً قبل لحظات عادت نبرتهم لتحتد مجدداً بينما هتف بانفعال:
"يبقى قدري عصبيتي وراعي غيرتي ياسيرين ومش هتحصل بينا أي مشاكل."
رفعت حاجبيها منه بحنق، فهو لن يتغير ويلقي باللوم كله عليها. هو يغار بجنون وهي يجب أن تقدر جنونه، هذا هو ملخص ما حدث. إذن فكل ما تحدثا به هباء مادام ما زال مصمماً أن هذا هو الأمر: غيرة وعليها احترامها.
زمّت شفتيها وهي تضغط بيدها على بطنها بألم قائلة:
"خلصت."
عقد حاجبيه باستفهام لتكرر وهي تضغط على شفتيها حتى لا تتوجع أمامه:
"لو خلصت كلامك... لو سمحت قوم نام على الأرض عشان أنا تعبت وعايزة أنام."
كلماتها الهبت أعصابه الثائرة مجدداً، ولكنها أغمضت عيناها بقوة تحاول السيطرة على انفعاله وهو يقول من بين أسنانه:
"برضه..."
شاحت بوجهها دون قول شيء ليقول:
"أنا فهمتك سبب عصبيتي."
هتفت ببرود:
"وأنا سمعتك بس حالياً مش مسامحاك ولا طايقاك."
"يعني مصممة؟"
قالت بعناد:
"لغاية ما تعترف إنك غلطان."
أغمضت عيناها بسرعة واجفلت من صوت تنفسه العالي الغاضب والذي كاد يحرقها من سخونة أنفاسه التي لفحت وجهها، بينما تبرطم بحنق:
"ماشي ياسيرين براحتك...."
قام من جوارها وسحب بحنق علبة سجائره وخرج إلى الشرفة يخرج غضبه بأنفاس سيجارته التي تحترق كما تحترق أعصابه. يالها من عنيدة متمرّدة. لا ينكر أنه يعشق طبعها الثائر الذي يميزها بسحر غريب لا يفهمه جعله يغرق بعشقها حتى أذنيه، ولكنها لا تدري أنه بالرغم من عشقه لها ولهذا العناد الذي يميزها، إلا أن ما تدفعه إليه من جنون أفعالها لا يطاق ويدفعه إلى حافة الجنون.
لم ينم طوال الليل وكان واضح من ملامح وجهه المتجهمة في الصباح مقدار سوء ليلته التي قضاها يدخن بشراهة حتى خيوط الفجر الأولى.
التعت نبيلة لرؤيته بتلك الحالة في الصباح وقد كان حرفياً يخنق الهواء الذي يتنفسه.
قالت بهدوء وهي تتطلع إليه:
"صباح الخير يا ولدي."
قال باقتضاب:
"صباح الخير يا حاجة."
قطبت جبينها بينما ترى الغضب الذي يجتاح ملامحه:
"مالك يا حمزة... أنتوا اتخانقتوا تاني؟"
شاح بوجهه وزفر دون قول شيء لتمسك بيده قائلة:
"... طيب تعالي اقعد واحكيلي اللي حصل."
هز رأسه:
"لا أنا نازل."
"رايح فين بدري كده يا ولدي؟"
"رايح الشغل."
تفت بامتعاض:
"من غير فطار؟"
قال باقتضاب:
"ماليش نفس."
هزت رأسها:
"لا مينفعش... تعالي بس اهدي وأنا هجهز الفطار نفطر كلنا سوا."
استدار بنفس لحظة خروج سيرين من غرفتها، والتي لا تعلم كيف وافقت شيطان عنادها على تلك الخطوة لتسكب بنزين على النيران.
قالت نبيلة:
"صباح الخير يا بنتي."
نظر حمزة إلى سيرين التي قالت بابتسامة باهتة لنبيلة:
"صباح الخير يا ماما نبيلة."
تشعر بالغضب منه ومن عناده وقررت أنها ليست من ستجلس وتبكي، بل ستعاند وتتمرد.
اختفت ملامح وجهه الساكنة وحل محلها استفهام مهدد بالشر، بينما يسألها وقد رآها ارتدت ملابسها:
"أنتِ رايحة فين؟"
قالت ببرود:
"رايحة شغلي."
رأت نبيلة السماء ترعد وتبرق مهددة بعاصفة هوجاء ستهب من الكلمات التي نطقت بها سيرين.
حاول التمسك بأعصابه بينما قال بهدوء خدعها:
"أعتقد أننا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده."
قالت بعدائية:
"اسمها أنت قلت، مش اتكلمنا."
قال بجمود:
"أي أن يكون... الموضوع انتهى ياسيرين."
رشقته بلهيب نظراتها المتمردة:
"يعني إيه؟"
قال بحزم:
"يعني أنا قلت مفيش شغل."
تفتت بشراسة:
"مفيش حاجة اسمها كده، مش من حقك."
قال بحزم:
"لا من حقي... أنا جوزك."
تدخلت نبيلة:
"اهدي بس يا ولدي."
قال حمزة بهدوء شديد وهو يضغط على حروفه:
"أنا هادي وبتكلم براحة... شغل مفيش... خروج من البيت من غيري مفيش."
احتقن وجهها بالغضب من هيمنته الكاملة بإصدار فرمانات أوامر التي يستحيل أن تقبل بها لتقول بعداء:
"والمفروض إن العبدة اللي اشتراها توافق."
نظر إليها بلهيب مستعر لتتدخل نبيلة سريعاً تحاول قول أي شيء تهدئ به الوضع وكلاهما يتناقران كالديوك:
"لا يابنتي عبدة إيه بس... هو حمزة خايف عليكي... أنتِ حامل ولازم ترتاحي ده اللي قصده."
نظرت إلى نبيلة لا تنفي كلام نبيلة أن كان سيهدئ نوبة جنونها، فلا بأس، فلتع تعتبر قراره خوفاً عليها لا يمانع، فذلك أسلم لها من إثارة أعصابه. نظرت لنبيلة بعتاب... وهل هي طفلة لتخدعها بسبب واهٍ؟ بينما رفعت عيناها الشرسة إليه قائلة:
"أنا مش تعبانة وكويسة ومش هسمحلك تتحكم فيا وتضايقني وتضغط عليا بالطريقة دي."
قال ببرود قاتل:
"لو شايفة حبي وغيرتي عليكي ضغط يبقى اتعودي..... قراري نهائي ياسيرين ولو انطبقت السما على الأرض مش هرجع في كلمة منها."
احتدت ملامحها بقوة وتجاهلت كل الإنذارات التي أرسلها لها عقلها وحتى جسدها المنهك لتهتف به بضراوة:
"يبقى شوف واحدة تانية غيري اتحكم فيها وشك فيها واحبسها براحتك لآني مش هقبل بفرمانات سيادتك."
اتسعت عيون نبيلة بهلع لتوقفها:
"إيه اللي بتقوليه يابنتي؟"
زادت من سكب البنزين على النيران وهي تهتف بعنفوان:
"اللي سمعته..... أنا مش هقعد في بيته ده تاني، يشوف واحدة غيري يخرسها فيه، إنما أنا ماشية من البيت ده."
حسناً، بالرغم من اقتناعها بموقفها ورفضها التام لإخضاعه لها بتلك الطريقة، إلا أنها ترتجف من تلك النظرات التي ارتسمت بعينيه، وبالرغم من أنها أضرمت النيران بعقله وقلبه، إلا أنها تفاجأت بصوته يخرج هادئاً ولكنه مبطن بالتحذير الشرس الذي يسري بعروقه:
"لو رجلك عتبت برا البيت ياسيرين هتكرهيني من اللي هعمله فيكي...."
زجرته نبيلة:
"بس ياحمزة."
تسارعت أنفاسها لتهتف بنبيلة:
"شايفه بيهددني إزاي؟"
قالت نبيلة وهي تمسك بكتفها:
"لا يابنتي ميقصدش.... اهدي يابنتي وكفاية كده."
هزت سيرين رأسها وقد هب مارد عنادها ووقف بعقلها يثور لتزمجر بعصبية:
"مش كفاية.... من أول ما اتجوزنا وهو كل حاجة عصبية وأوامر وتحكم وغيرة وشك وعدم ثقة وإهانة."
استعرت نبرته بالرغم من هدوئها بينما قال بتأنيب:
"هو ده بس اللي فكراه ليا من وقت ما اتجوزنا؟"
بالرغم من رفض عقلها وقلبها للنطق وإنكار الحب والسعادة التي عاشتها برفقته، إلا أن العناد تملك منها وسيطر على لسانها الذي انفلت منها باندفاع ونطق:
"أه، ومتنساش أصلاً إنك اتجوزتني غصب عني."
رشقه بسهم غاشم مسموم بتلك الكلمات التي لم تعنيها أبداً... فقط أرادت أن تجرحه بأي كلمة، فهو للتو بالأمس أخبرها بسبب غيرته المجنونة عليها وها هي تنهشه به.
أمسكت نبيلة بيدها تبعدها من أمامه تهتف بانفعال:
"بس بقي كفاية محدش فيكم يقول أي كلمة تانية.... ادخلي أوضتك."
ندمت لما تفوهت به، ولكن شبح العناد سيطر على عقلها في تلك اللحظة.
قالت نبيلة لحمزة:
"حمزة يا ولدي روح شغلك ولما تهدي ابقوا اتكلموا."
استصعب خروج كلمة من جوفه المحترق، فلو نطق الآن سيؤلمها بحق. حبه وتملكه وغيرته وحش ضارٍ وها هي فكت أسر هذا الوحش بسم لسانها. إن كانت تخبره أنه يمتلكها غصباً وقوة، فهو سيريها كيف يمتلكها بقوة ستحطم عظامها وتجعلها لا ترى بالرجال سواه.
حمد لله كثيراً على وجود جدته، وإلا لكانت انفلتت حمم غضبه عليها وأحرقت كليهما.
بعد ذهابه هتفت بها نبيلة بعتاب:
"ميصحش أبداً اللي عملتيه يابنتي...."
قالت بعناد:
"وهو اللي عمله عادي؟"
هزت نبيلة رأسها:
"مش عادي إنكم تناطحوا بعض بالطريقة دي... شايفاه اتعصب تسكتي مؤقتاً لغاية ما يهدي."
ربتت على كتفها وتابعت بأمومة:
"يابنتي، جوزك عصبي وأنتِ بتعصبيه زيادة لما بتردي الكلمة بكلمتها."
هزت قدمها بانفعال:
"وأنا المطلوب مني أعمل إيه وهو بيتعامل معايا كده... خلاص مخلّاش فيا أي عقل أفكر بيه."
"بيحبك وبيغير عليكي.... استهدي بربنا وقومي خدي دوش واهدي كده."
أخرج حمزة القليل من غضبه بتلك القيادة السريعة المتهورة وهو يتذكر كلماتها: ألا ينسى كيف تزوجها غصب. هل تهدده بالخروج من حياته وتتوقع منه العقل والهدوء؟ ألم يخبرها بالأمس أنه يغار بجنون؟ ألم تكن تحبه لتأتي اليوم تخبره ألا ينسى كيف تزوجها. تختصر حياتها وحبه له بأوامر وشك وإهانة. ألم ترَ منه إلا هذا؟ إلى هذا الدرجة كان مقصراً بحبها فلم يستطع أن ينسيها آثامه الماضية.
ما إن وصلت الفتيات حتى استغلت نبيلة الفرصة لتتركها برفقتهم لتهدأ وتذهب لحمزة الذي تأكل قلبها قلقاً عليه منذ خروجه بتلك الطريقة وأيضاً لا يجيب على هاتفه.
قالت ريحان بلؤم وهي ترى تغير ملامح سيرين ونبيلة منذ قدومها:
"مالك ياسيرين؟"
قالت بشجن:
"مفيش."
"مفيش إزاي..... ده أنتِ شكلك مش طبيعي..."
نظرت إليها وتابعت بلؤم:
"أنتِ متخانقة مع حمزة....؟"
صمتت لحظة بعدها اندفعت بدموع تخبرها هي وسارة بما حدث. لتقطب سارة جبينها بتأثر، بينما قالت ريحان بخبث:
"وهو مين كان بيتصل بيكي؟ مين ممدوح ده؟"
قالت سيرين بعدم اكتراث:
"واحد زميلي في الشغل."
هزت ريحان رأسها:
"مممم زميل."
"أيوة والموضوع مكانش مستاهل كل اللي عمله."
قالت سارة تحاول تهدئتها:
"معلش ياسيرين هو تلاقيها لحظة انفعال... كنتِ فهمتيه براحة."
قالت بقله حيلة:
"وهو أداني فرصة."
"معلش هو بس تلاقيه بيغير شوية... ده من حبه ليكي."
قالت ريحان بامتعاض تقصده لإثارة غضب سيرين عكس سارة التي حاولت تهدئتها:
"إيه اللي بتقوليه ده... لحظة انفعال إيه؟ وغيرة إيه؟ وحب إيه؟ لا طبعاً مالوش حق ده بيشك فيها."
زجرته سارة بنظراتها لتتجاهلها ريحان وتبدأ باستغلال الوضع:
"ده لو عايش عندنا مش هيعمل كده... إيه التحكم ده... ده ناقص يربط رجلها في بيته."
هتفت بها سارة بحدة:
"ريحان."
هزت كتفها بتأثر زائف:
"وأنا قلت إيه... أنا زعلانة عشانها.... ومش عاجبني اللي بيعمله معاها.... بصراحة مالوش أي سبب ولا تبرير غير إنه مش واثق فيها."
زجرته سارة بغضب:
"بس ياريحان إيه اللي بتقوليه ده."
"سيرين متسمعيش اللي بتقوله."
قالت ريحان بلؤم:
"أنا آسفة ياسيرين مقصدش.. بس... بس.. إحنا طبعاً عارفين الموضوع وعارفين إن مالكيش ذنب... بس واضح إن حمزة شايف إن ليكي ذنب ولو ماخدتيش موقف منه هيفضل طول الوقت يتعامل معاكي كده."
هتفت لها سارة بحدة:
"بس بقي ياريحان.... إيه اللي بتقوليه ده."
"سيرين متسمعيش اللي بتقوله."
قامت سيرين من مكانها واتجهت إلى غرفتها قائلة بشرود وأسى:
"عندها حق ياسارة."
التفتت سارة إلى ريحان بغضب بعد ذهاب شيرين لغرفتها:
"أنتِ غبية... إيه اللي عملتيه؟"
قالت ريحان ببرءاه:
"وأنا عملت إيه؟"
قالت سارة باتهام:
"بتصطادي في الميه العكرة."
هزت كتفها ببرود:
"أنا ولا عملت حاجة.. أنا قلت رأيي.... أنتِ اللي مش شايفة ولا إيه هو لو بيثق فيها كان عمل كده."
"بيغير يامتخلفة."
قالت بابتسامة خبيثة:
"مش باين."
هتفت بها سارة بغضب:
"منك لله بدل ما تهديها تسخنيها عليه كده."
بالفعل استطاعت ريحان القضاء على أي ذرة تعقل لدى سيرين التي كما اعتادها مندفع، شرسة لا تقبل بأن يتحكم بها أحد. دفعته بشماتة كلماتها لأخذها من بيتها عنوة وفعل بها الأفاعيل لإثارتها غضبه بتحديها له.
تفاجيء حمزة بنبيلة تدخل إلى مكتبه.
"إيه يا حاجة خير في إيه؟"
قالت بحنان وهي تنظر لملامح وجهه المرهقة والمستنزفة:
"مفيش يا حبيبي جيت أطمن عليك."
"أنا كويسة."
أجلسها على الأريكة الجلدية الأنيقة بجانب مكتبه لتمسك بيده تجلسه بجوارها:
"تعالي يا ولدي نتكلم براحة."
تحدثت معه تحاول تهدئة الوضع بينه وبين زوجته لتكمل:
"يا ولدي البنت طيبة وغلبانة أنت بتقسي عليها جامد.... وراسك يابس معاها... أنا كلمتك قبل كده وقلتلك خدها بالمسايسة."
هز كتفه قائلاً بامتعاض وخشونة:
"وأعمل إيه... اتجننت وخلاص كان لازم هي تفهم كده مش تستفزني بالطريقة دي.... تحمد ربنا إني سكتت على كل العند والتحدي اللي وقفت تكلمني بيهم."
قالت نبيلة برفق:
"ماهي فاهمة يا ولدي.... بس أنت عارف إن مراتك مش واحدة عادية هتسمع وتسكت... أهي ردت بكلمتين لحظة غضب لما منعتها من الشغل والخروج من غير سبب... ويكون في علمك أنا مش معاك في اللي عملته.... أنا دايماً بقف لخالك لما يقسي على بناته وياما وقفت لجدك لما قال للبنات كفاية تعليم... يا ولدي أنت عندك حق تغير على مراتك وهي كمان ليها حق متحسش إنها من غير رأي قدام جوزها... إيه النكد والمشاكل من غير داعي..... لازم كل واحد فيكم يفهم طبع التاني ويحاول يتطبع عليه واللي يقدر يجي على نفسه يجي عشان المركب تمشي..... كنت أقدر أقعد جنبها وهي بتكلم الجدع زميلها وأعرف في إيه ولو في حاجة مش عاجباك اتكلم براحة معاها."
رفع حاجبه باستنكار:
"لا والله."
هتفت نبيلة بامتعاض:
"وفيها إيه يا حمزة؟"
صاح بحدة:
"فيها إن أنا مستحملش حاجة زي دي واللي يكلمها أقطع لسانه."
اتسعت عيون نبيلة بعدم تصديق ليكمل بخشونة:
"تكلم راجل تاني ليه أصلاً.... لما ربنا ياخدني تبقي تطلب من غيري."
قالت بلهفة:
"بعد الشر عليك يا ابني... لية بس الكلام ده."
هز رأسه بعناد:
"أهو أنا كده... نصيبها وقدرها الأسود وقعها فيا تستحمل بقية."
هزت رأسها:
"ماهي مستحملة.... بس مش كده برضه يا حمزة... أنت من ناحيتك اتنزل حبة وهي حبة... أنت مش بتحبها؟"
أشاح بعينيه قائلاً:
"ما أنتي عارفة إني بحبها."
"يبقى زعلها ميهونش عليك.... البنت حامل وربنا العالم تعب الحمل مبرجلها إزاي لازم تقدر ده كويس."
نظرت إليها سارة بدهشة:
"إيه ده ياسيرين؟ أنتِ خارجة؟"
أومأت لها سيرين:
"أه."
قالت سارة باستفهام:
"يعني رايحة فين؟"
قالت سيرين التي تمرد شيطانها وقررت كسر كلماته وتتحداه بجراءة تجهل ثمنها.
حاولت سارة إثناءها عن رأيها:
"بس ياسيرين بلاش تخرجي أنتِ كده بتستفزيه."
هزت كتفها بعدم اكتراث لتقول ريحان بخبث شديد وبداخلها يرقص فرحاً، فها هي الأوضاع مشتعلة دون أدنى مجهود كأنها أتت الرياح بما تشتهي سفنها التي تسعى للخراب.
حاولت سارة إيقافها بيأس:
"يعني هتروحي فين طيب؟ استني أجي معاكي."
"لا."
أسرعت سارة لهاتفها... لتوقفها ريحان:
"هتعملي إيه؟"
"هاتصل بتيتة تيجي تشوف المصيبة دي."
قالت ريحان ببرود:
"مصيبة إيه؟"
صاحت بها سارة بغضب:
"إيه البرود اللي أنتِ فيه ده.... أنتِ عارفة لو حمزة عرف إنها خرجت هيعمل إيه؟"
هزت كتفها بعدم اكتراث:
"مشكلتها هي..... وإحنا مالنا."
دفعتها سارة من أمامها قائلة:
"أوعي كده... أنتِ إيه يا شيخة.... شيطانة."
ابتسمت له نبيلة قائلة:
"أنت الراجل يا ولدي وأنت اللي في إيدك تهدي الأمور بينكم."
أومأ لها لتربت على يده:
"ربنا يهدي سركم يا حمزة."
تعالي رنين هاتف نبيلة لتجد صوت سارة الملهوف:
"أنتِ فين يا تيتة؟"
قالت نبيلة بقلق:
"مالك ياسارة في حاجة؟"
قالت سارة بتوتر:
"الحقِ يا تيتة سيرين خرجت."
اخفت نبيلة تغيير ملامحها التي انصدمت بينما تقول بهدوء:
"متقلقيش ياسارة أنا عند حمزة وراجعة على طول."
سألها حمزة بقلق:
"في حاجة يا حاجة؟"
هزت رأسها تخفي ارتباكها، فشئ كهذا لا يجب أن يعلمه حمزة أبداً لتقول:
"لا أبداً يا ولدي... دول البنات بس بيطمنوا عليا..... أنا أصلي نزلت وراك من غير ما أقوله."
أومأ لها قائلاً:
"طيب يلا أوصلك."
هزت رأسها بسرعة:
"لا خليك أنت في شغلك... أنا معايا السواقة."
هز رأسه:
"لا خلي السواق يرجع وأنا هروح معاكي..... وأهو أحاول أتكلم معاها وأصالحها."
هزت نبيلة رأسها بارتباك واضح:
"لا... لا أنت خليك في شغلك... أهو تهدي على الآخر وبليل لما ترجع تصالحها."
رفع حمزة حاجبه:
"في إيه يا حاجة. ده أنتِ بقالك ساعتين بتقنعيني أروح أصالحها دلوقتي تقوليلي لما ترجع؟"
أومأت له بتوتر:
"أه... قصدي... يعني أنا هروح الأول أهديها هي كمان بكلمتين وأهو لما ترجع تكون الأمور هديت."
نظر إليها بعدم اقتناع لتقول نبيلة بمرح من بين توتر أعصابها، فأن عاد حمزة برفقتها الآن سيجد أن سيرين خرجت دون علمه وستقوم القيامة:
"وبعدين أنا هعملك حمام تاكل صوابعك وراه لما ترجع على العشا."
ضحك حمزة ليرفع يديها إلى شفتيه يقبلها بحنان، فقد عوضه الزمن عن غياب أمه وعوضه بجدته الحنونة:
"تسلم إيدك يا حاجة.... بس متتعبيش نفسك."
هزت رأسها بحنان وهي تربت على رأسه:
"تعبك راحة."
تنفست نبيلة الصعداء بينما فتح لها عواد باب السيارة لينطلق بها عائداً إلى منزل حمزة.
ما إن دخلت المنزل حتى هتفت بسارة وريحان بحدة:
"أنتم إزاي تسيبوها تخرج؟"
قالت ريحان ببرود:
"أهو اللي حصل يا تيتة... هنحبسها يعني؟"
"اسكتي انتي ياريحان."
"والله ياتيته حاولت أقنعها بس هي صممت."
"وفجأة كده نزلت."
هزت سارة رأسها ونظرت إلى ريحان بغل:
"لا ياتيته.... بصراحة الغبية دي قعدت تشعللها لغاية ما راحت قامت وخرجت."
وكزتها ريحان بجانبها قائلة:
"وأنا مالي بقى يا ست سارة..... إحنا كنا بنكلمها عادي وبنحاول نهديها لما حكت الخناقة بتاعتها هي وحمزة."
نظرت سارة بغضب إلى كذبها وصاحت:
"كذابة... أنتِ مكنتيش بتهديها."
التفتت ريحان لسارة:
"أنتِ هتحمليني أنا الذنب ليه وأنا مالي وهي عيلة صغيرة..... هو أنا قلت لها كسري كلام جوزك."
هتفت بهم نبيلة بغضب ونفاذ صبر:
"اخرسوا انتوا الاتنين واختفوا من قدامي."
فركت يدها بتوتر تنظر في الساعة وهي تقول برجاء:
"يارب.... يارب عدّيها على خير. لو عرف إنها خرجت مش هيسكت..... ليه بس كده ياسيرين...."
"يارب."
جلست نبيلة تدعو أن تعود سيرين قبل عودته وليس بيدها شيء تفعله سوى الدعاء، فلا يوجد هاتف مع سيرين لتتصل بها ولا تعرف أين هي لتذهب إليها. تماوجت الأسئلة وعصفت برأسها. أتكون تركت المنزل؟ إنها حتى لا تعرف منزل عائلة سيرين لتذهب إليهم تسألهم عنها.
سألتها سلمى بينما ترى صمتها منذ أن خرجت برفقها:
"إيه يابنتي مش ناوية تفهميني مالك؟"
قالت سيرين:
"مفيش ياسلمى زهقت قلت نخرج."
"فجأة كده."
هزت كتفها:
"وفيها إيه."
أومأت لها سلمى قائلة:
"طيب أنتِ شكلك متغير.... احكيلي مالك."
قالت سيدرا بدلال:
"زعلانة منك يا عزام بيه."
قال عزام:
"ليه بس ياقمر؟"
قالت باغواء:
"يعني أكون تبع عزام بيه الصاوي ويتطلب مني ضمانات؟"
ضحكت عالياً وهو يقول:
"وهي ضمانات البنك فيها تبع مين؟"
قامت لتتجه ناحيته وتميل عليه بدلال:
"طبعاً لما أكون تبع عزام بيه الصاوي، متعاملش زيي زي أي حد."
هز رأسه وارتجع ظهره للخلف يتأمل جمالها الأخاذ قائلاً بتمهل:
"لا ياحبيبتي أنتِ لسه صغيرة في السوق..... كله بتمنه. وضمانات البنك أما تكون ضمانات أو فلوس."
نظرت إليه باستفهام:
"يعني إيه؟"
نظر بتمهل إليها يرى المكر والطمع بعيونها:
"يعني قرض بـ 200 مليون هتدفعي فيه 10 مليون من غير ضمانات للي يسهلك القرض."
تحاول اغواءه والحصول على أكبر فائدة منه، ولكن ليس عليها أن تكشف مقدار طمعها كله أمامه حتى لا يخشاها.
هزت رأسها بتفكير:
"طيب ماتضمن أنت."
ضحك قائلاً:
"ياريت أقدر.... بس مينفعش."
"أنت بخيل أوي يا عزام بيه."
أشار لنفسه:
"أنا برضه.... ده التوكيل اللي بتحلمي بيه هيتمضي خلال أسبوع ومن غير أي مليم.. يبقى أنا بخيل؟"
نظرت إلى الخاتم الألماس الذي أهداه لها قائلة بدلال:
"بصراحة لا.. مش بخيل خالص ياعزام بيه."
ضحك قائلاً:
"إيه موضوع عزام بيه دي.... إحنا مش اتفقنا خلاص هنبقى واحد قريباً."
أومأت له وهي تسبل أهدابها برقة:
"أكيد."
أومأ لها قائلاً:
"يبقى يلا بسرعة خلصي موضوع القرض ده عشان نتجوز ونمضي عقد التوكيل في نفس اليوم."
أومأت له بابتسامة تحلم باليوم الذي ستتزوج به عزام الصاوي وتكون شريكته لتقول بحماس:
"طيب أنا عندي وديعة بـ 150 مليون."
نظر إليها بطرف عيناه:
"وديعة بالمبلغ ده ومخبياها؟"
هزت كتفها:
"الزمن.... لازم أأمن نفسي."
"طيب هايل أنا هكلم مراد البنهاوي مدير البنك عشان يخلص الإجراءات بضمان الشركة والوديعة."
"والشركة كمان..؟"
أومأ لها قائلاً:
"متقلقيش ياروحي... في نفس اليوم هيكون في حسابك أنتِ وجمال بيه 200 مليون."
هزت رأسها:
"جمال لا."
قطب جبينه باستفهام:
"يعني إيه؟"
وضعت يدها فوق الأخرى قائلة بمكر شيطاني:
"يعني جمال كفاية عليه أوي كده...."
ضيق عيناه قائلاً:
"بس ده شريك معاكي ونص القرض باسمه."
قامت ناحيته ومالت عليه باغواء:
"آه.... بس أنا بقى عاوزاك تخلي مدير البنك يحط كل الفلوس في حسابي أنا."
"وجمال نقوله إيه؟"
مررت يدها برقة على صدره:
"نقوله أي حاجة مؤقتاً.... وبعدين أنا لازم أعمل كده عشان أأمن نفسي... افرض أخد فلوس القرض ومسددهاش.. الشركة بتاعتي يتحجز عليها."
هز رأسه وانساق إلى اغواءها قائلاً:
"لا طبعاً ياحياتي.... لازم تأمني نفسك."
أومأت له بثقة وقالت:
"المهم نمضي الشراكة عشان أنا بأسرع وقت عاوزة أبدأ شغل وأتحكم في الشحنات اللي داخلة لكل الشركات."
رفع حاجبه بتساؤل:
"وليه بسرعة؟"
هزت كتفها:
"عادي..... هو مش أنا صاحبة التوكيل..... عاوزة أتحكم فيهم وأرفع الأسعار."
قال بتحذير:
"بس خدي بالك أنا متفق مع كتير من الشركات دي."
قالت بهدوء:
"ده بيزنس.... مفيهوش اتفاقات."
ضحك قائلاً:
"إحنا كبرنا أهو وبقينا نتكلم في البيزنس."
ضحكت بنعومة:
"تلميذتك."
هلت ملامح سلمى ما إن أخبرتها سيرين بما حدث لتقول بعيون متسعة:
"يعني أنتِ خرجتي من ورايا؟"
هزت سيرين كتفها تتظاهر بعدم الاكتراث:
"من وراه ولا قدامه أنا مش مسجونة."
هزت سلمى رأسها بعدم رضى:
"لا يا سيرين.... أنتِ طبعاً غلطانة... إيه العناد ده."
هتفت بجبين مقطب:
"وهو إيه التحكم؟"
قالت سلمى بعقلانية:
"أي أن يكون... كنتِ تتكلمي معاه ياسيرين مش تخرجي من وراه..... يلا ياسيرين عشان أنتِ لازم تروحي وادعي ربنا تروحي قبل ما يرجع."
هزت رأسها:
"لا طبعاً أنا عايزاه يعرف إني خرجت وإن كلامه ميمشيش عليا."
صاحت سلمى بحزم:
"لا يمشي ده جوزك ياسيرين."
نظرت إليها وتابعت:
"أنتِ مش بتحبيه ياسيرين؟"
قالت سيرين:
"بحبه أكيد."
سألتها سلمى:
"طيب بتعملي كده ليه.... أنتِ كده بتدمرى وبتولعي في حياتكم."
"هو اللي بدأ."
"هو مش تحدي ياسيرين مين بدأ ومين هيكسب... دي حياتك وسعادتك.... الحياة مش كده ياسيرين. أنا عارفة طبعك بس الست لازم تتفهم وحمزة طيب وحنين وبيحبك أوي وده كلامك أنتِ عنه مش أنا...... بصراحة أنا مش معاكي."
أمسكت بحقيبتها وأعطتها لها قائلاً:
"يلا قومي هروح معاكي."
لتنكر أنها شعرت بقليل من الندم على تسرعها وانقيادها خلف غضبها منه، وازداد شعورها هذا مع نظرات نبيلة لها الغير راضية ما أن دخلت إلى المنزل.
أسرعت نبيلة ناحيتها ما إن فتحت الباب بينما ارتسمت خيبة الأمل على وجه ريحان، فكم تمنت أن يعود حمزة قبلها ووقتها بلا تردد ربما كان يطلقها.
قالت نبيلة بنبرة غير راضية:
"كنتي فين يابنتي؟"
قالت سيرين وهي تضع تلك الأكياس التي اشترتها من يدها:
"خرجت ياماما نبيلة.... كنت عايزة أشتري شوية حاجة."
قالت نبيلة بحزم:
"مش جوزك منبه عليكي متخرجيش من غيره."
صمتت سيرين. لتتابع نبيلة بتأنيب:
"أنتِ عارفة لو حمزة عرف إنك خرجتي هيعمل إيه؟"
قالت بجراءة زائفة:
"يعمل اللي اللي يعمله أنا معملتش حاجة غلط كنت بشتري هدوم للحمل وتليفون جديد بل اللي كسره."
هتفت نبيلة بقليل من الحدة:
"عملتي حاجة غلط لما خرجتي من وراه."
قالت ريحان بخبث:
"٠على فكرة ياتيته هو مالوش حق أصلاً يمنعها تخرج."
قالت نبيلة بغضب:
"متدخليش انتي."
أمسكت بها سارة:
"بس ياريحان سيبي تيته تتكلم مع سيرين."
سحبت نبيلة نفس مطولاً بينما قالت:
"اسمعي يابنتي... أنا مش بتحكم فيكي ولا بقول الكلام ده عشان حمزة حفيدي، أنا بقول الحق..... أه هو غلط بس أنتِ كمان غلطتي ومالكيش حق أبداً تعاندي معاه..... أه هو غلط وضايقك بس هو راجل ومش أي راجل... ده راجلك وله كلمة عليكي ولازم تسمعيها. أنا بحبك زيه بالظبط وعشان كده بقولك الكلام ده... وعشان بحبك أنا مش هقوله إنك خرجتي وربنا يسامحني إن هخبي عليه بس أنا خايفة على البيت ده... اللي ممكن في لحظة غضب وعند بينكم يتهد..... الست لازم تحافظ على بيتها وجوزها."
"حمزة قالك عذره.. قالك إنه بيغير وبيتعصب."
أومأت لها وتابعت:
"أه مالوش حق بس أنتِ مراته ستره وغطاه وسره.... أنتِ اللي بينام في حضنك ولازم تفهميه تشوفي إيه يريحه وتعمليه هتلاقيه هو كمان بيريحك.... اختاري الوقت المناسب وكلميه في اللي مضايقكمش تقفي الكلمة بالكلمة يابنتي. أنا كنت أقدر أقعد جنبها وهي بتكلم الجدع زميلها وأعرف في إيه ولو في حاجة مش عاجباك اتكلم براحة معاها."
صدقت كلمات نبيلة التي أيقظتها برفق من اندفاعها وراء شيطان تمردها الذي جعلها لا ترى كم أخطأت. أنه أخطأ بحقها نعم، ولكن بعد فعلتها أضاعت حقها!
في المساء، اجتاح الندم المؤلم ملامح وجهها وقلبها حينما دخل حمزة إلى الغرفة بابتسامته الحلوة وملامحه الهادئة. بينما بدون مقدمات اتجه حيث كانت جالسة على طرف الفراش تنازع نفسها بكلمات سلمى ونبيلة وتتذكر كيف احتدت عليه هذا الصباح. لينحني حمزة ناحيتها فتتغلغل رائحته الأخاذه بأنفها بينما يقبل رأسها قائلاً بحنان:
"متزعليش مني."
ما يفعله الآن حطم كل جسور الشجاعة الزائفة التي تحلت بها، فهو لم يحتمل أن يجافيها أو يغضبه. لم تقو على النظر بعيونه خجلاً من فعلتها. فشعرت به يجلس بجوارها على الفراش لتغمض عيونها، ولكنه سرعان ما كان يميل تجاهها ويمسك بوجهها لتنظر إليه قائلاً بحنان:
"مش كفاية خصام بقي ياسيري... إحنا الاتنين غلطنا في حق بعض... بس حقك أنتِ عليا أنا عشان زعلتك بالطريقة دي."
لمعت الدموع بعيونها من نبرته، والتي بعد خطأها نطق بها. لماذا لم يأتي بوجهه غاضب لتريح ضميرها أنها ستخفي عنه خروجها؟ انتبهت من شرودها على ضحكته بينما يضع بجوارها تلك العلبة التي ما إن وقعت عيناها عليها حتى لم تستطع هي الأخرى منع الضحكة التي لاحت على وجهها، ولكنها أخفتها سريعاً وتظاهرت بالجدية وهي تبعد العلبة باقتضاب:
"ده التليفون رقم كام دا؟"
داعب شعرها بمرح:
"متعديش... أهو فرصة أشتريلك كل مرة الأحدث."
غص حلقها، فهي لتغيظه اشترت هاتفاً جديداً وها هو لم ينساها. لحظات وشعرت بيداه تتحرك برقة على كتفها يبعد خصلات شعرها لأحد كتفيها بينما يضع حول عنقها تلك السلسلة الذهبية الخلابة هامساً:
"متزعليش مني."
ظلت سيرين صامتة لا تقوى على النطق، فها هو مزيج حمزة المتناقض يغرقها مجدداً بمتاهة غابته. ها هو حنون رقيق يحبها، يعتذر عما بدر منه ليشعرها بذنب قاتل تجاهه، بينما منذ عدة ساعات كانت تتمنى فعل أي شيء يجرحه ويوجعه. لماذا عليه أن يكون الآن بهذا الحنان؟
ما إن أغلق قفل السلسلة حتى تحركت شفتاه برقة يقبل جانب عنقها لترتعش أوصالها أسفل شفتيه وتبتعد عنه لا إرادياً، فهي ضائعة ما بين تناقضاته التي دفعتها بتخريب حياتهم. تشعر بالذنب وتحتقر كذبها عليه، بينما هو فسر بعدها أنها ما زالت غاضبة.
أمسك بيدها برقة وقربها إليه بينما مرر أنفه برقة على وجنتها قائلاً بهمس حميمي:
"أنتِ عارفة إني بحبك ومقدرش أبعد عنك."
وضعت يدها على صدره تبعده وهي تقول بعتاب:
"بس بتعرف تزعلني."
"آسف."
هتفت بوهن ولوم:
"بعد إيه؟ أنت خليتني أضايقك وأقول الكلام."
وضع إصبعه برقة على شفتيها يمنعها من قول المزيد:
"خلاص ياسيري... قلتلك إحنا الاتنين غلطنا."
وضع وجهها بين يديه وتابع بنعومة:
"حبيبتي أنا عارف إن طبعي صعب وخصوصاً مع ضغط الشغل الفترة دي عصبيتي زايدة... بس أنتِ حبيبتي ونفسي تتحمليني مش تبعدي عني."
لمعت الدموع من عيونها تهتف به من داخلها، لماذا لم يفعل هذا منذ البداية؟ لماذا كان عليه أن يدفعها للجنون والغضب؟ يالله ماذا ستفعل الآن؟ إن أخبرته واعتذرت لن يكتفي وسيثور ويجن جنونه، وإن صمتت ستموت من تأنيب الضمير. تحبه وتعشق حنانه وتفهمه ورومانسيته. تحبه وهو هكذا يحبها ومتفهم لها وقادر على احتوائها، وتكره عصبيته وتحكمه. لطالما ضاعت وسط متاهة غابته التي يلقيها كل مرة بها، وقبل أن تتوه تجد يداه تمسك بها.
أغمضت عيناها بينما أحكمت شفتيه شفتيها بقبلة تواقة تحمل اشتياق وحب كبير شعر به سنوات وليس بضعة أيام. لا تعرف متى ولا كيف استجابت لتلك القبلة التي خطفت أنفاسها قبل أن تضع يديها برفق فوق صدره توقفه عن الاسترسال بجنون عاطفته هامسة:
"حمزة... إحنا هنتأخر عليهم."
ارتسمت ابتسامة عابثة على جانب شفتيه بينما همس بمكر بجوار أذنها:
"الحاجة هتفهم إني بصالحك."
غمز وتابع بعبث بينما يحيط خصرها بذراعه يقربها لصدره:
"دي حتى الحاجة عاملالي حمام على العشا النهاردة."
اندفعت الحمرة لخدودها ليبتسم برقة لجمالها الذي يعشقه ويسلب أنفاسه ويتابع بمرح:
"متعرفش إني بنام على الأرض."
أفلتت ضحكتها الناعمة لتنتهي بين شفتيه التي لم تترك أثر شفتيها إلا حد الارتواء من حبها.
نظرت نادية إلى سيدرا قائلة:
"كل الفرحة دي عشان هيتجوزك عرفي... عرفي... أمّال لو رسمي كنتِ عملتي إيه؟"
قالت سيدرا بمكر:
"عرفي.. رسمي.. مش فارقة... المهم أبقى على اسمه... وبعدين يا أمي العزيزة.... أنتِ متعرفنيش مخ بنتي. أنا أه وافقت متجوز عرفي."
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رونا فؤاد
شقت سارة ريحان بنظرات الوعيد بينما جلست بأريحية وليس وكأنها تسببت بكارثة منذ قليل.
قالت ريحان ببرود: هتفضلي تبصيلي كده كتير؟
قالت سارة بغضب: أمال عاوزاني أبصلك إزاي بعد اللي عملتيه؟
هزت كتفها: وأنا عملت إيه؟ هو كل حاجة أنا؟
رفعت سارة إصبعها بوجه ريحان باتهام: مش أنتي اللي قلتي إنها خرجت.
قالت ببراءة مزيفة: غصب عني لساني فلت.
نظرت إلى سارة وتابعت بمغزى: أصلي أنا مش كذابة زيها عشان كده معرفتش أخبي.
شتمت سارة بحنق: اسكتي بقى... أنتي هتمثلي عليا؟ ما أنا عارفة اللي فيها... وعارفة كويس أوي إنك قصدتي توقعي بينهم.
رفعت حاجبيها: وأوقع بينهم ليه؟
قالت سارة بحدة: عشان حمزة طبعًا.... فاكرة لما هتعملي مشكلة بينهم هيبصلك...... بس يكون في علمك ياريحان اللي في دماغك عمره ماهيحصل.... عارفة ليه؟
نظرت ريحان إليها لتتابع سارة: عشان هو بيحبها....
احتقن وجه ريحان بالغل لتتابع سارة: وبعدين إذا كان اتنازل وسامح عيلتها بعد اللي عملوه فيه تفتكري مش هيسامحها في غلطة صغيرة زي دي؟
تنفست بها بحنق: اسكتي... اسكتي ومتحرقيش دمي.
قالت سارة بغل: يارب يتحرق دمك زي ما حرقتي البيت...... منك لله...
هتفت ريحان باستنكار لدعوة ابنة خالها عليها: أنتي معايا ولا معاه؟
نظرت إليها بغضب: أنا مع الحق..... ولعلمك أنا كل ده ساكتة عشان إحنا زي الأخوات بس والله لو عملتي حاجة تانية لأنا قايلة لجدو واللي يحصل يحصل.
قالت: بتهدديني يا سارة؟
قالت: لا... بحذرك.
دفعتها من أمامها: طيب روحي اتنيلي شوفي حياتك ومالكيش دعوة بحياتي.
زفرت سارة بغضب وخرجت إلى الشرفة، تكره الساعة التي فكرت بها بالمجيء إلى هنا لتسهل لتلك الخبيثة مهمتها في الوقيعة بين حمزة وسيرين، وتتمنى أن يأتي الصبح سريعًا لتغادر هذا المنزل قبل أن تفتعل ريحان مصيبة أخرى.
لم يغمض لها جفن، بينما الترقب والتفكير أبعدوا النوم عن عيونها بالرغم من الوهن والإرهاق الذي أصابها جراء ذلك اليوم الطويل. أدارت رأسها لتنظر إلى حمزة، تستغرب كيف استطاع أن ينام بتلك البساطة، بينما تركها تتلوي من الخوف والقلق، وتتساءل عما ينتويه لها. دارت الأفكار برأسها كسيارات السباق، تعصف برأسها بسرعة وجنون وتخبط. تساءلت الآلاف المرات بينما عيناها لا تتوقف عن النظر إليه، بينما هو نائم. كيف استطاع أن ينام بتلك الاريحية بينما هي تكاد تموت قلقًا وترقبًا؟
ماذا ينتوي لها؟ هل سيعاقبها؟ وكيف سيكون عقابها بالأساس؟
وضعت يدها على قلبها تحاول أن تهدئ ضرباته، تؤكد لنفسها أنه يحبها ولن يؤذيها. هو غاضب منها ويحق له، فلتعتذر وتنهي الأمر. ولكن هل يقبل الاعتذار؟ إنها لم تخطئ خطأ جسيمًا يستدعي ما يفعله. هزت رأسها وتابعت: بل أخطأت حينما أخفت عنه لتبدو بنظرة كاذبة. زمّت شفتيها بحنق وهي تتذكر ما حدث. تلك الفتاة.... بالتاكيد قصدت أن تخبره، وهي لا تلومها مقدار ما تلوم نفسها، فهي من وضعت نفسها بهذا الموضع، فلماذا تلوم تلك الفتاة التي استغلت الوضع؟
سحبت نفسًا عميقًا من بين طيات رئتيها المنغلقة، تشعر بالاختناق. تساءلت: هل تستنجد بنبيلة؟ هل تعتذر؟ هل تتظاهر بالمرض؟ ماذا تفعل؟
تطلعت إليه ودارت عيونها على ملامح وجهه تحاول استكشافها. من ماذا هو مصنوع هذا الرجل الذي أتعبها بتناقضه وأضناها في محاولة فهمه؟ كيف باستطاعته أن يضرم بها تلك النيران بالرغم من الجليد الذي أظهره لها؟ كيف كان يخبرها أنه يحبها ويتركها فريسة لهذا الوجع والألم لغلطة وحيدة ارتكبتها بلحظة اندفاع؟
شق الفجر ظلام الليل الدامس وهي تائه بأفكارها ومشاعرها، حتى بهتت ملامح وجهها من هذا القلق والتفكير. قامت من مكانها بجواره واتجهت بخطى هادئة إلى الثلاجة الصغيرة الموضوعة بجانب الغرفة، تشرب لعلها تهديء من ضراوة هذا الجفاف بحلقها. ولكن عبثًا، فما أن ابتعلت القليل من الماء حتى هدرت معدتها بضراوة رافضة دخول أي شيء إليها حتى الماء. أسرعت إلى الحمام تستفرغ ماشربته، لينْهَكها الإعياء أكثر.
دقائق طويلة مرت عليها تحاول استجماع قوتها في محاولة منها للوقوف بعد أن جثت على ركبتيها بتعب على الأرضية الرخامية الباردة. أغمضت عينيها بوهن حينما شعرت بتلك اليد القوية تحيط بها وتوقفها. كان هذا حمزة الذي كان يشعر بليلتها المضنية، ولكنه لم يدع أي مجال لقلبه المتألم من أجلها، الرافض ليتركها تعاني بسببه لأي تدخل، لذا سيطر عقله وتركها. ولكن ما أن شعر بها تخور بتلك الطريقة، لم يحتمل ليقوم خلفها. كانت ملامح وجهه باردة كالارضية التي كانت جالسة فوقها، ولكن دقات قلبها تسارعت، فهو لا يحتمل رؤيتها تعاني. نظرت إلى عينيه باعتذار وهو قريب منها تحيط بها يداه لتستطيع الوقوف.
تجاهل نظراتها وانحنى ليحملها ويخرج بها من الحمام. أحاطت عنقه بذراعيها بينما لفحت أنفاسها الرقيقة عنقه، وهي تنظر إليه بزيتون عينيها الراجيتين. ظل على جموده ووضعها برفق على طرف الفراش وقال باقتضاب: اطلبك دكتورة.
هزت رأسها وتابعت النظر إلى عينيه قائلة بنبرة خافتة: حمزة... أنا عارفة إني غلطت... بس...
قاطعها بإشارة من يده دون قول شيء وهو يتوجه إلى طرف الفراش الخاص به ويتمدد عليه.
قالت برجاء: حمزة لوسمحت اسمعني.
قال باقتضاب وهو يغمض عينيه: مش عاوز أسمع كلام.... نامي أنتي تعبانة.
هتفت باندفاع: وهو مين السبب في تعبي؟ مش اللي بتعمله فيا؟
عضت على شفتيها، فكعادتها مندفعة غبية تنطق بأي كلام. لم يكترث لها وظل مغمض العينين، لتزفر بسخط من نفسها: حمزة أنا مش قصدي... أنا بس عاوزة أتكلم معاك وأفهمك.
تقلب للجهة الأخرى وأولاها ظهره قائلاً ببرود: مش عاوز أفهم حاجة.... اسكتي ونامي.
هتفت باندفاع: مش هنام.... أنام إزاي وأنا أعصابي متوترة بالطريقة دي مستنية رد فعلك.
بإصرار فولاذي وبحدة جذبت الغطاء من فوقه وتابعت: حمزة أنا مش هنام غير لما نتكلم.
ببرود قاتل جاءها رده: بلاش تنامي.. براحتك.
لا ستموت من قهرها. ما هذا البرود الذي تحدثها به؟ إنها تريد منه أن يغضب ويخرج كل غضبه وعصبية وينتهي الأمر مهما كان، بدلاً من الجلوس حرفيًا على أعصابها.
أنهكها التفكير والقلق والألم بمعدتها، لتستسلم أخيرًا للنوم. تمددت بجواره ومازالت تتساءل كيف استطاع أن ينام وتركها بتلك الحالة. تقلبت بضع مرات قبل أن تقترب منه دون تفكير لتنام بحضنه، فهي لن تستطيع النوم إلا بتلك الطريقة التي ستبعد عنها تفكيرها. رفعت ذراعه ووضعت رأسها فوق صدره لتشعر بدقات قلبه المنتظمة. لم يبعدها ولم يتحرك، فماذا تفعل به تلك العنيدة المتمردة؟ راقدة فوق قلبه الذي يعشقها بعد أن أضناها الترقب والقلق، لتغمض عيناها وتذهب في ثبات بعد أن نشدت الأمان فوق صدره الدافئي.
في الصباح، فتحت عيونها بسرعة حينما شعرت بتحركه لتتقابل عيناها بعينيه، متوقعة أن يكون قد اكتفى من عذابه تلك الليلة، ولكنها وجدت حممه البركانية مازالت ملتهبة. هبت جالسة تنظر إليه بعيون راجية أن يكف عن التلاعب بأعصابها، بينما تجاهلها حمزة بجدارة وهو يقوم ويتجه للاستحمام، تاركًا إياها خلفه بملامح وجهه بائسة. خرج بعد قليل وارتدى ملابسه دون أن يلقي إليها أي نظرة.
"حمزة... أنت مش هتتكلم معايا؟"
تجاهل كلامها وأمسك بهاتفه ومفاتيحه واتجه خارج الغرفة.
هبت نبيلة واقفة ما إن خرج من الغرفة لتتجه إليه ونظراتها مليئة بالحيرة، تسأل سيرين عما دار بينهما، لتنظر إليها سيرين بقله حيلة.
كانت ريحان تنظر إليهما على أحر من الجمر، تريد أن تعرف ما حدث بينهما، لتتفاجأ بهدوء ملامح حمزة، ولكن لم يغفل عنها شحوب ملامح سيرين. لم تتوقف عيناها عن النظر لحمزة، بينما يتناولون الإفطار، مما جعل تلك الشكوك تعصف برأس سيرين وتجعل الظن يتلاعب بها بأن نيتها أبدًا لم تكن بريئة حينما أخبرت حمزة!
لم تستطع أن تضع لقمة بفمها، بينما نظراته تقتلها، بالرغم من برودها، فقد كانت مؤلمة كعضة الصقيع، لتري بعيون نبيلة وسارة الشفقة، بينما التشفي بعيون ريحان، التي سرعان ما أخذت تفتح أحاديث مع حمزة.
"إيه رأيك بقى في فكرتي؟"
لم يكن منتبهًا لما قالته ابنة خالته، لذا هز رأسه دون قول شيء، لتتابع التحدث بأي مواضيع جعلت الغضب يشتعل بوجهه سارة، التي لم تتوقف عن ضرب قدمها لتتوقف عما تفعله.
بعد انتهاء الإفطار، قامت بأيدي مرتعشة تجمع السفرة، وساعدتها سارة، بينما اتجهت نبيلة برفقة حمزة إلى الصالون لتناول القهوة.
قالت نبيلة: أنا هرجع البلد أنا والبنات النهاردة.
عقد حاجبيه: ليه بس يا حاجة.... أنتوا لحقتوا؟
قالت: معلش يا ولدي كفاية كده.
ارتجفت يد سيرين بينما تضع القهوة حينما سمعت بأن نبيلة ستغادر اليوم، وهل اختارت نبيلة اليوم لتذهب؟
أشفقت نبيلة على سيرين التي هربت الدماء من وجهها وهي تضع القهوة أمامهم وتغادر، لتقول برفق: حمزة يا ولدي أنا من امبارح كنت عاوزة أقولك وأفهمك اللي حصل.
نظر إليها حمزة بطرف عينيه، لتتابع نبيلة بتعلثم: الغلطة غلطتي أنا.... أصل أنا عشان أراضيها قلت تنزل مع البنات تشتري تليفون جديد بدل اللي أنت كسرته لها، وهي ساعة زمن وكانوا هنا.
ارتسمت ابتسامة على جانب شفتي حمزة، بينما قال: إيه يا حاجة عيل أهبل أنا هأتضحكي عليه؟
هزت نبيلة رأسها تخفي خجلها، بينما تابع: ميصحش يا حاجة تكذبي عليا عشانها...... وبعدين كفاية أوي إنك داريتي عليها.
قالت نبيلة برجاء: ورحمة أمك يا ولدي ما أنت جاي جنبها.
قاطعه حمزة بإشارة من يده: ..... متحلفنيش يا حاجة لو سمحت.
نظرت إليه برجاء: طيب فهمني أنت ناوي على إيه؟
أشاح بوجهه دون قول شيء، لتمسك بيده وتقول برجاء: طيب وغلاوتي عندك... بلاش أنا وغلاوة ابنك اللي جاي ماتزعلها.
قال بتسويف: ربنا يسهله.
هتفت نبيلة بعدم رضا: يا ولدي وبعدين في نشوفيه دماغك دي... كانت لحظة شيطان وراحت لحالها.
زفر حمزة قائلاً: خلاص يا حاجة اقفلي كلام في الموضوع ده.
نظرت إليه نبيلة، ليهز رأسه بحزم، لتصمت على مضض.
اعتدل حمزة واقفًا وهو يقول: تحبي أوصلكم؟
هزت رأسها: تسلم يا ولدي السواق وصل تحت.... هقوم أنا أجهز.
أومأ لها قائلاً: تمام..... أشوف وشك بخير.
احتضنته بحنان وأمسكت بيده تنظر إليه قائلة: لو بتحبني يا حمزة ما تأذيش البنت.
زمّ شفتيه بنفاذ صبر: .... قلت متلحفنييش يا حاجة.
ارتجفت أوصالها وهربت دماءها، بينما تنظر إلى نبيلة بتوسل ألا تذهب، ولكن بعد ما فعلته ريحان لا تستطيع البقاء. كما أن كلما طال بقاءها كلما ازداد حنق حمزة، هو وهي بحاجة ليجلسوا سويا يتحدثون وينهون خلافاتهم. ربما يثور، ولكنها متأكدة أنه لن يؤذيها، وهي بكل الأحوال عليها أن تتعلم كيف تتقبل طباع زوجها وتحتوي غضبه. لذا ذهابها أفضل لهم.
قالت سيرين بضعف: هتسيبيني؟
ربتت نبيلة على كتفها برفق: متخافيش.... وبعدين يا بنتي أنا سايباكي في بيتك ومع جوزك وأبو ولدك.
احتضنتها نبيلة، لتهمس لها سيرين: بس... أنا خايفة أوي.
قالت: يا ماما نبيلة.
ابتسمت لها نبيلة قائلة: حمزة بيحبك ومش هيأذيك.
قالت سيرين بامتعاض: واللي بيعمله فيا ده مش أذى؟
نظرت إليها نبيلة قائلة بهدوء: يا بنتي طول ما أنتي شايفة عمايله ومش شايفة عمايلك عمره ما هيسامح، وطول الوقت هيبقي بينكم مشاكل..... الراجل ومرته مفيش بينهم حرب، واحد يكسب وواحد يخسر.... المكسب الوحيد اللي بتتطلعي بيه هو حب واحترام وسعادة بيتك وجوزك.... أوعي تفكري إنه زعلان بس عشان خرجتي. لا هو زعلان عشان كلامه بالنسبالك كان ولا حاجة.... استهدي بالله كده وشوفيه، هو زعلان منك في إيه وراضيه وصالحيه. مش هقولك أكتر من كده.
أومأت لها سيرين بحب، لتربت نبيلة على كتفها وتودعها بابتسامة.
احتضنتها سارة بحب، وريحان تظاهرت بالأسف وهي تقول بخفوت: غصب عني.
هزت سيرين رأسها دون قول شيء، لتتمهل وهي تضع يدها بيد حمزة قائلة برقة: أشوفك قريب يا حمزة.
أومأ لها بتهذيب: مع السلامة.
هل تمهلت تلك الفتاة بلمس يد زوجها؟ هذا الهاجس الملتهب شغل سيرين دقائق، أفاقت منها سريعًا حينما انتفضت على صوت إغلاق الباب بعد انصراف الجميع.
جف حلقها وقرعت دقات قلبها بصخب، بينما التفت حمزة تجاهها ببطء، ولمعت النظرات الخبيثة بعينيه.
كطفلة صغيرة كانت تستدير وتسرع بخطاها تهرب منه حرفيًا. ركضت بخطاها إلى الغرفة لعلها تحتمي بها منه. بخطوتين كان حمزة يلاحق بها، لتشهق بهلع حينما شعرت بيداه تقبض على خصرها، لينتفض قلبها من بين ضلوعها وتنظر إليه بخوف واضح، ناطقة باسمه برجاء: حمزة..... بس ممكن تسمعني.
زادت نظرات عينيه قتامة، مسمعًا برؤية الخوف بعينيها، وهي تتخبط بين قبضته التي دفعتها إلى الحائط خلفها، بينما يهز رأسه ببرود: لا.
سألته ببراءة طفلة تنظر إلى ذئب ماكر: ليه؟
هز كتفه: أهو كده أنا حر.
هتفت بتعب: أنا عارفة إني غلطت وما كانش ينفع أخرج من غير ما أقولك يا حمزة..... لو سمحت كفاية اللي بتعمله.
قال ببرود قاتل: وأنا عملت إيه؟ أنا مجرد راجل متجوز واحدة غصب مش بتشوف منه غير تحكم وإهانة وعصبية وضرب.
أغمضت عينيها بندم، ولكنها سرعان ما فتحتها تصرخ بألم حينما شعرت بأصابعه تقرص خصرها.
"فتحي عينيك أنا مخلصتش كلامي."
لمعت الدموع بعينيها لتقول بتألم: .. آآه.... كفاية يا حمزة وجعتني.
قال بجمود ويداه تنغرس أكثر بلحمها: أنتي لسة شفتي وجع؟ أنا هوريكي وجعي وإنتي بتفلتِ امبارح من تحت إيدي بعد ما كسرتي كلامي واتحدتيني.
قرصها مرة أخرى لتصرخ وجعًا، بينما هتف بسخط: أنا الراجل الوحش أوي...... وأنتي الملاك المظلومة مش كده؟
هزت رأسها وهي تضع يدها الرقيقة فوق يداه الخشنة تحاول إبعادها عن خصرها: لا.
هتف بها بخشونة: أنتي إيه؟ انطقي.
قالت: أنا غلطانة.
نظر إليها بعيون تطلق شررًا: عشان عملتي إيه؟
قرصها بعنف لتقول: عشان خرجت من غير ما أقولك.
هز رأسه: لا من الأول تقولي غلطاتك واحدة واحدة.
قالت بعيون باكية ترجوه أن يتوقف عن إيلامها، فبكت وانتحبت وصرخت به: حمزة حرام عليك.
قال بغلظة: زودي حسابك.
دفعها برفق على الفراش خلفها، لتتسع عيناها الباكيه بخوف حينما رأته يمد يده ويخلع حزامه الجلدي.
تراجعت للخلف برعب وهي تهز رأسها وتهتف به بعدم تصديق: حمزة أنت هتعمل إيه..... لا.... لا أنت مش ممكن تعمل كده...... أنا مش حيوان هتضربه بالحزام.
أغمضت عينيها وصرخت بقوة، وصرختها المرتعبة اخترقت أذنه بخوف حينما رفع يده بهذا الحزام وأنزلها بقوة.
فتحت عيونها ببطء بعدما استمعت لصوت ارتطام الحزام بالفراش بجوارها.
ستَموت رعبًا بسبب ما يفعله بها، لقد كادت دقات قلبها تخترق صدرها، بينما تتوقع أن يضربها. مال ناحيتها وجذبها من ذراعها لتنظر عيناه إلى عينيها قائلًا بفحيح: أنا مش هضربك مع إنك تستاهلي الضرب زي أي واحدة مش متربية، مسمعتش كلمة جوزها حتى لو غلط. بس أنا متربي ومش هعمل كده. وطبعًا أنتي مش ناسيه إني رفعت إيدي عليكي كتير زمان، بس كان كله بسبب طوله لسانك، عشان كده لو مش عاوزة ده يتكرر تحطي لسانك جوه بوقك أحسن.
ترك ذراعها لتتراجع للخلف، بينما قال: أنتي من دلوقتي متفرقيش معايا وبرا حساباتي.
تلك الكلمة كانت مرعبة أكثر من كل ما فعله بها، لتنساب الدموع المصدومة من عينيها بعدم تصديق، بينما تابع بقسوة: من بعد ما قولتك على أكتر حاجة مخوفاني وعملتيها، أنتي برا حساباتي. من بعد ما قلت كلمة ومفرقتش معاكي وكسرتيها، أنتي برا حساباتي. من بعد ما كدبتي عليا وعينيكي بتبص في عنيا، أنتي برا حساباتي. من دلوقتي زيك زي أي واحدة متجوزة غصب.
أمسكت ذراعه برجاء من بين دموعها: حمزة.
أبعد يدها بجفاء عنه، مزمجرًا: متلمسنيش.
كانت قسوته عليها لا تحتمل، ولكن ذلك التجاهل الذي نالته على يده بعد تلك المرة كان أصعب. يومان والوضع محتقن للغاية، يتجاهل وجودها وكأنها غير موجودة، يستيقظ صباحًا ويغادر لعمله ويعود بعد منتصف الليل. يومان لم يوجه لها كلمة أو حتى ينظر إليها ولو نظرة عابرة، حتى كادت تجن. حاولت التحدث معه، ولكنها شابهت الهواء وهو يمر بجوارها وكأنها ليست موجودة. ولكنها اليوم لن تصمت لأكثر من هذا. قطعت الغرفة ذهابًا وإيابًا، ومنها إلى الشرفة والعكس، بانتظار عودته.
تهز رأسها برفض لحديث نبيلة معها بأن تنتظر حتى يهدأ وتمر العاصفة، وكذلك رفضت حديث سلمى التي قالت لها أن تلطف الجو بينهما وتتقرب منه وتعتذر له بلطف. فهي لن تزيف هدوءًا ليس من طبعها كما تريد نبيلة، ولن تزيف مشاعر لا تشعر بها. إنها تحبه ومشتاقة إليه، ولكن جفاءه معها ضايقها وحرق روحها، خاصة وهو لا يبالي للوهن والحزن الذي كسي ملامحها.
سحبت نفسًا عميقًا حينما استمعت لصوت مفاتيح تدور للباب، لتقف بترقب، تشغل نفسها بعد خطواته التي تقترب شيئًا فشيئًا. تأهب كل عرق وعصب بها، ما إن دخل إلى الغرفة ليرمقها بنظرة خاطفة من طرف عينيه، ثم يشيح بوجهه.
بدون مقدمات جاءه صوتها المحتد: ممكن أفهم عقابي ده هينتهي إمتى؟
اشتعلت عيناها غضبًا، بينما خلع سترته دون الالتفات إليها، لتتنفس بصوت مسموع، بينما تقول مجددًا: هتفضل تتجاهلني كده كتير؟
خلع قميصه وألقاه باهمال على الأريكة، وخطا إلى الحمام، لتفقد سيرين السيطرة على أعصابها وتخطو خلفه بسرعة تمسك بذراعه هاتفه: حمزة أنا بكلمك.
تظاهر بفعلتها، ولكنه تمسك بجموده، بينما يقول ببرود شديد: وأنا سامعك.
اهتزت نظرات عيونها التي انفصلت عنها وعن الغضب الذي تشعر به، وغرقت في بحور عينيه تناجيه بعتاب بلغة خاصة بعينيه، التي جاهد ليسيطر على نظراتها أمام تلك العيون الخضراء الجميلة التي طالما نفذت لأعماق قلبه وداعبت أوتاره بسيمفونية عشق خالص لتلك العينان وحدها.
"ولما أنت سامعني مش بترد عليا ليه؟"
هز كتفه: عشان أنا مش عارف أنتي بتتكلمي عن إيه.... عقاب إيه اللي مستنية يخلص؟ أنا مش بعاقبك ولا حاجة.... أعتقد إني قايم بكل واجباتي ناحيتك من غير أي تقصير....
تهكم وتابع: زيي زي أي زوج متجوز غصب.
عقدت حاجبيها بملامح مبهوته لهذا الجبل الجليدي الواقف أمامها، لتردد بلسان ثقيل، بينما اختصر علاقتهم بأنها واجبات ليس أكثر: واجبات؟
هز رأسه وتابع بجمود: آه.... واجبات. مستغربة ليه؟
انفلتت الكلمات من شفتيها المرتجفة: عشان إحنا اللي بينا مش كده.
احتدمت ملامحه وسخنت أنفاسه، بينما مال ناحيتها ينظر لعيونها بقسوة متسائلًا: أمال اللي بينا إيه؟
لمعت الدموع بعينيها: حب.
ضحك عاليًا، لتلتهب أعصابها وتقطب جبينها بتساؤل عما دفعه للضحك، بينما قال أخيرًا بسخرية: حب؟
هز رأسه وأكمل: غريبة.... أنا اللي سمعته منك غير كده....! كان جواز غصب وتحكم وعصبية وإهانة.. مجبتيش، فيه سيرة حب.
نظرت إليه بندم ممزوج بتعب ووهن، فإلى متى سيظل يعاقبها على كلمات وقت عصبية؟
"حمزة... كفاية بقى."
أومأ لها بهدوء، شديد: ما هو فعلاً كفاية.
نظرت إليه ليتابع: كفاية دور ضحية الراجل الشرير ده كتير، واقبلي إن دي حياتك....
هز كتفه ببرود وتابع: مش فاكر حياتك معايا وحشة أوي كده.... أنا بقوم بكل المطلوب مني.. موفرلك حياة كويسة.. طلباتك كلها مجابة.. عصبيتي وتحكمي مش هتشوفيهم تاني طالما بتسمعي الكلام.... موضوع شغلك مفيش منه داعي طالما أنا مش مقصر معاكي في حاجة.... أهلك مش همنعك عنهم وقت ما تحبي تروحي قوليلي.... يعني حياة زوجية عادية أعتقد أنا كده عداني العيب ولا إيه؟
تسمرت قدماها بالأرض مصدومة مما نطق به، ليتركها حمزة ويخطو خطوة مبتعدًا، قبل أن يلتفت إليها قائلًا بمغزى: افتكر طالما أنا قايم بوجباتي كلها، ليا حقوق أنا عاوزها.
رفع عيناها المصدومة إليه، ليكمل بهيمنة: بعد كده أرجع البيت ألاقي الأكل جاهز.... وألاقيكي أنتي كمان جاهزة ليا.
نظر إليها وتابع: عشان لو حبيت آخد حقوقي.
انتفضت على صفقة الباب خلفه، لتستند بيدها إلى طرف الفراش تجلس عليه. أهذا هو حمزة من كان يتحدث معها؟ كل هذا العقاب من أجل خطأ مندفع منها؟ أصبح حبهما عبارة عن واجبات وحقوق.
وضعت يداها على وجهها بأسى، فهي من بدأت واستفزت رجولته بتلك الكلمات التي ألقتها عبثًا بوجهه. هي من أوجعته وذكرته بأنه تزوجها غصب، بالرغم من أنه أفصح لها عن خوفه من أن تتركه لهذا السبب. هو من تجاوز عن كل هذا وأتى ليصالحها ليكتشف كذبها عليه. كيف ستصلح تلك الشروخ والتصدعات بحياتهما؟ كيف سيصمد حبهما أمام كل تلك التحديات؟
ليلة كئيبة أخرى قضتها بلا نوم، ولكن الليلة التالية كانت الأبشع، فقد تلقت صدمة موجعة أخرى منه قضت عليها تمامًا. نامت وهي تتهرب من أفكارها، لتستيقظ على صوته:
"أنا مش قلت أرجع ألاقي الأكل جاهز؟"
إنه يؤكد أن كلامه ليلة الأمس ليس مجرد كلام، بل سينفذه.
تجاهل نظرتها المعاتبة له على كل تلك القسوة، بينما خلع ملابسه واتجه إلى الحمام.
وقفت تعد الطعام بقلب وعقل فارغ، تعب من كثرة المحاولة مع هذا الرجل المتعب للغاية الذي أتعبها وأوجع قلبها. فلتتوقف عن التفكير والاحساس، لأنها حقا تعبت للغاية. تعبت من كل شيء.
وضعت يدها فوق بطنها بوهن، وهي تنهي وضع الطعام على الطاولة بوسط المطبخ، لتشعر بوقوفه خلفها. التفتت إليه دون قول شيء، ليقول ببرود: هاتي الأكل برا على السفرة.
تجمدت مكانها لحظات، ولكنها فعلت ما قاله، فهي بأي حال تعبت كثيرًا من المناقشة والكلام معه، إن كان يرى أنه بتلك الطريقة يعاقبها، فليفعل. وإن كان يرى أن هذه ما ستكون عليه حياتهما، فلما تهتم؟ فليكن ما أراده.
وضعت الطعام أمامه واستدارت لتغادر، ولكن صوته أوقفها بلهجة أمره: اقعدي كلي.
قالت باقتضاب: ماليش نفس.
أعاد بنبرة صارمة: قلت اقعدي.
يعرف أنها لا تأكل طوال الأيام، ولا ينكر أن من خلال قسوته، إلا أن قلبه يوجعه عليها، ولكنه برر لعقله أنه يهتم بابنه فقط.
جلست بدون أي تعليق، ووضعت وجهها بالطبق أمامها تتلاعب بالطعام دون أن تستطيع ابتلاع لقمة واحدة مهما حاولت، فمعدتها أكثر من تأثر بكل ما يحدث وترفض دخول أي شيء بداخلها دون استفراغه.
زفر من بين أسنانه وهو يراها لا تأكل، ليضغط عليها أكثر: قلت كلي.
يقهرها أكثر ويضغط عليها، فليكن!
ابتعلت بضع لقمات أجبرت حلقها على ابتلاعهم، ولكنها سرعان ما شعرت بالغثيان الذي حاولت إخفاءه عنه، وتعللت بجمع الأطباق لتسرع إلى الحمام وتفرغ ما بمعدتها.
حينما خرجت من الحمام وجدته متمددًا على الفراش يستند بظهره إلى الوسادة ينظر في ملف أمامه. بخطوات واهنة توجهت لطرفها إلى الفراش واندثرت بالأغطية، تتمنى أن تنام ولا تستيقظ أبدًا لتعيش بتلك الكآبة مجددًا. ولكنه أبى تركها بتلك الراحة التي تنشدها.
أغلق الملف وألقاه جانبًا، لتتفاجأ به يجذبها إليه. للحظات تجمدت نظراتها، لا تستوعب ما سيفعله. هل يرى القهر الذي مارسه عليها غير كافٍ ليقهر ويسحق روحها أكثر؟ هل حقًا سيحفر ذكرى سيئة أخرى بعقلها وفوق جسدها الذي مارس عليه رجولته؟ لم تكن علاقة عنيفة أو مؤلمة جسديًا، ولكنها كانت باردة، مؤلمة لقلبها بشدة، فتلك أول مرة يكون معها بدون أن تشعر بحبه.
يا للقهر الذي تشعر به، بينما انتهى مما يقوم به ليوليها ظهره وينام. تريد أن تصرخ وتبكي. تريد أن تغرس سكينًا آخر بقلبه القاسي. تريد أن تؤلمه كما ألمها. تريد أن.. إن.. إن... أشياء كثيرة تريدها، ولا يوجد أكثر شيء تريده إلا أن يأخذها بحضنه ويخبرها أن كل ما مضى حلم.
بينما حمزة أولاها ظهره لأنه لا يستطيع النظر لعيونها، بينما سمح لغضبه أن يجعله يدوس عليها بتلك الطريقة. لماذا لم تراعي جنونه وعصبيه؟ لماذا دفعته لأن يؤلمها بتلك الطريقة رضوخًا لعقله الذي أبى الخضوع لقلبه؟
قاوم كثيرًا شعوره المضني بالذنب، بينما استمع لها تقوم من الفراش بخطى واهنة تستفرغ لأكثر من مرة خلال الليل. أتعبها وأتعب قلبه بسبب عناده وعنادها. نامت كثيرًا تقاوم أي رغبة لها بالاستيقاظ، حتى أنها نامت للخامسة عصرًا، ولم تكن لتستيقظ لولا صوته الذي أيقظها.
"سيرين اصحي."
جذبت الغطاء فوقها واستدارت للجهة الأخرى دون قول شيء وتابعت إغلاق عيونها المتورمة، ولكنه جذب الغطاء من فوقها قائلًا بحزم: قلت اصحي.
قالت بصوت مختنق بالدموع التي نفذت من عيونها: تعبانة وعاوزة أنام.
قال: قومي هاخدك للدكتورة.
هل حقًا لمحت بنبرته بعض الشفقة؟
قالت بصرامة: قلت قومي يا سيرين مش عاوز نقاش.
طاوعته وقامت، فهي حقًا متعبه. نظر إلى الطبيب بينما أخبره بما يحدث لها، لتستغرب أنه ملاحظ كل تعبها، وهي قد ظنته لا يهتم.
قال الطبيب بعملية: الأدوية دي هتريح معدتك يا مدام، والأهم من الأدوية البعد عن أي توتر، واضح أنه السبب الرئيسي في اللي بيحصل ده.
نظر حمزة إليها بطرف عينيه، ليتابع الطبيب بعض التحذيرات: يا ريت ترتاحي الفترة دي يا مدام وتاخدي بالك من أكلك كويس..... هكتب على نظام أكل معين هيساعد معدتك ترتاح.
نطق أخيرًا: والبيبي وضعه إيه؟
أومأ الطبيب: كويس، بس طبعًا إحنا بنقيم حالة الأم والطفل، واللي أي شيء بيأثر على الأم بيأثر بالتبعية على البيبي.
قال: تمام.
قال: وهشوف المدام كمان أسبوعين يا فندم.
عادت من زيارة الطبيب لتدخل للاستحمام، ليضرب حمزة الحائط بقبضته بغضب من نفسه. قسى عليها للغاية، ومع ذلك يرفض التراجع.
أحاطت جسدها النحيل بروبها الحريري وتوجهت إلى المطبخ لإعداد الطعام.
قال باقتضاب: سيبي اللي في إيدك وروحي ارتاحي.
قالت بجمود: مش تعبانة.
أمسك ذراعها بقوة لينة وتوجه بها إلى الغرفة قائلًا بحزم: أعتقد كلام الدكتور واضح.
بالرغم من اهتمامه بها، إلا أنه حاول أن يكون اهتمامه جامدًا بلا لين أو لطف. يا الله، لماذا هو بهذا التعقيد؟ لماذا تشعر بأنها معه تسير على رمال متحركة لا تثبت على جهة؟
رفع جمال حاجبه باستنكار: وده معناه إيه؟
قالت سيدرا ببرود: مالوش معني.
نظر إليها بشر، لتقول نادية: أهدي بس يا جمال وافهمه.
قال بحدة: أفهم إيه؟ أفهم إنها ناوية تغدر بيا زي ما غدرت بجوزها؟
هزت رأسها بزيف: غدر إيه بس يا جمال.... أنت ناسي إننا شركاه؟
قال: أمال الـ 100 مليون فلوس القرض اللي أنا ماضي إجراءاته فين؟
قالت: ما تقلق هتبقى في حسابك خلال أسبوع. الفكرة كلها إن مدير البنك قالي إن الموضوع بياخد وقت، وأنت سمعت الكلام ده من عزام بنفسه.
قام جمال من مكانه ورفع أصبعه أمامها بتحذير: عارفة لو طلعتي بتكذبي عليا هعمل فيكي إيه؟
أبعدت أصبعه باستهزاء: متهددنيش يا جمال.... قلت خلال أسبوع.
نظر إليها بشك، لتتابع: المهم... عرفت حمزة عمل إيه لما عرف إن الشحنات بتاعته هتتأخر؟
قال جمال ببرود: وأنا أعرف منين؟
قالت: عليا يا جمال..... ما أنت عيونك هناك في كل حتة.
فتحت عيونها على تلك اللمسات الناعمة الحنونة على كتفها، لتتفاجيء بصوت أمها، لتعتدل جالسة: ماما.
ابتسمت لها هدى بحنان: كده برضه يا حبيبتي تبقي تعبانة وأنا معرفش؟
صمتت وغص صوتها بالدموع: أنتي... أنتي عرفتي منين؟
نظرت إلى حمزة الواقف لدى باب الغرفة، ليقول: أنا همشي.. لو في حاجة لو سمحت كلميني.
أومأ له هدي لينصرف، فلتلتفت هدي إلى ابنتها قائلة بشجن: يعني لولا جوزك اتصل بيا وقالي إنك تعبانة مكنتيش هتقولي لي؟
لم تفهم شيئًا، لتخبرها هدي أنه اتصل بها وأخبرها أن سيرين مريضة وبحاجة إليها، ليطلب منها أن تأتي وتبقي معها بضعة أيام. لا تنكر أنها تفاجأت بفعله، وحتى اهتمامه بها تلك الأيام، وكذلك معاملته لوالدتها بمنتهى الاحترام والود، كلمسة منه لمراعاة حالتها النفسية. حنون بالرغم من قسوته، وكما عهدته، ما إن تشعر بالغرق تجد يداه ممتدة إليها.
أسبوع مضى، تحسنت نفسيًا وجسديًا، بينما يغلف الهدوء حياتهما، يحاول إطفاء تلك النيران التي كانت مشتعلة بينهما. اليوم غادرت أمها ومعها طاقة سلبية كبيرة سكنت بين ضلوعها، لتقرر القضاء على ما بقي منها، بينما تخطو تلك الخطوة ناحيته تحاول بها أن تمحو ما بينهما من أوجاع. تنشد حبه الذي هي بحاجة إليه بعد فراق وقسوة مضنية.
فتح الباب، لتخطف أنفاسه تلك الرائحة التي انسابت منها، بينما وقفت بانتظاره بأبهى طلة. إنها جميلة للغاية اليوم، بحيث لا يقوى على إبعاد عينيه عنها مهما حاول. إنها جميلة دوما، ولكن تلك الليلة مختلفة. جميلة هادئة مبتسمة، تنظر إليه بعيون مشتاقة ترجوه أن يصفح ويقلب تلك الصفحة المؤلمة من حياتهما.
حاول البحث عن جموده وبروده، ولكن سخونة مشاعرها وصوتها الدافئ أذاب ذلك الجليد بلحظة، بينما همست وهي تقترب منه: آسفة.
نوبة قلبية قادمة بالطريق، ما إن تحولت برودته لنيران، أشعلت جذوتها، وهي تتوقف أمامه مباشرة وترفع نفسها على أطراف أصابعها هامسة بأنفاس متهدجة: وحشتني.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رونا فؤاد
فتح الباب لتخالبه أنفاسه تلك الرائحة التي انسابت منها بينما وقفت بانتظاره بأبهى طلة.
إنها جميلة للغاية اليوم بحيث لا يقوى على إبعاد عيناه عنها مهما حاول.
إنها جميلة دوماً ولكن تلك الليلة مختلفة!
جميلة، هادئة، مبتسمة، تنظر إليه بعيون مشتاقة ترجوه أن يصفح ويقلب تلك الصفحة المؤلمة من حياتهما.
حاول البحث عن جموده وبروده ولكن سخونة مشاعرها وصوتها الدافئ أذاب ذلك الجليد بلحظة.
همست وهي تقترب منه: "أسفة..."
نوبة قلبيه قادمة بالطريق.
ما إن تحولت برودته لنيران أشعلت جذوتها وهي تتوقف أمامه مباشرة وترفع نفسها على أطراف أصابعها هامسة بأنفاس متهدجة: "وحشتني..."
رفعت قطعتي الزمرد التي تخفيهما أسفل أهدابها الكثيفة تنظر إليه بنظرة جعلته يرحب بأن يصاب بنوبة قلبيه على يدها.
ما إن امتزجت نظراتها بكلماتها التي نطقت بها من بين تلك الشفاه الوردية خاصتها.
"وحشتني يا حمزة ومش قادرة أبعد عنك أكتر من كدة."
أسدلت أهدابها وتابعت بصوت مليء بالمشاعر: "تعبت من اللي بيحصل بينا وقلبي وجعني من البعد والجفا. عشان كدة مش فارقة مين غلط في التاني ولا مين زعل التاني لأننا إحنا الاتنين واحد. اللي بيوجعك بيوجعني واللي يزعلك يزعلني."
إنه يحلم بالتأكيد!
نظرت لعيناه وأكملت بصدق: "حمزة أنا مقدرش أعيش معاك بالطريقة دي. مقدرش أعيش وأنا مش شايفة إنك بتحبني. مقدرش أعيش وأنت مش شايفني ولا حاسس بوجودي. لما قلت إنك مش بتعاقبني وإن ده الطبيعي اللي حياتنا هتكون عليه، ده كان أصعب عقاب. أنت قتلتني بكلامك ده يا حمزة."
نظرت لعيناه برجاء وتابعت: "قول إنك بتعمل كل ده عشان زعلان مني مش عشان بطلت تحبني. أنا مقدرش أعيش معاك وأنا برا حياتك."
ارتجفت نبرة صوتها وامتلئت بالمشاعر بينما قالت: "كفاية خصام وبعد يا حمزة."
تألقت حبات الزمرد بعيونها بينما تتطلع إليه بلهفة بانتظار إصداره لرد فعل عما نطقت به.
ولكن كيف وهو تجمد مكانه بفعل تلك الصدمة؟
فهو لا يستوعب أن ما نطقت به ليس حلماً أو خيالاً.
تجمد مكانه بضع ثوانٍ لا يستطيع تحريك عيونه عن عيونها.
يستوعب أهي من واقفه أمامه أم أن اشتياقه لها وبعدها الذي أضناه أثر عليه وأضحى يهلوس ويتخيل صورتها التي تداعب خياله ولا تتركه لحظة منذ ابتعادهم.
سيرين من تنطق بتلك الكلمات دون ذرة تمرد أو عناد.
سيرين من أتعبت قلبه الذي قسى عليها بتلك الطريقة.
إنها من تقول تلك الكلمات التي يصرخ بها قلبه وعلقه.
فتلك هي الحياة التي طالما كان يريدها برفقتها.
حياة خالية من كلمة "أنا" وبها "نحن"!
تجذبه بها من غروره وكبريائه الزائف لتجرده منها شيئاً فشيئاً، مروضة ذلك العناد والرأس اليابس الذي يحظى به.
"هل يفكر...؟!"
تساءلت وهي ترى جموده لتلك الثواني لتعقد حاجبيها وهي ترى نظرات حمزة المندهشة.
تغمغم بتساؤل عن سبب صمته: "حمزة... ساكت ليه؟"
ارتاحت يداه على خصرها تحيط به ولم تكن مترددة أبداً كنظرات عيونه التي مازالت نظرات عدم التصديق تلمع بها.
ليردد بصدق: "مستغرب."
سألته ببراءة: "ليه؟"
أفاض بما شعر به دون تفكير: "عشان دي أول مرة تفكري فينا وفي حياتنا من غير ما تشوفي الموضوع على إنه حرب ولازم واحد فينا ينتصر على التاني. أول مرة متشوفيش مين أقوى ولا كرامة مين اللي هتتنازل. أول مرة أحس إني فارق معاكي وإنك عايزاني في حياتي."
تشعر بوجعه وألمه وهو محق.
ربما عنادها وتمردها ونزعتها الشديدة لكبريائها جعلها أنانية بنظرة: "أنا مش مجرد عايزة أك في حياتي... أنت حياتي كلها يا حمزة."
"مش بتحسسيني بكدة."
قطبت جبينها بامتعاض ولكنها سرعان ما قالت بمرح: "يلا كفاية عتاب وحزن. أنا برضه..."
رفع حاجبه: "أنا...؟!"
أومأت له بدلال وهي تستجيب ليداه التي تحيط بخصرها وتقربها إليه، يمحو الخطوة الفاصلة بينهما قائلة: "آه... أنت ظالم طبعاً. بس أعمل إيه بحبك وبموت فيك ومقدرش أبعد عنك."
عقدت حاجبيها وأكملت بشر طفولي: "بالرغم من إنك قدرت تبعد عني... بس يلا خليني أنا الطيبة."
سرعان ما بلسمت كلماتها كل سوء أو غصب بداخله.
يعشق تلك القصيرة التي تحول حياته بلحظة كالسحر.
إن قطبت تتحول حياته جحيم لا يطاق، وإن ضحكت تحولت حياته جنة كما يشعر الآن.
مال ناحيتها وارتفع حاجبه مردداً: "طيب."
أومأت له بدلال أذاب قلبه وجعله يتراقص بين ضلوعه: "آه... طيب. تنكر إني طيبة ولطيفة ودمي خفيف وحلوة كمان."
اجتاحت ابتسامته الحلوة ملامحه الوسيمة وتألقت عيناه بمشاعره الجياشة إليها.
ليهز رأسه بصدق: "لا مقدرش أنكر."
ابتسمت له بلهفة: "إيه ده بجد؟"
أومأ لها قائلاً بمشاعر شاجنة: "أنتِ طيبة أوي يا سيرين واستحملتي مني كتير."
ابتسمت وزينت الحمرة خدودها لتنظر إليه بنعومة قائلة: "وإيه كمان...؟"
تفحصتها نظراته المعجبة قائلاً: "وحلوة أوي النهاردة."
عقدت حاجبيها كالاطفال: "يعني كنت مش حلوة قبل كده؟"
رفع حاجبه بابتسامة قائلاً: "لا، أنتِ حلوة على طول."
هزت كتفها بدلال: "أنت شكلك بتاخدني على قد عقلي."
ضحك على طفوليتها قائلاً: "أنا غلطان إني نطقت أصلاً."
هزت رأسها: "لا خلاص مش قصدي..."
داعبت خصلات شعره قائلة برقة ونعومة: "يعني بجد عجبتك؟"
قال بحب وهو يقربها لصدره: "أنتِ عجبتني على طول."
هزت كتفها الظاهر من فستانها ذي الشرائط الرفيعة قائلة بدلال: "لا أنا بقول عن النهارده."
يالها من طفلة مشاكسة يصعب إرضاؤها.
ليقول بمحايدة: "كويسة."
عقدت حاجبيها وهتفت بشر: "إيه كويسة دي؟"
"قصدي حلوة..."
ابتسمت له برقة وهي تنظر لعيناه: "حلوة بس..."
ابتسم لعيونها الجميلة وتابع: "وزي القمر..."
"بس...."
قال بعبث بينما لم يعد يستطيع السيطرة على دقات قلبه الجنونية بقرب تلك الصغيرة التي تتلاعب بدقاته بكلماتها ونظراتها: "إحنا هنفضل واقفين نتكلم على الباب؟"
أومأت له قائلة: "آه، أنا عندي كلام كتير عايزة أقوله لك."
وأومأ لها قائلاً: "وأنا يا ستي هسمعك للصبح."
ابتسمت له بعذوبة لتقول: "طيب خلينا نتعشى... أنا عملتلك الأكل اللي بتحبه."
شهقت حينما انحنى ليحملها ويسير بها.
ألحت عنقه بذراعيها ودفنت رأسها بعنقه.
بينما يجلسها إلى تلك الطاولة الشهية التي أعدتها له.
فمنذ الصباح وهي تعد له كل الأصناف التي يحبها.
نظر إلى ما جهزته له وإلى خطوتها التي خطتها تجاهه بينما هو فعل بها كل ما فعله.
ليشعر بالخجل والضيق من نفسه لدرجة أنه يعجز عن النظر إليها.
ولكن كيف يبعد عيناه عن فتاته التي وجدها وسط مشوار عاصف وجائزته التي استحقها بعد عناء.
غابات عيونها التي أنارت حياته وأزهرتها بعد قحط وجفاف.
أيوجد كلمات أو اعتذار يستطيع نطقه ويمحي كل سوء اقترفه بحقها؟
لاحظت شروده وتغير ملامح وجهه لتضع يدها فوق يده قائلة برقة: "حمزة... مالك؟"
هز رأسه بابتسامة: "مفيش."
نظرت إليه قائلة: "مفيش إزاي... أنت سرحان..... أوعى تكون ندمان إنك وافقت نتصالح."
أمسك وجهها بين يديه قائلاً بندم شديد: "ندمان إني وجعتك وضايقتك وقسيت عليك."
قالت بصفاء نية: "أنا السبب."
هز رأسه: "لا يا حبيتي أنتِ السبب خالص. ده أنا اللي عندي العقد اللي جوايا بسبب اللي حصل."
وضعت إصبعها برفق على شفتيه: "بلاش تفتكر الذكريات الوحشة دي يا حمزة عشان خاطر..."
نظر إلى عيونها برجاء: "وأنتي مش هتفتكري الذكريات الوحشة اللي سببتها لك؟"
قالت ببساطة وابتسامة صافية: "لا... أنت هتنسيني."
نظر إلى عيونها قائلاً: "بجد يا سيرين...؟"
"طبعاً يا روح قلب سيرين."
أفلتت ضحكته بعدم تصديق بهذا التغير السائد في أجوائها متسائلاً: "أنتِ متأكدة إنكِ سيرين؟"
ضحكت قائلة: "لا... خيال."
ضرب مؤخرة رأسها بلطف قائلاً: "بطلي لمضة يابت انتي."
هزت كتفها ببراءة: "وأنا قلت حاجة.... أنت اللي بتسأل سؤال غريب. هو في حد غيري بيكلمك؟"
هز رأسه قائلاً: "لا.... بس مستغرب كلامك. أنتِ كبرتي."
عقدت حاجبيها وهبت نوبة جنون بعيونها بينما ترفع إصبعها بوجهه قائلة: "لا بقى انت كده هتخليني أقلب على الوش التاني..... إيه كبرتي دي؟"
ضحك مقهقها وهي يدافع عن نفسه قائلاً: "مش قصدي..... أقصد..."
"عقلتيه."
هزت كتفها العاري بدلال قائلة: "لا يا حبيبي أنا نفس المجنونة اللي تعرفها بس تقدر تقول كده عندي نوبة طيبة مخلياني مش عايزة حاجة غير إنك تحبني وترجع ميزو حبيبي اللي كان بيجيلي الشوكولاتة ويدلعني ويعمل أي حاجة تخليني مبسوطة."
رفع حاجبه بمشاكسة: "يعني كل اللي هامك مصلحتك؟"
أومأت له بلا تردد: "آه، ويكون في علمك أنا عايزة تعويض عن كل الدموع اللي عيطتها الأيام اللي فاتت."
قالتها بعفوية لينطق بشجن: "أنا آسف..."
لاحظت حزن صوته لتقول بمرح: "لا... إيه آسف دي؟! .... بقولك عايزة تعويض."
ابتسم لها قائلاً: "بس كده، أنتِ تأمري يا روحي. إيه التعويض اللي انتي عايزاه؟ لو عايزة نجمة من السما أجبهالك؟"
ابتسمت بسعة قائلة بسعادة: "أوووبا.. وأنت من امتى ليك في النجوم؟"
داعب خصلات شعرها قائلاً: "نجوم إيه وأنا معايا القمر."
تنهدت قائلة: "لا أنا كده قلبي هيقف... ميزو يا حبيبي أنت بقيت رومانسي."
"طول عمري..."
"تنكر؟"
"يعني..."
"بس عمرك ما قلت ليا الكلام الحلو ده."
"بس كده ههريك كلام حلو."
ابتسمت له قائلة: "ربنا يخليك ليا."
نظر إلى زيتون عيونها الذي ازداد خضرة ووضع وجهها بين كفيه قائلاً:
"يعني مسمحاني يا سيرين؟"
أومأت له بلا تردد: "آه....."
رفعت إصبعها بوجهه: "بس عايزة تعويض."
ابتسم لها وقبل يديها قائلاً: "أوامرك."
قالت: "عايزة شوكولاتة كتير."
أومأ لها قائلاً: "محل شوكولاتة."
ابتسمت قائلة: "وعايزة ورد كمان."
ضحك قائلاً: "نجيب مشتل ورد يا ستي."
وضعت إصبعها على رأسها بتفكير لتقول أخيراً: "ممم..... وتحبني."
أحاطها بذراعيه وقربها إلى صدره قائلاً بعبث: "هو من جهة هحبك فأنا مش هبطل حب فيكي."
"كتمته بصدره قائلة: "مش قصدي نيتك قليلة الأدب دي...... أنا قصدي حب..."
رفع حاجبه بابتسامة ماكرة: "اللي هو إيه؟"
داعب خصلات شعرها بتفكير قائلة: "يعني تقولي كلام حلو.... تبص في عيني مثلا...."
نظر إلى عيونها قائلاً بهيام: "ها، وإيه كمان؟"
"تمسك إيديا."
وأومأ لها وأمسك بيدها قائلاً: "ها... وإيه كمان؟"
احمر وجهها بينما تلاقت عيناه فوق شفتيها قبل أن يميل ناحيتها هامساً: "و... أبوسك..."
تحركت شفتاه طابعه قبلة رقيقة على جانب شفتيها خضبت وجنتها بالحمرة.
ليقول بخبث: "شفتي بقى، اهو قلبت قلة أدب في الآخر... يعني عندي حق... لازم قلة أدب في الحب."
لكمته بصدره: "حمزة أنت غلس."
هز رأسه وتأمل حمرة وجهها التي يعشقها بابتسامة قائلاً: "لا. ..... أنا حيوان يا قلبي."
هزت رأسها سريعاً: "لا يا حمزة متقولش على نفسك كده."
هز رأسه بإصرار: "لا أنا أستاهل...... مش بزعل قلبي وعمري وحياتي كلها وحارم نفسي من الدلع ده كله."
هزت كتفها بدلال: "عشان تعرف بس إنك الخسران لما تخاصمني."
يضحك قائلاً: "مش بقولك حيوان."
أومأت له قائلة: "خلاص يا حبيبي.. حيوان طالما أنت شايف كده."
ضربها بخفة على مؤخرة رأسها: "لمي لسانك يا سيري بدل ما أقطعه."
ضحكت ليضحك هو الآخر قبل أن ينظر لعيونها مجدداً ويبعد خصلات شعرها خلف أذنها قائلاً بمشاعر:
".. طيب إيه يا قلبي..... اطلبي اللي نفسك فيه.... طلباتك كلها أوامر."
هزت كتفها ووضعت رأسها على صدره قائلة: "معنديش طلبات."
ضمها إليه وقبل رأسها وهو يرفع وجهها لتنظر إليه بينما يقول بتمهل: "يعني.... مش عايزة مثلا... عربية؟"
رددت: "عربية...؟!"
أومأ لها وتابع: "آه... عيب مدام حمزة السيوفي تروح شغلها بتاكسيات."
اتسعت عيونها بعدم تصديق: "شغل.... مديرة.... شغلي؟"
أومأت له وصحح سريعاً: "آه... بس قبل ما دماغك تروح بعيد بعد ما عاصم باشا يشرف بالسلامة هتشتغلي معايا.... عشان تبقي معايا وجنبي طول الوقت."
قالت بلهفة وحماس: "بجد يا حمزة؟"
"طبعاً يا قلب حمزة..... والصبح إن شاء الله ننزل سوا تختاري العربية اللي تعجبك وكمان نشتري حاجات عاصم باشا وكمان فرش الأوضة بتاعته..."
اتسعت ابتسامتها فأي أنثى تكره الدلال.
ليتابع: "وكمان نجيب هدوم ليكي.... رفع إصبعه وتابع: بس تكون على ذوقي."
عقدت حاجبيها وهزت رأسها: "لا يا حمزة ذوقك وحش."
رفع حاجبه: "أنا..؟!"
أومات له قائلة: "جداً..."
نظر إليها بغيظ: "يا سلام."
أحاط عنقه بذراعيها بدلال: "طبعاً..... بس ده في الهدوم وبس يا حبيبي...."
ابتسم حينما داعبت أرنبة أنفه ليقول: "يعني باقي الحاجات ذوقي حلو؟"
وقالت بغرور: "طبعاً.... بس أنا ذوقي أحلى."
نظر إليها بغيظ: "اشمعنى؟"
قالت بدلال: "مش اخترتك من وسط كل الرجالة تكون جوزي وحبيبي وأبو ابني."
وضع يده على قلبه بنبرة مسرحية: "لا أنا كده قلبي هيقف."
"بعد الشر عليك يا حبيبي."
يهتف بعدم تصديق: "يا إيه؟"
قالت بتمهل وهي تحرك شفتيها ببطء: "يا حبيب قلبي."
هز رأسه قائلاً: "... يا بنتي أنتِ متأكدة إنك سيرين."
"عندك شك؟"
قال ضاحكاً: "عندي شكوك.... فين سيرين المجنونة اللي بتحدف طول من لسانها اللي أطول منها؟"
هتفت بجبين مقطب: "أنا مجنونة يا حمزة؟"
داعب خصلات شعرها بحب قائلاً: "أنتِ المجنونة اللي خطفت قلبي."
"مست أمام شفتيه: "بتحبني؟"
"بموت فيكي.... وبعشقك."
عضت على شفتيها وتابعت بنبرة ناعمة: "طيب.. إيه يا حمزة بيه إحنا هنقضيها كلام ولا إيه....."
رفع حاجبه بعدم تصديق لتندفع الحمرة لخدودها وتنفلت ضحكتها الناعمة وهي تلكمه بصدره قائلة: "... خلتني منحرفة زيك."
أشار لصدره ببراءة: "أنا منحرفة؟"
هزت رأسها: "أوي."
"ليه؟"
"أنت عارف ليه؟"
هز رأسه ببراءة شديدة: "لا..... قوليلي أنا بعمل إيه عشان تتهميني إني منحرف...؟"
قالت بخجل: "حمزة..."
"حمزة مصمم يعرف بالتفاصيل سبب تهمتك الظالمة دي."
شهقت بينما حملها وسار بها إلى الغرفة والطعام لم يمس فهو جائع للغاية لحبها وهي تتصور جوعاً لمشاعره المتواقة وحبه.
همس بعبث وهو يدفع باب الغرفة بقدمه: "بصي بقى إحنا واحدة واحدة تحكيلي موضوع الانحراف اللي بتتهميني بيه ده."
دفنت وجهها بصدره بينما بدأ فور ما إن وضعها برفق فوق فراشهما في بث شغفه ومشاعر حبه الساخنة لها بلا توقف.
فتحت عيونها في الصباح بكسل محبب لتتمغط بينما تمرر أصابعها بين خصلات شعرها المبعثرة من كثرة ما عبث بها حمزة طوال الليل.
فلمعت حبات التفاح أعلى خدودها التي تورّدت وهي تتذكر لقاءهم المليء بالحب والمشاعر ليلة أمس.
فلم يتوقف حمزة عن بثها حبه الممزوج بكلمات الاعتذار والندم التي لم تهتم لها كثيراً، فهي حقاً تحبه وهو يحبها وهذا هو المهم.
وهي متأكدة أن ما حدث ليس أكثر من اندفاع وسوء تصرف من كلاهما وكان على أحدهما احتواء الآخر قبل أن يصل بينهما الأمر لما وصل إليه.
تتمنى أن تكون تلك العثرات سبباً في فهم أحدهما للآخر وعدم تكرار تلك الأخطاء.
ازدادت تورّد وجنتها بينما استمعت لصوته يدندن وهو يخرج من الاستحمام.
أفلتت ضحكتها على نشاز لحنه.
بينما خرج حمزة يحيط خصره بمنشفة بملامح وجه منتشٍ حقاً لا تصفها كلمات.
تابع دندنته قبل أن يطلق صفيرة بشقاوة وهو يميل ناحيتها يقبل جانب عنقها قائلاً بغزل: "صباح الجمال على أحلى عيون في الدنيا."
لمعت عيونها بسعادة قائلة: "صباح الخير يا حبيبي."
جلس إلى جوارها وضمها إلى صدره العاري بينما يقطر منه الماء قائلاً بمشاعر جياشة: "هو أنتِ بتعملي فيا إيه؟ بتخليني قدامك كده مجنون بيكي؟"
نظرت إليه ببراءة شديدة: "أنا...؟!"
أومأ لها قائلاً: "آه مجرد ما بشوف العينين الحلوين دول بنسى نفسي."
قالت بثقة وغرور أنثوي وهي تحيط عنقه بذراعيها: "ماهو ده المطلوب..... أنا عايزك تنسي كل حاجة ومتفكرش ولا تشوف غيري أنا وبس."
قال بمشاكسة: "يعني بلاش أشوف شغلي؟"
هزت رأسها: "لا... خد إجازة."
ضحك قائلاً بمكر: "ولا أشوف الحاجة نبيلة مثلاً؟"
زنت شفتيها بحيرة ولكنها قالت بطفولية: "ممم لا برضه..... بس أوعى تقولها إني قلت كده."
ضحك بشر قائلاً: "طيب والحج عبد الحميد؟"
رفعت حاجبيها بتحدي: "مع إني بخاف منه بس لا برضه."
ضحك مقهقها: "بتخافي منه؟"
أومأت له: "جداً... راجل مرعب."
ابتسم لها قائلاً: "هو شديد شوية..... بس أنا مش عايزك تخافي وأنا جنبك."
قالت بثقة: "هو مش خوف خوف... أنت عارفني مش بخاف وقلبي جامد."
أومأ لها بتهكم: "آه ده بإمارة صوت الرصاصة."
هزت رأسها ضاحكة: "مش فاكرة."
قال بمكر وهو يميل ناحيتها: "طيب تعالي أفكرك... ههههه."
وضعت يدها على صدره بضحكة عالية: "لا لا.... بجد استنى يا حمزة."
قال بصبر نافذ لم يعد يقوى عليه بينما هي فاتنة يريدها والآن: "إيه تاني..؟"
قالت بجدية: "عايزة أقولك حاجة."
قال بحب وهو يضمها إليه: "قولي يا قلبي."
"عارف إيه أكتر حاجة خوفتني؟"
نظر إليها قائلاً: "إيه؟"
قالت بنبرة حزينة: ".. لما حسيت إنك ممكن تبعد عني."
نظر إليها بندم لتكمل بمشاكسة: "ده طبعاً .. بخلاف الليلة اللي كنت هموت مرعوبة من رد فعلك..... ومن ضربة الحزام."
قال بنبرة صادقة وهو يهز رأسه: "صدقيني مكنتش عايز أبداً الصبح يجي اليوم ده..... ولا إن الحاجة تمشي... كنت عايز بس أهددك وأتلكك بوجودها إني مش قادر أعاقبك....."
رفع حاجبه بإقرار: "بس اضطريت عشان هيبتي قدامك."
رفعت حاجبيها بتنمر: "والله."
أومأ لها بمرح: "آه ينفع أهددك وأرعبك..... وفي الآخر أسكت وأعديها....؟"
قالت بدلال: "يعني عملت كده من ورا قلبك."
أومأ لها: "طبعاً."
قالت بجبين مقطب: "بس قرصتني جامد."
قال ضاحكاً: "طيب اقرصيني......"
لمعت عيناه بالمكر بينما قال: "ولا أقولك عضيني."
قطبت جبينها باستغراب: "أعضك.... ليه...؟"
قال بضحكة على استغرابها: "وأنا بقولك اتحولي زومبي."
سألته بينما لمع العبث بعيناه: "أمال إيه.... حمزة شكلها حاجة قلة أدب... صح؟"
ضحك بخبث وجذبها إلى صدره قائلاً: "تعالي وأنا هقولك.."
همس بأذنها ببضع كلمات لتزجره بخجل: "حمزة..."
ضحك ومال بها للخلف قائلاً بوقاحة: "ما أنا هوريكي عض طول الليل .. تعالي بقى عضيني مرة من نفسك."
غابت بصدره وسط ضحكتها التي ابتلعها بين شفتيه.
ليغيبا سوياً بشغف حبهما قبل أن يضحك مقهقها: "آه ياعضاضة."
قالت وهي تدفن رأسها بعنقه وتطبع عليه قبلتها: "مش أنت اللي قلت..... استحمل بقى."
قال بوعيد وهو يلتهم شفتيها: "لو مكنتيش حامل..."
قالت بجراءة: "كنت هتعمل إيه؟"
قال بعبث وهو يلتهم عنقها بقبلاته وعضاته: "هقولك حالا............."
يومان...!!
يومان وهو برفقتها لا يبارح جوارها.
ليس بإرادته بالرغم من أنه أحب ما تفعله به بهيمنة كاملة راضخاً لرغبتها بالبقاء بجوارها.
ولكن انصياعاً لرفضها أن يتركها.
فكلما تحرك من جوارها تقطب جبينها.
ليقول بمشاكسة: "يا قلبي هروح الشغل ساعتين أرجع."
هزت كتفها كالاطفال: "ماليش دعوة اشتغل من البيت."
"يا سيري بطلي دلع."
قالت بلهجة آمرة: "قلت لا...."
"أنت قلت هتخليك جنبي."
"ما أنا جنبك.... بس الشغل."
"مين أهم؟"
"أنتِ طبعاً يا قلبي."
"طالما كده عايز تقوم ليه؟"
قال ببراءة: "هقوم أعمل تليفون وأعمل قهوة ليا وعصير ليكي وأشرب سيجارة وأجي على طول."
هزت رأسها: "لا خد التليفون اهو اتكلم هنا وانت جنبي أنا وهقوم أنا أعملك القهوة وكل اللي انت عايزه."
هتف كالاطفال: "والسيجارة طيب؟"
قالت بهيمنة: "مش لازم."
ضحك قائلاً: "طيب والحبس ده هيخلص امتى؟"
عقدت حاجبيها بتأنيب: "أخص عليك أنا حابساك."
قال بعبث وهو يقبل كتفها قبلة حارة: "هو بصراحة أحلى حبس.... وأنا أطول أبقى طول الوقت في حضن قلبي وحياتي... سيرين اللي مجنونة أهلي."
ضحكت وقالت بلهفة: "بجد؟"
أومأ لها: "آه."
هزت كتفها بسعادة قائلة: "طيب عشان قلت كده... أنا هكافيك."
نظر إليها بتساؤل خبيث: "إزاي...؟"
همست: "ششش أنت بس خليك مكانك."
قامت ثوانٍ ورجعت.
وضعت القهوة بعد دقائق بجواره بينما يتحدث في الهاتف وغابت لدقائق.
شهق حتى أنه غص حلقه بالقهوة التي يرتشفها بينما خرجت تلك الفاتنة أمامه.
ترتدي قميص نوم باللون الأسود...!
يالهي أقل ما يقال عنه أنه قاتل فاتن ألهب حواسه.
ستقتله بفتنتها وجنونها يوماً ما.
أغلق سريعاً: "طيب يا زين سلام دلوقتي."
يا حمزة أغلق الهاتف دون الالتفات لصوت زين.
قالت بدلال أنثوي قاتل بينما تغلبت على خجلها.
تخجل كيف وهي تموت به عشقا وتريد الاستحواذ على كل خلية بكيانه.
"إيه رأيك في المكافأة؟"
قال وهو يقفز ناحيتها: "رأيي مش كلام."
نظرت إليه باغواء: "أمال؟"
فارقت قدماها الأرض بينما حملها ليحلق بها في سماء عشقه هامساً: "هتشوفي حالا..."
سمحت له بالذهاب إلى عمله ليعود سريعاً إليها ليجدها بانتظاره بابتسامة حلوة وعشاء مميز ودلال لم يعد يستطيع مقاومته.
توسدت صدره العاري لتهمهم باسمه: "حمزة..."
قال بينما يداعب خصلات شعرها: "ممم."
قالت بحيرة: "أنا من الصبح شامة ريحة كده مش عارفة.... بس عايزها."
قال بحنان: "أنتِ بتتوحمي يا روحي."
أومأت له: "آه شكلي كده."
قال بحماس: "طيب عايزة إيه؟"
احمرت وجنتها ليقول: "فراولة مانجة بطيخة."
هزت رأسها: "لا مش أكل."
نظر إليها بتساؤل: "طيب...."
"شرب."
هزت رأسها: "لأ."
نظر إليها بحيرة: "أمال إيه؟"
مررت أنفها بنعومة على عنقه قائلة: "... على البرفيوم بتاعك."
رفع حاجبه: "اللي مكنتيش طايقة ريحتها."
أومأت له: "آه، ريحته في مناخيري من الصبح."
قال بحيرة: "وده أجيبه منين دلوقتي..؟ أنا رميت العلبة وجبت واحد تاني لما قلتي مش عاجبك."
"رجعت في كلامي وعايزاه."
ابتسم بخبث وهو يقترب منها قائلاً: "طيب مش عايزة صاحب البرفان؟"
هزت رأسها: "لا."
زجره قائلاً: "لا في عينك."
هزت كتفها: "الله يا حمزة وأنا مالي..... ده ابنك."
قال بعبث وهو يميل فوقها: "طيب سيبيني أنا هتفاهم معاه."
ضحكت وسرعان ما كانت تذوب عشقا به وبرائحته.
ألا تنتهي تلك الأثنى المميزة من مفاجآته.
تهمس بعد بضع ليالي بينما تستند إلى كتفه: "حمزة."
قال بحنان: "نعم."
مررت يدها برقة على صدره: "عايزة أقولك حاجة."
قال بضحكة: "بتتوحمي تاني؟"
أومأت له: "آه."
"برفان برضه؟"
هزت رأسها: "لأ."
قبل رأسها قائلاً: "طيب قولي."
رفعت عيناها إليه متسائلة: "بجد؟"
أومأ لها بتأكيد وهل يرفض لها طلباً: "طبعاً."
هزت رأسها متراجعة: "لا خلاص."
قطب جبينه: "ليه يا روحي اطلبي اللي انتي عايزاه."
قالت بتوجس: "خايفة منك."
هز رأسه بتشجيع: "قولي يا سيري اللي انتي عايزاه ومتخافيش."
همست في أذنه ببضع كلمات لتتسع عيناه ويرفع حاجبه بعدم تصديق: "... نعم...... ومش عايز حشيش بالمرة؟"
ضحكت ليتبرطم: "هو الواد قلبه معاه انحراف كده ليه...... أنا هخاف منه."
هز رأسه مردداً بعدم تصديق: "سجاير يا سيري."
أومأت له بدلال قاتل: "آه مش أنت جوزي.. اطلب من حد غريب إني أجربها."
هز رأسه: "لا طبعاً."
فرك رأسه بحيرة: "حاضر.... بس يعني بلاش وانتي حامل."
قطبت جبينها ليقول: "بس وعد أول ما أولد بس ونقضي ليلة كلها انحراف وأشربك يا ستي سيجارة."
هتفت بحماس طفولي: "بجد يا حمزة؟"
تبرطم بضحكة عالية غير مصدق جنونها الذي يعشقه بكل ما فيه: "الله يخربيت الجنان... آه يا قلبي حمزة طبعاً.. الصلح خير... وعيد سعيد."
مرضتش أجيب مشاهد لحد تاني غير العصافير دول.
يلا يا حلوين قولولي رأيكم.
سيرين انحرفت على الآخر.
وحمزة ما صدق.
بس برضه مجنونة.
عرض أقل.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رونا فؤاد
رفع حمزة عيناه من فوق تلك الأوراق يطالع زين بهيئته المتجهمة:
"إيه مالك يا ابني مكشر كده؟"
هز زين كتفه قائلًا:
"فارق معاك؟"
ضحك حمزة ورفع حاجبه قائلًا:
"ليه حاسس إني بكلم مراتي؟"
لوى زين شفتيه بغيرة واضحة:
"ما هي مراتك دي السبب."
"بعداك عني، أنا حتى ما بعرفش أتكلم معاك زي الأول ولا أعرف عنك حاجة."
ضحك حمزة بقوة حتى ادمعت عيناه:
"الله يخربيت كلامك، واد يا زين أنت بتغير من مراتي؟"
أومأ له زين قائلًا:
"آه ما أنت عارف."
ضحك حمزة قائلًا:
"عارف إيه الله يخربيتك، ما تسترجل يلا!"
قال زين متمتعضًا:
"إيه علاقة الرجولة بصحوبيتنا؟"
"ومالها يا جدع صحوبيتنا؟"
"أنت ناسيني يا حمزة."
عاد حمزة ليضحك مجددًا:
"ناسيني وسايبني وبعيد عني، إيه يا زين، إحنا مخطوبين ولا إيه؟"
"اتريق... اتريق يا خويا ما أخدتش منك غير كده."
ضحك زين وتابع بمكر:
"والدلع خليه للهانم مش كده؟"
زفر حمزة ضاحكًا:
"يا رب صبرني، هي تجنني في البيت وهو يجنني في الشغل."
"يا جدع دي مراتي أدلعها براحتي."
ضحك زين قائلًا:
"طيب خلاص، أنا ماشي."
قال حمزة:
"لا، لا تعال خلاص ما تزعلش."
"اقعد وفهمني في إيه."
قال زين بضيق:
"زهقان وهطق."
"ليه بس؟"
"هتجنن يا حمزة من وقت ما خطبت سارة مش عارف أتكلم معاها ولا أشوفها... ده حتى التليفون كلمتين وتقفل ولما رحت أزورهم الحجة نبيلة قعدت معانا."
ضحك حمزة بصخب ليعقد زين حاجبيه:
"ما تبطل بقى يا أخي ضحك."
قال حمزة وهو يوقف ضحكته:
"خلاص، أصلك حالتك صعب."
"أوي... أوي يا حمزة."
"خلاص هانت كلها كام أسبوع وتتجوز."
هتف بامتعاض:
"وأنا لسه هستنى، بقولك ما اتكلمتش معاها كلمتين مع بعض."
"معلش أنت عارف إن عندهم المواضيع دي مش مسموح بيها قبل الجواز... بس هانت كام أسبوع وتتجوزوا واتكلم معاها براحتك."
قال زين برجاء:
"طيب ما تخليك جدع مع صاحبك وتخليني أشوفها وأتكلم معاها، أهو نتعرف على بعض... يعني فجأة كده البنت تلاقي نفسها متجوزاني."
"ما تتلم يلا."
قال زين ببراءة:
"وأنا هعمل إيه، أنا بس هتكلم معاها... وغلاوة صاحبك عندك خليني أشوفها شوية."
ضحك حمزة على رجاء زين:
"مستعجل أوي يا خويا."
"آه والله."
أومأ له حمزة:
"طيب هتكلم مع الحاج عبد الحميد يوافق يسيبكم مع بعض تتعرفوا."
أسرع زين يحتضنه بقوة:
"حبيبي يا حمزة."
أبعده حمزة قائلًا بمشاكسة:
"ابعد يلا أنت هتبوسني ولا إيه؟"
وكزه زين بكتفه:
"لا خلي البوس... للمدام."
دفعه حمزة من أمامه:
"اوعى يا واد أنت."
"وخلينا نشوف شغلنا."
أومأ له حمزة باستدراك:
"آه صحيح يا حمزة ده طارق شايط على الآخر وعاوز يقابلك."
قطب حمزة جبينه:
"طيب قوله هعدي عليه في المصنع النهاردة."
نظر إليه زين قائلًا:
"أنت برضه مش هتقوله؟"
هز حمزة رأسه:
"لا خليه كده أحسن."
***
دخل حمزة إلى مكتب طارق الذي كان يهتف بغضب في أحد المهندسين المسؤولين عن المعدات لمتابعة العمل.
تساءل حمزة:
"في إيه يا باشمهندس طارق؟"
قال طارق بانفعال:
"في إني طلبت من الباشمهندس سامي تقرير يومي عن المواد الخام والمعدات بتاعتنا عشان نكون مستعدين لأي جديد وهو ما نفذش."
التفت سامي إلى حمزة قائلًا:
"يا فندم أنا بطمن على المخازن بتاعتنا بنفسي وما فيش أي داعي لقلق الباشمهندس طارق."
نظر إليه حمزة بضع لحظات جاهد فيها سامي للتحكم بثباته خشية أن يكشفه حمزة الذي نطق أخيرًا بثقة عمياء:
"سامي عنده حق يا طارق... طالما هو متابع ما فيش داعي لقلقك."
"وبعدين أنا كده كده مسافر أستعجل دفعة المعدات الجديدة واللي موجود يغطي إنتاجنا لست شهور... مش كده ولا إيه يا سامي؟"
أومأ له سامي:
"تمام يا حمزة بيه."
"خلاص يا طارق... ما فيش أي داعي لقلقك."
احتقن وجه طارق بانفعال:
"يعني إيه يا حمزة؟"
أشار حمزة لسامي قائلًا:
"روح أنت يا باشمهندس."
ما إن انصرف سامي حتى هتف طارق بجدية:
"يعني إيه ما أقلقش يا حمزة... أنت عارف وضع المصنع كويس وعارف أن ما ينفعش نسيب حاجة للظروف وكل حاجة نكون عاملين حسابها وأنت من أول ما خليتني مسؤول عن الشغل ده وأنا مش بسيب حاجة للظروف عشان أكون قد المسؤولية دي."
أومأ له حمزة بابتسامة ممتنة:
"عارف يا طارق وأنا لولا إني واثق فيك ما كنت خليتك مسؤول عن شغلي."
قال طارق بعدم فهم:
"أمال ليه وافقت سامي وبعدتني عن متابعة المخازن؟"
فرك حمزة رأسه قائلًا باقتضاب:
"من غير سبب."
قطب طارق جبينه:
"يعني إيه من غير سبب يا حمزة؟"
"أهو كده وخلاص يا أخي."
نظر إليه طارق بتوجس:
"أنت لسه شايل مني من الموضوع القديم؟"
عقد حمزة جبينه بغضب وهو يتذكر نظرات طارق لسيرين:
"لا يا طارق وما تفتحش الموضوع ده ثاني."
"يبقى فهمني إيه سبب اللي بتعمله."
"أنا حر يا طارق."
"يبقى أنا هسيب الشغل يا حمزة طالما."
"أنت مش واثق فيا."
خرج طارق من المكتب يحترق غضبًا ليقابل زين الذي سأله:
"إيه يا طارق مالك؟"
قال طارق بحدة:
"في إنه ما بقاش واثق في حد... عمومًا أنا مستقيل."
أمسك زين بكتفه:
"استنى بس يا طارق إيه اللي بتقوله ده؟"
"خلاص يا زين انتهت."
"اهدى بس وفهمني."
قال طارق وهو ينصرف بخطوات غاضبة:
"ولا أهدى ولا زفت."
دخل زين إلى حمزة:
"إيه يا حمزة... أنت هتوافق طارق على اللي بيقوله؟"
هز حمزة رأسه وأشار لزين بالصمت بينما يتابع كاميرات المراقبة... ليقول أخيرًا:
"أكيد لا... بس كده الموضوع ماشي زي ما إحنا عاوزين... خلي سامي ياخد الأمان."
***
وبالفعل سرعان ما كاد سامي يدخل إلى مكتبه ويغلق الباب جيدًا قبل أن يتصل بأحد الأرقام ويتحدث بخفوت:
"بقولك إيه يا أمين موضوع الـ ١٠٠ ألف ده شوية أوي... أنا عاوز ٣٠٠."
"ليه يعني؟"
"من غير ليه... أنت مش شايف حمزة بيه عامل إيه هنا... ده خلى طارق يستقيل."
"وأنا اللي في وش المدفع... أنا اللي بطمنه إن المخازن زي الفل... يعني لما يعرف الكارثة أنا أول واحد هروح في الرجلين."
"طيب يا سامي... فتح عينيك أنت بس وهكلم الباشا يديك اللي أنت عاوزه."
***
انتبهت سيرين إلى فتح حمزة لباب المنزل لتترك إعدادها للطعام لتسرع إليه بتساؤل:
"حبيبي أنت رجعت بدري؟"
فتح لها ذراعيه بابتسامة واسعة:
"وحشتيني قلت أرجع بدري."
اتسعت ابتسامتها بينما ترتمي في حضنه ليقبل وجنتها قائلًا:
"عاملة إيه يا روحي؟"
ابتسمت له قائلة:
"الحمد لله... وأنت يا حبيبي؟"
تنهد بإرهاق:
"تعبان أوي يا سيري... جسمي مكسر."
ربتت على يده بحنان:
"سلامتك يا حبيبي."
ابتسمت له برقة وتابعت:
"طيب ادخل يلا أنت خد شاور وارتاح شوية لغاية ما أكمل العشا."
هز رأسه وأمسك بيدها قائلًا:
"تؤ تؤ... سيبي اللي في إيدك وتعالي عاوزك."
قالت باستفهام:
"عاوز إيه يا حبيبي؟"
مد يده إليها:
"تعالي بس."
هزت رأسها:
"لا... خليني أخلص الأكل الأول."
قال بإصرار:
"مش وقت أكل خالص."
أمسك بيدها واتجه لتسير خلفه وهي تتذمر:
"يااه يا حمزة عليك... ما تقول هنا عاوزني في إيه؟"
دخلت إلى الغرفة خلفه ليبتسم لها برقة بينما يخرج من جيبه علبة صغيرة من القطيفة تلالأ بداخلها خاتم ذو فص نفيس... نظرت إليه وإلى الخاتم الخلاب:
"إيه رأيك يا روحي؟"
ابتسمت قائلة:
"حلو أوي... بس... ده شكله غالي أوي."
هز رأسه وأخرج الخاتم من العلبة ووضعه بإصبعها قائلًا:
"ما فيش حاجة تغلى عليكي."
قالت بعتاب لطيف فهو لا يتوقف عن إغداقها بالهدايا بالرغم من عثرته المالية وعارضت كثيرًا شراءه تلك السيارة الباهظة لها ولكنه صمم:
"ليه كلفت نفسك يا حمزة؟"
هز رأسه وقبل يدها قائلًا:
"أنتي مش بتطلبي مني أي حاجة يا قلبي عشان كده لازم أنا أجيبلك."
ابتسمت له برقة:
"يا حبيبي أنت مش مخليني عاوزة أي حاجة."
"عمومًا شكرًا يا حبيبي ربنا يخليك ليا."
"ويخليكي ليا يا روحي."
توجهت خطوة للخارج ليوقفها:
"على فين؟"
قالت ببراءة:
"هروح أكمل العشا على ما ترتاح."
هز رأسه وقال بمكر:
"مش عاوزة تشوفي جايبلك إيه ثاني؟"
نظرت إليه باستطلاع ليفتح هذا الكيس الورقي الأنيق ويرفع أمامها تلك الهدية.
نظرت إليه ببلاهة قائلة:
"إيه ده؟"
قال بعبث:
"هيكون إيه يا قلبي... قميص نوم."
غمز لها وتابع:
"الأزرق هيبقي تحفة عليكي."
تغيرت ملامح وجهها وهي تتطلع لهذا القميص الفاضح لتهتف به بتوبيخ:
"إيه قلة الأدب دي لا طبعًا أنا مستحيل ألبس كده."
اندهشت ملامح حمزة الذي تسمر مكانه لحظات قبل أن يقول باستنكار:
"نعم يا أختي؟"
عقدت حاجبيها قائلة بتوبيخ:
"بقى في واحد محترم يجيب لمراته حاجة زي دي؟"
"شيل... شيل يا راجل وخليك محترم."
رفع حمزة حاجبه وبلحظة لمع الغيظ بعينيه هاتفًا:
"يخربيت طول لسانك... والله لأوريكي على كل كلمة نطقتيها."
أسرعت سيرين إلى الخلف راكضة هربًا منه بينما تتعالى ضحكتها ما إن خطى تجاهها لتقول بضحكة:
"حمزة اهدى واعقل."
وقف حمزة مكانه قائلًا:
"طيب بطلي جري واقفة مكانك."
هزت رأسها كطفلة وهي تتابع هربها منه:
"لا ما أنت هتمسكني لو وقفت."
"وأنا بجري ورا عيلة؟"
"طيب عاوزني أقف ليه؟"
قال حمزة بمكر:
"هكلمك."
هزت رأسها:
"كداب."
كتم ضحكته على أفعالها ليهتف بها بوعيد:
"ورحمة أمي يا سيرين لو ما جيتيش حالًا قدامي مش هقولك هعمل فيكي إيه."
قالت وهي ترفع إصبعها بوجهه:
"خلاص... خلاص جاية... بس أنا حامل."
هتف بها حمزة:
"عارفة يا اختي على أساس مش باين عليكي."
قالت بضحكة:
"أنا بحذرك بس... أنت قولت هتكلمني."
أومأ لها أمسك بذراعها ليجذبها إليه بينما لمع الخبث والمكر بعينيه وهو يقول:
"ها بقى كنتي بتقولي إيه؟"
قالت بتلعثم:
"قلت يعني يا ميزو... ما ينفعش ألبس كده... قصدي يعني الجو بارد والقميص ده مفتوح أوي أخاف يجيلي برد."
ضيق عينيه:
"أنتي قلتي كده؟"
أومأت له ببراءة:
"آه."
قال من بين أسنانه:
"سيرين."
رفعت عيناها الجميلة إليه قائلة بنعومة:
"نعم."
أحاط خصرها بذراعه وتراجع بها ليلتصق ظهرها بالحائط بينما همس ببطء عابث:
"قلتي ما فيش راجل محترم... مش كده؟"
أومأت له وعيناها تنظر لعينيه الماكرة بينما أكمل:
"طيب وهو في راجل بيبقى محترم مع مراته... غمز لها وتابع بوقاحة وهو ينظر لبطنها: أمال الواد ده جه إزاي؟"
زجرته بخجل:
"حمزة اتلم."
هز كتفه ببراءة قائلًا:
"مش ده اللي حصل؟"
"قلت أدبي معاكي فجبت الواد ده... أخفت عيونها عنه ليكمل بخبث شديد بجوار أذنها: كده خلصنا من موضوع الاحترام... قلتي إيه ثاني بقى... مممم."
"مستحيل تلبسي القميص ده."
"على أساس إني أنا اللي كنت لابس القميص الأسود."
عضت على شفتيها قائلة:
"آه ده... ده كان مكافأة عشان كنت سايب شغلك وقاعد معايا."
رفع حاجبه:
"والله؟"
قالت برقة وهي ترفع نفسها على أطراف أصابعها تحيط بعنقه:
"طبعًا يا ميزو."
قال متظاهرًا بالجدية:
"بطلي ميزو دي."
قالت بدلال:
"ليلة يا حبيبي."
رفع حاجبه بغيظ:
"عشان بتضحكي عليا بيها... أنتي كده كل مرة تدلعي وتقوليلي ميزو وحبيبي ودلع وقمصان نوم وبعد كام يوم تقلبي واحد صاحبي وتسيبيني وتنامي."
حاصرها بجسده ومال ناحيتها هامسًا بحميمية بجوار أذنها:
"ما كنا حلوين وآخر دلع منفضالي بقالك كام يوم ليه؟"
أفلتت ضحكتها الناعمة التي أثارت أعصابه بينما قالت بدلال:
"ما إحنا لسه حلوين... طيب بذمتك يا ميزو أنا حلوة ولا مش حلوة؟"
نظر إليها بينما تتلاعب به بمكرها ليظل صامتًا لتعقد حاجبيها:
"حمزة."
"ممم."
"رد مش أنا حلوة؟"
قال بمكر مماثل:
"البسي القميص وأنا أقولك."
ضربت الأرض بقدمها وقطبت جبينها:
"رخم."
طيب مش لابساه.
ضحك وهو يفك أسرها قائلًا: براحتك.
بعد نصف ساعة، تخللت رائحة عطره أنفها بينما وقف لدى باب المطبخ يتطلع نحوها. يعشق تلك القصيرة بينما تتحرك بفوضوية هنا وهناك، وتلك الرائحة الشهية تعبق المكان.
التفتت إليه لتجده ارتدى شورتًا قصيرًا بينما ترك صدره عاريًا وصفف شعره الكثيف الذي لمعت فوقه قطرات المياه، لترتسم ابتسامة معجبة على شفتيها.
قالت بنعومة: العشا جاهز.
أومأ لها بابتسامة ليتناولا سويًا العشاء الشهي الذي حضرته.
بعد العشاء، جلس إلى الأريكة مشغولًا بعدة أوراق بينما ترددت سيرين كثيرًا وهي تهز رأسها. لا، فهذا قميص فاضح يستحيل أن تخرج له هكذا.
هزت رأسها وهي تتجه إلى استبدال هذا القميص، بنفس لحظة دخول حمزة إلى الغرفة. تجمد مكانه! فعن أي خيال يتحدث وهو يتخيلها ترتديه حينما اشتراه! تراجعت خطوة للخلف بينما صرخت عيناه بالإعجاب.
قال: قلت الأزرق هيبقي تحفة عليكي.
غرقت بدماء وجنتيها وقبل أن تتحرك خطوة كانت بين ذراعيه.
قالت: حمزة.
قال: ششش، سيبي حمزة دلوقتي.
ضحكت بينما دفن رأسه بعنقها يشم عبيرها ويغرق برفقتها في بحر عشقه الخالص لها.
بعد فترة، تمددت على ظهرها ليضع حمزة رأسه فوق صدرها بينما تتلاعب برقة بخصلات شعره وهو يحيطها بذراعه.
همهم من بين استمتاعه بملامسة أصابعها لخصلات شعره: سيري.
قالت: نعم.
قال: إيه رأيك نسافر يومين عسل؟
هتفت بحماس: بجد يا حمزة، هنروح البلد؟
رفع رأسه من فوق صدرها يتطلع إليها باستنكار: باقولك عسل تقوليلي البلد؟
هزت كتفها: ما هو إحنا ما سافرناش غير هناك.
ضحك وتمدد على ظهره وجذبها إليه قائلًا: في دي عندك حق. كان لازم آخدك شهر عسل، بس ملحوقة، أخلص من كعبَلة شغلي ونسافر.
قالت: مش مهم يا حبيبي، طالما مع بعض مش مهم المكان.
ضحك وشاكسها قائلًا: يا سيدي على العقل.
قالت بغرور: طول عمري.
داعب خصلات شعرها قائلًا: طيب إيه رأيك نسافر شرم أو الغردقة؟
هتفت بحماس: بجد يا حمزة؟
أومأ لها قائلًا: آه طبعًا، بس يومين عشان عندي شغل كتير.
قالت برجاء: خليها أسبوع.
هز رأسه: لا مستحيل، وبعدين أنا واخدك اليومين دول أصلًا عشان أصالحك مقدمًا إني هأسافر أسبوع.
رددت بجبين مقطب: تسافر؟
أومأ لها: آه.
قال: هأسافر ألمانيا، شحنات المصنع اتأخرت وعاوز أعرف إيه السبب.
هزت رأسها برجاء، وقد شعرت بالحزن الشديد لهذا الخبر: لا يا حمزة ما تسافرش عشان خاطري.
قطب جبينه وأمسك وجهها بين يديه قائلًا: إنتي اللي ما تعمليش كدة يا قلب حمزة وغلاوتي عندك.
أومأت له: حاضر.
نظر للدموع التي لمعت بعيونها: ما تعيطيش بقى يا سيري.
أومأت له دون قول شيء، ليقول وهو يداعب شعرها: دي كلها سفرية أسبوع.
هتفت بعدم رضا: وهو أسبوع شوية يا حمزة، أنا خلاص ما أقدرش أبعد عنك يوم واحد.
ضمها إلى صدره قائلًا: معلش غصب عني يا سيري.
أومأت له ليقول: طيب إيه رأيك آخدك تقضي الأسبوع اللي هأسافره هناك مع البنات والحجة؟
أومأت له ليقول: بس توعديني تاخدي بالك من نفسك.
قالت: حاضر.
قال: طيب يلا قومي نروح للدكتور ونرجع نجهز الشنط عشان نسافر.
نزلت معه من عمارة عيادة الطبيب إلى الجراج ليفتح لها حمزة باب السيارة ويدخلها، ولكن قبل أن يركب استمع لهذا الصوت الأنثوي الذي يناديه: حمزة.
اتجه حمزة إلى تلك المرأة لتنظر سيرين باستطلاع من خلال مرآة السيارة. من تلك المرأة التي صافحها وابتسمت له؟
بسرعة ما إن ركب بجوارها حتى سألته: مين دي؟
قال بعدم اكتراث: واحدة معرفة.
قالت: أيوه يعني مين؟
هز كتفه: يعني مش مهم.
رفعت حاجبيها: حمزة.
قال برفق: سيري يا حبي، واحدة أعرفها من شغلي سلمت عليها وخلاص بقى، ولا الهرمونات طلبت نكد؟
ظلت صامتة فمال ناحيتها قائلًا: أسبوع هبقى بعيد عنك، هتنكدي عليا؟
احتضنت ذراعه قائلة بتأنيب: إنت بتفكرني ليه؟
ضحكت سيدرا بخبث وهي تقول لأمها: سافر وهيتجنن لما يعرف سبب تأخير الشحنات. خلاص يا ماما المواجهة اللي خفت منها شهور هتحصل بس وأنا في موضع قوة.
هتفت بها نادية بامتعاض: قوة إيه وضعف إيه؟ فين جمال؟
هزت كتفها ببرود: وأنا أعرف منين؟
نظرت إليها نادية بتوجس بينما جمال لم يظهر منذ الأمس، لتضحك سيدرا بخبث. فهو قد تم القبض عليه بعد تلك القضية التي دبرتها له باختلاس الأموال من البنك.
في الليلة التالية في تلك الفيلا الأنيقة، وضعت سيدرا إمضاءها على تلك الورقة بعد أن ابتسمت بانتصار بينما أصبحت شريكة عزام الصاوي مقابل أن تكون زوجته عرفيًا كما أراد.
خرج الجميع لتنظر حولها لتلك الفيلا المبهرة. تقدم منها عزام بخطوات ثابتة وعيناه تلتهم كل إنش بها. وقف أمامها ثم فتح طقمًا من الألماس خلب أنظارها.
قال بمكر بينما لمعت عيناه بالشغف: أوضتي أول دور على اليمين، هأعمل تليفون تكوني جهزتي.
ضحكت بنعومة: أوكي يا روحي.
تأملت نفسها بالمرآة بعدما ارتدت قميص نوم حريري وفوقه الروب الخاص به ثم وضعت ذلك الطقم الماسي حول عنقها وهي تنظر بطمع إلى تلك الفيلا المبهرة، تتلاعب نظراتها الطامعة بها وتفكر: لما لا تطلب منه أن يكتبها باسمها؟ لتتذكر نفس النظرات التي كانت تتطلع بها لحمزة كلما طمعت بشيء. ربما عزام رجل يكبرها كثيرًا ولكن لا يهم. المهم أنها وصلت لمبتغاها. لقد كانت ستظل هاربة من حمزة وخائفة، أما الآن ستستطيع التمتع بالأموال وستجبر حمزة على تقبل الهزيمة وإلا ستسحقه مجددًا كما أن عزام سيحميها.
هبت سيدرا من مكانها وهي تضم روبها الحريري حول جسدها حينما اقتحم هؤلاء الرجال الغرفة فجأة.
هتفت بهم: في إيه؟ إنتوا مين؟
قال أحدهم بحزم: معانا أمر بالقبض عليكي.
عقدت حاجبيها بصدمة: قبض عليا؟
سرعان ما هدرت بغضب: إنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا مرات عزام الصاوي.
نادت بعلو صوتها تحاول إبعاد الضباط الذين تقدموا منها: عزااام.
قال الضابط بحزم: حرم عزام بيه اللي مقدمة البلاغ.
قالت بعدم تصديق: إنت بتقول إيه؟
قال الضابط: في بلاغ إنك من المدام إنك إنتي اقتحمتي بيتها.
ظهرت تلك المرأة بابتسامة هادئة. هي نفس المرأة التي التقى بها حمزة بالجراج، وهي تكون زوجة عزام الصاوي.
قالت المرأة: اقبض على الحرامية دي يا حضرة الضابط.
تراجعت سيدرا للخلف تهتف: إنتي مين؟ ويقبض على مين؟
قالت المرأة بثقة: أنا نرمين الصاوي، مرات عزام.
قالت سيدرا بخبث: وأنا كمان مراته.
ضحكت المرأة بثقة ثم نظرت إليها بازدراء: بقى إنتي مرات عزام الصاوي؟
أومأت لها سيدرا بثقة، لتهز نرمين رأسها وتقول باحتقار: شفت البجاحة يا حضرة الظابط؟
قال الضابط بجدية: معاكي حاجة تثبت كلامك؟
نظرت حولها وازدردت ريقها بتوتر فالورقة العرفية مع عزام، ولكن أين اختفى عزام هنا؟
ابتسامة متشفية ارتسمت على شفاه حمزة لا تصفها كلمات بينما التقت عيناه بعيون سيدرا. ها هي لحظة انتقامه التي انتظرها شهور. تخلخل الخوف والرعب أوصالها لأول مرة بينما بدأت تتوضح لها انقلاب قواعد اللعبة عليها. فهي طالما كانت ذكية خبيثة ماكرة ولم تتوقع أن طوال هذا الوقت كان حمزة يتلاعب بها كعروس الماريونيت بتلك الطريقة.
توقع حمزة أن يثور ويضربها بل ويقتلها ما إن يراها، ولكن رؤيتها بتلك الحالة كما أراد تمامًا جعلت ذلك البرود يغلف هيئته بينما يقف بجوار نرمين بقامته المديدة قائلًا: أهي الست في بيتها، زي ما نرمين هانم بلغت يا فندم.
نزعت نرمين ذلك العقد الماسي من عنق سيدرا بعنف.
وقالت: وكمان لابسة العقد بتاعي.
هزت سيدرا رأسها بعدم تصديق فهي تحلم. هنا ظهر عزام الصاوي، لتهتف به وكأنه طوق نجاتها: عزام كويس إنك جيت، شفت بيعملوا فيا إيه؟ بيقولوا إني باسرق بيتها.
قاطعها ببرود: أمال إنتي في بيتي بتعملي إيه؟
تجمدت نظراتها بزيغ ليقول عزام بجدية: يا فندم أنا حالًا مقدم بلاغ في سوق المال عن الست دي. اختلست ٢٠٠ مليون قرض ورتبت لسرقة شركتي، وكمان واضح إنها اقتحمت بيتي.
هتفت بجنون لا تصدق مقدار سذاجتها: إنت بتقول إيه؟ إنتوا بتقولوا إيه؟
قال الضابط: خدوها على القسم.
تراجعت للخلف تضم روبها حول جسدها العاري تهتف برجاء: حمزة.
هتف بها حمزة بازدراء: حمزة بيه السيوفي يا كلبة.
نظرت إليه وهي تستر جسدها بينما يسحبها العساكر للخارج: إنت اللي عملت فيا كده.
سخر منها: ده طمعك اللي عمل فيكي كده.
نظر إليها واقترب منها ليقول بخفوت: فاكرة نفسك ذكية؟ ما تعرفنيش إني كنت بألعب بيكي وعارف إن طمعك هيعميكي.
أمسكت ذراعه بتوسل: حمزة، هرجعلك فلوسك.
نزع ذراعه ودفعها بعيدًا.
قال: شش، اسمي أنضف من إنه يجي على لسان واحدة زيك.
ازدادت نظرات حمزة تشفيًا بينما وضع العساكر الأصفاد بيدها ليشير إلى إحدى غرف التحقيقات قائلًا: عارفة مين في الأوضة دي؟ ده جمال.
ضحك بسخرية وتابع: لطيف أوي والتفاهم معاه سهل جدًا. كلب فلوس بس بيقدر اللي يطلعه من المصيبة اللي رتبتيها له وبيعترف عليكي، وحتى موضوع حادثة العربية بتاعتي لبسهالك هو ورجالته.
نظر إليها وتابع باحتقار: كنت بأفكر أقتلك بس تعرفي لقيتك ما تستاهليش أوسخ إيدي بيكي، وخصوصًا إني مش هأنسى إن بسبب اللي عملتيه سيرين دخلت حياتي وعشانها مش مستعد أوسخ إيدي بواحدة زيك.
خرج جمال بنظرات لامعة ليقول لحمزة: متشكر يا حمزة باشا.
أومأ له حمزة ليقول جمال وهو ينظر لسيدرا: مش قلتلك خافي مني؟ بقى أنا تبقي عاوزة تسجنيني يا بنت...
نظرت إلى عزام الذي وقف بهيبته إلى جوار حمزة وضحك بسخرية: تصدق عندك حق يا حمزة، الضحك عليها سهل أوي.
أشار إلى العسكري قائلًا: ما تسحبها على الحجز يا ابني، هي هتقف معانا ولا إيه؟
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رونا فؤاد
وانتِ يا ماما نبيلة، أنا بحبك زي ماما وأكتر كمان.
ربتت نبيلة على كتفها بحنان، لتهز ريحان قدمها بعصبية. فتلك الفتاة تحظى بحب واهتمام الجميع، وها هي بعد قليل من التعب، نبيلة والجميع يهتمون بها ولا يفارقونها.
قالت ريحان: ها يا تيتة، قلتي إيه في اللي طلبته منك؟
قطبت نبيلة جبينها قائلة: وبعدين يا ريحان، مش وقته.
هزت رأسها: لا طبعًا وقته.
قالت نبيلة بتسويف: طيب يا ريحان هبقى أكلم جدك وأبوكي ونشوف.
هتفت بامتعاض: وطبعًا هتقولوا لأ.
هزت نبيلة كتفها: معرفش، أنتِ عارفة دماغ جدك.
يوووه، هو كل حاجة تحكمات؟ فيها إيه يعني ما أخرج أتفسح شوية.
التفتت إليها نبيلة بحدة: اتكلمي بأدب مع جدتك يا بنت، وبعدين تحكمات إيه اللي بتقوليها؟ عاوزة تسافري لوحدك كام يوم وتقولي تحكمات.
هتفت بحقد: وفيها إيه يعني؟ ما هي سيرين سافرت الغردقة.
التفتت إليها نبيلة بامتعاض: وأنتِ مالك ومالها أصلًا؟ وبعدين سافرت مع جوزها، مش مع أصحابها.
قالت سيرين لتهدئة الجو: مش قصدها يا ماما نبيلة، هي زهقانة برضه، ما فيهاش حاجة لما تغير جو.
قالت نبيلة: ما عندناش الكلام ده يا بنتي.
أومأت سيرين لتهب بها ريحان بغضب: وأنتِ مالك؟ أنتِ بتدخلي ليه؟
قالت نبيلة بتحذير: بس يا ريحان.
هتفت بانفعال: يوووه.
صاحت بها نبيلة بغضب: احترمي نفسك يا بنت واطلعي برا.
التفتت إليها نبيلة: ما تزعليش يا بنتي.
ما حصلش حاجة يا ماما.
هتف عبد الحميد لشاكر بعدم تصديق: والكلبة دي اتقبض عليها؟
قال شاكر: أيوه يا حج، إحنا في النيابة دلوقتي.
قال عبد الحميد بلهفة: وحمزة يا شاكر؟
كويس، بس معلش يا حج أنا هقفل عشان أتابع التحقيق.
قال عبد الحميد بانفعال: تقفل إزاي وأنا على نار كده؟ فَهَمّني إيه اللي حصل وليه حمزة قافل تليفونه.
قال شاكر بنفاذ صبر مهذب: يا حج هحكيلك على كل حاجة، بس نخلص التحقيق.
أغلق عبد الحميد الهاتف بقلق لينادي على شريف ويخبره بما عرفه من شاكر.
وقفت نبيلة أعلى الدرج باستفهام تسأل عبد الحميد الذي يخبرها بذهابه للقاهرة.
قالت نبيلة بقلق: ما تقلقنيش يا حج.
ما فيش حاجة تقلق يا نبيلة، أنا هروح أنا وخاله نطمن عليه ونجيبه ونجي على طول.
التفت إلى سيرين التي استمعت عرضيًا لحديثهم: هو حمزة رجع من السفر؟
حاول عبد الحميد إخفاء الأمر ولكنه بالنهاية تحدث، لتتجمد سيرين مكانها بضع لحظات. تواجه عيون نبيلة وعبد الحميد يتساءلون عن رد فعلها، أختها أم زوجها؟!
انتهى عزام من وضع أقواله ليخرج إلى حمزة الذي قال بامتنان: متشكر أوي يا عزام بيه.
ربت عزام على كتفه قائلًا: أنا ما عملتش حاجة يا حمزة، وأنت لو مكاني كنت هتعمل كده، كنت هستفيد إيه لو سمعت كلام الشيطان؟ المكسب حتى لو كتير بس حرام، ربنا عمره ما يبارك فيه.
أومأ له حمزة ليلتفت حمزة إلى زوجة عزام قائلًا: متشكر أوي يا مدام نرمين، وآسف على الموقف.
ضحكت المرأة برقة وهي تمسك بيد زوجها قائلة: على إيه بس يا حمزة؟ أي نعم كنت هقتل عزام بس عشانك يهون.
ابتسم لها قائلًا: متشكر أوي.
حمزة!
التفت حمزة بدهشة حينما استمع لصوت سيرين التي صممت على المجيء برفقة عبد الحميد وشريف.
ركضت سيرين إليه ليحتضنها بين ذراعيه بينما يسألها: حبيبتي أنتِ إيه اللي جابك هنا؟
تجاهلت سؤاله ونظرت إليه بقلق، فهي لم تفهم شيئًا سوى أنه كان على وشك التعرض لمكيدة أخرى من أختها واستطاع كشفها.
حمزة أنت كويس؟
أومأ لها وربت على كتفها بحنان: أنا تمام.
التفت إلى عبد الحميد: ليه يا حج جبتها معاك؟
كانت عاوزة تتطمن عليك يا ولدي.
يخاف عليها من حقد سيدرا ليقول لزين: زين، خد سيرين من هنا.
تمسكت سيرين بذراعه: مش همشي.
قال حمزة: اسمعي الكلام أنا خائف عليكي.
قال عبد الحميد: واه يا ولدي، خائف عليها من إيه؟ مش ماليين عينك أنا وخالك؟
لا يا حج العفو.
طيب طمني.
شاكر جوه في التحقيق.
أومأ له لتلتفت سيرين بهمس إلى حمزة قائلة: حمزة مش دي اللي قابلتها يوم الدكتور؟
ابتسم حمزة وقدم عزام ونرمين إلى سيرين، لتبتسم نرمين بنعومة: اتشرفت يا مدام.
أومأت لها سيرين بابتسامة بينما تكاد تموت لتعرف التفاصيل.
بتوجس نظرت سيرين إلى أبيها الذي خرج من غرفة التحقيق وقد كان يدلي ببعض أقواله كما رتب مع حمزة بخصوص أمين وسامي.
سرعان ما انتبه حمزة لخوفها ليشدد على يدها يطمئنها: هفهمك كل حاجة.
قال هشام بخذلان: ليه منعتني أعترف بكل حاجة يا حمزة؟
قال حمزة بهدوء: ما لوش داعي يا هشام نفتح القضية القديمة.
هز هشام رأسه باستنكار: يا حمزة افهم، لو اعترفت عليها وقدمت الورق والمستندات فلوسك هترجع لك.
انكمشت سيرين بتوتر ليصدمها رد حمزة: مش عاوز الفلوس دي، أنا خلاص استعوضت ربنا فيها.
قال هشام بعدم استيعاب: ليه؟
هز كتفه قائلًا: عشان يا سيدي أنت هتتسجن معاها وأنا ما أقدرش أوافق على كده عشان سيرين.
خفض هشام عيناه بخزي شديد لتعض سيرين على شفتيها بألم، فهو يضحي تلك التضحية من أجلها، لتتفاجأ أكثر لما أضافه: وعشان أنت جد ابني يا هشام.
رفع هشام عيناه إلى حمزة وقد لمعت بالدموع النادمة وهو يقول: بس أنا كده بظلمك لتاني مرة، يا ابني أنا لازم أدفع ثمن غلطتي.
تنهد حمزة مطولًا ليقول بمرح أخيرًا: أنا دلوقتي عرفت بنتك جايبة العناد منين.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها ليربت حمزة على كتف هشام قائلًا: كفاية اللي أنت عملته وإنك عرفتني بالخونة اللي بيشتغلوا معايا.
أومأ له هشام ليخرج شاكر تجاه حمزة بوجهه متهللًا هاتفًا: حمزة، مبروك، ألف مبروك يا حمزة.
نظر حمزة إلى شاكر باستفهام بينما هتف عبد الحميد بنفاذ صبر: ما ننطق يا شاكر.
النيابة يا حج أمرت بأحقية حمزة في الوديعة اللي اتاخد القرض بضمانها لما هشام قدم كل المستندات اللي قدروا يتتبعوا الحسابات بيها لغاية ما أنكد إنها فلوس حمزة بتاعة القرض، والبنك لما ساعدناه يرجع الـ 200 مليون وافق على اتفاقنا يفك الوديعة ويسدد قرض حمزة ويسقط الأقساط عنه. فلوسك رجعت لك يا حمزة.
تسمر مكانه يحاول أن يستوعب بينما لمعت الدموع بعيون سيرين، فهي بحلم، ولكن قبل أن تقفز لحضنه سبقها زين. هلل زين بسعادة: مبروك يا صاحبي، الحمد لله.
ربت حمزة على كتفه بحب فهو ونعم الأصدقاء ليبتسم هشام بسعادة فهو لم يتوقع أن تفيد تلك المعلومات.
نظرت سيرين بغيظ لحمزة لتزجره: ممكن توسع شوية عشان أباركله أنا كمان.
نظر إليها زين باستفهام بينما أحاط حمزة بكتفها بابتسامة ومال ناحية أذنها هامسًا: هتباركيلي في البيت.
قال شاكر: كده النيابة هتاخد أقوالك يا حمزة ونقدر نمشي.
أومأ لشاكر ثم التفت إلى عبد الحميد قائلًا: يا حج خد بالك من سيرين.
ما تقلقش يا ولدي.
استغرق الأمر بضع دقائق بعدها خرج حمزة لتبتسم له سيرين بينما يمسك بيدها ويغادرون بسعادة.
لم تنتظر سيرين إلى وصولهم للمنزل لتعرف من حمزة ما حدث، حتى وإن لم يظهر لها فهو لم يتوقف يوم عن رغبته بالانتقام من تلك المرأة، ربما فقط انشغل قليلًا بمحاولته الوقوف على قدمه، ومع بداية شك عزام بسيدرا والتي عرفتها نرمين زوجته على الفور وأخبرت عزام بشخصيتها ليتصل بحمزة الذي طلب منه أن يجاريها ليعرف نيتها والتي أخفتها كثيرًا ولم تصرح بها، ولكن لم تبدو لعزام أكثر من طامعة فأزاد لها الطعم والتقطته ببراعة، ووقتها حذر هشام من وجود خائن بشركته كما أنه قاده لمعرفة أمر كبير وصل إليه من خلال تتبعه للأحوال وهو رقم حساب نادية ومنه وصلوا لحساب سيدرا.
أقنعها عزام بنقل الوديعة لهذا البنك وسارت الخطة كما أراد حمزة الذي طالما جاهد لتصبير نفسه عن عدم قتلها والصبر لينتقم منها كما حلم.
انكشفت نيتها برغبتها بالسيطرة على حمزة من خلال أخذ توكيل شركات المعدات الخاصة به وهنا أوهمها عزام بالاتفاق مع الشركة أنها حصلت على التوكيل، بالرغم من خلقها وذكائها إلا أن طمعها الذي لعب عليه عزام أعماها وقد كان اليوم الأخير للتنفيذ ليطلب من نرمين أن تشاركهم الخطوة الأخيرة لتبدو مقنعة وتشفي غليل حمزة أكثر بتلك الخطة لأخذها إلى منزل عزام والقبض عليها بتلك الهيئة ولم تتردد نرمين التي كانت على علم بكل التفاصيل من البداية لتسمح لعزام بمجاراة سيدرا.
نظرت إليه سيرين بانبهار: إيه الذكاء ده يا حمزة.
ابتسم لها: إيه رأيك بقى في حمزة السيوفي لما يشغل مخه؟
قالت بابتسامة واسعة: ذكي أوي، الحمد لله إنك عرفت بخطتها في الوقت المناسب.
نظر إلى عيونها بتردد قبل أن يسألها: يعني مش زعلانة مني؟
هزت رأسها بلا تردد: لا، حمزة أنا ما كانش ليا حق إني أطلب منك تتنازل عن حقك في اللي بابا عمله فيك، بس أنت عارفة إن أبويا طول عمره كويس، إنما سيدرا حاجة تانية.
أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أتخيل إنها تبقى متجوزاك وتفكر أصلًا تعمل كده فيك.
ارتسمت ابتسامة على جانب شفتيه قائلًا: يمكن ما كانتش شايفاني بعيونك.
ابتسمت له: حبيبي أنت بأي عيون ما فيش منك.
نظر بطرف عيناه لزين الجالس بالمقعد الأمامي يقود السيارة، لتزفر سيرين وتتبرطم: هو إيه اللي جاية معانا أصلًا؟
زجرها حمزة: سيري وبعدين.
هتفت وهي تشيح بوجهها: مش كفاية حضنك قبلي؟
ضحك حمزة واكتملت الليلة بسعادة بعد سعادة عائلته وإطلاق الأعيرة النارية.
حمزة حبيبي مبروك.
الله يبارك فيك يا حجة.
المال الحلال ما يضيعش أبدًا.
الحمد لله، وطالما ربنا عوضني أنا إن شاء الله هبني مستشفى هنا في البلد.
قال عبد الحميد: وماله يا ابني.
أخيرًا خرج حمزة من هذا الدش الدافئ الطويل بينما يزيل إرهاق الأيام الماضية ليشاكس سيرين التي تمددت فوق الفراش تغالب النعاس: سيري أنتِ هتنامي يا حبي؟
أومأت له لتطرق نبيلة على الباب. أشارت لزينب بوضع صينية العشاء قائلة: أنت تعبت يا ولدي، اتعشى أنت ومراتك وارتاحوا.
نظر حمزة لتلك الصينية المليئة بكافة أنواع الطعام الشهي: إيه ده كله يا حجة؟
ربتت على كتفه بحنان: كل يا ولدي تلاقيك ما كنتش بتأكل اليومين اللي فاتوا.
أومأ لها لتشير إلى سيرين التي اعتدلت جالسة: وخليها تاكل عشان ما كانتش بتأكل كويس وأنت مش هنا. تصبحوا على خير.
وأنتِ من أهله يا حجة.
ما إن خرجت نبيلة حتى أحضر حمزة الطعام لسيرين في الفراش ليأكلوا سويًا.
بنعاس شديد غسلت يدها وعادت لتندثر بالأغطية ليقطب حمزة جبينه وهو يجلس بجوارها: سيري أنتِ هتنامي؟
غمز لها وتابع: ده حتى الحجة عاملة لي حمام النهاردة.
أفلتت ضحكتها ليميل ناحيتها ولكنها سرعان ما أحبطته وأغمضت عيونها بإرهاق قائلة: ولو عاملة لك إيه، أنا تعبت أوي النهاردة وعاوزة أنام.
قال بينما يحيط بخصرها يقربها إليه: أهون عليكِ؟
أومأت له: آه تهون.
قال حمزة بمشاكسة: طيب أبقى أتوحمي تاني بقى.
هزت كتفها: لا خلاص مش هتوحم.
رفع حاجبيه بغيظ: يا سلام، ليه بقى إن شاء الله، مش هتتوحمي في حمزة صغير تاني؟
اعتدلت جالسة تنظر إليه بغيظ: مش لما أخلص من الجمل اللي أنا حامل فيه.
ما تقوليش على ابني كده.
أنا حاسة بقالي سنة حامل.
اقترب منها يمرر يداه بخفة على ظهرها: هانت يا قلبي، كلها شهر وتولدي.
وبعدها نجيب حمزة رقم اتنين؟
رد: لا مش قبل سنتين ولا تلاتة.
عقد حاجبيه برفض: لا طبعًا، بعد ما تولدي على طول. وبعدين من ثواني كنتِ موافقة.
هتفت بغيظ: طيب مش عاوزة ولد، أنا عاوزة بنت.
هز رأسه: لا يا سيري، احنا اتفقنا عاوز ولاد.
عقدت يدها حول صدرها بغيظ: طيب إيه رأيك بقى عشان العنصرية بتاعتك... أنا عاوزة بنت.
هز رأسه وارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه قائلًا: مش عنصرية يا حياتي.
ردت: أمال إيه؟
قال: أنا مش عاوز غير بنت واحدة في حياتي... أنتِ وبس يا سيري... عشان أدلعك.
غزت الابتسامة وجهها بينما مرر شفتاه برقة على وجنتها: أنتِ مراتي وحبيبتي وبنتي وأمي وكل حاجة... الصبيان ولادي بس الدلع كله ليكِ يا قمر.
وصلت شفتاه إلى شفتيها التي لم تقاوم ذلك الغزو الذي شنته شفتاه المشتاقة إليها، لتنتهي تلك الليلة وتضع سيرين رأسها على دقات قلبه النابض بجنون مع بداية شروق الشمس.
تجهمت ملامح ريحان بينما تهتف برفض: لا طبعًا... على مين ده اللي أتجوزه؟
قالت حياة: على ابن عمك، ماله يا ريحان؟
هزت رأسها بـ "لا" فهي لا تتخيل أن تتزوج أحد سوى حمزة.
ردت: لا.
قالت حياة: لا يعني إيه يا بنت؟
ردت: يعني لا يا ماما... هو الجواز بالعافية؟
قالت حياة: مش بالعافية بس بأسباب... أقول لأبوكي رافضة ابن أخوكي ليه مع إنه عريس مناسب؟
ردت: مش مناسب ولا حاجة... ده متخلف وشكله وحش.
قالت حياة: يا بنتي إيه اللي بتقوليه ده... شكله إيه اللي وحش... الشاب كويس.
ردت: قلت لا... وعشان ترتاحي مش هتجوز واحد من هنا خالص.
امتعضت ملامح حياة: يعني إيه إن شاء الله؟
ردت: يعني مش عاوزة نسخة من بابا ولا من جدو ولا من أي واحد هنا... أنا عاوزة واحد تاني... واحد زي اللي بشوفهم في الأفلام.
قالت حياة: اتعدلي يا بنت أنتِ، إيه الكلام الفارغ ده. وبعدين أنتِ عارفة أبوكي عمره ما هيرضى بواحد مش من العيلة.
هتفت بغل: ما هي سارة أخذت واحد بره العيلة.
قالت حياة: من طرف حمزة.
زفرت وانفلت لسانها: وأنا كمان هاخد واحد زيها.
قالت حياة: مين؟
ردت: مش مهم دلوقتي.
قالت حياة: استني يا بنت...
أسرعت ريحان كالطلقة خارج الغرفة لتصطدم بسيرين بقوة التي كادت تقع لولا يد حمزة التي أسرعت تمسك بها. صرخت حياة التي رأت قوة اصطدام ريحان بسيرين: أنتِ كويسة؟
قال حمزة بقلق.
لتقطب سيرين جبينها وتضع يدها فوق بطنها: آه، تمام.
تجاهلت ريحان كل ما حدث وأسرعت إلى غرفتها.
قالت حياة وهي تأخذ بيد سيرين مع حمزة: تعالي ارتاحي.
بينما تقول باعتذار: معلش يا بنتي حسابها معايا.
قالت سيرين: لا هي مش قصدها.
أومأ لها حمزة يسأل خالته: إيه اللي حصل؟
قالت حياة: أبدًا... أتقدم لها ابن عمها ورافضة.
قال حمزة: رافضة ليه؟ جايز مش مناسب.
أردفت حياة تتحدث مع حمزة لتدخل سارة إلى ريحان مؤنبة: إيه الغباء ده... حد يخبط واحدة حامل كده؟
قالت ريحان بحقد ازداد مع خبر هذا العريس الذي استشاط عقلها كلما قارنت بينه وبين حمزة: أحسن يارب تموت هي واللي في بطنها.
هتفت سارة بامتعاض: يا شيخة حرام عليكي... فعلًا ما تستاهليش اللي حمزة بيعمله عشانك.
نظرت إلى سارة بلهفة: بيعمل إيه؟
قالت سارة: أبدًا بس لما عمتو قالت له على موضوع علي قرر يتدخل ويقنع جدو ما يضغطش عليكي.
تهللت ملامحها وهي تقول بثقة: شفتي أهو لما عرف إن في عريس متقدم ليا اعترض.
ضحكت سارة بسخرية: يا شيخة... أنتِ هبلة يا بنت أنتِ... ناقص تقولي بيغير.
ردت ريحان: وليه لا؟
قالت سارة: عشان مستحيل... يا حبيبتي حمزة مجرد ابن خالتك الشهم بيحاول ما يخليش جدو يعصبك على حاجة زي ما اتدخل في جوازتي. يعني ما تحلميش لأكثر من كده.
قالت ريحان بسخط: قريب أوي هتشوفي أحلامي دي هتبقى إيه...!
ضحكت نبيلة قائلة: طبعًا الواد اللي بيطلب في الوحم يا حمزة.
قالت سيرين: قوليله يا ماما نبيلة.
هتفت به بجدية: أوعى يا حمزة يا ولدي مراتك تتوحم على حاجة وما تجيبهاش.
هز رأسه وهو يتطلع لسيرين بخبث: حاضر... أول ما تولد هجيب اللي طلبته.
هزت نبيلة رأسها: لا طبعًا... لازم أول ما تطلب في الوحم تجيبه... هي طلبت إيه وأنا أجيبه من تحت طقاطيق الأرض.
نظر إلى سيرين بطرف عينيه قبل أن ينفجر ضاحكًا ويقول بخبث: قولي لها طلبتِ إيه.
انفجرت الحمرة بوجنتها.
لتقول نبيلة: اطلبي يا بنتي وما تتكسفيش... لو إيه هاجيبه. عاوزة مانجة... ولا فراولة مثلًا؟
هز حمزة رأسه ولا يستطيع إيقاف ضحكته بينما كانت سيرين كالفأر بالمصيدة.
هزت رأسها: لا خلاص.
قالت نبيلة: والله أبدًا... قولي.
أشار لها حمزة بمكر: قولي يا سيري للحجة وما تتكسفيش.
نظرت إليه سيرين شررًا تتوعده بعقاب إزاء إحراجها بينما صممت نبيلة لتهرب سيرين قائلة: هاروح أشرب.
قالت نبيلة: اقعدي يا بنتي وزينب تجيب لك.
ردت سيرين: لا... هاروح أنا.
أسرعت إلى المطبخ وهي تهرب من ضحكات حمزة الماكرة: ماشي يا حمزة أما وريتك.
قالت زينب: ست سيرين...
التفتت سيرين بشهقة إلى زينب التي سمعتها تحدث نفسها.
قالت زينب: عاوزة حاجة؟
قالت سيرين بارتباك: لا كنت هاشرب.
أسرعت زينب تحضر لها الماء لتنظر سيرين بإعجاب لما ترتديه زينب.
قال حمزة بهدوء: ها يا حج اتفقنا؟
قال عبد الحميد بحيرة: والله ما أنا عارف يا ولدي...
قال حمزة: يا حج الجواز مش بالغصب... أنت تسمح البنت تقعد معاه وتتكلم... والله حست بقبول توكل على الله، ما فيش قبول يبقى خلاص.
تململت سيرين في جلستها التي طالت بانتظار انتهاء حمزة من الحديث مع جده وخاله وزوج خالته وأيضًا زين بالخارج، لترسل له رسالة: حبيبي مش كفاية كده...
أرسل حمزة: حاضر يا حبيبي... اطلعي وهاحصلك.
انتهى حمزة من حديثه وخطا إلى درجات السلم الحجري إلى داخل النزل ليتفاجأ بريحان التي كانت تختبئ بأحد الأركان بانتظاره: حمزة.
قال حمزة: ريحان... في حاجة؟
أومأت له برقة وضعف: شكرًا إنك وقفت معايا.
قال بأخوية: أنا ما عملتش حاجة... ولو في أي حاجة أنا جنبك.
زفرت سيرين بضيق قائلة: إيه يا حمزة كل ده؟
قال حمزة: معلش يا حبي كنت باظبط شوية حاجات عشان فرح زين. أنتِ ما نمتيش ليه؟
سرعان ما ابتسمت وقالت بدلال: ما بأعرفش أنام غير في حضنك.
ضحك بسعادة: يا سيدي... ده المزاج رايق الليلة دي.
هزت كتفها وهي تقوم من الفراش قائلة: أوي أوي يا ميزو...
أحاط خصرها بذراعه ليقربها منه قائلًا: طيب تعالي يا قلب ميزو.
وضعت يدها على صدره قائلة: لا استني.
مال تجاهها بلهفة: استني إيه بس؟
أرجعت رأسها للخلف: استني عاملة لك مفاجأة.
نظر إليها بتساؤل لتقول وهي تمسك بيده: تعالي بس أنتَ اقعد هنا استناني ثواني وراجعة.
جلس حمزة واستند بظهره إلى الفراش بانتظارها الذي طال ليعبث بهاتفه قليلًا قبل أن ينادي بنفاذ صبر: سيري... يلا بقى.
تجمدت عيناه مكانها بينما تهادى صوتها الناعم: نعم يا سي حمزة.
امتزج صوتها برنين تلك الخلاخيل التي ارتدتها بقدمها التي ظهرت من فتحة ذلك الجلباب الضيق الذي طلبت من زينب إحضاره لها بعدما أعجبت بما ترتديه. رفع حمزة عيناه تدريجيًا من تلك الفتحة التي كشفت عن ساقها بسخاء إلى جسدها الذي زاده الحمل فتنة، وقد ضاق الجلباب كاشفًا عن مقدمة صدرها بينما ربطت شعرها بذلك المنديل ذي التطريز ذي اللون الأحمر الذي صرخت به شفتاها.
ارتسمت ابتسامة على شفتيها المغرية بهذا اللون الأحمر وهي ترى نظرات حمزة التي تكاد تلتهما بينما عجز عن النطق أمام تلك الأنوثة المتفجرة أمامه، ومن قال إنها ستتوقف عن إثارة جنونه يومًا ما؟
توقفت أمامه مباشرة بينما همست برقة: نعم يا سي حمزة.
قال حمزة: يا قلب حمزة اللي هيقف على إيدك...
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رونا فؤاد
قال جمال بشماتة لنادية:
"بنت الـ... الغبية ما سمعتش كلامي."
قالت نادية بغل:
"وأهي أخذت جزاتها."
نظر إليها جمال بطرف عينيه قائلًا بدهشة:
"عاوزة تفهميني إنك مش زعلانة عليها؟"
هزت نادية رأسها وقالت بثبات:
"لا، عشان غدارة وخاينة، وأنا حذرتها كثير من إنها تأذيك."
زفر جمال بانفعال واحتقار:
"ما لهاش خير في حد بنت الـ... غدرت بالكل... بعد كل اللي عملته معاها لبستني قضية."
أشاح بيده وأكمل:
"ده غير موضوع حادثة حمزة... بنت الـ... كنت هأروح فيها."
زفر وتابع:
"بقى دي جزاتي بعد ما وقفت جنبها؟ تبيعني أنا وأنتِ؟ بس أهي ضيعت نفسها."
قالت نادية بامتعاض:
"ياما حذرتها من الطمع. كان مالها ومال طريق حمزة ثاني؟"
قال جمال:
"لو كانت سمعت كلامي كنا بقينا بره مع الفلوس وعيشنا ملوك... دلوقتي هنعمل إيه؟ ضيعت كل حاجة وبقينا على الحديدة ثاني."
نظرت إليه نادية وهي تهز رأسها قائلة:
"عندك حق... كل حاجة باسمها حتى البيت. وحتى الفلوس اللي أخذتها منها طارت."
قال جمال:
"قريب أوي كل حاجة هيتحجز عليها."
قالت نادية بحيرة:
"والحل؟"
قال جمال:
"تروحي لها."
قطبت نادية جبينها باستفهام:
"عاوزني أروح لها بعد اللي عملته فيك يا جمال؟"
قال جمال:
"وماله؟ لازم تعرف إننا لسه معاها وإننا أحسن منها حتى بالرغم من اللي عملته... سيدرا لسه كارت ربحان يا نادية... من غيرها مش هتلاقي حتة نقعد فيها حتى. حاولي تخليها تكتب لك البيت والفلوس اللي باقية معاها عشان نعرف نعيش."
قالت نادية:
"وأنت فاكر بالسهولة دي هتوافق؟"
قال جمال:
"طبعًا... ما لهاش غيرنا... هي مش محتاجة محامي... مين بقى اللي هيجيب المحامي غيرنا؟"
قالت نادية باستنكار:
"وأنت إيه؟ ما أمنتش نفسك وأخذت قرشين من حمزة مقابل إنك اعترفت عليها؟"
هز جمال رأسه بحدة:
"وحياة أمك... مش كفاية إنه طلعني من دماغه وما سجنيش؟ ده أنا بأبوس إيدي وش وضهر إن كل اللي كان شغله سيدرا عشان كده طلعني وطلعك من دماغه."
أومأت نادية:
"عندك حق يا جمال... المهم دلوقتي هنروح إمتى؟"
قال جمال وهو يركز على كلماته:
"تروحي... مش نروح."
قالت نادية:
"ليه بقى؟"
قال جمال:
"عشان أنتِ أمها وطبيعي تروحي لها... أنا بقى مستحيل لأن احتمال كبير حمزة يكون مراقبني."
أومأت له:
"عندك حق... أنا بكرة هأطلب زيارة لها."
قال جمال:
"تمام."
***
نظرت سيدرا حولها بينما جلست على الأرضية الإسمنتية تقلب عيونها بوجوه تلك النساء... تؤنب نفسها فكيف انخدعت بالرغم من أنها أخذت حذرها جيدًا... عزام وحمزة... كيف رتبوا لكل هذا وهي كانت تراقب عزام وتأكدت أن ليس له علاقة بحمزة... حمزة الذي جندت الكثير لنقل أخباره وتأكدت أنه ابتلع الطعم... كيف خطط ونجا من مكيدتها؟ جمال... جمال وأمها كم كانت غبية لأنها خسرتهم بسبب طمعها فعلى الأقل لم يكن جمال ليشي بها... لن تنجو أبدًا بعد كل تلك التهم!
نظرت إليها تلك المرأة بينما ظلت سيدرا شاردة لوقت طويل:
"إيه يا بت أنتِ هتفضلي مبحلقة فينا كثير؟"
تجاهلت سيدرا حديث تلك المرأة التي عادت لتصيح بها:
"ما تردي يا بت ولا مش مالية عينك؟"
قامت سيدرا من مكانها وانقضت على المرأة تمسكها من خصلات شعرها بشر قائلة:
"اسمعي يا روح أمك أنا اللي فيا مكفيني... ما لكيش دعوة بيّ بدل ما أقطع وشك."
دفعتها وعادت لتجلس وكل إنش بها ينتفض غضبًا وغيرة وحقد... حمزة... لتهمس بوعيد:
"مش هأسيبك... هاوريك يا حمزة!"
***
قال حمزة بهدوء بينما جلس في الحديقة على أحد المقاعد يتحدث مع ريحان:
"بصي يا ريحان أنا اتكلمت مع جدي ومع والدك... طبعًا أمرك يهمهم ومش تحكمات فيكِ بس أنتِ فاهمة العقلية هنا عاملة إزاي."
نظرت إليه بطرف عينيها بينما قالت بضعف مزيف:
"وأنا ذنبي إيه يا حمزة... أنا تعبت من العيشة دي... ما ليش أي حقوق. جدي وبابا وماما وحتى تيتة بيتحكموا في حياتي... خروج لا، شغل لا، وحتى كمان جواز بالعافية."
هز حمزة رأسه:
"لا يا ستي ما فيش كده... أنا قلت لك إنهم خايفين عليكِ وبالنسبة لموضوع الجواز أنا اتكلمت مع الحاج واتفقنا إنك تقعدي مع الشاب ده وتقرري وقرارك أيًا كان هيُحترم."
هزت رأسها سريعًا:
"أنا واخدة قراري... استحالة أتجوزه."
عقد حمزة حاجبيه باستفهام:
"ليه بس يا ريحان؟ مش جايز الشاب كويس وبعدين ده ابن عمك والحاج بيشكر فيه جدًا."
قالت ريحان:
"مش عاوزة يا حمزة أتجوز..."
نظرت إليه وتابعت بزيف:
"بس طبعًا رأيي ما لوش لازمة وبابا وجده هيصمموا."
هز رأسه قائلًا:
"لا طبعًا يا ريحان... أنتِ بس اقعدي معاه وقرري وأنا معاكِ في قرارك."
نظرت إليه وقالت برقة:
"أنا مش عارف أقول لك إيه يا حمزة."
وضعت يدها فوق يده تنظر لعينيه التي ارتبكت من فعلتها وبسرعة وتوتر سحب يده من أسفل يدها وقام واقفًا مستغربًا من فعلتها! ولكن الأوان قد فات لأي رد فعل بعد أن تطايرت نظرات الشر من عيون سيرين التي رأت ما حدث! حمزة جالس مع تلك الفتاة ويدها على يده... رأت بالتأكيد زوجها وهو يسحب يده ولكن النيران أعمتها... كالطلقة توجهت سيرين ناحيتهم والشرر يتطاير من عيونها توقع حمزة ما تنتويه من خطواتها التي تقطعها بهذا الغضب... ستكبر الموضوع وسيكون موقف سيئ إن لم يوقفها... كان الأسرع ليتوجه إليها قبل أن تصل لريحان التي تظاهرت بالبراءة وظلت على جلستها!
قال وهو يمسك بيدها:
"سيرين تعالي."
سحبت سيرين يدها من يده وقالت بانفعال:
"أوعى كده... أنتم بتعملوا إيه؟ قاعدين لوحدكم والهانم ماسكة إيدك."
قال حمزة وهو يتلفت حوله:
"سيرين إيه اللي بتقوليه... وطّي صوتك."
هتفت بغضب وانفعال:
"وأوطّي صوتي ليه؟ لا أنا لازم أعرف إيه اللي مقعدكم مع بعض لوحدكم."
قال حمزة:
"تعالي بس يا سيرين وأنا هأحكيلك."
شدت يدها من يده:
"أوعى يا حمزة بأقول لك."
رفعت إصبعها أمام وجهه وتابعت:
"أنا واخدة بالي بس يكذب نفسي."
قال حمزة وهو يحاول إسكاتها فهو لا يريد افتعال مشكلة لريحان:
"واخدة بالك من إيه بس... تعالي نتكلم فوق."
هتفت بعصبية:
"ولا فوق ولا تحت أنا عاوزة أتكلم معاها وهنا ودلوقتي... أفهم مالها ومالك."
قال حمزة من بين أسنانه:
"يا سيرين وطّي صوتك حد يسمع... يقول إيه؟ بأقول لك كنت بأقول لها اللي حصل مع جدي وهي زي أختي شكرتني."
هتفت سيرين باستنكار:
"أختك؟"
كانت ريحان قد قررت أن تتدخل بخبث لتهز رأسها قائلة برقة:
"أيوه يا سيرين... كنت بأشكره على وقفته جنبي."
نظرت إليها سيرين بعيون ترشقها بلهيبها... لتهتف بانفعال:
"لا والله."
أومأت لها ببراءة ليقول حمزة بحزم:
"سيرين وبعدين قلت تعالي معايا على فوق."
ليمسك حمزة بيدها قائلًا ويأخذها للأعلى.
نزعت يدها من يده بغضب:
"أنت عاوزني أسكت ليه؟"
قال حمزة:
"عشان ما يصحش اللي بتعمليه يا سيرين... ما فيش حاجة من اللي في دماغك... البنت بتشكرني ويمكن اتسرعت في الحركة دي بس ده مش معناه إن نيتها وحشة... إنما بقى اللي بتعمليه ده ممكن يعمل مشكلة من غير أي سبب."
رفعت حاجبيها واحتقن وجهها بالغضب بينما يدافع عن تلك الفتاة:
"أنت شايف كده؟"
أومأ لها بحزم:
"آه يا سيرين ومش عاوز كلام ثاني في الموضوع ده."
هزت كتفها وقالت بانفعال:
"لا بقى يا حمزة أنا أتكلم زي ما يعجبني وأنت هتسمعني. نيتها حلوة نيتها وحشة مش مشكلتي... والله لولا إن فرح سارة بكرة أنا كنت مشيت دلوقتي... بس تعمل حسابك إن بكرة بعد الفرح ولو حتى الفجر هنكون ماشيين من هنا."
رفعت إصبعها أمام حمزة وتابعت:
"وأحسن لك يا حمزة يا سيوفي لغاية ما نمشي من هنا ما أشوفش خيالك جنب البنت دي ثاني... أنت فاهم؟"
قطب حمزة جبينه:
"أنتِ بتهدديني؟"
أومأت له ورفعت عينيها ناحيته بتحدي:
"آه يا حمزة... عندك مانع؟"
هز رأسه وجذبها إلى صدره يحضنها:
"لا يا مجنونة."
دفعته بغضب:
"أنا مجنونة!"
قال حمزة:
"آه... بس بأحبك."
هتفت بامتعاض:
"أيوه اضحك عليّ زي عادتك."
***
قالت سيدرا:
"شفتي يا ماما لعبوا بيّ إزاي؟"
قالت نادية بامتعاض:
"ياما حذرتك يا سيدرا من الراجل ده."
قالت سيدرا بحسرة:
"لعبها صح هو وحمزة... وأخذوا الفلوس كلها."
شهقت نادية:
"يا نهار أسود! أنتِ مش قلتي إن الفلوس دي مش هتظهر وإنك حطاها في مكان بعيد عنهم؟"
قالت سيدرا بوجه محتقن:
"مش عزام الزفت أقنعني أحطها وديعة في البنك عشان القرض؟"
زفرت نادية باستنكار:
"آخرة الطمع."
قالت سيدرا:
"ماما أنا لازم أطلع من هنا."
بوغتت نادية:
"تطلعي؟"
أومأت لها لتقول نادية بخبث:
"وده إزاي بقى... أنا حتى المحامي ما فيش معيّ فلوس لأتعابه."
هتفت سيدرا:
"مش مهم الفلوس يا ماما... هأديكِ اللي أنتِ عاوزاه... المهم أخرج من هنا."
نظرت إلى أمها وتابعت بإصرار:
"بأي طريقة يا ماما اتصرفي أنتِ وجمال."
قالت نادية باستنكار:
"دلوقتي بتقولي جمال... مش كنتِ عاوزة تسجنيّه؟"
قالت سيدرا:
"اللي حصل حصل... المهم أخرج من هنا وصدقيني هأعوضكم."
***
رفع حمزة حاجبه باستنكار بينما خرجت سيرين بعد ارتدائها لهذا الثوب ذي اللون الأرجواني وقد انسدل فوق بطنها برقة قماشه الحريري القصير:
"وده إيه بقى إن شاء الله... جبتيه إمتى الفستان ده؟"
هزت كتفها وهي تتظاهر بالبراءة:
"ماله؟"
هز رأسه بنبرة قاطعة:
"سيرين... مش لسه هنتكلم الفستان ده مش هيتلبس."
قالت برجاء:
"حمزة."
قاطعها بحزم:
"ولا حمزة ولا زفت قلت مش هتلبسيه."
زفرت بغضب فهي تعمدت أن تتأنق للغاية لتغيظ تلك الفتاة التي أصبحت واثقة أنها تضع عينيها على زوجها! ضربت قدمها بالأرض ليمسك حمزة بيدها قائلًا:
"وده إيه بقى إن شاء الله... على أساس إنك كان عندك تخيل إني أسيبك تلبسيه وأحبطتك عشان كده اتعصبتي؟"
هتفت بجبين مقطب:
"وفيها إيه يعني؟"
قال بحزم:
"خلصت يا سيرين... غيري الفستان ده."
زفرت بعصبية:
"وألبس إيه أنا دلوقتي؟"
قال بعدم اكتراث:
"أي حاجة... شوفي أي حاجة عندك ولا أنزل أجيب لك عباية شيك زي بتوع البنات."
هتفت بامتعاض:
"عباية إيه اللي ألبسها في فرح... لا طبعًا."
قال حمزة بنبرة قاطعة من بين أسنانه:
"سيرين اللي سمعتيه هتنفذيه ولا تقعدي وما تحضريش الفرح."
نظرت إليه:
"وأنت هتقعد أنت كمان؟"
هز رأسه:
"لا طبعًا."
نظرت إليه بغضب وهي تتأمل وسامته ببدلته السوداء:
"يعني أنت لابس شيك كده وأنا ألبس عباية؟"
قال حمزة:
"مالها يا سيرين... ما أنتِ هتبقى شيك برضه. وبعدين أنتم بنات في بعض مش مهم لابسة إيه."
قالت برجاء:
"حمزة."
أشار بيده بنبرة قاطعة:
"انتهي يا سيرين..."
نظر إليها وتابع:
"ويكون في علمك أنا عارف إنك بتدوري على خناقة... وأنا بقى مستعد."
رفعت حاجبيها بغيظ:
"بقى كده؟"
أومأ لها لتقول وهي تزفر بغيظ:
"طيب كويس إنك مستعد... عشان أنا من وقت ما شفت البنت دي ماسكة إيدك وأنا مش طايقاك يا حمزة!"
هز رأسه واتجه لباب الغرفة قائلًا:
"ادخلي غيري على ما أبعت حد يجيب لك عباية."
***
احتضن حمزة زين بسعادة يبارك له:
"ألف مبروك."
قال زين:
"الله يبارك فيك يا صاحبي."
التفت زين إلى تعالي أصوات الطبول التي أعلنت عن نزول سارة التي تألقت بثوب زفاف غاية في الأناقة وقد تعالت الزغاريد من حولها واتبعت ابتسامة نبيلة وكذلك حياة وهادية والجميع.
تركزت نظرات سيرين على تلك الفتاة التي كانت تتراقص سعادة على ما وصلت إليه، فها هو حمزة دافع عنها أمام زوجته.
كتم حمزة ضحكته على هيئة سيرين الغاضبة، بينما لا تعرف كم بدت جميلة بتلك العباءة باللون الفيروزي التي أحضرها لها، والتي لاقت للون عينيها، ولكن بالنسبة لسيرين كرهت أن تحضر حفل زفاف بدون فستانها الذي انتقته مخصوص لتلك المناسبة.
توقفت سارة أسفل الدرج ليتقدم زين منها بخطوات متأهبة ليسلم عليه الحاج عبد الحميد ويوقف سارة أمامه التي ارتجفت أوصالها بخجل شديد، بينما رفع برقة تلك الطرحة الشفافة من على وجهها الأسمر الجميل. دق قلبه بصخب، فبالرغم من أنهم لم يتحدثوا أو يتقاربوا إلا أنه يشعر بألفة كبيرة فقط بمجرد رؤية ملامحها الهادئة وعيونها السوداء. قبل جبينها برقة ليشعر بارتجافها، فيمسك بيدها بحنان ويضعها بذراعه ويسير بها وسط تعالي الموسيقى.
أمسكت سيرين بأطراف تلك العباءة ترفعها قليلًا عن ساقها وهي تنزل الدرج لتتركز عيون حمزة على حذائها اللامع ذو الكعب العالي الذي التفّت شرائطه حول قدمها.
نظرت بطرف عينيها لريحان قبل أن تضع يديها بذراع حمزة وتلتصق به لترى ما أرادته وهو نيران الغيرة بعيون ريحان.
قال حمزة بتأنيب:
"ينفع تلبسي كعب عالي كده؟"
بالرغم من أنها تريد خنقه ولكن أمام تلك الفتاة لن تفعل أي مشكلة بينهما، لذا قالت بدلال ونعومة:
"ما هو يا حبيبي أنت طويل أوي."
نظر إليها لتتابع بدهاء:
"بس بذمتك مش حلو عليا؟"
هز رأسه بابتسامة جانبية فهي تستطيع بسهولة تحويل غضبه حينما تريد.
اشتعلت أجواء الاحتفال وتعالت الطلقات النارية بكل مكان وتوافدت العائلات المهنئة. أخيرًا انصاعت سيرين لنداء ظهرها الذي يؤلمها من ارتفاع كعب حذائها لتقرر أن تصعد للغرفة وتستبدله بآخر. هنا قررت ريحان أن فرصتها قد أتت بعد أن غابت عيون سيرين عنها. انسحبت بهدوء من بين جموع النساء وتسللت من الباب الخلفي إلى الحديقة الواسعة حيث عجّت بطاولات الرجال.
اختارت إحدى الأشجار الكبيرة بأحد الأركان لتقف خلفها وتتطلع لحمزة. كم يبدو وسيمًا بهيبته وحضوره.
شردت به ولم تنتبه لتلك العيون التي اندهشت بالبداية لتواجدها بالخارج ولكنه سرعان ما قرر أنها فرصة مناسبة. إنه علي ابن عمها.
ابتلعت ريحان بتوتر حينما تفاجأت به يناديها:
"ريحان. أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
قالت بحدة:
"وأنت مالك؟"
قطب جبينه ولم تعجبه نبرتها:
"أنتِ بتتكلمي معايا كده إزاي؟"
نظرت إليه قائلة:
"أنا أتكلم زي ما يعجبني، وبعدين أنتَ أصلاً إيه اللي جابك تكلمني؟"
اشتعلت عيون علي بالغضب:
"لمّي لسانك يا بنت عمي. أبويا بلغني إنه اتفق مع عمي إننا هنتكلّم، ولما لقيتك واقفة فكرتك طالعة للسبب ده."
هزت رأسها:
"لا طبعًا... ما فيش بيني وبينك كلام."
رفع علي حاجبه باستنكار:
"أومال إيه اللي مخرجك من مكان الحريم وموقفك هنا؟"
وقعت بورطة ولكنها سرعان ما استدركتها حينما اجتذب نظر حمزة وقوفها مع ذلك الشاب ليتجه إليها.
هتفت بحدة خبيثة:
"أنتَ مجنون... إزاي تتجرأ وتقولي كده!"
نظر إليها علي بعدم فهم ليلتفت إلى حمزة الذي هتف:
"في إيه؟"
قالت ريحان بكذب وهي تتجه بجانب حمزة:
"عمال يقولي كلام غريب وأقوله عيب مصمم."
نظر إليه حمزة بغضب بينما اكتسى وجه علي بالدهشة، فهي تتهمه تهمة كتلك بلا سبب. هتف حمزة بانفعال:
"أنتَ إزاي تتجرأ تكلمها؟"
قال علي بدفاع:
"أنا ابن عمها... وكنت بكلمها باحترام."
أطلقت دمعتين كاذبتين وهي تقول:
"لا يا حمزة ده كداب... كان بيقولي إنه معجب بيا... وإن..."
قاطعها علي بهياج:
"أنتِ كدابة!"
أمسك حمزة بتلابيب علي ليشتبك الاثنان لولا وصول شريف الذي اجتذبته أصواتهم ليقول بدهشة وهو يبعد بينهما:
"في إيه يا حمزة؟... علي إيه اللي حصل؟"
ازدادت دهشة شريف بينما قال لريحان:
"وأنتِ يا ريحان إيه اللي مخرجك؟"
بكت بزيف وأسرعت للداخل ليدافع علي عن نفسه:
"أنا ما عملتش حاجة من اللي قالتها."
قال حمزة باستنكار:
"هتفتري عليك؟"
أومأ علي:
"آه."
قال شريف:
"طيب ما يصحش نتكلم هنا... تعالوا جوه نتكلم براحتنا."
حضر عبد الحميد وحسين وأخيه سالم ليقص علي ما حدث وكذلك حمزة.
"أنتَ عارف يا عمي أنا العيبة ما تطلعش مني."
قال حسين:
"عارف يا ولدي."
هز حمزة كتفه:
"والبنت هتكذب ليه؟"
قال شريف لتهدئة الوضع:
"جايز فهمت غلط... عمومًا علي طالبها رسمي وما حصلش حاجة لو اتكلم معاها."
دارت سيرين حول نفسها بغضب واضح بينما تطايرت الأخبار بين نبيلة وحياة عما حدث وهم يودعون زين وسارة وكذلك سيرين وحمزة، اللذين صمموا على السفر بعد انتهاء الحفل. أول ما انفردت به بالسيارة هتفت بغضب أعمى:
"أنتَ بتتخانق عشانها؟"
قطب حمزة جبينه يكبح غضبه من تعالي نبرتها:
"عشان مين يا سيرين؟"
هتفت بغضب:
"أنتَ عارف عشان مين؟"
قال بعدم اكتراث:
"أتخانقت لما لقيت بنت خالتي بتستنجد بيا، ولا كنتِ عايزاني أسيبه؟"
قالت سيرين بحقد:
"الراجل قال ما قربلهاش واتكلم بأدب معاها، وأمها ذات نفسها مصدقة ابن عمها ومش مصدقة كلام بنتها."
"ما يخصنيش... أنا عملت اللي عليا وخلاص بقى يا سيرين اقفلي الكلام في الموضوع ده... أنا مشيت كلامك ورجعنا وأنا على آخري ومش قادر أسوق، سيبيني بقى أركز في الطريق بدل ما أتعصب ومش هتعرفي تسكتيني وقتها."
بالرغم من غيظها منه إلا أنها أذعنت بينما تعرقت من نبرته، أنه لا يمزح.
ضحك جمال قائلًا:
"بنتك دي هبلة... تخرج منين؟ ده لو جبتلها محامين البلد آخرها تاخد ١٥ سنة مرتاحة، تقوليلي تخرج؟"
قالت نادية:
"بتقول اتصرفوا."
هز جمال كتفه:
"أنا قلتلك تروحي تشوفي إزاي هتكتبلك البيت والفلوس مش نخرجها... وبعدين وأنا مالي... أساعدها ليه مش كانت عايزة تسجني؟"
قالت نادية:
"ما هي بتقول هتنفذ طلباتك."
لمعت عيونه لتقول نادية:
"فكر يا جمال أنتَ مش هتغلب."
رفع جمال حاجبه:
"بس قوليلها كل اللي لسه تملكه هتكتبه با اسمي."
قالت نادية:
"لا يا جمال... با اسمي أنا."
أومأ لها:
"ماشي يا نادية با اسمك مش فارقة."
وصلت رسالة جمال لسيدرا التي قالت لأمها:
"مش الفيلا بس يا ماما اللي هكتبها با اسمك."
قالت نادية باستفهام:
"أومال...؟"
قالت سيدرا بخبث:
"هقولك بس خرجيني من هنا."
قالت نادية:
"جمال بيقولك هيوصل لحل ويبلغك."
في الصباح الباكر فتح حمزة عينيه على تعالي رنين جرس الباب، تقلبت سيرين بين ذراعيه بانزعاج ولكنها عادت للنوم مرة أخرى ليقوم حمزة من مكانه ويتجه ليفتح الباب. تجمد مكانه بعدم استيعاب ما أن فتح الباب وتفاجأ لريحان ترتمي بين ذراعيه.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رونا فؤاد
في الصباح الباكر، فتح حمزة عيناه على تعالي رنين جرس الباب. تقلبت سيرين بين ذراعيه بانزعاج، ولكنها عادت للنوم مرة أخرى. ليقوم حمزة من مكانه ويتجه ليفتح الباب. تجمد مكانه بعدم استيعاب ما إن فتح الباب وتفاجأ لريحان ترتمي بين ذراعيه.
ابتسمت نهلة، أخت زين، التي تحمل أسر لسارة التي أحبتها من أول وهلة، فسارة فتاة لطيفة سهلة الألفة، قائلة:
"مبروك... نورتي عيلتنا."
ابتسمت لها سارة بخجل بينما تتعالى دقات قلبها بصخب منذ أن وطأت قدمها ذلك المنزل. فبالرغم من ترحيب والدة زين وأخته الحافل بها، إلا أنها تشعر بالرهبة لتركها منزل عائلتها والقدوم لهذا المنزل، وخاصة وهي لم تألف زين بعد.
قبلت والدة زين جبينها قائلة:
"مبروك يا بنتي."
قالت سارة برقة:
"الله يبارك في حضرتك."
نظرت سارة لأسر بحب، فهو طفل لطيف وفقد أبيه الضحية لطمع سيدرا. وبالرغم من إصرار سيرين على الاعتناء به، إلا أن نهلة استطاعت جعلها تتركه لها، خاصة وأنها مطلقة بسبب عدم إنجابها. لذا رأفت سيرين بها وتركت رعاية أسر لها بعدما أخبرها حمزة بوضع نهلة، والتي بالفعل تعامله كطفلها، ومن وقت لآخر تأخذه سيرين ليقضي برفقتها بضع أيام هي وحمزة، وسرعان ما تعيده نهلة لحضنها.
ربتت غادة، والدة زين، على كتفه قائلة:
"مبروك يا حبيبي."
ابتسم زين قائلًا:
"الله يبارك فيكي يا ماما."
التفتت غادة إلى نهلة ليغادرا، فتتقاذف دقات قلب سارة بين ضلوعها حينما غادرت أخته ووالدته وأصبحت برفقته وحدهما. بمقدار ما شعر زين بالسعادة، بمقدار ما شعر بما انتاب سارة من خوف وخجل وتوتر.
قال بمرح:
"أخيرًا هعرف أتكلم معاكي كلمتين."
ابتسمت بارتباك ليتقدم منها بضع خطوات قائلًا برقة وهو يديرها ناحيته:
"مبروك يا سارة."
أحبت نُطقه لاسمها، ولكن الكلمات لم تسعفها لتخرج من شفتيها المرتعشة حينما شعرت بأنفاسه تلهب وجهها بينما اقترب طابعًا قبلة رقيقة على جبينها.
رفعت عيناها المتوترة إليه حينما نادى اسمها:
"سارة... أنا عارف إننا اتجوزنا بسرعة وإننا ما نعرفش بعض... بس أنا عاوز أقولك إن أنا من أول مرة شفتك فيها حسيت كأني أعرفك من زمان... برتاح قوي مجرد ما بأبص ليكي. مش عاوزك تخافي أو تقلقي من أي حاجة... أنا حابب إننا ناخد على بعض واحدة واحدة... نتكلم ونقرب من بعض... تعرفيني وأعرفك... مش مستعجل على أي حاجة غير إنك تحبيني وتتطمني لوجودك معايا...؟"
ابتسمت له بعذوبة ليتطلع إليها بضع لحظات قبل أن يقول:
"طيب إيه ساكتة ليه؟"
هزت كتفها بخفوت:
"أقول إيه؟"
"أي حاجة... عاوز أسمع صوتك."
ابتسمت له قائلة برقة وخجل:
"شكرًا."
"على إيه؟"
"على اللي قلته."
ابتسم لها ومرر يداه برفق على وجنتها لتسري الكهرباء في جسدها قائلًا:
"أنتِ جميلة قوي يا سارة."
تفاجأ حمزة بفعله ريحان ليبعدها على الفور هادرًا بحدة:
"أنتِ إيه اللي بتعمليه؟"
ذرفت دموعًا مزيفة بينما تقول بانهيار:
"أنا آسفة يا حمزة بس أنا مش عارفة بأعمل إيه."
قطب جبينه وأفسح لها المجال لتدخل قائلًا:
"ادخلي الأول وفهميني في إيه... إيه اللي جابك في وقت زي ده؟"
فركت سيرين عيونها الناعسة وهي تقوم من الفراش تفتح باب الغرفة بهدوء:
"حمزة..."
استمعت لصوت أحد برفقته لتختطف روبها الحريري وتضعه فوقها وتسرع للخارج لتقف مكانها وترفع حاجبيها باستنكار بينما ترى ريحان.
(هيخلوني أتجوز اللي اسمه علي ده بالعافية يا حمزة... محدش عاوز يسمعني ولا يحترم رأيي...)
نظر إليها حمزة باستفهام:
"يعني اتخانقتي معاهم وسيبتي البيت؟"
أومأت له ليسألها:
"قلت لهم إنك جاية عندي؟"
هزت رأسها لتقول سيرين بدهشة:
"أنتِ هربتي من وراهم؟"
قالت ريحان بثبات:
"مش هروب... بس أنا خلاص مش عاوزة أفضل هناك ولا أستنى إنهم يجوزوني غصب عني."
فرك حمزة ذقنه بحيرة:
"بس جدي وعدني إنه مش هيغصبك..."
لوت سيرين شفتيها:
"وماما نبيلة كمان قالت هتسيبك براحتك... إيه اللي اتغير؟"
هزت ريحان كتفها ببراءة مزيفة، فبعد انتهاء الحفل حدثت مشادة بينها وبين أمها، ولكن هي من افتعلتها وهي تتحدى أمها أنها لن تتزوج من الأساس لتجد لنفسها حجة مناسبة لترك المنزل وهي متأكدة أن حمزة لن يخذلها.
صمتت واكتفت بالبكاء لتنظر إليها سيرين باستنكار فهي لا تصدق تلك الفتاة أبدًا.
قال حمزة بعقلانية:
"المهم دلوقتي لازم أبلغهم إنك هنا عشان محدش يقلق عليكي."
اندفعت ناحيته تمسك بيده وتوقفه عن الاتصال لتنفعل ملامح سيرين وهي تراها تمسك بيده التي سرعان ما سحبها حمزة وهو يزفر وينظر إليها بتحذير من تجاوزها في الاقتراب منه، ولكن أمام سيرين لن يتحدث والتي اشتعلت نظراتها.
"لازم يعرفوا عشان ما تحصلش مشكلة."
قالت بدموع كثيرة:
"لو عرفوا مكاني هياخدوني."
لوت سيرين شفتيها قائلة:
"وأنتِ هتفضلي عندنا على طول؟"
نظرت إليها ريحان بضعف من بين دموعها وهي تهز رأسها:
"لا طبعًا... أنا همشي وأروح أي مكان."
نظر حمزة بطرف عينيه لسيرين بتوبيخ ليقول لريحان:
"سيرين ما تقصدش... البيت أكيد بيتك... بس فعلًا لازم يعرفوا إنك هنا. أنا هتصل بالحاجة نبيلة وأبلغها عشان والدك ما ياخدش إجراء شديد ناحية هروبك من وراهم."
هتفت نبيلة بهلع:
"نهارها أسود... إزاي تعمل كدة! إزاي تخرج من ورانا... ده أبوها هيدبحها."
قال حمزة مهدئًا:
"معلش يا حاجة أعصابها كانت تعبانة وما عرفتش هي بتعمل إيه... عمومًا هي عندي يعني أمان."
هزت سيرين قدمها بعصبية وهي تتبرطم:
"أعصابها تعبانة؟!"
"حالًا يا ولدي تخليها ترجع بدل ما مش هيحصل كويس."
"حاضر يا حاجة تهدي وهجيبها على طول."
قالت ريحان مقاطعة بهياج:
"مش هأروح البيت ده تاني!"
نظرت إليها سيرين بغضب فماذا تنتوي تلك الفتاة بينما تعالى صوت نبيلة الغاضب يتوعدها لتنهار ريحان باكية وتتابع رفضها.
ليقول حمزة:
"طيب يا حاجة سيبي لي الموضوع ده دلوقتي."
قالت نبيلة بوعيد:
"أنا هأغطي على خروجها وهأقول إنها راحت تقعد مع مراتك النهاردة بعلمي عشان زعلانة إن سارة مشيت وبكرة هأكون عندك آخدها وقسمًا بالله لأربيها من أول وجديد."
"اهدي بس يا حاجة وسيبها على الله."
تابعت ذرف الدموع:
"شفت بقى يا حمزة أهو تيته مصممة."
قالت سيرين بانفعال:
"عندها حق... عيب قوي تسيبي بيت أهلك."
نظرت إليها ريحان ببرود:
"ما أنا هنا أعتبر في بيت أهلي برضه... حمزة ابن خالتي."
اندفعت سيرين:
"وهو ابن خالتك ده مش راجل غريب برضه ولا إيه؟"
زفر حمزة من تصرفات سيرين ليقول:
"سيرين حبيبتي لو سمحتي اعملي لي قهوة."
نظرت إليه سيرين بانفعال فهل يريد منها أن تغادر... لتقول بحدة:
"قهوة إيه... هو ده وقته؟!"
قال حمزة بنفاذ صبر:
"عندي صداع وعاوز قهوة يا سيرين."
نظرت إليه وضربت الأرض بقدمها بغضب ليكمل:
"ولو سمحتي جهزي الفطار."
تبرطمت سيرين وهي تغادر إلى المطبخ، ولكنها سرعان ما عادت على أطراف أصابعها... لتسمعه يتحدث بهدوء:
"اللي عملتيه غلط يا ريحان... مهما يكون حصل ما ينفعش تسيبي البيت من وراهم. وثانيًا موضوع الجواز اتكلمي فيه معاهم بالعقل."
نظرت إلى عينيه وقالت بضعف:
"محدش عاوز يسمعني يا حمزة!"
"أنا هتكلم معاهم."
قالت برجاء:
"توعدني إنك مش هتخليهم يجوزوني علي ده."
تنهد قائلًا:
"هأحاول... بس أعرف أنتِ رفضاها قوي كده ليه... الشاب كويس."
هزت رأسها:
"لا... لا يا حمزة مش ده أبدًا فارس أحلامي اللي نفسي أرتبط بيه. أرجوك يا حمزة أقف جنبي... ما تخلنيش أرجع ليهم."
نظر إليها حمزة بطرف عينيه باستنكار فمن أين له بتلك المشاكل التافهة ولكنه بأي حال لا يستطيع الاعتراض من أجل خالته وجدته.
قالت سيرين من بين أسنانها:
"فارس أحلام إيه يا بنت الملزقة... قال فارس أحلام."
قام حمزة من مكانه حينما نادته سيرين:
"أيوه يا سيرين."
جذبت يده ودخلت به إلى الغرفة لتهتف به بحدة:
"ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟"
هز كتفه باستفهام:
"في إيه؟"
هتفت بنيران متوهجة:
"إيه البرود ده... أتكلم معايا عشان أنا متغاظة."
"إيه اللي مضايقك قوي كده؟"
لوت شفتيها بامتعاض:
"هيكون إيه يعني... مالك متبني القضية بقلبك قوي كده ليه؟"
رفع حاجبه:
"قضية إيه... مالك يا سيرين؟ البنت واقعة في مشكلة وطلبت مساعدتي في إيه... عاوزني يعني أسيبهم يجوزوها غصب؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها بانفعال:
"يا سلام وأنت مالك... وبعدين غصب إيه وزفت إيه ما طول عمرنا نسمع إن عادي قوي يتجوز بنت عمه وبعدين برضه أنت هتخاف عليها أكتر من أبوها وأمها...؟" رفعت حاجبها وتطلعت إليه متابعة: "وبعدين ما أنت اتجوزتني غصب ووقتها ما كنتش صعبة عليك يعني؟"
زم شفتيه بحنق فهو يدري أنها تحترق بالغيرة غير المبررة ولذا تهذي بأي كلام.
"سيرين اعقلي وبطلي جنان... إيه اللي فتح الكلام ده دلوقتي؟"
"اللي فتحه موقفك الحنين مرة واحدة."
"يا حبيبتي افهمي بس... دي بنت صغيرة ولازم نحتويها." قاطعته بانفعال:
"صغيرة؟! وتحتويها؟!"
عقد حاجبيه من حدتها لتتجاهل نظرات التحذير بعينيه وتتابع:
"بأقولك إيه يا حمزة اتعدل في كلامك وما تستفزنيش... اللي قبلت إنك تعمله فيا مش هاين عليك يتعمل في بنت خالتك مثلًا."
هز رأسه واحتوى غضبه بعدما نطقت ألم الكلمات ليمسك بكتفها قائلًا:
"لا طبعًا يا سيرين مش قصدي أي حاجة من اللي فهمتها... وأنا ما أقبلش عليكي الهوا يا حبيبتي. افهمي ده كويس."
نظرت إليه وقد هدأت نبرته من انفعالها ليقربها إليه قائلًا:
"سيرين الوضع بينا مختلف... أنا حبيتك يا سيرين... كنت بأقنع نفسي إني بآنتقم بس من جوايا كنت بأحبك... كل حاجة فيكِ كانت عجباني حتى لما غصبتك تبقي مراتي أنا كنت عارف كويس أنا بأعمل كده ليه... كنت عاوزك في حياتي. ما تقارنيش حياتنا وحبنا بأي حالة تانية يا سيرين."
أخذت نفسًا عميقًا تنظر لعينيه بينما يتطلع إليها بحب لتبادله عاطفته وهي تقول:
"بس أنا مش مرتاحة للبنت دي يا حمزة."
"ليه بس يا سيرين... يا حبيبتي هما حياتهم غيرنا... جدي شديد قوي عليهم وواضح إنها انفجرت... بدل ما تروح لحد غريب يستغل الوضع أنا لازم أقف جنبها."
نظرت إليه بحنق:
"تقف في أي حتة غير جنبها."
ضحك وداعب خصلات شعرها بمرح:
"حاضر يا ستي... ممكن بقى تفكي التكشيرة دي وتجهزي الفطار عشان إحنا سيبنا البنت كتير لوحدها."
تنهدت مطولًا وهي تهز رأسها قائلة:
"أنت بتضحك عليا؟"
"يا روحي ولا بأضحك ولا حاجة... كلها بكرة والحاجة نبيلة هتكون هنا نتفاهم معاها وهتاخدها وتمشي."
عاد حمزة ليجلس مع ريحان التي أتقنت دورها كما رسمت. تشعر سيرين بأن هناك شيئًا ما بتلك الفتاة، نظراتها وقربها من حمزة غير بريء بالمرة، ولكنه بحديثه معها هذا الصباح أحبط أي محاولة لها للغضب لتتحدث مع نفسها بأنها بضع ساعات وينتهي اليوم وبالغد ستأخذها نبيلة.
تركتها سيرين وتوجهت إلى المطبخ لتجهيز الغداء بينما جلست ريحان تشاهد التلفزيون براحة كبيرة.
تعالى رنين هاتف سيرين لتلتقط المنشفة وتجفف يدها وتتجه لتحضر هاتفها. نظرت ريحان بحشرية إلى هاتف سيرين الذي تعالى رنينه بينما تقول بخبث:
"مين بيتصل... ممدوح؟"
رشقتها سيرين بنظرات الغضب بينما تجذب الهاتف بحدة مزمجرة:
"بابا ولا ما بتعرفيش تقري؟"
نظرت إليها باحتقار فهي تستفزها لتتشاجر معها ويغضب حمزة.
"أيوه يا بابا..."
"حبيبتي سيرين عاملة إيه؟"
"أنا كويسة..."
"يارب دايما..."
تردد قليلًا قبل أن يقول:
"سيرين حبيبتي ممكن أطلب منك طلب؟"
"آه طبعًا يا بابا."
"النهاردة عيد ميلاد هدى..."
ضربت مقدمة رأسها:
"آه فعلًا..."
ده أنا كنت ناسيه.
اية رأيك نروح نعمل ليها مفاجأة؟
ترددت قليلًا وهي تنظر لريحان التي تكاد تدخل إلى الهاتف لتستمع لحديث سيرين.
حدثت نفسها لما لا، فالخروج مع أبيها أفضل من البقاء برفقة تلك الفتاة المستفزة، ولكن حمزة، هل سيقبل؟!
قال هشام بينما شعر بترددها: أنا مش عاوز يكون فيه مشكلة بينك وبين جوزك.
لا أبدًا يا بابا.
طيب عمومًا خدي رأيه ولو وافق أنا هاجي أخدك من تحت البيت وكلها ساعتين وأرجعك تاني.
أومأت له: ماشي يا بابا.
أغلقت مع أبيها واتصلت بحمزة وهي تتمنى ألا يرفض، فوالدها بحالة يائسة يريد استعادة أمها وهي تتمنى هذا، وهي تخشى أن ذهب وحده ألا تدخله والدتها لذا تتمنى أن يوافق حمزة.
أيوة يا حبيبتي بس، يعني مش هتتعبي.
هزت رأسها بسرعة: لا طبعًا وأنا هتعب من إيه؟ بابا هياخدني ويرجعني يعني حتى مش هسوق.
أومأ لها فلا يوجد سبب للرفض: ماشي يا سيرين مفيش مشكلة.
هتفت بسعادة: بجد يا حمزة.
آه يا سيري، روحي يا حبيبتي وانبسطي.
مرسي يا حمزة مش هتأخر.
تمام.
ما إن قاربت على الإغلاق ليقول: سيرين.
نعم.
يا ريت وأنتِ رايحة تاخدي بوكيه ورد وتقولي لها حمزة بيقولك كل سنة وأنتِ طيبة.
ابتسمت بسعادة ممتنة: مرسي يا حبيبي.
أغلقت الهاتف بسعادة تلاشت سريعًا بعد أن تذكرت وجود ريحان لتقول بتهكم: أنا هنزل بعد الغدا، بتخافي تقعدي لوحدك؟
ضحكت ريحان بتهكم مماثل: متقلقيش عليا.
بالفعل كما توقعت لم يكن بالسهل على هدى تقبل وجود هشام، ولكن سيرين لطفت الجو وبالفعل مهما حاولت عدي إخفاء سعادتها إلا أنها بدت واضحة أنه تذكر عيد ميلادها وفاجأها.
الو، إيه يا سيري أنتِ لسه عند مامتك؟
أومأت له: آه أنا نازلة دلوقتي.
طيب يا روحي أنا قربت على البيت تحبي آجي أخدك؟
هزت رأسها: لا مفيش داعي تتعب نفسك، أنا نازلة مع بابا.
ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك.
اتسعت ابتسامتها سريعًا ما إن سمعت صوت المفتاح وتلاه دخول حمزة، أيُعقل أن تنفرد به بعيدًا عن تلك السخيفة سيرين.
قال حمزة بهدوء: مساء الخير.
ابتسمت له برقة: مساء النور يا حمزة.
أنا هدخن سيجارة برا على ما سيرين ترجع.
أومأت له وهي تعض على شفتيها بترقب لتنهي خطتها.
خرج حمزة إلى الشرفة يتلافى وجوده معها بنفس المكان لدى عودة سيرين، التي لم تتأخر فها هو أبيها أوقف سيارته أسفل المنزل وقبل رأسها: تصبحي على خير يا حبيبتي.
نزلت من السيارة تنظر إلى سيارة حمزة المتوقفة بمكانها فلا بد أنه وصل لتقول بابتسامة لأبيها: وأنت من أهله.
دخلت إلى المصعد سريعًا ولا تنكر أنها تريد الإسراع لتفكيرها أن تلك الفتاة وحدها برفقة حمزة!
فتحت سيرين الباب بهدوء ودخلت لترى تطاير الستائر الحريرية بالشرفة الواسعة الآتي منها صوت حمزة وريحان.
قطّب حمزة جبينه بعدم تصديق لما نطقت به ريحان التي جاءت خلفه، ليهدر بها: أنتِ بتقولي إيه؟
قالت ريحان بثبات: بقولك اتجوزني يا حمزة.
زمجر بها بغضب شديد: أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ مجنونة وقليلة الأدب.
ضغطت سيرين على قبضتها بغضب تفكر بأنها ستلقي بها من الشرفة.
لا ستمزقها إربًا.
أنا مش قليلة أدب.
زمجر حمزة بغضب فلم يتخيل أن تنطق بتلك الكلمات: لا قليلة أدب، اللي تقول كدة لراجل متجوز تبقى قليلة أدب.
قالت بهدوء مزيف: يا حمزة أنت فهمتني غلط، اهدي بس واسمعني أنا بطلب منك خدمة، مجرد جواز كدة وخلاص كام شهر لغاية ما بابا...
قبل أن ينطق حمزة كانت سيرين تندفع تجاهها والشرر يتطاير من عيونها: أيوة كدة أظهري على حقيقتك.
بقى أنتِ بتخططي عشان يتجوزك؟
قالت ريحان ببراءة مزيفة: تخطيط إيه بس يا سيرين، أنا بطلب منه خدمة.
تفاجأ حمزة بمجيء سيرين واستماعها لما دار بينه وبين ريحان ليعرف حدوث مشكلة لا محالة.
خدمة! أنتِ فعلًا زي ما قالك قليلة الأدب.
قال حمزة لينهي سخافة هذا الوضع المشتعل: خلاص يا سيرين.
التفت إلى ريحان وقال بحدة وغضب: أنا هعمل نفسي مسمعتش حاجة من الكلام الفارغ اللي قلتيه، وأحسن لك مسمعهوش تاني، اتفضلي على أوضتك ولغاية ما الحجة نبيلة تاخدك مش عاوز أشوفك.
نظرت إليه سيرين باستنكار بينما أسرعت ريحان إلى الغرفة: أوضة إيه اللي تفضل فيها، هي البنت دي هتفضل في البيت بعد اللي عملته؟
زفر حمزة بضيق قائلًا: سيرين خلاص، قلت الموضوع انتهى.
موضوع إيه اللي انتهى، دي بتقولك اتجوزني.
هتف بنفاذ صبر: وأنا رديت عليها وعرفتها غلطتها وانتهى الموضوع.
لا طبعًا مانتهاش، أنت لازم تكلم جدك وتحكي له على قلة الأدب بتاعتها.
هز رأسه: لا طبعًا.
محدش هيعرف حاجة عن اللي حصل.
احتقن وجهها بالغضب: ليه بقى، خايف عليها؟
هز رأسه وتحدث بعقلانية: لا طبعًا، بس موقفي هيبقى حساس، مش هقدر أوريهم وشي بعد كدة.
هزت رأسها بعدم اقتناع: لا طبعًا وأنت مالك، بنتهم اللي غلطت ولازم تتربى ويعرفوا قلة أدبها.
قلتلك خلاص يا سيرين أنا فهمتها غلطتها.
هزت رأسها بعناد: مش كفاية، البنت دي لازم تمشي من البيت حالًا.
انصدمت ملامحها حينما قال حمزة: لا.
هز رأسه: أيوة لا يا سيرين، دي بنت خالتي مينفعش أطردها.
رفعت حاجبيها: بنت خالتك؟!
احتقنت بالغضب وتابعت بانفعال: بنت خالتك ولا كلامها جاي على هواك؟
عقد حاجبيه بغضب: أنتِ بتقولي إيه؟
اللي سمعته وبحاول أفهم سببه، بتدافع عنها ليه غير أنك موافق على كلامها، طبعًا ما هي حلوة وصغيرة وقريبتك ليه لا.
هتفت بحدة: أنا مش هحاسبك على اللي بتقوليه.
قالت بتحدي: لا حاسبني.
زمجر بغضب: سيرين متستفزنيش.
اهتاجت بغضب: أنا أعمل اللي أنا عاوزاه، وجودها في البيت قصاد وجودي، أختار أنا أو هي.
نظر إلى ثورتها النارية بعدم تصديق: أنتِ أكيد اتجننتي.
قالت بإصرار: يا أنا يا هي.
بطلي جنان.
مش هبطل.
قال بتحذير من بين أسنانه: سيرين.
تجاهلت نبرته الغاضبة لتصيح بإصرار: قلتلك أختار، يا أنا يا هي.
قال بنبرة قاطعة: مش هختار ومش عاوز كلام في الموضوع ده تاني قلتلك خلاص.
هتفت بإصرار فولاذي: لا هتكلم زي ما أنا عاوزة.
وحالًا هتقولي أنا ولا هي يا حمزة!
ولو مخليتهاش تمشي أنا هكلم جدتك وأحكي لها.
زمجر بغضب من تهديدها: أبقى اعمليها يا سيرين واحكي لأي حد حاجة عن اللي حصل وهتشوفي أنا هعمل إيه.
اغاظته لتقول بإصرار: هتعمل إيه؟
استفزته لأبعد الحدود ليهتف بغضب: ادخلي أوضتك واقصري الشر يا سيرين.
ضربت الأرض بقدمها ودخلت إلى الغرفة صافقة الباب بعنف خلفها وتبعته بصوت المفتاح.
دخن بضع سجائر يهدئ بها أعصابه فهي محقة في غيرتها وثورتها ولكنه لا يريد خسارة عائلته وتوتر علاقتهم بعد أن أصبحوا بهذا القرب.
سيشعر والدها ووالدتها بالخزي من فعلة ابنتهم ودومًا ما سيكون هناك توتر بينهم وبين حمزة، لا يريد ذلك لذا أسلم حل هو تجاهل ما حدث.
بعد ساعة دخل من الشرفة متوجهًا إلى الغرفة، أدار حمزة مقبض الباب المغلق ولكنها أوصدته من الداخل، طرق الباب.
سيرين، افتحي الباب.
هتفت بعناد: مش فاتحة، خلي بنت خالتك تنفعك.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثلاثون 30 - بقلم رونا فؤاد
بعد ساعة، دخل حمزة من الشرفة متجهًا إلى الغرفة. أدار مقبض الباب المغلق ولكنها أوصدته من الداخل. طرق الباب.
سيرين: افتحي الباب.
هتفت بعناد: مش فاتحة. خلي بنت خالتك تنفعك!
هتف بغيظ من بين أسنانه بسبب تصرفاتها المندفعة: إيه اللي بتقوليه ده؟ اعقلي يا سيرين وافتحي الباب خليني أفهمك.
أدارت المفتاح بالباب وفتحت الباب تطالعه بوجه أحمر مشتعل وعيون ترشقه بغضب ونيران. ما إن تقدم بخطوة تجاهها حتى وضعت يدها على طرف الباب تمنعه من الدخول بينما تهتف بعصبية: اتفضل قول عاوز إيه؟
نظر إليها بعدم تصديق لكل تلك الحرب التي بلا داعي بعد أن شرح لها أن كل ما يهتم له هو حساسية موقفه تجاه عائلته ليقول بهدوء مصطنع: خلينا نتكلم جوه يا سيرين.
هزت رأسها وزجرته قائلة بعناد: لا. مفيش جوه. اتكلم هنا وخليها تسمعك ولا خايف على مشاعرها؟
زم شفتيه بغضب وقال باستياء من اتهامها: يا سيرين اعقلي بقى. أنا ساكت كل ده على تلميحاتك اللي ملهاش أي داعي بعد ما سمعتي ردي عليها.
رفعت حاجبيها بغيظ لترد عليه: وأنا كمان سمعت ردك عليا لما قلت لازم تمشيها من البيت.
هز رأسه بتفهم: قلتلك لازم أسكت عشان العيلة مش عشانها وقبل أي حاجة مينفعش إني أطردها في نص الليل. سيرين حبيبتي اللي بتعمليه ده مالوش داعي وخلاص نقفل الموضوع كفاية بقى.
انفجرت به بحدة وهو يبرر موقفه بتلك الطريقة: والله بالبساطة دي أقفل الموضوع! على أساس إنك نسيت أنت عملت إيه فيا من مجرد مكالمة وخلتني أسيب شغلي أو حتى كنت متفهم وقدرت إني ضربت إياد بالقلم لما بس اتجرأ وقال كلمة مش قال "تتجوزيني" زي ما هي عملت. ده أنت حكمت عليا أقطع علاقتي بخالتي وسلمى صاحبتي وبنت خالتي. دلوقتي فجأة بقيت هادي وعاقل وحكيم ما شاء الله وبتقولي علاقتي بالعيلة وحساسية ومعلش أفهم موقفك من بنت خالتك. دلوقتي مفيش داعي للي بعمله إنما وقتها كنت مش شايف قدامك وحقك تعمل كل اللي عملته.
دفعته في صدره بغيظ: لا بقى مش عاوزة أفهم حاجة غير إن البنت دي غلطت ولازم تتحاسب. أنا مجنونة يا حمزة وأجن منك ألف مرة. مش بعد كل اللي شفته معاك واستحملته منك في الآخر لما أقولك يا أنا يا هي تقولي مش هختار. وجاي دلوقتي تقولي العيلة ولازم أتصرف بعقل. لا أنا مش هقدر أكتم ده جوايا. وغيرانة عليك وبموت من اللي عملته البنت دي وكان قلبي حاسس وحذرتك كتير وأنت عملت نفسك مش واخد بالك.
رفعت عيناها وزمجرت بغضب: أنت تقبل إياد يعمل اللي عملته؟ تحب يمسك إيدي ويقرب مني؟
أمسك ذراعها هادرًا: سيرين متستفزنيش.
نزعت ذراعها من يده وهتفت به: اشمعنى أنت بقى؟ لا يا حمزة مش أنا اللي أسمح إن واحدة زي دي تبقى في بيت واحد معايا وطالما أنت سمحت يبقى اشبع بيها والصبح مش هتلاقيني في البيت.
قطب جبينه بشدة مزمجرًا باندفاع: بيت إيه اللي تسيبيه؟ أنتي اتجننتي يا سيرين؟ إيه اللي حصل لكل ده؟
قالت بعتاب حاد: اللي حصل إني عرفت مكانتي عندك وإني آخر حد ممكن تفكر فيه.
أوجعه عتابها ليقول بهدوء وهو يمسك بكتفها: يا سيرين أنتي عارفة مكانتك إيه عندي. وعارفة إنك أغلى حاجة في حياتي.
تهكمت: واضح بدليل إنك اخترتني!
: يا حبيبتي. مفيش مجال للاختيار. دي بنت مراهقة هبلة مش مستاهلة نتخانق عشان كلام متخلف قالته ولا مستاهلة أبوظ علاقتي بعيلتي بسببها افهمي بقى.
هزت رأسها بعناد: مش عاوزة أفهم حاجة. أنا مليش دعوة بيها ولا بعيلتك أنا ليا دعوة بموقفك. لما أخيرك بيني وبين أي حاجة في الدنيا المفروض أبقى متوقعة إنك تختارني أنا.
قال بجدية: طبعًا مينفعش تقارني بينك وبين أي حد.
قالت بإصرار: وقارنت وأنت قلت لا. يبقى خليك في اختيارك.
رفعت إصبعها بوجهه وتابعت بتحدي: ولعلمك بقى أنا لسه معملتش حاجة كل ده ولا رديت على جرأة بنت زي دي إنها تفكر تستغفلني.
فهم مغزى كلماتها لتتغير ملامح وجهه ويهتف بتحذير: لو عملتي اللي في دماغك يا سيرين وقلتي لحد حاجة عن اللي حصل هتشوفي مني الويل.
احتقن وجهها من تهديده لتنظر إليه بتحدي قبل أن تصفق الباب بقوة في وجهه ليجز على أسنانه لإصرارها على عنادها ورفضها للتعقل وتفهم ما شرحه لها. هتف بوعيد وهو يجذب مفاتيحه وهاتفه: ماشي يا سيرين.
دقائق وسمعت لصوت انغلاق باب المنزل بعنف لتسرع إلى الشرفة وتراه يقود سيارته مسرعًا. ربما تكون تمادت ولكنها تشعر بالنيران الغيورة تجتاح قلبها وليست هي من تفكر بعقل. وآخر ما قضى على عقلها هو تهديده الذي ألهب نيران التحدي بداخلها.
دقائق وكانت بالفعل تتصل وتخبر نبيلة بكل شيء لتتمدد بعدها على فراشها براحة وتشفّي فتلك الفتاة إن ظنت أنها انتصرت وإن خطأها سيمر مرور الكرام فهي مخطئة. فريحان دخلت الغرفة واختفت بداخلها وتركتها تحترق هي وهو بعد أن أشعلت فتيل الحرب بينهما لذا يجب أن تدفع ثمن خطأها.
فكرت بأن تجذبها من شعرها وتطردها بعد ذهاب حمزة ولكن لن تتعب نفسها وهي واثقة أن نبيلة لن تتردد في أخذ حقها.
دار حمزة بالسيارة قليلًا ولم يجد مكان ليذهب إليه بهذا الوقت، خلص وزين قد تزوج. فقاد إلى شركته.
أسرع حارس الأمن تجاه حمزة قائلًا بقلق: حمزة بيه في حاجة؟
هز حمزة رأسه: لا أبدًا يا مجدي أنا بس عندي شوية شغل في المكتب.
: اتفضل يا حمزة بيه.
فتح البوابة لحمزة ليدخل وأشعل الأضواء قائلًا: تحب أستدعيلك حد؟
هز حمزة رأسه قائلًا: لا أنا طالع مكتبي.
مرت ساعة وحمزة يتلوى من الغضب وهو متمدد على أريكة مكتبه الجلدية. يقتله عنادها ويدفعه للجنون. لقد شرح لها موقفه فلما لا تتفهمه؟ لا ينكر أنه يظلمها بما طلبه منها ولكنه لا يريد أكثر من أن تتفهم حرج موقفه ورغبته بعدم إفساد علاقته بعائلته فهو وأخيرًا أصبحت له عائلة مرة أخرى بعد طول وحدته. له زوجة تحبه ويعشقها وله طفل بانتظاره على أحر من الجمر وله عائلة كبيرة تحبه وتقف بجواره. أصبح للمناسبات طعم ومعنى وهو يقضيها برفقة عائلته وليس وحيدًا كما كان. أصبح هناك من يتحدث معه حينما يكون بمشكلة. لماذا يفسد كل هذا لمجرد موقف لا معنى له من فتاة ما زالت صغيرة لم تعقل جيدًا كلامها؟ تنهد مطولًا واعتدل جالسًا يفرك رأسه ويفكر أن يتصل بها ويتحدث معها بهدوء، لتفهم موقفه لو شرحه لها لمرة أخرى. ولكنه ظل ما بين أفكاره كثيرًا حتى غفى من الإرهاق بينما على جانب آخر كانت سيرين تنعم بنوم هادئ بعد أن بردت نيران قلبها حينما تحدثت وأخبرت نبيلة بكل ما حدث وعلى جانب آخر كانت هناك نبيلة تتلوى على جمر ملتهب بعدما سمعته من سيرين تريد أن يبزغ الفجر بأقرب وقت لتستطيع الذهاب لتلك الفتاة وإعادة تربيتها!
تنهدت سارة بارتياح من موقف زين. كم كانت تخشى وجودها معه وهي لم تألفه بعد ولم تألف حياتها الجديدة بمنزل بعيد عن عائلتها! أخرجت ملابس لها من الخزانة الضخمة وأخذتها لتدخل وتستبدل ملابسها بينما ترك لها زين الغرفة بأكملها. توقفت أمام المرآة تفك عقدة شعرها وتتركه ينسدل على ظهرها وتعدل من مكياجها البسيط قبل أن تخرج من الغرفة.
تجمد زين مكانه وزاغت عيناه بإعجاب صارخ حينما خرجت سارة من الغرفة بخطوات خجولة بينما ارتدت بيجامة حريرية باللون الأسود وتركت خصلات شعرها الفاحم تنسدل على طول ظهرها فتلك المرة الأولى التي يراها بشعرها الحريري. رفعت عيناها إليه لتسحره تلك العيون العسلية ذات الكحل الأسود الذي أضفى على عيونها جمالًا. لاحت ابتسامة طفيفة على شفتيها وهي ترى نظرات الإعجاب تلوح بعيناه فتتراقص دقات قلبها برقة حينما قال بغزل: أنا لو شفت الجمال ده كل يوم قلبي هيقف.
قالت بنعومة: بعد الشر عليك.
قال بهيام وهو ينظر لعيونها: خايفة عليا.
أومأت له بخجل دون أن تقول شيء ليتأملها مجددًا بينما يقول بشقاوة: هي فترة التعارف هتطول؟ أنا بقول كفاية كده.
اندفعت الحمرة لوجنتها من مغزى كلماته لتتراجع للخلف بضع خطوات جعلت زين يضحك بصخب: تعالي متخافيش أنا بهزر.
نظرت إليه بتوجس ليبتسم لها: أه والله بهزر.
احمر وجهها ليقول وهو يتطلع نحوها: هو أنتي مش عاوزة تسمعيني صوتك ولا إيه؟
هزت كتفها: لا. ليه؟
تقدم تجاهها وهو يتأمل ملامحها الجميلة: أصلك ساكتة وأنا اللي بتكلم.
: هقول إيه؟
تلكأت عيناه على شفتيها قائلًا: أي حاجة من شفايفك الحلوة دي.
احمرت وجنتها السمراء خجلًا لتقول: طيب مش جعان؟
أومأ لها: جعان أوي.
تلفتت حولها لتذهب للمطبخ لتجده ليمسك بيدها ويسير برفقتها قائلًا: تعالي نعمل العشا سوا.
سحبت يدها من يده بخجل ولكنه سرعان ما أمسك بها مرة أخرى قائلًا بمرح: لا بقى حتى إيدك مش هعرف أمسكها.
غمز لها وتابع: ده أنا جوزك والله.
ضحكت بخفة لتدخل برفقته إلى المطبخ وتقول بصوتها الرقيق: تحب تاكل حاجة معينة؟
أومأ لها: أي حاجة من إيدك.
قالت وهي تشير إلى الثلاجة: ماما مجهزة أكل كتير. في بط وحمام وفراخ.
قال بمكر: خلينا النهاردة في البط. وبكرة الحمام.
دفنت وجهها بالثلاجة أمامها من وقاحته ليضحك زين بعبث فتلك السمراء جميلة وشهية للغاية ولكن لم يحن موعد تذوقه لها بعد!
فجرًا، استيقظ عبد الحميد وفتح عيناه بدهشة لنبيلة التي كانت مستيقظة وتستعد للذهاب. قطب جبينه بتساؤل: إيه يا حجة صاحية بدري ليه كده؟
قالت نبيلة وهي تخفي ارتباكها: ولا بدري ولا حاجة يا حج أنا مش قلتلك رايحة لحمزة؟
: آه بس مش من الفجر.
: عاوزة ألحق أفطر معاه. أصله وحشني أوي.
رفع عبد الحميد حاجبه: وحشك؟ لحق يوحشك؟
: مش حفيدي يا حج؟
قطب عبد الحميد جبينه باستهجان: نبيلة. أنا معدتش فاهم حاجة. ريحان إيه اللي وداها عند حمزة وأنتي إيه اللي موديكي وراها أنتي مخبية عني حاجة؟
هزت نبيلة رأسها بسرعة قائلة: وهخبي إيه بس يا حج. قلتلك البنت زعلت جامد إن سارة اتجوزت ومشيت ما أنت عارف إنهم قريبين لبعض. وقعدت تعيط صعبت عليا قلت لحمزة وسيرين ياخدوها معاهم وهما مروحين.
نظر إليها بشك قائلًا: حمزة كان لوحده يا نبيلة وهو ماشي من هنا. رفع أصبعه بوجهها بتحذير: أوعي تكون مقصوفة الرقبة دي طلعت من البيت وحدها.
هزت نبيلة رأسه بسرعة: لا طبعًا يا عبد الحميد. طلعت مع حمزة وكانت في العربية مع سيرين.
ضيق عبد الحميد عيناه يطالعها بعدم تصديق لتقول: وأنا هكدب يعني يا حج؟
أومأ لها بنفاذ صبر: ماشي يا نبيلة لما نشوف آخرتها في دلعك الماسخ للبنات ده. وإزاي تتجرأ وتخرج من ورانا.
قالت نبيلة باستدراك: مش من ورانا يا حج.
ماهي استأذنت مني وأنا اللي نسيت أقولك وأقول لحسين.
هتف باستنكار: وأنتِ من امتى بيأخدوا الإذن منك؟
قالت بعتاب: كده برضه يا حج؟ يعني أنا ماليش لازمة في البيت؟
هتف بضيق: ليكي لازمة يا نبيلة بس الخروج والدخول مش من حقك وأنتِ عارفة كده كويس. أنا هأسكت المرة دي عشانك بس قسماً بالله بنت تانية منهم تطلع من غير ما تستأذن مني أقطم رقبتها.
قالت نبيلة برجاء: حقك عليا النوبة دي... أنا اللي غلطانة.
تنهدت نبيلة تخفي احتقانها غضباً لكذبها وتمثيلها بتلك الطريقة لأول مرة عليه، ولكنها مضطرة فإن عرف الحقيقة سيقتلها... فكم تمنت لو تخبر عبد الحميد بما فعلته تلك الفتاة ولكنها تخشى رد فعله الشديد.
تجهزت وخرجت لتقابل حياة التي كانت تفرك يديها غيظاً منذ ليلة الأمس بعدما اكتشفت رحيل ريحان وعرفت بفعلتها من نبيلة.
هتفت بخفوت لأمها: آه يا ناري يا أمي لو أجي معاكي أجيبها من شعرها... أنا...! بنتي تفضحني الفضيحة دي؟
زجرتها نبيلة بهمس: وطي صوتك عشان لو أبوكي وجوزك لو عرفوا باللي عملته هيدبحوها. أنا فهمت عبد الحميد زي ما اتفقنا إنها مشيت أول إمبارح معاهم بعد الفرح وإني أنا نسيت أقولهم.
أومأت لها بغضب: ماشي يا ماما بس والله لأربيها الكلبة اللي كانت عاوزة تفضحنا. شكلنا إيه قدام مراته... طبعاً هيقول عليا ما عرفتش أربي بنتي... منها لله...
: حسابها أما ترجع يا حياة.
قالت حياة: واعملي حسابك يا ماما لما ترجع أنا هأجوزها لعلي.
قالت نبيلة بامتعاض: والله علي خسارة فيها.
هتفت حياة: أهو ابن عمها أولى بيها يربيها بمعرفته.
: ماشي يا حياة أرجع ونتكلم... سيبيني أروح أجيبها من هناك.
قالت حياة باستنكار: الكلبة وليها عين تفضل عنده؟
: أكيد حمزة ما هيسيبهاش تمشي في نصاص الليالي.
............
استيقظت سيرين على رنين جرس الباب لتسرع إليه بينما ارتبكت دقات قلب ريحان وهي تستمع لهذا الصوت خارج الغرفة... لقد ندمت كثيراً على تسرعها ورأت مقدار حقارتها حينما رخصت نفسها لتلك الدرجة أمام حمزة وسمحت لسيرين بأن تسمعها مثل هذا الكلام... كانت تتخيل أنه لن يتردد في قبول زواجه بها حينما رأت دفاعه عنها من قبل وظنته إعجاب لتجد نفسها في مأزق شديد... لابد وأنه أخبر عائلتها الآن...!
قبل أن تتساءل كانت نبيلة تقتحم الغرفة وبلحظة تهوي بكف عنيف على وجهها وهي تصيح: آه يا كلبة يا اللي ما عرفتش أربيكي! فضحتيني وفضحتي أبوكي وجدك.
بالرغم من أن هذا ما أرادته سيرين إلا أنها مع الصفعة التالية وانهمار الدموع من عيون ريحان شعرت بالشفقة والندم لفعلتها.
أمسكتها نبيلة بقوة من شعرها: جاية تخربي بيته بعد ما اعتبرك أخته ووقف جنبك؟
لم ترحمها توسلاتها من يد نبيلة: أبوس إيدك يا تيتة اسمعيني... أنا ما قصدتش.
هتفت نبيلة بغضب جارف: أمّال قصدتِ إيه؟ إزاي تتجرأي وتعملي كده؟
هزت سيرين رأسها ولم تتحمل المزيد لتسرع تمسك بيد نبيلة تحاول إبعادها عن ريحان التي تمسكت بها قائلة بدموع: قولي لها يا سيرين كفاية... أنا خلاص عرفت غلطتي.
قالت نبيلة بغل: وهي دي غلطة؟ ده أنتِ عملتِ مصيبة وهأقتلك عليها.
قالت سيرين وهي تحاول إبعاد نبيلة التي توقفت عن ضرب ريحان حينما تدخلت سيرين لتحول بينهم خوفاً على حملها: معلش يا ماما نبيلة كفاية.
: أوعي يا سيرين وهي لسه شافت حاجة... ده لسه أبوها وجدها لما يعرفوا.
صرخت ريحان برعب: لا يا تيتة أبوس إيدك أوعي تقوليلهم.
قالت نبيلة لتخيفها: أمّال أقول لهم إيه عن هروبك من البيت من وراهم؟
قالت ريحان بتوسل وهي تميل على يد نبيلة: عشان خاطري يا تيتة قولي لهم أي حاجة أبوس إيدك.
جذبت نبيلة يدها من ريحان هادرة بغضب: وأنتِ ما فكرتيش في كده وأنتِ بتعملي عملتك السودة؟
قالت ريحان بخوف: لا يا تيتة ما فكرتش... غصب عني كنت شايفة إنه ممكن يتجوزني.
زمجرت نبيلة بغضب: اخرسي يا بنت أنتِ. جوزتك عقربة... ما هو متجوز يا كلبة.
: غلطت يا تيتة عشان خاطري...
قالت سيرين برجاء: خلاص يا ماما نبيلة وغلاوة حمزة عندك كفاية وسيبيها.
نظرت نبيلة إلى ريحان هاتفة بتحذير: خمس دقايق وتكوني لابسة وجاية ورايا بره.
أومأت لها وأسرعت تستبدل ملابسها.
لزمت سيرين شفتيها بندم مما تسببت وتعترف بينها وبين نفسها بأنه نوعاً ما كان حمزة محق.
قالت سيرين: أنا آسفة يا ماما نبيلة ما كنتش عاوزة ده يحصل.
قالت نبيلة: وأنتِ ذنبك إيه؟ هي اللي ما تربتش.
قالت سيرين: خلاص يا ماما أهو اللي حصل حصل.
تلفتت نبيلة حولها تسأل سيرين: أمّال حمزة فين؟
قالت سيرين باقتضاب: خرج...
قالت نبيلة بدهشة: خرج بدري كده؟
عضت سيرين على شفتها: لا... أصله بايت برا.
هتفت نبيلة باستياء: طبعاً بسبب اللي عملته مقصوفة الرقبة ساب البيت... له حق ما يقعدش معاها.
هزت سيرين رأسها قائلة: لا هو بصراحة احنا اتخانقنا.....
تابعت إخبار نبيلة بما حدث لتقول: هو كان عنده حق... ما كانش ينفع تعرفوا. دلوقتي أنا اتسببت في مشكلة وحمزة هيزعل أوي.
قالت نبيلة: ما حدش يعرف غيري أنا وأمها أنا كنت بخوفها وبس.
: طيب الحمد لله.
خرجت ريحان وهي تنظر للأرض لتزجرها نبيلة بحدة: يلا قدامي.
قالت سيرين: لا أنتوا ماشيين دلوقتي؟
: آه لازم أرجع.
: لا عشان خاطري يا ماما نبيلة اقعدي شوية...
: لا يا بنتي ماليش عين أشوف حمزة بعد اللي الكلبة دي عملته.
قالت سيرين بخزي: حمزة كده هيزعل مني.
: ما تقلقيش أنا هأفهمه.
...... بعد انصراف نبيلة كانت سيرين ترتدي ملابسها وتغادر فهي لن تبقى في مواجهة حمزة حينما يعود والذي سيجدها نفذت ما حذرها منه وسيقلب الدنيا... أين ذهبت جرأتها وعنادها ليلة أمس لا تعرف ولكنها تشعر بالخوف لا تعرف لماذا؟ لقد حذرها ولم تستمع تحذيره. حسناً تذهب لأمها اليوم ليهدأ الوضع... تسلحت بغضبها منه فهو أخطأ ولم يختارها أمس وهي لم تخطئ بل دافعت عن نفسها وبيتها... هذا ما ظلت تردده لنفسها حتى تتغلب على خوفها من رد فعله فهو من يجب أن يخاف وليس هي.......
......
قالت هدى بحب: أحلى فطار لأحلى سيرين.
: حبيبتي يا ماما تعبتك.
: أبداً يا سيري ولا تعب ولا حاجة أنا طول اليوم لوحدي ومبسوطة إنك جيتي تفطري معايا.
: ما هو أنتِ اللي مصممة تبقي لوحدك يا ماما.
قالت هدى بحزم: سيرين انسِ الموضوع ده.
قالت برجاء: بس بابا صعبان عليا أوي يا ماما... ده ندمان خالص.
: سيرين قلت خلاص.
أومأت لها على مضض وبدأت بتناول الإفطار الشهي ولكن سرعان ما انحشرت اللقمة بحلقها حينما تعالى رنين هاتفه ورأت اسمه على الشاشة.
قال بتلعثم لأمها: ده حمزة...
قالت هدى: طيب ردي عليه على ما أعملك اللبن الدافي بالعسل.
جاءها صوته الأجش دون مقدمات والذي يخبرها عن مقدار غضبه الذي اشتعل حينما عاد للمنزل ولم يجدها ولم يجد ريحان والتي سرعان ما عرف بعمله سيرين حينما اتصل بنبيلة وعرف أنها في طريق عودتها وتتأسف له عما حدث... حقك عليا يا ولدي.
لم يجد كلمة ينطق بها من حرج وكل ما أراده هو الفتك بسيرين فهي لم تحترم تحذيراته وصممت على إخبار جدته.
: أنتِ فين؟
قالت ببرود تحاول به إخفاء توترها: وأنت مالك؟
فرك وجهه بعصبية مزمجراً: بأسألك أنتِ فين؟
: عند ماما.
: من غير إذني؟
قالت بدفاع عن نفسها: ما أنت ما كنتش موجود واتصلت بيك تليفونك مقفول.
يعرف أنها تكذب لتنفذ من بين يديه: ساعة وألاقيكي قدامي.
: أنا هأقضي اليوم مع ماما.
قال بتحذير من بين أسنانه: لو عدت ساعة وما كنتيش في البيت يا سيرين هتشوفي مني وش مش هيعجبك...!
............
حاولت ألا تظهر لوالدتها شيئاً لتظل معها ساعة أخرى ثم تنصرف وهي تتوقع صورته وقد قدمت له سبب بتأخيرها للغضب عليها لذا قررت أن تصمت تحاول قدر الإمكان ألا تتفوه بشيء أمامه ليهدئ الوضع.
.........
نظر بساعته حينما عادت ليقترب منها بخطوات مترقبة كالفهد الذي ينوي الانقضاض على فريسته قائلاً بنبرة تتطاير شرراً: أنا قلت ترجعي إمتى؟
صمتت ليزجرها بغضب: انطقي...
أمسك ذراعها وأكمل بحدة: أنا مش قلت ساعة وتكوني في البيت... وقبلها مش محذرك ألف مرة ما تخرجيش من البيت من غير إذني...
لم تقل شيئاً وكل أنش بها يرتعب بالرغم من تظاهرها بالجرأة فهي كانت تعرف أنه ما أن يعلم بما اندفعت وفعلته ستقوم القيامة.
قال بوعيد من بين شفتيه وهو يجاهد السيطرة على غضبه: عارفة أنا حالياً عاوز أديكي قلم ما تنسيهوش طول عمرك على كل اللي عملتيه. بس مش هأعملها عشان أنا وعدتك مش هأمد إيدي عليكي بس أوعي تفكري اللي عملتيه أنا هأعديه بالسهل يا سيرين.
صمتت لأول مرة أمامه فالصمت هو ما سيحميها من غضبه وهي بأي حال نفذت ما أرادت فليغضب قليلاً وسيهدأ ولكن إن تحدثت الآن سيزيد اشتعال غضبه.......
...........
ما أن انفردت حياة بابنتها حتى تخلت عن هدوئها المزيف الذي رسمته أمام الجميع كما حال نبيلة...
انقضت عليها تجذبها من خصلات شعرها وتعنفها... آه يا كلبة... إزاي تتجرأي وتعملي كده؟
صفعتها حياة بقوة لتقول ريحان بتوسل بعدما نزفت شفتاها: أنا آسفة يا ماما.
: بعد إيه آسفة... بعد ما خليتِ رأسي في الأرض؟
تعالت الطرقات على الباب... ليتعالى صوت حسين والد ريحان الذي استمع لصراخ ابنته: افتحي الباب يا حياة.
دفعتها حياة على الأرض وهتفت بها من بين أسنانها: قومي اغسلي وشك وحسك عينك أبوكي يعرف حاجة.
فتحت الباب وهي تهدأ من صوت تنفسها ليقول حسين بدهشة: في إيه يا حياة... أنتِ بتتخانقي مع ريحان ليه؟
هزت كتفها: ولا باتخانق ولا حاجة...
خرجت ريحان من الحمام ليرى أبيها آثار صفعة أمها ليقطب جبينه قائلاً بحدة: أنتِ ضربتيها يا حياة؟
هزت ريحان رأسها: لا يا بابا.
هتف حسين بحدة: لا إيه... أمّال وشك ده من إيه؟
قالت حياة لتنهي الجدال: حسين عصبتني رحت ضربتها خلاص.
: لا مش خلاص يا حياة وبعدين لو ضربتيها عشان موضوع علي أنا مش هأسكت.
قالت ريحان بانكسار: أنا موافقة يا بابا.
نظر حسين شزراً لزوجته قائلاً: وأنا مش موافق.
نظرت إليه حياة بدهشة ليقول بحزم: خلاص أنا قلت له إنك مش موافقة وقفلت الموضوع.
قالت حياة باستهجان: ليه يا حسين؟
: عشان مش هأغصب بنتي على جوازة هي مش عاوزاها.
اندفعت الدموع من عيون ريحان التي ندمت من فعلتها التي أساءت لأبيها الحنون بتلك الطريقة.
...........
جلست سيرين بكمد على الأريكة... يومان وهو لا يتحدث معها بل وتقريباً لا يعود إلا بعد منتصف الليل وينصرف مبكراً... حسناً ربما يكون محق في أنها لم تستمع لكلامه ولكنها أيضاً محقة في ما فعلت...
انتبهت حواسها حينما أدار المفتاح بالباب وتقدمت خطواته للغرفة لتقوم من مكانها وتتجه إليه...
نظرت إليه قائلة: حمزة...
لم يقل شيئاً بل تجاهلها وخلع سترته وبدأ بفك أزرار قميصه لتزفر قائلة: برضه مش عاوز تكلمني؟
هو أنا كنت عملت إيه يعني لده كله؟
نظر إليها بطرف عينيه دون قول شيء وتوجه إلى الحمام، لتطرق بأصابعها بغيظ.
خرج يجفف خصلات شعره بالمنشفة، لتقول: أجهزلك العشا؟
لم يقل شيئًا وتوجه للمطبخ، لتتجه خلفه وما أن رأته يجهز لنفسه طعامًا حتى قالت:
سيب، أنا هجهزلك الأكل.
قال باقتضاب: مش عاوز حاجة منك.
رفعت حاجبيها باستهجان لتهتف بعدم تصديق: للدرجة دي؟
أومأ لها ونظر لعيونها قائلًا: آه... لما زي كل مرة متحترِميش كلامي وتتصرفي من دماغك، يبقى مالكيش دعوة بأي حاجة تخصني.
قالت بغصة حلق من اتهامه: حمزة، أنا ما قصدتش كده.
قال بتهكم: أومال قصدتي إيه؟
هزت كتفها دفاعًا عن موقفها: الغيرة جننتني من اللي ريحان عملته، وما كنتش قادرة أسكت عليه.
هز كتفه ببرود قائلًا: وأديكي نفذتي اللي في دماغك... ارتاحتي؟
هتفت بانفعال: لا طبعًا... إيه الراحة في إنك بقالك يومين بتعاقبني ومش عاوز تكلمني؟
قال ببرود شديد: وأنا مين عشان أعاقبك؟ هو أنا ليا وجود ولا كلمة عليكي؟ أنتي بتعملي اللي على مزاجك من غير ما ترجعي لي.
قالت بمحاولة لتهدئة الوضع: حمزة، أنت مكبر الموضوع، قلتلك اتغظت منها وغيرانة عليك... ومنتهى العقل والهدوء قابله اللي أنت بتعمله، مع إني أنا كمان ليا حق أزعل منك، بس أنت قلبت الوضع وبقيت أنا بس اللي غلطانة، وبقالي يومين بحاول أ صالحك بالرغم من إني أنا اللي زعلانة منك.
تنهد مطولًا دون قول شيء ليلقي الطبق من يده ويغادر المطبخ.
قدرتها على الاحتمال تتلاشى ولا تتحمل المزيد من الجفاء بينهما. فركت وجهها بحيرة فلماذا دومًا هناك ما يعكر صفو حياتهما؟ تحبه وتشتاق إليه ويقتلها جفاؤه وبعده عنها وكعادتها لا تحتمل وككل مرة تتجاهل وتنسى من المخطئ وتحاول مصالحته. وضعت الطعام الذي جهزته له على الصينية واتجهت إلى الغرفة لتضيء الأنوار: حمزة.
لم يجب عليها وظل مغمض العينين. لا يريد أن يقسو عليها ولكنها لم تقم وزنًا لأي كلمة مما شرحها لها وصممت وعاندت. ألا يكفي أنه يخجل من مجرد محادثة جدته أو خالته بعد ما حدث؟
وضعت الطعام على الكومود وجلست على طرف الفراش بجواره، يحاول جاهدًا السيطرة على أنفاسه التي لا تحتمل اقترابها خاصة وأنها خالفت توقعاته وتحاول إنهاء الخلاف بينهما ولم تصمم على عنادها ولكنه غاضب منها للغاية.
قالت بصوت حنون فهو بأي حال قد عاد من يوم عمل مرهق ولا بد وأنه جائع: حمزة، أنا جهزت ليك العشا.
مررت يدها برفق على كتفه لتهدر الدماء بعروقه بينما تابعت: أنت كنت جعان... يلا قوم كل بقى، أنا عملتلك الأكل اللي بتحبه.
قال باقتضاب: مش عاوز يا سيرين، تصبحي على خير.
: حمزة... ما تبقاش عنيد بقى.
جذب الغطاء بعناد فوقه وأكمل النوم، لتطلع إليه بغيظ ممزوج بالأسى مما يفعله فلما كل هذا العناد؟!
زفرت بضيق وحملت الطعام وخرجت من الغرفة وكل إنش بها يضج بالانزعاج من تصرفاته: أنت اللي زعلان... ماشي يا حمزة، أما نشوف هتعاند لغاية إمتى.
فتح حمزة عيناه الناعسة بإرهاق يشعر أنه نام كثيرًا ولكنه رفع نصف عين مغلقة حوله ليجد الظلام ما زال يعم الغرفة. امتدت يده تلقائيًا لهاتفه ولكنه لم يكن بجواره كما يضعه على الكومود.
فرك وجهه واعتدل جالسًا ينظر حوله ليجد الساعة العاشرة وهو نائم لهذا الوقت. نظر لجهة سيرين فلم تكن بجواره... ماذا يحدث؟
فتح ستائر الغرفة التي أغلقتها سيرين حتى لا تجعل ضوء الشمس يدخل إليه ويوقظه وهي تسحب هاتفه من جواره حتى لا يرن المنبه وتخرج. اتجه إلى باب الغرفة لا يفهم شيئًا من هذا الصباح فلماذا لم يرن المنبه وأين هاتفه وأين سيرين؟
تفاجأ بباب الغرفة موصد.
حاول فتحه أكثر من مرة ليتفاجأ بصوتها من خلف الباب: صباح الخير يا حبيبي.
قطب جبينه باندهاش قائلًا: سيرين، أنتي قافلة الباب ليه؟
قالت بثقة: عشان أشوف آخر خصامك ليا إيه.
رفع حاجبه باستنكار: والله؟
: آه ومش هتخرج من الأوضة غير لما نتصالح.
: بطلي شغل عيال وافتحي الباب، أنا اتأخرت على شغلي.
: مش مهم.
هتف بانفعال: هو إيه اللي مش مهم؟
قالت بثقة: شغلك... وأي حاجة في الدنيا مش أهم من علاقتنا.
بلحظة تحولت نبرة صوتها للرقة وهي تقول: ميزو، أنا حاولت أ صالحك كتير مع إنك اللي مزعلني... كل مرة أبقى أنا اللي طيبة وأجي أ صالحك، خليك بقى عاقل المرة دي واتأسفلي.
: لا والله.
أومأت له: آه طبعًا، أنت اللي زعلتني.
قال بعتاب: وأنتي ما سمعتيش كلامي.
: كان رد فعل متغاظ مني.
حرك مقبض الباب قائلًا: طيب افتحي الباب يا سيرين.
هزت كتفها: إنسى.
قطب جبينه باستنكار: يعني إيه؟
: يعني هتفضل جوه لغاية ما نتصالح.
تنهد قائلًا: خلاص يا سيرين، مش زعلان.
: ما هو لازم ما تبقاش زعلان بعد ما صالحتك... دورك أنت تتأسفلي.
: سيرين، افتحي عشان عندي شغل مهم.
: مش مشكلتي... وبعدين أنا اتصلت بدرية وقلتلها إنك إجازة النهاردة.
قال باستنكار: أنتي إزاي تعملي كده؟
هزت كتفها: زي الناس. أنا مراتك وليا حقوق عليك أقلها تقعد يوم إجازة معايا.
قطبت جبينها بانفعال وهتفت به: وبعدين أنت إزاي قادر تخاصمني وتبعد عني كل ده وكمان أ صالحك ومش راضي... غلب الشجن صوتها لتتابع: أنت مش بتحبني زي ما بحبك... أنا مش بقدر على خصامك وبعدك وبأجري أ صالحك بس أنت مش بيفرق معاك وبتعيش حياتك عادي من غيري... حبك ليا مجرد كلام بتضحك عليا بيه... أنت ناسيني وناسي ابنك اللي مطلع عيني وحتى مش بتسأل عليا عاملة إيه طول اليوم؟ وبيجيلك نوم وأنا مش في حضنك... ما بقتش بتاكل معايا ولا بتسأل حتى أكلت ولا لأ زي ما كنت بتعمل... مش بتهتم بيا ولا بتجيب ليا شيكولاتة زي ما عودتني. حتى ميعاد الدكتور النهاردة كنت ناسيه. وأنا كل ده ساكتة وأقول معلش زعلان وأحاول أقرب منك وأ صالحك، وامبارح جبت العشا وجيت وأنت برضه صدتني.
كان مستندًا إلى الحائط بجوار الباب يستمع إلى عتابها الذي كانت محقة بكل كلمة به، فهو لا ينكر أنها بقلب طيب بالرغم من اندفاعها وعصبيتها إلا أنها سرعان ما تنسى أي سوء أو إساءة وأنه كان قاسيًا ببعده عنها وصد محاولتها. رفع عيناه إليها ما أن فتحت الباب ونظرت إليه بوجه حزين بينما قالت بأسى: كنت فكراك بتحبني وما تقدرش على بعدي وعمري ما أهون عليك بس طلعت غلطانة.
قبل أن تبعد عيناها عنه كان يجتذبها قائلاً بندم: أنا آسف... آسف إني زعلتك وقصرت في حقك.
جذبها إلى حضنه ودفن وجهه بخصلات شعرها يقبل رأسها: حقك عليا ما تزعليش مني... أنتي جننتيني يا سيرين لما ما سمعتيش كلامي.
هتفت بتبرير: ما قدرتش يا حمزة... أنا بغير عليك وبحبك.
قبل رأسها قائلًا: وأنا بعشقك مش بحبك بس يا مجنونة.
حاولت إبعاده وهي تقول: كذاب... كله كلام. أبعدها قليلًا ووضع وجهها بين يديه قائلًا بحب: أنا بموت فيكي وما أقدرش أعيش من غيرك، أنا أصلًا ماليش غيرك يا سيرين. جايز بآجي عليكي بس عشان أنتي حتة مني وهتستحمليني.
: بس أنت بقيت بارد أوي واتغيرت.
: أنا؟
أومأت له: آه.
نظرت إليه وقالت بدلال: عارف بقالك قد إيه ما جبتش ليا حاجة حلوة؟
أومأ لها قائلًا: عندك حق... أنا غلطان... اطلبي اللي أنتي عاوزاه.
أحاطت عنقه بذراعيها قائلة بدلال: تقعد معايا إجازة النهاردة.
أومأ لها: حاضر.
: وتاخدني نتغدى بره... وبعدين نروح للدكتور.
: حاضر.
: وبعدين نروح سينما ونرجع نسهر سوا.
أحاط خصرها بذراعيه قائلًا بمكر: لا بقى لما نرجع بقى دي سيبيها ليا.
نظرت إليه بمكر مماثل: اشمعنى... أكيد ناوي على قلة أدب.
غمز لها قائلًا: وأنتي ناوية على إيه؟
قالت ببراءة: ناكل بيتزا ونتفرج على فيلم.
هز رأسه قائلًا بخبث: لا، نأكل حمام.
ضحكت قائلة: يا سلام، ما أنا عملتلك امبارح الحمام وأنت قلت لا.
ضرب مقدمة رأسه: غبي.
ضحكت ونظرت إليه مطولًا قبل أن تقول: غبي بس بحبك.
رفع حاجبه: والله؟
وضعت رأسها على صدره قائلة: أيوه طبعًا، أومال إيه اللي مصبرني على طبعك اللي زي الزفت ده؟
نظر إليها لتكمل: عصبي ومجنون وعنيد.
مررت يدها برقة على وجنته وتابعت: بس بحبك.
ضحك قائلًا: ماشي يا ستي متشكر إنك مستحملاني.
قالت بغرور أنثوي: عدي الجمايل.
كعادته أسر قلبها ومحا كل ما حدث بينهما وهو بين يديها طوال اليوم تتدلل وتطلب منه ما تشاء وهو لا يتوانى عن التنفيذ حتى إنه اصطحبها لزيارة هشام لتطمئن عليه وبنهاية الليلة كانت بين ذراعيه بعد اشتياق طويل.
في الصباح التالي تقلبت سيرين بين ذراعيه بكسل ليجذبها حمزة بين ذراعيه ويدفن رأسه بعنقها هامسًا: صباح الخير.
قالت بصوت واهن: صباح النور.
داعب عنقها بأنفه قائلًا: مالك يا روحي؟
قطبت جبينها قائلة: مش عارفة يا حمزة... حاسة تعبانة أوي.
اعتدل جالسًا ينظر إليها بحنان قائلًا: معلش يا حبيبتي، الدكتور امبارح قال إن ميعاد الولادة قرب وده طبيعي.
أومأت له ليحيطها بذراعيه يقربها إليه ويمرر يداه برفق على بطنها: معلش يا روح قلبي.
بعد قليل تعالى رنين جرس الباب ليتحرك حمزة فتقول سيرين: لا خليك يا حبيبي دي لازم أم ماجد الشغالة.
عقد حاجبيه قائلًا: وجاية بدري ليه كده؟
قالت سيرين وهي تعتدل جالسة: أنا قلتلها تيجي بدري عشان تلحق تنضف البيت قبل الغدا... أنت مش قلت هنتغدى مع بعض؟
قال وهو يحيط خصرها بيده: أنا عندي استعداد أفضل معاكي طول اليوم.
: لا حبيبي، روح شغلك وارجع على الغدا.
: دلوقتي بتوزعيني وعاوزة تسيبيني عشان أم ماجد؟
قالت وهي تبعد يداه العابثة عنها: بطل دلع ويلا بقى يا حمزة.
هز رأسه وضحك عاليًا: لغاية إمتى هفضل ساذج تاخدي غرضك مني وترميني؟
أفلتت ضحكتها المتعالية لتوكزه بكتفه: قوم يلا... خلي الست تلحق تشوف شغلها.
: ماشي، هاخد دوش وألبس وأنزل حاضر.
قالت وهي تغادر الفراش: بس بسرعة.
أومأ لها: حاضر يا ستي.
توجهت سيرين إلى باب المنزل تفتحه وهي تهتف: معلش يا أم ماجد اتأخرت عليكي...
آه... كانت تلك آخر شيء تنطق به شفتاها قبل أن تفقد الوعي أثر تلك الضربة التي تلقتها على رأسها.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وهو واقف أسفل المياه.
بعد فترة خرج من الحمام وهو يضع المنشفة حول خصره ويدندن بسعادة... منذ أن وطأت قدمها حياته وكل يوم معها بطعم مختلف... يحب تلك ذات القلب الأبيض النقي... عذبها وآلمها وظلمها ومع ذلك هي من تبادر إليه... يحبها ويتمنى أن يفعل المستحيل لإرضائها... تعالى رنين هاتفه... ليجيب عليه وهو يرتدي ملابسه: أيوة يا زين...
قال زين بملل: إيه يا حمزة، باتصل بيك من بدري مش بترد ليه؟
: معلش كنت بآخد دوش وما سمعتش التليفون.
قال زين بمكر: ما سمعتش ولا بتصبح على المدام؟
ضحك حمزة قائلًا: ما تبطل حشرية يا أخي...
وبعدين هو عشان أنت لسه ولا صبحت ولا مسيت هتقر عليا؟
ضحك زين قائلًا: عايرني يا أخويا ماهو خيبتي ما ردتش على حد.
ضحك حمزة عاليًا ليقول زين: طيب يلا أنا خلاص تحت البيت، اصحى بسرعة بقى.
قال حمزة وهو يصفف شعره: لا يا سيدي ما فيش صباح، المدام طرداني عقبال أملتك عشان أم ماجد الشغالة.
ضحك زين قائلًا: أحسن تستاهل، ويلا انزل بقى أنا بقى لي نص ساعة واقف تحت مستنيك.
قال حمزة وهو يلتقط ساعته ويضعها بمعصمه: أنا خلاص.
قطع حديثه وهو يستمع لتلك الأصوات ليقطب جبينه قائلًا: سيرين في حاجة؟
لم يأته منها رد بينما يقول زين بقلق: مالك يا حمزة في حاجة؟
قال حمزة وهو يتجه لباب الغرفة: أبدًا بس سمعت صوت بره.
قال زين بمزاج: تلاقي مراتك بتاكل الشغالة.
قال حمزة: ما تتلم يلا مالك بيها.
قال زين: مش بقول الحق، متجوز قطر إكسبريس.
: طيب اسكت بدل ما افرمك.
: لا وعلى إيه، يلا أنجز يا حمزة.
: خلاص أنا نازل أهو.
خرج حمزة من الغرفة يناديها وهو يتلفت حوله: سيرين، سيري.
تجمدت قدماه بالأرض بينما استمع لهذا الصوت الذي قال بتهكم: الله الله، وكمان سيري، والله وبقيت تدلع يا حمزة بيه.
بنفس اللحظة وقعت عيناه على الخادمة الواقعة على الأرض وغارقة بدمائها لتهتز نظراته ويرفع بصره تلقائيًا تجاه مصدر الصوت، ليجدها سيدرا.