الفصل 3 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل الثالث 3 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
24
كلمة
1,994
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

كان ادهم يخطو مسرعا باتجاه سيارته، وما إن دخلها حتى أشعل المحرك وانطلق. وبدأ يخاطب ريم بنبرة متوترة: "قبل ما تسألي أنا حرقت العربيات دي ليه، أرجوكي اصبري لحد بكرة، وأوعدك إنك هتلاقي الإجابة لوحدك." لم يكن ادهم يعلم أن ريم قد تسللت خلفه وشاهدته من بعيد وهو يقتل الحارسين بسلاحه الناري الكاتم للصوت.

مرت دقائق وادهم ينتظر أن يسمع تعقيبا من ريم، إلا أنها لم تنطق حرفا واحدا ولم تحرك ساكنا. فقد كان الرعب قد استولى عليها، فاكتفت بإيماءة من رأسها والدموع تتحجر في مقلتيها. وظلت هذه الحالة من السكون حتى وصلا إلى منزل ريم الذي كان خاليا تماما. دخلت ريم دون أن تلتفت لادهم أو حتى ترحب به. ثم صعدت إلى غرفتها بالطابق العلوي وصفعت بابها بقوة. ثم ارتمت على فراشها وانجرفت في نحيب وبكاء.

بينما تمدد ادهم على أريكة في بهو الفيلا وغط في نوم عميق. وفي تلك الأثناء، كان التشتت والإحباط قد بلغ مداه مع ريم. فقلبها من ناحية قد تعلق بذلك الوحش الدموي، ومن ناحية أخرى ضميرها يعذبها على صمتها عن فعلته النكراء. ولكنها استطاعت بعد ساعات من التفكير أن تصل إلى قرار صائب. فالقاتل يجب أن ينال عقابه على جريمته البشعة، حتى وإن كانت قد أحبته.

همت ريم بالاتصال بالشرطة والإبلاغ عن جريمة القتل، إلا أنها تذكرت أن حالة الهلع التي انتابتها قد أنستها هاتفها في سيارة ادهم. فقررت الانتظار حتى الصباح، وقد كان التعب والإرهاق قد استبد بها، فاستسلمت للنوم. *** وفي أثناء نومها، حلمت بأنها ترتدي فستان زفاف أبيض جميل، وبجانبها يجلس ادهم، وقد علت أصوات الأغاني ودقات الدفوف من حولهم. وانتهى الحلم مع تصاعد أصوات الدفوف. *** استيقظت ريم على صوت دقات ادهم

على باب الغرفة وهو يقول: "صباح الخير يا ريم. أنا لازم أروح مشوار مهم جدا دلوقتي ومش هتأخر." ردت ريم بصوت صارم بدون أن تفتح الباب: "لو سمحت، أنا عاوزة شنطي وموبايلي من عربيتك." رد ادهم: "حاضر يا ريم. هدخلهم لك قبل ما أمشي، بس ارجوكي ما تخرجيش من البيت لحد ما أرجع." وبالفعل قام ادهم بنقل حقائب ريم وهاتفها إلى المنزل ثم انصرف.

طلت ريم من شرفتها لتتأكد من رحيل ادهم، ثم هرولت لتلتقط هاتفها وتتصل برقم النجدة لتخبرهم بأنها تعرف هوية قاتل فردي الأمن ومكانه. وكالعادة، كان ذكر اسم أبيها كافيا لأن تتحرك قوات الشرطة بسرعة فائقة إلى منزلها. في غضون نصف ساعة، كانت قوة من خمسة أفراد أمن يتقدمهم ضابط قد وصلت لمنزل ريم، التي استقبلتهم بترحاب قائلة: "الحمد لله إنكم وصلتوا بسرعة." رد الضابط وهو يصافح ريم بحفاوه بالغة:

"صباح الخيرات يا ريم هانم. مع حضرتك الرائد هشام عبدالرحيم من المباحث الجنائية. فين المجرم اللي حضرتك مقدمة فيه البلاغ؟ ردت ريم بتوتر: "للأسف هو خرج دلوقتي، بس قالي إنه مش هيتأخر." رد هشام بصوت منفعل وقد علت وجهه كل ملامح التعجب: "أفندم! معلش قولي تاني كده عشان أنا تقريبا ما سمعتش حضرتك كويس. هو مين ده اللي خرج؟ وقال لك مش هيتأخر؟ أنا مش فاهم أي حاجة! تلعثمت ريم وقالت:

"ارجوك يا أستاذ هشام، ما تتعصبش عليا. اديني فرصة وأنا هاشرح لك الموضوع كله." ثم انطلقت ريم تقص على الرائد هشام تفاصيل كل ما حدث بينها وبين ادهم. بداية من واقعة اختطافها ومحاولة قتلها، ومرورا بقتل فردي الأمن، ونهاية بحرق عربات نقل عمال المصنع. وبمجرد أن انتهت ريم من روايتها لكل الأحداث، حتى صاح هشام بكل حماس: "ولا يشغل بالك يا ريم هانم، إحنا بعون الله هنجيب الكلب ده من قفاه." قاطعته ريم بنبرة منفعلة:

"لو سمحت، ما تقولش عليه كلب، أنا ما اسمحلكش. وبعدين المتهم بريء حتى تثبت جريمته." قاطعها هشام: "قصدك حتى تثبت... إدانته. وبعدين ما هو أدانه أهيه... واقفة بتتكلم قدامي. أنا مش فاهم حاجة." ردت ريم بغيظ واضح: "هو إيه اللي في كلامي مش مفهوم؟ ما أنا حكيت لحضرتك كل حاجة." تمالك هشام غيظه وحاول أن يستعيد نبرته الهادئة وقال: "اللي مش مفهوم يا أفندم هو إن حضرتك زعلتي واتقهرتي أوي عشان قلت على الكلب... بلاش الكلب...

الفهد اللي خطف حضرتك. اسمه إيه؟ زاد تهكم هشام من توتر ريم، فصاحت فيه بكل حدة: "لو حضرتك فضلت تتريق كده على كلامي فأنا هكون مضطرة أنهي المقابلة دي! رد هشام بنبرة ساخرة: "مقابلة إيه اللي عاوزة تنهيها دي! هو أنا جاي لحضرتك من (كارفور المعادي) أنا معايا محضر ولازم أقفلُه! تمتمت ريم بكلمات غير مفهومة، ولكنها رضخت في النهاية.

فقام هشام بتحرير محضر رسمي كتب فيه كل اتهامات ريم لادهم. وقامت الأخيرة بالتوقيع على أقوالها في المحضر، وهي تقول: "هو حضرتك مهتم أوي ليه بقصة الخطف وسايب الموضوع الأهم... جريمة القتل؟ رد هشام: "خطف أنثى والشروع في القتل دي جناية، إنما حرق الجراج ده مجرد جنحة، والحمد لله مفيش أي حالات وفاة أو حتى إصابات حصلت في الجراج." قاطعته ريم باندهاش: "إزاي يعني مفيش حالات وفاة!

أنا بقول لحضرتك أنا كنت هناك وشفت ادهم وهو بيضرب نار على الرجلين اللي كانوا بيحرسوا الجراج." رد هشام: "يا فندم، أنا تواصلت مع قسم شرطة مصر القديمة واتأكدت بنفسي من الواقعة." ريم بلهجة مستعطفة: "طب ينفع حضرتك تتصل بيهم تاني لأني عاوزة أعرف إيه اللي حصل بالتفصيل." بدا الغضب واضحا على ملامح هشام، إلا أن مكانة والد ريم في المجتمع منعته من التعبير عن ذلك الغضب. فرد بنبرة هادئة:

"تحت أمر حضرتك، بس أكيد الاتصال ده مش هينفع دلوقتي، لأن الدنيا مقلوبة بسبب موضوع حريقة المصنع." ردت ريم بصوت مرتعد: "هي الحريقة وصلت للمصنع! أجابها هشام بنبرة ساخرة: "حريقة إيه يا ريم هانم اللي هتوصل من جراج في مصر القديمة لمصنع في العاشر من رمضان بينهم وبين بعض 100 كيلومتر! وبعدين حريقة الجراج دي كانت امبارح بالليل والمصنع اتحرق النهارده الصبح! ريم بصوت منفعل:

"يبقى أكيد ادهم هو برضه اللي حرق المصنع، عشان كده خرج وسابني." ضحك هشام بصوت عالٍ، ثم قال: "واضح جدا إن حضرتك مغلولة جدا من الواد ده ونفسك تلبسيه مصيبة كبيرة بأي طريقة. عموما ما تقلقيش، المحضر بتاعك ده هيلبسُه 25 سنة سجن. لكن موضوع حريقة المصنع ده... هو ملوش أي دخل بيه." ريم وقد وصل احتقارها إلى ذروته: "إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة." رد هشام:

"المصنع ده كان قديم ومتهالك وجايله أمر إزالة من أكتر من سنة وصاحبه كان عمال يماطل. والنهاردة الصبح سقف المصنع وقع كله ودمر خزانات السولار اللي جوه المصنع. وده اللي عمل الحريقة الضخمة دي. وستر ربنا إن مفيش حد من العمال كان متواجد النهارده بسبب التلفيات والحرايق اللي حصلت في أتوبيسات الشركة بالليل."

بدأت ريم في ربط الحقائق ببعضها البعض. فما أطلقه ادهم بالأمس على الحراس، أما كان رصاصا مطاطيا أو إبر مخدرة، وليس رصاصا حقيقيا. وما قام به من إحراق وإتلاف لحافلات نقل العمال، كان هو السبب في تغيبهم عن العمل اليوم، وبالتالي فقد أنقذ ادهم حياة أكثر من ألف عامل. لكن السؤال المرعب الذي برق في عقل ريم... هو كيف علم ادهم بأن المصنع سوف ينهار غدا! خصوصا وأن هذا الانهيار لم يكن مدبرا.

سرت قشعريرة غريبة في جسد ريم عندما جال هذا السؤال بخاطرها. واكتشفت أنها ظلمت ادهم وخانت ثقته فيها. بل وأنها حكمت على هذا الشخص البريء بالهلاك. فذلك المحضر الذي ذيلته بتوقيعها منذ قليل، سيكون سببا بأن يمضي ما تبقى من عمره داخل ظلمات السجن. انتاب ريم ندم شديد لما فعلته، وانخرطت في نوبة بكاء هستيرية. لم يوقظها إلا أصوات رنين جرس باب الفيلا.

هرولت ريم مسرعة صوب الباب، إلا أن هشام وجنوده كانوا أسرع منها. ومن بين مناكب الجنود، لمحت ادهم وهو ينظر لها وقد جمّـَـتـْـه الصدمة، فتجمد في مكانه. وفي لحظات انقض عليه أفراد الأمن، ثم أسقطوه على الأرض، وعيناه لا تتحرك عن ريم، حيث دار بينهما حوار بالعيون فقط. فعيناها تقول... أنا آسفة سامحني. وعيناه ترد... أنتِ خذلتيني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...