بينما بمكان مظلم بالحديقة الخلفية لأحد القصور كانت تلتفت حولها يميناً ويساراً، تسير على أطراف أصابعها بحذر. سرعان ما شهقت عندما جذبها أحدهم خلف الشجرة قائلاً بهمس واشتياق وهو يدفن وجهه في عنقها يشتم عبقه المميز: "وحشتيني يا أحلى من القمر وأحلى أميرة." ابتسمت بتوسع وعقلها يسترجع أول مرة قالها لها، لا يمكنها أن تنسى تلك الذكرى أبداً. همست باسمه بعشق وهي تشعر بشفتاه تمر على جلد عنقها يقبله بنعومة ورقة: "نوح."
ابتعد قليلاً ليرى وجهها الذي اشتاق لرؤيته طوال الأيام الماضية. جذبها من يدها قائلاً: "تعالي معايا يا قمر." سألته بصدمة: "معاك فين؟ لو حد لاحظ غيابي هتحصل مصيبة." اقترب منها حتى تراجعت للخلف قائلاً: "خلاص هطلع أنا معاكي." أوقفها قمر قائلة بصدمة: "تطلع فين يا مجنون! نوح عشان خاطري امشي دلوقتي. بابا أو سليم لو شافوك معايا هتحصل مصيبة. امشي وبكرة نتقابل." زفر بضيق قائلاً بحدة:
"براحتك يا قمر، بس يكون في علمك أنا زهقت من الوضع ده." أجابته بحزن: "طب أنا في إيدي إيه؟ زفر بضيق قائلاً بصرامة: "الحل في إيدك بس انتي اللي مش موافقة." قالها ثم غادر بغضب من حيث جاء دون أن يلفت الانتباه، تاركاً إياها في حيرة من أمرها!!! ***
أوصدت عيناها بقهر، وكلماته القاسية لها بآخر لقاء لهم تتردد بأذنها كل لحظة. لم تستطع أن تنساها، بل هي كابوسها كل ليلة. نزلت دمعة حارقة من عيناها وهي تتذكر كيف كادت أن تزهق روحها بين يديه وهو يصرخ عليها بغضب أعمى وكراهية: "فاكرة إن بموتها هبص لك وهجري عليكِ زي ما بتتمني؟ تبقي غلطانة انتي وهما لو فاكرين كده. عمري ما هسامحكم. اللي بيني وبينكم بعد اللي عملتوه هيفضل كره ولآخر العمر."
كانت تغمض عيناها وهي بعالم آخر، لم تسمع الطرقات على الباب ولا بدخول والدها الذي سئم من الطرق دون إجابة، فدخل. لتقع عيناه عليها وهي بتلك الحالة، تغمض عيناها وتزرف الدموع ببطء. ألمه قلبه على مدللته الصغيرة ورؤيتها بتلك الحالة. اقترب أوس منها قائلاً بمرح باهت: "قلب أبوها، سرحانة في إيه ومش سامعة كل الخبط اللي على الباب ده؟ انتفضت ليلى جالسة وهي تمسح دموعها بسرعة قائلة بحرج: "مفيش يا بابا، أنا آسفة مسمعتوش."
جلس بجانبها، وبدون حديث جذبها لأحضانه لتتشبث هي به بقوة وعادت تزرف الدموع مرة أخرى بصمت. قطعته بعد وقت غير معلوم قائلة بوجع: "أنا مقتلتهاش يا بابا ولا كنت شمتانة في موتها زي ما بيقول، أنا عمري ما أعمل كده!! ردد أوس بحزن وهي يشدد من عناقها: "عارف يا ليلى، عارف. وكلهم عارفين كده كويس. هو اللي غبي، وبكرة يندم." سألته ليلى بحزن ووجع: "بكرة مش بيجي ليه يا بابا؟
أكتر من سنتين ومرجعش ولا الحقيقة ظهرت. هفضل قاتلة في نظره لحد امتى؟ طب أنا ماشية، لكن ذنب عمتو وأونكل بدر إيه؟ أنا بنت خالهم لكن هما عيلته، أبوه وأمه. متأكدة إن الوجع جواهم أكبر بكتير من وجعي." سألها أوس مباشرة: "قلبك حن ليه؟ صمتت للحظات ثم قالت بمرارة ووجع: "حبه نهيته ودفنته خلاص. يوم ما شفت نظرتُه ليا يومها واتهامه، ولما كان هيموتني لولا إنكم حشتوه بعيد عني.
تنهدت ثم تابعت بحزن: كل الحكاية إني مش عايزاه يفضل شايف نفسه مظلوم كتير، عايزاه يندم يا بابا، عايزة أشوفه موجوع ندمان زي ما أنا موجوعة." ثم تابعت بكراهية: "أنا عايزة حقي يرجعلي، عايزة أذله زي ما ذلني قدام الكل وأهاني. أنا بكرهه أوي!! أغمض أوس عينيه بحزن. الزمن يعيد نفسه من جديد بكل شيء، ولكن بألم أكبر!!!! ***
كان يقف بشرفة غرفته شارداً في النظر للسماء، يتساءل إلى متى سينتهي عقابه. أكثر من خمسة وعشرين عاماً وهو يعيش بمفرده متولياً تربية أبنائه. لقد ظن أنه بمرور الأيام سينساها، لكن أبداً لم يحدث. وقعت عيناه على ابنته تجلس بمفردها على تلك الأرجوحة التي تشبه الأريكة، شاردة هي الأخرى. نزل للأسفل، وما إن اقترب منها سألها بحنان: "قاعدة لوحدك بتعملي إيه يا سيدرا؟ ابتسمت قائلة وهي تفسح المجال لأبيها ليجلس بجانبها:
"كنت بجري شوية وقعدت أرتاح." أومأ إلياس لها بصمت، لتسأله على بغتة وبدون مقدمات: "بابا، هو انت عمرك حبيت؟ سألها بتوتر: "ليه بتسألي السؤال ده؟ حركت كتفيها لأعلى قائلة: "فضول مش أكتر." تنهد قائلاً بابتسامة حزينة: "أكيد، مش أنا بشر برضه وعندي قلب." سألته بتردد وقلبها لم يطاوعها على ذكر اسم تلك المرأة ومناداتها بذلك اللقب الذي لا تستحقه بتاتاً: "طب، اللي انت حبيتها دي تبقى... فهم ماذا تعني، أكمل هو: "قصدك حبيت مامتك؟
أجابته بضيق: "بابا، لو سمحت. الست دي خسارة فيها كلمة أم." عاتبه إلياس قائلاً: "سيدرا، دي مامتك. اتكلمي عنها كويس." أشاحت بوجهها قائلة بسخرية: "أم بإمارة إيه؟ خليني ساكتة يا بابا من فضلك بلاش نفتح سيرة الموضوع ده." أومأ لها بصمت، لتعيد سؤالها: "طب إيه، كمل. لسه بتحبها؟ نفى برأسه قائلاً: "محبتهاش. جوازي من والدتك مكنش حب أبداً." سألته بفضول: "يعني كنت بتحب واحدة تانية؟ أومأ لها، ثم أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يردد بحب:
"محبتش في حياتي غيرها. هي بالنسبة ليا نجمة في السما، أقدر أشوفها لكن صعب أوي أوصلها." سألته بفضول: "طالما بتحبها أوي كده، متجوزتهاش ليه؟ ظهر الحزن على ملامح وجهها بوضوح وهو يردد: "كان هيحصل بس ضيعتها من إيدي بغبائي!! أنا مكنتش كده زمان، كنت عصبي و متهور، كان فيا صفات وحشة كتير، وكانت سبب إني أخسرها وأضيعها من إيدي." كانت سيدرا تستمع له باهتمام وهو يردد بحزن:
"أنا مكنتش قادر أفهم هي محتاجة إيه. كنت متردد في إني آخد خطوة وأقرب منها، وكنت خايف أندم في يوم إني اخترتها. وسبب خوفي وترددي ده خلاها ما تحسش بالأمان معايا، وزودت شعورها ده بغلطة غبية مني كانت الناهية لعلاقتي بيها اللي يا دوب كانت لسه بتبتدي." "طب هي دلوقتي فين؟ بتشوفها ولا لأ؟ ابتسم إلياس بحزن قائلاً: "بشوفها طول الوقت، وكل مرة عيني بتيجي عليها بحس بحسرة كبيرة في قلبي إني ضيعتها من إيدي." "اتخطبت؟ أومأ لها قائلاً
بابتسامة حزينة: "اتخطبت. اتخطبت للي يستاهلها بجد. قدرت تلاقي معاه الحب والأمان اللي فشلت أنا أحسسها بيه. هما الاتنين يستاهلوا بعض. وعلى قد ما بحس بحسرة لما بشوفها مع غيري وإني ضيعتها من إيدي، على قد ما بفرح لما بشوفها مبسوطة معاه." ألمها قلبها لألم والدها، لتسأله بحزن: "عشان كده سميتني سيدرا؟ نظر لها بصدمة، لتتابع هي: "مش اسمي برضه معناه نجمة زي ما وصفت حبك ليها بالظبط؟ كان نفسك تسميني على اسمها؟ تنهد قائلاً بحزن:
"كان نفسي." "طب ليه لأ؟ "أسباب كتير أوي." سألته بفضول: "اللي هما إيه؟ رفض الإجابة قائلاً: "هحتفظ بيهم لنفسي." "طب ممكن أعرف هي مين؟ صمت ولم يجيب، ففهمت عدم رغبته في البوح. عم الصمت لدقائق، لتسأله هي: "هي ليه سابتنا ومشيت يا بابا؟ فهم أنها تتحدث عن والدتها "نسرين". استمع لها بصمت وهي تتابع بحزن: "مهما حاولت أخفي،
لكنه ظاهر بوضوح بصوتها: إحنا كنا صغيرين أوي، معتقدش ممكن نكون عملنا حاجة تخليها تزعل وتسيبنا وتمشي. ولو حضرتك كنت السبب... ضحكت بسخرية قائلة: "بس حتى ده مش مبرر أبداً عشان ترمينا وتتخلى عنا بسهولة وما تبصش وراها حتى ولا مرة. ده أنا حتى معرفش شكلها إيه." ربت إلياس على يدها محاولاً إيجاد كلمات لتخفف من وجع ابنته، لكنه لم يجد. لتتحدث هي بدلاً عنه: "أنا مش بقول كده زعلانة، أنا بس مستغربة إزاي في أم تبقى كده."
صمت مرة أخرى، قاطعته هي مرة أخرى قائلة بحب: "عارف يا بابا، أنت أحن وأجمل أب في الدنيا، والحمد لله إن أنت اللي معانا مش هي. لأني متأكدة إنها ما كانتش هتحبني أنا ويونس زي ما أنت بتحبنا." ابتسم ثم جذبها لأحضانه قائلاً بحنان: "إنتي وأخوكي كل حياتي يا سيدرا، والحاجة الوحيدة اللي مصبراني في الدنيا. أنا مليش غيركم." جاء بتلك اللحظة صوت توأمها يونس الذي يسبقها بدقائق فقط قائلاً بمرحه المعتاد:
"خيانة مش عيب يا إلياس باشا تحضن بنتك لوحدها كده وتنساني، ها مش عيب؟ ضحك إلياس فاتحاً ذراعه الآخر له قائلاً بحب: "تعالى يا أهبل." القى يونس بجسده بأحضان والده الذي ردد بحب وحنان مشدداً من عناقهم: "ربنا يخليكم ليا." قبل الاثنان يده قائلين بحب: "ويخليك لينا يا بابا." ***
في الصباح بفيلا بدر الجارحي. جلست أخيراً على المقعد لترتاح دقائق قليلة قبل أن تعاود لعملها من جديد. مقررة أن تهاتف صديقتها "حبيبة" التي ما إن رأت اسمها يزين شاشة الهاتف أجابت على الفور قائلة بلهفة وقلق: "طمنيني يا بت، أحوالك إيه ولقيتي شغل ولا لسه؟ أجابتها سلمى: "لقيت شغل الحمد لله يا حبيبة، والناس اللي بشتغل عندهم كويسين أوي." تنهدت الأخرى براحة قائلة:
"طب الحمد لله. ابعتيلي العنوان في رسالة وسيبِ تلفونك مفتوح على طول عشان أطمن عليكي من وقت للتاني." "حاضر." صمتت للحظات قبل أن تسألها بتوتر: "حبيبة، هو... هو بابا سأل عني؟ لم تعرف بما تجيب عليها، لكن بكل الأحوال سوف تعرف لذا قررت أن تقص عليها ما حدث قائلة: "أبوكي خد مراته وإخواتك وسافر بلدكم بعد ما باع الشقة لجابر الجزار."
أغمضت سلمى عيناها بقهر، ومنعت نفسها بصعوبة بالغة من البكاء، خاصة الآن وكل هؤلاء الخدم من حولها، وهي تستمع لكلمات رفيقتها تقول بحزن: "متزعليش نفسك يا سلمى، بكرة يندم." ردت عليها بسخرية مريرة: "أو ما يندمش مش فارقة، خلاص خلص." حاولت أن تجد كلمات تواسيها بها: "سلمى... لكن قاطعتها سلمى قائلة باقتضاب: "أنا هقفل بقى، ورايا شغل. بينادوا عليا، هكلمك وقت تاني يا حبيبة. سلميلي على خالتي وإخواتك لحد ما أشوفكم، سلام."
أغلقت معها الهاتف وعادت تباشر عملها من جديد بذهن شارد وقلب محطم. لقد تخلى عنها والدها، سافر وتركها وحيدة دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنها حتى وكيف تعيش!!! ردت باقتضاب على أحد الخادمات التي طلبت منها أن تنظف غرفة ما بالطابق العلوي لحين أن تنهي هي جلي الأطباق التي بيدها: "ماشية."
عملت مثل الآلة، تنظف الأتربة هنا وهناك، وغيرت شراشف الفراش. رفعت كل ذلك مثل الآلة، كانت تمسك بيدها أحد التحف ذات اللون الأسود تنظفها، بينما عقلها يسترجع كلمات حبيبة وأفعال والدها معها هو وزوجته. تكونت طبقة شفافة من الدموع على عيناها. لم تشعر بفتح باب الغرفة ولا بدخول صاحبها، ولم يكن سوى مروان، ولا صوته وهو ينادي عليها. اقترب منها يحركها بطرف إصبعه قائلاً بقلق: "يا آنسة."
أفلتت قطعة الزينة من بين يديها بفزع ليدوي صوت تحطيمها بالمكان تزامناً مع بكائها. ليسألها مروان بقلق وهو يرى انتفاضة جسدها وعلو شهقاتها: "اهدي، اهدي، بتعيطي ليه دلوقتي؟ لم تهدأ بل زاد الأمر سوءاً. تحول وجهها للون الأحمر، الدموع تنساب من عيناها بغزارة حتى أغرقت وجهه. لم يعرف ماذا يفعل. عندما كانت تبكي شقيقته كان يجذبها لأحضانه، لكن تلك ليست شقيقته ليفعل ذلك. جذبها من يدها برفق حتى تجلس على طرف الفراش قائلاً بقلق:
"اهدي يا... اسمك إيه؟ بتعيطي ليه؟ حد ضايقك من اللي في البيت؟ نفضت برأسها ولا تزال تنتحب بقوة، ليسألها بحيرة: "طب مالك بتعيطي كده ليه بس؟ تعبانة؟ لم تجد ما تقوله، لتشير بيدها على حطام تلك الزينة قائلة بتلعثم من بين شهقاتها العالية: "كسرتها غصب عني." اتسعت حدقتاه بدهشة قائلاً: "بقى المناحة دي كلها عشان دي اتكسرت؟
أومأت له بتوتر ولا تزال تبكي. لم تكذب عليه، فسبب من أسباب بكاءها أنها ستخسر العمل الذي وجدته بعد بحث طويل بسبب كسر تلك التحفة التي بالتأكيد باهظة الثمن ولن تقدر على دفع ثمنها. ضرب كفاً بالآخر من الصدمة وضحك قائلاً: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شيخة. ده أنا قلت حد معذبها ولا حصلت مصيبة." أجابته بصوت متحشرج ولا تزال دموعها تنساب من عيناها وجسدها ينتفض. زفر بضيق، سرعان ما ضحك بخفوت قائلاً وهو يقول بجدية: "اقفي."
فعلت ما قال، ليلتقط هو أحد التحف التي تزين مكتبة الحائط الخاصة به، ثم دفعها بالأرض بعيداً لتتحطم لأشلاء على الفور تزامناً مع شهقتها الفزعة. ليقول هو بابتسامة: "اهدي. محصلش حاجة. مش مستاهلة تبكي بالشكل ده عليها. فداكي يا ستي ألف واحدة زيها. المهم إنك متأذيتيش منها." أخفضت وجهها بحرج وخجل، ليسألها بمرح: "عايزة منديل ولا بتستخدمي الكم عادي؟ انحنت لتنظف الزجاج من الأرض قائلة بحرج وهي تمسح دموعها:
"أنا آسفة. هنضف كل حاجة بسرعة." تنهد وانحنى هو الآخر يجذبها لتقف قائلاً بابتسامة: "اقفي بس وسيبِ اللي في إيدك. هتنضفي إزاي الإزاز وإنتي بتترعشي كده؟ هتجرحي إيدك. وتاني حاجة، بعد كده أوعي توطي قدام أي راجل." أخفضت وجهها بخجل، وقد فهمت مغزى كلماته. فتابع هو حديثه مردداً: "أنا مش بقول كده عشان أحرجك أو إن أنا نيتي وحشة مثلاً ومن النوع ده. أنا بنصحك، معايا أو مع غيري، خدي بالك من تصرفاتك يا سلمى." ثم تابع بابتسامة:
"مش اسمك سلمى برضه؟ أومأت له بحرج، ليردد هو: "طب يلا روحي اغسلي وشك واهدي." غادرت قائلة بخفوت وخجل: "متشكرة." ما إن اختفت من أمامه، ضحك بخفوت متذكراً هيئتها وهي تبكي لأجل شيء لا يستحق. مردداً: "يا بنت المجنونة." ***
بخطوات بطيئة كان يدخل من باب المعرض الخاص بها. عيناه تبحث عنها بلهفة وخوف من تلك اللحظة التي هو مقدم عليها. ظل يدور بعينيه في المكان حتى وقعت عيناه عليها تجلس بأحد زوايا المعرض، أمامها منضدة مستطيلة كبيرة عليها أدوات العمل الخاصة بها، تصمم عليها أعمالها اليدوية. كانت تضع كامل تركيزها بالعمل الذي بيدها حتى أنها لم تشعر بوجوده حتى قال هو بصوت مشتاق: "جوري!
جمدتها الصدمة بمكانها. هذا الصوت تعرفه، تعرفه بل تعرف صاحبه تمام المعرفة. بالطبع هناك شيء خاطئ، ربما أصاب أذنها شيء ما!!
رفعت وجهها ببطء، وما إن وقعت عيناها عليه، ألجمتها الصدمة. هو أمامها بعد كل ذلك الوقت، أمامها. جاء بقدمه إليها بعد كل ما فعل بها. كانت عكس شقيقتها بكل شيء. جوان تمتلك قدر كبير من القوة لتقدر على مواجهة هكذا موقف دون أن تضعف، لكن هي عكسها تماماً. دموعها تسبقها، سريعة البكاء عندما تتألم، لا تقدر على التحكم بذاتها. تلك الصفة أكثر ما تبغضه بشخصها!!
تمنت تلك المرة أن تصمد عيناها ولا تزرف تلك القطرات الشفافة التي ستعلن عن ضعفها، لكنها مثل كل مرة خذلتها وسقطت دمعة من عيناها يليها المزيد. لم تستطع فرض سيطرتها عليهم!! ألمه قلبه عليها. اقترب خطوتين منها لتتراجع هي مثلهم للخلف قائلة بجدية وهي تمسح دموعها سريعاً: "تحت أمرك يا فندم. في حاجة عجبتك ولا هتطلب تصميم مخصوص؟ عاد ينطق اسمها من جديد بحزن واشتياق: "جوري." حاولت هي الأخرى عدم البكاء قائلة
بصوت حاولت أن تجعله طبيعي: "طلبك إيه يا فندم؟ أجابته بحزن وعشق: "إنتي طلبي وكل حاجة عايزها من الدنيا، إنتي وبس يا جوري." أجابته بجدية وهي تشير للباب من خلفه: "طلب حضرتك مش موجود. شرفت." نطق اسمها بتوسل أن ترحمه وتكف عن الحديث بتلك الطريقة التي تؤلم قلبه: "جوري، من فضلك." تجاهلته وجلست خلف المنضدة وبدأت بالعمل مرة أخرى، متجاهلة النظر إليه. اقترب منها حتى بات واقفاً بجانبها مردداً باشتياق: "وحشتيني."
وبصعوبة بالغة سيطرت على مشاعرها وكافحت لتحتفظ بتعابير وجهها الجادة. لينحني هو جالساً على ركبتيه بعد أن حرك مقعدها لتبقى في مقابله وجهاً لوجه قائلاً بحزن واشتياق: "أكمل الزيني جالك راكع لحد عندك زي ما قولتيله زمان." ضحكت بسخرية قائلة دون النظر إليه حتى: "يمكن زمان كانت تفرقلي إنك تيجي راكع، لكن دلوقتي مبقتش فارقة زي ما وجودك مش فارق معايا. وعلى فكرة جوان موجودة في النادي، أعتقد إنت عارف العنوان، تقدر تروح لها."
تمنى أن تنظر له، لكنها حتى تلك حرمته منها. ليجيبها بصدق وعشق: "أنا هنا عشانك يا جوري، مش عشان جوان. أنا هنا عشانك إنتِ وبس." ثم تابع بحزن وندم: "أنا مش وحش يا جوري. أنا بعترف إني غلطان، بس فقت قبل فوات الأوان. ده ميشفعش ليا في قلبك." ضحكت قائلة بعدم تصديق: "فقت بعد فوات الأوان؟ تصدق ضحكتني. بتضحك على نفسك بكلمتين عشان تبرئ نفسك من غلطك؟ نفى برأسه قائلاً بحزن:
"مش بضحك على نفسي. واحد غيري كان هيكمل في اللي بيعمله، مكنش هيفكر فيكي ويعترفلك بكل حاجة. وكنتِ ساعتها بدل ما تكوني فاسخة خطوبتك، هتبقي... مطلقة أو مع واحد... صمت لتكمل بدلاً عنه بسخرية مريرة: "مع واحد متجوزاه وفي الأصل بيحب أختك." كاد أن يتحدث، لكنها سبقته قائلة بتهكم: "لو كان بيفكر فيا وعايز مصلحتي، ما كانش دخلني في لعبة زي دي من الأول." نطق اسمها بتوسل قائلاً: "جوري." ردت عليه بجفاء يخالف
كل ما بداخلها بتلك اللحظة: "قولتلك طلبك مش موجود. اتفضل امشي." مسك يدها ليديرها حتى تنظر له، لكنها نفضتها بعيداً عنها قائلة بحدة وغضب: "إياك تتجرأ وتلمسني." "أنا آسف." اعتدل واقفاً، وكذلك هي، لتقول بدون وعي منها بحزن وعتاب: "انت عايز مني إيه؟ رجعت ليه يا أكمل؟ أجابتها بصدق: "رجعت عشانك. علاقتنا تستاهل فرصة تانية يا جوري. لو ليا خاطر عندك سامحيني واديني فرصة أخيرة بس." ابتعدت للخلف قائلة بسخرية:
"اديك فرصة تانية بإمارة إيه؟ اقترب خطوة مماثلة قائلاً بحب: "إننا بنحب بعض." نفت برأسها قائلة بسخرية: "قصدك إنت بتحب، وحتى دي أنا مش واثقة منه." نظر لداخل عينيها قائلاً بحزن: "بطلتي تحبيني؟ أومأت له قائلة: "بطلت." نفى برأسه غير مصدقاً ما تقول: "كدابة!! حركت كتفها لأعلى قائلة: "مش مجبرة أخليك تصدق، لأن الحقيقة إنك مش فارق معايا." ثم تابعت وهي تشير بيدها للباب: "لو مش هتطلب حاجة، اتفضل امشي ومتعطلنيش عن شغلي."
بلحظة دخلت العاملة التي تساعدها في البيع قائلة بتساؤل: "إنسة جوري، في حاجة؟ نفت قائلة بسخرية: "وصلِ الأستاذ للباب، ملقاش طلبه. هن... دخلت من الباب مرة أخرى جوان قائلة بحماس سرعان ما تبدد ما إن رأت أكمل: "إيه رأيك في المفاجأة دي يا جوج... أنت!!! نظرت له بغضب قائلة بصدمة وغضب: "بتعمل إيه هنا؟ تدخلت العاملة قائلة بجدية لأكمل: "اتفضل يا أستاذ." أوقفتها جوري قائلة: "خلاص روحي شوفي شغلك دلوقتي، هو لقى طلبه."
جوان بحدة وغضب: "جوري، بيعمل إيه هنا؟ أشارت له جوري بيدها قائلة: "اهو عندك اسأله." تنهد أكمل بحزن مغادراً المكان بأكمله، لتسأل جوان جوري مرة أخرى بضيق: "جوري، جاوبيني إيه اللي بيحصل هنا وإيه ده اللي جابه عندك؟ رددت جوري بحزن وهي تنظر للباب أثر خروجه: "كان جاي فاكر إنه هيلاقي طلبه، بس ملقهوش." ***
دخلت للشركة الخاصة بوالدتها وأشقائها لتقابل خالها "أوس" بعدما تلقت اتصالاً هاتفياً منه حتى تأتي له. لكن قبل أن تدخل لمكتبه توقفت ما إن استمعت لصوت ابن خالها الأكبر "مالك" قائلاً: "إزيك يا عشق." التفتت له قائلة بابتسامة خطفت قلبه للمرة التي لا تعرف عددها: "الحمد لله يا مالك، إنت إزيك؟ ردد بهيام وبدون وعي: "بقيت كويس." ابتسمت بحرج ليسألها: "إنتي رايحة فين؟ أشارت لمكتب والده قائلة بابتسامة:
"جاية لخالو أوس، كان عايز يشوفني." ابتسم قائلاً بحب: "طب لما تخلصي، ممكن تيجي مكتبي... احم يعني مش معقول تيجي الشركة ومتجيش تشربي حاجة في مكتب ابن خالك وتنوريه لأول مرة." ابتسمت قائلة بخجل: "حاضر." تنهد قائلاً بابتسامة: "حضرلك كل خير." بنفس اللحظة خرج حمزة شقيقه الأصغر قائلاً بابتسامة ما إن رأى عشق: "عشق، عاملة إيه؟ ليكي وحشة." لكنها لم تستطع الرد، حيث خرج أوس خلفه قائلاً: "واقفين عندك بتعملوا إيه؟ عشق بابتسامة:
"مفيش يا خالو، كنا بنسلم على بعض عادي." ابتسم ما إن رآها قائلاً بحنان: "حبيبة قلب خالك إنتي. تعالي." دخلت معه للمكتب وتركت أنظار الاثنين معلقة على الباب المغلق. جلس على الأريكة وهي بجانبه يسألها: "قوليلي ماما عاملة إيه؟ أوعي يكون أبوكي مزعلها." ضحكت بخفوت قائلة: "لأ يا خالو، بابا مستحيل يقدر يزعلها. ده لو عرف إن حد فينا ضايقها بكلمة، بيقلب البيت كله فوق دماغنا."
ابتسم أوس بسعادة، كل مرة يثبت له بدر للجميع أنه كان بقدر ثقتهم التي منحوه إياها، لقد صان شقيقته وكان محافظاً على عهده معهم. سألته عشق: "حضرتك كنت عايزني في موضوع مهم؟ أومأ لها قائلاً بابتسامة: "مظبوط." ثم تابع حديثه قائلاً بتساؤل: "إيه رأيك في مالك؟ "مالك؟ سألها بابتسامة ماكرة: "إيه، مش عارفاه يعني؟ نفضت قائلة بحرج وخجل: "لأ طبعاً عارفاه. في حد ما يعرفش ابن خاله. بس رأيي فيه من ناحية إيه؟ "كزوج."
تلعثمت وهي تجيبه وتوردت وجنتها بحمرة من الخجل الشديد: "هو كويس و... أي بنت تتمناه... بس حضرتك بتسألني ليه؟ ضحك بخفوت قائلاً: "تفتكري إنتي ليه؟ لم تجب، ليتابع هو بهدوء: "من الآخر يا عشق، أنا مش هلاقي لمالك زوجة أحسن منك. ومكنتش هتكلم معاكي وأفاتحك في الموضوع ده غير لما لاحظت إن فيه مشاعر بينك وبينه متبادلة." فركت جلد يدها بتوتر قائلة بحرج: "خالو، أنا آسفة بس... أنا مش موافقة." صدمها رده، لتقول بحرج وحزن:
"أنا مقلتش الكلام ده لحد قبل كده، ومكنتش ناوية. بس طالما حضرتك فتحته يبقى لازم أقول. بس اوعدني يفضل سر بينا." سألها بحزن خفي: "في حد في حياتك يا عشق؟ نفضت قائلة بتردد وحزن: "حمزة طلب يتجوزني." نزل الرد على أوس كالصاعقة. ابناه الاثنان واقعان في غرام نفس الفتاة!!!!!! ***
في المساء، حفل صاخب. الظلام يعم المكان يتخلله أنوار خفيفة حمراء وغيرها عبر كرة معلقة بالسقف. أصوات الموسيقى عالية تجعلك غير قادر على سماع صوت من بجانبك حتى، وأجساد تتمايل على إيقاعها. الجميع يتوافدون على المكان، وكل منهم يرتدي قناعاً، إما يغطي وجهه بالكامل أو جزء منه.
دخل "إياد" للحفل برفقة ابن عمه "هشام" وأصدقائه. ينظر للمكان حوله بإعجاب. مضى وقت قصير وهو يحاوط خصر فتاة ما يمرح معه. لكن فجأة توقفت الموسيقى وتعالت همهمات الجميع ينظرون خلفه، فنظر هو الآخر خلفه تلقائياً لتنحبس أنفاسه مما رأى!! فاتنتان، أقل ما يقال عنهما أنهما ملكات جمال!!
لكن تلك صاحبة البشرة الحليبية والفستان الأحمر الناري الذي ينساب على جسدها وبدون أكتاف. خصلات شعرها الأصفر المائل للبرتقالي مصفف بعناية، وقناع ذهبي لامع غطى منتصف وجهها. على الرغم أنه لم يرى وجهها بالكامل ولا يعرف أن كانت جميلة أم لا، لكنه متيقن من أن جمال وجهها بالتأكيد لن يقل جمالاً عن جسدها الذي تفحصه بعينيه الخبيرة بالنساء!!
مر الاثنتان من أمامه وهو لا يزال مثبت عينيه عليهما. ماذا فعلت له تلك الفتاة لتجعله يراقبها بكل ذلك الشغف والاهتمام كل تلك المدة، وهو الذي لم يبقِ عينيه على أي فتاة، بل هن من كن يتهاتفن عليه، بينما تلك كسرت تلك القاعدة!!!
تعالى هتاف الجميع فجأة مهللين بسعادة باسم فتاتين لم يركز معهما بتاتاً، بل كان كل تركيزه معها. فجأة وجدها تصعد المنصة الدائرية برفقة تلك الجميلة التي معها ولم تقل عنها جمالاً. فجأة بدأت بالغناء برفقة من معها بصوت جميل. مدة لا بأس بها، وما إن انتهت، تساءل إياد باهتمام بينما عيناه رافضة أن تتوقف عن النظر لها: "مين دول؟ تدخلت كارلا وهي إحدى الفتيات التي يعرفها هشام مجيبة بدلاً منه بحقد:
"دول من بنات عيلة العمري، صافي وجوان." سأل مرة أخرى باهتمام: "طب واللي لابسة فستان أحمر دي اسمها إيه؟ هشام وهو يرتشف من كأس الخمر بيده:
"دي صافي بنت أدم العمري. ده أنا فاكرك عارفهم. أبوك وعيلة العمري ومعاهم عيلة عمران داخلين منافسة قصاد بعض على مين اللي هيتولى تصميم القرية السياحية في الساحل. مشروع ضخم أوي. اللي هيتولى تصميمه هيحقق مكاسب كتير أوي ويتنقل في مكان تاني، خصوصاً إن اللي عايز يبني القرية دي أجانب وناس تقيلة أوي من لندن."
استمع له إياد باهتمام وعيناه لازالت عليها. انطفأت الأضواء جميعاً إلا من نور خفيف مصوب على المكان المخصص للرقص. ليجد قدمه تقوده إليها، رافعاً يده لها قائلاً بصوت رجولي بحت زلزلها من الداخل: "تسمحيلي؟ نظرت لداخل عينيها الجريئة، ثم لابتسامته الواثقة التي بادلته بمثلها، قبل أن تضع يدها بيده تشاركه رقصتها الأولى مع شخص غريب عنها!! ما تفعله الليلة مخالف تماماً لما تربت عليه، لكنها تفعل ذلك عناداً بوالدها ليس أكثر!!
بدأ الرقص معها باحترافية شديدة، يتبادلان النظرات بصمت دون حديث، وبدون إرادة منها اندمجت معه تائهة بنظراته التي زلزلتها من الداخل. كانت جوان منشغلة مع رفاقها، كما يلقبهم أمير، رفاق السوء هم بالفعل كذلك. بينما صافي كانت بعالم آخر، وكذلك الحال مع إياد الذي لا يختلف عنها.
انتهت الموسيقى، فجذبها من يدها بدون حديث للحديقة خارج الحفل بعيداً عن الجميع، وهي تسير خلفه كالمغيبة، كأنه ألقى تعويذة ما عليها جعلتها غير قادرة على الحديث والاعتراض. تحدثت أخيراً بعد صمت بارتباك: "انت مين؟ لم يبعد عينيه عن خاصتها مردداً: "مش عارف."
تحركت لتغادر، لكن أمسك يدها جاعلاً إياها تدور حول نفسها عدة مرات قبل أن تستقر بأحضانه، يدها على صدره ويداه على خصرها. كان مأخوذاً بسحرها، قائلاً بهيام بعينيها التي ألقت عليه سحراً جعلته غير قادر على النظر لغيرها: "ارقصي معايا." بدأ يتحرك معها برقة، وهي معه غير قادرة على الاعتراض أو التفوه بأي كلمة. توقف الاثنان بعد وقت، لتستقر عيناه أخيراً على شفتيها، يميل برأسه تجاهها كالمغيب!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!