الفصل 7 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل السابع 7 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
24
كلمة
2,806
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

مرت ساعات طويلة، وكانت ريم قد استسلمت للنوم، بعد أن ضمت رأس أدهم بين ذراعيها، وهو في حالة من الوهن الشديد جراء ما فقده من دماء. وفي أثناء نومها، راودها حلم غريب. حلمت ريم بأنها تجلس في فناء مسجد واسع الأركان، تفوح من جنباته رائحة العراقة والأصالة. بينما كان أدهم يرتكن أمامها على أحد الأعمدة، ممسكًا مصحفًا كبيرًا، مزركشًا بنقوش ذهبية بديعة. وكان يقرأ سورة الكهف بصوت عذب، وقد ترقرت عيناه بالدموع.

حتى وصل للآية رقم ٧٨، وظل يكرر جزءًا منها: "هذا فراق بيني وبينك" ومع كل مرة يكرر فيها هذا الجزء من الآية الكريمة، كان صوته يعلو ويعلو، حتى ملأ كل أرجاء المسجد. وانتهى الحلم. وفجأة استيقظت ريم، وهي تشعر بوخز حاد في قلبها من جراء ذلك الحلم الغريب. وقبل أن تفتح عينيها، تحسست رأس أدهم برفق، فوجدته مازال نائمًا بين ذراعيها. والعرق يتصبب منه بغزارة، وقد ارتفعت حرارته بشكل ملحوظ.

فقامت بفحص موضع الجرح، فوجدته بخير، وقد توقف النزيف تمامًا. ارتبكت ريم، وهي تحاول إفاقة أدهم ليخبرها كيف تتصرف لعلاجه. إلا أنه رد عليها بصوت واهن، وهو يهذي: "أنا كويس. ما تقلقيش يا ريم. أنا كويس جدًا." فزعت ريم من تدهور حالة أدهم، ونهضت تاركة رأسه يستقر على الوسادة برفق. وظلت واقفة في وسط الغرفة تفكر كيف تهرب بأدهم، دون أن تتسبب في إلقاء القبض عليه.

وكان الحل الوحيد، هو أن تحضر له طبيبًا ممن تثق فيهم، لتأتمنه على سر أدهم. كانت ريم تشعر بالعجز التام. فهي لا تحمل هاتفًا، ولا حتى نقودًا، ولا تعلم أي شيء عن هذا المكان، الذي احتجزها فيه أدهم. بالإضافة إلى أن أدهم لم يكن يحمل هاتفًا، وحتى أن محفظته لم تكن تحوي إلا بعض النقود، ولا يوجد فيها أي إثبات شخصية. وفجأة وبدون أي تردد، ارتدت ريم بعضًا من ملابس أدهم.

وأخذت النقود التي وجدتها معه، ومفاتيح سيارته، وخرجت تبحث عن أي وسيلة تسعف بها أدهم. وما أن فتحت باب ذلك المنزل، حتى اكتشفت أنه يقع في بناية ما زالت تحت الإنشاء. فنزلت مسرعة للشارع، وكان الليل قد أسدل ستائره على المكان. لتكتشف أن المنطقة بالكامل تحت الإنشاء، وأنه لا وجود لسيارة أدهم. فسارت بخطى سريعة، متتبعة بصيصًا من الضوء يأتي من بعيد، حتى وصلت لكشك خشبي صغير.

كان صاحبه قد أشعل بعض أعواد الحطب لتمنحه قليلًا من الدفء في تلك الليلة الباردة. فبادرت بسؤال صاحب الكشك: "مساء الخير يا حاج. المنطقة اللي إحنا فيها دي اسمها إيه؟ صاحب الكشك باندهاش واضح: "هو حضرتك تايهة؟ إحنا في المجاورة الثانية الجديدة في ٦ أكتوبر." ردت ريم بابتسامة باهتة: "طيب ممكن تسمحيلي أعمل مكالمة من تليفونك؟ رد صاحب الكشك: "أوي أوي يا أفندم. تحت أمرك. ثواني بس. هروح أجيب التليفون من أوضتي وأرجعلك."

خرج الرجل من الكشك، ودخل إلى البناية المجاورة للكشك. ثم عاد بعد لحظات حاملاً هاتفًا حديثًا، وناوله لريم، وقال بترحاب واضح: "التليفون أهو. فيه رصيد. وفيه نت كمان." ردت ريم بابتسامة لطيفة: "ألف شكر يا حاج. مش عارفة أشكر حضرتك إزاي." ثم انزوت جانبًا، وقامت بالبحث عن رقم عيادة دكتور عادل الباجوري على الإنترنت. وهو طبيب العائلة، الذي كانت تجمعه بريم علاقة أبوة منذ أن كانت طفلة صغيرة. وجدت ريم الرقم، واتصلت به. فردت

عليها إحدى الممرضات قائلة: "مساء الخير يا أفندم. عيادة الدكتور عادل الباجوري مع حضرتك. أقدر أخدم حضرتك إزاي؟ ردت ريم: "من فضلك. أنا عايزة أكلم دكتور عادل شخصي." ردت الممرضة: "أنا آسفة يا أفندم. الدكتور عادل مسافر حاليًا. أنا ممكن أحول حضرتك على دكتورة نوران عزمي، النائبة والمساعدة بتاعته." وقبل أن ترد ريم، كانت الممرضة قد حولتها بالفعل على دكتورة نوران. والتي لم تكن تجمعها بريم، إلا علاقة سطحية فاترة.

وجاء صوت نوران عبر الهاتف: "مساء الخير. مين معايا؟ قاطعتها ريم: "إزيك يا نوران. أنا ريم الحديدي. وكنت عايزة أطلب منك... قبل أن تكمل ريم عباراتها، اندفعت نوران صائحة بصوت عالٍ: "أنتي فين يا أستاذة ريم؟ أنتي كويسة؟ البلد كلها مقلوبة عليكي." قاطعتها ريم بصوت منفعل: "أرجوكي يا نوران. اديني فرصة أتكلم واسمعي اللي هاقوله لك كويس. أنا عايزة منك خدمة. لو عملتيها هعتبر ده جميل كبير أوي، وعمري ما هانساه لك أبدًا."

ردت نوران بصوت مترقب: "حاضر يا أستاذة ريم. لو الخدمة دي في استطاعتي، أكيد هاعملها. بس طمنيني الأول أنتي كويسة؟ هربتي من اللي خاطفينك إمتى وإزاي؟ تحبي أتصل بالبوليس؟ قاطعتها ريم بصوت حاد: "مش وقته يا نوران. اطمني. أنا كويسة الحمد لله. وما فيش حد خطفني. كل ده سوء تفاهم مش أكتر. اسمعيني كويس أرجوكي... ثم قصت ريم على نوران، تفاصيل كل ما حدث لها باختصار شديد. وشرحت لها حالة أدهم، وطلبت منها أن تأتي بأقصى سرعة لاسعافه.

وأن تعاهدها بأنها لن تخبر أي مخلوق على الأرض بتلك المكالمة. ردت نوران بنبرة حاسمة: "حاضر يا أستاذة ريم. أنا هاجيلك حالا. بس ابعتيلي اللوكيشن بتاعكوا. وأهم حاجة دلوقتي إنك ما تسيبيش حرارة جسمه ترتفع. لازم تعمليله كمادات بسرعة لحد ما أوصل." أنهت ريم المكالمة، وأخرجت مبلغا من المال، وأعطته لصاحب الكشك. ثم طلبت منه أن يقرضها هاتفه لمدة ساعة واحدة فقط.

كان المبلغ المالي مقنعًا لصاحب الكشك، فلم يتردد في قبول طلب ريم، بعد أن أقسمت له بأنها ستعيد إليه الهاتف، وتكافئه بمبلغ مالي محترم، جزاءً لصنيعه معها. ثم هرولت ريم عائدة إلى أدهم، الذي كان لا يزال نائمًا. وبدأت سريعًا في عمل كمادات لتبريد جسده، الذي بدا وكأنه تحول إلى جمرة من النار. مضت نصف ساعة تقريبًا، حتى وصلت نوران إلى موقع أدهم. وبدأت في إسعافه، وهي تخاطب ريم:

"من الواضح إن الأخ ده حصلت له عدوى في مكان الجرح. وده معناه إني لازم أفتح تاني. وأنضف الجرح. وأديله حقنة مضاد حيوي." ردت ريم بقلق واضح: "طيب أرجوكي يا نوران. اعملي أقصى ما في وسعك. الإنسان ده هو كل حياتي. ولو جراله أي حاجة. أنا مش ممكن أسامح نفسي أبدًا." كانت نوران قد جهزت حقنة المضاد الحيوي، وقالت وهي تستعد لإعطائها لأدهم:

"ما تقلقيش يا أستاذة ريم. بإذن الله الحقنة دي هتخليه يقوم زي الحصان. بس استأذنك تطلعي بره لحد ما أديله الحقنة." ردت ريم بحنق واضح: "أطلع ليه يعني؟ هو أنتي هتديهاله فين؟ ردت نوران بهدوء: "دي حقنة عضل يا ريم. وأنا معايا رخصة شرعية بحكم إني دكتورة." قاطعتها ريم بانفعال كبير: "لو أنتي معاكي رخصة، فأنا الرخصة ذات نفسها! شوفي شغلك يا نوران. أنا مش هتحرك من مكاني." ردت نوران بهدوء:

"زي ما تحبي يا ريم. اتفضلي بقا حضرتك لفيه ونزلي البنطلون شوية." تحركت ريم بدلال، وقامت باحتضان أدهم، بشكل غير مبرر، وذلك أثناء قيامها بتعديل وضع جسده، وكأنها تحاول إرسال رسالة واضحة إلى نوران، مفادها: "أدهم لي، وأنا له". تغاضت نوران عن تلك المناوشة الصبيانية، وقالت بصوت منخفض جدًا: "الصبر من عندك يا رب." التفتت إليها ريم وقالت بصوت عالٍ: "بتقولي حاجة يا نوران؟ ردت نوران بتهكم:

"بقولك اتعبي معانا شوية كمان. ونزلي البنطلون حبة كمان. وانجزي بقا عشان الحقنة قربت تبوظ." استشعرت ريم حساسية الموقف، فامتثلت لطلب نوران، وتراجعت للخلف، تاركة المجال لنوران لتؤدي واجبها. وبالفعل انتهت نوران المهمة وقالت: "كده الحمد لله كله تمام. ساعة كده والمضاد هيشتغل ويفوق بإذن الله. أنا هامشي دلوقتي. ولو حصل أي جديد كلميني على طول." ردت ريم، وهي تحتضن نوران بحرارة شديدة:

"أنا مش عارفة أشكرك إزاي بجد. جميلك ده فوق راسي. بس بليييز استني معاه ١٠ دقايق بس. أنا لازم أنزل عشان أرجع الموبايل ده لصاحبه. وهرجع لك تاني جري." وافقت نوران، ونزلت ريم مسرعة، لتعيد الهاتف لصاحب الكشك، وتشكره على حسن صنيعه معها. وما أن وصلت للكشك، حتى وجدت آخر شخص تتوقع رؤيته في تلك اللحظة. وجدت الملياردير ناصر الحديدي، والدها. تسمرت ريم في مكانها من هول المفاجأة. بينما اندفع ناصر، معانقًا ابنته،

وهو يبكي بحرقة ويقول: "ألف حمد وشكر ليك يا رب. حمدلله على سلامتك يا بنتي. أنتي كويسة؟ ردي عليا يا ريم. حد مس شعرة منك؟ دفنت ريم رأسها في حضن أبيها، وقد انتبهت لوجود عناصر من الشرطة، كانت مختبئة داخل البناية. وعلى رأسهم الرائد هشام عبدالرحيم. وسمعت صوت هشام، وهو يخاطب أباها: "حمدلله على سلامة ريم هانم يا ناصر بيه. لو تسمح لي أتكلم معاها دقيقة. إحنا لازم نتحرك بسرعة عشان نمسك الكلاب اللي خطفوها."

لم يعره ناصر أي اهتمام، ورفع رأس ريم مخاطبًا إياها بصوت حنون: "يا بنتي ردي عليا. طمنيني. أنتي كويسة؟ حد من الكلاب دول لمسك أو عمل فيكي أي حاجة؟ ردت ريم بصوت منكسر: "ما تخافش يا بابا. أنا كويسة الحمد لله. الموضوع مش زي ما أنت فاهم خالص. أنا ما كنتش مخطوفة أصلًا." قاطعها هشام بصوت حاد: "اومال حضرتك كنتي مختفية كل المدة دي ليه؟ وإيه اللي جابك الحتة المقطوعة دي؟ وإيه اللبس العجيب اللي حضرتك لابساه ده؟

وقبل أن تجيب ريم، كان ناصر قد رمق هشام بنظرة صارمة، قائلاً: "مش وقته خالص الاستجواب ده. البنت تعبانة. ولازم نروح البيت عشان تستريح." كانت تلك النظرة الحادة، كافية بأن تجعل هشام يصمت إلى الأبد، وهو يردد بصوت منخفض لا يسمعه سواه: "كان مالها بس تجارة أسيوط. مش أحسن من قلة القيمة اللي أنا فيها دي." وفي تلك الأثناء تقدم عم إبراهيم، السائق الخاص بريم، نحو صاحب الكشك. وناوله ظرفًا كبيرًا من المال.

انتزع الرجل الظرف بسرعة، وقد تهللت أساريره وهو يحتضن النقود، ويقول مخاطبًا ناصر بيه: "والله يا أفندم أنا أول ما شفت ريم هانم عرفتها على طول. واتصلت بيكوا." ثم التفت لريم وقال: "أستأذن حضرتك في الموبايل بتاعي يا ريم هانم." وكان صاحب الكشك قد خدع ريم.

وأوهمها أنه سوف يذهب إلى غرفته، ليحضر لها الهاتف، ليكسب بعض الدقائق، ويجري الاتصال الهاتفي، بذلك الرقم المثبت على إعلان المكافأة، لمن يدلي بمعلومات تساعد في العثور على ابن ناصر بيه الحديدي. نظرت ريم إلى صاحب الكشك، بنظرة نارية، وهي تمد يدها في جيبها، وتلتقط الموبايل وقالت: "أنت تقصد الموبايل ده يا حاج؟ وفي لمح البصر، قذفت ريم بالهاتف في وسط أعواد الحطب المشتعلة. ليتحول إلى كتلة من اللهب، في أقل من لحظة واحدة.

زمجر صاحب الكشك بصوت غاضب، وقال بحسرة: "ليه كده بس يا ست هانم؟ ده أنا لسه شاري الموبايل ده وعليه أقساط." ردت ريم بصوت حاد: "أنت تحمد ربنا إنها جت على قد كده. أنا لو عليا كنت هارميك في النار دي بدل الموبايل." تدخل ناصر بصوت أكثر حدة وقال: "هو الحيوان ده عملك حاجة؟ ردت ريم بصوت هادئ: "لا يا بابا معملش حاجة. بس ارجوك خلينا نمشي حالا من المكان ده. أنا أعصابي مش مستحملة." انسحب صاحب الكشك في هدوء.

بينما استقل رجال الشرطة سياراتهم، وقد تصاعد الدخان من رأس هشام الذي يكاد أن يموت غيظًا، وظل يردد: "هي العالم دي فاهمة إننا شغالين في السيرك القومي؟ ربنا يتوب علينا من الخدمة في البيوت! كان هشام يتمنى انتزاع ريم من شعرها، وقذفها في إحدى سيارة الشرطة، لتقضي ليلتها في جحيم زنزانة القسم. إلا أن نفوذ والدها الواسع، حال بينه وبين تحقيق مبتغاه. أما ناصر فقد ضم ابنته تحت ذراعه، وانطلق بهما عم إبراهيم عائدين إلى المنزل.

وطوال الطريق، كانت ريم تبكي في صمت، بينما ناصر يحاول أن يفهم منها ما جرى دون جدوى. كان جسد ريم بين أحضان أبيها، بينما كان قلبها وعقلها لا يزالان في تلك الغرفة الصغيرة، حيث يرقد أدهم بين الحياة والموت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...