الفصل 1 | من 16 فصل

رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
35
كلمة
5,611
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

حياة و بدر أولادهم: يوسف، مروان، عشق، وعاصم توأم. آدم وزينة أولادهم: ياسين، صافي. أوس ومهرة أولادهم: مالك، حمزة، ليلى. ريان وندا أولادهم: ليلة، زياد. أمير وفرح: جوان وجوري توأم، آدم. إلياس ونسرين: سيدرا ويونس توأم. عمر وسارة: جومانا بنت عمر من مراته الأولى، ريماس، علي.

ربما في تقارب الملامح لكن الشخصية مختلفتان كل الاختلاف. إحداهما هادئة، عواطفها هي من تتحكم بكل تصرفاتها. أما الأخرى جريئة لأبعد حد، هي والغرور وجهان لعملة واحدة. متمردة، لا مكان للعواطف بحياتها. إنهما "جوري وجوان أمير العمري". كانت تقف على تلك المنصة الكبيرة، أمامها حشد كبير من المعجبين يصفقون ويهللون باسمها. وهي تنظر أمامها بثقة وفخر بما وصلت إليه.

بدأت بالغناء بصوتها العذب الذي اكتسبته من والدها هي وشقيقتها جوري، لكن الأخرى لم يكن لديها شغف بالغناء مثلها. كانت جميع أغانيها مجنونة كشخصيتها تمامًا. بعد وقت طويل قضته بالغناء والرقص بحركات جريئة، غادرت الحفل مودعة الجميع، وخلفها الحراس الذين اصطحبوها للفيلا.

على الناحية الأخرى، كان والدها يشاهد الحفل الذي يتم تصويره بواسطة بث مباشر على أحد مواقع التواصل الاجتماعي بعدم رضى وضيق من ابنته الطائشة والمتمردة التي لا تستمع لأحد. جلست فرح بجانبه تسأله بقلق: مالك يا حبيبي متضايق ليه؟ أجابها بضيق وحدة: من عمايل بنتك يا فرح. تنهدت بحزن قائلة بضيق هي الأخرى: عملت إيه تاني؟ زفر بضيق قائلاً: قولي معملتش إيه. كل اللي بتعمله غلط، انتي اللي حيشاني عنها لحد دلوقتي. أجابته بحزن:

طب قولي انت إيه العمل يا أمير. أنا مش عايزة نستخدم معاها أسلوب يخليها تكرهنا. جوان أصلاً عنيدة، يعني لو قلت لأ على حاجة هتعند وخلاص. زفر بضيق قائلاً بحدة: الهانم واقفة تغني وتترقص بجسمها قدام الكل. لأ إيه كمان حضرتها لابسة... لأ الأدق مش لابسة.

دخلت بتلك اللحظة جوان وهي تضحك بمرح. ما إن رأت والديها من ملامح وجههم علمت أنها ستدخل معهم بشجار كالعادة، لذا ألقت السلام عليهم سريعًا ثم صعدت لأعلى، فهي بمزاج رايق لا تريد تعكيره بشجار. لكن يبدو أن ما هربت منه بالأسفل وجدته بغرفتها! إنها شقيقتها التي ما إن دخلت للغرفة التي يتقاسموها سويًا منذ الصغر، قالت بعتاب: إيه اللي عملتيه ده يا جوان؟ اقتربت من شقيقتها مقبلة وجنتها قائلة برجاء:

جوري حبيبتي، أنا جاية ومودي حلو أوي. لو عندك أي محاضرات أو نصايح ممكن نأجلها لبكرة. لم تصمت جوري ولم تلبي رغبتها قائلة: مودك حلو، فرحانة بالحفلة والغنا والرقص واللبس العريان وتشجيع لكِ من ناس تافهة. زفرت جوان بضيق لتتابع الأخرى بحدة وهي تنظر بقرف لثوبها القصير الذي يصل فوق ركبتيها، كاشفًا عن ساقها الممشوقة وحمالاته الرفيعة جدًا:

مش هقولك كلام الناس وبابا وماما، بس انتي عارفة شيلتي ذنوب قد إيه من ورا الحفلة دي اللي مخليا مودك حلو. عارفة برقصك وإنتي بتغني ولبسك عريان أثرتي كام شهوة واحد ناحيتك. كل كلمة غنيتيها كام واحد سمعها، وكل واحد أو واحدة بيسمعوها بتاخدي ذنوب قد إيه. جوان بضيق: أنا بعمل الحاجة اللي بحبها وبتخليني مبسوطة. جوري بضيق وحدة: المعصية بتخليكي مبسوطة؟ بتحسي بلذة وسعادة؟ إنتي بتعملي معصية.

زفرت جوان بضيق فعلاً. على الرغم من أنها لا تتقبل النقد أو النصيحة من أي شخص كان عدا شقيقتها التي تتقبل منها كل نصيحة بصدر رحب، لكن بذلك الموضوع تكره النقاش معها ومع أي شخص، فببساطة لا أحد يقدر ما تحب وترغب! دخلت للمرحاض بعدما أخذت ثيابها و تركت جوري تنظر لأثرها بحزن، مرددة بدعاء لها بداخلها: اللهم اصرف عنها لذة معصيتك وارزقها لذة طاعتك، أهديها يا رب.

خرجت جوان من المرحاض بعد وقفت ثم تسطحت على الفراش، تعطي ظهرها لشقيقتها وغفت على الفور من التعب والمجهود الذي بذلته طوال ساعات. في صباح يوم جديد. لم تكن تحلم بأروع من هكذا حياة. منزل جميل هادئ يسوده الدفء، أطفالها حولها أصبحوا الآن شباب، زوجها بجانبها يغرقها في بحور عشقه اللامتناهي لها. عيناه كانت ولا تزال تبعث الدفء وشعور الأمان بقلبها، وتشعر كلما نظر إليها أنها المرأة الأجمل على الإطلاق.

كل تلك السعادة لم يعكر صفوها سوى ابنها الأكبر يوسف. كانت تساعد الخدم في تجهيز طعام الإفطار قبل نزول الجميع. هي انتهت من تجهيزه وترتيبه على مائدة الطعام، ليبدأ الجميع بالنزول واحدًا تلو الآخر، حتى جاء بدر الذي لا يزال يحتفظ بوسامته. بل ازدادت، خاصة بتخلل بعض الخصلات البيضاء بين خصلات شعره البني ولحيته، لتزيده وقارًا وهيبة أكثر مما كان عليها. اقترب منها طابعًا قبلة على وجنتها وجبينها قائلاً بحب ومشاكسة:

صباح الجمال يا صغنن. ضحكت بخفوت. ها هو يقول نفس الجملة كل صباح كعادته. أصبحت كبيرة بالعمر ولا يزال يناديها بالصغيرة. أجابته بابتسامة: صباح النور. نظر حوله ثم سألها: فين عيالك؟ مش عاملين هيصة ع الصبح زي كل يوم يعني؟ القيامة قامت ولا إيه؟ ضحكت ثم قالت بلهفة: عشق بتجهز وهتنزل، ومروان راجع من السفر النهارده، وعاصم راح يستقبلها. طلق تنهيدة مليئة بالألم وانفلت لسانه قائلاً بما يشعر:

عقبال يوسف لما يرجع هو كمان. وحشني أوي يا حياة. آه زعلان منه وغلط، بس واحشني. تنهدت بحزن هي الأخرى قائلة: أنا كمان واحشني أوي. شرد بدر بما حدث قبل سنوات قليلة مرددًا بخذلان: أنا مغلطتش معاه يا حياة، ولا حتى انتي. هو اللي اختار يبعد واختار يخسرنا كلنا. ده حتى مسألش، فضل يتهم فينا وبس. ابني المفروض يكون مع أبوه مش ضده. ابننا كبرنا وفي الآخر بقى مع الغريب علينا. ابني بدل ما يصدقنا...

صمت ولم يقدر على تكملة حديثه. جلست على قدمه قائلة بأعين دامعة وابتسامة زائفة: مصيره يوم يعرف الحقيقة يا بدر ويرجع. تنهد بحزن وصمت. لتقول هي بتردد خشية من غضبه: طب ما نكلمه يا بدر. نفى برأسه قائلاً بصرامة: أنا مغلطتش فيه، هو مشي واستغنى يا حياة. مسافر بقاله سنتين مفكرش حتى يتصل بيا ويعتذر مني ومنك. بيعاقبنا يعني؟ مين فينا الأب؟ مش فاهم أنا ولا هو؟ مين اللي يتصل بمين؟

صمتت بحزن. نعم ابنها فعل الكثير، لكنه يظل ابنها. لاحظ حزنها الشديد فردد مغيراً مجرى الحديث قائلاً بابتسامة صغيرة: المهم الحقيني بفنجان القهوة بتاعي بسرعة والفطار متأخر ع الشغل، وكمان لسه هوصلك شغلك في طريقي. ابتسمت قائلة بحنان أم: لأ أنا إجازة النهارده. ضحك وقد كان متوقعًا ذلك قائلاً: عشان مروان طبعًا. ده هو كله أسبوع يا حياة اللي غابهم عنك. قبل أن ترد عليه جاء صوت صغيرته عشق شبيهة والدتها بكل شيء: صباح النور.

رد الاثنان الصباح، ثم سألتها حياة: إنتي خارجة؟ -آه هروح لجوري. -ليه؟ أجابتها عشق بهدوء: رايحة أشوفها يا مامي، وكنت طالبة منها حاجة هروح آخدها بالمرة. حياة بابتسامة: طب استني وامشي بعد ما تسلمي على أخوكي زمانه على وصول. عشق بابتسامة: هوصل قبله يا مامي متخافيش.

غادرت بهدوء، بعد أن ألقت السلام على الاثنين. بينما حياة أخذت تحضر لبدر ما يريد، وعقلها لا يفكر إلا بتلك الليلة المشؤومة التي خرج بها يوسف ولم يعد، وكانت آخر مرة تراه بها بعد نشوب شجار كبير بينهما وبينه، وكانت نتيجته صفعة قاسية نالها يوسف من والده لأول مرة. كانت تجلس خلف تلك المنضدة الكبيرة التي تحوي على أدوات العمل الخاص بها.

إنها تعشق تصميم الاكسسوارات الخاصة بالديكورات، خاصة بالريزن. تصممها بيدها وتبيعها بمعرضها الذي اكتسب شهرة بوقت سريع. العديد والعديد من الأشياء تتقن صنعها. إنها تعشق هوايتها تلك أكثر من مجال دراستها الذي للآن لم تعمل به، فقط أخذت شهادتها واكتفت بها، ومارست عملها في هوايتها التي تعشقها. لكن رغم كل ذلك النجاح وتواجدها وسط عائلة رائعة مثل عائلتها، إلا أنها لا تشعر بالسعادة. وكيف تشعر بها وهي فقدتها منذ سنوات على يده؟

لقد ربطت سعادتها به. هذا أكبر خطأ فعلته، إنها ربطت سعادتها بشيء! كانت تنظر للفراغ بشرود وحزن، غافلة عن ذلك الذي يقف خارج المعرض الذي كانت واجهته مصنوعة من الزجاج الشفاف، يراقبها بندم... اشتياق... حزن. تمالك نفسه بصعوبة حتى لا يركض إليها يجذبها إليه في عناق ساحق، لعله يروي به اشتياقه الكبير لها. لكن بأي عين سيواجهها؟

نظر لباقة الورد التي بيده، ثم لها، مخرجًا قلماً من جيب سترته وكارت صغير خط عليه بعض الكلمات، ثم أوقف أحد المارين طالبًا منه أن يدخل لها بباقة الورد، واضعًا بيده عدة ورقات مالية، ليوافق الآخر على الفور. أفاقت من شرودها على صوت الفتاة العاملة تتحدث مع الرجل. لحظات ثم غادر. اقتربت منها قائلة باحترام: آنسة جوري، الورد ده لحضرتك. سألتها بتعجب: مين اللي بعته؟ أجابتها بعدم معرفة:

معرفش. سألته قال إن فيه واحد طلب منه يدخل بالورد، بس فيه كارت عليه أكيد مكتوب مين اللي بعته لحضرتك. فتحت جوري الكارت وعيناها تنظر للورد بإعجاب. ورد أحمر، جوري مثل اسمها تمامًا. لكن ما قرأت الكلمات التي على الورقة، تعالت دقات قلبها بصخب. إحساسها يخبرها بأنه هو، لكن كيف؟ "أنا هنا وأنتي هناك، متى تختفي الكاف؟ قربت الكارت من أنفها لتشم رائحة عطره. نعم، تحفظه على ظهر قلب. ولما لا؟ أليست هي من انتقته له قديمًا؟

لكن يبقى السؤال هو أم لا! وإن كان هو، فلماذا عاد من جديد؟ بشركة الجارحي. كان يجوب بعينه على تلك الماثلة أمامه من أعلى لأسفل بنظرات غير بريئة بالمرة، والأخرى غير ممانعة، بل هي أكثر من سعيدة لأنها علمت أنها ستحصل على مبتغاها من نظرات الإعجاب التي تتراقص في عيناه نحوها. لما لا، فهي "شدوى" القادرة على أن تجذب نظرات الرجال نحوها بكل سهولة نظرًا لجمالها الساحر.

ابتسمت بغرور وهي تسمعه يغمغم ببرود لم تقتنع به، حيث لاحظت نظرات الإثارة والرغبة بها تلمع بعيناه: سهر، عرفتك شغلك عبارة عن إيه. أومأت له قائلة برقة مبالغ فيها: آه باشا، متتصورش حضرتك أنا مبسوطة قد إيه عشان هشتغل مع سليم باشا بنفسها. أومأ لها وعيناه لم تحيد النظر عن منحنيات جسدها الذي تعمدت إظهارها من ذلك الفستان الذي يلتصق على جسدها كجلد ثانٍ وكشف عن ساقها البيضاء الممشوقة.

استأذنت منه وغادرت وهي على يقين أنه يتابعها بعيناه من الخلف. فتعمدت السير ببطء وغنج. ما إن أغلقت الباب، لمعت عيناه بمكر لا يقل عن مكرها، بل يفوقها بكثير! يبدو أنها لا تعرف من هو جيدًا. إنه "سليم أدهم الجارحي"، المعنى الحرفي للمكر والدهاء. يصعب معرفة ما يدور بداخل عقله. هادئ، وهذا أكثر ما يميزه، حتى بأصعب الأوقات لا تجد سوى الهدوء مرتسمًا على ملامح وجهه. بعد وقت، دخلت لمكتبه مرة أخرى قائلة بدلال وهي تقترب منه:

مستر سليم، فيه ورق مهم لازم حضرتك تمضيه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة عندما أنهت جملتها، ووضعت خصلات شعرها على جانب واحد، ثم مالت عليه وهي تضع الأوراق أمامه لتحصل على توقيعه، متعمدة بحركتها تلك أن تبرز مفاتن جسدها العلوية أمامه بسخاء. لكن فجأة شهقت بفزع عندما جذبها لتقع على قدميه قائلاً بمكر: قربت أوي جو الإغراء اللي بتعمليه ده. حاولت دفعه قائلة باعتراض زائف: سليم بيه، من فضلك عيب كده.

ابتسمت بزاوية شفتيه قائلاً وهو يمرر يده على ساقها المكشوف أمامه: ما تخليكي معايا، ضهري وبلاش لف ودوران. أنا عارف وإنتي عارفة آخرة اللي بتعمليه ده إيه. -جواز! ضحك قائلاً بسخرية: مكنتش أعرف إن الجمال ده وراه الغباء ده. صحيح الحلو ميكملش. اغتاظت من إهانته، لكنها تغاضت عن الرد قائلة بدلال وهي تحرر أزرار قميصه وتمرر يدها على صدره العاري بإثارة: يعني عجبتك؟ أمسك فكها بين يديه بعنف، يهوي قائلاً: هتجوزك! توسعت

عيناها بصدمة قائلة بسعادة: بجد هتجوزني؟ خابت كل آمالها عندما قال ببرود: عرفي. ثم تابع بصرامة: بلاش نلف وندور على بعض. أنا بجيب من الآخر. إنتي عجبتيني وأنا عايزك، وإنتي كمان نفس الكلام مش كده؟ سألته باحباط: طب ليه متخليش الجواز رسمي؟ زفر بضيق قائلاً بصرامة:

عشان أنا عايز كده. ومش أنا اللي أعمل علاقة مع واحدة في الحرام، عشان كده بقولك جواز عرفي. نقضي كام يوم ولما نزهق هطلقك. يكون في معلومك حد يشم خبر عن الموضوع ده اعتبري نفسك من الأموات، فاهمة؟ -فاهمة. لقد وافقت بدون تردد. حمقاء من ترفض هكذا فرصة. سليم الجارحي بنفسه سيتزوجها. صحيح أنه زواج عرفي، لكن لا يهم، المهم أنه قد سهل مهمتها! أعلنت شركة مصر للطيران عن وصول الطائرة القادمة من دولة "المكسيك".

بعد وقت، كان يخرج من صالة المطار شاب، أقل ما يقال عنه أنه وسيم، خطف الأنظار من حوله، لكنه كعادته لا يبالي بأي أحد! كان ينظر للمكان حوله بفضول، لم يسبق له أن جاء لمصر من قبل، حتى لم يزرها من الأساس. ابتسم تلقائيًا وبدون سبب لذلك الشعور الذي انتابه الآن تحديدًا، وهو أن مجيئه لهنا لن يكون مجرد زيارة عابرة فقط، بل يراوده شعور أنه سيعيش مغامرة جديدة كليًا لم يسبق له أن عاشها!

اقترب منه ذراع والده الأيمن "سلطان" يأخذ منه الحقائب، يضعها بحقيبة السيارة بعد أن رحب به بحرارة مرددًا: أياد باشا نورت مصر كلها. والد سيادتك عنده اجتماع مهم جدًا، مقدرش يأجله، وبيبلغ معاليك تنتظره في البيت، وهو ساعة بالكتير وهيكون عندك. أومأ له بهدوء وصعد للسيارة، يجلس بالخلف يشاهد الشوارع من حوله بوجه خالٍ من التعبيرات، بينما سلطان يجلس بالخلف يراقبه خلسة. -سلطان. رد عليه سلطان على الفور: تحت أمرك يا باشا. ردد

أياد بهدوء دون النظر إليه: هشام ابن عمي موجود فين دلوقتي؟ خدني عنده. نفذ سلطان ما قاله على الفور بعدما أجرى اتصالاً يعرف منه أين مكان "هشام"، الذي ما إن رأى أياد اقترب منه معانقًا إياه قائلاً بابتسامة: نورت مصر يا ابن عمي. رد عليه الآخر ببرود: عارف. ابتسم هشام ولم يعقب، ليسأله أياد: فين عمي؟ هشام ببرود وهو يجلس بجانبه: مع أبوك في الشركة. أياد ببرود: طب إنت مش هناك ليه؟ هشام بسخرية:

إنت أولى بالسؤال ده. المفروض إنك ابن صاحب الشركة، أنا وأبويا حيالله شغالين عندكم بمرتب. أياد بسخرية وملل من ابن عمه الذي لا يمل من هذا الحديث الذي يعرف أنه غير صحيح بالمرة، هو فقط يفعل ذلك ليحصل على عطف وشفقة الآخرين: ما تعيشش في الدور يا هشام. لو إنت وأبوك مجرد موظفين بمرتب زي ما بتقول، مكنتش هتركب عربية زي اللي راكنها بره، ولا كل شهر هتسافر بلد شكل وتصرف الفلوس ع الحشيش. مرتب إيه اللي يخليك تعمل كل ده؟

صمت هشام ولم يجيب، ليسأله أياد: هتسهر فين انهاردة؟ هشام بسخرية وهو يدخن سيجارته: جاي حامي إنت أو... أخذ أياد منه السيجارة يدخن قائلاً بغمزة وقحة: عندي فضول أجرب. فهم هشام ما يرمي إليه ابن عمه. يريد أن يقضي ليلة ماجنة مع شرقية! قبل أن يتحدث، وصلت له رسالة من أحد أصدقائه، سرعان ما ابتسم ولمعت عيناه بمكر قائلاً: جيت في وقتك يا بن عمي!

بينما تلك الصغيرة صاحبة الجسد النحيف، ما إن خطت بقدمها بداخل تلك الفيلا الكبيرة وعيناها لمعت بسعادة تنظر لكل شبر بها بانبهار. إنها "سلمى"، الخادمة الجديدة بفيلا بدر الجارحي عوضًا عن الخادمة التي تركت العمل بسبب زواجها. كانت تسير بجانب كبيرة الخدم بالفيلا، عبير، والتي حدثتها برجاء وجدية: سلمى، ركزي في شغلك يا بنتي، بلاش تسببي لي إحراج مع الست حياة أو أي حد من العيلة. أومأت لها سلمى قائلة بطاعة:

حاضر يا خالتي، متشغليش بالك، هخلي بالي كويس. أومأت لها عبير قائلة بجدية: طب يلا تعالي أعرفك على حياة هانم وأوريكي الأوضة بتاعتك وتستلمي اليونيفورم بتاع الشغل. أومأت لها سلمى بصمت وعادت تتابع المكان من حولها بانبهار وإعجاب، لم يسبق لها أن جاءت لأماكن مثل هذه. ما إن دخلت الصالون الكبير، تفاجأت بسيدة ترتدي ملابس أنيقة تجلس على الأريكة ترتدي نظارة طبية تصب كامل تركيزها على ملف ما بيدها. اقتربت عبير منها قائلة بهدوء:

حياة هانم. رفعت حياة رأسها بابتسامة قائلة: نعم يا عبير. اقتربت عبير منها وهي تدفع سلمى برفق للأمام: دي سلمى اللي قولت لحضرتك عليها عشان الشغل مكان رشا. نظرت حياة لسلمى لتتفاجأ بفتاة ذات جسد ضئيل، ملامحها صغيرة، رغم شحوب وجهها لكنها تبدو جميلة. حياة بتساؤل: إنتي عندك كام سنة يا سلمى؟ سلمى بتوتر: عندي ١٧ سنة يا هانم. حياة بصدمة: دي صغيرة يا عبير، مش هتقدر ع الشغل هنا وهتتعب. سلمى برجاء:

لأ مش هتعب ولا حاجة وهقدر أشتغل، جربيني بس يا هانم ومش هكسر حاجة ولا... قاطعتها حياة قائلة: يا بنتي أنا عاملة عليكي إنتِ، إنتي لسه صغيرة والشغل هيتعبك، وأكيد عندك دراسة. سلمى بحرج وأعين تلمع بالدموع: أنا معايا إعدادية، مش بدرس. شفقت حياة عليها لتدخل عبير قائلة: متخافيش يا هانم، سلمى شاطرة أوي. حياة بهدوء وهي تشير بيدها لطريق المطبخ: ماشي يا سلمى، روحي المطبخ من هنا وعبير هتحصلك. أومأت لها سلمى بتوتر. وما إن غادرت،

نظرت حياة لعبير مرددة: عبير، خلي بالك منها، شكلها لسه صغير، بلاش تشغليها شغل تقيل وعينيكي عليها، شكلها ضعيف خالص. عبير بهدوء: أمرك يا هانم، عن إذنك. غادرت عبير وتوجهت للمطبخ حيث توجد سلمى التي تقف بأحد الزوايا ونظرات باقي الخدم مصوبة عليها. عرفتهم عبير عليها، ثم قادتها لغرفتها المتصلة بغرفة المطبخ، فتلك هي الغرفة الوحيدة الخالية من غرف الخدم.

ثم أعطتها زيها المكون من بنطال أسود وفوقه قميص باللون الأسود ومريول أبيض صغير ملتف حول خصرها وحذاء باللون الأسود. مر وقت طويل ولم يصل أبناؤها من المطار للآن، لذا قررت أن تصعد وترتاح بفراشها قليلاً لحين عودتهم.

مرت ساعة أخرى وتوقفت سيارة عاصم، أصغر أبنائها، أمام باب الفيلا الداخلي ليترجل منها برفقة شقيقه الأكبر "مروان" من كسر القاعدة. فكل أبناء بدر الجارحي اتخذوا نفس مجال والدهم، عكسه هو الذي كان يحلم منذ أن كان صغيراً أن يصبح قبطاناً بحرياً. بحث بعينيه عن والدته بلهفة واشتياق، ظنًا منه أنها ستكون في انتظاره، لكنه لم يجدها. عندما سأل عنها، أجابته عبير بهدوء:

حمد الله ع السلامة يا مروان بيه، حياة هانم انتظرت حضرتك كتير وطلعت ترتاح في أوضتها لحد ما توصلوا. صعد لغرفته مباشرة، مقرراً الاستحمام وتبديل ملابسه، ثم يذهب إلى والدته. بعد وقت، خرج وهو يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة وأخرى تلتف حول خصره وهو يدندن بخفوت. سرعان ما انتفض على صوت صرخات، بحث حوله ليجد فتاة تقف بأحد الأركان تعطيه ظهرها. سألها بغضب وحدة: إنتي مين وإزاي تدخلي كده من غير استئذان؟

أجابته بصوت مختنق بالدموع والخوف، ولا تزال تعطيه ظهرها: مكنتش أعرف إن حضرتك موجود والله، آسفة. بتلك اللحظة دخلت حياة الغرفة، فقد انتفضت من نومها على صوت الصراخ العالي، ومن خلفها عبير: حصل إيه وإيه صوت الصويت ده؟ مروان بضيق: مين دي يا ماما؟ حياة بتعجب من هيئة ابنها وسلمى الباكية: دي سلمى بدأت شغل هنا مكان رشا، إيه اللي حصل؟ فهموني. سلمى بخوف من أن تفقد عملها: مكنتش أعرف والله... آآ... إن حضرته هو... آآ...

أنا كنت داخلة أمسح التراب، البنت اللي تحت قالت لي اطلعي امسحي التراب ولمعي الأوض اللي فوق. حياة بهدوء وشفقة على الفتاة: حصل خير يا سلمى. زفر مروان بضيق وتركهم ودخل لغرفة الملابس، صافعًا الباب خلفه بقوة نوعًا ما، فهو تضايق من هيئته أمامهم هكذا. فانتفضت سلمى على أثر صوت غلق الباب العالي وذهبت لتكمل عملها. بعد وقت، خرج ليجد والدته تجلس على الفراش تنتظره. اقترب منها قائلاً باشتياق: حياتي وحشتيني. ضحكت حياة بخفوت

واحتضنته قائلة بحنان: إنت كمان وحشتني يا حبيبي. دار حديث قصير بينهما لتسأله هي بتردد: شوفت أخوك؟ تنهد مروان قائلاً بحزن: حاولت يا ماما، بس مرضيش يقابلني ولا يرد على تليفوني أصلًا. لم تجد ما تقول، تنهدت بحزن قائلة: ربنا يهديه. هربت على يدها بحزن وضيق وغضب يتفاقم بداخله من شقيقه الأكبر "يوسف"، لما يفعله. في المساء.

كان ينزل الدرج بحماس يبحث بعينيه يمينًا ويسارًا على والده وأشقائه، فقد اشتاق لهم. لكنها لم يجد هم، بل وجد تلك الخادمة التي كانت بغرفته في الصباح، كانت تنظف الأتربة وتعيد تنظيم الغرفة مكان جلوس الجميع قبل قليل. كانت تتعامل مع كل شيء بحذر شديد وخوف، خاصة الكريستال أو التحف. ما إن وصل لنهاية الدرج، حاول أن يتذكر اسمه، لكن فشل. لذا ردد بمرح: بس بس. نظرت للخلف لتقع عيناها عليه، فاخفضتها على الفور بخوف لا يعرف سببه،

قائلة بتوتر: فيه حاجة حضرتك؟ -آه، خدي تعالي. اقتربت منه حتى وقفت أمامه، فسألها بابتسامة: اسمك إيه؟ -سلمى. ابتسم قائلاً: عندك كام سنة؟ -١٧ سنة. -في سنة كام بقى؟ أجابته بحرج وحزن خفي: طلعت من التعليم، معايا إعدادية بس. أومأ لها بصمت ثم قال: متزعليش من أسلوبي معاكي الصبح، أنا بس اتفاجأت أول مرة أشوفك والموقف كمان مكنش لطيف خالص. حركت رأسها بهدوء قائلة بذهول أخفته: حصل خير حضرتك. -ماما والباقيين فين؟ أجابته

وهي تشير لغرفة الطعام: لسه داخلين ع السفرة عشان يتغدوا. أومأ لها قائلاً بابتسامة قبل أن يغادر: إن شاء الله تنبسطي في الشغل هنا يا سلمى. زفرت سلمى براحة، فقد ظنت أنه ربما يتعمد مضايقتها أو يأمر بطردها بسبب ما حدث في الصباح، لكنه خالف ظنونها، فأخذت تحمد الله. بينما بقصر الأدم.

الجميع ملتفون على طاولة الطعام يتشاركون الأحاديث سويًا. آدم يترأس الطاولة ينظر بفخر لزوجته وأبنائه وإخوته وزوجاتهم وأبنائهم. عائلته لم تعد تقتصر عليه وعلى أشقائه فقط. عم الصمت على المكان عندما قالت صافي لوالدها آدم، ما جعل الصمت يعم المكان: بابا، في حفلة بكرة بليل صحابي عزوموني عليها أنا وجوان وليلى، ممكن نروح؟ آدم بهدوء: حفلة إيه وهتكون الساعة كام؟ صافي بتوتر: حفلة تنكرية، وصحابنا كلهم هيروحوا وهتبدأ الساعة عشرة.

آدم بهدوء رغم ضيقه مما قالت: هتبدأ الساعة عشرة وتخلص إمتى؟ والساعة عشرة متأخر أصلًا يا صافي، وإحنا متفقين ميعاد رجوعكم البيت يبقى الساعة كام. صافي بضيق: بس يا بابا، هي مرة وممكن تبعت حراس معانا عشان تبقى مطمئن، مفيش حاجة تقلق. أوس بصرامة: صافي، الكلام مش ليكي لوحدك إنك تخرجي من البيت الوقت ده وترجعي متأخر غلط جدًا. جوان برجاء: أول مرة نطلب كده يا عمي، الحفلة حلوة أوي وكثير أوي من صحابنا هناك وهنبسط جدًا. آدم بصرامة:

صحابكم سمعتهم زفت وتصرفاتهم طايشة، وأنا عارفهم كويس، وعشان كده بقول لأ والموضوع انتهى خلاص، كملوا أكل. تمردت صافي لأول مرة قائلة بضيق: بس أنا عايزة أروح يا بابا. تدخلت زينة قائلة بعتاب: صافي، عيب كده. صافي بحزن وضيق: أنا مش غلطانة، أنا من حقي أعمل حاجة نفسي فيها طالما مش بغلط. آدم بصرامة وحدة من طريقتها بالحديث: اطلعي على أوضتك. تحركت ونظرت لوالدها بصدمة، سرعان ما ركضت لغرفتها عندما كرر ما قال مرة أخرى بغضب:

قولت أطلع. ركضت لغرفتها وهي تضرب الأرض بقدمها وهي تبكي بحزن. لحقت بها جوان، بينما ليلى غادرت المكان بهدوء يخفي خلفه الكثير. نظرات الجميع صوبت عليها ما إن قامت، وكم تكره ذلك! تكره نظرات الشفقة المصوبة نحوها! كورت صافي قبضة يدها بغضب قائلة: أنا مبقتش صغيرة، هروح الحفلة دي يعني هروح، حتى لو من وراهم. أنا مش بعمل حاجة غلط. إمتى يعاملونا على إننا كبار ويثقوا فينا!

بينما بمكان مظلم بالحديقة الخلفية لأحد القصور، كانت تلتفت حولها يمينًا ويسارًا، تسير على أطراف أصابعها بحذر. سرعان ما شهقت عندما جذبها أحدهم خلف الشجرة قائلاً بهمس واشتياق وهو يدفن وجهه بعنقها يشتم عبقه المميز: وحشتيني يا أحلى من القمر وأحلى أميرة. ابتسمت بتوسع وعقلها يسترجع أول مرة قالها لها، لا يمكنها أن تنسى تلك الذكرى أبدًا. همست باسمه بعشق وهي تشعر بشفتاه تمر على جلد عنقها يقبله بنعومة ورقة. "نـــــوح"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...