مضت أيام عديدة لم تستطع ريم احتساب عددها، فقد كانت تعيش في هذا الجحيم المظلم داخل تلك الغرفة الصغيرة، وهي في حالة من الهذيان والتخدير، ما بين غياب للعقل وانتهاك للجسد.
كانت لحظات استفاقتها لا تتجاوز بضع دقائق كل يوم، إلا أنها كانت تمر عليها كسنوات طويلة من العذاب والألم والعار. فكل ذرة من جسدها تئن من الألم الفظيع الذي قد وصل لأعمق عظامها، وكل خلية من عقلها تصرخ من صداع شرس يفترسها ببطء شديد، وكل بقعة من جسدها تشمئز من لمسات ذلك المجرم الحقير. وزاد من حسرتها ومرارتها أنها قد فقدت حتى قدرتها على الكلام، فذلك السعال الحاد قد أخرسها تمامًا عن النطق. حتى جاء يوم ما وحدثت المعجزة.
واستيقظت ريم لتجد نفسها في حالة من الوعي التام والإدراك الكامل، وقد اختفى ذلك الصداع المرير من رأسها، حتى أن أنفاسها المكتومة أصبحت تخرج بشكل طبيعي. لم تجد ريم تفسيراً لهذا التحول الغريب، ولم تكترث للتنقيب عن أسبابه، فقد كان كل ما يشغل بالها في تلك اللحظة هو الانتقام من ذلك المسخ الذي انتهك جسدها ودنس شرفها الغالي.
فحسمت أمرها بأن تقتله وتمزق جسده إلى أشلاء، لتجعله عبرة لكل من تسول له نفسه الإقدام على ذلك الفعل الدنيء. وبدأت ريم في محاولة فك قيودها ببطء وحذر شديدين، ساعدها في ذلك استعادتها لعافيتها من جهة، وضعف الأربطة التي تقيد معصميها وقدميها من جهة أخرى، والتي كانت مجرد أقمشة حريرية ناعمة، إلا أن المخدر قد جعلها تتوهم أنها مكبلة بسلاسل حديدية غليظة.
وأخيراً نجحت ريم في فك قيودها، وتسللت بحذر لتبحث عن أي آلة حادة داخل تلك الغرفة، حتى وجدت سكينًا صغيرًا، فعادت إلى فراشها وأعادت ربط القيود بشكل وهمي، وقد أخفت السكين تحت ساقيها. ثم قامت بالنوم في وضع مثير حتى تشتت انتباه ذلك الوحش، وتباغته بطعنة نافذة فور دخوله غرفتها. مرت دقائق حتى سمعت ريم صوت وطء خطوات ذلك المجرم وهي تقترب من الغرفة، فأغلقت عينيها متصنعة النوم.
وما إن دخل الوحش الغرفة واقترب منها، حتى باغتته بطعنة نافذة في أحشائه، فسقط على الأرض والدماء تسيل منه. وبسرعة شديدة انقضت ريم على المجرم وهمت بنزع ذلك القناع الغريب الذي يخفي وراءه ملامحه البشعة، لتبادره بطعنة جديدة في عينيه، وهي تصرخ بجنون: "أنا هقطع جسمك ده عشرين حتة يا حيوان يا قذر يا... وفجأة انخرس صوت ريم وتجمدت في مكانها. وقد سقط السكين من يدها وشحب وجهها فصار أقرب لوجوه الموتى من هول الصدمة.
فلقد كان ذلك الوحش الحقير هو أدهم. الزمان: في مطلع عام ٢٠٢٨ ميلادياً. المكان: المركز العالمي للبحوث الطبية بالقاهرة. حيث انعقد مؤتمر صحفي عالمي في إحدى قاعات المركز، وذلك للإعلان عن نجاح فريق طبي مصري في إنتاج علاج جديد للمتحور رقم خمسة من فيروس كورونا. وبدأ المؤتمر بصعود مندوب من منظمة الصحة العالمية إلى المنصة، حيث بدأ كلامه بالترحيب بالحاضرين وعلى رأسهم الباحثة المعروفة الدكتورة نوران عزمي رئيسة الفريق الطبي.
ثم قام بتقديمها لإلقاء كلمتها قائلاً: "رحبوا معي جميعاً بمخترعة أحدث وأفضل علاج لوباء كورونا". صعدت الدكتورة نوران إلى المنصة وسط موجة تصفيق حارة من الحاضرين، وبدأت حديثها قائلة: "أشكر جميع الحضور، ولكني حابة أصحح المعلومة اللي قالها زميلي الفاضل، أنا لم أخترع أي دواء، أنا فقط توصلت لبروتوكول ناجح مكون من مجموعة أدوية معروفة ومتداولة بالفعل من عشرين سنة، لكنها للأسف لم تكن تستخدم ضمن أي بروتوكول سابق لعلاج الكورونا".
ثم استطردت قائلة: "وعلى الرغم من أن البروتوكول الجديد بيدخل المريض في حالة من عدم الإدراك الواعي أشبه بتأثير البنج المخدر، إلا أنه بفضل الله كان فعالاً جداً على أكثر من 1000 حالة، وتماثلوا للشفاء التام في خلال أسبوع واحد تقريباً". قاطعها أحد الصحفيين سائلاً: "طب مع حالة التخدير دي إزاي المريض بيقدر ياكل ويشرب طول فترة العلاج؟
ردت دكتورة نوران: "إحنا كنا بنعتمد على تغذية المريض عن طريق المحاليل طول فترة العلاج زي حالات الغيبوبة في العناية المركزة، لكن مش هو ده الجزء الصعب". ثم استطردت قائلة: "الصعوبة الحقيقية هي أن جزء من البروتوكول العلاجي كان بيستلزم دهان جسم المريض بمرهم باسط للعضلات، وده لمساعدة العضلات على مقاومة أضرار الفيروس". صمتت الدكتورة نوران للحظة، ثم أشارت إلى زملائها في الفريق الطبي بالصعود إلى جوارها بالمنصة،
وقالت بصوت حماسي: "عشان كده أنا لازم أوجه الشكر لكل زمايلي في الفريق الطبي اللي تحملوا الإهانة، وبعضهم تعرض للضرب من بعض المرضى". ثم علا صوتها بنبرة خجل وهي تقول: "وده بسبب حالة انعدام الوعي للمرضى، فكان معظمهم بيتوهموا إنهم بيتعرضوا للتحرش والاعتداء الجنسي أثناء قيام أفراد الفريق الطبي بدهان أجسامهم بالمرهم". في تلك اللحظة غمرت القاعة موجة من التصفيق الحار تقديراً لذلك الجهد والعناء الذي تحمله أفراد الطاقم الطبي.
بينما توجهت دكتورة نوران إلى شاشة العرض الضخمة الموجودة في القاعة وقامت بتشغيلها، لتظهر صورة لفتاة شقراء بارعة الجمال. وما إن رأى الحاضرون تلك الصورة حتى برزت ملامح الاستياء الواضحة على وجوههم، وانفجرت حالة من الهرج والهمهمة في أرجاء القاعة. قطع تلك الحالة صوت الدكتورة نوران وهي
تقول بنبرة يكسوها الحزن: "أنا عارفة إن الصورة دي بتثير مشاعر الحزن والغضب عند معظمكم، وده لأنكم للأسف بتحملوا البنت المسكينة دي ذنب موت ملايين المصريين في الهجمة الأولى للفيروس على مصر سنة 2020". تنهدت الدكتورة نوران وقد بدأت الدموع تلمع في عينيها،
وقالت بصوت متلعثم: "لكن ده ظلم كبير من المجتمع للبنت دي، لأن أي حد منا كان ممكن يكون مكانها، ده قضاء ربنا. وصدقوني البنت دي اتعذبت شهور طويلة وهي بتكافح المرض، وزي ما هي كانت سبب في دخول المرض لمصر، فهي أيضاً كانت سبب في حصولنا على نسخة من الفيروس الأصلي، وده اللي ساعدنا نقدر نعمل تجارب توصلنا لطريقة القضاء عليه. وعشان كده فأنا برجو من جميع الحاضرين قراءة الفاتحة على روح الشهيدة ريم ناصر الحديدي".
وبالفعل امتثل جميع الحاضرين لمطلب الدكتورة نوران، ووقفوا يتلون الفاتحة على روح بطلتنا المسكينة ريم الحديدي. ومع انتهاء ذلك المشهد تنتهي رحلتنا عبر الزمن، فالمشهد السابق كان يجسد إحدى النسخ من المستقبل، والتي قد علم بها أدهم بطريقة ما، وقرر أن يتدخل ويغير هذا المستقبل المأساوي.
فقد كانت خطة أدهم في البداية هي قتل ريم الحديدي التي عادت من الصين وهي تحمل النسخة الأصلية الفتاكة من فيروس كورونا في نهاية عام 2020، حيث تدور أحداث قصتنا. وكان قتل ريم هو رحمة بها من معاناة كانت سوف تستمر لأسابيع طويلة، قتل أن تفارق الحياة جراء ذلك الوباء اللعين، كما كان قتلها في تلك البقعة المعزولة من الصحراء سوف يدمر تلك النسخة القاتلة من الفيروس وينقذ ملايين من الأرواح البريئة.
إلا أن ما تفجر من مشاعر بين أدهم وريم منعه من قتلها، وقد ألهمه الله بأن يعدل تلك الخطة عندما قالت له ريم "إن لكل مشكلة علاج". وبدلاً من أن يقتل ريم، فقد بدأ في علاجها مستخدماً ذلك البروتوكول الطبي الذي لم يكن قد تم اكتشافه إلا في عام 2028. وقد نجح أدهم في خطته الجديدة وقام بعلاج ريم، إلا أن تلك الحمقاء ريم قد تسرعت وقتلته، ظناً منها أنه كان ينتهك جسدها، وهذا الشيء لم يحدث إلا في خيالها المشوش فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!