لمعت فكرة في عقل ريم، فصرخت في الجنود وهي تحاول إزاحتهم عن أدهم: "انتو بتعملوا إيه يا أغبيا؟ ده أحمد ابن أونكل رأفت، وزير الزراعة! كان لتلك العبارة مفعول الصاعقة على الجنود. انتفض الجميع وأفلتوا أدهم. نهض أدهم ببطء وهو ينفض التراب عن ملابسه. وثب هشام ليربت على كتفه وقال بصوت متحشرج: "إحنا آسفين يا أحمد بيه، ارجوك سامحنا على سوء التفاهم ده." قبل أن يرد أدهم، قطعت ريم الحوار وهي تحاول أن تمسك يده:
"معلش يا أحمد، هما افتكروا إنك المجرم اللي حكيت لك عنه في التليفون." أزاح أدهم يد ريم بشكل صارم وقال بصوت منفعل: "حصل خير يا... استطردت ريم موجهة كلامها لهشام: "معلش يا هشام بيه، أنا من اللخبطة اللي كنت فيها نسيت أقولك إني اتصلت بأحمد عشان يكون معايا، لأني خفت إنكم تتأخروا." رمق أدهم ريم بنظرة نارية ثم قال:
"أظن إنه خلاص مفيش داعي لوجودي. البركة في هشام بيه ورجالته، هما هيعرفوا يتعاملوا مع المجرم الحقير ده أحسن مني ألف مرة." رد هشام بابتسامة عريضة: "أوعد حضرتك إن الحيوان ده هيبات الليلة في الحبس، وبكرة الصبح هيتعرض على النيابة بتهمة خطف أنثى والشروع في قتلها، وبعدها أوعدك إنه هيقضي باقي عمره في السجن! أدهم بابتسامة صفراء باهتة:
"البركة في ريم، لولا شجاعتها وذكائها ما كنتوش هتعرفوا تمسكوا الحيوان اللي حضرتك بتتكلم عليه ده." كانت ريم تبذل جهدها لتمنع نفسها من البكاء، حفاظًا على خطتها. حاولت أن تقترب من أدهم لتمسك يده مرة أخرى، إلا أنه انتبه لخطواتها فأخذ خطوة للوراء. صمتت وهي تتطلع إلى أدهم بنظرة استعطاف منكسرة، بينما بادله أدهم بنظرة تحمل كل معاني الاشمئزاز والخذلان.
انسحب أدهم في هدوء، بعد أن صافح هشام بكل ود، متجاهلاً مصافحة ريم. ثم قال وهو يبتسم ابتسامة باهتة مصطنعة: "معلش بقا يا جماعة، أنا مضطر أمشي. زي ما انتي عارفة يا ريم، أنا لازم أسافر." استطرد وهو يرمق ريم بنظرة لخصت كل مشاعر الخذلان في قلبه: "بس بجد يا ريم، مفيش أي كلمة ممكن تعبر لك بيها عن مدى فخري وسعادتي بذكائك وشجاعتك دي. أشوف وشك على كل خير." ردت ريم بصوت كله أسى، بينما كان أدهم قد أدار لها ظهره مبتعدًا:
"خد بالك من نفسك، وارregu سامحني على كل الأذى اللي سببتهولك." ظلت ريم تراقب أدهم وهو يبتعد ويستقل سيارته وينطلق، تاركًا ريم يلتهمها ندم مميت وقلبها يتمزق أسفًا على أدهم، فهي تعلم أنها لحظات الوداع الأخيرة. مضت ساعات عديدة والجنود يجوبون كل مداخل ومخارج الفيلا في انتظار ظهور المجرم دون جدوى. استبد الضجر والاحباط بهشام من طول الانتظار. فقرر أن يسحب القوة ويغادر، ودار بينه وبين ريم الحوار التالي: هشام مخاطبًا ريم:
"ريم هانم، إحنا بقالنا أكتر من ٥ ساعات هنا والمجرم ما ظهرش. وأنا أعتقد إنه حس بوجودنا ساعة ما جه أحمد بيه، عشان كده هرب." ردت ريم بصوت عليه الإعياء والتعب: "معاك حق، شكله فعلاً هرب ومش راجع تاني." استطرد هشام: "طيب أنا مضطر أسحب القوة وأمشي. وهاسيب مع حضرتك رقمي، لو حصل أي جديد يا ريت تبلغيني فورًا وأنا هاكون عندك في أقل من ربع ساعة." نادى هشام على أحد معاونيه وقال:
"اجمع القوة يا سعيد، واعمل حسابك إنك هتسيب فرد أمن يفضل حراسة هنا على بيت ريم هانم لحد الصبح." رد العريف سعيد بكل انضباط: "حاضر يا أفندم، علم وينفذ يا هشام بيه." قاطعتهم ريم بصوت منكسر، وقد بدا عليها الإعياء الشديد: "مفيش داعي يا هشام بيه، أنا هاروح أبات عند عمتي وهناك في حراسة وأمن كتير أوي." هشام بصوت منفعل: "انتي كويسة يا ريم هانم؟ انتي شكلك تعبانة، تحبي أوديكي أي مستشفى أو أطلب لك دكتور هنا؟
أجابته ريم بحسرة واضحة: "لا، أنا تمام. كل الحكاية إني بقالي يومين ما نمتش، ومتشكرة على اهتمام حضرتك." هشام بنبرة ودودة: "طب تحبي أوصلك لحد بيت عمتك؟ ريم: "كتر خيرك يا أفندم، أنا هاطلب السواق بتاعي يوصلني. ارجوك ما تعطلش نفسك أكتر من كده، وأسفة على كل التعب اللي سببته لكم النهارده." ما أن انصرف هشام وجنوده، حتى انخرطت ريم في نوبة بكاء محمومة، حتى سقطت على الأرض في بهو الفيلا مغشيًا عليها.
وفي مساء نفس اليوم، وعلى أحد المقاهي المشبوهة في منطقة نائية بالقاهرة، كان سعيد معاون الرائد هشام يجلس مع أحد أصدقائه، والذي يعتبر واحدًا من أشهر المجرمين في تلك المنطقة. دار بينهما هذا الحوار: المجرم الملثم: "خير يا سعيد؟ اتصلت بيا وجبتني على ملا وشي ليه؟ مش إحنا متفقين إن أي ترتيبات بينا تبقى في التليفون عشان ما نفتحش عيون البوليس علينا! رد سعيد:
"مكنش ينفع يا صاحبي، أنا جايب لك النهارده خبطة العمر، عملية هنعدي بيها الفقر والضنك اللي إحنا عايشين فيه ده." سال لعاب المجرم وهتف بحماس: "إيه بقا ده الكلام؟ شوقتني يا سعيد. هنسرق مين الليلة؟ رد سعيد وهو يناول المجرم مفتاحًا صغيرًا: "هنسرق فيلا ناصر الحديدي! أنا كنت في مأمورية هناك الصبح، ومن حظك الحلو إني بالصدفة لقيت مفتاح باب الخدمين، ومن تساهيل ربك الفيلا الليلة فاضية." ارتبك المجرم وقال بنبرة متوترة:
"فيلا ناصر الحديدي حتة واحدة! دي عملية خطيرة أوي يا سعيد، لو اتقفشنا هنروح كلنا في ستين داهية." رد سعيد بصوت هادئ: "جمد قلبك يا عم الحاج، العملية دي هتلبس في واحد تاني خالص." زاد اندهاش المجرم وقال: "أنا مش فاهم أي حاجة! رد سعيد بهدوء:
"ابلع ريقك كده وأنا هفهمك. بنت الحديدي عاملة بلاغ في واحد متهمة إنه خطفها وحاول يقتلها، والنهاردة إحنا رحنا عشان نقفشه، بس ابن المحظوظة هرب قبل ما نوصل، وضيع علينا حلاوة من أبوها مكنتش هتقل عن مليون جنيه! المجرم بصوت كله حماس: "مليوووون جنيه حلاوة! أومال اللي خاطفها كان طالب فيها كام؟ سعيد: "وأنا إيش عرفني... بس أنا واثق إنه لو طلب 100 مليون كان أبوها هيدفعهم. الناس دي عندها فلوس مالهاش أول من آخر يا عم الحاج."
انتهى الحوار وافترق الشيطانان، وقد أسرع المجرم في حشد أفراد عصابته استعدادًا لاقتحام فيلا ناصر بيه الحديدي. وعند منتصف الليل، تسلل المجرم الملثم إلى فيلا ناصر الحديدي وقام بقطع التيار الكهربي، فساد ظلام دامس كل أرجاء الفيلا. وفي أثناء تفقده للفيلا، فوجيء بجسد ريم ممددًا على الأرض.
انتهى ذلك المشهد بأن قرر المجرم أن يغير الخطة الأصلية ويقوم باختطاف ريم، وذلك بعد أن اكتشف أنها في حالة شديدة من الإعياء، وقد أصابها هذيان شديد، مما أفقدها أدنى قدرة على المقاومة. فقام بتغطية جسدها، ثم حملها بين ذراعيه، وتسلل بحذر إلى خارج الفيلا، دون أن يشعر به بقية المجرمين الذين انشغلوا بنهب محتويات الفيلا.
وبسرعة شديدة خرج المجرم من الفيلا، ووضع ريم في سيارته، وانطلق مغادرًا في هدوء وحذر تام، حتى وصل إلى وكره الخاص، في إحدى المناطق السكنية الجديدة التي كانت لا تزال معظم مبانيها تحت الإنشاء. وفي صباح اليوم التالي، استيقظت ريم وهي في حالة يرثى لها من الغثيان والتخدر، وكأنها قد ابتلعت برميلاً كاملاً من الخمر الفاخر.
فتحت عينيها بصعوبة شديدة، وهي تشعر بألم عنيف يفترس كل خلية من جسدها، لتجد نفسها مكبلة اليدين والقدمين في فراش قديم، داخل غرفة صغيرة مظلمة خالية من الأثاث، لا يوجد بها أي نوافذ، فقط باب حديدي موصد عليها. حاولت ريم أن تصرخ، إلا أن حالة الإعياء الشديدة منعتها، فخرج صوتها مبحوحًا بسعال شديد، وهي تهمهم بكلمات غير واضحة.
انتبه المجرم الملثم لصوت ريم وأدرك أنها قد استفاقت، فأسـرع إلى غرفتها، والتقط زجاجة محلول متدلية بجوار فراش ريم، وقام بحقنها بمادة ما، ثم غادر الغرفة وأوصد بابها بإحكام. تنبهت ريم لذلك الأنبوب المتصل بوريدها، وأدركت بأن ذلك الملثم القذر قد حقنها بمادة مخدرة. وقد شعرت بيديه وهي تزحف على جسدها. فاستجمعت ما تبقى من قوتها، في محاولة فاشلة لفك قيود يديها وقدميها، وظلت تصرخ: "ابعد إيدك عني يا حيواااان!
ابعد إيددددددك القذرة دي عني! واستمرت تردد نفس العبارات، حتى سقطت مجددًا في بئر عميق مظلم من اللاوعي. ظلت ريم على تلك الحالة من اللاوعي، لأكثر من أسبوع. فهي غائبة عن الوعي طوال الوقت، لا تستفيق إلا للحظات بسيطة، على لمسات ذلك الوحش لجسدها، أو على وخزات إبر المخدر في وريدها. واكتشفت أنها قد أصبحت مجرد دمية لإشباع شهوات ذلك الوحش الدنيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!