تحميل رواية «ضائعه في غابة ظنونه» PDF
بقلم رونا فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطي متخازلة عاد هشام إلى منزله. فتحت سيرين له الباب بلهفة، وغرقت عيناها بالدموع وهي ترى حال أبيها المذرية بعد أن قضى تلك الأيام في الحبس. قالت من بين دموعها: بابا... بابا حمد الله على السلامة. ارتمت بحضنه ليضمها هشام إليه، وتلمع الدموع في عينيه. فهي سيرين، ابنته من زوجته الأولى هدى. لا تشبه أختها سدرة، غير الشقيقة، بشيء، والتي أنجبها زوجته الثانية نادية، والتي هي السبب بكل ما حدث. هي من زيّنت له الطمع بتلك الأموال، وفي النهاية دفعت به إلى السجن وهربت هي. أسرعت هدى تخرج من الغرفة ما إن استمعت لص...
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رونا فؤاد
بلحظة كان يلقي الهاتف ليتحطم بالحائط لآلاف القطع، بينما تابع بصوت أرعبها:
إييه متجوزة طرطور؟ تروحي وتيجي على مزاجك؟
تلجم لسانها أمامه لأول مرة بعد أن شعرت بخوف حقيقي منه حينما صرخ بها. أين ذهب صوتها؟ لماذا استصعبت الرد عليه؟ لماذا أوجعها غضبه عليها تلك المرة؟
انطقي! مش مالي عينك أنا ولا إييه؟
نزعت ذراعها من يده وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها، ولأول مرة تجهش ببكاء كهذا بينما تعالى صوته الغاضب من خلف الباب:
الظاهر إني اتساهلت معاكي فقلتي تستغفليني. لكن أنا اللي غلطان. مفيش خروج من البيت تاني.. فاهمة ولا لا؟
لو كنتي فاكراني هبقى مغفل لتاني مرة وأديكي ثقتي تبقي غلطانة. أوعي تفتكري إني هنسى في يوم من الأيام انتي مين ولا بنت مين... فاهمة؟
تتابع صراحته وغضبه عليها وانفلات الكلمات من بين شفتيه والتي لا يدرك كم جرحتها، وقد أقر أنه لن ينسى يومًا.
اندفعت الدموع بغزارة من عيونها وهي تستمع إليه بينما يزمجر بغضب يشتم ويسب أبيها وأختها، وأنها مثلهم ولن يثق بها يومًا. لم يستمع إليها وكل الخطأ الذي أخطأته أنها ذهبت لوالدتها. ربما هو محق وكان عليها إخباره، ولكن أيكون عليه جرحها بتلك الطريقة؟ وضعت يدها على حلقها الذي غص بكلماته وغضبه لتتألم وتلقي اللوم على قلبها الذي تحرك له دون إرادتها وجعلها تسلك طريق نهايته مؤلمة، فحبها محكوم بهذا الماضي الذي سيظل واقفًا بينهما مهما حدث.
خلعت نبيلة لعبد الحميد عباءته، ليقول بامتياض:
أنا برضه مش مرتاح للبنت دي.
هتفت نبيلة باستنكار:
وبعدين يا عبد الحميد... خايف من إيه؟
خايف تغدر بيه تاني.
هزت رأسها:
لا متقلقش.
هتف عبد الحميد:
لا... لازم أقلق. البنت دي حية زي أختها وأبوها.
لا... لا يا عبد الحميد... هي غيرهم.
استدار إليها باستنكار:
نبيلة... ولما هي غيرهم حاولت تقتله ليه؟ ولد بنتك ده عنيد وراسه أنشف من الحجر. راح اتجوز حية أخت اللي غدرت بيه هي وأبوها، معرفش هو بيفكر في إيه... وآخرتها حاولت كمان تقتله عشان تغطي على عملة أبوها وأختها من غير ما حد يحاسبهم، فكرت إنه مقطوع من شجرة ومفيش حد وراه...
طفرت نبيلة قائلة:
يا حج اسمعني الأول واعرف إيه اللي حصل قبل ما تحكم على البنية.
أردفت نبيلة تخبر عبد الحميد بما حدث بين حمزة وسيرين، لتمتعض ملامح عبد الحميد ولكنه قال بعناد:
تقوم تقتله!
أمال تعمل إيه يا حج بعد ما عمل فيها كده؟
هز كتفه:
وهو كان عمل إيه... حقه ومراته.
نظرت إليه نبيلة بعدم رضا:
وحتى لو مراته يا حج... ياخدها غصب؟
هتف بعناد:
غصب ولا مش غصب... برضه مكنش ينفع تفكر إنها تقتله.
هزت رأسها بجبين مقطب:
أهو اللي حصل بقى... حرق قلبها والبت باين إن دمها حامي مستحملتش اللي عمله فيها.
جلست نبيلة أمامه وتابعت بهدوء:
البت غلبانة يا عبد الحميد.
نظر إليها بطرف عينه لتتابع:
وولد بنتك مش عيل صغير ولولا إنه عارف إنها غيرهم مكانش سابها على ذمته. كفاية مشاكل يا عبد الحميد وخلينا نتلم تاني. خد حمزة تحت جناحك أنت وشريف وخليه يكبر في طوعكم، ولو على مراته سيبهالي أنا هعرف أتصرف معاها وأعرف إذا كانت كويسة وتستاهله ولا لا... ولو كانت شبه أختها أنا اللي هخنقها بيدي.
على مضض هو عبد الحميد رأسه فهو لا يهتم إلا بحفيده.
لماذا لم توقفه... لماذا لم تصرخ به بأنه ليس من حقه أن يتحكم بها بتلك الطريقة... لماذا استمعت لإهانته لأبيها وصمتت.. وماذا كانت ستفعل بعد أن كسرها أبيها بتلك الطريقة؟
غزت الدموع مقلتيها مجددًا وهي تتذكر تهديده وكلماته لها لتتساءل متى أصبحت بتلك الحساسية...؟ لماذا خافت من غضبه تلك المرة بالرغم من أنها كانت دومًا ما تتحداه...؟ إنه حتى لم يستمع إليها... فقط بدون تفكير انفعل عليها بتلك الطريقة ولم يتوقف عن كيل الإهانات لها...!!
استند حمزة إلى جدار الشرفة يدخن السيجارة الخامسة والتي ينفث دخانها بغضب، بينما عجز عن النوم بعد غضبه عليها بتلك الطريقة وخاصة حينما لم تجب عليه وأفلتت من عيونها تلك النظرات التي أوجعته. يعترف أنه قد تمادى كثيرًا ولكن ماذا يفعل وقد انفلتت أعصابه كعادته؟ سحق سيجارته ودخل ليتوقف أمام باب غرفتها ويكور قبضته، فإن ظنت أنه سيعتذر فهي مخطئة كما أخطأت حينما تجاهلت تحذيره المسبق عن معرفته بخروجها. لن يتهاون أبدًا معها في شيء كهذا. بعناد دخل إلى غرفته وصفق الباب.
أغلق جمال باب مكتبه وأخرج تلك الشريحة من أحد الأدراج ووضعها بالهاتف ليتصل بأحد الرجال الذين يعملون لصالحه.
أمين.
جمال باشا.
إيه الأخبار؟ عملت اللي قلتلك عليه؟
بالحرف يا باشا... المهندس سامي بيجيب أخبار المصنع أول بأول وأنا هنا في الشركة ببلغك بالليل بيحصل.
طيب وبرضه معرفتش تخلي حد من بتوع الـ IT يشتغل تحت إيدك؟
صعب أوي يا جمال باشا... من وقت اللي حصل وحمزة بيه مقفل على كل حاجة ومش بيأمن لحد غير زين.
مممم... طيب عمومًا يا أمين خليك زي ما أنت وأي جديد بلغني بيه.
تمام يا باشا... مفيش دفعة من تحت الحساب؟
هبعتلك يا أمين.
أغلق جمال الهاتف وأرجع رأسه إلى الخلف يفكر ببضع خطوات يجب أن يتخذها ليؤمن نفسه من غدر سيدرا ومن غدر حمزة أيضًا.
كان إياد قد وافق على مساعدة هشام لإيجاد سيدرا لإنقاذ سيرين. وبعد ما حدث لم يستطع التملص من مساعدته لهذا الرجل، فمهما كان... فهشام له مكانة في قلبه فقد اهتم به بعد موت أبيه. ربما يكون غلبه شيطانه وطمع ولكنه بالمطلق ليس بإنسان سيء، كما وأنه من أجل سيرين يجب أن يساعد هشام إن كان إيجاد سيدرا سينقذها مما هي فيه.
نظر إياد إلى هشام بشك قائلًا:
وأنت إيه اللي مخليك متأكد كده؟
استحالة تكون سيدرا عملت كده من نفسها... لازم يكون حد ساعدها غيري.
أنت مش قولت جمال كان معاها؟
جمال ده يخطط معاها آه... بس يفهم في حسابات الشركة لا طبعًا.
يعني إيه؟
فرك هشام ذقنه قائلًا:
يعني... في خاين جوه شركة حمزة.
نظر إليه إياد ليفتح هشام بعض الأوراق والملفات ويبدأ بالشرح، ليقول:
أنا محتاج أدخل لكمبيوتر الشركة... وقتها يمكن أعرف هو مين وعن طريقه نوصل لسيدرا لو هي لسه على تواصل معاه.
اتسعت عينا إياد:
الشركة..! وأنت متخيل إنك ممكن تدخل الشركة تاني؟
لازم يا إياد.
طيب ما نقول للي اسمه حمزة ده وهو يتصرف؟
هز رأسه:
مش هيصدقني... لازم أحاول أثبت ده... يمكن وقتها أصلح اللي عملته.
نظر إلى إياد قائلًا:
أنا لازم أكفر عن ذنبي... ولازم سيرين وهدى يسامحوني.
في الصباح التالي، نظر مطولًا لباب غرفتها المغلق. فقد ظن أنها ستتمسك بعنادها وتخرج، ولكنها بغرفتها ولم تخرج منها. تلكأ كثيرًا حتى الساعة التاسعة قبل أن يغادر.
جلس إلى مكتبه وقد احتقنت ملامحه بالغيظ.
دخل إليه زين بابتسامة واسعة:
شفت مؤشرات الإنتاج يا حمزة؟
هز حمزة رأسه باقتضاب:
آه.
قطب زين جبينه قائلًا:
طيب أمال مكشر ليه... ده أنا قلت هدخل ألاقيك بتتنطط من الفرحة.
زفر قائلًا:
مش مكشر يا زين... بالعكس الحمد لله.
جلس زين ونظر إليه:
طيب مالك يا حمزة...؟
مفيش يا زين.
تطلع زين إليه بمكر:
يعني مش متخانق مع المدام مثلًا؟
أشاح حمزة بوجهه:
بقولك إيه يا زين أنا مش رايق لهزارك.
ومين قال إني بهزر... التكشيرة دي تكشيرة خناقة. نظر إليه وتابع: ها... زعلتها في إيه؟
فرك حمزة وجهه بعصبية وهو يخبر زين بما حدث ليقول أخيرًا:
وهي فاكرة لما هتكسر كلامي هتطبطب عليها... تزعل ولا تتفلق حتى.
رفع زين حاجبه وكتم ضحكته على غيظ صديقه ليقول:
بالراحة يا حمزة... الموضوع مش مستاهل... ولا هي ردت عليك؟
أشاح بوجهه:
ولا ردت ولا حاجة.
نظر إليه زين بعدم تصديق:
سكتت؟
أومأ له ليتحدث نفسه بأن صمتها هذا ما ضايقه.
يومان وكلاهما ما يزال على نفس الحالة. هو يعاند وهي صامتة، وقد أدركت أنه يكره صمتها ويغتاظ منه، لذا قررت أخذ حقها بتلك الطريقة. تظل نائمة حتى ذهابه لعمله، وتجلس بغرفتها ما أن يقارب موعد عودته بالمساء. فكرت بمعاندته والذهاب لعملها ولكنها لم تجد بداخلها الرغبة في مشاجرة أخرى. تنظر يوميًا لباب غرفتها متوقعة منه أن يدخل إليها ولكنه لا يفعل مما زاد من عنادها.
في المساء التالي، عاد مبكرًا عكس عادته لترتبك سيرين التي كانت جالسة تشاهد التلفاز بغرفة المعيشة.
أغلق الباب بهدوء وتوجه إليها، فها هو يرى ملامحها التي اشتاق إليها خلال اليومين الماضيين حتى وإن عاند.
مساء الخير.
أطفأت سيرين التلفاز وخطت إلى غرفتها بصمت دون قول شيء، ليمسك حمزة بذراعها يوقفها وقد أغضبه تجاهلها له ليقول:
لما أكلمك تردي يا سيرين.
نزعت ذراعها من يده ونظرت إليه بغضب قائلة:
مش عاوزة أرد عليك... أنا حرة.
لا مش حرة.
هتفت بعناد:
لا حرة... وأنا مش عاوزة أتكلم معاك.
رفع حاجبه:
بقى كده؟
أومأت له بتحدي:
آه كده... مش المهم إني أنفذ أوامرك عشان مكونش بستغفلك... أفتكر إني بعمل كده ومش بخرج من البيت... أتكلم أو ما أتكلمش أنا حرة ولا دي كمان هتتحكم فيا فيها؟
أفلتت نبرته المعاتبة:
أنا مش بتحكم فيكي... أنا قلقت لما اتأخرتي كده من غير ما أعرف مكانك.
رفعت عينيها إليه ليهز رأسه ويكمل بهدوء:
جايز اتعصبت عليكي شوية زيادة بس ده من قلقي.
أشاحت بوجهها عنه واستدارت لتنصرف ليوقفها بنبرة عالية ممزوجة بنفاذ صبره:
وآخرة اللي بتعمليه...
التفتت إليه وقالت ببرود استفزه:
وأنا بعمل إيه... أنا في حالي وأنت خليك في حالك.
أمسكها من ذراعها:
دي مش طريقة عيشة على فكرة.
رفعت وجهها إليه وقذفت بها الحقيقة:
وهو إيه الطبيعي في العيشة اللي بينا... عمر ما هيكون بينا عيشة طبيعية.
احتقن وجهه بالغضب قائلًا:
ليه؟
عشان أنت عمرك ما هتنسى اللي هي عملته فيك ولا اللي أبويا عمله... هتفضل تذلني.
نظر إليها والخجل يملأ قسمات وجهه ليقول بنبرة هادئة:
أنا ما قصدتش... كانت لحظة عصبية... قلقت عليكي.
قصدت أن تجرحه ببرودها كما جرحها لتقول:
وتقلق عليا ليه... أنت المفروض بس تقلق مني... عشان أنا أخت وبنت اللي خانوك وسرقوك.
أسرعت تفر إلى غرفتها من أمامه لتنفلت دموعها فكم هو مؤلم أن تبعد نفسها عنه وتصده بتلك الطريقة، ولكنها مضطرة فهو أوضح لها كثيرًا أن صورتها بعينيه لم تتغير حتى وإن تغيرت معاملته لها ستظل أخت سيدرا وابنة هشام. لقد قالها بلسانه لن يثق بها يومًا، فهل تطمع أن يحبها...؟ ربما كالمرة السابقة هو يشعر بالشفقة عليها لا أكثر... ولكن لا توهم نفسها بالمزيد.
جلس حمزة على طرف فراشه يكور قبضته بغضب... فكم كان جارح كلامه لها... للمرة الألف راجع ما حدث بينهما...
إنها جاءت إليه بفكرة أنقذت شركته وهو من لذعها بسم كلماته وهو يضع الماضي نصب عينيه... إنها بدأت تتجاوب مع حياتهما وهو من أفسد هذا حينما شك بها بالرغم من أنه كان يمكن أن يستمع إليها... ولكن غيرته الهوجاء المجنونة هي ما أفسدت هذا... نعم هو لا ينكر ويعترف أن مجرد نطقها أنها كانت عند خالتها كل ما جال بخاطره هو ابن خالتها ليستشيط غضبًا وتنفلت أعصابه ويقول كل تلك الكلمات لينفي تهمة الغيرة عنه... يغار...؟! نعم يغار...؟! سحب نفسًا طويلًا من سيجارته بينما يهز رأسه... لا يغار... ولماذا يغار...؟ إنها زوجته وهو من حقه أن يعلم مكانها... هذا هو فقط... ولكن لا... لا... كذاب يا حمزة... أنت عمرك ما عملت كده...
نعم محق، لم يشعر بتلك النيران الغيورة على أحد من قبل ولا حتى سيدرا. تلك النيران التي استعرت من مجرد نظرة طارق لها... من ملابسها... من حديثها عن زملائها... من ابن خالتها... لا، إنه يغار... ليعترف بهذا ويضم هذا الاعتراف لاعترافه السابق أنه لا يتوقف عن التفكير بها، وأنه كلما نظر إليها تغلغلت تلك المشاعر القوية التي ترغب بها بجسده وكيانه وعصفت به!
كلما نظر إليها يحدث نفسه أنها امرأته، وهو يريدها ويريد أن يمتلكها ويوشمها باسمه!
توقف تفكيره حينما تعالى ناقوس الخطر برأسه، فالطريق المؤدي من تلك الاعترافات هو طريق واحد... إنه يحبها؟!
ولكن هل يقع بحب... ابنة هشام وأخت سيدرا؟!
كذب عقله وقلبه بأنه لن يقع... وهو متأكد أنه بالفعل غارق حتى أذنيه!
تعالت الأصوات المهللة فرحًا بينما وقف حمزة وسط العاملين بمصنعه يعلن عن صرف مكافأة لهم بمناسبة شهر رمضان.
قال حمزة: كل سنة وأنتوا طيبين.
رد العاملون: وأنت طيب يا حمزة بيه... ربنا يبارك لك.
قال حمزة: متشكر... وأي حد له طلبات يطلبها فورًا.
تعالت مجددًا الأصوات ليبتسم بسعادة وهو يسير على نهج والده، فحتى إن كان لا يمتلك الكثير كما حاله الآن، وأنه بحاجة لكل قرش، إلا أن تلك الدعوات هي الأهم.
جلس إلى مكتبه يتابع بعض مؤشرات البورصة لأسهم مصنعه الجديد التي طرحها منذ عدة أيام ليبتسم برضى.
دخل إليه زين وما زال يرمقه بنظراته غير الراضية، ليقذفه حمزة بالقلم: هتفضل مكشر كتير يا بخيل؟
قال زين باستنكار: أنا بخيل؟
أومأ له حمزة: أيوه بخيل... يا راجل ده شهر واحد في السنة، مستخسر حتة مكافأة في الناس اللي بتشتغل معانا.
هز زين كتفه: مش مستخسر ولا حاجة يا حمزة... بس إحنا ظروفنا مش زي الأول، وأنت لازم تعرف كده.
هز حمزة رأسه: أنا مش عارف حاجة غير اللي أبويا علمه لي... وبعدين مش الـ ٥٠٠ ألف دول اللي هيفرقوا معانا.
تنهد زين قائلًا: ماشي يا حمزة... أهو مالك وأنت حر فيه.
ضحك حمزة حتى دمعت عيناه لينظر إليه زين بدهشة، بينما قال حمزة بسخرية ضاحكة: مالي... ضحكتني يا راجل... ما أنت عارف اللي فيها، ده أنا عليَّ ديون لو بعت نفسي مش هسددها.
هز زين رأسه وقد أوجعه قلبه على صديقه ليقول بتشجيع: ما تقولش كده... أنت قدها، وبعدين ما تقلقش إن شاء الله ربنا هيقف معانا وهنسدد الديون ونرجع أحسن من الأول.
قال حمزة بأمل: يا رب يا زين... أنا كل اللي بحلم بيه المصنع يشتغل وأسدد دفعات القرض في ميعادها.
قال زين: إن شاء الله.
بعد قليل تعالى رنين هاتفه لتقول نبيلة بحب: كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.
ابتسم دون إرادته، فحتى إن أراد أن يقسو فتلك المرأة حنون وتحبه: وأنتِ طيبة يا حجة.
قالت نبيلة: اعمل حسابك هتفطر معانا أول يوم أنت ومراتك.
قال حمزة: لا... معلش اعفينا.
قالت نبيلة: ما فيش أعذار... أنا مش هفطر ولا أحط لقمة في بقي غير وأنت قاعد معايا على السفرة.
قال حمزة: مش هينفع عندي شغل كتير.
قالت نبيلة: ما تتججش يا ولدي بالشغل... هتجي يعني هتجي.
قال حمزة: طيب سيبيها لظروفها.
قالت نبيلة: أنا قلت كلمتي... ورحمة أمك ما تكسر بخاطري.
فكر كثيرًا طوال الليل في حل لمعضلته الصعبة معها... فكل إنش بكيانه يطالبه بقربها ما عدا عقله المتشبث بالماضي.
وحينما لم يصل لحل ليتفق قلبه مع عقله، قرر أن يريح تفكيره على الأقل ويطلب هدنة... هدنة من كل شيء ما عداها... فعلى الأقل ليفكر أنه سينفذ كلمته بأنه لن يكون سبب حزن أو ألم لها.
وفي اليوم التالي... كان يخطو أول خطوة.
فتحت سيرين عينيها على تعالى صوت ذلك الرنين المزعج... لتعتدل جالسة تنظر حولها بحثًا عن مصدر هذا الصوت... أين يرن هذا الهاتف بلا انقطاع؟
سارت خلف الصوت لتجد ذلك الهاتف يرن على الطاولة، ولكن قبل أن تتناوله اجتذب نظرها الورقة بجواره.
والتي تضمنت بضع كلمات بخط كبير: (المرة دي جبته أسود يا رب يعجبك).
لم تستطع السيطرة على تلك الابتسامة التي بزغت من وسط غيوم قلبها لتجد نفسها تتطلع إلى تلك الورقة وتقرأها مرات ومرات، متجاهلة رنين الهاتف الذي أجبرها على أن تفيق وتجيب عليه أخيرًا ليأتيها صوته بنفاذ صبر فقد خشي أن لا تجيب.
قال: التليفون عجبك؟
أخفت ابتسامتها وكأنه يراها لا يستمع إليها وهي تقول باقتضاب: مش عاوزة حاجة منك.
قال: ليه؟
هتفت بسخرية أضحكته: عشان كلها كام يوم وتكسره.
ضحك ضحكته الرجولية قائلًا: ده واضح إنك ناوية تستفزيني تاني.
ظلت صامتة وكأن لسانها أصبح عاجز عن النطق أمامه... وكيف تنطق وتنساق خلف تلك المشاعر التي تولدها كلماته بها وتتعلق بالأمل؟
تعالى رنين جرس الباب ليأتيها صوته: مين؟
قالت سيرين: مش عارفة.
قال: طيب شوفي مين وأنا معاكي.
أومأت له بطاعة لم يعهدها بها... تسمرت قدماها بينما وجدته أمامها بتلك الطلة الآسرة.
قال: كل سنة وأنتِ طيبة.
لا... هذا أكثر من احتمالها... هل هو من يحمل لها تلك الهدية المتمثلة بفانوس رمضان؟
سحرته تلك الابتسامة التي أشرقت بها غابات عيونها الجميلة بينما ظلت واقفة أمامه بعدم تصديق... كاذب إن قال إنه لم يغرق بحب تلك الفتاة... كاذب... كاذب فهو يعشق تلك العيون التي تمتزج ببراءة وشراسة... براءة طفلة سعيدة بفانوس رمضان وشراسة امرأة عذبته بعنادها وبسحرها!
أعاد كلماته وهو يبتسم ابتسامته الحلوة التي قلما تراها: باقول كل سنة وأنتِ طيبة.
حاولت أن تخفي تراقص دقات قلبها وهي تقول باقتضاب: وأنت طيب.
أشار لها بالفانوس لتنتزعه من يده وتنظر إلى ذلك الفانوس بحب، فكم هو ماكر لعب على أوتار الأنثى!
دخل خلفها وأغلق الباب وابتسامة واسعة على شفتيه بينما تطالع هذا الفانوس بتلك النظرات التي تتقافز بداخلها السعادة.
حسنًا، لا يستطيع رفض طلب قلبه ليجد نفسه بلحظة يضمها إليه... تخبطت وقاومته في البداية ولكنها مثله رفضت ألا تستجيب لنبضات قلبها.
سكنت بين ذراعيه بضع لحظات ليثير عاصفة بكيانها ما أن شعرت بشفتيه تطبع تلك القبلة المطولة فوق خصلات شعرها بينما يهمس: آسف... ما تزعليش.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رونا فؤاد
سكنت بين ذراعيه بضع لحظات ليثير عاصفة بكيانها، ما أن شعرت بشفتيه تطبع تلك القبلة المطولة فوق خصلات شعرها بينما يهمس:
"آسف، ما تزعليش."
لحظات دار الكون من حولها، لا تستوعب ما يحدث ولا تلك السعادة التي غزت قلبها وكيانها بعد ما فعله من أجلها. لحظات سكن قلبها بين ذراعيه قبل أن ينتفض من بين ضلوعها حينما شعرت بأنفاسه الساخنة تقترب من وجنتيها لتتخبط صور وذكريات بعقلها جعلتها تنتفض من بين ذراعيه وتدفعه بعيدًا عنها، وقد تشتت نظرات عيونها بمزيج من الخوف والألم الذي أفسد تلك اللحظة، فهي لن تنسى أبدًا اقترابه منها بتلك الطريقة، والتي كلما اقترب منها يوقظ بداخلها تلك الذكريات السيئة.
قطب حمزة جبينه حينما ابتعدت عنه بتلك الطريقة ليقول بتساؤل:
"في إيه يا سيرين مالك؟ أنت لسه زعلانة مني؟"
لا تعرف حقًا ماذا يمكنها أن تقول. فجأة انمحى من داخلها كل ما حدث منه قبل عدة أيام، كما انمحى كل ما فعله منذ أول لقاء بينهما. نست كل شيء، ضربه، إهانته، كل ما فعله. إلا تلك الليلة السوداء أبدًا لا تستطيع تجاوزها. وكما لا تستطيع تجاوز ذكريات تلك الليلة، كما أنها لا تريد التحدث عنها. فقط تريد دفنها بعميق ذاكرتها، ولكن دون إرادتها حينما اقترب منها اختلجت نبضات قلبها خوفًا من تكرار ما حدث.
شعر حمزة بما اختلج قسماتها، يدرك أن ما حدث بينهما كما قالت من قبل لا يوجد به شيء طبيعي. فهو منجذب إليها لا ينكر هذا، ولكنه لا يستطيع الاستسلام لهذه الأحاسيس. لا يريد أن يرى الحزن في عيونها، ولكن ماذا يفعل إن كانت الخيوط التي تجمعها بعائلتها دون إرادته ستجرحها وتؤلمها.
حمحم لينقي صوته بينما سحب نفسًا مطولًا قبل أن يقول وهو يتطلع إليها:
"على فكرة أنا مش وحش قوي يا سيرين، أنا بس اللي حصلي هو اللي كان وحش، ووحش قوي كمان."
رفعت عيناها إليه لينظر إليها ويكمل بنبرة نادمة:
"طبعًا ما فيش مبرر لكل اللي عملته فيك، وعارف إنك مظلومة، وإني من أول ما دخلت حياتك ما قدمتش ليك حاجة غير الأذية. بس أنا كمان اتظلمت، اتظلمت واتأذيت بإيد عيلتك، وما كانش قدامي غيرك آخد حقي منه."
أخفض عيناه وهو يهز رأسه ويكمل:
"منتهى الجبن وعدم الرجولة إني استقويت عليك، وأخذت حقي منك بالطريقة دي. بس غصب عني، ما كنتش شايف ولا عارف أفكر. كل اللي كنت حاسس بيه نار الظلم اللي اتعرضت له."
فرك وجهه بانفعال وانفلتت مكنونات صدره التي كبحها طويلًا بداخل أعماقه:
"صعب قوي علي إني أتخدع بالطريقة دي. صعب علي شقا عمر أبويا يضيع في لحظة بسبب ثقتي فيها. صعب إن الست اللي كانت بتنام في حضني تعمل في كده، واللي وجعني أكثر منها هو هشام. سنين بيشتغل معايا ومن قبلي مع أبويا. يغدر بي بالطريقة دي ليه؟ قصرت معاها في إيه؟ وهو خان ثقتي ليه؟"
"شهور وأنا مرمي في السجن والأسئلة دي بسألها لنفسي مئة ألف مرة كل يوم وأنا مرمي مع المجرمين. طيب هي واحدة طماعة اتجوزتني عشان فلوسي. هشام بقى باع سنين العشرة ليه؟ ليه عمل في كده؟ وليه سمح لها إنها تعمل في كده؟ ليه أداها السكينة اللي دبحتني بها؟"
ازداد انفعال نبرته بينما غصت الذكريات حلقه لتتفاجأ به يفتح أزرار قميصه ويجذب يدها بقليل من القوة جعلتها تتراجع للخلف بخوف قبل أن يضع يديها على ذلك الأثر البارز بصدره ويسألها:
"عارفة ده إيه؟"
نظرت إليه بعيون لمعت بها الدموع وعزت رأسها ليقول:
"ده أول جرح أخذته لما قلبي وقف في الحادثة." تهكمت ملامحه بسخرية مريرة: "الحادثة اللي أنا فرحت إنها كانت مدبرة عشان فلوس التأمين هتسدد شوية من ديوني. الحادثة اللي راح فيها محمود الشاب الصغير اللي ما لحقش يفرح بابنه بسبب طمع واحدة شيطانة ما لهاش وصف زيها. واحدة خططت عشان تقتل جوزها."
شهقت سيرين ووضعت يدها على فمها بينما لا تستطيع تصديق أن أختها قد تكون سببًا بذلك الحادث. هزت رأسها مرارًا بعدم تصديق، ربما طماعة ولكن قاتلة؟ لا، لا.
هز رأسه وتهكمت ملامحه:
"مش مصدقة؟"
أومأ لها وسحب نفسًا عميقًا:
"ليك حق ما تصدقيش. إذا كنت أنا نفسي مش مصدق إن في واحدة بالقذارة دي."
خانتها عيونها الباكية لتنزل تجاه صدره العاري بينما برز ذلك الشق بجوار قلبه لتزداد دموع عيونها انهمارًا بينما رأت الأثر الذي لم تتردد هي الأخرى في تركه له بصدره حينما غرزت به تلك السكين.
رأى نظراتها المتألمة ليمد يداه فجأة يدفنها بخصلات شعرها ويجذبها إليه ويسمح لدمعة عصية لمعت بعيونه بالنزول بكبرياء بينما يقول وهو يمسك بيدها يضعها فوق أثر جرحه الذي تركته:
"الجرح ده أنا أستاهله ولازم يفكرني باللي عملته فيك والظلم اللي ظلمته ليك. بالضبط زي جرحها اللي هيفضل محفور في وعمري ما هنساه."
هز رأسه وأكمل بأسى:
"للأسف يا سيرين حتى الجرح اللي أنا حبيته منك جنبه الجرح اللي عيلتك سابته لي. غصب عني مش بسهولة هنسى، وغصب عني كل ما هقرب منك هوجعك وأجرحك لما أفتكر إن هما عيلتك."
ارتجفت شفتاها التي تبللت بدموعها، فها هو يخبرها بالحقيقة التي لا هروب منها، وكم يموت قلبها رعبًا أن ينطق بالفراق بعد تلك الحقيقة التي نطق بها.
"سيرين."
ناداها بنبرة صوته الحنونة ليرفع ذقنها إليه وينظر لتلك الغابات التي تاه في غياهبها بينما أكمل:
"أنت بقيتي مهمة قوي في حياتي، وأنا ما أقدرش أستغنى عنك."
"بالرغم من كل اللي قلته ليك عن كرهي لعيلتك واللي عملوه في، بس مش عارف أكرهك ولا أبعد عن طريقك. حاولت أبعد بس ما بقيتش عارف، وحاليًا مش عاوز أفكر في أي حاجة ولا أي سبب للمشاعر المتلخبطة جواي دي."
نظر لأعماق عيونها وتابع بنبرة راجية:
"خلينا ننسى الواقع شوية ونفتكر بس إننا الاثنين بقينا في طريق بعض. هنسى إنك بنته، هنسى شوية ومش هفكر في أي حاجة، وأنت كمان حاولي تنسي كل اللي فات مع إني عارف إنه صعب. لو عرفنا نعيش ونكمل هعرف وقتها إن في سبب يخليني عاوزك في حياتي."
غص حلقها وارتجفت شفتاها بالسؤال:
"ولو ما عرفناش؟"
هز رأسه ونظر إلى عيونها:
"هنعرف! أنا ما بقيتش أعرف أعيش يوم من غيرك."
قالت بصوت مختنق:
"ليه؟"
"إحنا مش قلنا بلاش أسئلة ولا تفكير في أسباب؟"
انسابت دموعها بوجع:
"بس في سبب."
نظر إليها قائلًا:
"يعني لو سألتك عن السبب اللي مخليك باقية معي لغاية دلوقتي بعد كل اللي عملته فيك هتقولي لي؟"
خفضت عيونها فلا تستطيع أبدًا الإقرار بهذا الحب الذي كما قال بلا تفسير أو سبب. ليتنهد قائلًا:
"أنا كمان مش عاوز أفكر في إجابات للأسئلة دي."
لانت نبرته وهو يتطلع إليها بينما يقول:
"سيرين، أنا بحب أتكلم معاك، بحب أشوفك كل يوم، بحب لما بستفزك، حتى لسانك الطويل بقيت بحب أسمع أي حاجة بيقولها. عنيك الحلوين وشعرك اللي هيجنني. كلك على بعضك مجنناني من يوم ما شفتك. شبر ونص بس قدامك بتلخبط ومش ببقى عارف أي حاجة. كل اللي قلته ده أنا عارفه وبعترف بيه بس برضه مش عارف له سبب، وحاليًا مش عاوز أعرف أسباب. أنا وعدت نفسي قبل كده إني مش هأذيك ولا أضايقك وغصب عني عملتها. المرة دي بوعدك إني هحاول ولا أذيك ولا أضايقك. أنت مش زي أي بنت شفتها ولا عرفتها، عشان كده هسألك تقبلي الهدنة دي وتمشي معي الطريق من غير ما تسألي إيه آخرته."
انسابت دمعتان من عيونها فهي تحبه بل تعشقه، وكل ما نطق به جعلها تعترف بتلك الحقيقة، ولكن الحقيقة من لسانه موجعة مؤلمة، كيف نطق بالحقيقة العارية أمامها وهي أنه لا يستطيع أن ينكر مشاعره نحوها، وكذلك لا تستطيع تلك المشاعر جعله يتجاوز ما فعلته عائلتها به. لقد وضع حيرته وأفكاره أمامها وكأنه ينزل الحمل من فوق صدره الذي احتمل الكثير من الجروح ليضعها بداخل صدرها، صدرها الذي أجاش بحبه ووافق على أي طريق طالما هو موجود به.
رفع ذقنها ينظر لعيونها يسألها بنفاذ صبر:
"موافقة يا سيرين؟"
هزت رأسها لتتهادى ابتسامة عذبة لشفتيه جعلتها تريد أن تمحي من داخله كل الحزن الماضي ولا تبقي على شيء سوى تلك الابتسامة.
ضمها إليه لتغمض عيناها وتترك لآخر دموعها العنان، فهي مغامرة وستقبل أن تغامر بالرغم من أنها تغامر بقلبها. أخبرت نفسها برهانها الخطير، أنه إن أحبها سينسى ويتجاوز وستستحق وقتها الفوز بقلبه، وإن لم يحبها سيدمي قلبها، ولكنها لن تكون عاشت وقتها تتساءل عن ماذا كان يمكن أن يحدث إن وافقت أو رفضت. قبلت عرضه فهي طالما عرفت أن الحب يفعل المعجزات. ربما لا تكون واثقة بتلك المقولة مئة بالمئة، ولكنها أصبحت تثق بالذي ترقد رأسها فوق دقات قلبه.
أغمض عيناه ولا يعرف كيف استطاع أن يؤلمها بتلك الأنانية. كيف يطلب منها أن تكون معه وهو لا يريد الاعتراف بحبها؟ كيف يكون أنانيًا ويخبرها أن لا نهاية واضحة لطريقها معه؟ الحب جنون وتملك وأنانية، وهو وصل حد الجنون والتملك والأنانية بما طلبه منها، ولكن من قال إن موافقتها ليست بأقصى حدود الجنون الذي جعل قلبه يتشبث بها أكثر. إن كانت ستغفر وتنسى فهو لن يكون بأقل منها مغامرة، فليحاول إذن أن. صمت تفكيره وكأنه أصيب بالشلل. أبدًا لن يستطيع أن ينسى أو يغفر أو على الأقل أن يكذب على نفسه ويقول إنه سيفعل. لا لن يغفر ولن ينسى وسياخذ حقه. ولكن إن كان سينسى شيئًا هو أن تلك القابعة بين ذراعيه والقابعة بين طيات قلبه أن لها علاقة بهم. هذا ما سيعد نفسه به. ينسى أنها تنتمي لتلك العائلة.
نظر هشام لإياد بتوتر ليومئ إياد له قبل أن يفتح الباب ويدخل وخلفه هشام والخزي والندم يتشعشع بملامحه. تسمرت هناء مكانها وقطبت جبينها:
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
قال إياد:
"ماما لو سمحت، أونكل هشام عاوز يتكلم مع خالتو."
هزت رأسها برفض قاطع:
"يتكلم معاها في إيه بعد اللي عمله؟"
قال هشام بنبرة خفيضة:
"أنا عارف إني غلطت يا هناء، بس غصب عني، الشيطان لعب بي."
قالت هناء باشمئزاز:
"ده ما فيش شياطين غيرك أنت وبنتك."
هز رأسه:
"ما كنتش أعرف كل اللي بتخطط له."
زمت هدى شفتيها بغضب حينما خرجت من غرفتها واستمعت له لتهدر به:
"أمال كنت عارف إيه؟ كنت متوقع إيه من بنت نادية بعد اللي عملته أمها فيك من سنين؟"
قال بانكسار:
"غصب عني يا هدى، والله غصب عني."
"ما تجيبش سيرة ربنا على لسانك."
"اسمعيني يا هدى وبعدين احكمي."
"أنا مش عاوزة أسمع منك حاجة. كفاية اللي جرى لي أنا وبنتي من تحت راسك."
نظر إليها هشام برحاء ليقول إياد:
"عشان خاطري يا خالتو اسمعيه. أونكل هشام غلط لما لعبت سيدرا بدماغه إنه يزور تقرير الضرايب ويمضي حمزة عليه، بس ما كانش يعرف إنها كانت ناوية تعمل كل ده. ما حدش جاء في دماغه خطتها دي أبدًا."
قال هشام برجاء:
"اديني فرصة يا هدى وأنا هحاول أصلح اللي عملته."
أفلتت ضحكتها حينما استيقظ حمزة للسحور بتلك الهيئة. شعره مبعثر فوق جبينه، عيناه نصف مغلقة وجبينه مقطب. لتشاكسه قائلة:
"يا ساتر إيه المنظر ده؟"
نظر إليها بطرف عيناه الناعسة وألقى الهاتف بجواره على الطاولة التي تتوسط المطبخ قائلًا بصوت أجش من أثر النوم:
"بتتصلي بي عشان تصحيني؟"
هزت كتفها وتابعت تجهيز الطعام:
"أمال عاوزني أصحيك إزاي؟"
"زي البني آدمين تدخلي تنادي علي وتصحيني، مش تتصلي خمسين مرة تزعجيني بصوت التليفون."
هزت كتفها واستدارت لتكمل تجهيز السحور بينما تقول:
"وأنا أدخلك ليه وأنت نايم؟"
لا طبعًا، انحبست أنفاسها وسقطت الملعقة من يدها حينما بلحظة وجدته خلفها، بينما لمع المكر بعيونه وقد استفاق من مشاكساتها.
وهتف: وفيها إيه لما تدخلي لي؟
ابتلعت لعابها وهربت من عيونه العابثة بينما تعالت دقات قلبها، وهرب لسانها كعادته مؤخرًا أمامه ليبتسم بعبث بينما احمرت خدودها خجلًا.
وقال: ده شكل القطة أكلت لسانك.
زمت شفتيها بغيظ ودفعته قائلة بحنق:
أنا غلطانة إني تعبت نفسي ووقفت أجهزلك الأكل وكمان صعبت عليّ تصوم من غير ما تتسحر وصحيتك.. بس آخر مرة أصحيك ولا أعبرك بعد كده، ابقي اصحي لوحدك.
ضحك عاليًا ضحكته الرجولية قائلًا:
ده ولا ألف قطة تقدر على لسانك.. اتحولتي فجأة كده ليه؟
غمز لها بمكر:
ما كنا من شوية بنات رقيقة ومكسوفين، فجأة قلبتي هولاكو.
اقترب منها أكثر بينما التوت شفتيه بالمكر وهو يتابع:
كل ده عشان قلت عاوز أصحى على صوتك بدل صوت التليفون المزعج.
اندفعت الدماء مرة أخرى لوجنتيها تصرخ بين نفسها:
لا لا، كيف باستطاعته فعل الأفاعيل بها بمجرد كلمة؟
ابتسم ومد يديه إلى وجنتيها الملتهبة خجلًا يلمسها قبل أن يطاوع رغبته ويطبع تلك القبلة على وجنتها.
تزلزل وجدانها حرفيًا، وكما اختفى لسانها اختفت إرادتها لإبعاده لتتوقف مكانها متسمرة وقد احتقن وجهها بالحمرة بينما شعرت بشفتيه تلامس وجنتها بتلك الرقة.
أولته ظهرها سريعًا بارتباك حاولت إخفاءه بينما تظاهرت بإكمال إعداد الطعام لتتسع ابتسامته وعيناه تتابعها باهتمام.
يرى ارتباكها مهما حاولت إخفاءه، يقتله خجلها ويجعله يريد أن يأخذها بين ذراعيه مرة أخرى ولكنه يخشى أن يخيفها منه، فهو أدرك أنه كلما اقترب منها تتذكر ذلك اللقاء القاسي بينهما.
هتفت بحنق:
أنت هتفضل قاعد كده؟
خرج من تفكيره على صوتها وقطب جبينه بتساؤل لتزجره:
قوم جهز معايا.
ضحك عاليًا فهي لا تستطيع أن تحيا دقائق هادئة.
***
في اليوم التالي، كان عليهم التحرك صباحًا إلى منزل عائلته بعد أن رحبت بقبول دعوتهم على الإفطار.
قطب جبينه وهو يشير إلى ما ترتديه:
إيه ده؟
وضعت نظاراتها الشمسية فوق شعرها تتساءل ببراءة مزيفة بينما هي تعلم أن فستانها الصيفي قصير ولكن ماذا تفعل والجو حار بتلك الطريقة:
إيه؟
سحب نفسًا مطولًا، فأول يوم بالصيام ليس بحاجة لها لتستفزه:
سيرين، أنتِ عارفة أنا بتكلم على إيه؟
هزت كتفها متظاهرة بعدم الفهم:
لا.. ويلا عشان ما نتأخرش.
قال من بين أسنانه:
يبقى تدخلي بسرعة تغيري اللي أنتِ لابساه.
هزت رأسها:
لا طبعًا أنسى.. أنا خلاص جهزت.
أجابها:
أنتِ اللي تنسي إنك تنزلي كده.
هزت كتفها بنبرة هادئة تحاول إقناعه:
وفيها إيه.. أنتَ بزنس مان والمفروض أوبن مايند عن كده.
زفر بنفاد صبر:
أنا ولا أوبن مايند ولا زفت.. أنا راجل متخلف ورجعي وما أحبش مراتي تلبس كده.. اتفضلي ادخلي غيري.
طرقت الأرض بقدمها:
أوف بقى.. مش ها غير.
هتف بنبرة عالية:
أوف في عينك.. اسمعي الكلام ويلا ادخلي.
طوال الطريق وهي مقطبة جبينها وتهز قدمها بعصبية، فهي مغتاظة من نفسها أكثر منه لأنها رضخت لهذا التحكم من جانبه.. لا، لم ترضخ.. هي فقط تنازلت لعدم افتعال مشكلة.. هذا ما أقنعت نفسها به.
كان الطريق طويل فتململت سيرين ولم تستطع الثبات على صمتها طويلًا فقالت:
أنا زهقت ما تتكلم.
التفت إليها قائلًا:
أتكلم أقول إيه؟
هزت كتفها:
أي حاجة.. أنا مش بحب أسكت.
أجابها:
طيب اتكلمي أنا سامعك.
قالت:
لا اتكلم أنت.
أجابها:
لا عندي صداع..
نظر إليها بطرف عينه وتابع:
أصل في واحدة ناهدت معايا الصبح كثير فصدعت.
نظرت إليه بغيظ وتبرطمت:
أحسن.
التوت شفتيه بابتسامة بينما يلهي نفسه بالطريق أمامه، فلولا أنه صائم لما كان توقف عن إسكات تلك الشفاه التي تغريه منذ الصباح!
***
وصلت السيارة أمام تلك البوابة الحديدية الضخمة التي انفتحت على مصراعيها ووقف على جانبيها عبد الحميد وشريف ورجال يرحبون بهم.
ما إن أوقف السيارة أسفل تلك الدرجات الحجرية الضخمة بالباحة الواسعة حتى اندفعت نبيلة تنزل تلك الدرجات بترحيب وابتسامة واسعة ليجد حمزة نفسه بين ذراعيها.
قالت: نورت يا غالي.. نورت بيت عيلتك.
بعد أحضان كثيرة وجدت نفسها هي الأخرى بين ذراعي نبيلة ترحب بها:
يا هلا.. يا هلا.
صافح حمزة خاله وجده:
كل سنة وأنت طيب يا ولدي.
لحظات وظهرت بعض النساء خلف نبيلة لتعرفهم بسعادة:
تعالي يا حياة شوفي حمزة كبر إزاي.
التفتت إلى حمزة:
خالتك حياة.. أكيد أمك الله يرحمها كلمتك عنها.
أومأ لها حمزة لتجذبه خالته الكبرى في حضنها بحنان.
قالت: دول بنات خالتك.. ريهام.. وريحان.. ورنا.
صالحهم حمزة وكذلك سيرين لتتابع نبيلة:
دي مرت خالك هادية.. ودول بنات خالك سارة وسمر.
صافحهم حمزة وسيرين أيضًا لتتابع نبيلة بابتسامة واسعة تعريف حمزة بعائلته بعد تلك القطيعة الطويلة، بينما لم يجتذب ذهن سيرين سوى كل تلك الفتيات أقاربه.. بنات.. بنات.. هو العيلة كلها بنات؟
زمت شفتيها وعضت عليها تحاول التمهل وتُبين ما يشتعل بداخلها منذ أن رأت بنات خالته وبنات خاله وكلهم فتيات جميلات للغاية.
خرجت من شرودها على يد حمزة يمسك ذراعها برفق ليدخلوا المنزل سويًا.. نظر حمزة بجنبات هذا المنزل الذي طالما حدثته أمه عنه حينما كان صغيرًا.. لم تكن نادمة أنها تركته ولكنها كانت تحب أن تتفهم عائلتها اختيارها!
كانت نبيلة جالسة بجوار حمزة والفرحة لا تسعها وكذلك عبد الحميد مهما حاول الاحتفاظ بجمود ملامحه فهو حفيده الوحيد وابن بنته الغالية التي طالما كان لها مكانة في قلبه كونها الصغرى المدللة!
دخل شريف قائلًا:
الدبايح جاهزة يا حاج.
هز عبد الحميد رأسه ونظر إلى حمزة قائلًا:
يلا يا ولدي تعالَ معي نقف مع الرجال على الدبايح وسيب مرتك مع الحريم.
أومأ له حمزة لتنظر إليه سيرين بتوجس ليهمس لها بمرح:
مش هياكلوكي.. هما صايمين.
أفلتت ضحكتها لتنظر إليها الفتيات ثم إلى حمزة لتعود تلك النيران تناغش قلبها!
ابتسمت حياة وفتحت الحديث بعد انصراف الرجال:
يا زين ما اختار حمزة.. حلوة وزي القمر.
ابتسمت لها سيرين لتبدأ بينهما أحاديث متفرقة زالت الكثير من التوتر بينهم.. أحبت الألفة بين عائلته وقضت ساعتين منهمكة في الحديث معهم بلا توقف، وكم أحبت تلك الفتيات أيضًا لتتجاذب الحديث بينهم.. منهم من ما زالت بالجامعة ومنهم من لم تدخلها بعد، وأحبت مجال سيرين السياسة والاقتصاد.. وأخرى أنهت دراستها ولكن لا تعمل فعائلتها لا تسمح لهم بالعمل كفتيات لتتدخل نبيلة قائلة:
تعالي معايا يا سيرين غيري هدومك وارتاحي على ما يجي وقت الفطار.
أومأت لها لتصعد خلف نبيلة التي بطريق صعودهم صحبتها بجولة في أرجاء هذا المنزل العريق بينما تنهدت بأسى:
حمزة ولدي الغالي كان في السجن وإحنا في البيت الكبير ده مرتاحين.
زاغت عيون سيرين بأسى مماثل لتقول نبيلة:
قلبي اتخلع من مكانه لما عرفت إنه رضي يتسجن ولا إنه يلجأ لجده..
تنهدت وتابعت بابتسامة من وسط دموعها:
بس خلاص من دلوقتي إحنا عيلته وعيلتك أنتِ كمان.. ما فيش حاجة هتبعدكم عننا. جده وخاله واقفين في ضهره ومش هيسيبوه أبدًا.
ابتسمت لها سيرين لتربت نبيلة على كتفها قائلة:
اسمعي يا بنتي أنا من أول ما شفتك وقلت إنك غيرهم وإنك هتعوضي ولدي حمزة عن اللي شافه..
نظرت لعيونها وتابعت بتحذير:
إياكِ تخلفي ظني.
أومأت لها بالرغم من تهديدها ولكنها تفهمته فهي بكل الأحوال خائفة على حفيدها لتبتسم نبيلة برضى بينما تسير معها قائلة:
تعالي معايا عاوزة أديكِ حاجة.
دخلت سيرين خلفها إلى تلك الغرفة الواسعة الأنيقة ذات الألوان الكريمية والأثاث الذهبي لتتناول نبيلة تلك العباءة الحريرية الأنيقة من فوق ذلك السرير الكبير الذي توسط الغرفة وتعطيها لها:
أنا جبتها لك مخصوص.. يا رب تعجبك.
ابتسمت لها سيرين:
شكرًا بس تعبتي نفسك.
أجابتها:
ما فيش أي تعب.
ثم قالت:
يلا روحي غيري هدومك على ما الفطار يجهز.
ثم قالت:
تعالَ يا ولدي.
التفتت سيرين على صوت نبيلة لتجد حمزة واقفًا على الباب:
يلا يا ولدي ارتاحوا أنتم شوية على ما الفطار يجهز.
توقفت الكلمات في حلق سيرين التي قالت:
يرتاح فين؟
رفع حمزة حاجبه وأمسك ذراعها يوقفها عن الحديث ويبتسم لنبيلة التي قالت:
عاوزة حاجة يا بنتي؟
هز حمزة رأسه:
لا يا حجة شكرًا.
خرجت نبيلة لتنظر إليه سيرين وتهتف:
هو إيه اللي لا.. كنت هأقولها تشوف لك أوضة تانية.
ابتسم بخبث:
ومالها الأوضة دي؟
رفعت حاجبيها:
نعم؟!
شاكسها بغمزة منه:
دي حتة أوضة حلوة أوي.
قالت:
حلوة ولا وحشة.. شوفلك أوضة تانية.
رفع حاجبه باستنكار:
وده ليه بقى إن شاء الله؟
زمت شفتيها بغيظ:
إيه هو اللي ليه؟! يلا بقى امشي.
هز رأسه بمكر:
أمشي أروح فين؟
ألقى بنفسه على الفراش الوثير قائلًا:
أنا مقتول نوم وهنام.
اندفعت نحوه توكزه بكتفه:
هتنام إيه.. قوم.
فتح نصف عين يطالعها بمكر:
عاوزاني أقوم ليه.. أنا لازم أنام ومبصش ليكي كثير بخدودك اللي عاوزة تتاكل دي.
احتقن وجهها بحمرة الخجل ليتلجم لسانها وقد عرف كيف السبيل لإسكاتها!
التوت شفتيه بابتسامة ماكرة حينما صمتت وكسي الخجل وجهها ليداعب وجنتها الجميلة بظهر يديه بينما يقول:
يلا بقى قومي من قدامي عشان أنا صايم.. سيبيني أنام أحسن.
دفعته بصدره بغيظ أخفى خجلها وهي تقول:
هأسيبك دلوقتي.. بس اعمل حسابك بعد الفطار تشوفلك أوضة تانية.
لحظات وكان حمزة يغط في نوم عميق لتتحرك سيرين في الغرفة قليلًا وتعبث بهاتفها بملل قبل أن تقرر أخيرًا أن تقوم لتأخذ دوش وتستبدل ملابسها.
***
وقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها بحيرة بعد أن ارتدت تلك العباءة التي أهدتها لها جدته.. فالبرغم من أنها عباءة غاية في الأناقة وتبدو أنها باهظة للغاية إلا أن سيرين لا تعرف إن كانت تلائمها أم لا، فهي لأول مرة ترتدي مثلها.. لتفرد خصلات شعرها وتعبث بها تهندمها على كتفها غافلة عن هذا الذي فتح عينيه على تلك الحورية الخاطفة للأنفاس بدرجة كبيرة بجمالها الذي يلائم أي شيء ترتديه.. لم يستطع السيطرة على عينيه التي هامت تتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها إلا حينما دفن وجهه في الوسادة يهرب من النظر إليها ولكن كيف وقد انطبعت صورتها داخل جفونه.. تعالت دقات قلبه فها هو صوتها جاء ليكمل على إرادته:
حمزة.
لم يكن ليستعذب اسمه من قبل إلا حينما يخرج من بين تلك الشفتين.. أعادتها مرة أخرى:
حمزة.
همهم دون أن يرفع رأسه من الوسادة.
قالت له:
اصحى.
حدثها وما زال متمسكًا بحصنه المتمثل بتلك الوسادة:
صاحي.
كعادتها شفتاها لم تصمت لتناكفه وهي تقول:
ولما أنت صاحي.. ما تقوم.
قال:
حاضر هأبقى أقوم.
هتفت بإصرار طفولي:
لا قوم دلوقتي.
حدث نفسه:
ما بلاش.
زفرت بنفاد صبر وهي توكزه بكتفه:
قوم بقي.
أغمض عينيه يتمسك بإرادته:
هأبقى أقوم.
هزت رأسها بإصرار:
لا قوم دلوقتي يلا.
عشان تقولي رأيك في اللي أنا لابساه.
دارت حول نفسها بحيرة وهي تكمل:
أنا أصلي أول مرة ألبس كدة... ومش عارفة حلوة عليا ولا لأ.
قال دون أن يتحرك:
حلوة.
نظرت إليه بغيظ لتنزع الوسادة من فوق عيونه هاتفة بحنق:
وأنت شفت حاجة؟
أغمض عينيه قائلًا:
قلت حلوة.
عقدت حاجبيها:
أنت مغمض عينك ليه؟
قال ببراءة:
عشان أنا صايم.
لوت شفتيها باستنكار:
والله... وأنا بقولك قوم عشان تاكل، أنا بقولك قولي رأيك.
هتف بإصرار:
وأنا بقولك صايم.
زفرت بضيق:
إيه صايم دي...
فتح عينيه لتتقابل بعيونها الجميلة بينما تطلق سهامها الشرسة غيظًا منه، ليبتسم بخبث بينما يقول وهو يتطلع إليها:
صايم... يعني صايم... أقولك حلوة وزي القمر وهتجننيني وأنا صايم.
احمر وجهها خجلًا ليغمض عينيه مستغفرًا بينما ظهرت أمامه تلك التفاحات الشهية بخدودها المنتفخة ليهتف وهو يشيح بوجهه:
قومي من قدامي حالًا يا سيرين ومش عايز أشوفك إلا على الفطار.
غالبت خجلها وهي تقطب جبينها منه بينما تابع متبرطمًا:
إيه البت اللي هتجنني دي.
قذفته بالوسادة تخفي خجلها وهي تقول لتغيظه:
أنت رخم قوي وأنا غلطانة إني بآخد رأيك أصلًا، وبعدين عارفة إني حلوة وزي القمر.
التفت إليها وبلحظة كان يقذفها بالوسادة بقوة هاتفًا:
قومي يا بت من هنا... امشي.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رونا فؤاد
وبعدين عارفة إني حلوة وزي القمر.
التفت إليها وبلحظة كان يقذفها بالوسادة بقوة هاتفًا:
قومي يابت من هنا.. امشي.
خرجت وتركت ضحكتها الناعمة ترن بأذنه ليدفن رأسه بالوسادة يبحث عن إرادته القوية لإبعاد صورتها عن رأسه، ولكن عبثًا فقد ظل ساعة يتقلب من جنب لآخر بلا جدوى.
نزلت لتجد الفتيات متجمعات بالأسفل. التفتت إليها خالة حمزة حياة قائلة بابتسامة:
تعالي يا سيرين اقعدي معانا.
تقدمت بخطى مترددة لتبتسم لها الفتيات مرحبين. التفتت سيرين إلى نبيلة قائلة:
شكرًا على العباية.
قالت هادية، زوجة خال حمزة:
لايقة عليكي أوي.
ابتسمت لها:
شكرًا.
تجاذبت أطراف الحديث معهم قليلًا لتقول نبيلة بعد قليل:
يلا الفطار قرب... هو حمزة لسة نايم كل ده؟
هزت سيرين رأسها لتقول نبيلة:
طيب ما تطلعي تصحيه يا سيرين.
هزت كتفها:
لا هو هيصحى لوحده.
لم تكمل جملتها لتهتف سارة ابنة خالته:
أهو حمزة صحي يا تيتة ونازل.
نزل حمزة الدرج لتقول نبيلة بابتسامة واسعة:
تعالى يا ولدي... يلا قوموا يا بنات أنتوا جهزوا السفرة مع سعاد.
قام الجميع ليجلس حمزة بجوار سيرين على الأريكة يفرك وجهه بنعاس:
سيبتيني نايم كل ده ليه؟
قالت بخفوت:
مش قولتلي امشي.
ضحك قائلًا:
وبتسمعي الكلام أوي يعني.
سألته نبيلة:
إيه... عرفت تنام يا حمزة؟
أومأ لها:
آه.. تمام.
ابتسمت قائلة:
أنا فرشت الأوضة دي من أولها لآخرها جديدة ليك أنت ومرتك... عجبتك؟
قال حمزة:
كويسة أوي... شكرًا.
مال تجاه سيرين وهمس بجوار أذنها بخبث:
وأحلى حاجة فيها إن ما فيهاش غير سرير واحد.
ضربته بقدمها.
آه.
التفتت له نبيلة:
مالك يا ولدي؟
هز رأسه وهو يطالع سيرين بغيظ:
لا أبدًا... ما فيش.
جلس عبد الحميد يترأس الطاولة الضخمة المعدة بأشهى الأطعمة، وعلى يمينه جلس ابنه شريف، وعلى يساره حمزة، وبجواره سيرين.
مضى وقت الإفطار وجلس الرجال يتناولون القهوة ليقول حمزة بعدها لسعاد الشغالة:
لو سمحتي قولي لسيرين تجهز عشان نمشي.
امتعضت ملامح عبد الحميد:
تمشوا فين؟
نظر إلى ساعته:
يا دوب نمشي يا حج.
هز عبد الحميد رأسه:
لا يا ولدي وأنتوا لحقتوا خليكوا معانا كام يوم.
حمزة:
لا كام يوم إيه... أنا عندي شغل ولازم أرجع.
هتفت نبيلة:
بكرة الجمعة وبعده السبت... يعني ما فيش شغل.
حمزة:
معلش يا حجة... اعذريني. أنا لبيت رغبتك وجيت بس لازم أمشي. عندي شغل كتير ومتفق مع زين أعدي عليه بكرة نخلصه.
تعالى رنين هاتفه ليجيب على زين الذي قال:
كل سنة وأنت طيب يا صاحبي... راجع امتى؟
حمزة:
على طول أهو هتحرك.
أمسك عبد الحميد الهاتف من يده:
أيوه يا زين يا ولدي... أنا الحاج عبد الحميد.
زين:
إزيك يا حج.
عبد الحميد:
أنت تجيب بعضك وتجيب الشغل اللي حمزة بيقول عليه وتجي... أنت معزوم عندنا كام يوم...
زين:
أيوه يا حج بس... كام يوم...
قاطعه عبد الحميد:
ما فيش بس... يمين بالله ما حمزة ماشي من هنا... وأنت كمان.
هز حمزة رأسه برفض لتقول نبيلة:
هتكسف جدك يا ولدي... إحنا لسة ما شبعناش منك...
قال عبد الحميد:
ومصنعك من هنا أقرب يعني مالكش أي حجة.
التفت إليه شريف قائلًا:
وبعدين يا حمزة أنا عاوزك في شغل أنا كمان.
أومأ لهم لتسرع نبيلة بابتسامة واسعة تقول لسيرين:
حمزة وافق تفضلوا معانا كام يوم.
اندهشت سيرين فهو أخبرها أنهم سيعودون في نفس اليوم.
سيرين:
أيوه بس أنا مش عاملة حسابي.
قالت حياة:
لو عاوزة أي حاجة قولي هي إيه وإحنا نجيبها على طول...
أومأت لها زوجة خاله هادية قائلة:
أيوه يا سيرين أنتي مش متخيلة إحنا مبسوطين أد إيه إنكم معانا... دي ماما نبيلة أول مرة تضحك كده.
أومأت لهم لتقول حياة:
رنا قومي طلعي هدوم جديدة وحطيها في أوضة سيرين وحمزة.
أومأت الفتاة وصعدت للغرفة لتشرد سيرين بتفكيرها... أوضة سيرين وحمزة..؟! لا طبعًا.
أبعدت التفكير عن رأسها، فهو بالتأكيد سيغادر الغرفة ويتركها لها... فهو لم يحاول فرض نفسه عليها ولن يفعل بالتأكيد حتى بعد اتفاقهم والذي لم تفكر مسبقًا بكيفية ستكون علاقتهم... تحب التقارب الذي أصبح بينهم وحديثهم كالقط والفأر، ولكن أن يزيد هذا الاقتراب فهذا شيء هي ليست مستعدة له أبدًا الآن بل ولم تفكر به لأن التفكير سيدفعها لتذكر تلك الليلة المشؤومة!
طال حديث حمزة وعبد الحميد وخاله وزوج خالته حسين الذي يعمل مهندس زراعي وابن عائلة النويري، عائلة كبيرة أخرى تعمل في مجالات واسعة... والذي كان يعرض على حمزة التوسع في العمل كخطة مسبقة مع شريف وعبد الحميد لضم حمزة لهم.
حسين:
أسهم مصنعك ما شاء الله يا حمزة في ارتفاع دائم... واخد اسمه في السوق بسرعة.
ابتسم عبد الحميد وربت على كتف حمزة بفخر:
أمال يا حسين...
سحب حمزة نفسًا عميقًا قائلًا:
المصنع ده كان حلم أبويا الله يرحمه.
حسين:
الله يرحمه...
التفت إليه عبد الحميد قائلًا:
أنا توقعت أنك هتبيعه بعد اللي حصل... بس خالك قالي مستحيل.
أومأ له حمزة:
لو كنت بعته كنت همسح اسمي واسم أبويا من السوق... كده بالرغم من الديون اللي عليا إلا إن عندي ضمان وطريق واضح أكمل فيه.
تنهد عبد الحميد بشجن:
ديون إيه يا ولدي... وافق أنت بس وكل الديون مدفوعة...
قاطعه حمزة بتحذير:
لو سمحت يا حج... إحنا قفلنا الموضوع ده.
تدخل حسين قائلًا:
يا حمزة يا ابني جدك همه مصلحتك.
حمزة:
وأنا عارف مصلحتي... أنا هوقف المصنع على رجله بشقايا مش بفلوس حد... وبعدين أنا أخذت ثمن الأرض وخلاص.
أومأ له شريف:
خلاص يا حمزة اللي يريحك... إحنا معاك في أي حاجة.
قال عبد الحميد:
ماشي يا ولدي... بس إيه رأيك في المشروع اللي حسين قال عليه؟
هز رأسه:
والله فكرة ممتازة.
عبد الحميد:
المصنع بتاع العاشر موجود... هنغير بس التكنيك لو وافقت ونبدأ شغل.
تردد حمزة قليلًا ليشجعه شريف قائلًا:
أنت هتبقى شريك معايا أنا وحسين والحج... كل واحد فينا بـ 25% قلت إيه؟ وبعدين إحنا هنعتمد على أسهم مصنعك ترفعنا.
أومأ له حمزة بعد قليل من التفكير ليتهلل وجهه الجميع... فهو عنيد ولكن عليهم مساعدته بطريق غير مباشر!
بقيت سيرين جالسة في الحديقة مستمتعة بنسمات الليل الهادئة وحديث الفتيات... لتسألها ريهام:
أنتوا عرفتوا بعض إزاي... قصدي أنتي وحمزة؟
ارتبكت ملامح سيرين ولم تسعفها الكلمات بينما نظرت إليها ريحان قليلًا قبل أن تعض على شفتيها قائلة بتردد:
هو حمزة كان متجوز قبل كده؟
التفتت إليها سيرين وقد تغيرت ملامح وجهها لتقول الفتاة بتلعثم:
أصل... أصل يعني...
أشارت لإحدى الصور على هاتفها:
يعني أصل مش أنتي اللي معاه في الصورة ومكتوب أنها مراته.
نظرت سيرين إلى الصورة التي جمعت حمزة وبجواره سيدرا تبتسم له ابتسامتها المتقنة وقد ارتدت ثوبًا باللون الذهبي غاية في الأناقة وتزينت بالمجوهرات الباهظة بينما أحاط حمزة بخصرها في إحدى الحفلات... لا تعرف الفتيات صلة القرابة بين سيدرا ولا سيرين ولا يعرفون بالأساس ما حدث لحمزة على يدها.
وكزتها سارة حينما رأت تغير ملامح وجه سيرين:
إيه اللي بتقوليه ده يا ريحان؟
هزت ريحان كتفها:
أنا بسأل.
أومأت لها سيرين باقتضاب:
آه... كان متجوز قبل ما نعرف بعض.
قالت سارة بابتسامة:
ما تزعليش، هي ريحان كده حشرية.
هزت رأسها:
لا عادي.
انطبعت صورة سيدرا برفقته في جفونها لتداعب الغيرة أوصال قلبها ولأول مرة يتطرق عقلها لعلاقته بأختها... فكيف كانت... هل كان يحبها... كم الكره الذي تراه بعيونه لمجرد سماع اسمها لم يجعلها يومًا تفكر بكيفية علاقتهم السابقة ولكن رؤيتها له بجوار سيدرا لا تنكر أنها جعلتها تغار.
بعد قليل استأذنت من الفتيات قائلة:
أنا هطلع أنام. تصبحوا على خير.
رأتها نبيلة تدخل لتسألها:
على فين يا بنتي؟
هزت كتفها:
هطلع أنام...
أومأت لها:
ماشي يا بنتي... ارتاحي شوية وهبقى أخلي سعاد تصحيكم للسحور.
هزت كتفها:
لا... شكرًا أنا مش جعانة بس محتاجة أنام.
نبيلة:
لا يا بنتي ما ينفعش... طيب أنا هخلي سعاد تطلع ليكم الأكل فوق دلوقتي وناموا براحتكم بعدها...
دخلت سيرين إلى الغرفة لتتفاجأ بحمزة جالسًا على الفراش يعبث بهاتفه... صعد قبل قليل وتردد بينما يفكر هل ستأخذ علاقتهم خطوة للأمام...؟!
لم ولن يضغط عليها بشيء أبدًا بالرغم من أنه لم يعد يريد أبدًا أن يظلوا بهذا التباعد فهو يريد لحياتهم أن تكون كزوجين... جاءت إليه تلك الفرصة الليلة ليحاول إزالة بعض الحواجز من بينهما والتي لن يستطيع فعلها في منزله فهو يرى نظراتها كلما دخلت إلى غرفته فمستحيل أن تشاركه بها لذا فكر جديًا بشراء منزل جديد لعله يساعد في تبديد ذكرياتها السيئة بهذا المنزل... يعرف أنه أناني وهو يفكر بأنه يريد أن تكون له وأن تكون علاقتهم كأي زوجين بالرغم من أنه لا يستطيع أن يبوح لها على الأقل بمشاعره... ولكنه بكل الأحوال أسكت تفكيره وسينفذ ما يشعر به...! برفقتها لا يريد التفكير فقط يريد أن تكون معه وبجواره... تنسى من هي وهو ينسى أيضًا أو يحاول التناسي!
نظرت سيرين إليه ورفعت حاجبيها قائلة:
وده إيه بقى إن شاء الله... أنت بتعمل إيه هنا؟
أغلق الهاتف ووضعه بجواره قائلًا ببراءة:
إيه... هننام.
قالت باستنكار:
تنام فين...؟!
نظر لعيونها الجميلة وتابع بمرح:
هنام في أوضتي اللي جدتي فرشتهالي مخصوص.
قطبت جبينها:
وأنا أنام فين؟
صمت ولكن نظراته أجابتها حينما نظر إلى جانبه من الفراش لتهدر بشراسة بعد أن شعرت بالخوف منه:
لا بقولك إيه أنا عديتهالك قبل الفطار بس دلوقتي أنا عاوزة أنام... يلا قوم ومتستعبطش.
رفع حاجبه مرددًا:
مستعبطش...؟!
هزت رأسها وأشارت له بيدها:
أيوه... يلا قوم أنا عاوزة أنام.
أسند ظهره للوسادة قائلًا:
ما تنامي وأنا ماسكك.
سيرين:
أنام فين...
أشار لها بعينيه لطرف الفراش الآخر لتحتد ملامحها...
لا طبعًا... أنت هتستهبل ولا إيه؟
جذبها فجأة لتسقط على الفراش بجواره بينما وضع يداه بخفة على فمها قائلًا:
بتستعبطي... وبتستهبلي...؟! يعني أكتمك ولا أقطع لسانك على اللي بتقوليه ده... في واحدة تقول لجوزها الكلام ده؟
همهمت بغيظ من أسفل يداه وهي تتراجع بعيدًا عنه:
جوزي في عينك.
مال ناحيتها ونظر في عيونها هامسًا أمام شفتيها:
أمال أنا إيه؟
ارتبكت أنفاسها من اقترابه وتعالت دقات قلبها بينما اندفعت الدماء بشفتيها لتزداد احمرارًا وتفقده صوابه فيقترب أكثر منها ينوي تذوق ذلك الشهد الذي تخفيه بينهما ولكنها سرعان ما دفعته بعيدًا عنها مزمجرة:
أوعي كده أنت هتعمل إيه؟
لمعت عيناه بالعبث بينما تلكأت عيناه أمام شفتيها قائلًا:
هسكت شفايفك الحلوة دي.
قطبت جبينها بغضب وأبعدته من أمامها:
أنت هتسوق فيها... قوم يلا شوفلك أوضة تانية.
هز رأسه وأراح ظهره للخلف قائلًا:
لا أنا الأوضة دي عجباني.
هتفت بحنق:
طيب خليهم يدوني أنا أوضة تانية.
رفع حاجبه:
والله...
وأقولهم إيه بقي؟
عندي مرض معدي مثلًا فمراتي خايفة تنام معايا في أوضة واحدة.
زفرت بحدة: أنام إزاي معاك في أوضة واحدة؟
قال بهدوء: زي الناس... فيها إيه؟ أنا مش هعضك ولا هقرب منك متخافيش... إحنا بس هننام في نفس الأوضة وده شيء طبيعي.
هزت رأسها: لا طبعًا أنت مجنون.
نظر إليها باستمتاع قائلًا: مجنون ليه؟ ده أنا حتى هبقى مجنون لو ضيعت الفرصة.
وكزته بقبضتها بقوة في كتفه: شفت بقى قلة أدبك... أنت أهو بتستغل الفرصة.
أومأ لها بوقاحة: آه... بستغل الفرصة... أنكر يعني.
نظر إليها بمكر وتابع بينما تلتهب خدودها خجلًا: يعني واحد مراته من يوم ما اتجوزها وهي في أوضة وهو في أوضة وجت له الفرصة تنام جنبه... يقول لا؟ وخصوصًا إنها زي القمر كده.. وخدودها هتنفجر من الكسوف.
دفعت يداه التي داعبت وجنتها هادرة بغضب: أوعي إيدك دي واحترم نفسك... أحسن لك.
رفع حاجبه باستنكار والتوت شفتاه بابتسامة خبيثة: أحسن لي؟
أومأت له بتحدٍ: آه... أحسن لك.
أومأ لها قائلًا بهدوء شديد: طيب طالما عاملة لي سبعين راجل خايفة من إيه؟ أنا نايم أهو في مكاني والسرير واسع اتفضلي. وبعدين مش عاجبك السرير... عندك الأرض... حاجة زي الفل أهي نامي عليها.
قالت بحنق: طيب ما تنام أنت على الأرض.
ضحك قائلًا: أنسي... أرض إيه اللي أنام عليها... أنا مرتاح هنا.
كورت يدها بغيظ وضيقت عيناها تطالعه بلهيب نظراتها حتى ظن أنها ستحرقه... ليضحك على هيئتها قائلًا: طيب بصي عشان أنا قلبي طيب ومش هتهوني عليّ تنامي على الأرض أنا هحط لك المخدة دي في النص... وهنام في طرف السرير ومش هتقلب كمان.
نظر إليها وتابع بتسلية بينما تشتعل وجنتها خجلًا: إيه رأيك؟
نظرت إليه بطرف عينيها بغيظ فهو يستغل الفرصة ليبدأ عقلها يتحرك ذهابًا وإيابًا فهو واهم إن ظنها ستستسلم... حسنًا ستجعله يترك لها الفراش بل والغرف كلها بكامل إرادته... الموضوع يتطلب منها فقط بعض الجرأة!
رمقته بنظرات الوعيد قبل أن تسحب تلك الملابس الكثيرة التي وضعتها لها رنا على الفراش ولتدخل للحمام ولحسن حظها وجدت ما أرادت.
جلس بمكانه على طرف الفراش يعبث بهاتفه والابتسامة لا تفارق شفتيه... لو كان التقى بها من قبل.. ألم يكن كل شيء ليتغير؟ ألم يكن ليخبرها بحبه لها؟ ألم يكن ليستمع لاعترافها بحبه الذي يراه بعيونها مهما أخفته بشراستها وكلماتها؟ ألم تكن لتكون وقتها زوجته بالفعل دون أن تكون بينهما تلك الذكريات المريرة؟ ألم يكن ليستطيع النظر بعيونها دون أن يرى ذنب عائلتها؟
طرقت الخادمة الباب ليقوم حمزة من الفراش يفتح لها الباب.
الخادمة: السحور يا بيه.
تناول من يدها الصينية قائلًا: متشكر.
نظر إلى باب الحمام ثم إلى ساعته فقد تأخرت لأكثر من نصف ساعة... طرق عليها الباب يناديها بصوت هادئ: سيرين... يلا عشان الأكل.
جاءه صوتها: لا مش عايزة.
حمزة: ليه؟
سيرين: شبعانة.
حمزة: طيب أنت كويسة؟
شغلت مصفف الشعر تجفف شعرها دون أن تجيب عليه ليخرج الطعام ويعود جالسًا إلى الفراش... دقائق وكانت تخرج!
فغر فاهه وابتلع لعابه بصعوبة حينما خرجت وقد سبقتها رائحتها الجميلة التي نثرتها بسخاء فوق عنقها وكتفها... أخفت ضحكتها المنتصرة وهي ترى تغير ملامح وجهه بينما قفزت عيناه من مكانها وتعلقت بها وقد ارتدت ذلك الشورت القصير وفوقه تيشيرت أبيض بلا أكمام ورفعت خصلات شعرها فوق رأسها كاشفة على عنقها وكتفيها... أغمض عيناه واستغفر بينما يحدث نفسه... يا نهار أسود ودي أنام جنبها إزاي بالمنظر ده... هتجيب لي جلطة حالًا.
فتح عيناه متمسكًا بأعصابه بينما أفلت لسانه بعدم تصديق: إيه ده؟
قالت ببراءة مصطنعة: إيه؟
أشار إليها وهو يحاول إبعاد عيناه عنها قائلًا: أنت... أنت هتنامي كده؟
هزت كتفها بمكر: أمال هنام إزاي؟
قال بتلعثم جعل الانتصار يسري بعروقها فهاهو سيترك بها الغرفة بأكملها بإرادته ولن يستطيع البقاء معها والسيطرة على نفسه: يعني... يعني ما تلبسي حاجة تانية.
هزت رأسها: لا... أنا مرتاحة كده.
قال بانفعال وهو يجاهد نفسه من أخذها بين ذراعيه الآن وهي بهذا الجمال: بس أنا مش مرتاح.
قالت ببرود: يبقى سيب الأوضة.
نظر إليها بطرف عيناه... تلك الماكرة التي تستغل أسلحتها ضده لتفقده صوابه... يا الله ماذا سيفعل وهي أمامه بكل هذا الجمال؟ ألم تكن هي بكافية لتزيد الأمر عليه بتلك الملابس؟ إن انقض عليها الآن سيكون أكثر من مرحب ولن يلوم نفسه...! استغفر كثيرًا وهو يبعد تلك الأفكار عن رأسه فهو لن يلمسها مجددًا إلا حينما تكون راغبة... فلن يكرر خطأه مرة أخرى... ولكن ألا تعلم بخطورة ما فعلته الآن وهي تتلاعب بتلك النيران... إنه بصعوبة يتمالك نفسه عنها منذ تلك الليلة التي كلما تذكرها كلما أراد امتلاكها مجددًا حتى يرتوي... والآن تأتي له بتلك الهيئة وتخبره أنها ستنام بجواره هكذا... في لحظة كان يقفز من الفراش ويخرج إلى الشرفة ليضع سيجارة بين شفتيه ليحرقها قبل أن تحرق فتنتها باقي أعصابه التي يحاول ضبطها بصعوبة.
ضحكت سيرين بانتصار وتمددت على الفراش الوثير... ستنام قريرة العين واثقة أنه لن يجرؤ على النوم بجوارها الآن... ولكن ما الذي قد يمنعه؟ فتحت عيناها فجأة وطرق الخوف قلبها حينما جال بخاطرها هذا الخاطر... لا... لا إنها تلعب بالنيران فربما ينقلب السحر على الساحر! لا إنها لم تنسَ تلك الليلة بعد... وهاهي من بدأت باستفزازه وهي تعلم أنه ربما يفقد تعقله.
قفزت من الفراش وبحثت بسرعة بين الملابس التي أعطتها لها رنا لتجد سترة قطنية واسعة وضعتها فوقها وارتدت بنطالًا فضفاضًا وعادت لتندثر بالأغطية حتى عنقها بعد أن وضعت الوسائد بالمنتصف وهي تحاول الإبقاء على عيونها مفتوحة بالرغم من جفونها بدأت تتهاوى من الإرهاق ولكن كلما أغمضت عيناها فتحتها بسرعة بتأهب.
طال مكوثه يدخن بالشرفة ينهي سيجارة ويشعل أخرى... ليجد إرادته ويسيطر على نفسه... بعد أن جعلت تلك الماكرة الصغيرة دماءه الساخنة تهدر بكل إنش به... لا يريد شيئًا سوى أن تكون له مرة أخرى! ولكن تلك المرة لينسيها قسوة تلك الليلة!
عاد إلى الغرفة لتتهادى الابتسامة إلى شفتيه حينما وجدها تتشبث بالغطاء بتلك الطريقة ونائمة بأقصى الفراش حتى تكاد تقع من على طرفه... مهما تظاهرت بالجرأة والقوة إلا أنها لا تتعدى كونها طفلة!
فتحت عيناها وهبت جالسة حينما جلس على طرف الفراش الخاص به لينتبه لما ترتديه وقد استبدلت تلك الملابس ليسألها بعبث: وده إيه؟
قالت بجبين مقطب وهي تتراجع أكثر لطرف الفراش: بردت.
تهكم بضحكته: بردتي في عز الحر ده؟
أومأت له: آه.
قال بحنان: طيب أقفل لك التكييف.
هزت رأسها: لا أنا كده كويسة.
قطبت جبينها وتابعت: وبعدين خليك في حالك أنت باصص عليّ ليه أصلًا؟
نظر إليها بشقاوة قائلًا: أبص زي ما يعجبني.
حسنًا لن يتوقف عن مشاكساتها للصباح... تنهدت بتعب جعله يشفق عليها بينما قالت: نام بقى...
ابتسم لها بهدوء قائلًا: وأنت مش هتنامي؟
جذبت الغطاء لحلقها وهي تزفر قائلة: هتزفت أنام... أنا أصلًا مش قادرة أفتح عيني.
نظر إليها بحنان قائلًا: طيب خلاص يلا نامي.
نظرت إليه وقد امتزج الخوف بحبات الزيتون المستقرة بعيونها... لتجده يمد يداه برقة على خصلات شعرها قائلًا: متخافيش... نامي. أنا مش هعمل لك حاجة.
جذبت الغطاء ترشقه بسهام عيونها وهي تتبرطم متظاهرة بالجرأة: أنت أصلًا متقدرش تعمل لي حاجة.
ضحك بينما تتساقط جفونها فوق عيونها: طيب نامي يا وحش ومتخلنيش أوريكي إزاي أنا مقدرش أعمل لك حاجة.
تبرطمت وهي تغمض عيناها: وحش في عينك... وآه متقدرش.
بلحظة كانت أنفاسه الساخنة تلهب وجنتها بينما طبع عليها تلك القبلة الرقيقة وهو يهمس: لا أقدر... بس مش عايز حاجة أنت مش عايزاها... تصبحي على خير يا سيري.
غاب صوتها من الإرهاق وتهاوت جفونها وهي تحدث نفسها أن تنام وتطمئن فقليلًا بعد وسيؤذن الفجر فتنام براحة لأنه سيكون صائم.
دقائق وسقطت يداها حينما غرقت بالنوم ليبعد تلك الوسائد من بينهما ويلتفت على جانبه لينظر إليها... جميلة في كل الأحوال... أغمض عيناه كمراهق يتطلع لحبيبته ودون إرادته يتذكر سيدرا... هل كان ليظن أن هناك امرأة مختلفة قبل أن يلتقي لسيرين... لا إنها بطعم مختلف غير أي امرأة أخرى... تقريبًا لم تفعل به أي فتاة ما فعلته تلك القصيرة الفاتنة التي قلبت كيانه!
غرق بتفاصيلها بينما يداه لا تتوقف عن العبث بخصلات شعرها لينتبه على نفسه أخيرًا يزفر بحنق حينما تعالى صوت الأذان: أستغفر الله. أنا عارف طول ما هي قدامي ولا نافع لي صيام ولا حاجة.
قام من مكانه واتجه ليصلي الفجر ثم عاد ليتوسد الفراش بجوارها لينام ولكنه لم يستطع إلا أن يطبع قبلة رقيقة على جبينها ثم يتمدد بجوارها.
ضيقت سيدرا عيناها تنظر إلى جمال قائلة: يعني جده رضي عنه وهو اللي دفع أول قسط من القرض؟
أومأ لها جمال بخبث: ومش بس كده... ده كمان المصنع بتاعه اشتغل وكلها كام شهر وحمزة يرجع أقوى من الأول.
تلجم لسانها وتوترت لتزم شفتيها قائلة: يرجع؟!
أومأ لها جمال وأكمل بمغزى: طبعًا عارفة ده معناه إيه؟
هتفت بحدة من بين أسنانها: ما تتكلم على طول يا جمال.
قالت نادية: أنت بتلعب بأعصابنا ولا إيه يا جمال؟
تنهد ببرود قائلًا: أنتوا اللي عاملين نفسكم مش فاهمين... هو حمزة لما يقف على رجله أول حاجة هيعملها إنه هيقلب عليك الدنيا وأنت طبعًا عارفة لما يجيبك هيعمل فيك إيه.
ضربت طرف الطاولة بيدها بغضب: ماهو عشان اليوم ده أنا بقول لك تخلص وتنفذ اللي قلت لك عليه عشان روحه تبقى في إيدنا.
قال جمال بمكر: ولما أسلمك روحه... هاخد إيه في المقابل؟
رفعت حاجبها: أنت عايز إيه يا جمال؟
نطق وهو يشدد على كل حرف: نص الفلوس.
امتعضت ملامحها وهبت واقفة: نص إيه؟ نص الفلوس؟
أومأ لها لتهدر بحدة: لا أنت بتحلم.
أرجع ظهره للخلف ببرود: خلاص براحتك.
انصرفت وهي تطرق الأرض بغيظ لتنظر إليه نادية قائلة: إيه اللي بتقوله ده يا جمال؟
نظر إليها جمال: اللي بقوله ده... عشان أثبت لك إن بنتك مالهاش غالي... وهتغدر بينا عشان الفلوس.
هزت رأسها: مستحيل.
ابتسم بتهكم: هنشوف.
فتح عيناه في الصباح على صوتها الحانق بينما وجدت نفسها أسيرة ذراعه التي احتضنها بها... اندفعت الدماء بكل إنش بجسدها ما أن فتحت عيونها وشعرت بهذا الثقل فوق خصرها لترفع رأسها فتتفاجأ بأنفاسه الساخنة تلفح عنقها... ارتبكت دقات قلبها وهي بهذا القرب منه فأرجعت رأسها للخلف وحاولت التخلص من ذراعيه ولكنه لم يتركها لتهتف به بحدة وهي توكزه بجنبه: أنت... أنت يا أخينا قووم.
فتح نصف عين بانزعاج يسألها: في إيه يا سيرين؟
هتفت به بحدة: أنت لسه هتسأل... مين شال المخدات؟
قال ببراءة: معرفش... يمكن أنت.
رفعت حاجبيها باستنكار: والله؟
وأنا برضه اللي مسكتك كدة.
نظر بمكر ليداه التي تحيط بها ليقول ببراءة:
غصب عني فكرتك المخدة. وبعدين على فكرة عادي يعني، حضنتك وأنا نايم فيها إيه؟
دفعت يداه التي تكبلها مزمجرة:
حضنتك عقربة.. أوعي إيدك دي يا حيوان.
زم شفتيه بغيظ ليزجرها بتحذير:
لولا إني صايم كنت وريتك آخرة طوله لسانك دي إيه.
رفعت حاجبها:
والله؟
قطب جبينه وسعل بشدة لتزجره بحنق:
أحسن عشان تبقي تشرب كل السجاير دي.
زفر قائلًا:
وهو مين عصبني امبارح؟
هزت كتفها ببراءة:
وأنا جيت جنبك؟
قال بمكر وهو يميل فوقها:
طيب ما تيجي جنبي هو حد مانعك؟
دفعته بعيدًا:
أوعي إيدك لأقطعها لك.
همس لنفسه بوقاحة:
والله ما في حد عاوز يتقطع غيرك.
التفتت إليه وضيقت عيونها قائلة:
هو أنت مش صايم؟
قال ببراءة:
طيب وأنا عملت إيه؟
رشقته بنظرات الشرر وهي تقول بينما تغادر الفراش:
شوف نفسك.. راجل قليل الأدب.
دفن حمزة رأسه أسفل الوسادة قائلًا بتحذير:
أنا هنام بس والله يا سيرين بعد الفطار لأطلع عليكي طوله لسانك دي.. وهوريكي أنا حيوان وراجل قليل الأدب إزاي.
قالت بعدم اكتراث لتهديده:
طول اليوم تهديد تهديد.. مش بخاف على فكرة.
رفع رأسه من أسفل الوسادة قائلًا بوعيد:
طيب حلو أوي، أنا بقى مش عاوزك تخافي وخليكي على مبدأك ده. كلها كام ساعة ونشوف.
توترت من تهديده ولكنها تماسكت فهو يستفزها لا أكثر.
سحبت فستانها ودخلت لتستحم وتستبدل ملابسها واتجهت لباب الغرفة ليوقفها حمزة الذي استند بذراعه للفراش يطالعها بنظرات متفحصة:
خدي هنا رايحة فين؟
قالت ببراءة:
نازلة تحت.
أومأ لها قائلًا:
آه واضح.. بس بالنسبة للفستان ده مش متخانقين عليه امبارح؟
قالت بابتسامة بريئة تستعطفه:
أنا لابساه في البيت.
رفع حاجبه فهو قد فهم ما تحاول التأثير عليه فيه:
أي بيت؟
: ده.
زم شفتيه قائلًا:
وأنتي شايفة إن ده بيت؟
قالت ببرود:
آه طبعًا مش ده بيت ولا إيه؟
ضيق عيناه يتوعدها لبعد الإفطار:
طيب يا سيرين هانم.. عشان أكون أكتر تحديد ده ما يتلبسش غير قدامي أنا وبس.. تمام كدة؟
نظرت إليه باستنكار:
والله.. ده على أساس إيه؟
زمجر بصوت أجش:
على أساس إني جوزك مش كيس جوافة.. اتفضلي امشي غيري الفستان ده.
زفرت بحنق شديد:
أوف.. إيه التحكم ده.. أنا زهقت.
عاد ليدفن رأسه أسفل الوسادة وهو يقول:
زودي في حسابك كمان وبرطمي. يلا ادخلي غيري الفستان ده.. البسي العباية بتاعة امبارح كانت حلوة.
رفع رأسه وأشار لها:
وابقي لمي شعرك ده.
طالعته بحنق:
كمان.. والله ما أتحجب أحسن.
ابتسم لها قائلًا:
يا ريت.
لوحت له بحنق:
نام.. أنت مش كنت عاوز تنام.. اتفضل نام وبطل كلام وأوامر.
تهكم قائلًا:
وهو مين اللي بيقلق نومي كل شوية.. مش سيادتك؟
لا تنكر أن هناك شيئًا يداعب قلبها في تلك الغيرة المجنونة وكلماته المتملكة ولكنها لا تستطيع أن تخبر نفسها بهذا ولا أن تنسى كلماته لها.. شردت بعيدًا بينما تتساءل ولماذا لا تنسى؟!
لماذا لا تتجاوب مع ما تشعر به؟! لماذا لا تترك العنان لقلبها ومشاعرها التي تنساها برفقته؟!
لقد انقلب عالمها وكيانها على يده.. كيف يمكن أن تتحول كل تلك الكراهية التي كانت بينهما لتلك المشاعر؟!
نظرت سيرين من خلال زجاج الشرفة الواسعة إلى الحديقة المليئة بالأشجار المختلفة ذات الروائح العطرة.
التفتت إلى الفتيات الجالسات معها لتقول:
ما تيجوا نقعد في الجنينة.. الجو حلو.
أومأت لها ريحان قائلة:
طيب أنا هطلع أجيب طرحة وأنزل على طول.
فتحت البوابة الحديدية الكبيرة ودخلت سيارة زين الذي قال بينما يوقفها أسفل الفناء:
أنا زين صاحب حمزة.
قال الغفير:
نورت يا بيه.. هبلغ حمزة بيه حالًا.
أومأ له زين قائلًا:
طيب أنا هستناه هنا في الجنينة.
ما إن جلس زين حتى قطبت سيرين جبينها حينما رأته أمامها بل وجلس في المكان الذي كانت تريد الجلوس به:
أنت إيه اللي جابك هنا؟
عقد زين حاجبيه باستنكار:
نعم يا أختي أنا أجي المكان اللي يعجبني.
أشارت له بيدها بعدم اكتراث:
طيب يلا شوف حتة تانية اقعد فيها عشان أنا عاوزة أقعد هنا.
هز كتفه وجلس على المقعد بأريحية:
لا أنا مرتاح هنا.. روحي أنتي شوفي حتة تانية.
قطبت جبينها بغضب:
لا بقولك إيه ما تستفزنيش.
لوى زين شفتيه:
لا أنتي بقى اللي ما تستفزنيش أنا قاعد هنا الأول.
: أول إيه.. هو بالحجز.. يلا روح من هنا.
قطب زين جبينه:
إيه روح من هنا دي.. وأنا بشحت منك يا بت أنتي؟
زمت سيرين شفتيها واحتدت ملامحها:
مين دي اللي بت يا حيوان أنت كمان؟
اتسعت عيون حمزة دهشة حينما اقترب على صوت سيرين وهي تصيح بزين الذي تغيرت ملامحه وفتح فمه ليرد عليها.. ليقاطعه حمزة سريعًا:
زين.. في إيه؟
التفت إليه زين قائلًا:
في إن صاحبك اتطرد.
قال حمزة وهو يربت على كتفه:
مين بس اللي طردك؟
هتفت سيرين بغيظ:
أنا.. أصله سخيف.
جز حمزة على أسنانه:
سيرييين.
لوحت بيدها بعدم اكتراث:
أنا مش عارفة أنت مستحمله إزاي.
هتف زين بغيظ:
مستحملني بقاله سنين يا أختي مش هتجي أنتي من كام شهر تتكلمي. أنا اللي مش عارف أنت مستحملها إزاي يا حمزة.
زجرته سيرين:
اتلم يا واد أنت.
اتسعت عيون زين بعدم تصديق:
واد.. أنا بقيت واد؟
قال حمزة ليسكت كلاهما وهم يتشاجرون كالأطفال:
بس يا واد.. قصدي بس يا زين. وأنتي بس يا سيرين.
هتف زين بعناد:
لا مش بس وهاتلي حقي يا حمزة.
أمسك حمزة بكتفه:
تعالى يا زين وكبر مخك هتعمل عقلك بعقل عيال.
هتفت سيرين بامتعاض:
تقصد مين بعيال دي؟
هز رأسه:
ما اقصدش.
هتفت بغيظ بينما انفجر زين ضاحكًا:
لا تقصد.. شوف بيضحك إزاي.
هتف حمزة من بين أسنانه:
سيريييين أنا صايم ومصدع.
زجرته بغيظ:
يبقى اختفي من قدامي.. عكرت دمي أنت وهو.
نظر إليها حمزة بطرف عينيه بتحذير هامسًا:
أنتي اللي تختفي من قدامي حالًا.. كفاية إني ما نمتش امبارح.
أسرعت تختفي من أمامه ليهتف زين:
أنت مستحمل البت دي إزاي؟
قال حمزة:
ما تتلم بقى.
: أتلم إيه بس.. دي ضربتك بسكينة ولسانها مبرد أعوذ بالله.
هز حمزة كتفه:
عاجباني.
رفع زين حاجبه بمكر:
أوبا.. إيه يا عم تغيب يومين في البلد تقولي عاجبك؟
أومأ له وسحب نفسًا عميقًا بينما يجلس على المقعد ويكمل:
أكذب يعني.. عجباني أوي وتقريبًا مش ببطل تفكير فيها.
ضحك زين وغمز له:
طيب وإيه؟
تنهد حمزة قائلًا بابتسامة هادئة:
إيه إيه؟
هز زين كتفه:
إيه اللي مخليك متضايق طالما عجباك؟
نظر إليه حمزة وهز رأسه:
لا أبدًا يا سي زين ما فيش أي حاجة تضايق في إن الواقع اللي خلى البنت الوحيدة اللي أحبها تكون عيلتها اللي دمرتني.
قال زين بعقلانية:
وهي مالها؟
أومأ له حمزة:
بحاول أقنع نفسي بكدة طول ما هي قدامي.. بس أول ما بفوق ما بقدر.
قال زين:
بس أنا مش معاك في ده يا حمزة.. دي حياتك وسعادتك.
نظر إليه حمزة قائلًا:
وحقي وتاري.
قال زين:
خده.
: من أبوها؟
: من أي حد بس هي ما لهاش ذنب.
رفع حمزة عيناه إليه قائلًا:
تفتكر لما أسجن أبوها هتجي في حضني بعدها.. تفتكر إني هنسى إن جد عيالي يكون هشام ولا خالتهم سيدرا؟
تغيرت ملامح زين للجدية ليكمل حمزة بأسى:
شفت بقى يا زين إيه اللي مانعني.
قطب زين جبينه باستفهام:
يعني هتطلقها؟
هز رأسه بدون تفكير:
مستحيل.
: أمال ناوي على إيه يا حمزة؟
قال حمزة بحيرة:
وأنا لو عارف كنت اتجننت كدة.. أنا متقطع يا زين ومش عارف أنا رايح على فين.
قال زين:
امشي ورا قلبك.
أومأ حمزة قائلًا:
ماشي وراه بس تفتكر في الآخر العقل اللي هيكسب ولا القلب؟
عاد حمزة للداخل بعد أن ترك زين بغرفته التي خصصها له جده ليرتاح بها.
انتبه لعدم وجودها بين الفتيات ليقطب جبينه متسائلًا:
سيرين فين يا سارة؟
قالت:
طلعت أوضتها من شوية.
أومأ لها وصعد ليراها.
أسرعت تندثر بالغطاء وتغمض عيونها متظاهرة بالنوم ما إن شعرت بخطواته قرب الباب.. فتح الباب ليراها نائمة فيخرج مرة أخرى.
اعتدلت جالسة ملامح وجهها تقطر حزنًا.
لقد أخبرها بتلك الحقيقة من قبل ولكنها أوجعتها بشدة حينما استمعت لحديثه مع زين.. إنه لم ولن ينسى. كلما اقتربت منه يتألم قلبها.. وإن ابتعدت سيتألم قلبها أكثر. ماذا تفعل.. إنها متخبطة ومتقطعة أكثر منه ولا تعرف على أي أرض تقف.. تنهدت وهي تضع يداها على قلبها تتمنى لو أنها لم تستمع لحديثه مع زين! إنها كلما وقفت أمامه تحاول تجاهل حقيقة أن لا أمل في علاقتهما فهو لن ينسى أبدًا ما حدث له على يد عائلتها ولكن إلى متى ستتجاهل تلك الحقيقة وتتظاهر أنها لا تفهمها. إلى متى ستظل تسمح لتلك الخيوط الخفية تجذبها إليه كل يوم أكثر من اليوم الذي قبله حتى تغرق في ذلك الحب وتسير معه بهذا الطريق الذي أخبرها منذ بدايته أنه لا يعلم نهايته!
لاحظ حمزة وجومها طوال اليوم ولكن حينما امتد لبعد الإفطار لم يعد يصدق عذرها بأنها تشعر بألم في رأسها.
نظر إليها باهتمام وهو يجلس بجوارها على الأريكة قائلًا:
مالك؟
هزت كتفها:
ما فيش.
اقترب منها أكثر قائلًا بخفوت:
حد ضايقك.. شكلك متغير.
هزت رأسها:
لا أبدًا.. أنا هقوم أنام.
قطب جبينه وأمسك يدها سريعًا يعيدها لتجلس بجواره لتسري القشعريرة بكامل جسدها من أثر لمسته:
تنامي إيه لسة بدري.
نظر حوله ثم اعتدل واقفًا وهو يقول:
تعالي نقوم نتمشى شوية.
هزت رأسها:
لا.
شدد على يدها بيده والتفت إليهم:
إحنا هنتمشى برا شوية.
أومأت له نبيلة قائلة:
اتفضل يا ولدي براحتك.
سارت برفقته للخارج ليسيرا قليلًا وسط الحديقة الواسعة دون قول شيء.. أراحتها تلك الفسحة على نسمات الهواء وكأنها غسلت همومها وقد سألت نفسها مرارًا عن سبب تلك التعاسة التي تشعر بها، هي وافقت على السير بهذا الطريق ولم يكذب عليها من البداية.. سرت الكهرباء بجسدها حينما شعرت بيده تحتضن يدها بينما يسيرون.. ارتجف كل إنش بجسدها بينما تخبطت ضربات قلبها بقوة فكم تشعر بالدفء ويدها بين يديه وكم بنفس الوقت تريد انتزاع يدها والهروب!
ابتسامة هادئة ارتسمت على جانب شفتيه بينما يشعر بملمس يداها بداخل يده كما يشعر بها بالضبط داخل جوانب صدره.. يداها التي لا تتخطى نصف يده تجعل ضربات قلبه تتعالى بتلك الطريقة.
وكذلك هي تلك الصغيرة التي لا تتخطى كتفه تفعل به الأفاعيل...!
توقف عن السير والتفت إليها قائلًا: مالك؟
هزت كتفها: مفيش.
نظر إلى عيونها وبلا تردد وجد يداه تمتد لتتحرك برقة فوق ملامح وجهها قائلًا بنبرة حنونة: أمال الوش الجميل ده مكشر ليه؟
أغمضت عيناها تحاول السيطرة على ذلك السيل من المشاعر التي انتابتها. ماذا يفعل بها هذا الرجل؟ لماذا تفقد السيطرة على حواسها؟ لماذا ترتجف أمامه بتلك الطريقة من مجرد لمسة من يده؟ لماذا تريد أن ترتمي في حضنه وتترك لدموعها العنان متخلية عن تلك القوة الزائفة التي تتظاهر بها أمامه وتحتمي بها من أن يبدو عليها حبها له وتخبره بتلك المشاعر التي تجتاح أوصالها؟ تخبره أنها ستسير بأي طريق طالما يدها بيده ولكن عليه أن يعدها ألا يترك يدها أبدًا. تريد أن تخبره أنها لا تخاف من شيء قدر ابتعاده عنها بعد أن جعل حياتها تتوقف على وجوده بها.
"سيرين..." ناداها بنبرته الرجولية لتفتح عيونها فتنساب منها حدائق الزيتون التي جعلته يفقد النطق فلا مكان لأي كلمات بتلك اللحظة. ترك لمشاعره العنان ليجد نفسه يميل تجاهها ويلتقط شفتيها بين شفتيه في قبلة رقيقة لا تمت بصلة لقبلاته السابقة. إنها قبلة يتذوق بها طعم شفتيها برقة وهدوء وكأنه يخشى عليها أن تنكسر. ضربت دقات قلبها جنبات صدرها بقوة واجتاح الخوف أوصالها دون إرادتها من اقترابه لتتحرك يداها سريعًا تجاه صدره تبعده. استجاب لرغبتها على الفور وابتعد عن شفتيها بالرغم من ذلك الألم الذي اجتاح أوصاله لابتعاده عنها. كانت الحمرة تضرب كل إنش بوجهها بينما حُرمت عيناه من جمال غابات عيونها حينما أخفضتها بخجل وقد تُلجم لسانها.
ابتسم لها وهمس بخفوت: سيري... يا ريت تبعدي خدودك اللي عاملة زي التفاح دي من قدامي، أحسنلك.
رفعت عيناها إليه لتجد العبث يلمع بعيونه بينما يقول: مممم... شكلك كده عاملة زعلانة طول اليوم عشان أنسى عقاب اللي عملتيه قبل الفطار.
اتسعت عيناها وتراجعت للخلف: لا... لا عقاب إيه؟ هو أنا عملت حاجة؟
ضحك بشر قائلًا: أبدًا هو أنتي يا روحي بتعملي حاجة؟ ده كفاية البهدلة اللي بهدلتيها لزين.
امتعضت ملامحها لتهتف به: أنا...؟!
أومأ لها: حرام عليكي... ده حتى زين طيب أوي.
"مين ده اللي طيب؟" اقترب منها ومال ناحيتها ينظر لعيونها: زين... طيب ولطيف طالع لي.
رفعت حاجبيها: طالع لك؟
أومأ لها بابتسامة: مش طيب وساكت على طول لسانك من الصبح.
صمتت وخفضت عيونها واجتاحت الحمرة خدودها مرة أخرى. لن يصمد إن بقي أمامها لأكثر من هذا. سينقض على شفتيها ولن يتركها مهما فعلت.
نظر إلى اصطبل الخيول قائلًا بابتسامة: إيه رأيك تركبي معايا خيل؟
هزت رأسها: لا ما بأعرفش وبخاف.
أمسك بيدها وسار تجاه بوابة الاصطبل قائلًا: تعالي... وما تخافيش من حاجة وأنا معاكي.
أخرج أحد الأحصنة من حظيرته ووضع له السرج وقفز فوقه برشاقة ثم مد يداه لذراعها وبلحظة كان يضعها أمامه فوق الحصان.
لم يكن الخوف هو ما جعل دقات قلبها تتسارع بتلك القوة بل وجودها بهذا القرب منه فهي كانت حرفيًا بحضنه بينما أحاط صدره بظهرها ويده سيجت خصرها بقوة لينة بينما غرقت شفتاه بين خصلات شعرها الذي تطاير أمامه وهو يوخز الحصان بقدمه.
انسابت خصلات شعرها تتلاعب بها نسمات الليل كما انسابت مشاعرها ولم يعد لها عليها أي سيطرة ولماذا تسيطر على مشاعرها بينما هناك تلك البوابة من السعادة مفتوحة أمامها وتناديها لتدخلها. توصلت لحل لمعضلتها وهو أنها ستقتنص من السعادة تلك اللحظات دون أي تفكير يعكر صفوها. ستجمع العديد والعديد من اللحظات السعيدة لتمتلئ ذاكرتها بتلك الأوقات التي حتمًا ستحتاجها ما أن يسرق القدر تلك السعادة من بين يدها ويوقظها على الواقع. ستسير الطريق دون أن تهتم بنهايته. فالمتعة في الطريق وليس في النهاية. وها هو بطريقها فارسها الوسيم. شعر برأسها تستكين على صدره أكثر لتتحرك يداه فوق خصرها يشدد من احتضانه لها بينما يرقص قلبه طربًا من قربها. بعد فترة هدأ حمزة من خطوات الفرس بعد أن دخل إلى البوابة مجددًا ليقفز برشاقة من فوق الحصان ويمد ذراعيه ليحملها. كانت قريبة منه للغاية حتى شعرت بدقات قلبه المتعالية تلامس جسدها الذي التصق بصدره. تعالت أنفاسها صعودًا وهبوطًا لتتحرك عيناه تجاه صدرها الذي يعلو ويهبط من أنفاسها اللاهثة لترتفع عيناه إلى شفتيها ولم يعد يحتمل المزيد من الانتظار بلحظة كانت شفتاها بين شفتيه يقبلها بشغف وقوة يلتهم كل إنش بشفتيها التي أصبحت إدمانًا بالنسبة له. أغمض عيناه بينما تحركت إحدى يداه بين خصلات شعرها والأخيرة فوق خصرها يقربها إليه أكثر. لتزداد قبلته قوة وشغف جعلت أنفاسها تكاد تنقطع بينما هدرت دقات قلبها بجنون داخل صدرها ودق ناقوس الخطر لتتشنج بين يديه وترتجف بقوة بينما تتابعها ذكريات تلك الليلة برأسها دون إرادتها. أوقفه ارتجافها ليفتح عيناه المنتشية على ذلك الخوف الواضح بعيونها مسببًا له تلك الصدمة حينما رأى لمعان عيونها بالدموع قبل أن تركض من أمامه منسلة من بين يداه التي كورها وضرب قبضته بقوة. كم يكره نفسه لأنه من تسبب بهذا. حيوان... حيوان... هتف بنفسه باحتقار ونظرة عيونها التي انطبعت برأسه لا ترحمه.
على مضض في الصباح التالي تركتهم نبيلة يرحلون بعد وعد حمزة لها أنهم سيعودون بعد بضعة أيام. طوال الطريق كانت صامتة وهو أيضًا فبعد ما حدث ليلة أمس شعر حمزة باليأس فهي لن تنسى.
وهو احتقر نفسه لدرجة عجز عن النظر بعيونها لذا فالصمت أفضل لكلاهما.
ما أن وصلا للمنزل حتى قال: اطلعي أنتي أنا عندي شغل.
أومأت له دون قول شيء لتفتح باب السيارة وتهم بالمغادرة بينما قال: ما تتعبيش نفسك وتعملي فطار أنا هاجيب معايا أكل جاهز وأنا راجع.
لم تقل شيء وكان ذلك هو حالهما للأيام التالية مجرد بضع كلمات من جانبه أو جانبها. يجتمعون وقت الطعام الذي يحضره حمزة وهو عائد إلى المنزل الذي قلما أصبح يمكث به حتى لا ينظر لعيونها التي سبب لها كل هذا الحزن.
استيقظت بوسط الليل على كابوس مزعج لتخرج من غرفتها تحضر لنفسها كوبًا من الماء فشعرت بوجوده بالخارج. نظرت لتجده جالسًا إلى الشرفة وتحيط به هالة من دخان سجائره التي لا يتوقف عن حرقها وكأنها تخفف عنه؟ وقفت تنظر إلى ظهره الذي أحناه بينما غرق شاردًا في الفراغ الممتد أمامه يدخن بلا توقف. شعر قلبها بالشفقة عليه؟ إنه لا يستحق أن يكون بكل هذا الحزن أبدًا. تلك الليلة كما هي قاسية عليها فهي قاسية عليه. هي متأكدة وهي تراه يكاد يموت من تأنيب ضميره بينما يعجز عن النظر لعيونها. ألا يشفق قلبها عليه؟ ألا تغفر وتنسى؟
يا ليت بيدها!
نظر هشام لجنبات المنزل الخاوي من زوجته وابنته بهذا الشهر الكريم الذي قارب على نهايته بينما لا يذوق طعم النوم وعقله لا يتوقف عن التفكير يتذكر كل موقف كل كلمة كل مكالمة يعتصر عقله وهو يسير
خلف ذلك الخيط الذي سيوصله لذلك الخائن ومنه إلى سيدرا التي تدفع سيرين ثمن أخطائها. وهو سيدفع ثمن خطأه ويعترف بإثمه ولكن عليه أن يحاول إصلاح على الأقل شيء مما أفسده.
استيقظت سيرين باكرًا تنوي أن تراه قبل أن يذهب لعمله. لا تعرف ماذا يمكنها أن تقول ولكن حالته بالأمس مزقت نياط قلبها.
تحرك في الغرفة يرتدي ملابسه ليتعالى رنين هاتفه بنفس اللحظة التي كادت تطرق بها على الباب: صباح الخير يا حج.
"صباح الخير يا حمزة... جدتك مخلّياني أكلمك بدري كده عشان تقولك اعمل حسابك أنتوا الوقفة والعيد عندنا."
هز رأسه قائلًا: لا معلش يا حج مش هينفع.
"ليه بس يا حمزة؟"
"يعني... أنا أصلي ناوي آخد سيرين وأسافر."
اتسعت عيناها بينما تستمع إليه.
"معلش أجّل السفر يومين ما يجراش حاجة."
"اعذرني يا حج... مش هينفع... أنا أصلي زعلتها وعاوز أصالحها بالسفرية دي."
اجتاحت الابتسامة وجهها.
لتختطف نبيلة الهاتف من عبد الحميد قائلة: ولما تيجوا هتشوف أنا مجهزة لك إيه أحسن من السفرية.
"يا حجة..." قاطعته نبيلة بإصرار فولاذي: هاتيها وتعالي مش هتندمي.
نظر عبد الحميد إليها لتتسع ابتسامتها: برضه مصممة على اللي في دماغك؟
أومأت له: أيوه يا حج... أنا عاوزة فرح حمزة البلد كلها تتكلم عنه.
أسرعت من أمام باب غرفته حينما وجدته يخرج لتخفي ابتسامتها. فهو يحبها وإلا ما كان ليخطط لشيء لإسعادها!
"صباح الخير."
نظر إلى ابتسامتها المشرقة وقال: صباح النور.
لم تجد ما تقوله لتنظر إليه: هو أنت... أنت رايح الشغل؟
هز رأسه: آه عاوزة حاجة؟
هزت كتفها: لا... بس... أنا هاجهز الأكل النهاردة تحب تأكل حاجة معينة؟
"لا."
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رونا فؤاد
احتضنه عبد الحميد بعد انتهاء صلاة العيد التي كان لها طعم مختلف ذلك العام، بينما حمزة معه ووسط عائلته.
قال عبد الحميد: "كل سنة وأنت طيب ودايمًا وسط عيلتك يا حمزة يا ابن الغالية."
ابتسم له حمزة بصدق، فهو أيضًا يشعر بشيء مختلف هذا العام، وخاصة وهي معه.
قال: "وأنت طيب يا حج."
التفت عبد الحميد إلى شريف قائلًا: "جهزت اللي قلت لك عليه يا شريف؟"
أومأ له شريف: "تمام يا حج."
بعد دقائق، أوقف عواد تلك السيارة أمامهم.
قال عبد الحميد وهو يشير لتلك السيارة الحديثة التي اشتراها لحمزة: "دي بقى عيديتك من جدك يا حمزة."
التفت إليه حمزة بدهشة: "عيدية إيه بس يا حج؟ وبعدين أنا معايا عربية."
ضحك عبد الحميد: "هتكبر على جدك ولا إيه يا حمزة؟ وبعدين اركب كل شوية عربية أجدد من اللي قبلها. أنت حمزة حفيد عبد الحميد البدراوي."
ابتسم حمزة.
قال شريف: "كل سنة وأنت طيب يا حمزة."
قال حمزة: "وأنت طيب يا خال."
أشار عبد الحميد لعواد: "اركن أنت عربية حمزة بيه يا عواد، ويلا اجهز أنت والرجال عشان دبايح الفرح."
قال عواد: "أوامرك يا حج."
التفت إليه حمزة قائلًا: "بس ما كانش له لزوم كل ده."
قال عبد الحميد: "إزاي؟ ده أنت أول فرحة ليا، وجدتك صممت تعمل لك الفرح هنا وسط عيلتك، وكلمْنا زين صاحبك يجيب عيلته وأصحابك."
تلفّت حمزة حوله، بينما يحاول مرة أخرى الإفلات من نبيلة التي تقف له بالمرصاد وتمنعه من الصعود لغرفة سيرين منذ الصباح.
ما أن وجد الدرج خاويًا ونبيلة منشغلة مع النساء في الاستعدادات، حتى أسرع إلى فوق.
قالت: "رايح فين يا حمزة؟"
التفت إلى خالته التي ظهرت من العدم بوسط الدرج توقفه.
حمْحمَ قائلًا: "أبدًا، كنت طالع الأوضة، قلت أجهز."
أومأت له ولمع المكر بعيونها: "هتجهز من الضهر يا حمزة؟"
هز كتفه.
قالت: "طيب عمومًا، هدومك وحاجاتك كلها تحت في أوضة خالك."
نظر إلى خالته بطرف عينيه وزفر بخفوت وهو يستدير إلى الأسفل مرة أخرى، ألن يراها اليوم؟!
جلس في الحديقة لتشرد عيناه تجاه اصطبل الخيول، فتزداد رغبته برؤيتها الآن، فلن يحتمل البقاء هكذا دون رؤيتها إلى المساء.
أمسك بهاتفه ليتصل بها.
قال: "سيرين، انزلي لي."
قطّبت جبينها باستفهام: "أنزلك فين؟"
قال: "تحت، أنا في الجنينة."
هزت رأسها: "مش هينفع، أصل أنا مع ولاد خالتك وبنظبط حاجات."
قال بنفاذ صبر: "عايز أشوفك، انزلي يلا."
أفلتت ابتسامتها لتقول بدلال: "ولو ما نزلتش، هتعمل إيه؟"
ضحك قائلًا: "هطلع لك."
بادلته الضحكة وهي تقول بشماتة: "جدتك هتقفشك."
ردد ضاحكًا: "تقفشني؟"
قالت: "آه."
قال بمكر: "يعني مفيش أمل تنزلي لي خمس دقايق؟ بس أنا كنت عايزك في حاجة مهمة."
اشتعل حماسها الفضولي: "حاجة إيه؟"
قال: "لما تنزلي هقول لك."
صمتت.
قال بتشجيع: "يلا بقى يا سيري، أنا عند الاصطبل، انزلي بس أوعي حد يشوفك."
نزلت سيرين تنظر في أرجاء الحديقة بحثًا عنه.
كان حمزة واقفًا بجوار بوابة الاصطبل الخشبية مستندًا إليها بكتفه، وأول ما رآها أسرع تجاهها لتشهق بهلع حينما وجدت أحدًا يجذبها من ذراعها.
هتفت به بفزع: "حمزة، خضتني!"
أسند ظهرها إلى إحدى الأشجار الضخمة، ووقف أمامها ينظر إليها قائلًا: "خضيتك؟"
أومأت له لتلمع عيونها تحت أشعة الشمس فتزداد صفاء، جعله لا يرى شيئًا سوى جمال تلك العيون التي أمامه.
قالت: "ها، كنت عايزني في إيه؟"
ظل ينظر إليها لتزكزه بكتفه: "حمزة..."
قال وعيناه لا تتوقف عن النظر إليها: "ها..."
نظرت إليه بجبين مقطب: "ها، إيه؟ بقول لك عايزني في إيه؟"
اقترب منها لتتراجع سيرين بظهرها للخلف، بينما التصقت بتلك الشجرة خلفها، فوضعت يدها على صدره توقفه بجبين مقطب: "إيه يا عم أنت بتقرب كدة ليه؟"
"أوووف..."
زفر حمزة، فقد أفسدت تلك اللحظة بهذا اللسان.
قطّب حمزة جبينه مرددًا: "يا عم؟!"
داعب وجنتها قائلًا: "إيه يا سيري، بقى بذمتك في بنوتة حلوة وزي القمر تقول لجوزها يا عم؟"
لوت شفتيها التي انتوى ألا تفلت منه قبل أن يرتشف منها تلك القبلة التي كان ينتويها منذ الصباح.
قالت: "وفيها إيه؟"
مال ناحيتها ليتحدث أمام شفتيها وعيناه فوق عيونها، بينما تتغلغل رائحته الرجولية بكل إنش في كيانها: "فيها إنك تنسي دور البلطجي ده شوية، وتبقى بنوتة رقيقة."
رفعت حاجبيها باستنكار: "وأنت منزلني وواخدني من فوق عشان تقولي كده؟"
هز رأسه ولمع المكر بعينيه قائلًا: "لا طبعًا."
قطّبت جبينها: "أمال منزلني ليه؟"
بلحظة كانت شفتيها بين شفتيه يقبلها قبلة رقيقة ناعمة لا تكفي لإشباع جوع شفتيه، ولكنه لا يريد أن يدفعها إلى الخوف منه مجددًا.
اختطفتها قبلته الرقيقة لثوانٍ لتلك السحابة الوردية وتلك المشاعر التي دغدغت حواسها، بينما تلامس شفتيه شفتيها بتلك الرقة.
أفاقت بينما تعالت دقات قلبها لتضع يديها على صدره تحاول إيقافه.
استجاب حمزة لرغبتها على الفور وترك شفتيها، بينما ظلت أنفاسه المتعالية تجذب عيونها التي أخفتها خجلًا وهي تبحث عن كلمات تلقيها بوجهه.
"ذلك الوقح...!"
أكمل قلبها: "ذلك الوقح الذي تحبه... نعم تحبه وتذوب به حبًا!"
رأت اهتزاز نظرات عينيه وشعرت بالندم لأنها تبعده، ولكن دون إرادتها ما زال هناك هذا الخوف بداخلها والذي لا تفهمه، فهي تريد قربه وتشعر بالأمان برفقته، ولكنها ما زالت لا تستطيع التخلص من هذا الخوف، ربما من قساوة تلك الليلة!
كشرت ملامح وجهها حتى تخفي خجلها، بينما تنظر إليه مزمجرة: "أنت قليل الأدب، وأنا هقول لجدتك!"
ازداد قربًا منها يحشرها بين صدره والأشجار خلفها قائلًا بعبث، بينما تكاد تنفجر خجلًا وتبحث بلسانها عن مخرج: "هتقولي لها إيه؟"
هتفت: "هقول لها... هقول لها... إنك نزلتني و... و..."
مال ناحيتها ليهمس أمام شفتيها: "وبوستك."
كشرت وجهها ودفعته: "أوعي بقى كدة، عشان أنت رايق وبتهزر."
أمسك بكتفها: "ومابقاش رايق ليه؟ ده أنا حتى عريس النهاردة."
أفلتت ضحكتها.
غمز لها: "وعروستي حلوة وزي القمر."
عضت على شفتيها تكتم ابتسامتها التي يستطيع بسهولة رسمها على قسمات وجهها.
نظر إلى عينيها قائلًا: "طيب عروستي الحلوة مكشرة ليه دلوقتي؟"
نظر إلى عينيها وسألها: "اللي عملته ضايقك؟"
زفرت وهي تهز رأسها دون أن تنتبه لابتسامته حينما قالت إنها لم تتضايق من قبلته: "جدتك مصممة ألبس فستانها."
نظر إليها لتكمل بحنق: "أنت عارف ده معناه إيه؟"
قال ببلاهة: "إيه؟"
هتفت به بغيظ: "إيه اللي إيه؟ بقول لك عايزاني ألبس فستانها... فستان من خمسين سنة، هيكون عامل إزاي ده؟"
رفع حاجبه بتساؤل: "خمسين سنة؟ أنتِ عديتهم؟"
زجرته بضيق: "وأنا كنت حضرت فرحها يعني عشان أعرف من كام سنة؟ أهو من زمان وخلاص."
داعب خصلات شعرها بينما لا يهتم لشيء من حديثها سوى الوقوف أمامها والإشباع من النظر إليها، بينما يعشق غضبها الطفولي وهي تضرب الأرض بقدمها وتثور وتجول أمامه وتنتفخ وجنتيها احمرارًا وترشقه عيناها بشرر.
تنهد قائلًا بهدوء: "طيب عايزة إيه؟ عايزة فستان؟"
هزت رأسها بحيرة: "لا طبعًا، استحالة أضايقها بعد اللي بتعمله عشاني."
ابتسم لطيبة قلبها: "أمال إيه؟"
هزت كتفها وأحنت رأسها بتوتر: "ما أعرفش... أنا متعصبة ومتوترة وعايزة أتنرفز وخلاص."
"مش عارفة ليه؟"
نظر إليها بمكر قائلًا: "أنا أقول لك ليه."
رفعت عيونها إليه ليبتسم بخبث قائلًا: "أنتِ شكلك كدة بتتلككي وعايزة تتخانقي معايا وخلاص."
قالت: "يا سلام... وده ليه؟"
هز رأسه قائلًا بخبث: "عشان النهاردة فرحنا مثلًا."
هزت كتفها باستنكار: "يا سلام، وأنا هعمل كدة ليه؟"
قال بمكر وعيناه تلتهم ملامحها: "مش عارف... خايفة مثلًا زي البنات."
كشرت ملامحها: "أنا مش بخاف."
أومأ لها بتسلية: "آه، ما أنا عارف طبعًا."
اقترب منها وتابع بينما تتلكأ عيناه أمام جمالها: "طيب إيه رأيك نعمل بروفة صغيرة عشان التوتر يروح؟"
دفعته في صدره تهدر به: "بروفة إيه يا قليل الأدب أنت؟!"
ضحك عاليًا وقد أضحى يعشق تلك الكلمة من لسانها، بينما يغرق وجهها في حمرة الخجل.
قال بخبث: "بروفة على الفرح، مخك راح فين؟ لا أنا كدة هخاف على نفسي منك."
زمت شفتيها بغيظ بينما تعالت ضحكته لتلكمه بصدره: "والله... أنت بارد."
ضحك لها قائلًا بهيام: "وأنتِ زي القمر."
رفعت حاجبيها وأفلتت ابتسامتها لتقول بدلال: "يا سلام."
أومأ لها وعيناه تكاد تخرج من مكانها: "آه... وأي حاجة تلبسيها هتبقى حلوة."
ابتسمت له برضى ليكمل بعبث: "وعمومًا لو الفستان مضايقك أوي كدة بلاش منه خالص، وأجيب لك حالًا الفستان اللي يعجبك."
ملأت الابتسامة وجهها ونظرت إليه: "بجد يا حمزة؟"
أومأ لها ومد يديه ليمررهما برقة على وجنتها الناعمة: "بجد يا عيون حمزة، المهم تبقي مبسوطة... وبعدين شاغلة نفسك بفرح ساعتين ويخلص، خلينا في المهم."
نظرت إليه ببراءة طفولية ليكمل بعبث: "أنا الصبح وأنا باخد هدومي، لقيت الحجة حاطة شوية لبس ليكي في الدولاب تحفة، هموت وأشوفهم عليكي."
زمت شفتيها ولكمته بصدره: "أنت قليل الأدب."
قال ببراءة: "أنا؟"
أومأت له: "آه... أنت وجدتك."
ضحك قائلًا: "طيب والست ذنبها إيه؟"
نظرت إليه بشرر: "مش هي اللي جابت الحاجات دي... تلاقيك أنت اللي قلت لها."
هز رأسه ببراءة: "أنا... لا طبعًا... بس عندها نظر."
قالت: "يا سلام."
قال: "آه... وذوقها حلو أوي."
وكزته بصدره بوجهه أحمر: "ابقى البسهم أنت."
أحاط بخصرها يوقفها أمامه قائلًا بعبث: "ما بلاش تستفزيني، أنا مش ناسي يا حيوان اللي قلتها من شوية."
تململت من بين يديه: "أوعي كدة... سيبني خليني أطلع قبل ما جدتك تدور عليا."
اختطف قبلة من وجنتها: "ولو ما سبتكش؟"
قالت نبيلة: "حمززززة!"
أفلتت ضحكتها على تجمده مكانه حينما أتاه صوت جدته خلفه وكأنه طفل ممسوك بالجرم.
انسلت سيرين من بين يديه وأسرعت تصعد للغرفة.
نظر حمزة إلى جدته: "إيه الرعب اللي أنتِ عاملاه لي ده يا حجة؟"
ضحكت نبيلة وجذبته لحضنها: "مش دي الأصول يا ولدي؟"
زفر بنفاذ صبر: "أصول إيه بس... دي مراتي."
أومأت له بابتسامة: "عارفة... بس عشان توحشك."
ضحك قائلًا بشقاوة: "يا ستي وحشاني."
ضحكت له نبيلة وقالت بحنان وهي تربت على ظهره، فكم تسعدها رؤيته سعيد: "ربنا يسعدك يا ولدي."
قال: "يا رب يا حجة."
قالت: "تعالى بقى معايا عشان عايزاك في حاجة مهمة."
ذهب خلفها لتدخل إلى غرفتها وهو خلفها.
أخرجت علبة كبيرة من القطيفة لتعطيها له قائلة: "ده دهب أمك الله يرحمها يا حمزة."
"خده، ده حقك."
هز رأسه: "لا..."
قاطعته: "وأنا قلت ده حقك..."
ابقي اديه لمرتك.
هز رأسه لتضعه بين يده قائلة: خد بقي وخلينا في المهم.
نظر إليها لتكمل: أنا عاوزاك تعامل أم مراتك كويس النهاردة عشان متكسرش بخاطر سيرين.
قطَّب جبينه: مين اللي جابها؟
قالت نبيلة باستنكار: وهو أنت كنت عاوز إنها متحضرش فرحها يا ولدي؟
زفر وقد تغيرت ملامحه: أنا مش عاوز لها علاقة بأي حد منهم.
ربتت نبيلة على كتفه تهدئه: بس دي أمها مهما كان يا ولدي.
نظر إليها لتبتسم برجاء: متكسرش فرحتها.
أومأ لها لتقول: ربنا يسعدكم.
***
نظرت سيرين إلى تلك العلبة الضخمة التي وضعتها نبيلة أمامها وقد رقد بداخلها ذلك الفستان الذي خلب أنفاسها بقماشه الفاخر. شهقت الفتيات حينما أخرجت نبيلة الفستان الذي طُرِّز قماشه الأنيق بصنع اليد.
"تحفة يا تيتة."
ابتسمت نبيلة: وهيبقى أحلى على سيرين.
بالفعل من كثرة جماله خشيت سيرين أن ترتديه لتفلت ضحكتها عن غضبها السابق لأنها سترتدي ثوب جدته.
نظرت هدى بعيون تملؤها الدموع وهي ترى ابنتها بالثوب الأبيض وقد طبطب على جروحها رؤية صغيرتها بتلك السعادة لتنظر إلى أختها هناء وتهز رأسها فقد قالت هناء من قبل أن ربما نصيب سيرين الجيد بحمزة.
***
تنهدت ريحان وهي تدخل إلى غرفة الفتيات قائلة: ياااه زي القمر. مش لو كانت علاقتنا كويسة من زمان كان زمانه متجوز واحدة فينا.
نظرت إليها سارة باستنكار: حمزة؟
أومأت لها بهيام: فظيع يا سارة. حلو أوي.
وكزتها سارة بكتفها: إيه قلة الأدب دي؟ أنتي اتجننتي.
زجرتها ريحان قائلة: وفيها إيه مش ابن خالتي؟
أومأت سارة بعقلانية: ابن خالتك ومتجوز. متنسيش دي.
قالت ريحان بخبث: وأنت عرفتي بقي إيه حكاية جوازة دي؟
قطبت سارة جبينها باستفهام: حكاية إيه؟
قالت ريحان: عارفة اللي حمزة متجوزها دي تبقى مين؟ دي تبقى أخت مراته الأولانية.
شهقت سارة بعدم تصديق: أنتي مجنونة أكيد.
تابعت ريحان تخبر سارة بما استدرجت والدتها لمعرفته.
"شفتي بقي إن الجوازة دي مش جوازة طبيعية. ماما بتقول إنه اتجوزها عشان يضمن رجوع فلوسه بعد ما أختها نصبت عليه."
هزت سارة رأسها تحاول استيعاب ما سمعته لتكمل ريحان: حمزة خسارة في البت دي.
زجرتها سارة: حرام عليكي يا ريحان. سيرين طيبة وبقت صحبتنا.
رفعت ريحان حاجبها: صاحبتك أنت يا حبيبتي إنما أنا.. لا. حمزة قريب أوي أكيد هيطلقها ووقتها لما يحب يتجوز.. أكيد هتكون واحدة فينا.
قطبت سارة جبينها باستنكار: ليه بس كده حرام عليكي تتمني لهم حاجة زي دي؟ وبعدين إي إن يكون سبب جوازهم واضح أوي إن هما بيحبوا بعض ومش هيطلقها. يا ريت بقي تنسي كل اللي قلتيه من شوية عشان ميصحش.
هزت رأسها: أنسى إيه؟ لا طبعًا.
***
تعالت أصوات الطبول تعلن عن نزول سيرين التي كانت تلك الطرحة الشفافة تحجب ملامحها عنه بينما وقف أسفل الدرج وسط عائلته وكم كان يبدو وسيمًا ببدلته السوداء الأنيقة وهالته الواثقة التي تحيط به بينما يشع رجولة ووسامة. تركزت نظراته فوقها وغاب عنه كل ما حوله كلما تقدمت خطوة نحوه لتتوقف أخيرًا أمامه فيرفع ببطء طرحتها عن وجهها فتتقابل عيناه بعيونها بنظرات انحفرت بذاكراتها وقد حملت مشاعر لا تصفها كلمات. انمحى كل شيء بذاكرته عن كل ما مضى ولم يعد يرى سوى أن تلك الجميلة اليوم هي زوجته وحلاله وله بكامل إرادتها التي أعلنتها بتلك الابتسامة على شفتيها الوردية. بينما نظراته لها حملتها لعالم آخر لم تعد ترى فيه سوى زوجها وفارس أحلامها الذي سيتزوجها اليوم وكأن ما مضى لم يكن! أو ربما ما مضى كان الخطوة الصعبة التي كان على كليهما أن يخطوها للوصول لهذا اليوم وتلك اللحظة! إن كان ما حدث له سبب في أن تكون هي بحياته فهو الآن وبتلك اللحظة راض بذلك الثمن!
ارتجفت من فرط سعادتها ومن تلك الكهرباء التي سرت بجسدها حينما لامست شفتاه جبينها يطبع قبلة طويلة عليه وهو يهمس: مبروك.
احتبس صوتها بحلقها من الخجل فأجابته بإيماءة من رأسها.
تعالت الطبول من حولهم مرة أخرى لتمضي سيرين وسط النساء بينما حمزة بالخارج حيث الاحتفال الضخم الذي أقامه عبد الحميد وحضره كبار العائلات.
احتضنه زين بسعادة: ألف مبروك يا حمزة.
"الله يبارك فيك يا حبيبي عقبالك."
مال بسعادة ليحمل منه أسر فقد حضرت أخت زين نهلة ووالدته معه لحضور الزفاف وبرفقتهم الطفل الصغير. احتضنه حمزة بحنان هامسًا: حقك عليا اتحرمت من أبوك بسببي.
ربت زين على كتفه: ده أمر ربنا يا حمزة. تابع بمرح: وبعدين إيه يا عريس هتقلبها نكد ولا إيه؟
ابتسم حمزة باقتضاب وحاول أن ينسى مؤقتًا ولكن أي سبيل للنسيان بعد كل هذا الغدر.
جلست هدى وهناء بجوار سيرين لتقول هدى بسعادة: ربنا كبير أوي يا بنتي وإن شاء الله هيعوضك خير.
قالت سيرين بفرحة: ما هو عوضني يا ماما. حمزة طيب أوي.
تنهدت وتابعت: أنا مش زعلانة من أي حاجة عملها قبل كده.
ربتت هناء على كتفها: ربنا يسعدك يا بنتي. مش قلتلك محدش يعرف الخير فين؟
أومأت لها لتتقدم نهلة أخت زين ونجوى والدته ليصافحوها. فاتسعت ابتسامتها بعدم تصديق حينما رأت أسر برفقتهم.
احتضنته سيرين بحنان وأخذت تقبله كثيرًا: وحشتني أوي أوي يا أسور.
نظرت إليها نبيلة باستفهام لتقول: ده ابن محمود الله يرحمه السواق بتاع حمزة.
تأثرت ملامح نبيلة لمعرفتها أن والد الطفل قد مات ووالدته مريضة.
***
لم تتوقف نبيلة عن الابتسام بسعادة طوال الزفاف وتعالت الزغاريد وأصوات الموسيقى طويلًا حتى أتت إليها حياة قائلة: يلا يا سيرين حمزة بره.
تعالت الزغاريد حولها بينما توجهت للخارج وسلمى وبنات خالاته يحملون ذيل ثوبها. وقفت أسفل الدرج مع نبيلة بينما أتى حمزة لأخذها للأعلى بعد انتهاء الحفل ودقات قلبه تسبقه فهي اليوم له وزوجته.
وضعت يداها بيديها وسارت معه بضع خطوات لتتوقف وتلتفت خلفها قائلة: حمزة. خلي أسر معانا.
بوغِتت ملامحه ليسألها بخفوت: معانا فين؟
قالت برجاء: معانا على طول. عشان خاطري يا حمزة ده كان واحشني أوي.
أومأ لها: حاضر. أول ما أرجع هخلي زين يجيبه.
هزت رأسها: لا دلوقتي.
قالت نبيلة باستنكار: دلوقتي إيه يا بنتي. الليلة دخلتكم.
ضربت الحمرة وجه سيرين وأرادت أن تحرق نبيلة بنظراتها لتلميحها الوقح بينما قالت: بس أنا عاوزاه.
أفلتت ضحكة حمزة على تصميمها الطفولي ليهمس بجوار أذنها بينما فاجأها وهي ينحني ليحملها بنفس اللحظة: حاضر هبقى أجيبهولك.
شهقت سيرين وزجرته بينما يصعد بها الدرج: بتعمل إيه يا مجنون؟
"هكون بعمل إيه. عريس وشايل عروسته."
دفنت وجهها في عنقه بخجل تنظر حولها وتشكر ربنا أن نبيلة هي وحدها من كانت واقفة أسفل الدرج.
دفع الباب بقدمه ليغلقه وتقدم بها ليضعها برفق فوق الفراش الحريري الوثير.
تسارعت أنفاسها وازدادت دقات قلبها بجنون بينما كانت بهذا القرب منه وتحيط عنقه بذراعيها. تكاد تموت خجلًا وخوفًا بنفس الوقت وهي تعرف أن تلك الليلة ليست ليلة زفاف طبيعية فما زالت تتذكر وحشيته معها دون إرادتها ومهما حاولت تهدئة نفسها إن الخوف بداخلها يزداد!
ظل الصمت مسيطرًا على كليهما لدقائق قبل أن يقطعه صوتها المستنكر حينما رأت حمزة يخلع سترته: إيه ده. إيه ده. أنت بتعمل إيه يا أخ أنت؟
أفلتت ضحكته الرجولية غير مصدق ما تنطق به تلك الجميلة التي يقلب الخجل كيانها فتلجأ إلى لسانها على الفور.
زجرته بجبين مقطب حينما ضحك بتلك الطريقة: أنت بتضحك على إيه؟
نظر إليها قائلًا: على أخ دي. أنتي بتجيبي الكلام ده منين يا سيري؟
أفلتت ابتسامتها لتقول بدلال: تعرف إن سيري دي حلوة منك.
ابتسم لها وتقدم ناحيتها بضع خطوات قائلًا وعيناه تتحرك ببطء فوق ملامحها الجميلة وأصابعه تتحرك تجاه إحدى خصلات شعرها ترفعها خلف أذنها: مش أحلى منك.
خفضت عيناها بتوتر شديد وخجل أشد ليراها تفرك أصابع يدها وعيناها تبحث عن سبيل للهروب من أمامه.
"سيرين."
رفعت عيناها ناحيته لتلتقي بعيناه التي تحولت للجدية بينما يرفع ذقنها برفق لتنظر إليه وهو يقول: سيرين أنا عارف إن اللي حصل بينا كان صعب عليكي وإنك صعب تنسيه.
نظر إلى عيونها وتابع بنبرة راجية: بس أنا نفسي تنسيه. لو بإيدي أرجع الزمن كنت هرجع وأمسح الليلة دي وعمري ما هكرر اللي عملته.
لمعت الدموع بعيونها بينما حركت نبرته الحنونة مشاعرها وهي تشعر بيداه تحيط خصرها وقربها إليه وهو يكمل: أنا مش عاوزك تخافي مني يا سيرين. الخوف اللي بشوفه في عينيكي بيقتلني. اتأكدي أنا عمري ما هعمل حاجة تأذيكي أو تضايقك. وعمري ما هغصبك على حاجة أنتي مش عاوزاها. لو مش عاوزاني أقرب منك ولسه مش مستعدة أنا معنديش أي مانع. خذي كل الوقت اللي أنتي عاوزاه. كفاية إننا مع بعض.
قبل رأسها قبلة طويلة يستنشق عبير خصلات شعرها الناعم وأكمل برجاء: اديني فرصة أنسيكي الليلة دي يا سيرين.
أومأت له بابتسامة بينما اختفت تلك الدمعة الحزينة وحلت محلها دمعة سعادة.
"أنا هدخل أغير هدومي وأنتي غيري براحتك."
ابتسم لها فبادلته الابتسامة بينما توجه إلى الخزانة ليسحب ملابسه.
"سيري."
التفتت إليه ليغمز لها بمكر وهو يرفع أحد القمصان ذات اللون الأحمر قائلًا: ما تلبسي ده.
احتقن وجهها بالخجل بينما قطبت جبينها وهي تجذبه من يده بقوة: ألبس ده في عينك.
رفع حاجبه ببراءة: أنا هبص بس مش هعمل حاجة.
استدارت بسرعة تخفي عيناها من أمامه ووجهها الذي التهب خجلًا: أنت قليل الأدب على فكرة.
قال بشقاوة: وأنتي زي القمر على فكرة.
زجرته وهي ما زالت توليه ظهرها: طيب يلا بقي روح غير هدومك.
ما إن دخل إلى الحمام حتى وقفت أمام تلك الخزانة تبحث بداخلها عن شيء لترتديه وسط تلك الملابس الحريرية والشفافة التي امتلأت بهم الخزانة.
"إيه ده. دي ست قليلة الأدب أوي زي حفيدها. ألبس الحاجات دي إزاي."
فركت خصلات شعرها بينما حررته من عقدته وتركته ينسدل على كتفها وهي تفكر بماذا سترتدي لتذهب عيناها لقسم ملابس حمزة. أخذت منها بنطال ولكنه مستحيل أن ترتديه فهو كبير للغاية وستغرق بداخله. سحبت أحدث قمصانه وهي تراه وصل إلى ركبتها لتجده مناسبًا. بصعوبة حررت سحاب فستانها إلى منتصفه وهي تتبرطم: وأنا اللي فاكرة إن البنات بتدلع وهي بتقوله تعالى افتحلي السوستة. أوووف.
وقفت تحاول مجددًا فتح السحاب وتحاول أن تخلعه مع استحالة أن تطلب منه شيء كهذا.
"لا طبعًا يقول عليا إيه."
حررت كتفيها من الفستان أخيرًا بعد أن لهثت أنفاسها لتسرع ترتدي قميصه وتغلق جميع أزراره حتى عنقها وشمرت أكمامه بينما مسحت وجهها من مساحيق التجميل ورفعت خصلات شعرها بفوضوية.
طرقت على حمزة الباب لتخبره أنها انتهت.
ليتنهد قائلًا: أخيرًا. أنا بقالي ساعة.
فتح الباب ليتسمر مكانه وهو يراها ترتدي قميصه. نظرت إليه بطرف عيناها بتوجس بينما عيناه تلتهم تفاصيلها: إيه اللي أنتي لابساه؟
هزت كتفها: استحالة ألبس اللي في الدولاب.
قال وهو يفرك وجهه فهي إن ارتدت إحدى قمصان النوم أفضل له من قنبلة الإثارة التي أمامه الآن وهي ترتدي قميصه.
"أنت بتبص ليا كدة ليه؟"
اقترب منها لتتراجع خطوة إلى الخلف، بينما عيناه تلتهم تلك الأقدام الحافية التي برزت من أسفل قميصه، قائلًا ببطء عابث وهو يجذبها إليه: "عارفة يا سيري..."
نظرت إليه ببراءة، لتحيط يداه بخصرها البض، بينما تابع: "عارفة إن اللي أنتِ عاملة ده مغري أكتر من القمصان اللي في الدولاب."
قطبت جبينها بعدم فهم، ليقول بينما لغى الخطوة الفاصلة، وأصبحت بين ذراعيه وعيناها غارقة بنظرات عينيه التي تنطق بحبها: "الست لما تلبس قميص جوزها تبقي بتحبه."
ارتجفت نظراتها وأسرعت تخفضها عن عينيه لتقول بتلعثم: "بتت... بس... بس... أنا..."
"ششششش..." همس وهو ينحني أمام شفتيها: "ما تقوليش أي حاجة."
بلحظة كان يرفعها بين ذراعيه ويحملها ليضعها على الفراش. وما إن حاولت الابتعاد حتى قال بحنان: "قلت ما تخافيش... أنا بس هاخدك في حضني..."
***
وبالفعل كان الأسبوع التالي لهما كزوجين يقتصر على وجودها بين ذراعيه تنام كل ليلة، وهو يكتفي بوجودها بين ذراعيه وهي تطمئن لجانبه. لا تنكر أن حنانه ورقته غلبت كل الخوف بداخلها، وقد رفرفت السعادة حولهما بينما بدأت حياتهما بهذا المنزل الجديد يتشاركان بها الحياة والكلام والنوم والضحك وكل شيء. تنمو علاقتهما ويقتربان شيئًا فشيئًا. تحب قربه ونظراته وهمساته وحتى قبلاته الرقيقة بين الحين والآخر حينما تسمح له، لتجد أن حياتها أصبحت تتمحور حوله وحبها له يزداد يومًا بعد يوم. تنتظر عودته من عمله كل يوم ليتبادلا الحديث سويًا. تتلاعب بأوتار قلبه على نسمات تلك السعادة التي يشعر بها بقربها يومًا بعد يوم. يريدها أن تكون له ولكن بإرادتها فهذا أقل ما يفعله لها ليمحو العذاب الذي رأته على يده.
استيقظت في الصباح حينما شعرت ببرودة الفراش بجوارها لتقوم من مكانها وتخرج من الغرفة بحثًا عنه. كان جالسًا على الأريكة وحوله أوراق عمله الكثيرة ينظر إليها بتركيز.
"صباح الخير."
رفع عينيه لها بابتسامة: "صباح النور."
جلست على ذراع الأريكة بجواره ومدت يديها بغير وعي تداعب خصلات شعره المبعثرة من كثرة ما عبث بها، وقد حفظت عادته وهو يعمل يعبث بخصلات شعره.
"صاحي بدري ليه؟"
"عندي النهاردة مناقصة مهمة أوي... لو أخدتها هتفرق معايا كتير."
ابتسمت له وربتت على كتفه قائلة بتشجيع: "هتكسبها إن شاء الله."
أومأ لها بابتسامة: "إن شاء الله يا حبيبتي."
قالها بعفوية ولكنها انحفرت بداخل قلبها الذي يهفو لسماع اعترافه بحبها والذي تراه وتشعر به، ولكنه لم يعترف به حتى الآن.
نظرت معه بينما يشرح لها بعض التفاصيل بعمله لتشجعه: "ما تقلقش إن شاء الله هتكسب المناقصة دي."
ابتسم لها لتقول: "هقوم أجهزلك الفطار."
أومأ لها وجمع أوراقه بحقيبته: "لو نازلة الشغل يلا عشان أوصلك في طريقي."
أومأت له وأسرعت تعد الإفطار وترتدي ملابسها.
***
ودعته حينما أوصلها أمام عملها ليتفاجأ بها تميل ناحيته وتطبع قبلة على وجنته قائلة: "ربنا معاك."
لم تفارق الابتسامة وجهه بعد أن بدأ صباحه بابتسامتها وقبلتها وكلماتها له. وياله من صباح!
أجابت هاتفه سريعًا ليأتيها صوته: "المناقصة رسيت عليا."
قالت بسعادة: "مبروك يا حبيبي..." ابتلعت كلماتها وهي تتلعثم: "قصدي مبروك يا حمزة."
قال بمكر والسعادة تزلزل وجدانه: "طيب وحبيبي دي أعمل نفسي ما سمعتهاش."
صمتت ليقول بنفاذ صبر: "طبعًا خدودك زي الفراولة دلوقتي."
قالت بخجل: "يووه بقى يا حمزة."
ضحك قائلًا: "وهو حمزة عمل حاجة... ده حتى حمزة راجل لطيف ومؤدب ومطيع."
زجرته: "حمزة بس بقى."
"بشرط..."
"ايه؟"
"إحنا نرجع من أول المكالمة."
قالت باستفهام: "أول إيه؟"
"من أول كلمة حبيبي."
قالت بخجل: "حمزة..." قاطعها بهيام: "عيون حمزة."
"بطل بقى."
أومأ لها قائلًا: "حاضر هبطل مؤقتًا... عمومًا أنا هحاول ما أتأخرش النهاردة."
ابتسمت له قائلة: "ماشي... هستناك."
اندفعت الدماء لوجهها حينما أرسل لها قبلة عن طريق الهاتف قائلًا: "سلام يا عيون حمزة."
***
شهقت سيرين حينما التفتت ووجدت مديرها السمج خلفها. طالعها بنظراته الخبيثة بينما قال بتهكم: "نسيب شغلنا ونتكلم في التليفون يا ناخد إجازات؟"
زمت شفتيها قائلة: "خير يا أستاذ أحمد، في حاجة؟"
مد يده بأحد الملفات: "عاوز الورق اللي في الملف ده."
جذبت الملف من يده بحدة ودخلت إلى مكتبها تزفر بضيق لتنهي العمل المطلوب منها سريعًا وتعود للمنزل وقد انتوت إعداد مفاجأة له طال تفكيرها بها.
دخل حمزة إلى المنزل ليجد الهدوء يعم المكان فنظر إلى باب الغرفة المغلق بإحباط... فهي قد نامت. نظر إلى علبة الشيكولاتة السويسرية التي أحضرها لها خصيصًا وهز رأسه بإحباط ثم وضعها على الطاولة وتابع طريقه إلى الغرفة وهو يخلع ربطة عنقه. تسمّر مكانه حينما فتح الباب ووجدها في انتظاره. لا يصدق عينيه وهو يرى تلك الشموع وسط الطاولة الصغيرة التي جهزتها له، بينما وقفت أمامه وقد ارتدت ذلك القميص الحريري الأبيض وانسابت خصلات شعرها على كتفها لتبدو أمامه اليوم كعروس. لحظات مرت وهو واقف مكانه يتأملها وقد ضاعت كلماته فأي كلمات قد تصف تلك المشاعر الجياشة بصدره فهو غير مصدق. تجرأت وخطت تجاهه لترفع نفسها على أطراف أصابعها وتحيط عنقه بذراعيها قائلة بدلال: "اتأخرت ليه؟"
أحاط خصرها بذراعه يرفعها إليه وعيناه تلتهم كل إنش بها ليقول بنبرة مبحوحة من فرط انفعاله: "لو كنت أعرف إن المفاجأة دي مستنياني كنت سيبت الشغل وجيت جري."
همست بدلال وهي متعلقة بعنقه: "كنت هتسيب شغلك عشاني؟"
قال وهو يهمس أمام شفتيها: "أنا أسيب الدنيا كلها عشانك..."
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رونا فؤاد
قال وهو يهمس أمام شفتيها: "أنا أسيب الدنيا كلها عشانك."
رفعت عيناها الجميلتان إليه قائلة بابتسامة:
"بجد يا حمزة؟"
همس أمام شفتيها: "بجد يا عيون حمزة."
قالت بنبرة ناعمة: "يعني مش هتزهق مني؟"
رفع حاجبه مرددًا باستنكار: "أزهق...؟!"
"ده أنتِ بقيتي إدمان... أنا خلاص ما بقتش أقدر أبعد عنك."
هزت رأسها بصدق قائلة: "ولا أنا."
داعب أنفها بأنفه قائلًا: "بجد يا سيري؟"
أومأت له: "آه."
اتسعت ابتسامته ليقول بعبث: "طيب إيه بقى، إحنا هنقضيها كلام... مش هنأكل... ده أنا حتى هموت من الجوع."
أومأت له: "طيب يلا نأكل."
هز رأسه، وبلحظة شعرت بقدميها ترتفع عن الأرض، وقد قبعت بين ذراعيه.
خجلت وأخفضت عيونها من مواجهة عينيه التي تتراقص بها السعادة، فها هي قاب قوسين من أن تكون له وبملء إرادتها.
قالت بارتباك وتوتر من نظراته التي لا تترك عيونها: "أنت مش قلت جعان؟"
أومأ لها وسار وهي بين ذراعيه قائلًا: "ما أنا مش جعان أكل..."
همس بجوار أذنها وهو يخطو تجاه فراشهما: "أنا جعان ليكي..."
احتقن وجهها بالحمرة بينما تعالت دقات قلبها وهو يضعها برفق فوق الفراش ويهمس لها بحنو بالغ: "أنتِ مش متخيلة أنا استنيت اللحظة دي قد إيه."
اقترب منها لتهتز نظرات عيونها دون إرادتها، فتتحرك يداه برقة فوق خصلات شعرها وهو يهمس بحنان: "ما تخافيش يا سيرين... أنا عمري ما هأذيكي..."
أحاطت ذراعاه بها وقربها إليه، فأغمضت عيناها واستسلمت لاقتراب شفتيه من شفتيها، يقبلها بنعومة سرعان ما تحولت لتوق وشغف، ليشعر بتيبس جسدها الخائف بين يديه مهما قاومت ذلك الخوف، فيزيد من التفاف ذراعيه حولها وتبدأ شفتاه تعزف سمفونية رقيقة من الغزل والكلمات الرقيقة، يهديء توترها وخوفها... انحنى ليطبع قبلات متفرقة على عنقها قلبت عالمها، بينما تطرق تلك المشاعر التي تحسها لأول مرة قلبها.
شعر بيدها فوق صدره تحاول إيقافه، فوضع يديه فوق يديها ودفن رأسه بعنقها يهمس بكلماته الرقيقة بجوار أذنها ليطمئن قلبها للمساته وهمساته، فأغمضت عيناها باطمئنان وهي تشعر أنها تحلق... تحلق من دون جناحين... تحلق بعيدًا في سماء وردية مليئة بهذا الشغف والحب الذي يبثه لها... ضمها حمزة إلى صدره بقوة ولين وهو لا يصدق أنها وأخيرًا له وبإرادتها، بل وتمنحه الفرصة ليمحو فداحة خطئه السابق... فكل لمسة منه كانت تمحو بها قساوة تلك الليلة... امتلأت دقات قلبه بمشاعره الجياشة تجاه تلك الصغيرة التي استحوذت على كيانه لتفيض بسيل من المشاعر سلبت استسلامها له ولتلك العاطفة التي أغدقها عليها بتلك الرقة والحنان، فاستسلمت تمامًا له لتتحرك يداه مع شفتيه تزيل تلك الحواجز الوهمية من الخوف بداخلها... فعن أي خوف تتحدث وهي بين ذراعيه حيث سيكون أمانها وحمايتها.
حلقت بعيدًا لعدة ساعات بين ذراعيه الخبيرتين اللتين أذاقها بها فنون عشقه، ليسحبها إلى تلك المشاعر التي تشعر بها لأول مرة، راعى فيها خوفها منه لينسيها أي قسوة عانتها مسبقًا على يده... بعد عدة ساعات كانت ذراعاه تحيطان بها بقوة بينما توسدت صدره بخجل شديد...
داعب خصلات شعرها برقة وطبع عليها قبلة طويلة متمتمًا بحب: "أخيرًا بقيتي ليا."
احمر وجهها خجلًا لتدفنه في عنقه وهي تتمتم بخفوت: "أنا ليك من أول ما اتجوزنا."
هز رأسه وطبع قبلة مجددًا على خصلات شعرها: "لا أنتِ ليا من اللحظة اللي شفت فيها موافقتك إنك تكوني ليا."
أغمضت عيونها وسحبت نفسًا عميقًا فمن كان يتخيل أن تكون له وبكامل إرادتها بعد كل ما مر عليهما... أرجع رأسه للخلف قليلًا لينظر إلى عيونها الخضراء الجميلة قبل أن يقول بعبث: "أنا جبتلك شيكولاتة على فكرة."
رفعت رأسها من على صدره بحماس: "بجد؟"
أومأ لها قائلًا: "آه... هتلاقيها بره."
جذبت الغطاء حولها وقفزت من مكانها كطفلة صغيرة... عادت بعد لحظات لتجده واضعًا إحدى يديه خلف رأسه التي أسندها لظهر الفراش بارتياح... قفزت مجددًا بجواره على الفراش ليضحك حمزة قائلًا: "قنفذ بينط."
رفعت حاجبيها: "أنا قنفذ؟"
أومأ لها وهو يداعب خصلات شعرها بمرح: "آه... بس أحلى قنفذ."
ضحكت قائلة: "أنا هأسكت لك بس عشان الشيكولاتة الحلوة اللي جبتها لي."
ابتسم لها قائلًا: "بالهنا والشفا."
وضعت قطعة الشيكولاتة بين شفتيها باستمتاع لينظر إليها قائلًا: "طيب ما فيش مكافأة؟"
أومأت له ورفعت نفسها ناحيته وقبلت وجنته.
ليهز رأسه قائلًا بجبين مقطب: "لا مش عاوز دي."
نظرت إليه باستفهام ليقول: "أنا عاوز أدوق الشيكولاتة."
مدت يديها إليه بالشيكولاتة: "ما تدوق."
"العلبة قدامك أهي."
هز رأسه وقال بمكر بينما أحاط خصرها بذراعه: "لا عاوزها من شفايفك."
ببراءة سألته: "إزاي؟"
ضحك بخبث وهو يميل ناحيتها: "كده يا روحي..."
بلحظة كانت شفتاها بين شفتيه يلتهمها بقبلة عاصفة عصفت بحياتها، فقد مرت عليهما ثلاثة أسابيع من الرومانسية التي لا تنتهي يغدقها فيها حمزة بالحب والحنان والهدايا... تتدلل كثيرًا وهو يعشق تدليلها، فتلك الصغيرة فعلت به ما لم تفعله أخرى سواها... إنه يعشق كل شيء بها... وجهها الجميل عيونها الخضراء وشعرها الثائر حول وجهها وطولها الذي يصل لمنتصف صدره بينما لسانها يمتد لعشرة أمتار... يعشق جنونها واندفاعها وغضبها وحتى طول لسانها، فهي كما قالت جدته فرسة تليق به كثيرًا... فرسة عنيدة اجتذبته بترويضها الذي بمقدار صعوبته بمقدار المتعة فيه... إنها تناسبه تمامًا وكأنها نصفه الآخر التي جاءت لتكمل كل نقص به... يعشق حديثها معه ومشاكستها له وحتى غضبها منه واستفزازها له، وبعد ذلك تلك البراءة التي تنساب من بين أشجار عيونها وتغرقه حتى أذنيه في رقتها وجمالها... إنها أنثى لا تشبه أحد... تارة طفلة بريئة وتارة امرأة بالغة الأنوثة تفقده صوابه وتارة أخرى فتاة مستفزة تجعله يريد خنقها، إنها مزيج يفقده اتزانه ولا تحققه سواها... داعبت الابتسامة شفتيه حينما وصلته رسالة إلكترونية منها ليرفع هاتفه يقرأها: "وحشتني."
بعث لها رسالة: "وأنتِ أكتر."
"بتعمل إيه؟"
"قاعد في اجتماع ومش مركز في ولا كلمة منه."
"ليه؟"
"بسببك."
"بسببي أنا؟"
"آه."
"ليه؟"
"بافتكر امبارح."
احمر وجهها خجلًا واكتفت بإرسال هذا: "🤭"
لتتهادى ابتسامة حالمة إلى شفتيه بينما يتذكر ليلة الأمس حينما تململت بين ذراعيه فجرًا وقد قلقلت من نومها... شعر بها تدفن وجهها بعنقه بينما تهمس: "حمزة."
همهم من بين غفيانه: "ممم."
مرمغت وجهها وشعرها في ثنايا وجهه وعنقه كالقطة وهي تناديه مرة أخرى ليستيقظ... "حمزة."
"ممم" همهم بنعاس لتتحرك يداها تعبث بيدها بخصلات شعره.
سألها وهو مغمض العينين: "مالك يا سيرين؟"
"قلقت ومش عارفة أنام تاني."
جذبها لحضنه أكثر وأحاطها بذراعيه هامسًا وهو يقبل شعرها بحنان: "طيب تعالي في حضني وغمضي عينيكي."
هزت رأسها وهي تحرك وجهها في عنقه: "لا قوم."
تمتم بصوت ناعس: "أقوم ليه؟"
"نتفرج على فيلم أو نتكلم لغاية ما يجي لي نوم."
همس وهو يحيطها بدفء جسده: "مش قادر يا سيري عاوز أنام عشان عندي شغل الصبح بدري."
هزت كتفها كالأطفال: "ما ليش دعوة قوم بقى."
وضع ساقه حولها واحتضنها أكثر قائلًا: "تعالي بس في حضني وغمضي عينيكي."
داعبت أصابعها خصلات شعره بينما وضع رأسه فوق صدرها وعادت أنفاسه لتنتظم وغرق في النوم مجددًا ولكنها وجدت نفسها تمرر يدها برقة فوق ظهره العاري بينما تحركت شفتاها على وجهه بقبلات صغيرة تهمس برجاء: "قوم بقى... مش عاوزة أنام دلوقتِ."
ما تفعله حرك مشاعره واشتعلت إثارته ليفتح نصف عين ناظرًا إلى عيونها البريئة بخبث وهو يهمس: "أمال عاوزة إيه؟"
بلحظة كان يرفع نصف جسده ليتمدد فوقها وينقض على شفتيها... ما إن تحركت يداه تجاه جسدها حتى شهقت سيرين:
"أنت بتعمل إيه؟"
ضحك بخبث قائلًا: "أنتِ مش صحيتيني استحملي بقى..."
عاد من تذكره لليلة الأمس ليرسل لها رسالة أخرى: "جننتي أهلي."
"😍😍 بجد."
"آه ❤️... وحاليًا هتجنن وألاقيكي قدامي."
"هتعمل إيه؟"
"🙈🙈🙈 قولي مش هاعمل إيه."
أرسلت له ضحكة: "🤭🤭 مجنون."
"بيكي 💋💋."
أغلقت الهاتف وهي تردد: "بس أنا أجن منك."
نصف ساعة وكانت أسفل شركته... ومن قال إنه الوحيد الذي يكاد يجن ويراها أمامه فهي تريد رؤيته أيضًا...
رفع رأسه من أمام حاسوبه تجاه سكرتيرته التي قالت باقتضاب: "... المدام."
قال باستفهام: "مدام مين؟"
قالت درية السكرتيرة: "مدام حضرتك."
ردد ببلاهة: "أنا..."
لم يصدق عينيه حينما وجد ابتسامتها الحلوة تدخل إلى مكتبه ليقوم ويتجه ناحيتها بينما خرجت درية.
"سيرين... في حاجة؟"
قالت بدلال وهي ترفع نفسها لتقبل وجنته: "إيه رأيك في المفاجأة... أنت مش كنت عاوز تشوفني؟"
اتسعت ابتسامته ليقبل طرف شفتيها قائلًا: "أحلى مفاجأة."
جلست على طرف مكتبه وهي تقول:
"مكتبك حلو."
ابتسم لها بينما تاهت بطلعته الوسيم وهو جالس بهيبته خلف مكتبه وقد فتح أزرار قميصه وشمر أكمامه... أفلتت منها كلماتها: "ومش مكتبك بس اللي حلو..."
"أنت كمان."
أطلق صفيرًا بشقاوة: "ده أنتِ بتعاكسيني."
ابتسمت ومالت تجاهه قائلة: "بس تعرف غريبة... أنا قلت هاجي ألاقي سكرتيرة حلوة ولابسة قصير لقيت السكرتيرة بتاعتك دي."
ضحك قائلًا: "درية..."
أومأت له فهي امرأة في الأربعين من عمرها عملية بوجه جاد ونظارة سميكة لا تتحدث إلا بالعمل: "درية دي شغالة معايا سنين ومع أبويا."
ابتسمت قائلة: "حلو كده أبقى مطمنة."
ردد باستفهام: "مطمنة؟"
أومأت له: "آه يعني مش هتبص كده ولا كده."
رفع حاجبه: "ده إحنا بنغير."
أومأت له بخجل ليداعب وجنتها قائلًا:
"بس إيه الجنان ده؟"
هزت كتفها بدلال: "أنت مش قلت عاوز تشوفني؟"
فرك ذقنه ولمع العبث بعيونه بينما يقول: "مممم... بس أنا ما قلتش كده بس..."
"قلت عاوز أعمل حاجة تانية."
ضربت الحمرة بخدودها التي تغريه كتفاحة حمراء شهية ليجذبها بلحظة ويجلسها فوق ساقه... "حمزززة... اعقل."
مال يلتقط شفتيها بين شفتيه هامسًا: "وأنتِ خليتِ فيا عقل؟"
غابت بقبلته طويلًا لتضع يداها على صدره بينما يترك شفتيها المتورمتين وقد لمع الشغف بعينيه... قالت بخجل: "حمزة حد يشوفنا."
همس وهو يلتقط شفتيها مرة أخرى: "شششش."
التهبت حواسه واشتعلت رغبته بها لتمتد يداه إلى أزرار قميصها بجراءة... شهقت سيرين ووضعت يدها فوق يده توقفه.
"لا... حمزة."
أسكت اعتراضها بشفتيه التي انغرست بعنقها الناعم ليعيث فسادًا بمشاعرها التي تبعثرت على يده بجراءة أفعاله... أفاق من نشوة ما يفعله على طرقات الباب، هبت واقفة من بين ذراعيه تعدل ملابسها وتغلق أزرار بلوزتها وهي تزجره بنظراتها الحارقة بينما يدها المرتعشة لم تسعفها وهي تحاول إغلاق أزرار بلوزتها وترتب شعرها الذي عبث به.
ليضحك حمزة وتلمع عيونه بالعبث من شكلها الفوضوي الذي يغريه بإكمال ما بدأه... قام من مكانه وهو يهندم قميصه ويرجع خصلات شعره للخلف ليمسك بيدها ويوقفها بعيدًا عن مرمى الباب وهو يداعب وجنتها الحمراء برقة... فتح الباب قائلًا: "في حاجة يا درية؟"
أومأت له باقتضاب: "المهندسة ندى الجيار والناس اللي معاها وصلوا."
أومأ لها قائلًا: "تمام عشر دقايق ودخليهم."
أغلق الباب واتجه إليها ليميل أمامها بشغف: "كنا بنقول إيه؟"
زجرته بنظراتها المتبعثرة خجلًا: "كنا بنقول ابعد من قدامي."
قطب جبينه بعبث: "ليه بس؟"
"أخرج إزاي أنا دلوقتي؟"
قال ببراءة: "وأنا عملت إيه؟"
أشارت لشفتيها وعنقها الذي امتلأ بعلاماته: "شايف عملت إيه..."
ضحك وجذبها إلى حضنه قائلًا بخبث: "والله أنا كنت قاعد في حالي بشتغل وأنتِ اللي جئتِ برجلك."
رفعت حاجبيها بغيظ: "بقى كده؟"
أومأ لها ببراءة ليستفزها: "آه... وأغرتيني كمان."
هتفت بحنق: "كمان؟"
أومأ لها وهو يداعب وجنتها: "آه..."
وبعدين مين اللي مصحياني الفجر إمبارح تتحرش بيا؟
زجرته بغيظ وقد التهبت وجنتها خجلًا، فهي بالفعل لم تعد تدري كيف تتصرف بهذا الجنون: حمزة!
اتلم!
هتف بوقاحة: لميني يا روحي.
ضحكت لتحيط عنقه بذراعيها قائلة: أنا همشي بقى عشان تشوف شغلك.
قبل وجنتها قائلًا: مش هتأخر.
عقد حاجبيه بإحباط حينما عاد من عمله بالأسبوع التالي ورآها نائمة. خلع سترته وتوجه للاستحمام ليخرج بعد قليل يجفف خصلات شعره بينما عيناه تنظر إليها من خلال المرآة وقد تبعثرت خصلات شعرها بجوارها على الوسادة.
جلس بجوارها على طرف الفراش ليداعب خصلات شعرها قائلًا بصوت رقيق: سيري.
فتحت عيونها لتنساب رائحته العطرة إلى أنفها بينما تلمع قطرات الماء فوق خصلات شعره الكثيف. همس بدلال: إيه يا قمر نايمة بدري ليه؟
هزت كتفها وأغمضت عيونها مجددًا ليداعب وجنتها برقة: أنتي هتنامي تاني؟
هزت رأسها متمتمة: ممم، عاوزة أنام.
مال ناحيتها يقبل وجنتها الناعمة ثم تنزلق شفتاه تجاه عنقها يدغدغها: هتنامي من الساعة عشرة يا سيري؟
قالت بنعاس: عاوزة أنام يا حمزة.
همس بينما شفتاه تتحرك فوق عنقها: وحشتيني يا عيون حمزة.
همس بجوار أذنها: يعني الأسبوع اللي فات كل يوم صاحية ومصحياني معاكي الفجر، وبقالك ٣ أيام بتنامي بدري ومنفضالي خالص.
وضعت يدها على صدره وقالت بانزعاج: لا اوعى كده يا حمزة، أنا مش طايقاك.
انصدمت ملامحه ليردد: إيه؟!
هزت كتفها وهي تعتدل جالسة: مش طايقاك، مش عارفة ليه.
عقد حاجبيه بانزعاج: يخربيت لسانك! ومش طايقاني ليه بقى؟
أبعدته عنها وهي تقول: ريحتك مضايقاني.
أبعد وجهه عنها ينظر إليها بعدم تصديق ليشتم رائحته، لتهز رأسها: لا مش وحشة، ريحتك حلوة أوي ومضايقاني.
رفع حاجبه بعدم فهم ممزوج بالغيظ مما تقوله وقد ظن أن النعاس أثر عليها: سيرين نامي.
فتحت فمها تشرح له، فهي بالفعل تشعر بالانزعاج من رائحة عطره وتكاد تتقيأ بالرغم من أنها كانت تعشقها سابقًا: يا حمزة...
هتف بنبرة قاطعة: قلت نامي وأنتي ساكتة يا سيرين.
لم تتحدث بل انزلقت بالفراش مرة أخرى وبالفعل دقائق وقد نامت ليستغرب فهي لم تكن تمزح مما نطقت به. فرك رأسه بانزعاج وهو يشتم رائحته لقد خرج للتو من الاستحمام. هز رأسه وزفر قبل أن ينام وهو غير مصدق لما نطقت به فهي طوال الأسبوع الماضي وهي تتقرب منه والآن تبعده عنها، حسنًا اليوم فاقت كل توقعاته في جنونها.
في الصباح، انتفض حمزة من نومه على تلك التي قفزت فوقه ليقول بفزع: في إيه؟!
هتفت سيرين: حمزة، قوم.
اعتدل من نومه يحاول فتح عيناه الناعسة قائلًا باقتضاب فهو مازال غاضب من كلماتها ليلة الأمس: قمت أهو، في إيه؟
قالت بابتسامة واسعة: عندي خبر ليك.
قال وهو يفرك وجهه يبعد آثار النوم: إيه؟
أمسكت بيداه ووضعتها فوق بطنها: أنا حامل.
تجمد مكانه من الصدمة لحظات قبل أن يردد بعدم تصديق: إيه، قلتي إيه؟
قالت بابتسامة واسعة وهي تشدد على حروفها: أنا حامل.
إنها مثله لا تصدق ولكنها تشعر بذلك الوجع بظهرها ومعدتها بالإضافة لاستنكارها لأي رائحة لتشك بأنها قد تكون حاملًا، وهذا الصباح استيقظت باكرًا وطلبت من الصيدلية إرسال اختبار حمل لها لتجريه وتتأكد من أنها حامل.
في لحظة كانت تجد نفسها بين ذراعيه يحضنها بفرحة غامرة ويقبل كل إنش بوجهها ورأسها وهو يقول بفرحة: مبروك، مبروك يا حبيبي، مبروك.
قطبت جبينها وأبعدته عنها: لا اوعى يا حمزة، ريحتك مضايقاني.
هتف بانزعاج: تاني يا سيرين؟!
هزت كتفها قائلة: الله وأنا أعمل إيه؟ وبعدين أهو بقى ابنك طلع هو السبب في إني مش طايقاك.
رفع حاجبه قائلًا: يعني ابني هو اللي كانت طالبة معاه قلة أدب الأسبوع اللي فات وبقاله ٣ أيام قالب عليا ومخليكي مش طايقاني؟
أومأت له ببراءة: طبعًا يا ميزو، هكون أنا مثلًا؟
مال تجاه بطنها يضع قبلة رقيقة قائلًا: طيب بقولك إيه، أنا عاوزك تفهميه إنه يخليه في قلة الأدب ويسيبه خالص من موضوع مش طايقاك وريحتك دي بدل ما أقلب عليكي وعليه.
أفلتت ضحكتها من هيئته المنزعجة لتقول بدلال: حمزة.
سرعان ما لانت ملامحه ليقول وهو يضمها إليه: عيون حمزة.
بطل بقى.
هتف بسخط: لا بقولك إيه، الواد مش هيقرفني من أولها. ولو على ريحة أهلي، أهي.
بلحظة كان يمسك بزجاجة عطره الأثيرة ويرش منها بسخاء على عنقه وكتفه لتوقفه وهي تضع يدها على أنفها: لا، لا، إيه اللي بتعمله ده؟
قال بغيظ وهو يميل فوقها: لا ماهو مش بعد ما أخدتي غرضك مني خلاص مش طيقاني، أمال مين اللي كانت كل شوية تصحيني الأسبوع اللي فات وتتحرش بيا؟
أفلتت ضحكتها واكتسى وجهها بالحمرة ليكمل بعبث: ماهو أنا هقل أدبي يعني هقل أدبي، ولا عاوزة الواد يقول أبوه مش فرحان بيه؟
أفلتت ضحكتها الناعمة ليدفن رأسه بعنقها وهو يهمس: هتجننيني يا مجنونة.
أوقف حمزة السيارة أمام عملها وهو ينظر إليها بطرف عيناه الغاضبة، فقد تجادلا بشأن نزولها للعمل وهي حامل.
وفيها إيه يا حمزة؟
فيها إني خايف عليكي.
بس الدكتور طمننا وقال إن كل شيء الحمد لله طبيعي.
أيوه بس أنا مش شايف لزوم إنك تنزلي وتتعبي نفسك.
مش بتعب خالص، وبعدين أنا طول اليوم قاعدة على مكتبي، بس إني أكون في البيت طول اليوم هتعب وهزهق وخصوصًا إنك مشغول أوي يا حمزة.
قالت برجاء ودلال: عشان خاطري يا ميزو.
رفع حاجبه بتحذير: مش هتضحكي عليا.
قالت ببراءة: أنا برضه بضحك عليك يا ميزو؟
قاطعها: آه، أما بتقولي ميزو دي وبتدلعي كده تبقي ناوية تأثري عليا.
أحاطت عنقه بذراعيها ودفنت وجهها بعنقه هامسة: ولو عملت كده؟
أحاط يداه بخصرها يحاول التمسك بموقفه بينما تسلط عليه أسلحتها: قلت لا يا سيرين.
طيب عشان خاطر سيرين، ووعد مني لو حسيت إني تعبانة هقعد في البيت من نفسي.
نظر إليها لتهز رأسها: آه والله. وبعدين أنا عاوزة البيبي ده أكتر منك.
هز رأسه وجذبها لحضنه: وأنا عاوزكم أنتوا الاتنين.
ابتسمت له ونزلت من السيارة ليقول: خدي بالك من نفسك.
أومأت له ودخلت إلى عملها وفي موعد خروجها تفاجأت بهذا الذي ظهر أمامها.
رددت بجبين مقطب: بابا.
قال هشام برجاء: ممكن نتكلم يا سيرين؟
هزت رأسها وسارت بضع خطوات ليقول بنبرة راجية: اسمعيني خمس دقايق بس يا بنتي.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السادس عشر 16 - بقلم رونا فؤاد
تفاجأت بهذا الذي ظهر أمامها.
رددت بجبين مقطب: بابا!
قال هشام برجاء وهو ينظر إليها باشتياق: ممكن نتكلم يا سيرين؟
هزت رأسها وغالبت مشاعرها، سارت بضع خطوات ليقول بنبرة راجية: اسمعيني خمس دقايق بس يا بنتي.
نظرت إليه بعيون مليئة باللوم والعتاب لتنكسر نظراته، وقد كان دومًا مثلها الأعلى ولم تتخيل يومًا أن يكون خائنًا وسارقًا. حتى حينما كانت تستمع لما حدث بينه وبين والدتها منذ سنوات، لم تكن تلومه فهذا شيء بينه وبين والدتها، لم تكن تعلم ما الذي دفعه للزواج عليها، ولكن كأب لها فهو بالفعل كان نعم الأب الذي كان دومًا بجوارها وكانت دومًا تتفاخر به، كان صديقها ووالدها وقريبًا منها، لذا كانت صدمتها به قوية للغاية.
قال بانكسار وهو لا يقوى على النظر لعيونها التي تعاتبه بتلك القسوة: حقك ما تبقيش عايزة تبصي في وشي يا سيرين، حقك تمشي وتسيبيني، بس أنا مش جاي أقولك إني مش غلطان، أنا غلطان وخاين وغدرت بابن الراجل اللي وثق فيا سنين وابنه وثق فيا من غير حساب بعده، ما فيش حاجة ولا سبب يشفع لي ويبرر خيانتي وغدري، بس والله وحياتك عندي ما كنت أعرف إن سيدرا ناوية على كل الشر ده، اسمعيني الأول وبعدين احكمي، اللي هاقوله مهم قوي، على الأقل اعرفي إني باحاول أصلح غلطتي.
كانت شفتاها ترتجف تكتم تلك الغصة التي وقفت بحلقها وهي تستمع لنبرة أبيها النادمة المكسورة بتلك الطريقة. حبست الدموع التي لمعت بعيونها، وخرج صوتها متحشرجًا وهي تسأله: هترجع لحمزة فلوسه؟
طأطأ رأسه وقال بقلة حيلة: يا ريت كنت أقدر.
خفضت عيونها بأسى: أمال هتصلح غلطتك إزاي؟
: هاساعد حمزة يوصل لسيدرا، ووقتها هياخد حقه منها.
لا تعرف لماذا انتفض قلبها حينما تحدث عن سيدرا، فهل يقابلها حمزة مرة أخرى؟
رددت بلا وعي: مش عايز يعرف طريقها، حمزة نسي.
رفع هشام عيناه بإنكار: نسي إيه؟
شردت في الفراغ ليقول هشام باستعطاف: اديني فرصة وخلينا نتكلم يا سيرين لو ليا غلاوة عندك.
سرت رعشة قوية بجسدها بتلك اللحظة حينما تعالى رنين هاتفها ووجدته حمزة.
قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعيًا: ألو.
جاءتها نبرة صوته المرتاحة: إيه يا جميل خلصتي شغل؟
قالت برجفة: آآه... آآآ.
: طيب إيه... مالك يا سيرين؟
قالت بخفوت: لا ما فيش، أنا كويسة.
: طيب تمام... استنيني أنا دقايق وأكون عندك.
قالت بسرعة: لا أنا...
قاطعها قائلًا: لا إيه؟ أنا وصلت خلاص عندك، دقايق الإشارة هتفتح وأكون قدامك.
ارتجف جسدها بقوة كرد فعل لتخيل مواجهة بين حمزة ووالدها!
لا، لن تحتمل مواجهة أخرى. لن تحتمل أن ترى هذا الوجه لحمزة مرة أخرى. لن تحتمل أن ترى والدها بهذا الموضع مجددًا. لا. داهمت تلك الذكريات رأسها وتخبطت الصور بعيونها لتقول بصوت مهزوز: بابا، حمزة جاي، امشي دلوقتي.
قال هشام برجاء: سيرين... لازم أتكلم معاكي، اللي هاقوله ليكي مهم قوي.
هزت رأسها: مش هينفع دلوقتي... بابا امشي عشان خاطري.
نظر إليها هشام لتقول: بكرة هاتصل بيك ونتقابل نتكلم.
ارتجفت شفتاه بابتسامة باهتة لتقول برجاء: بس امشي دلوقتي عشان خاطري.
أومأ لها بانكسار لتسحب سيرين نفسًا عميقًا تهديء بها خلجات جسدها ما أن استدارت ورأت سيارة حمزة تقترب.
توقف أمامها ومال ليفتح لها باب السيارة بابتسامة لتغتصب ابتسامة ترسمها على شفتيها وهي تحاول أن تبدو طبيعية أمامه. ما أن تحرك بالسيارة حتى اختطفت نظرة بالاتجاه الآخر حيث سار هشام لتغزو الدموع عيونها حينما رأته واقفًا خلف المبنى ينظر إليها ويطمئن أنها انصرفت برفقة حمزة لتتقابل عيونها بعيونه فتنغرس سكين بقلبها لرؤية انكسار أبيها بتلك الطريقة.
التفت إليها حمزة بينما اندهش لصمتها قائلًا: إيه يا سيري مالك؟
هزت كتفها: ما فيش... بس مستغربة أنت إيه اللي جابك.
ضحك قائلًا: إيه اللي جابك؟! ... بقى دي جزاتي إني جيت أخد مراتي وأم ابني نروح سوا؟
لماذا فقد كل شيء طعمه حتى الكلام لم تعد تستطيع إخراجه من حلقها بالرغم من أنها كانت لتطير فرحًا من اهتمامه.
التفت لها حمزة قائلًا: عمومًا يا قمر أنا هاعديلك (أنت إيه اللي جابك) دي من غير سبب عشان تقدري تقولي كده إني أخذت على طول لسانك.
ابتسمت بزيف لينظر إليها قائلًا بابتسامة: أنا كل يوم هأبقى أجي آخدك نروح سوا وأبقى أنزل ثاني بعد الظهر.
: بس... بس أنت كده هتتعب.
هز رأسه: ولا تعب ولا حاجة... وبعدين أنا هأعمل كده عشان نتغدى مع بعض وأطمن إنك أكلتي وأكلتي عاصم باشا اللي أكيد هيجوع وأنت بتطنشي وجبة الغداء.
رفعت حاجبيها باستفهام: عاصم؟!
أومأ لها بابتسامته الحلوة: آه عاصم حمزة عاصم السيوفي.
ابتسمت لرؤية تلك السعادة تتراقص بعينيه فرحًا بحملها ولم تعد تستطيع منع تلك الدمعة من التي انفلتت من عيونها. قطب حمزة جبينه بقلق وأوقف السيارة جانبًا على الفور حينما رأى دموعها: سيرين مالك بتعيطي ليه؟
هزت رأسها وتابعت الدموع النزول من عيونها ليدب الهلع بأوصاله فهي لا تدري مقدار الخوف الذي انتابه منذ أن علم بحملها ويحاول جاهدًا إخفاءه عنها بسبب تكرار ما حدث لها سابقًا ولكنه لا يريد أن يقلقها لذا انتوى أن يهتم بها قدر استطاعته.
وضع وجهها بين كفيه ينظر إليها بقلق قائلًا: أنت تعبانة... حاجة بتوجعك تحبي نروح للدكتور؟
هزت رأسها ليقول وهو يمسح دموعها: أمال في إيه؟ حد في الشغل ضايقك؟
هزت رأسها وفجأة ارتمت بين ذراعيه تقول بصوت مختنق بالبكاء: ما أعرفش بس حسيت إني عايزة أعيط.
تنهد بارتياح ومرر يديه بحنان على خصلات شعرها ليقول بمرح بعد أن هدأت قليلًا: دي شكلها كده والله أعلم الهرمونات.
رفعت رأسها من على كتفه وابتسمت له مرددة حتى لا يشك أكثر: شكلها كده.
داعب وجنتها بحنو قائلًا: طيب يا ستي خليها ترجع مش طايقاني ثاني أنا موافق بس بلاش دموعك دي.
غزت الدموع عيونها مجددًا، ولأول مرة تتساءل كيف كان بإمكان سيدرا أن تجرحه وتغدر به بتلك الطريقة؟ لقد كانت زوجته لعامين بينما هي تعرفه منذ بضعة أشهر وأصبحت تكن له كل هذا الحب، وكيف لا تقع بحبه وهو بهذا الحنان أسفل تلك القسوة؟ إن كان لديها رجل كهذا فأي قيمة لتلك الأموال بوجوده؟
سألها باهتمام: ها بقى تحبي تاكلي إيه؟
قالت بصوت متحشرج: أي حاجة.
: يعني مش نفسك في حاجة معينة؟
هزت رأسها: لا.
أوقف السيارة أمام إحدى المطاعم الشهيرة ونزل ليحضر الطعام لتحاول سيرين أن تنظم أنفاسها حتى لا يدرك حمزة تغير أحوالها بسبب مقابلتها لأبيها التي جعلت قلبها ينكمش حزنًا وألمًا على رؤيته بهذا الشكل.
وضع حمزة أكياس الطعام بالخلف وركب بجوارها ليخرج من جيب سترته بضع أغلفة من الشوكولاتة قائلًا: شوكولاتة سيرين هانم.
ابتسمت له بصدق فكم تعشق تدليله لها واهتمامه بالتفاصيل التي تجعلها سعيدة فلم يغفل يومًا عن إحضار الشوكولاتة منذ أن عرف أنها تحبها. ولم يترك يومًا شيئًا يسعدها إلا ويفعله، لهذا يعتصر قلبها تفكيرها بأن كل هذا كيف سيكون إن عاد لرؤيتها مجددًا أنها ابنة هشام وأخت سيدرا.
ما أن بدأت بتوضيب الطعام حتى أمسك يدها يوقفها قائلًا: توؤ توؤ... ما تعمليش حاجة.
نظرت إليه ليبتسم وهو يجلسها قائلًا: أنا هأجيب الأطباق وأجهز كل حاجة أنت بس اقعدي ارتاحي.
: بس يا حمزة أنا كويسة أنت ما تتعبش نفسك أكثر من كده.
هز كتفه قائلًا: ومين قال إني تعبان؟
وضعت يدها بحنان على وجنته قائلة: أنت بتتعب في شغلك طول اليوم... سيبني أنا هأعمل كل حاجة وبعدين ده أنا هأجيب الأطباق والشوك بس.
هز رأسه قائلًا: مش عايزك تعملي حاجة غير إنك تاخدي بالك من نفسك ومن الباشا ده وبس.
رفعت عيناها إليه لتفلت منها الكلمات المختنقة بالدموع: خايف يحصله اللي حصل قبل كده.
جذبها لحضنه سريعًا وهو يقول: مش هيحصله أي حاجة إن شاء الله.
ربت على ظهرها مطمئنًا حتى هدأت ليقول بعدها بمرح: عارفة لو هتعيطي ثاني... هأسحب كلامي ده ومش هاساعدك ولا هأجيبلك شوكولاتة كمان.
بعد انتهاء الغداء وقف ليعد لنفسه كوبًا من القهوة ويعد لها كوبًا من العصير، تناولته من يده بابتسامة.
انتهى من قهوته وجمع أوراقه قائلًا بينما يطبع قبلة على جبينها: أنا هأنزل يا سيري عايزة حاجة؟
هزت رأسها ليرتدي سترته ويأخذ حقيبته ويعتدل واقفًا ويتجه إلى الباب.
أوقفته: حمزة.
التفت إليها لتركض إليه بلحظة وترتمي بحضنه هامسة: أنا باحبك قوي.
تخبطت دقات قلبه فهو يعرف ويشعر بحبها له ولكن نطقها واعترافها بها شيء آخر.
احتضنها وقبل رأسها ورفع عيونها إليه قائلًا: وأنا باموت فيكي.
كلاهما لم يتوقف لحظة عن تذكر تلك اللحظة فلا يوجد ما هو أجمل من اعتراف كلاهما بحب الآخر ولكن سيرين كانت سعادتها ممزوجة بالخوف من القادم.
زفرت نادية بضيق هاتفها بابنتها وزوجها: وبعدين بقى إحنا مش هنخلص من الخناق ده.
قال جمال ببرود: قولي لبنتك.
لوت سيدرا شفتيها: تقولي إيه... ما تقول أنت لنفسك بطل طمع.
تهكم جمال: طمع!
أومأت له بجدية: آه طمع يا جمال... ترفض خمسة مليون تبقى طماع وفي الآخر هترسي على ولا حاجة.
قال بسخرية: إن سرقت أسرق جمل.
سخرت هي الأخرى: والطمع يقل ما جمع كمان.
هتفت نادية بغضب: ما كفاية بقى خلينا في اللي إحنا فيه... أنتوا بتتخانقوا ومش عارفين كل يوم بيمر حمزة بيفكر ولا ناوي على إيه.
قال جمال بثقة: اتكلموا عن نفسكوا... أنا عن نفسي عارف كل حاجة.
زمت سيدرا شفتيها فهو رجل ماكر يمسك بخيوط كثيرة تجعلها غير قادرة على التخلص منه. قالت بسخط: عايز إيه... وماتقوليش نص الفلوس.
قال بثقة: عشرة مليون.
أومأت له: ماشي يا جمال... بس بشرط.
نظر إليها ببرود: سامعك.
: مش هتاخدهم بس هتشاركني بيهم.
: أشاركك في إيه؟
: في شغل... أنت مش كنت عايزنا نشغل الفلوس دي... هنشغلها بس بطريقتي.
نظر إليها بسخرية: ما بأشتغلش مع حريم.
هتفت به نادية بغضب: جمال وبعدين ماهي سيدرا أهي بتتفاهم معاك لازمته إيه اللي بتعمله.
التفت إليها قائلًا: إيه يا نادية أنت فاكراني عيل صغير ولا أنا مش فاهم إن بنتك دي زي العقربة وما هتصدق أطمن لها وتلدغني.
نظرت إليه سيدرا ببرود بينما زجرته نادية بحنق: أنا عقربة وأنت تعبان يا جمال... معروفة خلينا نتفق أحسن.
أومأ لها: طلباتك.
: تعرفني كل اللي تعرفه عن حمزة وتحط إيدك في إيدي نأمن نفسنا ضده.
: والفلوس.
: مالها.
: فين؟
: وأنت مالك؟
: يعني مش مأمنالي.
: ولا بآمن حتى لصوابع إيديا... الفلوس دي في مكان ما حدش هيوصله... ولعلمك حتى لو حمزة وصلني برضه مش هيوصل للفلوس... عشان من الآخر الفلوس دي حقي.
ضحك جمال عاليًا: حقك... حقك منين؟
أومأت له بغل: آه حقي يا جمال... حقي اللي أخدته بإيدي من الدنيا.
رفع جمال أصبعه أمامها بتحذير: بإيدينا... مش بإيدك أنت لوحدك.
أومأت له على مضض: إيدينا يا جمال... ماشي.
خلينا بقى نشوف هنعمل إيه؟
جلس جمال واضعًا ساق فوق الأخرى وهو يقول: أفهم اللي في دماغك وبعدين أقولك.
جلست وهي تقول: تمام... عزام الصاوي.
هو الوسيط بين شركة حمزة والشركة الأجنبية اللي بتورد له المعدات لو سيطرنا عليه بقت روح حمزة في إيدينا ووقتها حتى لو وصل لينا مش هيقدر يعمل لينا أي حاجة.
رفع حاجبه: حلو... وأنت ناويه إزاي تخلي عزام يوافق على حاجة زي دي؟
: هتحاول أنت معاه إنه يديك الشغل ده من الباطن مقابل ربح أكيد مش هيرفضه.
: وأنت واثقة؟
: واثقة إن الفلوس ما حدش يقولها لا.
قال جمال بخبث: والجمال كمان.
رفعت عيناها إليه ليقول بمغزى: ما أعتقدش عزام الصاوي هيقاوم جمالك.
لمعت عيناها لتسأله بمكر: ودي نعملها إزاي؟
: سهلة...
احنا هنقابله ونتعرف عليه على إنك شريكتي، ووقتها أنتِ وشطارتك.
ولو عرفني؟
هيعرفك منين؟ قابلتيه قبل كده؟
لا.
يبقى خلينا نلعب بثقة.
أومأت له وسألته بخبث: واللي تعرفه عن حمزة؟
هتعرفيه في الوقت المناسب. بس خليني أحذرك، حمزة رجع وأقوى من الأول، كفاية إن جده واقف في ضهره.
ابتلعت لعابها وشردت في الفراغ تحاول أن تؤكد لنفسها أنها بأمان، ليتشفى جمال في ذاك الخوف الذي جاهدت لتخفيه: خفتي يا حلوة؟
هزت كتفها ببرود: لا طبعًا، وما تنساش إن حمزة بيحبني وعمره ما هيأذيني.
ضحك جمال بقوة حتى دمعت عيناه. هتفت بغضب: بتضحك على إيه؟
على اللي بتقوليه، مين اللي بيحبك؟ ويحبك على إيه؟ ده أنتِ غدرتِ بيه وسرقتيه.
هقوله هشام اللي رتب كل حاجة، وهو اللي سرق الفلوس، وإنه هدّدني وعشان كده خفت وهربت.
نظر إليها جمال لتنظر إليه بخبث ودهاء: مش هغلب وقتها.
وأنتِ فاكراه بريال؟
لا بس وثق فيا قبل كده.
عشان كان مش مخونك، دلوقتي مخون كل اللي حواليه. أحسن لك يا سيدرا بلاش الثقة الزايدة دي في نفسك بدل ما تلاقي نفسك واقعة على جدور رقبتك.
شعر حمزة بقلقها وعدم نومها بالرغم من أنها تتظاهر بالنوم ليهمس بخفوت: سيرين، مالك؟
هزت رأسها ودفنت رأسها بعنقه قائلة: ما فيش.
ما فيش إزاي؟ أنتِ متغيرة. رفع وجهها إليه قائلاً بقلق: لو حاسة بحاجة قولي لي.
هزت رأسها: أنا كويسة يا حبيبي ما تقلقش. أنا بس نمت كتير بعد الضهر عشان كده مش جاي لي نوم.
داعب أرنبة أنفها قائلاً: طيب تحبي نقوم نتفرج على فيلم أو نتكلم لغاية ما تنامي؟
هزت رأسها ليغمز لها بمكر: طيب إيه رأيك أقل أدبي؟
أفلتت ضحكتها لتنسى قليلًا أفكارها عما يريد هشام الحديث معها بشأنه.
قبل جانب ثغرها قائلاً: ها إيه رأيك؟
وضعت رأسها على صدره قائلة: خدني في حضنك يا حمزة.
مرر يداه برقة على وجنتها الناعمة قائلاً: تعالي يا قلب حمزة.
قال هشام: سيرين، الورق ده اللي أنا زورته عن الضرايب، ودي نسخ من الأوراق اللي سيدرا زورتها. أنا عملت نسخة من كل الأوراق اللي كانت معاها وعليها إمضتها. ودي حركة سحب الفلوس من بنك للتاني لغاية ما اختفت آثارها. الورق ده هيحرك القضية وهيثبت كلام حمزة.
قالت بلهفة: طيب ما تدي الورق ده لحمزة وتشرحله.
قاطعها قائلاً: مش هيسمعني.
هيسمعك، أنت عاوز تساعده.
هز رأسه: أنا عارف حمزة ولو كان في أمل واحد في المية إنه يسمعني كنت رحت له. اسمعيني يا سيرين المعلومات دي أنا هتصرف فيها أنا مش جايبك عشان كده.
نظرت إليه بعدم فهم: هتتصرف إزاي؟
مش مهم.
هزت رأسها: لا مهم.
تنهد هشام قائلاً باقتضاب: أنا هروح أعترف باللي عملته وهقدم كل الورق اللي زورته وهعترف إن حمزة سلمني فلوس الضرايب بشيك، معايا حركة السحب بتاعته من حساب حمزة في اليوم ده. وهبلغ إن أنا اللي ساعدت سيدرا تزور الموقف المالي لشركة حمزة، وإنها اللي سحبت فلوس القرض، وإنها اللي كانت بتتحكم..
قاطعته بهلع: هتبلغ عن نفسك؟
أومأ لها بإقرار: هدفع تمن غلطتي.
هزت رأسها: لا يا بابا، أنت..
قاطعها قائلاً: سيرين أنا واخد قرار، خلينا في المهم.
بابا.
أمسك بيدها قائلاً: سيرين اسمعيني، في خاين في شركة حمزة، هو اللي أدى سيدرا الموقف المالي الغلط. أنا محتاج بس أدخل لحسابات الشركة عشان أعرف مين الخاين قبل ما أسلم نفسي.
مش هتسلم نفسك يا بابا.
هتف بحزم: قلت لك أنا واخد قرار. اسمعي يا سيرين، جمال مش سهل وأكيد له عيون جوه شركة حمزة وجايز في أي لحظة يغدروا بيه تاني.
أمسكت بيده قائلة بتشجيع: طيب خلينا نقول لحمزة كل الكلام ده ونسلمه الأوراق وهو أكيد هيتصرف.
هز هشام رأسه: قلت لك مش هيسمعني.
أومأت له: هيسمعك، أكيد هيسمعك.
هز رأسه لتنظر إليه بإصرار: عشان خاطري يا بابا اسمع كلامي وخلينا نقول لحمزة وبلاش تعمل اللي أنت ناوي عليه، لو بتحبني ولو ليا عندك غلاوة.
يعرف أنه لن يستمع مهما حدث ولكنه انصاع لرغبة سيرين وذهب معها إلى شركة حمزة لتتقدمه سيرين بثقة. فهو سيستمع إلى أبيها وهي واثقة أنه سيسامحه يومًا ما. فقد كان الغضب يعميه والآن هدأت الأمور قليلًا. ولكن عن أي هدوء تتوهم وهي ترى تلك العاصفة التي هبت ما أن رأى حمزة هشام يدخل إلى مكتبه برفقة سيرين.
أنت إيه اللي جابك هنا يا...
هتفت به سيرين وهي تتجه ناحيته توقفه ما إن قام من مكانه واتجه ناحية هشام بغضب أهوج لم ولن يهدأ: حمزة اهدى، واسمع بابا هيقول لك إيه.
احتدت ملامحه ليمسك بيدها بقوة ويجذبها ناحيته: مش عاوز أسمع حاجة من الواطي الخسيس ده.
طفرت الدموع من عيونها: حمزة.
هدر بحدة: سيرييين.
قال هشام: اسمعني وبعد كده اعمل اللي أنت عاوزه، هقول لك كلمتين وبعد كده أنا هسلم نفسي وأعترف باللي عملته.
أمسكت سيرين بذراعه: بابا قلت لك مش هتعمل كده، حمزة عشان خاطري اسمع.
هتف بها بغضب وهو يوقفها خلف ظهره: ما لكيش دعوة أنتِ بالموضوع ده.
حمزة ده أبويا.
زمجر بها بغضب: مش عاوز أسمع حاجة وأنت يا راجل أنت اطلع برا بدل ما أخلي الأمن يرموك برا.
أمسكت سيرين بيده برجاء ودموعها تنساب على وجنتها: عشان خاطري يا حمزة.
هتف بغضب: قلت ما لكيش دعوة أنتِ يا سيرين.
هز هشام رأسه بقلة حيلة وأشار لسيرين قائلاً: اسمعي كلامه يا سيرين، أنتِ ما لكيش دعوة ولا ذنب، الذنب ذنبي وأنا هكفر عنه.
ما إن اتجه للباب حتى أسرعت سيرين تهتف به: بابا استنى.
أمسك حمزة بذراعيها يوقفها: سيرييين.
نظرت إليه بعيونها الباكية: ما تخليهوش يمشي واسمعه عشان خاطري يا حمزة. بابا هيتسجن.
هز حمزة رأسه بقسوة: يتسجن.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل السابع عشر 17 - بقلم رونا فؤاد
ما إن اتجه هشام للباب حتى أسرعت سيرين تهتف به:
"بابا استنى!"
أمسك حمزة بذراعيها يوقفها:
"سيرين!"
نظرت إليه بعيونها الباكية برجاء:
"ما تخليهوش يمشي واسمعه عشان خاطري يا حمزة. بابا هيتسجن."
هز حمزة رأسه بقسوة:
"يتسجن."
انهمرت دموعها كالشلال من عيونها التي نظرت إليه بعدم تصديق لتلك القسوة التي عادت إلى عينيه من جديد.
قالت بأسى:
"ده أبويا يا حمزة. هتسجن أبويا."
قال بغضب وهو يبعد عينيه عنها:
"هيتسجن بسبب اللي عمله، مش أنا اللي هسجنه."
قالت بصوت متقطع ممزوج ببكائها:
"بس هو ندمان."
هتف حمزة بغضب بالغ:
"بعد إيه؟! ندم بعد إيه؟ بعد ما دمرني، بعد ما ضيع سمعتي وسجنني وخلاني أنا أبقى في نظر الناس حرامي ونصّاب."
أمسكت بذراعه برجاء توقفه عن التحدث عن الماضي الذي لن يزيده إلا حقدًا وكرهًا لأبيها:
"عارفة إن بابا غلط، بس هو عاوز يصلح غلطته ويساعدك. اسمعه. لو بتحبني يا حمزة اسمعه."
أمسك بكتفها ونظر إلى عينيها بعيون تعصف بها نيران التشتت والضياع، فلا يستطيع أن يرفض لها طلبًا ولا يستطيع أن ينفذ لها ما تطلبه الآن، ليهتف بعنفوان:
"بحبك. بحبك يا سيرين، بس بكرهه. بكرهه ومستحيل أثق في أي كلمة يقولها."
ازدادت دموعها انهمارًا تهتف به بيأس:
"بابا ندمان يا حمزة. ندمان قوي على غلطته. اديله فرصة واسمعه، لو بتحبني فعلًا اديله فرصة."
أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة على أعصابه حينما وجدها أمامه بهذا الانهيار ليرفع وجهها إليه قائلًا بحزم:
"سيرين، أنتِ لو بتحبيني بجد خليكِ برا الموضوع ده."
أمسك بوجهها بين يديه ومسح شلال دموعها المنساب من عينيها وهو يكمل:
"سيرين لو بتحبيني ما تجيبيش سيرته تاني. ما تخلينيش أبقى الراجل اللي كان بيأذيكِ تاني عشان أنتِ بنت هشام. لو بتحبيني بجد خافي على ابني وبلاش تضيعيه زي ابننا اللي راح قبله بسببه."
اختنق صوتها بدموع القهر وقلة الحيلة، فليس عليها أصعب من أن تكون بين أبيها وبين الرجل الذي تحبه والذي تعرض لهذا الظلم من جانب أبيها:
"بس أنا بنت هشام."
هز رأسه وجذبها بقوة إلى حضنه:
"أنتِ حبيبتي ومراتي وأم ابني. هشام ما يستاهلش إنك تكوني بنته."
هزت رأسها بقلب مكسور:
"بس ده أبويا مهما كان."
زاد من ذراعيه حولها يقول بأمل:
"انسيه وسيبيه يتحمل نتيجة غلطته."
دار العالم من حولها وأظلمت عيناها بينما تقول بصوت خافت:
"ما أقدرش يا حمزة. ما أقدرش أنساه. محدش بينسى أبوه."
قال حمزة بجمود:
"أختك عملتها قبلك. على الأقل أنتِ ليكِ سبب وعذر."
هزت رأسها ورحبت بتلك السحب السوداء التي تغشي عيونها:
"ما أقدرش. أنا مش هي."
أغمض عينيه وقال بجمود:
"وأنا ما أقدرش أسامحه حتى بالرغم من حبي ليكِ."
تداخلت كلماته بين جنبات قلبها المكسور وحطمت ضلوعها من قسوتها لتنظر إليه بعيون زائغة قبل أن يشعر حمزة بتراخي أقدامها وهي ترحب بتلك السحب التي ستأخذها بعيدًا عن وقوفها بين كليهما. بلهفة أحاط بها بذراعيه وهي على وشك أن تفقد وعيها ليحملها قبل أن تقع ويضعها على الأريكة. بقلب لهيف جثا على ركبته أمامها يضع يده برقة على وجنتها وهو يناديها بهلع:
"سيرين... سيرين... فتحي عينيكِ... سيرين ما تعمليش فيا كدة... فتحي عينيكِ."
حاولت استجماع قوتها ولكن دون إرادتها لم تستطع السيطرة على جسدها خائر القوى ولم تستطع فتح عينيها. أمسك بيدها لتلسعه برودة أطرافها والتي فقدت الإحساس بها. ليصيح بدرية بقلق أهوج:
"درية! هاتيلي دكتور بسرعة!"
أسرع ليحضر لها كوبًا من الماء ليجلس ويرفعها إلى صدره بينما يداه تربت بخفة على وجنتها يحاول إفاقتها:
"سيرين... سيرين حبيبتي فوقي... ما تعمليش فيا كدة... فتحي عينيكِ."
ركض زين بسرعة تجاه مكتب حمزة على صوته العالي:
"في إيه يا حمزة بتزعق ليه؟"
انتفض زين حينما وقعت عيناه على سيرين فاقدة الوعي ليسأل بهلع:
"إيه اللي حصل يا حمزة؟"
هتف به حمزة بانفعال:
"أنت لسه هتسأل؟ شوف دكتور بسرعة يا زين!"
بضع دقائق وكان الطبيب يسرع بخطواته حيث قادته درية وزين.
كان حمزة يفرك وجهه بانفعال وهو يطالع الطبيب بقلق سافر بينما يفحصها وقدماه لا تحتمل أي صدمة أو خبر سيئ.
بقلق سافر سأل الطبيب:
"إيه يا دكتور طمني؟"
قال الطبيب:
"الضغط واطي جدًا سبب لها الهبوط الحاد ده. محتاجة نركب لها محلول مغذي مع شوية أدوية."
أومأ له حمزة:
"ناخدها المستشفى."
"ممكن كمان في البيت عشان ترتاح. أنا هكتب على اللازم وهبعت ممرضة لحضرتك على البيت."
أومأ له حمزة ليكمل الطبيب:
"وياريت تحاول تبعدها عن الانفعال وتهتم بالتغذية والأدوية دي تمشي عليها بانتظام."
قال حمزة بلسان مرتجف:
"بس... بس الحمل بخير؟"
هز الطبيب رأسه قائلًا:
"ما تقلقش الحمد لله الوضع كويس. بس زي ما قلت لك راحة واهتمام طول الفترة اللي جاية."
سحب هشام نفسًا طويلًا قبل أن يجمع تلك الأوراق ويضعها أمامه على الطاولة ينظر إليها بتركيز شديد قبل أن يستعد لتنفيذ قراره، يتمنى لو باستطاعته أن يصل لهذا الخائن قبل أن يدخل إلى السجن ويفقد أثره، وربما يؤذي حمزة ويكون قد فات الأوان.
بكت سيرين بحرقة ما إن استعادت وعيها ومعه استعادت كلمات أبيها وكلمات حمزة فهي متمزقة أشلاء بين كليهما. أسرع حمزة إلى جوارها حينما شعر بإفاقتها لتتعالى شهقاتها التي مزقت قلبه ما إن رأته. حاول أن يرفع وجهها ولكنها أبعدت يديه ليزم شفتيه قائلًا بنبرة هادئة:
"حبيبتي أنتِ تعبانة والدكتور قال الانفعال غلط عليكي."
ظلت صامتة وانسابت دموعها ليضع وجهها بين يديه وبحنان يحاول مسح دموعها بينما يقول بنبرة صادقة:
"سيرين دموعك دي غالية قوي عندي. وعمري ما أتمنيت أكون سبب فيها، بس غصب عني مش قادر ولا هأقدر. أنتِ لو كنتِ في مكاني كنتِ هتعملي زيي. هشام خاني وخان ثقتي فيه، إزاي عاوزني أأمن له؟! سرقني ودمرني وبسببه اترميت في السجن، إزاي عاوزني أسامحه؟! ضيع شقى عمر أبويا وخلاني مديون بعد ما بعت بيتي وأرض أمي وكل اللي أملكه؟! إزاي تطلبي مني أسمع وأسامح وأديه فرصة بعد كل الأيام السودة اللي عشتها بسببه؟! حتى لو ندمان... ندم بعد إيه؟!"
"ندمه ده متأخر قوي. كان ممكن وقتها يعترف بالحقيقة بس هو أنكر. أنكر وطلع هو منها وأنا اللي اتسجنت وكان ممكن أفضل في السجن لغاية دلوقتي. وبرضه مع أي مشكلة في الشغل تخليني أتأخر عن دفع أقساط القرض هتسجن. عارفة يعني إيه كل يوم أنام وأنا خايف أسيبك وأسيب ابني؟"
ازدادت دموعها انهمارًا فهو محق وكلماته تؤلمها وتمزق نياط قلبها، وبالرغم من هذا يتمزق قلبها أيضًا من أجل أبيها.
تابع بنبرة مبحوحة وقد انفتحت كل جروح الماضي:
"سيرين أنا بقيت شيطان بسببه، خطفتك واتجوزتك غصب عنك ومش كدة بس... أنا ضربتك وأهنتك وحتى نمت معاكِ غصب عنك بسببه. دمرتك من غير رحمة ولا شفقة بسببه. سبت جواكِ وجع وقهر لو فضلت عمري كله مش هأقدر أنساه. إزاي بعد كل ده بتقولي لي اسمعه وأديله فرصة؟ إزاي ما تكونيش حاسة بالنار اللي جوايا؟ مع إنك أكثر واحدة اتحرقتي بالنار دي."
دفنت وجهها بالوسادة وتعالت شهقاتها أكثر فهو محق ولكن ماذا تفعل فهو أبيها أيضًا.
مزقت شهقاتها نياط قلبه وياليت بيده أن يمحي وجعها ولكن ما تطلبه ليس بيده ولا يستطيع فعله. جذبها إلى صدره يضمها إليه بينما ينادي اسمها برجاء:
"سيرين... سامحيني... بس غصب عني ما أقدرش... ما أقدرش أسامحه."
أبعدته عنها وغطت وجهها الباكي بيديها قائلة بصوت يقطر حزنًا ووجعًا:
"سيبيني لوحدي."
حاول التحدث ولكنها رفضت اقترابه أو حديثه وتركت العنان لدموعها لعلها تخفف من وجع قلبها على كليهما. حمزة محق... ولكنه أبيها! فماذا تفعل؟!
نظر عزام إلى سيدرا بينما أتقنت رسم تلك الابتسامة الساحرة على شفتيها المصبوغة بأحمر شفاه جذاب ليرفع حاجبه قائلًا:
"بس لو زي ما بتقولي إنك بعد بحث طويل استقريتِ تشاركيني يا هانم... كنتِ هتعرفي إن عزام الصاوي مش بيحب الشراكة وعمر ما كان له شريك."
ضحكت بثقة قائلة:
"مظبوط... بس جايز عشان ما كانش في شريك زيي."
ضحك عزام ضحكته الرجولية العالية ليشاركهم جمال الضحك بينما بداخله يلعن خبث ومكر تلك الفتاة.
فعزام الصاوي رجل أعمال في أوائل الخمسين من عمره وهو رجل ذو سمعة ونفوذ، وسيدرا بينما ترى نظراته لها منذ دخولها إلى مكتبه وهي قد قررت أنه ربما يكون صيدها التالي.
تنهد عزام بينما ينقل نظراته بين تلك الفتاة الجميلة وبين ذلك الرجل الذي عرفته عليه أنه زوجها.
"يعني أنت يا جمال بيه قررت تدخل السوق فجأة؟"
قال جمال:
"لا طبعًا... أنا كان شغلي في دبي وحاليًا نقلته هنا. وكنت بأفكر في فتح مجالات جديدة."
تدخلت سيدرا بينما تضع ساقًا فوق الأخرى:
"وشركة سيادتك يا عزام بيه أكبر مورد للآلات والمعدات وإحنا حابين المجال ده. هنكون وسيط بينك وبين الشركات اللي بتورد لها."
أرجع عزام رأسه للخلف بينما يتفحص جيدًا تلك الفتاة ويحاول قراءتها:
"يعني أنا وسيط بين الشركة الأجنبية والشركات وأنتوا تبقوا وسيط بيني وبين الشركات؟"
قالت بابتسامة لها مغزى:
"مع ربح عالي ومن غير وجع دماغ التعامل مع الشركات. ضحكت بإغواء قائلة: تقدر تسيب لينا إحنا وجع الدماغ."
أومأ لها عزام قائلًا:
"عمومًا... سيبوني أفكر."
اعتدل جمال واقفًا وهو يصافحه قائلًا:
"خد وقتك يا عزام بيه."
"فرصة سعيدة."
تلكأت سيدرا تتهادى بمشيها بينما وضعت يداها الناعمة بيد عزام قائلة برقة:
"ما تتأخرش عليا... أقصد علينا في الرد يا عزام بيه."
رفع عزام يداها إلى شفتيه يقبلها قائلًا:
"في أسرع وقت."
أومأت له بابتسامة قائلة:
"ولو محتاج نتكلم في أي تفاصيل... رقم تليفوني أهو."
أمسك عزام برقم الهاتف لتتبادل معه النظرات لحظة قبل أن تغادر خلف جمال الذي هتف بسخط ما إن ركبت بجواره السيارة:
"وكان لازمته إيه الفيلم الهابط بتاع جوزك الطرطور ده؟"
ضحكت قائلة:
"لازمته إنكم دايمًا بتحبوا الحاجة الصعبة."
ضحك جمال بسخرية:
"صعبة؟! لا ومن جهة إنك صعبة فأنتِ صعبة قوي."
نظرت إليه سيدرا بغل:
"لمي لسانك يا جمال أحسن لك."
زجرها جمال بغضب:
"أنتِ اللي تلمي لسانك! أحسن لك يا بنت أنتِ وبطلي تهدديني بدل ما وحياة أمك الغالية لأسلمك تسليم أهالي لحمزة السيوفي."
نظرت إليه سيدرا باستهزاء ثم أشاحت بوجهها وهي تتوعده فقد بقي القليل لتتخلص منه.
دار حمزة حول نفسه فهل يترك حقه؟ لا لن يفعلها.
ولكنها تذبل والحزن يكوي قلبها، لا يحتمل أن يبقى بجوارها ويرى هذا الحزن بعينيها.
طوال اليوم وهو يحاول ولكنها اكتفت بالصمت والبكاء. تركها كما تريد حتى إنه قضى الليلة خارج المنزل فلم يحتمل البقاء ورؤيتها بتلك الحالة. ليلة كئيبة باردة. شعرت بالبرد يتخلخل بجسدها الضعيف مهما اندثرت بالأغطية. تداخلت الصور والأصوات برأسها... أبيها وحمزة... طفلها القادم والذي فقدته... ما حدث لأمها... جروح حمزة وجروحها... ندم أبيها وانكساره... ليلة صعبة وأصعب ما فيها عدم وجوده بجوارها فكم تحتاج إليه وتتمنى أن تبعد ذراعيه ذلك البرد الذي تشعر به حينما يأخذها بحضنه الدافئ. لم تستطع أن تنام أبدًا وهو كذلك، ولكن الابتعاد حاليًا أفضل ولو لليلة واحدة فهو لا يستطيع الابتعاد أكثر. اتصل بها كل نصف ساعة يطمئن عليها واكتفى بمجرد سماع صوتها وكلمة:
"أنا كويسة."
تعالت دقات قلبها حينما استمعت لصوت مفاتيحه تدور بالباب وكم تمنت لو تستطيع أن تمحو اليومين الماضيين من حياتهما لتعود كما كانت.
قامت بخطى واهنة من فراشها تستند بيدها إلى الجدار تريد أن تخرج وتتحدث معه لعله يستمع إليها.
فهو سيكون أب وجد طفلها، هو أبيها!
تعالى رنين هاتف حمزة ليجيب باقتضاب: "أيوه يا شاكر."
"هشام اعترف على نفسه يا حمزة، وأكيد النيابة هتطلبك عشان ياخدوا أقوالك."
قال حمزة بينما توقف مكانه ولا يرى سيرين التي تسمرت قدماها بالأرض وانسابت دموعها بينما تستمع إليه بكل قسوة وجمود: "تمام يا شاكر، افتح القضية تاني. روح النيابة وتابع التحقيق، ولما تطلبني هبقى أجي أحط أقوالي."
أغلق الهاتف وانتفض قلبه حينما استمع لأنين بكائها الصامت حينما استمعت لمكالمته وعرفت أن أبيها قد اعترف!
أسرع ناحيتها ولكن عيناه عجزت عن مواجهة عيونها التي نظرت إليه بعتاب قاسٍ وهي تدفعه بعيدًا عنها وتسرع لغرفتها وتوصد الباب خلفها.
***
قالت نبيلة بقلق شديد بينما في طريقها لحمزة هي وعبد الحميد بعد أن عرف من شاكر بما حدث: "يا ترى إيه اللي حصل بينهم؟"
زفر عبد الحميد بضيق: "أنا من الأول ما كنتش موافق على الجوازة دي. مهما كان أبوها."
قالت نبيلة بجبين مقطب: "أدي أنت قولتها يا حج، أبوها مهما كان. يعني حمزة لازم يراعي ده."
قال عبد الحميد باستنكار: "عاوزاه يسيب حقه؟"
قالت نبيلة وهي تهز رأسها: "حقه عند ربنا."
نظر إليها عبد الحميد بغضب: "جرى لك إيه يا حجة؟ إيه! ماهواش راجل؟ عاوزاه يسيب حقه؟"
قالت نبيلة بغضب مماثل: "وهو لما يسجن أبو مراته هيجيب حقه؟ عبد الحميد، ما تنساش البت حامل والزعل وحش عشانها."
هتف عبد الحميد بتهكم: "زعلانة على الحرامي!"
"ده أبوها مهما كان."
قال عبد الحميد بحدة: "وحمزة جوزها وأبو ولدها، لازم تخاف عليه."
قالت نبيلة بحزم: "لو مالهاش خير في أبوها مش هيبقى ليها خير في حمزة."
أشاح عبد الحميد بوجهه بغضب وهو يزجر السائق: "اخلص يا واد وسرع شوية خلينا نوصل."
نظرت إليه نبيلة بغضب فهو برأس يابس وحمزة مثله يابس كالصخر.
***
قام حمزة من مكانه ونظر بجبين مقطب إلى سيرين التي خرجت من الغرفة واتجهت لباب الشقة. أوقفها قائلًا: "رايحة فين؟"
قالت باقتضاب دون أن تنظر إليه: "رايحة لأبويا."
اشتعلت عيناه بالغضب فهو قد توقع منها أن تغضب منه ولكن أن تتجاهل وجوده بل وتذهب إلى هشام فهي بتلك الطريقة تتحداه.
قال بصوت حاد: "ومين قال إني هسمح أنك تروحي مكان زي ده؟"
التفتت إليه قائلة بلوم وعتاب: "وهو مين رماه في المكان ده؟"
قال بجمود: "غلطته يتحمل نتيجتها."
أفلتت دموعها وهي ترفع عيونها التي ذبلت غصون الزيتون بها: "غلط وندم وطلب تسامحه. أنت إيه ما بترحمش؟ ده ربنا بيسامح وبيرحم."
أبعد عيناه عن عيونها التي تكاد تقتله بتلك النظرات التي تحمل عتابًا قاسيًا: "أنا مش ربنا."
لكمته بصدره بوجع قلبها الذي انكسر على يده فقد ظنت أن لها قيمة عنده: "أنت ظالم ومعندكش قلب."
أمسك بذراعيها واشتعلت عيناه بالغضب وهو يقول بعنفوان: "أنا ظالم بعد كل اللي عملوه فيا؟! أنا اللي ظالم!"
هزت رأسها والدموع تحجب رؤيتها بينما تهتف به بقهر: "أيوه ظالم. ظالم عشان خليتني بينك وبينه. من غير ما ترحمني وتقدر أن ده أبويا برضه. إزاي عاوزني أكون نايمة في حضنك وابنك بيكبر جوايا وأنت هتسجن أبويا؟"
فرك وجهه بانفعال فهاهي مخاوفه وأسوأ كوابيسه تتحقق ليهتف بها بعصبية: "عاوزاني أعمل إيه؟ عاوزاني أسامحه بعد اللي عمله؟ مستحيل!"
انكسرت نظراتها بينما خرج صوتها ممزوجًا بغصة حلقها وهي تقول: "عاوزاك تحبني."
أوجعه قلبه واختنق صوته ليقول وهو يمسك بكتفيها: "ما أنا بحبك يا سيرين."
أبعدته عنها وهي تصيح به باتهام: "كذاب. أنت مش بتحبني. أنت لو بتحبني كنت هتنسى. كنت هتسامح ما كنتش هتعمل حاجة توجعني كده."
قال برجاء: "طلعي نفسك بره اللي بيحصل."
هزت رأسها بأسى: "مقدرش."
زم شفتيه قائلًا بحزم: "وأنا كمان مقدرش أسيب حقي."
نظرت إليه ومسحت دموعها بظهر يدها قائلة: "يبقى أنا كمان مش هسيب أبويا في شدته."
أمسك ذراعها يوقفها حينما خطت خطوة: "مفيش خروج."
نظرت إليه وانتزعت ذراعها من يده: "حمزة لو سمحت."
قال بحزم: "قلت مفيش خروج. أنتِ مراتي وحقي أمنعك تروحي مكان زي ده."
قالت بحدة: "مش من حقك تمنعني أقف جنب أبويا."
نظر إليها قائلًا بإصرار: "حقي أمنعك تروحي مكان زي ده أو يبقى ليكي أي علاقة بالراجل ده تاني."
رفع إصبعه بوجهها وأكمل بصرامة: "ولثاني مرة هحذرك من اللي في بطنك يا سيرين لو ضاع زي اللي قبله عمري ما هسامحك فاهمة؟"
***
ارتمت سيرين على الأريكة تبكي بقلة حيلة بعد أن غادر بخطوات غاضبة. هل تتحداه وتخرج وتهدم كل ما بينهما؟ أم تبقى وهي لا تستطيع أن تسامحه على ما فعله بأبيها؟ ولكنها لا تستطيع أن تلومه فهو محق وأبيها أخطأ. ولكنه يظل أبيها!
***
نظر الضابط إلى هشام قائلًا: "بس اللي بتقوله ده خطير يا أستاذ هشام."
قال هشام: "أنا بعترف على نفسي يا فندم."
تنهد الضابط ونظر بالأوراق التي أمامه قبل أن يبدأ بالتحقيق.
***
قال حمزة بانفعال: "أعمل إيه يا جدي؟ مش قادر أسامحه ولا حتى عشان خاطرها."
تنهد عبد الحميد الذي جلس أمامه قائلًا بحيرة وهو يرى النيران التي تحاصر حفيده: "والله ما أنا عارف يا ولدي. إذا كان عليا عاوز أقطع من لحمه ولحم بنته الكلبة الثانية. بس جدتك عندها حق يا ولدي، مرتك معذورة. ولو مالهاش خير في أبوها مش هيبقى ليها خير فيك."
نظر إليه حمزة بدهشة: "أنت اللي بتقول كده؟"
أومأ له عبد الحميد بإقرار: "آه، عشان مرتك أصيلة. هو أبوها مهما كان. وحقها تزعل لما يكون جوزها وأبو ولدها السبب في سجنه."
ضرب حمزة طرف المكتب بقبضته قائلًا: "أعمل إيه؟ مش قادر."
أمسك عبد الحميد بكتفه قائلًا: "أنت راجل يا ولدي. وهتقدر! الراجل الصح يعفي لما يقدر وكفاية أنه جاء لك لحد عندك واعترف بغلطه."
رفع حمزة عيناه إلى جده الذي هز رأسه قائلًا: "عندنا اللي بيجي شايل كفنه بنسامحه على الدم، والراجل جاء لك سامحه في الفلوس. عشان خاطر ولدك اللي جاي وعشان خاطر مرتك."
***
تعالى رنين جرس الباب لتقوم سيرين من مكانها تفتح فتتفاجأ بإياد أمامها.
"إياد!"
نظر إليها بغضب قائلًا: "أنتِ لسه في بيته بعد كل ده؟"
قطبت جبينها: "إياد. أنت بتقول إيه؟"
نظر إليه بغضب: "بقول إني مستغرب وجودك في بيت الراجل اللي عمل فيكِ كل ده وآخرتها كمان سجن أبوكِ."
هتفت به بحدة: "إياد، لزم حدودك."
تهكم: "حدودي؟!"
رفع حاجبه وتابع بسخرية: "ما تقولي الكلام ده للبيه."
هتفت بغضب: "ما تدخلش بيني وبين جوزي."
"اللي أتجوزك غصب."
زمجرت بحدة: "وأنت مالك؟"
نظر إليها وقال بانفعال: "مالي يا سيرين؟ مالي إني بحبك. بحبك وجاء هو في الآخر خطفك مني ويا ليته قدر وجودك في حياته."
احتدت ملامحها لتتفاجأ به يجذب يدها: "تعالي معايا وسيبيه يا سيرين. واحد زيه ما يستاهلكيش."
صفعة قوية هوت على وجهه من يدها وهتفت به بغضب: "اطلع بره وانسى أن ليك بنت خالة. بره يا حيوان!"
***
حاولت تهدئة أنفاسها بعد ذهاب إياد ومازالت لا تستوعب ما نطق به ابن خالتها.
التفتت بدقات قلب متعالية إلى نبيلة التي خرجت من غرفتها قائلة: "مين اللي كان على الباب يا سيرين؟"
قالت بتعلثم: "ها. أبدًا يا ماما نبيلة."
أومأت لها نبيلة بابتسامة هادئة وهي تقول: "طيب تعالي نكمل كلامنا."
أومأت لها سيرين وسارت بخطى واهنة لتجلس بجوار نبيلة التي ربتت على كتفها قائلة بابتسامة: "أبوكِ هيخرج يا سيرين."
التفتت إليها بجبين مقطب: "إيه؟"
ابتسمت نبيلة وأومأت لها: "آه. حمزة اتنازل."
لم تصدق ما نطقت به نبيلة والذي حدث قبل ساعة. فقد اقتنع حمزة بكلام جده وذهب برفقة شاكر محاميه إلى النيابة وقد قام شاكر بنفي اعتراف هشام وبرره بأنه يحاول إبعاد التهمة عن ابنته سيدرا.
***
انكسرت عيون هشام أكثر من موقف حمزة بينما تقابلت عيونهما. وقف حمزة بملامح وجهه خالية فقد انهزم انتقامه أمام حبها.
لم ينسَ ولكنه تنازل من أجلها حتى أنه مستعد لفعل أي شيء ليمحو تلك النظرات الحزينة بعيونها.
قال حمزة وهو ينظر لهشام: "أنا عملت كده عشانها مش عشانك."
طأطأ هشام رأسه بانكسار: "أنا ما أستاهلش تكون بنتي."
***
أوقف حمزة سيارته ونزل منها متوجهًا للمنزل يسرع لأخذها بحضنه وإنهاء كل ما حدث بينهما لتتسمر خطواته بينما تقابلت عيناه بعيون إياد الذي تمهل وهو يغادر بسيارته قاصدًا بكل حقد أن يراه حمزة ينزل من بيته!
***
اتسعت ابتسامتها بينما استمعت لصوت مفاتيحه بالباب لتقول لنبيلة: "حمزة وصل."
ابتسمت نبيلة قائلة: "طيب يلا قومي روحي استقبليه يا بنتي. ربنا يسعدكم."
غادرت الغرفة حيث بقيت نبيلة لتتجه إليه بقلب يلهو حبًا له بعد ما عرفت أنه من أجلها تنازل عن انتقامه. فهي ربحت الرهان والحب انتصر!
قابلت ابتسامتها الجميلة ملامح وجهه الملتهبة.
"حمزة!"
استعر الجحيم بعيناه ليقول بصوت جهوري غاضب: "ابن خالتك. كان بيعمل إيه في بيتي؟!"
انصدمت ملامحها وتجمدت مكانها. فهاهو مرة أخرى يلقيها بغابة ظنونه التي لا تنتهي بكل قسوة ويبدو أنها لن تخرج أبدًا من تلك الغابة القاسية!
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رونا فؤاد
استعر الجحيم بعينيه ليقول بصوت جهوري غاضب:
ابن خالتك، كان بيعمل إيه في بيتي؟!
انصدمت ملامحها وتجمدت مكانها لتعقد حاجبيها باستفهام عن تلك النبرة الغاضبة بصوته. خافت كثيرًا من ملامح وجهه الغاضبة وبحثت عن كلمات تخبره بها عن سبب وجود إياد، كي لا يزيد نيرانه إلا اشتعالًا إن علم حقيقته:
حمزة...
انفلتت أعصابه والتهبت النيران بعيونه وهو يرى ارتباكها ويتذكر نظرات إياد له، ليمسك ذراعيها بقوة هاتفًا بغضب أهوج وغيرة عمياء يهزها وهو يصيح:
حمزززة إيه... أنتي لسة هتفكري؟! انطقي كان بيعمل إيه هنا وإزاي أصلًا تسمحيله إنه يدخل بيتي؟! إييييه، صعبتي عليه تاني وجاي البطل الهمام يخلصك مني؟! ولا بتعاقبيني عشان أبوكي؟ انطقي... إيه مش لاقية كذبة؟
لمعت الدموع بعيونها، لا تصدق اتهامه الجارح وتلك الكلمات التي ألقاها بوجهها دون أدنى اهتمام لقسوتها. أين ذهب صوتها لتنطق وتدافع عن نفسها؟ أين قوتها لتصفعه بقوة على ما نطق به بسبب غيرته العمياء؟ لماذا تشعر بالشلل بلسانها أمامه؟
تفاجأ حمزة بجدته تزجره بغضب حينما خرجت من الغرفة على صوته الغاضب لتتفاجأ بهذا الاتهام يخرج من فمه.
هتفت به بعدم تصديق:
إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟ أنت اتجننت! إزاي تقول لمرتك كده؟
تفاجأ بوجود جدته بمنزله مع سيرين، فلم يكن يعلم أن جدته قد حضرت برفقة عبد الحميد الذي ذهب إليه، بينما هي اتجهت إلى سيرين لتواسيها وتطمئن عليها. وهذا بالتأكيد من صالح سيرين، فقد استمعت نبيلة لحديثها مع إياد، وحينما رأت ردها الحاد وصفعتها لها، لم تطل في سؤالها حينما سألتها من كان لدى الباب.
هتف حمزة بإصرار غاشم:
لو سمحتي يا حجة ما تتدخليش أنتِ... أنا بكلمها هي.
أبعدت نبيلة يداه عن ذراع سيرين وهتفت به بغضب:
أوعي إيدك عنها واخرس.
نظر إلى جدته متفاجئًا، لتنظر إليه نبيلة بسخط بينما لم تصدق ما تفوه به لزوجته. أسرعت سيرين إلى غرفتها وسبقتها دموعها، وهي لا تعرف لماذا انحشر صوتها بحلقها ولم تنطق كلمة. لماذا كلما جرحها لا تستطيع النطق، بينما فقط تشعر بهذا الألم والوجع بقلبها؟ فكلماته وشكوكه كالسهام تخترق قلبها لتتذكر تلك المرة التي تأخرت بها وحطم الهاتف وألقاها بالاتهامات دون أن يستمع إليها أيضًا.
نظرت إليه نبيلة بتأنيب بعد أن أخبرته بما استمعت له:
ما كانش ينفع أبدًا اللي قلته لمرتك يا ولدي... إزاي يا ولدي تقول الكلام الماسخ ده؟
عقد حاجبيه وفرك وجهه بانفعال فهو أخطأ في حقها مرة أخرى:
أعمل إيه... اتجننت لما شفته.
زجرته بسخط:
تتأكد قبل ما تتكلم.
أغمض عينيه وزفر بضيق لتقول نبيلة بحنق:
والله حرام، البنت حامل وأنت والدنيا مش بترحموها... كفاية بقى عاشت يومين مقهورة على أبوها ومقهورة منك...
رشقته بنظراتها الغاضبة وتابعت:
ليه بس كده... دي ما استحملتش عليك كلمة من ابن خالتها اللي أنت جاي تتهمها فيه... وكمان كل ده كان قبل ما تعرف مني إنك ما سجنتش أبوها... أخص عليك ما كانش ليك حق أبدًا... يلا قوم شوف هتراضيها إزاي.
رفعت إصبعها أمامه بتحذير:
وإياك مرة تانية تزعلها، بدل ما ورحمة أمك آخدها عندي وما تشوفش ضفرها تاني... فاهم؟
دخل وهو يشعر بندم شديد وخجل من تسرعه وجرحها مرة أخرى. فلا يعلم ماذا حدث له وجعله يتفوه بتلك الحماقات. لا يعرف شيئًا سوى أنه يغار وتحرق غيرته أي ذرة تعقل لديه. آه لو كان لحق بإياد لكان لكمه بقوة حتى يحطم عظام وجهه. اتسعت عيناه ما أن دخل الغرفة ورآها تجمع ملابسها وتلقيها بتلك الحقيبة بعشوائية ليسرع ناحيتها يوقفها:
سيرين... أنتي بتعملي إيه؟
دفعت يداه بعدائية ما أن أمسك بيدها يحاول إيقافها عما تفعله:
أوعي إيدك ما تلمسنيش.
قال بأسف وندم:
أنا آسف يا حبيبتي والله ما قصدتش أي حاجة من الكلام السخيف اللي قلته... حقك عليا.
دفعته بعيدًا عنها وصرخت به بغضب من بين دموعها:
مالكش دعوة بيا.
قال وهو يحاول أن يحتضنها ليهدئها:
اهدي بس واسمعيني يا حبيبتي.
صرخت به بحدة:
وهو أنت كنت سمعتني؟! مش عاوزة أسمع صوتك ولا أشوف وشك.
أومأ لها بصوت راجي:
حقك... بس اهدي وسيبي اللي بتعمليه ده.
هتفت به بغضب:
مش هقعد في البيت ده لحظة... طلقني يا حمزة.
انصدمت ملامحه:
إيه اللي بتقوليه ده... طلاق إيه؟
هزت رأسها بإصرار:
أنت مش بتثق فيا ولا عمرك وثقت فيا... طلقني.
تدخلت نبيلة بعد تعالي أصواتهما لتقول باستنكار:
لا يا بنتي... بعد الشر طلاق إيه بس؟ ما حصلش حاجة لكل ده.
هزت رأسها وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
لا حصل... هو بيشك فيا.
قالت نبيلة وهي تحاول تهدئة الوضع:
لا يا بنتي هو بس دمه حامي حبتين... غيران مش بيشك فيكي ولا حاجة.
قالت بإصرار وهي تكمل جمع ملابسها:
مش فارقة... هو حر... أنا مش هقعد في البيت ده تاني.
هتف حمزة بعصبية:
ما فيش خروج من البيت على جثتي يا سيرين تسيبي البيت.
هتحبسني؟
قال بعناد:
هعمل أي حاجة ولو حكمت آه هحبسك يا سيرين.
هتفت به نبيلة:
بس يا حمزة.
قال بحنق:
أنتِ مش سامعة كلامها.
قالت نبيلة:
طيب اسكت ومالكش صالح بيها وسيبني أنا أتكلم معاها...
قالت سيرين بانفعال:
ما فيش كلام يتقال بعد اللي قاله... خلصت... أنا عاوزة أطلق.
زمجر حمزة بغضب:
ما تنطقيش الكلمة دي على لسانك تاني... أنا بحذرك.
هتفت نبيلة بحزم:
بس بقى يا حمزة... وأنتِ يا بنتي... اخزي الشيطان.
هز رأسه ونظر إلى سيرين قائلًا بنبرة قوية:
سيرين أنا آه غلطت بس غصب عني اتجننت لما شفته نازل من هنا... غلطت وبتأسف أهوه... ما فيش بقى أي داعي للي بتعمليه وافتكري إن في روح جواكِ أنتي بتأذيها بعمايلك دي.
أشاحت بوجهها بغضب:
ده اللي فارق معاك.
هتف بها بعصبية:
فارق معايا أنتوا الاتنين... يعني هترتاحي لما يحصلك اللي حصل قبل كده؟
قالت نبيلة وهي تدفعه خارج الغرفة:
اطلع يا حمزة وسيبني أتكلم معاها... اطلع أنت برا دلوقتي.
ربتت نبيلة على كتفها:
استهدي بالله يا بنتي... حمزة بيحبك.
قالت سيرين بأسى:
أنتِ ما سمعتيش كلامه يا ماما نبيلة... افرضي ما كنتيش سمعتي اللي حصل كان زمانه مكمل كلامه وشكه فيا.
هزت رأسها:
لا يا بنتي... قالك بيغير.
لا.
بعد قليل تنهد حمزة بضيق وعاد ليدخل إلى الغرفة مرة أخرى فيجد جدته جالسة بجوارها تهدئها. ولكن ما أن فتح فمه ليتحدث حتى هتفت نبيلة بكلاهما:
محدش فيكم ينطق بكلمة... أنا قلبي وجعني منكم ومن عنادكم... وقسمًا بالله لو ما نفذتوش كلامي اللي هقوله ما أنا داخلة ليكم بيت تاني.
نظر إليها حمزة لتكمل:
أنتوا دلوقتي هتروحوا معايا على البيت تقعدوا معانا كام يوم تهدوا أعصابكم وآخذ بالي منك يا بنتي.
أيد حمزة الفكرة بدون تفكير، فيبدو أن لجدته تأثير عليها وهناك بالتأكيد ستكون له فرصة بالحديث معها دون أن تبالغ برد فعلها.
ارتدت سيرين ملابسها بعد أن خجلت من أن ترفض رجاء نبيلة. اتصلت بوالدها الذي أجاب بصوت خافت ممزوج بالخجل لتقول بلهفة:
بابا أنت كويس؟
قال بصوت مختنق:
أنا كويس يا بنتي... طمنيني عليكي.
أنا كويسة.
صمت لحظة قبل أن يقول:
أنا مش عارف أقول إيه لحمزة... أنا ما استاهلش أبدًا اللي عمله.
قالت بابتسامة خفيفة:
إنسى يا بابا... المهم إنك فعلًا ندمان وعاوز تكفر عن ذنبك.
أنا هعمل أي حاجة عشان أكفر عن ذنبي... وقريب أوي هتشوفي يا سيرين.
قالت بحنان:
ماشي يا بابا... خد بالك من نفسك.
وأنتِ يا قلب أبوكي.
أغلق هشام الهاتف يشعر بمقدار حقارته بينما رزقه الله بابنة بارة مثلها وزوجة طيبة مثل هدى. للمرة المائة سيحاول الاعتذار منها وطلب السماح. كما لن ييأس حتى يكفر عن خطئه والذي يتمثل بإنجاب ابنته كسيدرا.
توقف سائق عبد الحميد أسفل منزل حمزة لاصطحاب نبيلة التي أخبرته بمجيء حمزة وسيرين معهما وقد رحب بالتأكيد.
نزلت برفقة نبيلة ففتح لها حمزة باب السيارة بجواره لتتجاهله وتتجه لتركب برفقة نبيلة التي قالت:
اركب يا عبد الحميد مع حمزة.
أومأ لها ليقول حمزة:
تعالى يا حج.
ركب عبد الحميد بجواره ليقول:
في إيه يا ولدي... مش خلاص مشكلة أبوها اتحلت؟
زفر حمزة وهتف بسخط:
والله ما أنا عارف يا حج... أنا زهقت مش مكتوب ليا أعيش يومين مبسوط.
ما تقولش كده يا ولدي... هما الحريم كده كل يوم بحال... تلاقيها بتدلع عليك يا ولدي شوية من تعب الحمل.
ضرب المقود بيده:
تتدلع يا حج... تتدلع!
تراقصت الابتسامة بعيون ريحان ما أن علمت بمجيء حمزة.
نظرت إليها سارة بينما تدور حول نفسها أمام المرآة:
إيه رأيك يا سارة؟
قالت سارة ببرود:
رأيي في إيه؟
هيكون في إيه... في شكلي؟
هزت سارة كتفها:
حلوة... بس إيه لازمة اللي أنتي عاملاه ده كله؟
قالت ريحان وهي تصفف شعرها:
لازمته إن حمزة جاي.
نظرت إليها سارة بعدم تصديق:
حمزة... أنتِ لسة بتفكري في الكلام الفارغ ده؟
قالت ريحان بابتسامة واسعة بينما استمعت لبوق السيارة التي أعلنت عن وصولهم:
ومفكرش ليه يا ساسو... ده قريب أوي تفكيري هيبقي واقع.
رحب الجميع بهم وخاصة الفتيات بسيرين لتقول نبيلة:
سعاد طلعي الشنطة فوق ويلا يا بنات سيبوا سيرين تقوم ترتاح من الطريق.
اصطحبتها نبيلة لغرفتها بينما لم تتوقف عن إعطائها النصائح وإخبارها عن طبع حمزة الصعب والذي عرفته سيرين، فهو عصبي للغاية ولكن قلبه طيب وحنون، فمقدار التهاب نيرانه مقدار حنانه وعطفه، وهي تعرف هذا جيدًا ولكن يجب أن تأخذ موقف منه ليسيطر على غضبه في المستقبل.
ما أن دخل حمزة إلى الغرفة حتى قالت سيرين:
ماما نبيلة لو سمحتي شوفيله أوضة تانية يقعد فيها...
هتف حمزة باستنكار:
نعم؟!
نظرت إليه ببرود:
اللي سمعته... مش هقعد معاك في نفس الأوضة.
زنت نبيلة شفتاها وهي توكز سيرين بكتفها تذكرها بنصائحها لاحتوائه.
قال حمزة بهدوء عكس ما توقعت:
روحي أنتِ يا حجة ارتاحي.
بلحظة كانت نبيلة تخرج ليوصد حمزة الباب خلفها بالمفتاح. هتفت به سيرين بغضب:
أنت بتعمل إيه... افتح الباب.
قال حمزة بهدوء وهو يبتسم لها:
سيرين يا روحي... أنتِ ما زهقتيش من النكد؟
هتفت به بغيظ فمن الذي تسبب بهذا النكد:
لا.
اقترب منها باشتياق ينظر لعيونها قائلًا:
أنا بقى زهقت.
قالت بتحذير:
ابعد وما تقربش.
قال بعبث وهو يتابع اقترابه:
ولو ما بعدتش هتعملي إيه؟
لفت ذراعها حول صدرها:
هنادي جدتك.
ضحك قائلًا:
هتقولي ليها إيه...
زفرت بحنق وأشاحت بوجهها عنه لا يتوقف خلفها قائلًا بنبرة هادئة:
سيرين حبيبتي أنا عارف إني زعلتك... بس ما كنتش أقصد. ممكن تهدي ونقعد نتكلم بهدوء؟
قالت بوجع وقهر:
مش عاوزة أتكلم كفاية اللي أنت قلته.
غمغم بصوت خشن حزين:
غصب عني...
بحبك وبغير عليكي. والي سمى إياد ده أنا هقتله عشان ما يفكرش يهوب ناحيتك تاني.
أدارها ناحيته ورفع وجهها إليه قائلًا بحنان: سيرين، خلينا نفتح صفحة جديدة. أنا بحبك، وشفتي عشانك أنا عملت إيه...
تهكمت بمرارة دون إرادتها: والله كتر خيرك يا حمزة بيه إنك سامحت أبويا.
جز على أسنانه، فها هي تستفزه بحديثها: سيرين..!
رفعت عيونها الغاضبة إليه: عاوز إيه...؟
نبدأ من جديد... بناءً على إيه؟ حب من غير ثقة مش حب، وأنت في أقل موقف بوريني قد إيه إنك مش واثق فيا.
هز رأسه باستنكار: طبعًا بثق فيكي.
قالت بغضب: كداب... مش بتثق فيا، ولولا إن جدتك كانت موجودة عشان ربنا بيحبني، كان زمان الله أعلم ظنونك فيا أخدتك لغاية فين.
قال بانفعال: يا سيرين بقولك اتجننت لما شفته، افهمي بقى وقدري موقفي...
هزت رأسها بعناد وإصرار: كنت سمعتني وقدرت موقفي وأنا قدامك وأنت بتتهمني بالطريقة دي...
أولته ظهرها وتابعت بحنق:
اتفضل بقى اطلع برا عشان أنا مش طايقاك.
زم شفتيه بغضب من عنادها، ليزفر بحنق أنفاسه الساخنة وهو يفك أزرار قميصه بعصبية هاتفًا بسخرية: متشكر.
التفتت إليه بغيظ حينما وجدته يخلع قميصه: بقولك اطلع برا.
قال ببرود وهو يلقي بقميصه على المقعد ويتابع خلع حزامه الجلدي: مش طالع ولا أنتِ طالعة من الأوضة... طايقاني ولا مش طايقاني، اتعاملي مع إحساسك ده. وأنا مش هبرر تاني... أنا كده ومش متضايق من اللي عملته... المفروض إنك عرفتي طبعي وإن الغيرة بتجنني. أقلمي نفسك على كده.
نزلت سيدرا من تلك السيارة الفارهة التي أرسلها لها عزام لتقلها إلى فندقه الضخم، حيث لبت دعوته للعشاء.
طرقت بكعب حذائها فوق الأرض الرخامية وهي تتطلع حولها بانبهار وعيون طامعة جاهدت لإخفائها والتحلي بالهدوء أمام نظرات عزام التي تكاد تلتهمها.
مدت يداها إليه ليقبلها برقة قائلًا: أنا مبسوط إنك لبيتي دعوتي.
ابتسمت باصطناع: طلبت تقابلني وأنا ما قدرتش أرفض.
ابتسم وهو يقودها لتلك الطاولة المعدة لهما: وأنا اتمنيت تقبلي دعوتي دي.
: ليه؟
قال بحاجب مرفوع: هنتكلم واحنا واقفين... نقعد نتعشى ونتكلم.
تلفتت حولها بهدوء وهي تضع ساقًا فوق الأخرى: المكان حلو أوي.
ابتسم بثقة: الأوتيل بتاعي فريد من نوعه.
لمعت عيونها بالطمع بينما تطرقت بحديثها إلى أعماله ومشاريعه والتي تنم عن حجم ثرائه، وأخيرًا حصل عزام على النظرة التي أرادها حينما نطق بكلماته: شركة شحن لتوكيل أجنبي... تبقي أنتِ الوكيل الوحيد له. إيه رأيك...؟
نظرت إليه باستفهام ليتابع بتشجيع:
ليه تشتغلي شغل سمسار مع إنك ممكن تبقي ليكي حجم كبير في سوق الأعمال؟
استرسل بشرح تلك الفكرة وربحها الخيالي لتقول: بس إزاي أخد توكيل كبير زي ده؟
قال بثقة وهو يرتشف من كوبه: الشركة عليكي والتوكل عليا.
قالت بتردد: بس...
التوت شفتاه بابتسامة ساخرة: بس إيه...؟! الموضوع كبير وصعب عليكي... نظر إليها وتابع بمغزى: ولا جمال بيه مش هيوافق؟
هزت كتفها: لا جمال ما تفكرش فيه خالص... أنا بس أحب أفهم الحاجة قبل ما أدخل فيها.
قال عزام بابتسامة: بس كده... أفهمك...
نظر حمزة إليها بطرف عيناه بينما تتحرك في الغرفة بعصبية... تغلق الخزانة بحدة وتلقي بفرشاة شعرها بحنق على طاولة الزينة وتضرب الأرض بقدمها وهي تضع ملابسها بالخزانة، وكلما التقت عيناها بعيناه ترشقه بنظراتها الغاضبة... حاول تجاهل عصبيتها فهو أخطأ بحقها ويتقبل منها ما تفعله لتهدأ، ولكن أفلتت الكلمات من فمه: العصبية دي غلط عليكي على فكرة.
نظرت إليه بحدة بينما تخلع سترتها بجبين مقطب: خليك في حالك وملكش دعوة بيا.
تحركت يداها بحنق تفتح سوستة الجاكيت لتعلق السوستة وتتشابك بخصلات شعرها الطويل... زفرت بحدة بالغة وتحملت وجع جذب شعرها وهي تحاول بغيظ فتح تلك السوستة العالقة.
بلحظة كان يقف أمامها ويمسك بيدها يوقفها عن تمزيق شعرها قائلًا بمشاكسة: وشعرك ذنبه إيه...
حاولت الابتعاد عنه وهي تقول بغضب: ابعد ومالكش دعوة بيا قلتلك.
تجاهل كلماتها وانحنى ليحاول فك تشابك شعرها بسوستة الجاكيت برفق، كانت بحاجة إليه بدلًا من تمزيق شعرها... كان قريبًا منها للغاية يكاد يلتصق بها، فتهادت الابتسامة إلى شفتيه حينما شعر بدقات قلبها المتسارعة لثر اقترابه، فيستغل الفرصة ويقترب أكثر مستنشقًا عبيرها الذي يريد أن يسحبه لداخله... يتمنى لو ينتهي الغضب والجفاء وتعود إلى حضنه بابتسامتها الحلوة... دقائق استسلمت سيرين لرائحة عطره التي تخللت أنفها وخدرتها، والسخونة المنبعثة من جسده القريب منها بتلك الطريقة، لتغمض عيناها وهي تحاول ألا ترتمي بحضنه وتشكي منه له وتخبره كيف أوجعت كلماته قلبها الذي يهيم
به حبًا وعشقًا يغفر له كل شيء، ولكن عقلها اليابس يرفض...
خلص خصلات شعرها من ذلك السحاب الذي كان بين يديه التي تحركت ببطء تفتحه... تعالت وتيرة أنفاسه بينما تجاوز الخطوة الفاصلة بينهما ويداه تفتح سحاب سترتها التي أبعدها برفق عنها فظهر عنقها وكتفها لتتحرك شفتاه ناحيتها بحواس مخدرة.
اشتاقت لها حد الجنون يطبع قبلة شغوفة على جانب عنقها... استعذبت اقترابه بدقائق بينما شعرت بأنفاسه المحمومة تلفح عنقها الناعم وهو يطبع عليه قبلاته الشغوفة...
أحاطت يداه بخصرها يقربها إليه وينحني تجاه شفتيها يريد التهام كل إنش بها، فقد اشتاق إليها حد الجنون لتفيق سيرين سريعًا من دوامة مشاعرها رافضة أن يمر ما حدث مرور الكرام وكأنه لم يكن يتهمها منذ عدة ساعات بتلك التهم البشعة، لتدفعه بعيدًا عنها وتركض إلى الحمام وتوصد الباب خلفها... ركل حمزة الطاولة بغضب وإحباط حينما أبعدته وانسلت من بين يديه بتلك الطريقة بعد أن التهبت نيران اشتياقه لها.
نظرت سيرين لنفسها بالمرآة تشجع نفسها على تأديبه وعدم مسامحته بتلك السهولة، لتقرر أخذ دوش طويل تريح به أعصابها وتحرق أعصابه بعدها...
أسرعت ريحان إليه ما أن رأته ينزل الدرج: إزيك يا حمزة؟
ابتسم لها بأخوية: إزيك يا ريحان؟
: أنا كويسة أوي...
بخبث نظرت إلى للأعلى قائلة: هي سيرين نامت؟
هز رأسه: لا.
أومأت له: طيب هي فين... مش هتتعشى معانا؟
هز رأسه: لا، هنتعشى فوق عشان هي تعبانة محتاجة ترتاح.
أومأت له وأخفت غيرتها حينما وجدته يطلب من
هجهزلك الاستراحة تقعد هنا لغاية ما نخلص شغلنا.
أومأ له زين ليكمل حمزة:
تلاجات الفاكهة جهزت وهتتركب، قوم نشوف العمال عملوا إيه.
أومأ له زين ليجر قدماه بإرهاق قائلًا:
ماشي... بس اعمل حسابك أنا هاخد إجازة شهر بعد مفرمة الشغل ده.
شهر ليه بقى إن شاء الله؟
شهر عسل.
لكمه حمزة بكتفه:
اتنيل أنت اتجوز الأول.
إيدي على كتفك، هاتلي عروسة وأنا أتجوز على طول.
ضحك حمزة:
مستعجل أوي.
آه يا سيدي، فتحت نفسي على الجواز وأنا شايف الحب مبهدلك كدة.
ضحك حمزة:
أنت بتقول فيها.
تابع حمزة وزين مع شريف مشروعهم الجديد، بينما قضت سيرين يومها برفقة عائلتها لتأخذها سارة يسيرون برفقة آسر الذي أحضره زين برفقته.
عاد حمزة ليجدها جالسة على الفراش تتابع التلفاز بينما تريح ظهرها للخلف. تجاهلت عودته لتجده يجلس بجوارها ويميل ناحيتها يقبل وجنتها قائلًا وهو يخرج الشوكولاتة من سترته كما اعتاد:
الشوكولاتة.
أشاحت بوجهها ليضعها على الكومود بجوارها ويتجه لاستبدال ملابسه، ولكن حينما يعود يجدها قد نامت... همس وهو يرفع رأسها يضعها على صدره:
مجنونة بس بحبك.
أخفت سعادتها بينما تراه يكاد يجن بحبها... يومان والحال كما هو.
زفر بضيق من تجاهلها له بينما يضع الشوكولاتة بجوارها ككل ليلة قائلًا:
سيرين أنا بكلمك.
لم تقل شيئًا ليزفر:
ما تسكتيش كدة... أنتِ عارفة إن سكوتك بيضايقني.
نظرت إليه ببرود:
أتضايق ما أنت كلامك بيضايقني.
هتف بوعيد:
ماشي يا سيرين لما نشوف آخرتها.
قامت من الفراش واتجهت إلى الباب ليقطب جبينه:
رايحة فين؟
نازلة الجنينة أشم هوا.
قال بحنق:
ونازلة كدة!
قالت بهدوء مصطنع:
كدة إزاي؟
هتف بغيظ:
البسي حاجة تانية.
هزت رأسها بعناد:
لا... لبسي عاجبني.
صاح بنفاذ صبر:
وبعدين بقى اسمعي الكلام.
لا.
نظر إليها بوعيد:
تمام.
قام من مكانه بسرعة وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه بجيبه قائلًا ببرود:
يبقى بلاها نزول... وننام بقى.
هتفت بغيظ:
أنت بارد.
أولاها ظهره دون قول شيء لتجلس على الفراش بجواره وتسحب الغطاء بحنق من فوقه...
سيرين ما تخلينيش أقوملك.
ضحكت ببرود:
ولو قومت هتعمل إيه؟
بلحظة كان يجذبها إليه ويجثو فوقها ويلتهم شفتيها بشفاه جائعة في قبلة طويلة أجبرها بشغفه على الاستسلام لها ليبتعد أخيرًا عن شفتيها هامسًا بأنفاس ملتهبة:
هعمل كدة.
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رونا فؤاد
بلحظة كان يجذبها إليه ويجثو فوقها ويلتهم شفتيها بشفاه جائعة في قبلة طويلة أجبرها بشغفه على الاستسلام لها، ليبتعد أخيرًا عن شفتيها هامسًا بأنفاس ملتهبة: هعمل كده.
أغمضت عيناها تبحث عن إرادتها لإبعاده، ولكن كيف ستصمد أمام تلك العيون التي ما إن فتحت عيونها حتى واجهت تلك العاصفة الجامحة من لهيب حبه واشتياقه تموج في عينيه.
همس باشتياق ببحة صوته الرجولية بينما يحيطها بذراعيه يقربها لصدره ويدفنها بين ذراعيه: وحشتيني.
صمتت سيرين بينما استسلمت لعناقه المحموم وهو يهذي من بين أنفاسه اللاهثة: وحشتيني أوي يا سيرين.
تركت نفسها بين ذراعيه تستقبل اشتياقه الجارف الذي يبثه لها، بينما توزعت قبلاته الشغوفة على عنقها ووجنتها وكل إنش بوجهها، فهي اشتاقت إليه أضعاف اشتياقه ولكنها انجرحت منه بشدة.
همس من بين قبلاته: ساكتة ليه يا حبيبتي؟
رفع عينيه نحوها يتطلع إليها بعيون متسائلة: أنا موحشتكيش يا سيرين؟
نظرت لعيونه بعتاب: وحشتني بس زعلانة منك.
عقد حاجبيه وقال بنبرة حنونة: متزعليش حقك عليا.
: هترجع تكررها تاني؟
هز رأسه وقبل جانب ثغرها: أبدًا.. مش هزعلك تاني.
هزت رأسها: المرة اللي فاتت واللي قبلها قلت كده وبرضه زعلتني وجرحتني.
عقدت حاجبيها بشدة يؤنب نفسه، بينما داهمها هذا الدوار القوي فجأة، قال حمزة وهو يتطلع لعيونها: لا يا روحي، المرة دي آخر مرة. لم تستمع بما نطقه فقد دارت الدنيا من حولها لحظات. قطّب حمزة جبينه وهو يرى تغير ملامح وجهها، بينما وضعت يدها على فمها حينما فاجأها الغثيان لتبعده عنها وتركض إلى الحمام.
قام خلفها بسرعة: سيرين.. مالك يا حبيبتي؟
حاول فتح الباب ولكنها أوصدته من الداخل ليقول بقلب لهيف: افتحي الباب يا سيرين خليني أطمن عليكي.
انخلع قلبه بينما يستمع لصوتها تفرغ ما في معدتها ليسرع إلى نبيلة يناديها.
قالت نبيلة بقلق وهي تدخل إلى الغرفة: إيه يا ابني مالها مراتك؟
قال بينما يطرق الباب عليها مرة أخرى: مش عارف داخت مرة واحدة وجريت على الحمام.
قالت نبيلة بهدوء: طيب متقلقش.. تلاقيها دوخة الحمل.
طرقت نبيلة على الباب قائلة بحنان: افتحي يا بنتي وأنا هدخل أطمن عليكي.
غسلت وجهها بالماء البارد بعد أن شعرت بقليل من التحسن لتخرج بعد دقائق وهي تمسك ببطنها بوهن شديد. ما إن فتحت الباب حتى أسرع حمزة ناحيتها وأحاطها بذراعه يحملها إلى الفراش بينما يقول بحنان: إيه يا سيرين حاسة بإيه يا حبيبتي؟
قالت وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها: دايخة بس شوية.
قالت نبيلة وهي تعدل الوسائد خلف ظهرها: معلش ده طبيعي أول الحمل.
أنا هنزل أعملك كوباية لبن بالعسل تسند قلبك.
بعد خروج نبيلة جلس حمزة بجوارها على طرف الفراش يمرر يداه برقة على خصلات شعرها: سلامتك يا قلبي.
ابتسمت له بوهن ليقبل يداها ويربت عليها بحنان.
لمعت الغيرة بعيون ريحان التي وقفت لدى الباب برفقة والدتها التي صعدت لتطمئن على سيرين، قالت حياة وهي تطرق الباب وتدخل: ألف سلامة عليكي يا سيرين.
قالت بصوت خافت: الله يسلمك.
قال حمزة بقلق وهو يرى حالتها الواهنة: أنا هاخدها المستشفى أحسن.
قالت حياة بهدوء: لا يا حمزة مفيش داعي، الحمل في أوله بيبقى كده.
اغتاظت ريحان وهي ترى خوفه وقلقه عليها بتلك الطريقة.
بينما قالت حياة: الدوخة هتروح دلوقتي لما ترتاح شوية.. الراحة أحسن ليها.
ظلت ريحان واقفة مكانها وعيناها لا تفارق النظر لحمزة بينما تتمزق غيرة وتتمنى لو أنها مكان تلك الفتاة التي تحظى برجل مثالي مثله. وكزتها سارة بكتفها حينما لاحظت نظراتها بينما هتفت سمر بخفوت: هي ريحان بتبص لحمزة كده ليه؟
زجرتها سارة: هتبص له ليه يا سخيفة.. ما هي واقفة زينا أهي بتطمن على سيرين.
قالت سمر بخبث وهي الأخت الصغرى لسارة: ممم قلت ليلي.
دخلت نبيلة بعد قليل وخلفها سعاد تحمل صينية عليها كوب اللبن بالعسل وطبق كبير به قطع الفاكهة لسيرين.
: يلا بقى يا بنتي كلي شوية فاكهة كده واشربي الكوباية دي عشان تبقي كويسة.
هزت سيرين رأسها وقطبت جبينها بانزعاج من مجرد رؤية الطعام: لا مش عاوزة لبن.
قالت نبيلة: اسمعي الكلام أمال.. لازم تتغذي.
حمحم عبد الحميد من أمام باب الغرفة لتقول نبيلة: تعالى يا حج.
تقدم عبد الحميد بضع خطوات: إيه يا ولاد في إيه.. البت سعاد بتقولي سيرين تعبانة.
ضحكت نبيلة بمرح: ولا تعبانة ولا حاجة.. ده تعب الحمل.
أومأ لها ليقول: طيب مادام كده.. سيبوها بقى ترتاح أحسن.
قالت حياة وهي تشير للبنات: عندك حق يا بابا يلا يا بنات.
بعد انصرافهم قال عبد الحميد: وأنتِ كمان يا حجة يلا.
قالت نبيلة: لا أنا هفضل معاها لغاية ما تاكل وتشرب اللبن.
قال حمزة بابتسامة ماكرة وهو ينظر لسيرين: متتعبيش نفسك يا حجة.. أنا هشربها.
احمر وجه سيرين حينما اتسعت ابتسامة نبيلة التي همست له: وماله.. طبعًا تشرب من إيدك أحسن.
لكمته سيرين بجنبه وخفضت عيونها بحرج.
قال عبد الحميد وهو يغادر خلف نبيلة: سلامتك يا بنتي.. وأنت خد بالك منها يا حمزة.
قال حمزة وهو يقوم خلفهم ويوصد الباب: متقلقش يا حج.
لمع العبث بعينيه بينما استدار إلى سيرين وأكمل بمكر: ده هاخد بالي منها للصبح.
نظرت إليه بتوجس من نظراته العابثة وتلك الابتسامة الملتوية على جانب شفتيه: إيه؟
ابتسم لها ببراءة: إيه.. إيه..
: أنت بتبص ليا كده ليه؟
ابتسم بمكر وهو يجلس إلى جوارها: بطمن عليكي يا روحي.
هزت رأسها وتزحزحت قليلًا بعيدًا عنه: أنا كويسة.
ابتسم من فعلتها الطفولية وتحرك ليلتصق بها مرة أخرى بينما قال: طيب يلا بقى اشربي اللبن ده.
هزت رأسها وأبعدت يداه: لا مش قادرة.
: لا مش قادرة إيه.. يلا يا سيري عشان تخفي.
ولا عاوزة تفضلي تعبانة كده؟
هزت كتفها: لا أنا بقيت كويسة خلاص.
غمز لها بمكر: متأكدة؟
أومأت له ليقول بإصرار: طيب اشربي شوية بقى يلا.. أنا قلت للحجة إنك هتشربيه.
ارتشفت القليل من الكوب الذي قربه لشفتيها لتقول بعدها: كفاية مش قادرة يا حمزة.
وضع الكوب إلى جواره وأمسك بقطعة من التفاح: طيب بلاش اللبن.. يلا كلي دي.
هزت رأسها: قلت لك مبحبوش يا حمزة.
وضع القطعة بفمها غصب عنها قائلًا بمرح: وأنا قلت إنه مفيد يا قلب حمزة.
على مضض ابتلعت قطعة صغيرة لتبعد يداه بعدها: كفاية بقى.. أنا كده معدتي هتوجعني تاني.
أومأ لها ووضع الصينية بعيدًا ليعود جالسًا إلى جوارها. داعب وجنتها التي عادت الدماء لتجري بها قائلًا بمشاكسة: يعني كانت حبكت تدوخي.. ده أنا كنت خلاص.
ضيقت عيناها تسأله: كنت خلاص إيه؟
ضحك بخبث وهو يغمز لها: كنت هصالحك.
رفعت حاجبيها بغيظ: والله؟!
أومأ لها بضحكة عالية وهو يضع يداه على بطنها: آه.. لولا الحيوان الصغير اللي جوه.
وكزته بكتفه: متقولش على ابني حيوان.
رفع حاجبه باستنكار: يا سلام..
ما هو لسانك طول الوقت مفيش عليه غير يا حيوان..
هزت كتفها بدلال وهي تضع يدها حول بطنها: بس ده ابني.
زم شفتيه بغيظ: لا بقى أنا كده هغير.
نظرت إليه وقالت بمغزى: ما بلاش غيرتك اللي بتخليك تتحول دي.. أنا لسه مسامحتكش.
اقترب منها ومرر يداه برقة على جانب وجهها بينما عيناه تنظر لعيونها الجميلة نظراته الساحرة: قلبك قاسي أوي يا سيري.. كفاية خصام بقى وحنني قلبك عليا.. ده أنا حمزة حبيبك.. الحيوان..!
أفلتت ضحكتها الناعمة ليعض على شفتيه ويميل ناحيتها وقد لمع الشغف بعينيه. ما إن اقترب منها حتى وضعت يدها على صدره قائلة بدلال أفقده صوابه: لا أوعى كده أنت هتعمل إيه؟
غمز لها وهو يضع يداه فوق يدها: هصالحك.
هزت رأسها وقالت بمكر: مش عاوزة أنا تعبانة.
قطّب جبينه وهمس يحاول التأثير عليها: سيري وحشتيني.
هزت رأسها وهي تغالب قلبها الذي يهفو اشتياقًا له تنوي تعذيبه حتى لا يعيد فعلته.. أبعدت يداه التي تحركت حول خصرها: أوعى كده إيدك ساقعة.
همس بمكر بجوار أذنها: هدفيكي.
زجرته وهي تتزحزح بعيدًا عنه: لا وبطل سفالة وقلة أدب.
قال بجبين مقطب: ما أنا مبطل بس مش قادر.
نظرت إليه قائلة: اتعود.. عشان تبقى تفتكر كل كلمة قلتها لي.
رفع حاجبه: طيب واللبن؟
قالت وهي تبتعد لطرف الفراش وتوليه ظهرها: اشربه أنت.
زفر بضيق من عنادها وهتف بحنق: بقى كده؟!
أومأت له.
نظر إليها بغيظ لتبتسم بانتصار وتغمض عيونها بينما تستمع لسبابه الخافت.. تعرف أنها تمادت ولكن حسنًا فليكن درسًا له.
جلست ريحان وسارة بالحديقة.
ضحكت سارة على هيئة ريحان الغاضبة لتقول بتهكم: لا ده أنتِ حالتك بقت صعبة أوي.. لا مالوش حق يتعامل مع مراته كده قدامك.
هتفت ريحان بحقد: اسكتي بقى ومتقوليش مراته دي.
سخرت منها سارة: بتغيري عليه من مراته يا بجاحتك يا شيخة.
: اتلمي يا سارة.
قالت سارة بحدة: أنتِ اللي تتلمي يا ريحان وتبطلي قلة أدب.. عيب اللي بتعمليه وحرام.
زفرت ريحان وهبت واقفة: أنا ماشية وسيبها لك.
قالت سارة باستياء: في داهية.
قامت سارة من مكانها وسارت في أطراف الحديقة الواسعة وسط نسمات الليل الهادئة.
انتفضت سيرين من نومها على صوت الرصاص الذي تعالى حولهما فجأة.. هب حمزة من نومه على تعالي تلك الأصوات بينما التصقت به سيرين قائلة بخوف: إيه ده في إيه يا حمزة إيه ضرب النار ده؟
أخذها بين ذراعيه ليربت على ظهرها بحنان: اهدي متخافيش.
ربت على ظهرها بحنان وقام من جوارها لتمسك بيده توقفه: أنت رايح فين؟
قال برفق: هشوف في إيه وأرجع بسرعة.
قالت بخوف: وهتسيبني؟
ربت على كتفها يطمئنها: متخافيش يا حبيبتي.. هشوف بس في إيه وأرجع لك.
هزت رأسها: لا أنا خايفة يا حمزة خليك معايا.
: متخافيش.. خليكي مكانك دقايق وراجع لك.
ارتدى تي شيرت فوق صدره العاري وأسرع للأسفل.
كان عبد الحميد وشريف ينزلون الدرج: في إيه يا حج.
: متقلقش يا ولدي.. ضرب النار ده مش حدانا.
هتف بعواد الحارس الخاص به: في إيه يا عواد؟
قال الغفير: دول عيلة المنشاوي وعيلة أبو المجد تاني يا حج.
زفر عبد الحميد: مش هنخلص من الموضوع ده عاد.
قال شريف لحمزة: كل كام يوم يضربوا نار على بعض بسبب التار.
: بيقتلوا بعض؟
هز شريف رأسه بملل: ولا بيقتلوا ولا بينيلوا.. آخرهم كام رصاصة تهويش وخلاص.
أومأ له حمزة ليقول عبد الحميد: اطلع أنت يا ولدي وأنت كمان يا شريف وأنا هروح أشوف في إيه.
: هتروح لوحدك؟
: متقلقش يا ولدي.. هاخد عواد.
نظر إليه حمزة بقلق: طيب استنى هلبس وآجي معاك.
: لا يا ولدي مفيش داعي..
هتكلم معاهم كلمتين يعقلوا، ويبطلوا اللي بيعملوا ده.
هب زين هو الآخر من نومه بذعر على أصوات تلك الطلقات النارية، ليخرج من غرفته بالاستراحة التي خصصها له حمزة بطرف الحديقة الشمالي. نظر حوله يحاول معرفة ماذا يحدث!
صرخت سارة بهلع ما إن اصطدمت بهذا الخيال وسط الظلام، حينما خافت هي الأخرى من أصوات الرصاص. ارتعب زين حينما ظهرت أمامه فجأة تلك الفتاة التي صرخت ما إن اصطدمت به وكادت تقع لولا أنه أمسك بها. تقابلت عيناها الخائفة بتلك العيون السوداء للحظة أسفل نور البدر الهادئ، قبل أن تدفعه بعيدًا عنها بخوف وتركض بخطوات مرتعبه تاركة إياه بتساؤل عمن تكون تلك التي ظهرت من العدم! بينما كانت ما تزال ترتجف حينما وصلت إلى المنزل.
قطب حمزة جبينه حينما وقعت عيناه على سارة تدخل المنزل بتلك الهيئة الخائفة.
"سارة في إيه؟"
أسرع حمزة ناحيتها بقلق.
هزت رأسها: "مفيش.. أنا بس خفت من صوت الرصاص."
لم تخبره بهذا الغريب الذي لم تتبين ملامحه بهذا الظلام.
قال حمزة: "أنتِ كويسة يعني؟"
أومأت له، ليهز رأسه ويصعد إلى غرفته.
ما إن صعدت سارة حتى جذبتها ريحان بغل ودفعتها إلى الغرفة، وهي تحترق غيرة حينما كانت أعلى الدرج ورأت حمزة يتحدث معها.
"بقى عمالة تقوليلي عيب.. طيب قولي لنفسك."
قالت سارة بغضب: "أقول إيه لنفسي؟ كان بيسأل عني إذا كنت كويسة."
تهكمت ريحان: "وهو أنتِ أول مرة تسمعي صوت رصاص عشان تخافي؟ ولا يا حبيبتي بتدلعي عليه؟"
هتفت بها سارة: "احترمي نفسك يا ريحان.. أنا مش كده، وحمزة ابن عمتي وبس."
دخلت حياة على صوت الفتيات: "في إيه يا بنات، بتتخانقوا ليه؟"
زمت ريحان شفتيها، لتقول سارة بتلعثم: "مفيش يا طنط."
عاد حمزة بعد دقائق للأعلى ليجد سيرين واقفة أمام باب الغرفة.
قطب جبينه: "إيه اللي خرجك من الأوضة؟"
هزت كتفها وضمت سترتها حول جسدها: "خايفة."
أحاط كتفها بذراعه وقال بحنان وهو يدخل بها إلى غرفتهم: "طيب تعالي وما تخافيش."
نظرت إليه بتساؤل: "هو في إيه؟"
"مفيش.. عيلتين بينهم ثأر، حاجة زي كده."
قطبت جبينها وهي تجلس على طرف الفراش: "يعني حد اتقتل؟"
لمع المكر بعينيه حينما لمح خوفها وهي تسأله هذا السؤال، ليقول وهو يخلع تي شيرته ويتجه للفراش بجوارها: "لا بلاش أقول لك أحسن تخافي أكتر."
توجست بنظراتها وهي تهز كتفها: "مش خايفة."
ضحك وهو ينظر إليها قائلًا: "لا.. واضح."
أومأت له: "آه طبعًا وأنا هخاف من إيه؟ عادي هو بس الصوت خضني."
هز كتفه وقال بمكر وهو يتكئ على جانبه: "أمال لو شفتي بقى الناس اللي ماتت كنتِ عملتِ إيه؟"
عقدت حاجبيها: "ناس ماتت؟"
أومأ لها وتابع بفحيح خفيض: "أمال إيه.. كتير أوي.. كانت مجزرة، فلو سمعتي صوت تاني ما تخافيش."
ازداد فحيحه بجوار أذنها: "دول هيبقوا عفاريت الناس اللي ماتت، طلعت تاخد بتارهم من الناس اللي قتلتهم."
انتفضت من مكانها والتصقت به، بينما اقشعر جسدها من مجرد تخيلها لهذا الوصف الذي يقوله، حتى وإن كان يقول هذا فقط ليخيفها إلا أنه نجح. كتم حمزة ضحكته الماكرة بينما يتشفى فيها بعد تعذيبها له، ليكمل بمكر وهو يوليها ظهره: "ما تخافيش بقى ونامي."
عن أي نوم يتحدث بعد ما قاله!
لمعت عيناه بنظرات الانتصار بينما شعر بها تلتصق بظهره. استدار ناحيتها لتنظر إليه بينما يتلاعب العبث بعينيه القاتمة. كم كانت شهية فاتنة بتلك اللحظة بينما انسدلت خصلات شعرها حول وجهها، وانزلقت إحدى حمالات فستانها عن كتفها الناعم ليفقد حمزة كل ذرة صبر لديه اشتياقًا لها.
تسللت يداه تجاه كتفها يمررها عليها ببطء مدروس، ولكن ما إن تحركت يداه إلى مقدمة صدرها حتى أبعدته وهتفت به بغيظ: "أنت بتضحك عليّ.. صح؟"
قال ببراءة: "أنا.. لا طبعًا. تحبي أجيب لك جدي يحكي لك عن الناس اللي ماتت؟"
هزت رأسها وهتفت به: "لا بقى وما تتكلمش في الموضوع ده تاني."
داعب وجنتها قائلًا: "طيب خلاص حاضر."
أبعدت يداه بجبين مقطب كالأطفال قائلة: "أوعي كده وما تستغلش الفرصة.. أنا لسة زعلانة منك."
ابتسم لها بعذوبة: "طيب أصالحك إزاي؟"
هزت كتفها بدلال وهي ترى نظراته المحترقة شوقًا لها: "حاليًا مش عارفة.. بس هفكر في طريقة."
قال بخبث وهو يميل ناحيتها ويحيط جسدها بذراعه: "طيب أنتِ ما تتعبيش نفسك ولا تفكري.. أنا عندي طريقة."
هزت رأسها وهي تكتم ضحكتها: "لا مش عاوزة قلة الأدب بتاعتك دي."
غمز بوقاحة: "طيب بذمتك ما وحشتكيش قلة الأدب بتاعتي؟"
"لا."
"كدابة."
هزت رأسها بعبوس: "لا طبعًا وأوعي كده."
رفع حاجبه بغيظ قائلًا: "والله أنتِ اللي لازقة فيّ."
قالت بجبين عابس: "عشان كنت خايفة."
قال بمكر: "ودلوقتي؟"
هزت كتفها: "خلاص."
زم شفتيه بغيظ: "خلاص..!"
هزت رأسها لتلتوي شفتيه بابتسامة خبيثة وهو يقول بفحيح: "طيب لعلمك بقى."
"الراجل اللي اتقتل العفريت بتاعه هيطلع لك عشان هتسبيني أنام زعلان."
وكزته بكتفه: "بطل بقى يا حمزة.. حرام عليك أنا بخاف بجد."
ضحك بخبث: "ما هو كان خلاص من شوية."
التصقت به قائلة: "طيب خدني في حضنك."
قال وهو يغمض عينيه: "لا.. ما ليش مزاج."
قطبت جبينها: "بطل سخافة بقى يا حمزة."
هز رأسه ببرود: "لا أنا سخيف بقى.. هو مش كل شوية أبعد يا حمزة.. أوعي إيدك يا حمزة.. ما تلمسنيش يا حمزة."
قال وهو يوليها ظهره: "أهو حمزة بعيد عنك.. على الله تقربي مني." فتح نصف عين وأدار رأسه ناحيتها وأكمل: "حتى لو العفريت طلع لك."
انتفخت وجنتها بغيظ، لتزفر بحنق منه وتتحلى بالشجاعة فهي متأكدة أنه يقول تلك القصة لإخافتها ليس أكثر، وهي فتاة كبيرة يجب ألا تخاف.. ولكنها خافت. تلفتت حولها وكلماته المخيفة ظلت تتردد بإذنها.
لتوكزه بكتفه بعد لحظات: "حمزة."
همهم وهو ما زال يوليها ظهره: "ممم."
"خدني في حضنك عشان أنام."
"لا."
"بطل غلاسة بقى.. عشان خاطري."
لمعت عيناه بانتصار ليقول: "بشرط."
زفرت بحنق: "إيه هو؟"
"هاخدك في حضني.. بس أنا ما عنديش حضن بريء.. الحضن عندي شامل قلة الأدب، عاجبك ولا لا؟"
لكمته في صدره بغيظ: "احترم نفسك."
"واتفضل خدني في حضنك عشان أنام.. أنا واحدة حامل وتعبانة، خلي عندك دم."
استدار إليها وفتح لها ذراعه قائلًا: "حاضر يا سيرين هانم هخلي عندي دم.. اتفضلي."
انكمشت في حضنه ليضمها إليه بحنان ويقبل جبينها قائلًا بحب وقد أشفق عليها من تعبها الواضح: "تصبحي على خير يا حبيبتي."
أغمضت عيناها بارتياح: "وأنت من أهله."
داعبت يداه خصلات شعرها، لتقول من بين عينيها المغلقتين: "بطل لعب في شعري."
فتح عينيه باستنكار: "أنتِ هتتأمري كمان؟"
"أنا أعمل اللي أنا عاوزاه."
هتف بغيظ: "لا بقى طالما أنتِ في حضني أنا اللي أعمل اللي أنا عاوزاه."
تحركت يداه تجاه جسدها وأكمل بعبث: "وأقول لك بقى.. بلاش شعرك، خليني أعمل حاجة تانية."
أفلتت ضحكتها واندفعت الدماء بوجنتيها من وقاحته، لتقول وهي تتملص منه: "خلاص خلاص.. خليك في شعري."
ضحك وجذبها إليه ليقبل وجنتها ويضمها إليه بحنان قائلًا بنبرة صادقة: "بعشقك يا مجنونة."
أحاطت عنقه بذراعيها ونظرت إليه بزيتون عينيها المتلألئ قائلة: "وأنا بموت فيك يا حمزة."
اجتاحت الابتسامة وجهه: "بجد يا قلب يا حمزة؟"
أومأت له ودفنت وجهها بثنايا عنقه: "مش عارف يعني؟"
هز رأسه: "اثبتي لي."
اشتعلت النيران بوجدانه حينما لامست شفتاها عنقه بينما همست بجوار أذنه: "صالحني."
في الصباح وقفت أمام المرآة تتطلع لآثار جنونه الصاخب على جسدها ليلة أمس، فقط امتلأ عنقها ومقدمة صدرها بعلامات حبه.
لتزفر بحنق وتتجه إليه توقظه بجبين مقطب.
فتح عينيه بابتسامة: "صباح الخير يا قمر، مكشرة ليه؟"
أشارت إلى عنقها: "عاجبك عمايلك.. أنزل إزاي أنا دلوقتي؟"
ضحك عاليًا وغمز لها قائلًا: "وأنا أعمل إيه إذا كانت مراتي زي القمر ولازم تتأكل؟"
احمر وجهها خجلًا من وقاحته: "أنت ما تعرفش حاجة اسمها أدب؟"
هز رأسه وسرعان ما جذبها إلى صدره العاري قائلًا: "أنا ما أعرفش غير قلة الأدب اللي هوريها لك دلوقتي."
أفلتت ضحكتها التي سرعان ما أثارت جنونه وحركت كل عاطفة بداخله، ليحيطها بذراعيه وينهل محطمًا شفتيها بشفتيه بقبلة تحمل حبه الجارف واشتياقه لها، والذي سرعان ما استسلمت له لتغيب معه بتلك الجنة التي يسحبها إليها يذيقها نعيم حبه.
وقفت سيرين خلفه تنظر إليه بإعجاب بينما وقف أمام المرآة يهندم ملابسه. أطلقت صفيرًا بشقاوة: "إيه الجمال ده يا حمزة باشا؟"
التفت إليها بابتسامته الحلوة التي زادته وسامة: "ده أنتِ بتعاكسي بقى؟"
أومأت له ليقول بمرح: "بس أنا راجل متجوز."
توقفت أمامه ورفعت نفسها على أطراف أصابعها لتحيط عنقه بذراعيها قائلة بدلال: "يا بختها."
داعب أنفها بأنفه: "هي مين؟"
عضت على شفتيها: "مراتك."
مال ناحيتها ليطبع قبلة رقيقة على جانب ثغرها بينما يهمس: "ده أنا اللي أمي دعيالي."
"عشان اتجوزتها."
ضحكت بنعومة ليمرر يداه برقة على شفتها السفلى يرسم خطوطها قبل أن تعانق شفتاه شفتيها ويغيبا عن الواقع بقبلة طويلة.
بعد دقائق زفرا بإحباط حينما أفاقت من قبلته على واقع ابتعاده وسفره للقاهرة لتقول: "ما ليش دعوة بقى مش عاوزاك تمشي."
داعب وجنتها برقة: "هرجع بالليل."
هزت رأسها: "طيب خدني معاك."
قبل جبينها برقة: "مش هينفع يا روحي."
"هتتعبي."
"طيب ما نرجع بيتنا."
أومأ لها: "حاضر يا سيري.. كلها أسبوع عشر أيام.. أخلص شغلي ونرجع على طول."
نظرت هدى إلى هشام قائلة بنبرة قاطعة: "قلت لا يا هشام.. رجوع لك لا."
قال هشام برجاء: "أنا ندمان يا هدى."
أشاحت بوجهها: "وأنا كمان ندمانة على اللي ضيعته من عمري معاك."
قالت سيرين بحزن حينما حادثتها والدتها: "بس يا ماما بابا بجد ندمان وعرف غلطته."
قالت هدى بغضب: "عرف ولا ما عرفش.. خلاص يا سيرين.. كفاية اللي حصل لك بسببه."
قالت سيرين: "ماما حبيبتي.. انسي بقى."
"أنا قلت لك إن حمزة بقى كويس أوي معايا وإن أنا مبسوطة أوي في حياتي معاه."
قالت هدى: "ربنا يسعدك يا بنتي.. بس لو بتحبيني بلاش تتكلمي في الموضوع ده تاني يا سيرين."
مضى اليوم طويلًا وثقيلًا عليها بدونه، ولم يخفف عنها سوى وجود آسر بينها وبين الفتيات.
قالت ريحان: "هو حمزة فين كل ده يا تيته؟"
قالت نبيلة: "بيخلص شغل في القاهرة."
أومأت لها لتقوم نبيلة وتترك الفتيات بجلستهم في الحديقة.
جلست رنا وسارة مع سيرين يلاعبون آسر.
لتقول ريحان بخبث: "يا ترى عاوزة ولد ولا بنت يا سيرين؟"
ابتسمت سيرين قائلة: "نفسي في بنوتة."
عضت على شفتيها بغيرة ولكنها تابعت: "يا ريت.."
وياسـلام بقي لو تطلع كمان شبه حمزة.
زجرتها نظرات سارة بينما نظرت إليها سيرين باستغراب.
قالت سارة لتدارك الموقف: وفكرتي في اسم يا سيرين؟
التفتت لها سيرين: مش عارفة... لو ولد حمزة نفسه يسميه على اسم باباه الله يرحمه.
انفلتت كلمات ريحان المسمومة: ولو بنت.. إيه رأيك في اسم سيدرا؟
التفتت إليها سيرين بصدمة لتتظاهر ريحان بالبراءة: إيه رأيك يا رنا؟
قالت رنا: آه اسم حلو.
احتقن وجه سيرين بالغضب لتنظر لتلك الفتاة التي قالت بخبث: لأ... أنا آسفة يا سيرين... نسيت إن الاسم ده مش هتكوني حباه.
قالت رنا بعدم فهم: ليه ده حتى الاسم جميل.
قالت ريحان بلؤم: بس ده على اسم مرات حمزة الأولانية.
هتفت بها سارة بحدة توقفها: ريحان!
التفتت ريهام وسمر إلى ما يحدث بعدم فهم بينما احتقن وجه سيرين بالغضب الممزوج بالألم وقامت إلى غرفتها.
قالت سارة بحدة: أنتي مش طبيعية بجد.
سخرت ريحان: وأنا قلت إيه؟ مش دي الحقيقة؟
قامت سارة بخطوات غاضبة وهي تنادي أسر: أسر تعال!
ركض أسر لتركض سارة خلفه تنوي أخذه الصعود لمصالحة سيرين.
اصطدمت مرة أخرى بزين الذي كان يدخل من البوابة برفقة شريف وعبد الحميد... مرة أخرى تلك العيون والوجه الأسمر الجميل لتلك الفتاة... قالت بتلعثم: متأسفة.
قال عبد الحميد: خدي بالك يا بنتي.
أومأت له وأسرعت تحمل أسر وانصرفت بارتباك فهو نفس الرجل الذي اصطدمت به بالأمس... بينما زين تمنى لو لم يكن برفقة عبد الحميد وشريف ليسأل عن هوية تلك الفتاة السمراء الجميلة.
قالت سارة: متزعليش يا سيرين... ريحان بايخة.
هزت سيرين رأسها: عادي.
طيب يلا ننزل نقعد في الجنينة.
لأ معلش يا سارة... عاوزة أرتاح ظهري واجعني شوية.
تحبي أخلي تيتة أو ماما يطلعوا لك؟
لأ يا حبيبتي هرتاح شوية وهبقى كويسة.
استند حمزة إلى مقدمة سيارته وهو يفرك ذقنه بترقب بدقائق قبل أن يبتسم بمكر.. فها هو قد ظهر.
تفاجأ إياد بحمزة الذي ظهر أمامه... لم يلحق أن يفيق من صدمته حتى باغتَه حمزة بلكمة قوية بأنفه.
تراجع إياد للخلف وكاد يقع ولكن حمزة أمسك بتلابيبه يمنعه من الوقوع ليسدد له لكمة أخرى أقوى من سابقتها وهو يهتف بغضب من بين أسنانه: لو قربت تاني لمراتي... هخلص عليك.
دفعه بعنف على الأرض، وتابع بتحذير: المرة دي قرصة ودن.. المرة اللي جاية هأندم أمك عليك.
لمعت عيونها بالسعادة ونسيت كل ما قالته تلك الفتاة والتي لا تعلم نيتها هل هي خبيثة أم أنها مجرد فتاة سخيفة تتدخل فيما لا يعنيها كما قالت سارة... حينما استمعت لصوت سيارته فقد اشتاقت له كثيرًا.
نزلت الدرج وتوجهت إليه باشتياق ولكنها تفاجأت بتلك الفتاة تسرع ناحيته: حمزة حمد الله على السلامة.
قال حمزة بابتسامة هادئة: الله يسلمك يا ريحان.
نظرت سارة بعدم تصديق لريحان التي ركضت إليه.
نزلت سيرين إليه بابتسامتها: حمد الله على سلامتك يا حمزة.
أحاط كتفها بذراعيه وانحنى يقبل رأسها قائلًا: الله يسلمك يا حبيبتي.
نظرت سارة بتشفٍ لريحان التي تمزقت من الغيرة بينما أخذ حمزة سيرين بين ذراعيه بهذا الحب... أسرعت إليه نبيلة بابتسامة: حمد الله على السلامة يا ولدي.
الله يسلمك يا حجة.
احتضنته نبيلة بحب: ها... خلصت شغلك؟
أومأ لها قائلًا: الحمد لله.
طيب يلا اطلع غير هدومك عشان نتعشى كلنا سوا.
بعد العشاء ترك حمزة سيرين برفقتهم بينما اتجه إلى الملحق ليجلس برفقة زين يستعرضان بعض الأعمال.
يا ترى الكلام اللي قاله هشام صح يا حمزة... في خاين في الشركة؟
سحب حمزة نفسًا من سيجارته قائلًا: وليه لأ... أنا خلاص بقيت أتوقع أي حاجة.
قال زين: على رأيك... بس عمومًا إحنا لازم ناخد بالنا ومنثقش في أي حد.
هز حمزة رأسه ليكمل زين: وخلينا نسمع هشام كمان يا حمزة.
هز رأسه برفض: مستحيل.
قال زين بهدوء: لازم نسمعه يا حمزة... افرض اللي بيقوله مهم وهيساعدنا.
قال حمزة بسخرية: مش محتاج مساعدته.
أومأ له زين: عارف... بس مش هتخسر حاجة.
نفث حمزة دخان سيجارته: ماشي يا زين... لما نرجع نبقى نشوف الموضوع ده. المهم قولي عملت إيه مع خالي.
بدأ زين بإخبار حمزة بمستجدات العمل بمشروع ثلاجات الفاكهة لينهمك حمزة بالأوراق المفتوحة أمامهم بينما تشرد عيون زين حوله في تلك الطبيعة الساحرة... وبلحظة ازدادت الطبيعة سحرًا حينما وقعت عيناه على تلك الفاتنة السمراء.
قال زين وعيناه لا تتحرك من متابعة سارة التي كانت جالسة إلى الطاولة الخشبية بآخر الحديقة برفقة سيرين التي تلاعب أسر: حمزة.
قال حمزة وعيناه ما تزال غارقة بأوراق عمله: أفندم.
هي مين البنت اللي زي القمر اللي قاعدة هناك دي؟
رفع حمزة عيناه التي سرعان ما اشتعلت غضبًا ليكور قبضته بلا تفكير ويرفعها تجاه زين: دي مراتي يا ابن الـ... أسرع زين ليمسك بقبضة حمزة يوقفه: لا عندك يا صاحبي... والله ما هي. أنا بتكلم على البنت اللي كانت قاعدة جنبها.
قطب حمزة جبينه: قصدك سارة بنت خالي؟
قال زين بابتسامة: سارة.
لكمه حمزة: ما تتلم يلا ولا أنت هتبص لبنت خالي؟
رفع زين يديه قائلًا: لا والله... أنا قصدي شريف.
نظر إليه حمزة ليتابع زين: ما تجوزهالي يا حمزة.
قال حمزة بعدم تصديق: كده على طول؟
هز زين كتفه: وأضيع وقت ليه... شفتها مرتين قبل كده وحسيت إني معجب بيها ومش هلاقي أحسن منك أناسبه.
قال حمزة بابتسامة: ولا أنا يا زين... طيب خليني أتكلم مع جدي وخالي وأشوف رأيهم.
أومأ له زين: آه بس يا ريت بسرعة... أحسن من ساعة ما شفتها وأنا مش على بعضي.
وكزه حمزة بكتفه: ما تتلم يا حيوان أنت.
قال زين بتوبيخ: لسانك بقى طويل زي مراتك.
زجره حمزة: طيب لم نفسك وأوعى تبص لها تاني لغاية ما نشوف حوار الجواز ده.
لوى زين شفتيه: ماشي يا سيدي... بس خلص بسرعة.
أومأ له حمزة ليتهكم زين: وبعدين مراتك مين اللي قمر... دي تبلعني يا جدع... الـ قمر الـ...
ألقاه حمزة بالملف الذي أمامه هاتفًا بحنق: طبعًا مراتي زي القمر يا زفت أنت وانكتم بقى.
رفع زين حاجبه بتهكم: الله الله... ده حمزة السيوفي بيتغزل.
قال حمزة من بين أسنانه: قلت انكتم.
قالت نبيلة بسعادة: طبعًا موافقين.
التفت إليها عبد الحميد يزجرها: جرى إيه يا حجة... أبوها وجدها قاعدين وأنتي قلتي رأيك.
قالت نبيلة باستدراك: لا طبعًا يا حج أنت الخير والبركة... أنا بس بأقول الواد باين عليه ابن ناس.
قال حمزة بإقرار: الشهادة لله زين شاب كويس وابن ناس... صاحبي طول عمري وأضمنه برقبتي.
التفت عبد الحميد إلى شريف قائلًا: إيه رأيك يا شريف؟
قال شريف: والله يا حج الشاب كويس... مبدئيًا ما عنديش مانع.
أومأ له عبد الحميد: وأنا كمان.
قال حمزة: يعني أقوله موافقين؟
قال شريف: هاخد رأيها الأول.
أومأ له حمزة قائلًا: على خيرة الله.
خفضت سارة عيونها بخجل وأسرعت تغادر الغرفة حينما سألها والدها عن رأيها لينظر شريف بأثرها بعدم فهم: سارة... سارة.
قالت هادية: البت مكسوفة يا شريف.
ما قالتش رأيها.
موافقة طبعًا.
ضحك شريف وهز رأسه: الحمد لله.
عقدت سيرين حاجبيها بعدما أغلقت الهاتف بينما أخبرتها سلمى بما فعله حمزة بإياد.
دارت حول نفسها تقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا بغيظ منه فهي قد أوقفت إياد عند حده ولم يكن هناك لزوم ليضربه.
ما إن دخل إلى الغرفة حتى هتفت به بسخط: أنت مش هتبطل اللي بتعمله ده.
نظر إليها باستفهام: إيه اللي بأعمله يا سيري؟
هتفت بحنق: أنت إزاي تضربه؟
رفع حمزة حاجبه وقد فهم ما تريد قوله ولكنه لم يبتلع سبب غضبها ليقول بنبرة خدعها هدوؤها: وأنتي إيه اللي مضايقك؟
لتنظر إليه بغضب: حمزة!
تجهمت ملامحه: جاوبي إيه اللي مضايقك... أضربه ولا أقتله أنتي مالك؟
أفلت لسانها: ده مهما كان ابن خالتي... ما فكرتش إن ده ممكن يأثر على علاقتي بسلمى أو بطنط هناء.
أمسك حمزة بذراعيها بغيرة واضحة: ما تجيبيش سيرته على لسانك تاني... وبعدين أنا ما روحتش من نفسي وضربته... أنا ضربته لما اتجرأ على حاجة تخصني.
حاولت تخليص ذراعها من يده ليشدد قبضته عليها ويتابع بتحذير: المرة دي أنا هادي أهو وبتفاهم وهعديها وهأسكت كمان... بس المرة اللي جاية هزعلك يا سيرين لو جبتي سيرته قدامي.
ترك ذراعها وخرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه... يغار... يغار بجنون ولا يعرف ما دهاه.
جلس بالحديقة يدخن وينفث دخان سيجارته يحاول أن يهدأ قليلًا فمجرد سماع اسم ذلك الحقير يشعل نيران غضبه... ليتذكر تلك المرة حينما أخذها لإجهاض طفله... وتجرأ وجاء إلى بيته... زفر بضيق بينما يتذكر حديث نبيلة عن صفع سيرين له... لم تكن لتفعلها إلا لو كان تجرأ عليها بقول لم يعجبها.. يستحق ما ناله وهو غير نادم.
هذا ما أقرته سيرين حينما فكرت بهدوء... حسنًا ربما هو عصبي قليلًا ووقت غيرته يكون كالوحش الضاري ولكنها يجب أن تحترم غيرته.
قامت من مكانها ووضعت فوقها تلك السترة الطويلة لتنزل إليه.
شعر حمزة بتلك اليد تلامس كتفه برقة ليغمض عيناه لحظة بابتسامة حينما فكر أنها نزلت لتصالحه وتراضيه.
قطب جبينه واستدار بسرعة حينما استغرب تلك الرائحة التي لا تشبه رائحتها أبدًا.
تفاجأ حمزة واتسعت عيناه حينما وجد أن الواقفة خلفه هي ريحان... انتفض سريعًا وابتعد خطوة لتقول برقة: سوري لو خضيتك... أنا بس لقيتك قاعد لوحدك وشكلك متضايق قلت أطمن عليك.
تلجم لسان حمزة بينما... هدرت الدماء بعروق سيرين وهي تجد تلك الفتاة أمام زوجها... وكانت تلمس كتفه.
نظر حمزة إلى سيرين متجاهلًا وجود ريحان التي تفاجأت بفعلتها واستغربتها... اتجه ناحيتها قائلًا: نزلتي ليه يا حبيبتي؟
لم تقل شيئًا بل ظلت واقفة مكانها تنقل عينيها على ملامح ريحان التي ارتبكت وأسرعت تنصرف فلم تتوقع وجود سيرين.
هتفت سيرين بعدائية: البت دي كانت واقفة جنبك بتعمل إيه؟
هز حمزة كتفيه: معرفش.
زمت شفتيها بغيرة واضحة: إيه اللي متعرفش... بأقولك كانت واقفة جنبك وإيدها على كتفك.
هتف بها: سيرين وطي صوتك.
تجاهلت ما قاله لتهتف بحدة: رد عليا.
أمسك يدها برفق قائلًا: اهدي بس وتعالي نطلع نتكلم فوق.
دفعها برفق إلى داخل الغرفة قائلًا: إيه يا حبيبتي بقي في إيه؟
حمزة ما تغيظنيش ببرودك ده.
وإيه اللي قلته... معرفش أنا افتكرتها أنتي... وهي كانت بتقولي عامل إيه.
مفيش حاجة تستاهل عصبيتك دي.
نظرت إليه بشك، ليقول:
"سيري حبيبتي، بطلي جنان.. دي بنت خالتي، مفيش حاجة من اللي في دماغك دي، وبعدين أنا عمري ما أبص لواحدة غيرك."
أحاط بها بذراعيه قائلًا:
"متكشريش بقى يا سيري... أنا مش عاوز أي نكد تاني."
نظرت إليه:
"وده من إمتى؟"
ابتسم وجذبها ليجلس على طرف الفراش ويجلسها على ساقه:
"من دلوقتي وعلى طول.... خلاص مفيش نكد ولا مشاكل ولا خناق.. حب وسعادة وبس."
التقط شفتيها بين شفتيه بحب وشغف وسعادة تتراقص بداخله بعد ما حدث اليوم بالقاهرة.
...................
بعد عدة أيام عادت برفقة حمزة لمنزلهما، بينما سيعودان بعد يومين برفقة زين وعائلته لطلب سارة رسميًا.
أوصلها حمزة للمنزل الذي اشتاقت إليه كثيرًا، لترتمي على فراشهما تتنهد بسعادة وهي تحتضن الوسادة، وقد قررت أن تفاجئه بعشاء رومانسي تعده له لحين عودته من عمله.
.....
نظر هشام لشاشة الكمبيوتر بتركيز تحت أنظار حمزة وزين والمدقق المالي الذي أحضره حمزة.
قال هشام بعد أن أوصل الخيوط ببعضها:
".... أمين."
التفت زين إلى حمزة الذي نظر إلى مجدي الهواري المدقق المالي الذي قال وهو يهز رأسه:
"مضبوط.... الـ (Access) في اليوم ده كان من كمبيوتر أمين فعلًا."
قال حمزة:
"كده وصلنا للخاين..."
"خلينا نبلغ عنه."
هز حمزة رأسه:
"لا... الأول عاوز أعرف بقى بيخطط لإيه....."
التفت إلى زين وأكمل:
"اسمع يا زين، كاميرات في كل حتة تتركب وبصوت."
أومأ له زين:
"تمام."
قال هشام بتردد:
"أمين مش بيعمل كده لله في لله. أكيد بياخد فلوس..... لو عرفنا نوصل لحساب أمين في البنك أكيد هنعرف منين."
نظر إليه حمزة، ليقول هشام أخيرًا:
"على فكرة يا حمزة بيه...... سيدرا في مصر."
انصدمت ملامح زين بينما لم تتغير ملامح حمزة، ليكمل هشام:
"ده اللي أنا واثق منه مليون في المية .... جايز الفلوس بره بس هي في مصر."
بالفعل تأكد حمزة من كل كلمة نطق بها هشام الذي يحاول أن يثبت ولاءه، ولكن بالنسبة لحمزة هو بعد فوات الأوان، ولا يستطيع أبدًا تجاوز ما حدث مهما فعل هشام.
اعتدل هشام واقفًا واتجه إلى الباب ليغادر.
التفت إلى حمزة ثم قال بخفوت:
"مسامحني؟"
قال حمزة بنبرة قاطعة:
"لا."
قال هشام برجاء:
"أرجوك يا ابني.... نفسي تسامحني عشان لو حصل لي حاجة أبقى مرتاح."
أشاح حمزة بوجهه قائلًا:
"لو حصل لك حاجة... هسامحك، بس وأنت عايش عمري ما هأعملها، وعلاقتنا عمرها ما هتكون طبيعية ولا فيها ذرة ثقة ..... أنا بس عشان سيرين بأحاول أتعامل معاك..... يا ريت بقى نقفل على الموضوع ده."
رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل العشرون 20 - بقلم رونا فؤاد
أغلقت سيرين الهاتف بإحباط، فتلك المرة الخامسة التي تتصل به ويخبرها أنه ساعة سينهي عمله وسيأتي. سخَّنت الأكل مرارًا وها هو نفس الرد.
"حبيبتي معلش، ساعة بالكثير وأكون في البيت."
قالت بتذمر: "حمزة، أنت من خمس ساعات بتقول الكلام ده."
قال برجاء: "حقك عليا يا سيري، بس عندي شغل كثير جدًا في المصنع. الآلات الجديدة وصلت والمهندسين شغالين، وما كنتش أعرف إنه هياخد الوقت ده كله."
زفرت بضيق: "ماشي يا حمزة."
قال بحب: "خلاص بقى، ما تزعليش يا قلب حمزة. كلها ساعة وأكون عندك وهصالحك."
"ماشي بس ما تتأخرش."
ابتسم وأرسل لها قبلة من خلال الهاتف: "ما أقدرش."
***
اتصلت به حينما مرت ساعتان ولم يعد. قال حمزة بتعلثم: "سيري حبيبي، معلش أنا مضطر أتأخر شوية كمان." تغيرت ملامح وجهها ليقول برفق وهو ينظر بساعته: "الساعة بقت ١٢، بلاش تستنيني يا روحي، نامي أنتِ عشان ترتاحي."
أغلقت الهاتف واجتاحت الكآبة ملامحها، لتحمل الأطباق التي كانت قد جهزتها للعشاء وتعود بها إلى المطبخ وتطفئ تلك الشموع بحزن وتذهب إلى فراشها تندثر بالأغطية لتنام، ولكن أبى النوم أن يأتي لجفونها طالما لم يكن بجوارها. ظلت تتقلب حتى استمعت لصوت مفتاحه يدور بالباب مع دقات الساعة الثانية فجرًا، لتسرع من مكانها تركض إليه. لمعت الابتسامة بوجهه المرهق حينما رأى لهفتها باستقباله، ليسرع يفتح ذراعيه يلتقفها بين ذراعيه وهو يقول: "ششش... بالراحة وبس بلاش جري. أنتِ ناسية عاصم باشا ولا إيه؟"
دفنت رأسها بعنقه قائلة بحب: "ما هو أبو عاصم باشا وحشني."
ضحك بسعادة من كلماتها ليميل ناحيتها يحملها ويسير بها إلى الغرفة.
قالت بممانعة: "لا يا حبيبي نزلني، أنت جاي تعبان."
شاكسها وهو يداعب أرنبة أنفها بأنفه: "وحشتيني."
مررت يدها برقة على وجنته قائلة: "وأنت كمان."
وضعها برفق فوق الفراش ووقف ليخلع ملابسه، بينما قالت بعتاب: "أنت اتأخرت قوي النهاردة يا حمزة."
داعب خصلات شعرها قائلًا: "معلش يا سيري غصب عني."
أومأت له قائلة: "طيب على ما تاخد شاور هروح أجهز العشا."
"لا ما تتعبيش نفسك. أنا هنام."
رفعت عيناها إليه بتساؤل: "أنت أكلت؟"
هز رأسه: "لا بس ما ليش نفس."
عقدت حاجبيها كالأطفال وهي تقول: "يعني أنا عملت لك الأكل اللي بتحبه مخصوص ومستنياك كل ده من غير أكل وأنت جاي تقولي خلاص هتنام؟"
قال بجدية وهو ينظر لساعته: "أنتِ ما أكلتيش يا سيرين لغاية دلوقتي؟"
هزت رأسها ليتنهد قائلًا بعدم رضى: "ينفع يعني واحدة حامل ما تاكلش حاجة طول اليوم؟"
هزت كتفها: "أعمل إيه يا حبيبي، ما بأعرفش آكل من غيرك. وبعدين أنت كنت راجع الساعة سبعة وكنت مجهزة العشا لينا، أنت اللي اتأخرت."
زفر بضيق واقترب منها يقبل رأسها قائلًا: "حقك عليا."
ابتسمت برضى: "ولا يهمك. يلا خد دوش وأنا هجهز الأكل."
أعادت تجهيز الطعام الشهي الذي أعدته له خصيصًا لتتسع ابتسامته حينما خرج من الحمام يجفف شعره بالمنشفة فوجد تلك الطاولة الشهية. جلس إلى جوارها قائلًا بابتسامة: "تسلم إيدك يا روحي."
بادلته الابتسامة: "بالهنا والشفا يا حبيبي."
قضى العشاء وهو يقاسمها اللقيمات يضع واحدة بفمها وأخرى بفمه وهو يشعر بالذنب لتركها نفسها طول اليوم بدون تناول الطعام في انتظاره. بعد انتهاء العشاء ذهبت لتضع الأطباق بالمطبخ ليتمدد حمزة على الفراش بإرهاق وهو يتطلع لهاتفه يرسل بعض الرسائل الخاصة بالعمل. عادت بابتسامة حنونة وهي ترى كيف يجاهد لفتح عيونه من الإرهاق.
قالت بحنان: "حبيبي أنت ما نمتش ليه؟"
أغلق الهاتف ووضعه بجواره قائلًا: "مستني تجي في حضني."
كالطفلة الصغيرة قفزت فوق الفراش بجواره لتتعالى ضحكته على تصرفاتها الطفولية: "مش هتعقلي؟"
هزت رأسها وقبلت وجنته: "طول ما أنا متجوزاك هأفضل مجنونة."
داعب شعرها: "ماشي يا مجنونة."
ما إن أحاطها بذراعه وأغلق عينيه حتى فتحهما سريعًا باستدراك. قطبت جبينها حينما وجدته يغادر الفراش، سألته بقلق: "في إيه يا حمزة مالك؟"
قال وهو يمسك بسترته التي ألقاها على الأريكة ويخرج شيئًا من جيبه: "كنت هأنسى."
رفع يده بالشوكولاتة لتتسع ابتسامتها وهي تأخذها من يده وتحتضنه: "أنا بأحبك قوي."
ضمها إليه: "وأنا بأموت فيكِ."
نامت قريرة العين بين ذراعيه تتمنى أن يظل بجوارها طول العمر، فبالرغم من كل القسوة التي نالتها على يده إلا أن حنانه وحبه الذي يغدقه عليها محى كل تلك القسوة وأحل محلها حب كبير.
***
في اليوم التالي أوصلها إلى عملها وانطلق إلى عمله الذي ازدهر كثيرًا بصورة لم يتوقعها، لينسب الفضل لوجودها في حياته الذي تفاءل به.
قال زين بتذمر: "بأقول لك إيه يا جدع أنت، أنا زهقت."
رفع عينيه إلى زين باستفهام: "في إيه بس على الصبح يا زين؟"
قال زين بامتعاض: "فيها إن سيادتك ولا على بالك إني هاموت وأتنيل أتجوز وطاحنّي في الشغل وكل يوم تقول لي بكرة... الأسبوع اللي جاي... ناقص تقول لي الشهر اللي جاي."
ضحك حمزة ليقول زين بجبين مقطب: "اضحك... اضحك... طبعًا ما أنت متجوز ومرتاح."
هتف حمزة بامتعاض: "يا ساتر على عين أهلك."
قال زين: "يبقى اخزي عيني وجوزني."
"حاضر يا زفت، نخلص شغلنا الأسبوع ده وعلى الأسبوع اللي جاي نروح البلد."
قال زين بلهفة: "ما نروح النهاردة؟"
لوى حمزة شفتيه: "والشغل؟"
هتف زين بغضب: "ما تغيظنيش يا حمزة."
قال حمزة: "ما خلاص بقى بطل رغي و خلينا نشوف شغلنا عشان أجوزك."
قال زين بجبين مقطب: "عيل أنا هتضحك عليّ؟"
أومأ له حمزة: "آه عيل... تنكر إنك عامل زي العيل الصغير وشبطان في الجواز؟"
قال زين: "لا يا أخويا... قول راجل غلبان وحداني محروم ونفسه يتلم ويتجوز."
ضحك حمزة حتى دمعت عيناه قائلًا: "الله يخرب بيتك... صعبت عليّ."
قال زين بلهفة: "يعني خلاص هتجوزني؟"
قال حمزة: "ما قلنا هنروح آخر الأسبوع نطلبها ونحدد ميعاد الجواز."
اتسعت عيون زين: "وإحنا لسة هنحدد ميعاد؟"
قال حمزة باستنكار: "وأنت فاكر هتتجوز في نفس اليوم؟"
"وماله؟"
"إزاي يعني... أروح أقول لأبوها جوزها له وياخدها وهو مروّح؟"
قال زين: "وفيها إيه ما كل حاجة جاهزة... وبعدين ما أنت يا أخويا أخذت البت واتجوزتها في ساعة مش في يوم؟"
شرد حمزة بابتسامة يتذكر ذلك اليوم ليغمز له زين وهو يكمل بمكر: "تلاقي يومها البت عجبتك مش تقول لي بقى انتقام وأبوها... هي بصراحة البت حلوة بس عليها لسان."
أمسكه حمزة من تلابيبه: "بت مين اللي بتتكلم عليها كده يا حيوان أنت؟"
خلّص زين نفسه من يد حمزة بضحكة عالية: "مش بأقول لك نطحت عليك... طول الوقت يا حيوان يا حيوان... ده أنا هأنسى اسمي وهأبقى حيوان."
ضحك حمزة مطولًا حتى امتزجت الابتسامة بالذكريات المريرة ليسحب نفسًا عميقًا بينما يقول بشجن: "فكرتني... كان عندي استعداد أقتلها اليوم ده."
وضع زين يده على خده ونظر إلى حمزة بولهة قائلًا: "ودلوقتي؟"
التفت إليه حمزة ولكمه قائلًا: "عندي استعداد أقتل واحد سخيف زيك بيقول عليها كده."
ضحك زين: "بقيت سخيف دلوقتي؟"
قال حمزة: "طول عمرك."
ضحك زين قائلًا: "طول عمري صاحبك وأخوك لغاية ما اتجوزت نسيتني."
قال حمزة بضحكته الرجولية: "إيه نسيتني دي... استرجل يلا وبعدين هتغير من مراتي؟"
أومأ له زين قائلًا: "بصراحة آه... أخذتك مني."
قال حمزة بتوجس ليشاكسه: "إيه أخذتك مني دي... لا ده أنا كده هأقلق منك... إيه يا زين ما تهدى كده عشان أجوزك؟"
ضحك زين قائلًا: "إذا كان كده ماشي."
***
تعالى رنين هاتفه ليرى اسمها فيقول لزين: "روح بقى أنت دلوقتي."
قال زين بنبرة ساخرة: "طبعًا دلوقتي بتطردني عشان الهانم على التليفون بعد ما أخذت غرضك مني."
تعالت ضحكة حمزة وقذفه بالقلم قائلًا: "غور يلا."
كان صوته ضاحكًا حينما أجاب عليها لتقول سيرين بغيرة واضحة: "أنت بتضحك مع مين؟"
قال حمزة: "مش في حاجة اسمها... إزيك وحشتيني... أي حاجة الأول بدل دخلة المخبرين دي؟"
قالت بسرعة: "إزيك... وحشتني... ها بقى كنت بتضحك مع مين؟"
ضحك حمزة قائلًا: "إيه الكروتة دي؟"
قطبت جبينها قائلة: "قول يا حمزة."
"ده زين."
رفعت حاجبيها بغيظ: "يعني أهو فاضي وبتضحك مع زين بدل ما تخلص شغلك بسرعة عشان ترجع بدري البيت؟"
قال بعدم تصديق: "أنتِ هتغيري منه أنتِ كمان؟"
قالت بدلال: "مش عاوزني أغير عليك؟"
قال بحب: "غيري يا روحي زي ما أنتِ عاوزة."
"مع إنك بتزعلي لما أنا بأغير."
هزت رأسها: "لا... أنت غيرتك مش طبيعية فيها إيدك سابقة تفكيرك."
ضحك قائلًا: "أعمل إيه... بأحبك و بأموت فيكِ."
ضحكت قائلة: "طيب هتعدي عليّ إمتى عشان نروح؟"
قال بتعلثم: "آه... أصل النهاردة مش هأقدر يا سيري معلش... عندي اجتماع كمان ساعة ومش عارف هيخلص إمتى."
زمت شفتيها قائلة: "تمام."
قال بسرعة: "بس هرجع بدري."
أومأت له: "أوك."
قال: "اطلبي أوبر وطمنيني لما ترجعي."
قالت بابتسامة: "ماشي يا حبيبي."
***
تجاوزت الثانية فجرًا ولم يعد حمزة للمنزل وسيرين جالسة في فراشها تشعر بالغضب الممزوج بالضيق والحزن. حاولت التماس العذر له بأن له أعمالًا كثيرة، ولكن هذا الوضع أصبح الطبيعي طوال الأسبوع الماضي. فكل يوم يتأخر حتى بعد منتصف الليل، كما أنه لم يعد يتناول وجبة الغداء معها كما وعدها من قبل. سمعت صوت المفتاح بالباب ولكنها تلك المرة لم تقم إليه بل اندثرت بالغطاء وتظاهرت بالنوم فهي غاضبة منه لانشغاله عنها.
دخل بخطوات هادئة حينما وجدها نائمة حتى لا يزعجها، انحنى وطبع قبلة على جبينها ووضع بجوارها الشوكولاتة التي لا ينساها يومًا قبل أن يتحرك بهدوء يستبدل ملابسه ويعود بعد قليل ليتمدد بجوارها. شعرت بالذنب فهو يحبها ويهتم بها ولا يحق لها أن تغضب منه لانشغاله عنها. ولكن ماذا تفعل فهذا الحب الذي تكنه له متملك مجنون، تريده أن يكون لها الـ ٢٤ ساعة ولا تقبل أن يشاركه شيء فيه حتى وإن كان عمله.
فتحت عيونها ونظرت إليه حينما احتضنها، ليبتسم بهدوء فهو يعرف أنها غاضبة من تأخره وتظاهرت بالنوم.
"حمد الله على السلامة."
قبل رأسها قائلًا بحنان: "الله يسلمك يا حبيبتي."
قالت دون أن تنظر لعينيه متظاهرة بالغضب: "أحضر لك العشا؟"
هز رأسه: "لا يا حبيبي أنا مقتول نوم."
"بعد الشر عليك."
قال باهتمام: "أكلتي؟"
قالت بكذب: "آه."
جذبها لحضنه وأغمض عينيه واستغرق في النوم.
***
قطبت جبينها في الصباح حينما تقلبت في الفراش ولم تجده بجوارها. فاليوم الجمعة وهي سعيدة أنه سيقضيه معها فقد اشتاقت له كثيرًا وهو مشغول عنها. قامت بسرعة تبحث عنه. سبقته رائحته العطرة بينما أحاط خصره بالمنشفة السوداء الكبيرة وقطرات المياه تقطر من خصلاته الفاحمة، قال وهو يقبل وجنتها: "صباح الخير يا قمر."
ابتسمت له قائلة: "صباح النور يا حبيبي."
أطلق صغيرًا قائلًا وهو يجذبها لحضنه: "أووه الجميل مزاجه رايق النهاردة... مش مكشرة."
أومأت له بحماس وهي ترفع نفسها على أطراف أصابعها وتحيط عنقه بذراعيها.
آه، النهاردة الجمعة وهتبقي معايا طول اليوم، أكشر ليه؟
تغيرت ملامح وجه حمزة بارتباك، لتنظر إليه سيرين بتوجس وتسأله: مش كده ولا إيه؟ ولا أنت ناوي تخرج؟
حمحم بتعلثم: أصل يا حبيبتي، أنا نسيت أقولك إني رايح البلد النهاردة.
قالت بابتسامة مهزوزة: طيب حلو، نروح مع بعض أهو نغير جو.
مرر يداه برقة على خدها: بس.. يعني مش هينفع.
قطّبت جبينها: ليه مش هينفع؟
قال بهدوء: أصل يا حياتي.. أنا هروح وأرجع بليل وده هيكون فيه تعب عليكي.. وبعدين أنا رايح مع زين وعمه نطلب سارة. يعني هتكون قعدة رجالة.. وبعدها عندي شوية شغل في المصنع أخلصهم وأرجع على طول.
هزت رأسها ولم تستطع إخفاء نظرات الخزي في عيونها، فقد انحرمت منه الأسبوع الماضي بأكمله وأمَّلت نفسها أنه سيبقي معها اليوم.
قال برقة وهو يجذبها إليه: سيري.
أبعدت يداه باقتضاب: خلاص يا حمزة.
قال برجاء: متزعليش يا قلب حمزة.
تنهد قائلًا وهو يلاعب خصلات شعرها: أنا عارف إني مقصر معاكي بس غصب عني.
هزت رأسها قائلة وهي تخفي حزنها: مفيش مشكلة، ربنا معاك.
جذبها إليه ليتطلع لعيونها الحزينة: متزعليش بقي.
قالت بقليل من العصبية: قلت خلاص مش زعلانة يا حمزة.
زم شفتيه وتنهد قائلًا ليشاكسها: طيب مفيش فطار من إيديكي الحلوين دول؟
أومأت له وخرجت من الغرفة ليفرك شعره بضيق، يريد لو يستطيع البقاء معها وعدم إحزانها ولكن دون إرادته العمل فوق رأسه لا ينتهي.
صفف شعره الكثيف وأمسك زجاجة عطره ينثرها فوق عنقه وكتفه بسخاء بلحظة دخولها إلى الغرفة، كم هو وسيم هذا الصباح وقد تأنق للغاية ببدلته الرمادية الأنيقة وطوله الفارع وربطة عنقه الحريرية. خفضت عيونها عنه فهي غاضبة منه، ألا يجد في يومه بضع ساعات من أجلها.
قالت باقتضاب: الفطار جاهز.
أومأ لها وأمسك بساعته الجلدية الأنيقة يضعها حول معصمه لتبعد عيونها عن متابعته وتخرج.
جلست على الأريكة تهز قدمها برتابة في انتظار خروجه من الغرفة ليقطّب جبينه بتساؤل ما إن خرج ولم يجدها جالسة على طاولة الإفطار: أنتي مش هتفطري؟
هزت رأسها تتشاغل بالعبث بهاتفها: لا، معدتي وجعاني شوية.
عبست ملامحه واتجه ناحيتها يسألها بقلق: مالك يا حبيبتي؟ أنتي تعبانة؟
هزت رأسها: لا.. التعب العادي بتاع الحمل.
مال ناحيتها قائلًا: مفيش حاجة اسمها تعب عادي.. خلينا بكرة نروح للدكتور نطمن.
قالت باقتضاب: مفيش داعي.. كده كده عندي ميعاد المتابعة كمان يومين أبقى أقوله على وجع معدتي ده.
أومأ لها بابتسامة حنونة قائلًا: سلامتك يا روحي.
أومأت له: الله يسلمك.
تناول الإفطار بسرعة وهو يرتب أوراقه ليرتشف قهوته وهو واقف وينحني ناحيتها يقبل رأسها قائلًا: أنا نازل يا حبيبتي.. خدي بالك من نفسك وإن شاء الله مش هتأخر.
أومأت له: ترجع بالسلامة.
كان اليوم طويلًا مملًا وهو بعيد عنها بالرغم من أنه اتصل بضع مرات وأنها تدري أنه يتصل حتى لا تتضايق منه، فهو مشغول وواضح من صوته ومن تلك الدقائق التي يختطفها ليحدثها ويطمئن عليها. في المساء تلقت اتصالًا من نبيلة بصوت يطير فرحًا تخبرها أن سارة تمت خطبتها لزين والزواج سيتم خلال شهر.
باركت لها، فهي تحب تلك الفتاة كثيرًا.
قالت نبيلة: كان نفسي حمزة يجيبك معاه.. وحشتيني يا سيرين.
قالت: معلش يا ماما نبيلة، المرة اللي جاية.
قالت نبيلة: أنا لولا أن حمزة قالي إن المشوار هيتعبك أنا كان ليا معاه تصرف تاني. بس وعدني هتجوا تقعدوا معانا أسبوع.
: إن شاء الله.
جلست سارة بركنها المفضل بالحديقة تتذكر تلك الدقائق التي التقت عيناها بعيناه خطفًا من وسط عائلتها.. لا تنكر أنها ما تزال غير مصدقة كيف ستتزوج به بتلك السرعة، ولكن أيضًا لا تنكر أنها ارتاحت له. لم تكن تحلم بقصة حب خاصة وهي وسط عادات عائلتها المشددة، وطالما توقعت أن يطلبها أحد معارف أو أقارب عائلتها والتي ستراه العائلة مناسب وتوافق عليه مثل ما حدث مع زين.. ولكن المختلف أنها رأت نظرات بعيناه لا تعرف تفسيرها ولكنها ليست مجرد نظرات.. ربما إعجاب.. إعجاب من أول وهلة كما في الروايات.
قطعت خلوتها ريحان التي قالت بهيام: شفتي كان زي القمر إزاي النهاردة؟
رفعت سارة عيناها ناحيتها: لا ما شفتش.
أخرجت ريحان هاتفها لتريها تلك الصورة التي التقطتها لحمزة دون أن يراها: أهو شوفي.
نظرت إليها سارة باستنكار: إيه اللي عملتيه ده؟
هزت كتفها وأخذت تتطلع لصورته بهيام: وأنا عملت إيه؟
هتفت سارة بجدية: ريحان، قلتلك ألف مرة اللي بتعمليه ده غلط.
زفرت ريحان: هتشغلي أسطوانة كل مرة.
: أيوه عشان تعقلي.
: أنا عاقلة.
: لو عاقلة كنتي هتشوفي إنه راجل متجوز ومش بس كده لا بيحب مراته.
: مراته اللي عيلتها دخلته السجن ونصبت عليه؟
: وأنتي مالك هو راضي؟
: مين قال كده؟ هي بس تلاقيها عجباه شوية وهيزهق منها ويشوفها على حقيقتها وإنها طماعة زي أختها.
زفرت سارة بحدة: حرام عليكي.. سيرين طيبة.
: ولا طيبة ولا حاجة.. ده رسم على تقيل يا ماما.. ده أنا سمعت تيته بتحكي لماما ال إيه أنها انهارت وكانت عاوزة تتطلق منه لما أبوها اعترف على نفسه وعشان كده تيته جابتهم هنا المرة اللي فاتت.. وأول ما اتنازل وطلع أبوها من السجن بقت زي القردة وعمالة تتدلع عليه.
قطّبت سارة جبينها: يا ساتر على تفكيرك السم ده.. واحدة وجوزها أنتي مالك.
هتفت ريحان بامتعاض: بقولك إيه.. خليكي أنتي في جوازتك ومالكيش دعوة بيا.
جلس بجوارها يتأملها بينما كانت نائمة.. فقد اشتاق إليها تلك الجميلة التي يعشقها من أعماق قلبه. فتحت عيونها على قبلته الرقيقة التي يطبعها على جبينها.
ابتسمت له ما إن فتحت عيونها على ابتسامته الحلوة. همس برقة: صباح الخير.
تلفتت حولها هل حل الصباح لتقول بتساؤل: أنت لسة راجع دلوقتي؟
أومأ لها قائلًا: اتأخرت في المصنع وعلى ما اتحركت من هناك كان الفجر طلع.
قالت بحنان: حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
قبل وجنتها: الله يسلمك.
: أنت أكيد جعان.. أنا هقوم أجهزلك حاجة تأكلها.
هز رأسه بإرهاق واضح: لا يا حبيبتي أنا هاخد دش وأجي أنام ساعتين عشان أنزل الشغل.
قالت باستنكار: شغل إيه يا حمزة، ما ترتاح النهاردة.
هز رأسه: مش هينفع يا حبيبتي.. عندي شغل.
تأفأفت بتذمر فالعمل لا ينتهي.. يوم واثنان وهو يغرق بدوامة العمل مجددًا حتى أنها لا تكاد تراه.
نظرت بساعتها وتراجعت عن الاتصال به والحزن يعصف بقلبها، فاليوم هو موعدها مع الطبيب وقد وعدها أن يذهبا سويًا وها هو نسي وانشغل.
اتصلت بوالدتها: ماما.
قالت هدى بلهفة: سيرين حبيبتي عاملة إيه؟
: أنا الحمد لله.
قالت سيرين: ماما أنا عندي ميعاد مع الدكتور وحمزة مشغول، تيجي معايا؟
قالت هدى بتأكيد: آه طبعًا يا حبيبتي أنا هعدي عليكي نروح سوا.
: تمام.
لآخر وقت وهي تتطلع إلى هاتفها تتوقع أن يتذكر ويتصل بها ليأتي معها ولكنه لم يفعل.
احتضنت والدتها باشتياق فقد مرت بضعة أسابيع لم ترها بها بعد تحذيرات حمزة بذهابها لمنزل خالتها، وأيضًا والدتها تجد حساسية في الذهاب لمنزل سيرين فهي لن تتجاوز أبدًا فعل زوجها بحمزة والذي طالما عامل زوجها كأبيه.
ابتسمت هدى بحنان وهي ترى حفيدها على شاشة السونار لتدمع عيون سيرين فقد تمنت أن يكون معها.
قالت هدى بسعادة: ولد ولا بنت يا دكتور؟
قال الطبيب بابتسامة: المدام تشرفني كمان أسبوعين وهقولها إن شاء الله.
أومأت له هدى: إن شاء الله.
دون الطبيب الأدوية والفيتامينات ونصحها بالتغذية الجيدة والراحة لتجاوز الضعف العام الذي تشعر به.
خرجت هدى مع سيرين من عيادة الطبيب لتنظر سيرين إلى هاتفها.. لم يتصل!
فكرت هدى بتردد بإخبار ابنتها عما انتوته حينما فتحت سيرين الحديث عن والدها وهي تقول: أنتي بابا مش صعبان عليكي؟
قالت هدى باقتضاب: غلط ولازم ياخد جزاته.
قالت سيرين: بس يا ماما هو.. ده اتعذب كتير أوي وندم.. ومكنش يعرف بكل الخطط اللي سيدرا.. قاطعتها هدى بحزم: بلاش تبرري الغلط يا سيرين، أنا مربتكيش على كده.. أبوكي غلط.. طمع وخان وسرق. حتى لو مكنش يعرف بس كانت عنده النية.
طأطأت سيرين رأسها بخزي لتربت هدى على كتفها: بلاش توطي راسك.. هو اللي غلط مش أنتي.
: يعني مفيش أمل تسامحيه؟
هزت رأسها: لا.
نظرت إليها سيرين لتقول هدى بتردد: طالما أنتي فتحتي الموضوع يا سيرين.. أنا عاوزة أقولك.. إني هتطلق من أبوكي.
انصعقت ملامحها: ماما!
: سيرين لو سمحتي.. أنا واخدة قرار ومش هرجع فيه.
انسابت الدموع من عيونها كثيرًا وقد امتزجت حساسية الحمل مع غياب حمزة مع حديثها مع والدتها عن انفصالها عن والدها مع اتصالها للاطمئنان على أبيها وسماع نبرته المنكسرة بعد أن طلبت منه هدى الطلاق.
كل هذا امتزج ليشكل سحابة حزينة جثمت على صدرها وتركتها بنوبة بكاء حارة.. مسحت دموعها سريعًا وتظاهرت بمشاهدة التلفاز حينما استمعت بصوت مفتاح بالباب.
قال بابتسامة وهو ينحني يقبل وجنتها: مساء الخير.
قالت بصوت خافت: مساء النور.
قطّب حمزة جبينه بقلق شديد حينما رأى انتفاخ عيونها من أثر البكاء ليسألها: سيرين حبيبتي أنتي بتعيطي؟
هزت رأسها: لا.
جلس بجوارها وأمسك بذقنها ينظر إلى عيونها: لا إزاي؟ عينيكي حمرا وواضح أوي إنك كنتي بتعيطي.
أشاحت بوجهها قائلة بخفوت: قلتلك مش بعيط.
قال بحنان: هو أنا مش هعرف يعني إذا كنتي زعلانة ولا لا؟
أفلتت دموعها من نبرته الحنونة ليضمها إليه ويربت على ظهرها بينما أخبرته بأمر انفصال أبيها وأمها.
دون إرادته اندفع السؤال من بين شفتيه بعد أن هدأ بكاؤها قليلًا: أنتي رحتي لمامتك النهاردة؟
انصدمت ملامحها وقد فسر عقلها سريعًا سؤاله.. فهذا كل ما اهتم به لتبتعد عن حضنه وتنظر إليه باتهام: هو ده اللي فارق معاك؟
قامت من مكانها وهي تطالعه بنظرات لوم وعتاب بينما تكمل بنبرة كسيرة: لا اطمن يا حمزة بيه مرحتش ولا كسرت كلامك.. ماما كانت معايا عند الدكتور. تشعشع الخزي بملامحه حينما أكملت: لما ملقيتكش افتكرت ميعاد الدكتور كلمتها عشان تيجي معايا.
تركته وأسرعت لغرفتها تخنقها غصة حلقها من قسوة موقفه.. كل ما اهتم له هو أنها ذهبت إلى أمها دون أن يعلم.. بدلًا من أن يطبطب على جرحها يجرحها أكثر.
قام حمزة خلفها سريعًا بملامح وجهه المتجهمة، فهو بالإضافة لإهماله لها طوال الأيام الماضية وانشغاله عنها يكمل ويزيد الطين بلة بسؤاله الغبي المندفع.
دخل إلى الغرفة ليجدها متكورة على نفسها تتظاهر بالنوم.
جلس إلى جوارها وربت على كتفها بحنان، لتبعد كتفها عنه بجفاء: متلمسنيش.
تجاهل رفضها وأحاطها بذراعيه ليجلسها بحضنه، بينما قال وهو يقبل رأسها: حقك عليا.
قالت بعدائية: قلتلك متلمسنيش.
أحبط محاولتها لترك حضنه ليشدد يداه حولها بينما نظر إلى عيونها قائلًا بنبرة صادقة وهو يتطلع لزيتون عينيها: سيرين حبيبتي وأغلى حاجة في حياتي.. أنا آسف.. حقك عليا.
مكنتش أقصد اللي فهمتيه، أنا بس كنت بسأل.
قبل رأسها وأكمل: أنا آسف إني انشغلت ونسيت ميعاد الدكتور.. بس وعد مش هتتكرر.
نظر إلى عيونها باعتذار وأكمل: أنا عارف إني مقصر معاكي بس غصب عني.
تحولت نبرته للجدية وهو يضيف: سيرين أنا أول مرة أتكلم معاكي في حاجة زي دي.. يعني مكنتش عاوز تفكيرك يروح لبعيد أو إني بفتح في اللي حصل زمان، بس انتي لازم تعرفي إني بشتغل وبطحن نفسي الفترة دي عشان أنا عليا أقساط قرض بـ 100 مليون، انتي متخيلة؟!
أنا بعت اللي ورايا واللي قدامي عشان أدفع أول قسط وأعرف أخرج من السجن، بشتغل بإيدي وسناني عشان ميعاد تاني قسط قرب.
تغيرت ملامح وجهها للألم والشفقة ليبتسم لها بحنان ويكمل: أنا الحمد لله وضعي المالي اتحسن كتير أوي عن الأول والمصنع اشتغل أحسن ما كنت متوقع وشغلي مع عيلة أمي ساعدني كتير.. بس مش عاوز كل ده يخليني أرتاح أو أطمن، لازم أفضل أشتغل لغاية ما أسدد ديوني، وقتها هرتاح.
خانتها دموعها لتمتد يداه سريعًا إلى وجنتها الناعمة يمسحها: هو أنا بقولك ده عشان تعيطي ولا عشان انتي مراتي حبيبتي اللي عاوزاها تشاركني حياتي؟
قالت باشفاق: بس أنت كدة بتتعب.
قال بحنان وهو يضع يداه على بطنها التي بدأت بالانتفاخ: كله يهون عشان الباشا يشرف ويلاقي أبوه باشا زي زمان.
أوجعتها كلماته لترتمي بين ذراعيه: أنا عاوزاه يجي يلاقي أبوه جنبه.. الفلوس مش كل حاجة يا حبيبي.
أومأ لها وزاد من ذراعيه حولها قائلًا: عارف يا روحي.. بس حاليًا أنا بسابق الزمن.. عاوز ابني لما يجي أكون خلصت من كل المشاكل اللي حواليا وأتفرغ له وليكي.
سحب نفسًا عميقًا ومرر يداه برفق على جانب ذراعها: نفسي يا سيرين ربنا يكرمني بولاد كتير منك.. أنا عشت طول عمري وحيد، عاوز تكون عندي عيلة كبيرة وحياتنا اللي جاية مع ولادنا تكون حلوة ومن غير مشاكل.. عاوز أأمن مستقبلهم وأخليهم مبسوطين.
وضعت رأسها على صدره بدموع متأثرة: أنا بحبك أوي يا حمزة.. ونفسي أخليك مبسوط وأعوضك عن الحزن اللي شفته.. يا ريت في إيدي حاجة أعملها أساعدك.
قبل يدها بحنان قائلًا: خليكي جنبي وحبيني هو ده اللي أنا محتاجه منك.
مسح دموعها ورفع عينيها الجميلة إليه ليقول بمرح: وبعدين متخافيش عليا أنا برضه حفيد البدراوي يعني لو لا قدر الله مقدرتش أسدد أنا واثق إن الحج عبد الحميد مش هيسبني.. بس أنا المحاسب مطمني وإن شاء الله هسدد قبل الميعاد وكمان هيكون عندي رصيد محترم في البنك.
ابتسمت له بتشجيع: إن شاء الله يا حبيبي ربنا هيقف معاك.
أومأ لها بثقة: إن شاء الله.
ابتسم وداعب وجنتها بحنان: أول ما أسدد تاني قسط هشتري لينا بيت جديد.
هزت رأسها: ليه.. بيتنا ده حلو أوي.
نجيب بيت أكبر.
لا.. مش محتاجين بيت أكبر ولا حاجة.. ده كبير وشيك وأنا بحبه.
ابتسمت له بحب وأكملت: وبعدين فيه كل ذكرياتنا الحلوة.
داعب أرنبة أنفها: زي ما تحبي.. ربنا يخليكي ليا.
ويخليك ليا يا حبيبي.
قبل جانب ثغرها وقال: ها قوليلي الدكتور قالك إيه.. أوعي يكون قالك نوع البيبي وأنا مش موجود.
هزت رأسها ووضعت يدها على بطنها بحنان: قالي كمان أسبوعين هيبان.
ربت على بطنها بحنان: إن شاء الله يكون ولد.
رفعت حاجبها: ولو بنت هترجعها مثلًا؟
ضحك قائلًا بمكر: لا طبعًا. بس بعد تسع شهور هتكوني جايبالي ولد.
قبل أن تعترض كان يلتقط شفتيها بشفتيه يقبلها قبلة عاصفة هبت على صحراء قلبها لتزدهر مجددًا بجنة حبه.
نظر عزام لسيدرا التي لمعت عيونها بينما قال بمغزى: إيه، كبيرة عليكي؟ ولا خلاص رجعتي في كلامك ومش عاوزة تاخدي التوكيل؟
قالت بتردد: لا طبعًا عاوزاه.. بس دي محتاجة رأس مال كبير أوي 100 مليون.
قال عزام بتعالٍ: وإيه يعني 100 مليون في بيزنس زي ده؟
قالت بدلال مصطنع وهي تضع ساق فوق الأخرى: فيها إن المبلغ ده مش معايا.. أنا صرفت كتير أوي على تأسيس الشركة.
قال وهو يشعل سيجارة الكوبي الفاخر: ومين قال إنك هتدفعي جنيه واحد؟
نظرت إليه باستفهام: إزاي؟
قرض.
رددت بتوجس: قرض؟
أومأ لها وهو ينفخ دخان سيجارته: وفيها إيه.. أغلبنا بنشتغل كده.. قروض كبيرة نمشي شغلنا ونسدد على مهلنا.
أنا بسهولة أوي أجيبلك قرض بالمبلغ ده وشروط تسديد مناسبة وبعدين أنا مقلتش 100 لا 200 مليون.
نظرت إليه ليستفهم ليكمل: جمال باشا يدخل بيهم معانا.
نظرت إليه ليشرح لها مزايا ومكاسب تلك الصفقة قائلًا: شوفي بقى لما تضربي المكسب 200 في الميه.
ارتسمت ابتسامة على شفتيها ليكمل بخبث: وأهو يبقى تعويض له عنك.
تظاهرت بعدم الفهم: عني أنا؟
أومأ لها بابتسامة وهو يتطلع بوقاحة إليها بينما فتح أمامها تلك العلبة التي تلالأ بداخلها ذلك الخاتم الماسي ذو الفص الضخم: تطلقي منه ونتجوز.
قالت بدلال ونظرات ماكرة: وتفتكر بسهولة كده هيرضى؟
قال بخبث وثقة: ما هو انتي هتقنعيه.. واحدة جميلة وذكية زيك أكيد مش مناسب لها تكون مرات جمال وترفض عزام الصاوي.
صدق، فهو صيد ثمين لا تستطيع تفويته.. قادها طمعها ولكنها أيضًا حاولت الاحتراس.
قفزت سيرين بجوار حمزة على الفراش بصوت متحمس: حمزة اصحى.
هب من نومه مفزوع: في إيه؟
بسرعة فتحت التلفاز وهي تقول بسعادة: إعلانات مصنعك.
قطب جبينه وأبعد النعاس من عينيه بينما يرى حملة الإعلانات الضخمة عن مصنعه.. لا يفهم شيئًا ليأتيه بعد لحظات اتصال جده والذي كلف شريف بتلك الحملة كوسيلة لمساعدته وزيادة مبيعاته: متشكر يا حج بس ما لوش داعي تكلف نفسك الملايين دي.
دي هدية بسيطة يا ولدي.
أغلق الهاتف واحتضن سيرين بسعادة بينما انهالت عليه التليفونات المهَنئة من رجال الأعمال.
أخذت الهاتف من يده بعد الاتصال العاشر لتقول بتذمر: كفاية تليفونات بقى..
أغلقت الهاتف وألقته بعيدًا ليقول: بتعملي إيه يا مجنونة؟
قالت بجدية: ده أنا هوريك الجنان على حق لو مسكت التليفون ده النهاردة..
أنت النهاردة إجازة يعني بتاعي، مفيش شغل ولا تليفونات.
لمع العبث بعينيه بينما يقول: متأكدة؟
أومأت له بابتسامة ليقول: موافق.. بس هتنفذي كل اللي أنا عاوزه.
قالت بدلال: لا يا حبيبي.. أنت اللي هتنفذ كل اللي أنا عاوزاه.
جذبها إلى حضنه قائلًا: وسيرين هانم تأمر بإيه؟
أولًا: هتقوم معايا.. نجهز الفطار سوا.. وبعدين نفطر ونقعد نتكلم.. ونجهز الغدا ونتغدى وبرضه نتكلم و..
قاطعها بجبين مقطب: إيه، إحنا هنقضي اليوم كله كلام؟
أومأت.
قال بخبث: إحنا نقوم ناخد شاور مع بعض وبعدين أقولك.
لكمته في صدره: إيه قلة الأدب دي؟
قال وهو يحملها ويقوم بها من الفراش: هو انتي لسه شفتي قلة أدب؟
أغلقت سيدرا التلفاز بحقد ليتطلع إليها جمال بتشفٍ قائلًا: أمال كنتي فاكرة إيه.. هيفضل طول عمره في السجن؟
ضحك عاليًا وأكمل: أهو رجع أقوى من الأول.
هتفت بحقد: أنت شمتان فيا؟
ضحك ليكيدها: وأشمت فيكي ليه.. أنا بس مبسوط إنه طلع راجل قوي.
زمت شفتيها وهزت قدمها بعصبية ليكمل بخبث: وشها حلو عليه.
قطبت جبينها بتساؤل: هي مين؟
قال بتشفٍ: سيرين.. أختك.. أصل حمزة اتجوزها.
هبت نادية من مكانها هاتفة: بنت هدى.. اتجوز بنت هدى!
أومأ لها جمال لتبدو الصدمة واضحة على وجه سيدرا التي قالت بعدم تصديق: مستحيل.
قال جمال باستهزاء: هو إيه اللي مستحيل.. متجوزها من شهور.. ومش بس كده دي حامل كمان.
ابتلعت لعابها بغل وحقد وعدم تصديق ليكمل جمال باستهزاء: ما فرقتيش معاه من الأساس وأول ما خرج من السجن اتجوزها.. ويا عالم بقى اتفق هو وهشام على إيه.
هتفت بغضب أهوج: أنت إزاي ما تقوليش حاجة زي دي؟
قال ببرود: وأقولك ليه.. انتي مالك وماله.. تكوني عاوزة ترجعيله؟
هزت كتفها تخفي حقدها: فتلك الفتاة التي طالما كرهتها أخذت زوجها.. وأرجعله ليه.. أنا هتجوز واحد أحسن منه.
سخر جمال: وده مين إن شاء الله؟
قالت بثقة: عزام الصاوي.
نظر إليها جمال هاتفًا: وحياة أمك!
تتجوزي مين؟
قالت ببرود: عزام الصاوي.
وده فجأة؟
مش فجأة.
ضحك باستهزاء: وانتي واثقة أوي إنه مش بيلعب عليكي؟
نظرت بشرود: أنا ألعب بعشرة زيه.
قالت نادية بطمع: ملكش دعوة يا جمال إحنا كل اللي يهمنا مصلحتنا وسيدرا ذكية وعارفة بتعمل إيه كويس.
ومصلحتنا مع الراجل.
هز كتفه ببرود: على رأيك.. أهم حاجة المصلحة.
أومأت له سيدرا: يعني موافق يا جمال؟
قال بتحذير: ولو غدرتي بيا؟
قالت بتهكم: هغدر بيك إزاي.. هتعملي توكيل أنت كمان؟!
ضحك جمال لتكمل: أنت شريك معايا بالنص.
قال عزام بينما يتطلع إلى سيدرا: توقعت تجي الحفلة إمبارح.
قالت بهدوء وهي تضع سيجارتها الرفيعة بين شفتيها المصبوغة بأحمر شفاه قاني اللون: ما بحبش الحفلات دي.
قال بمغزى: بس دي حفلة كان فيها كبار رجال أعمال البلد.
قالت وهي تتصفح هاتفها: بس أنا معرفش حد منهم.
قال وهو يهز كتفيه: ولا أنا.. بس الحفلات دي بتكون فيها فرص لبيزنس كبير.
أومأت له وقالت بخبث: طيب ما تعرفني عليهم.
أشارت لبعض الصور المنشورة على مواقع التواصل لهذا الحفل الضخم تسأله عن بعض الشخصيات ومن بينهم حمزة الذي اشتعلت غيرتها بينما ظهرت سيرين برفقته.. قالت بلؤم: وده مين؟ تعرفه؟
قال عزام بعدم اكتراث: ما أعرفهوش شخصيًا.. بس اسمه عالي في السوق.
أومأت له وقد تأكدت من قبل بفعل جاسوسها أن عزام لا يعرف حمزة ليطمئن قلبها وتوقع إجراءات الشراكة والقرض.
خرجت من شركة عزام وصورة سيرين برفقة حمزة تقتلها غيرة وحقد.. كانت جميلة متألقة ويبدو حملها والواضح أكثر هو نظرات حمزة لها في أغلب الصور.. يحبها!
لم تحظَ يومًا بمثل تلك النظرات.. لم تكن أكثر من زوجة تستغله وهو لم يكن يهتم ولا يعرف شيئًا يسمى حب قبل سيرين.