طرقت ديلان باب المكتب، فجاءها صوته يأذن لها بالدخول. تقدمت نحو باران، وما إن اقتربت حتى ارتمت بذراعيه هامسة بشوق: اشتقت لكَ. أحاطها باران بهدوء ووضع يده على ظهرها برفق، ثم رد قائلًا: مرحبًا، كيف كان يومكِ؟ نظرت إليه، وأجابت بابتسامة: مر بشكل جيد.
فجأة، رن هاتفه، فقطع اللحظة القصيرة بينهما. أمسكه وأجاب بانشغال، فيما نظرت إليه ديلان بصمت. كانت تتمنى منه اهتمامًا أكثر، كلمة دافئة، أو نظرة تشعرها بلهفته كما تشعر هي، لكن جفاءه خذل قلبها، فاستدارت بهدوء متجهة نحو الباب. وقبل أن تمسك المقبض، هتف باسمها: ديلان. التفتت إليه، فقال: هل أعددتِ لي قهوتي؟ ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها، وأجابت بهدوء: سأفعلها حالًا.
كانت ديلان بالمطبخ تعد فنجان القهوة لباران، حين دخلت أيتن لتجدها شاردة، تحدق في اللا شيء وعقلها بعيدًا. اقتربت منها وهمست: ديلان، انتبهي! كادت القهوة أن تغلي. أفاقت ديلان من شرودها بسرعة وأغلقت الموقد، وسكبت القهوة في الفنجان استعدادًا لأخذها إليه، لكن أيتن أوقفتها. نظرت إليها باستفهام وقالت: ما بكِ يا ابنتي؟ هل قال لكِ باران شيئًا أزعجك؟ أجابت ديلان بنبرة حزينة:
لا، لم يقل شيئًا، لكن أريد أن أسألك للمرة الأخيرة. هل أخبرتِ باران عن مشاعري تجاهه؟ عن أنني أحبه؟ خفضت أيتن عينيها ولم تتكلم، وكان ذلك كافيًا ليؤكد لديلان ما كانت تخشاه. تنهدت بأسى، وعيناها تلمعان بالدموع، قالت بصوت مكسور: لماذا يا خالتي؟ لقد رجوتك أن يبقى هذا السر بيننا. ردت أيتن بحنو:
لم أقصد أن أؤذيكِ يا ديلان، فقط أردت أن يجمع الله بينكما، أردته أن يعلم بحبكِ، حتى لا يترككِ لغيره، حتى لا تخسريه أمام رجل لا تحبينه. أطرقت ديلان رأسها، ودموعها تسيل بصمت موجع قائلة: وأنا كنت أريد ذلك أيضًا، لكن كنت أريده أن يحبني لأنه يشعر بي، لأنه يفتقدني حين أغيب، وليس لأنه علم من أحد أنني أحبه. كنتُ أريده أن يأتي إلي من تلقاء نفسه، لا بدافع الشفقة، ولا لحمايتي من زواج لا أريده. ثم تمتمت وهي تغالب بكاءها:
أردت فقط أن أشعر باشتياقه، بلهفته، وأن أكون له كما هو لي. أخذت أيتن فنجان القهوة من يد ديلان برفق ووضعته جانبًا، ثم أمسكت يديها وقالت: ديلان، هذه المرة لن أحدثك كخالتك أو صديقتك المقربة، بل كأم ترى فيكِ الأمل لابنها. نظرت إليها ديلان بدهشة، فتابعت أيتن:
أنتِ تعلمين باران منذ نعومة أظفارك، كنتِ شاهدة على كل ما مر به، منذ وفاة والده، وكيف تبدل فجأة من طفل إلى رجل يحمل فوق كتفيه ما لا يُحتمل. تعلمين كم هو منغلق على ذاته، لا يفكر بنفسه أبدًا، لا يبوح ولا يتكئ على أحد. صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أم موجوعة:
لذلك، لم أطلب منكِ شيئًا كثيرًا، فقط أن تتحمليه، أن تصبري عليه. وأنا واثقة أن تعافيه لن يكون إلا على يديكِ أنتِ. أما ما حدث مع ابن السيد صفوت، فقد رأيتِ بنفسك كيف لم يتحمل مجرد فكرة أن تكوني لغيره. قطع الأمر قبل أن يُفتح، وطلبك للزواج بنفسه. ثم ابتسمت برقة وقالت: أتذكرين عندما سألتِني إن كنتُ أخبرته؟ نعم، قلت له، لكنه لم يعلق بكلمة واحدة، حتى ظننت أنه غير مهتم، لكن ما فعله فاجأني كما فاجأكِ تمامًا. ثم وضعت
يدها على قلب ديلان وتابعت: امنحيه الوقت، فكل شيء بينكما لا يزال في بدايته. وسيأتي اليوم الذي ترين فيه ثمرة صبرك، حبًا لا يشبه سواه. هدأت ديلان، وأخفضت رأسها ثم تمتمت بحماس: سأنتظر، وسأحارب من أجل هذا الحب؛ لأن باران يستحق ذلك. عانقتها أيتن بحنان وامتنان، ثم طبعت قبلة على وجنتها وقالت: هيا، خذي له القهوة قبل أن تبرد.
دخلت ديلان إلى المكتب بهدوء، وضعت فنجان القهوة أمامه دون أن تنطق بكلمة، ثم استدارت لتخرج. رفع باران عينيه نحوها مندهشًا، وناداها: ديلان؛ إلى أين تذهبين؟ ديلان: سأخرج للحديقة مع مراد وخالتي. قالتها بنبرة خفيفة دون أن تلتفت كاملة. نهض باران واقترب منها بخطواته، نظر إليها قائلًا: ما بكِ؟ هل حدث شيء؟ ديلان: لا، فقط تبدو مشغولًا. نظر لها بتمعن ثم قال:
كنتِ في السابق تلاحقينني حتى وأنا مشغول، تعبثين حولي كطفلة لا تمل، ما الذي تغير الآن؟ ابتسمت ديلان برقة وسألته بنبرة مرحة: طفلة، أنا؟ رد بابتسامة ماكرة: وهل لديكِ شك في ذلك؟ ابتسمت ديلان وتبادلت معه نظرة دافئة، قبل أن يقاطع لحظتهما دخول والدتها ليلى إلى المكتب. ليلى: مرحبًا. باران: أهلًا بكِ يا خالتي. ديلان: أتيتِ يا أمي؟ ليلى:
نعم، هناك العديد من المستلزمات التي تنقصنا لحفل الخطبة، سأذهب أنا وخالتك للسوق، هل ترغبين بمرافقتنا؟ ديلان: حسنًا، سآتي معكما. وقبل أن تهم بالخروج، أمسك باران بذراعها برفق وقال: إن كنتِ بحاجة لأي شيء، أخبريهم ليجلبوه لكِ، لا داعي لأن تذهبي. نظرت ديلان إليه بدهشة، لم تفهم كلماته! هل هذه رغبة صريحة في بقائها إلى جواره، لكنها شعرت بدفء لم يُعبر عنه بالكلمات. أما ليلى، فلاحظت ذلك الصمت الصغير بينهما،
فابتسمت وقالت بمزاح خفيف: تمام، سأذهب أنا وخالتك وسأترك لك "فجر" هو مع مراد في غرفته، انتبهي عليه. خرجت ليلى، فالتفتت ديلان نحو باران وقالت بنبرة ترجوه فيها: باران، أريد الذهاب معهما، دعني أخرج. نظر إليها مبتسمًا وقال وهو يمسك يدها: وأنا أريد أن تبقي لنختار خاتم الخطبة معًا. تغيرت ملامحها، وابتسمت بسعادة: حقًا؟! باران: نعم، هيا تعالي. جلسا معًا، وفتح باران الحاسوب قائلًا: أعجبني أكثر من تصميم، هيا ألقي نظرة.
أخذت ديلان تتأمل الصور باندهاش قائلة: جميعها رائعة! باران: صحيح، لكن عليكِ أن تختاري واحدًا فقط. رمقته ديلان بنظرة مملوءة بالحب وقالت: نعم، لأنه لا يوجد سوى "باران" واحد فقط. شعر باران بقشعريرة في جسده من وقع كلماتها، نظر في عينيها لثوانٍ، ثم تمتم بصوت خافض: هيا اختاري. توجهت بعينيها إلى الشاشة مجددًا، وأشارت إلى أحد التصاميم قائلة: هذا، لقد وقع اختياري عليه. نظر إليه باران وابتسم:
اختيار موفق، إنه جميل جدًا. والآن، سأريكِ ما اخترته أنا لنفسي. عرض لها التصميم، فابتسمت ديلان قائلة: رائع أيضًا. رد قائلًا: إن رغبتِ، يمكننا تغييره. لكن ديلان شعرت حينها بتناقض داخلي، لم تفهم باران تمامًا. تارة يقترب منها باهتمام، وتارة يبدو باردًا وصامتًا. ومع ذلك، ابتسمت له بحنان وقالت: لا، إنه جميل ويشبهك، وسيليق بك كثيرًا. اقترب منها أكثر، وكأن شيئًا يجول في خاطره، همس وهو ممسك بيدها: ديلان، أنا...
لكن قبل أن يكمل، دخل فجر مهرولًا وهو يهتف: ديلان، أنا جائع! قبلت ديلان أخاها الصغير وقالت بابتسامة: تمام، هيا لأطعمك. نظرت لباران برقة وأضافت: إن أردت شيئًا، فقط اطلبه. هز رأسه لها مبتسمًا، وهو يداعب أنف "فجر". نهضت ديلان مع أخيها، وظلت كلمته المبتورة عالقة في صدرها! "ديلان، أنا... " كلمة ناقصة، لكنها أثقلت قلبها أكثر من اعتراف كامل. هل كان سيقول ما انتظرته طويلًا؟ أم أن صمته كعادته سيبقى سيد الموقف؟
تنهدت وأقنعت نفسها أن الانتظار صار جزءًا من حبها له. أما باران فاتصل بمحل الصائغ وطلب الخواتم التي اختاراها معًا. في المساء، جلست ديلان مع والدتها وخالتها تتفقد ما جلبنه من السوق. نظرت أيتن إلى ديلان وقالت بابتسامة: ستكونين أجمل عروس يا ديلان. وأضافت ليلى: نعم، ستكون كالأميرات صغيرتي. خجلت ديلان وقالت: لا تبالغوا! قالت أيتن مداعبة: نحن لا نبالغ، هذه الحقيقة يا كنتي الجميلة. ضحكت ديلان بدهشة: كنتي؟! قالت أيتن بحنان:
نعم، كنتي وابنتي وحبيبتي. أمسكت أيتن بهاتفها ودوت الموسيقى منه أرجاء القصر، ثم طلبت من ديلان أن ترقص. خجلت ديلان قائلة: خالتي، لا يمكن هنا، قد يأتي أحد. طمأنتها قائلة: لن يأتي أحد، فوالدك وباران في اجتماع، ولن يعودوا الآن. هيا، لنرقص معًا. نهضت ديلان وخالتها يتراقصان قليلًا معًا، ثم جلست أيتن بجانب أختها، وصفقا لديلان وهي تتمايل وترقص على أنغام الموسيقى. كانت تضحك وتمرح بسعادة، وكأن قلبها يكاد ينبض خارج صدرها.
وحينها دخل باران إلى الغرفة، ولما رأى ديلان تسمر في مكانه. لم يرى ديلان يومًا هكذا! خفيفة، ضاحكة، تتحرك كنسمة دافئة. شعر بشيء غريب يضغط على صدره، إحساس لم يعرف له اسم، وكأنها تسللت إلى أعماقه دون استئذان. اقترب منها بخطوات هادئة، وعندما لاحظت هي وجوده، شهقت وجلست بجانب والدتها. أطرقت رأسها خجلًا، وضحكت أيتن وليلى من حالتها. نظر باران إلى خالته وقال: عمي عدنان لديه عمل وسيبقى في المكتب حتى وقت متأخر. ردت ليلى:
تمام يا بني، نحن سنذهب الآن. ثم نظرت إلى ديلان وقالت: ديلان، ساعدي فجر في ارتداء جاكيته. ردت ديلان وهي لا تزال تميل برأسها: تمام. نهضت مسرعة دون أن تلتفت إلى وجه باران من شدة خجلها. ابتسم باران خلفها، ثم نظر إلى ليلى وقال: وأنا سأوصلكم. ردت ليلى: سلمت يا بني، معنا السائق بالسيارة. قال باران: تمام، انتبهوا لحالكم. بعد مرور ثلاثة أيام (يوم الخطبة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!