بعد انتهاء حفل الزفاف، كان عدنان جالسًا في غرفته شارداً. تذكر "قدرت"، والد باران، وكيف كانت علاقتهما كأنهما إخوة. تذكر أيضاً الطريقة التي رحل بها، فاغرقت عيناه بالدموع. مرت في ذهنه تفاصيل كثيرة، منها لقاؤهم بصادق وحديثه عن رغبته في أن يكون شريكاً لهم، ومن بعدها تفاجأوا بدخوله إلى السجن. ما زال شارداً حتى تذكر الاتصال الذي وصله منذ أيام. "فلاش باك" كان يجلس بمكتبه حين وصله اتصال من رقم مجهول. "ألو، سيد عدنان...
نريد منك أن تكمل ما تركه شريكك ناقصاً قبل وفاته؛ كان بيننا اتفاق. طلبنا منه استئجار أحد مخازنكم لتخزين بعض بضائعنا، وأن يساعدنا بإخراجها من الجمارك نظراً لصيتكما الجيد وسمعتكما النظيفة... لكن قبل أن يتم أي شيء، وقع الحادث. والآن، بضائعنا ما زالت في مخازنكم، ونريدها، ونريد منك أيضاً أن تساعدنا بإخراجها. ولكن... اسمع جيداً، لا نريد أي غدر. سبق وتواصلنا مع باران، لكنه أخبر الشرطة! "باااااااك"
بدأ عدنان يربط الأحداث ببعضها. والآن، تأكد أن تلك البضائع تعود لصادق، وأنه بسبب وجوده في السجن، صمت رجاله طيلة هذه الفترة. لكن عندما علموا أن باران يتعاون مع الشرطة للإيقاع بهم، قرروا التواصل مع عدنان طلباً للمساعدة. وهنا، اتضح له أن لهؤلاء يد في قتل قدرت. كما تأكد أن وراء تلك البضائع شيء خطير. لكن الحيرة التي سيطرت عليه الآن كانت: أين يقع ذلك المخزن الذي تحدثوا عنه؟ هو نفسه لا يعلم شيئاً عن مكانه.
فكر في إخبار باران، لكنه تراجع وقال في نفسه: ليس الآن. _بعد أن صعد باران بعروسه إلى غرفتهم، التي كانت مزينة بذوق رفيع يليق بليلتهم الأولى. تأملت ديلان تفاصيل المكان بدهشة وهمست: كم هي جميلة الغرفة! ابتسم باران وقال: نعم، يبدو أن خالتي وأمي اهتمتا كثيراً بتحضيرها، وحتى أعدوا لنا عشاء مميز... ثم تابع بابتسامة دافئة: ما رأيك أن نتناوله معاً؟ أومأت ديلان برأسها بخجل: تمام.
جلسا معاً على الطاولة الصغيرة، يتبادلان النظرات بين حين وآخر، في صمت مليء بالمشاعر. ثم قالت ديلان بابتسامة: كان يوماً رائعاً، لا يُنسى. أجابها باران وهو يتأمل ملامحها: سعادك هذه هي ما جعلت اليوم أجمل. أطرقت ديلان برأسها خجلاً، ثم قالت: الجميع كان سعيداً من أجلنا، رأيتِ والدتك؟ كم بكت من شدة سعادتها! صمت باران للحظة، وكأن ذكرى ما خطفت قلبه. ثم قال بنبرة دافئة: نعم، كانت تنتظر هذا اليوم منذ زمن طويل.
وبعد أن أنهيا عشائهما، نهضت ديلان قائلة: سأبدل ملابسي. أومأ لها باران بهدوء، فنهضت وتوجهت إلى الحمام. _وبعد دقائق خرجت. كان هو يقف أمام النافذة، وقد بدل ملابسه أيضاً في غرفة الملابس. التفت تلقائياً نحو خطواتها التي كسرت صمت الغرفة، فوقف مكانه يتأملها، مذهولاً. كانت ترتدي منامة حريرية بلون الروز، ناعمة وقصيرة تصل لما فوق الركبة، وخصلات شعرها منسدلة بأناقة وهدوء، لتكمل إطلالتها الأنثوية الساحرة.
ظهرت أمامه وكأنها حلم يتجسد. اقترب منها بخطوات بطيئة دون أن يشعر، أمسك يدها برفق، لتقابله بعينين دامعتين. جزع قلبه لحالتها، فهتف بهمسة دافئة: لما الدموع الآن؟ أجابت بهمس حنون: لأني حتى الآن لا أصدق أننا وصلنا إلى هذه اللحظة. أسند جبينه بخاصتها، وقال: لا تبكي، لقد أصبحنا معاً، انظري، أنا هنا معك الآن. ابتسمت واقتربت منه أكثر، لتطبع قبلة خفيفة على خده، زادته ارتباكاً واشتياقاً. فقد رأى لمعة الحب تومض بعينيها. وضعت كفها
الصغير فوق صدره وهمست: أوعدني يا باران، أنك ستكون دائماً لي ومعي. ضم خصرها برفق بين ذراعيه، وقال بحنو: أعدك... سأبقى بجانبك دائماً، وسأفعل المستحيل لنبقى هكذا للأبد. كانت حنونة معه للغاية. لفت ذراعيها حول عنقه، واقتربت منه وهي تهمس بجانب شفتيه بكلمات دافئة تخبره فيها كم تعشقه. تنهد باران، واقترب منها أكثر حتى كادت المسافة بينهما أن تتلاشى.
سحبها برفق إلى صدره، فسقطت بين ذراعيه، لتجد نفسها تحت سطوة قبلاته، واحدة تلو الأخرى. عنقها، وجنتيها، عينيها، ثم عاد إلى شفتيها مجدداً. وكانت في كل لمسة وهمسة، يحتويها حضوره، وتسكن بين كفيه، لا تقوى على المقاومة. ضمته بقوة وكأنها تتشبث به خشية أن تتخاذل قدماها وتوشك على السقوط من بين ذراعيه.
شعر بانهيارها بين يديه، فحملها برفق وتوجه بها نحو فراشهما. يُمعن النظر فيها بعيون ذائبة، تملؤها اللهفة والشوق. لكنها لم تجعله ينتظر طويلاً، ولم يجعلها هو تنتظر أيضاً. ضمها إليه، وأمطرها بحنانه مطمئناً. يخبرها دون كلمات: أنتِ معي، وأنا لكِ وحدكِ. قلبه يبوح لها أنها الوحيدة القادرة على ترويضه، وأنها الملاذ الذي وهب له السكينة والحياة.
كانت تهمس له بحبها، ويهمس لها بعبارات تُقال لها لأول مرة. كلمات لم تعرفها من قبل، لكنها شعرت بها تلامس روحها وتوقظ فيها كل مشاعر الأمان. احمرت وجنتاها خجلاً، ونظرت إليه نظرة يغمرها الحياء والعاطفة. عيناها تغمرهما الحب، ودقات قلبها المتسارعة تناجيه: ابق... لا تفترق عني أبداً. أما هو... فقد ذاب في حالتها، في عذوبتها، في أنوثتها الهادئة. حتى كاد أن يفقد صوابه من شدة انجذابه لها. وأخيراً...
تم الوصال. واكتملت الليلة الأولى بحب صادق ووعد أبدي. _في الصباح، أفاقت ديلان على دفء النهار الذي تسلل لغرفتهم ليغمر وجهها برقة. فتحت عينيها على مشهد لم تعهده من قبل. باران نائم إلى جوارها، ملامحه الهادئة تبعث في قلبها سكينة لا توصف. تنهدت برقة، وأسندت رأسها على كفها، تراقبه بعينين يغمرهما العشق.
تذكرت ليلتهم الأولى التي كانت بالنسبة لها كأنها من قصص الخيال. تذكرت كيف كان باران معها بكل الهيبة التي تعودت أن تراها فيه. كيف تخلى عن شموخه للحظة واحدة فقط ليشاركها لحظات الجنون والحب. تذكرت كيف احتضنها، كيف نظر في عينيها، وكيف ابتسم من قلبه كما لم تراه من قبل. مالت بهدوء وقبلت وجنته قبلة خفيفة. لكنها كانت كافية لتوقظه. فتح عينيه ونظر لها بنعاس ليهمس: صباح الخير. ابتسمت وردت بخجل: صباح الخير لك أيضاً.
نظر إليها بقلق وسأل: هل أنتِ بخير؟ أطرقت برأسها خجلاً وهمست: بخير. اعتدل في جلسته وحدق بها ثم قال: ديلان، أريد أن أطلب منكِ شيء!! ردت سريعاً: بالطبع يا حبيبي… قل لي، ما الأمر؟ تنهد بتثاقل وقال بنبرة حزينة: لا أريد أن نذهب إلى شهر العسل الآن... سنؤجل قليلاً، وسنلغي الحجز الذي قام به والدك… أعلم أن طلبي هذا قد يزعجك. صمتت لثوان، ثم وضعت يدها على لحيته ونظرت له بحنو قائلة:
تمام، مثلما تريد… يكفيني أنك معي، ولا أريد شيء آخر. ابتسم وهمس: سأعوضك عنها قريباً، أعدك... ثم تابع: والآن، هيا بنا... بالتأكيد الجميع ينتظروننا على الفطور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!