بدأت تتحرك معها برقة وهي معه، غير قادرة على الاعتراض أو التفوه بأي كلمة. توقف الاثنان بعد وقت، لتستقر عيناه أخيرًا على شفتيها. يميل برأسه تجاهها كالمغيب !!!! بدأ ناقوس الخطر يدق عندها، وأفاقت من تلك الغيمة الوردية التي كادت أن تجعلها تقع في المحظور. لذا، وبدون مقدمات، صفعته على وجنته قبل أن تهرب من أمامه ومن المكان بأكمله.
ركضت لداخل الحفل، تمسك بيد ابنة عمها تسحبها للخارج حتى يغادروا سريعًا، رافضة الإجابة على جميع تساؤلاته. بينما هو أيضًا أفاق من سحر تلك اللحظة، متعجبًا من حالته التي كان عليها قبل قليل. منذ أن جاء من الحفل، يجلس مكانه ببهو القصر ينظر للفراغ شاردًا بها. لما صفعته؟ كل الموجودين بذلك المكان، وبشهادة ابن عمه "هشام"، الاحترام والعفة لا يعرف لشخصهم طريق. لكن لما هي رفضت أن يقبلها؟
هل هي مختلفة حقًا، أم أنها تتمنع وترسم عليه دور العفة؟ وإن كانت هي عفيفة وذات أخلاق، فماذا تفعل بهكذا مكان؟ أسئلة كثيرة تدور بعقله لا إجابة لها. لم يهتم لأحد هكذا من قبل، ولا يعرف لماذا يهتم لأجلها. لم ينتبه لجلوس والده بجانبه، ويدعى عاصي، قائلًا بتمني وهدوء: "أتمنى تكون عقلت وناوي تستقر هنا بقى وتمسك الشغل معايا بدل السفر من بلد لبلد." أجابه بهدوء: "أنا مرتاح كده." عاصي بضيق: "يعني إيه؟ تنهد قائلًا بهدوء:
"يعني يا بابا أنا مرتاح كده، خلي الشغل ليك ولعمي فاروق وهشام." عاصي بحدة وغضب: "بس هشام مش ابني عشان يمسك الشركة والشغل من بعدي." يمسح بيده على وجهه قائلًا بتعب وحزن: "يا بني، عمك فاروق وابنه هشام طماعين ومش هيملى عينهم غير التراب، مهما ياخدوا فلوس مش بيشبعوا. أنا عارف اللي بيعملوه وسايبهم بمزاجي، عيني عليهم. لكن أنا مش هفضل كده طول العمر، أنا تعبت ونفسي أرتاح وأتسند عليك وتفضل جنبي." يربت على كتفه قائلًا برجاء:
"ريح يا بني بالي وانزل اشتغل في ملك أبوك وراعي مصالحه. أنا ماليش في الدنيا دي غيرك." صمت إياد لوقت ثم قال بابتسامة صغيرة: "حاضر يا بابا، اللي تشوفه." تهللت أسارير والده قائلًا بسعادة: "من بكرة تنزل الشركة، وأحسن وأكبر مكتب هيكون جاهز. النهارده قبل بكرة عشانك." أومأ له إياد بابتسامة صغيرة قائلًا وهو يلتقط أغراضه: "تمام يا بابا، تصبح على خير." ***
يجلس سليم أدهم الجارحي برفقة شدوى بمنزله الذي يقضي به بعض الأوقات وحده بعيدًا عن قصر العائلة. انتهى هو وهي من توقيع عقد الزواج العرفي، وعلى الفور طوى الورقتين ووضعهم بجيب سترته. ما فعله جعلها تشعر بالصدمة، لتسأله: "انت خدت الورقتين ليه؟ سألها سليم بسخرية: "وتاخديهم انتي ليه؟ ثم تابع بنظرات ثاقبة ومكر: "لا تكوني ناوية تعملي بيهم حاجة." نظراته الثاقبة تجاهها أربكتها، لتقول بتوتر: "لا، هعمل بيها إيه يعني."
ابتسم بزاوية شفتيه قائلًا ببرود واستهزاء: "خلاص، يبقى ميخصكيش. هيتقطعوا في الأخر." جزت على شفتيها بغيظ، ثم تنهدت بعمق مقتربة منه، تضع يدها على صدره بإغراء قائلة بدلال مثير: "انت مش بتثق فيا يا روحي؟ يضحك قائلًا بسخرية وبرود: "أثق فيكي بتاع إيه؟ كنتي من باقية أهلي، فوقي لنفسك. اللي بيني وبينك ورقة تتقطع دلوقتي لو عاوزت كده، وده كان اتفاقنا. شكلك مستنية أكتر وشوفتي نفسك." كادت أن تتحدث، لكنه لم يسمح لها قائلًا بصرامة:
"خلاصة الكلام، لو تصرفاتك هتفضل كده، الورقتين هيتقطعوا وتغوري في داهية. مش ماسك فيكي أنا، تروحي ويجي بدالك مية واحدة." خشيت أن تخسر كل شيء، لذا حاولت التبرير: "أنا مش قصدى... زفر بضيق مقاطعًا إياها بملل: "خلصنا، مش هنقضيها رغي." أومأت له قائلة بدلال وهي تجلس على قدمه، تحل أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر: "عندك حق، مش وقته كلام، خلينا في الفعل."
جريئة لأبعد حد، لم يكن يتخيلها هكذا. لا ينكر شعور المتعة الذي تملكه منه برفقته. بعد وقت ليس بقليل أبدًا، ارتمى على ظهره يلتقط أنفاسه قائلًا بقليل من المرح: "طلعتي خبرة." ضحكت بدلال مرددة بغنج: "عجبتك يعني؟ أشعل سيجارته نافثًا دخانها، مرددًا ببرود وكذب: "مش بطال." رسمت على شفتيها ابتسامة لم تصل لعيناها التي تشتعل بالغضب والغيظ، قائلة بدلال: "المرة الجاية، وشرفي، هخليك تنسى اسمك." ضحك ببرود قائلًا بتهكم:
"أما نشوف. بس ابقي احلفي بحاجة تاني غير شرفك عشان أصدق." ألقى لها حفنة كبيرة من المال، يأمرها أن تغادر. قبل أن يتوجه للمرحاض. فعلت ما قال، وما إن خرجت من باب المنزل والبناية بأكملها، هاتفت أحد الأرقام ليدور بينهما الحديث كالآتي: شدوى بغيظ: "ده بني آدم لا يطاق ومستفز أوي، أنا مسكت نفسي بالعافية عشان... جاءها صوت من على الجانب الآخر:
"اخرسي، بلاش رغي. مستفز زبالة زي ما يكون يكون، اعملي اللي مطلوب منك وبس. وزي ما قلتلك مرة ورا مرة، وبعدها يكون موجود في بيتك." كادت أن تجيب، لكنها سمعت صوت صفير معلنًا عن انتهاء المكالمة. زمّت شفتيها بغيظ قائلة بغضب: "شايفين نفسهم على إيه؟ ده أنا محترمة جنبيهم. يلا يولعوا في بعض، أهم حاجة آخد الفلوس." قالتها وهي تصعد لسيارة الأجرة حتى تذهب لبيتها الجديد بمنطقة هادئة، والذي انتقلت له منذ ما يقارب الثلاثة أشهر.
لكن توقفت بمكانها عندما خرجت من المصعد حيث الطابق الأخير، لتتفاجأ بشقيقتها تجلس على حقيبة سفر كبيرة أمام الباب. ما إن رأتها، ردت: "شدوى، انتي فين؟ أنا مستنياكي من الصبح وروحت البيت القديم، قالولي إنك بعتيه وروحت الشغل بتاعك القديم، قالولي إنك سبتي الشغل وشغالة دلوقتي في شركة تانية، ومن هناك عرفت عنوانك هنا. بلف عليكي من الصبح." زفرت شدوى بضيق قائلة: "طب جيالي ليه يا أسيل؟ وبتدوري عليا؟
مش قولتي هتستقري في البلد مع أعمامك؟ رددت أسيل بضيق: "مش هنتكلم على الباب، أظن." فتحت شدوى الباب لتدخل الأخرى خلفها، تنظر للمنزل من الداخل بإعجاب اختفى وحل محله الضيق عندما قالت شدوى بفظاظة: "لخصي وجيبي من الآخر عشان عايزة أدخل أنام، وإنتي تروحي تشوفي حالك." زمّت أسيل شفتيها قائلة بضيق: "أنا مش رايحة في حتة، أنا جاية أقعد معاكي." صرخت عليها شدوى بحدة: "تؤ إيه يا ختي؟ ليه إن شاء الله؟ خلفتك ونسيتك؟ زفرت أسيل
بضيق قائلة بحدة مماثلة: "ليه؟ لأنك بعتي الشقة بتاعتنا، والمفروض تتقسم بينا بالنص." ردت عليها بتهكم وغضب: "اثبتي ده لو تعرفي. الشقة كانت باسمي، يعني ملكيش عندي حاجة، ويلا من هنا روحي من مكان ما رجعتي." ضربت أسيل الأرض بقدمها بغضب قائلة: "مش هيحصل. وأه، أنا مش هعرف أثبت، لكن ممكن أعمل كتير." تظرت لها الأخرى باستهزاء، لتتابع أسيل بحدة:
"ممكن أروح لخلانك أقولهم انتي عايشة فين، وهما ما هيصدقوا، دول بقالهم أكتر من سنتين بيدوروا عليكي بعد ما طفشتي من البلد. وأنا سكت، مردتش أقول مكانك عشان متطوليش أذاهم." صمتت شدوى بغيظ وهي ترمق الأخرى بغل، لتتابع أسيل ببرود:
"فكري فيها كده. أنا مش عايزة يربطني بيكي أي صلة. إنتي كنتي أختي حبيبتي لحد ما طعنتيني في ضهري وروحت لفيتي على خطيبي وسرقتيه مني. ما بقتيش فارقة معايا ولا طايقة يجمعني بيكي مكان واحد ولا نفس واحد حتى." ردت شدوى بحنق وغضب: "طالما مش طيقاني، جاية ليه؟ تنهدت الأخرى قائلة بضيق وغصب:
"مجبورة. الفلوس اللي معايا متقضيش أجر أوضة وأصرف منهم على نفسي أكل وشرب. هقعد معاكي هنا أسبوعين، يمكن أقل بكتير كمان ألاقي بيت إن شاء الله، حتى لو أوضة أقعد فيها وشغل." سألتها شدوى بفضول: "سبتي البلد ليه من الأساس؟ "ما يخصكيش." نظرت لها بغيظ، لتتابع أسيل بتحدي: "قولتي إيه؟ أرجع بلدنا وأبلغ خلانك؟ ولا تقوليلي فين الأوضة بتاعتي؟
دخلت شدوى لغرفتها صافعة الباب بقوة، بعدها تعلى صوت تكسير زجاج، لتبتسم أسيل قائلة بتشفٍ وصوت عالٍ حتى تسمعها: "وماله. اختارها أنا!!! *** كان أوس يجلس بغرفته يتابع بأعين حزينة وقلب متألم أبنائه الثلاثة وهم يجلسون بحديقة الفيلا، متذكرًا حديثه مع عشق في الصباح. Flash back ما إن قالت تلك الجملة التي ألجمته من الصدمة، رددها مرة أخرى: "حمزة طلب يتجوزك؟ أومأت له بحزن، ليسألها مرة أخرى بصدمة: "إمتى؟ إيه اللي حصل بالظبط؟
أجابته عشق بصعوبة وحزن: "اللي حصل يا خالو إن حمزة اعترفلي إنه بيحبني وعايز يتجوزني من حوالي كام شهر وأنا رفضت." سألها بصدمة: "رفضتي ليه؟ تنهدت بحزن قائلة: "عشان أنا عارفة مشاعر مالك ناحيتي، وعشان مش عاوزة أزرع كره بين أخين ولا أجرح واحد فيهم، وعشان علاقتنا بحضرتك وطنط مهرة متتوترش أكتر خصوصًا بعد اللي حصل من يوسف. وأقل حاجة هتقولها إن وقعت بين الأخين وممكن علاقتك بماما تتأثر بكده." تنهد قائلًا بكل صرامة:
"أولًا، علاقتي بحياة عمرها ما تتأثر بحاجة. دي أختي قبل ما تكون أمكم، ومش بعد السنين دي كلها علاقتي بيها تتأثر عشانكم انتوا. حاجة وهي حاجة تانية خالص." أومأت له بصمت، ليسألها: "طب انتي عايزة مين؟ حمزة ولا مالك؟ أخفضت وجهها قائلة بحزن: "الإجابة مش هتفرق في حاجة." نفى برأسه قائلًا: "لأ هتفرق." لم تجب، ليتولى هو الإجابة عنها قائلًا: "مالك مش كده؟
صمتت لوقت قبل أن تؤمئ برأسها بنعم. كان في حيرة من أمره، ابنائه الاثنان واقعان بغرام ابنة شقيقته. إن تدخل سيظن الآخر أنه يفضل شقيقه عليه، بالإضافة لمهرة التي أصبحت تصرفاتها لا تطاق بالفترة الأخيرة. Back يبدو أن السعادة لا تدوم أبدًا. الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، تارة تريك حلاوة أيامها ومن السعادة ما لا تحلم بها، وتارة تذيقك ما لم ترى من القسوة قبل!
يبدو أن الحزن والألم كتب على أبنائه، بداية من صغيرته ومدللته التي عرف الحزن طريقه لقلبها باكرًا جدًا بسبب من لا يستحق... يوسف!!! *** بتلك البناية الكبيرة التي شهدت جنون العشق وحزنه والسعادة والفرح على جميع قاطنيها بمرور كل تلك السنين، إنها بناية "أكمل النويري". بمنزل أيهم الزيني، كان يجلس على الأريكة برفقة أكمل ابن فريد، الذي يقص عليه ما حدث عندما التقى بـ"جروي". وما إن أنهى حديثه، سخر أيهم منه قائلًا: "ده بجد؟
كلمتك كده عادي؟ ما خبطتكش بحاجة في دماغك ولا هزأتك؟ أكمل بحنق: "أيهم، أنا مش ناقص." تنهد أيهم قائلًا بحزن: "والله ما حد صعبان عليا في الموضوع ده غير البت دي. انت عشان تجيب مناخير أختها الأرض وتوريها إنها خسرتك لما رفضت ترتبط بيك، روحت خطبت أختها دونًا عن كل البنات." انفعل أكمل قائلًا بغضب: "مش دي كانت فكرتك؟ قولتلي خليها تحس إنها خسرتك وتتقهر لما تشوفك اتغيرت وبقيت زي ما هي بتتمنى تكون." أيهم بغضب:
"قولتلك روح لأختها يا حيوان! ولا قولتلك يكون باتفاق مع أي بنت عشان ما تظلمش اللي هتعمل معاك الدور ده." ضحك بسخرية متابعًا: "لكن البيه هو اللي مش بيفهم، راح جاب أختها ومن غير ما يخليها على علم باللي ناوي يعمله." تنهد أكمل قائلًا بتألم وحزن: "مكنتش أعرف إني هحبها يا أيهم." تنهد أيهم بحزن هو الآخر قائلًا:
"هي مش هتقدر تثق فيك من تاني. كل مرة هتقولها بحبك مش هتكون واثقة فيها، هتفكرها لأختها. دول أختين، يعني وجودك بينهم ممكن يوتر علاقتهم ببعض ويزرع بينهم كره، ده لو ما كانش حصل بسبب اللي عملته زمان." سأله بحيرة: "طب أعمل إيه يا أيهم؟ أجابه أيهم بجدية: "أيهم مش هيتدخل تاني. المرة اللي فاتت اتدخلت وانت طلعت أهبل ونيلت الدنيا. ودلوقتي بالذات أنا مينفعش أتدخل. روح لأبوك يمكن يكون عنده الحل."
كاد أكمل أن يغادر ليوقفه أيهم قائلًا بجدية: "بس هقولك حاجة، مشوارك هيبقى طويل أوي عشان تقدر تخليها تثق فيك وفي حبك. الثقة مش بالساهل بترجع." كذلك خرجت نفس الكلام من بين شفتي والده "فريد الزيني"، مصاحبًا بصفعة ونظرة خذلان لابنه، معاتبًا إياه على فعلته تلك التي، ولأول مرة، يعرف بها. يبدو أن الزمن يعيد نفسه من جديد. ***
ما إن خطت لداخل المطبخ في المساء لتعد قهوة لزوجها الذي يتابع عمله للآن، استمعت لصوت بكاء يأتي من تلك الغرفة المتصلة بالمطبخ والتي تمكث بها "سلمى". اقتربت بحذر من الباب الذي لم يغلق كليًا. دفعته برفق وقلق من أن تكون مريضة بالداخل، لتتفاجأ بها تجلس على الفراش تدفن وجهها بين قدميها تبكي بقهر وجسدها يرتجف بقوة. اقتربت منها تسألها بقلق وحنان: "مالك يا سلمى؟ بتعيطي ليه؟ انتفضت سلمى واقفة قائلة بحرج
وهي تمسح دموعها بكف يدها: "مفيش حاجة يا هانم، أنا بس كنت بقطع بصل وعيني بتحرقني." ضحكت حياة بخفوت قبل أن تجلس على الفراش لكي تستمع للحقيقة منها، فهي تعرف أنها كاذبة: "مش شامة ريحة بصل يعني؟ وبعدين المطبخ موجود فيه مفرمة للبصل، يعني عينك مش هتوجعك منه ولا حاجة." أخفضت سلمى وجهها بحرج، فجذبتها حياة برفق لتجلس بجانبها تسألها: "مالك؟ حد مزعلك؟ نفت برأسها، لتبتسم حياة قائلة بمرح: "طب عايزة تتكلمي براحتك؟
أنا بسمع من هنا و بطلع من هنا. اتكلمي كأنك بتكلمي نفسك." كأنها كانت تنتظر الإشارة الخضراء، فسرعان ما أجهشت في بكاء مرير قائلة بقهر وحزن: "سيبني وطردني من البيت عشانها." استمعت لها حياة باهتمام وهي تتابع بألم:
"بابا طردني من بيتي عشانها. صدقها هي وأنا لأ. اتهمتني بسرقة دهبها وأنا والله عمري ما إيدي اتمدت على حاجة مش بتاعتي. قولتله معملتش حاجة، بس طردني ومسمعنيش. قالي روحي لخالتك ولا روحي في داهية ومش عايز يشوف وشي تاني." مسحت دموعه التي سرعان ما تعود وتتساب لتغرق وجهها، بينما حياة تستمع لها بشفقة وحزن:
"مراته أصلًا مش بتحبني من بعد ما اتجوزها وأنا عندي عشر سنين، وهي مورياني الويل كل يوم ضرب وشتيمة. مشغلاني خدامة، حتى خلت بابا يقعدني من المدرسة ويخليني أنزل أشتغل. بتاخد مرتبي كل شهر وما اتكلمتش، وأحيانًا كانت بتسرق فلوس من محفظتي وبسكت." شهقت من البكاء ثم تابعت بقهر: "لكن تتهمني بسرقة الدهب اللي هو في الأساس لأمي اللي يرحمها، وهي طمعت فيه وبابا كالعادة بيسمع أي حاجة تقولها وينفذها." تعالت شهقاتها وهي تتابع بحزن:
"كان عندي أمل يصدقني المرة دي ويدافع عني. كل مرة بيفضل ساكت لما بتمد إيدها عليا وتضربني، كل مرة بترفع إيدها عليا كنت بستناه يتكلم ويقولها لو بس كلمة كفاية، لكن ما اتكلمش. ولما سرقتني وفضلت تضرب فيا، لقيته بيحوشها. فرحت، قولت أخيرًا هيتكلم ويدافع عني. اتكلم، وياريته ما اتكلم." بكت ولم تقدر على متابعة حديثها، لتتحدث حياة أخيرًا قائلة بشفقة وتأثر، وقد عاد سيل تلك الذكريات المؤلمة من الماضي يتدفق إليها:
"سلمى، يمكن محدش في الدنيا دي داق ظلم الأب ومرات الأب، وإنك تتحرمي من حنان الأب والأم قدي. أنا حاسة بيكي وحاسة بالحزن والوجع اللي جواكي، لأن سبق وعشت أصعب منه." نصتت لها سلمى باهتمام ولازالت تبكي: "والدك هو اللي خسران يا سلمى، وصدقيني بكرة يندم على كل لحظة قسا عليكي فيها. اللي حصلك مش آخر الدنيا، لسه قدامك الحياة طويلة. لو فضلت واقفة مكانك تعيطي عمرك ما هتبقي ولا هتكوني حاجة." تنهدت حياة قبل أن تكمل بحزن:
"مش هقولك إنسا وكملي حياتك، لأن مفيش حد بينسى ماضيه. الماضي جزء منا، بنتوجع منه أه، بس بنتعلم منه كتير. لو فضلت قاعدة تعيطي كده وسايبة نفسك للدنيا، الدنيا هتفضل تلطش فيكي وتوديكي وتجيبك." أومأت لها سلمى بصمت ودموع، لتجد فجأة نفسها بأحضان حياة التي جذبتها لأحضانها، تربت على خصلات شعرها بحنان ورفق حتى هدأت، ثم تركتها مغادرة لغرفتها. وسبقها مروان الذي استمع للحديث الدائر بينهم، والذي رغم حزنه عليه،
لكنه تساءل: ما الظلم الذي تعرضت له والدته في الماضي؟ *** بمكان نذهب إليه لأول مرة، وهو الشركة الأم الخاصة برجل الأعمال "عاصي الخولي". بمكتب "فاروق الخولي"، الشقيق الأصغر لعاصي، كان يتحدث عبر الهاتف وصوته يظهر عليه التوتر والارتباك الشديد: "عمران باشا، كله تمام. هانت خلاص، متقلقش." عمران بغضب: "لأ، لازم أقلق. بقالك قد إيه تقولي هانت هانت، ومفيش جديد بيحصل، وعمال تسحب فلوس ومفيش أي حاجة جديدة بتحصل." فاروق بتبرير:
"ما هو يا باشا، عاصي محلق جامد على الملف اللي في التصاميم وكل اللي يخص المشروع ده. حتى اجتماعه مع المهندسين بيكون سري جدًا، وكلهم مستحيل يغدروا بيه." يسخر منه عمران قائلًا بإهانة: "الظاهر إنه مش واثق في أخوه، وعنده حق الصراحة." فاروق بضيق: "ليه كده بس يا باشا؟ الغلط ده." عمران بغضب ونبرة قوية أرعبته: "اسمع يا فاروق، هما يومين، يا تجيلي بحل، يا أنا هبعت اللي يجيلي بروحك." "اسمعني بس ي...
لم يستطع أن يكمل حديثه وأغلق الهاتف بوجهه، فدفعه للحائط بغضب وغل حتى تهشم على الأخير، ليدخل بتلك اللحظة هشام ابنه قائلًا: "في إيه يا بوب؟ متعصب ليه؟ فاروق بغضب وعصبية: "تصدق إنك معندكش ريحة الدم، وعيل وهتفضل طول عمرك عيل." جلس هشام على الأريكة قائلًا بضيق: "في إيه على الصبح؟ أنا لسه صاحي، ملحقتش أعمل مصايب يعني." فاروق بغضب: "عملت إيه؟ عرفت توصل للملف أو التصميم من المهندسين؟ نفى برأسه قائلًا:
"لأ، معرفتش. كلهم عايشين في دور الأمانة والشرف." فاروق بخوف: "طب والعمل؟ رقبتي أنا اللي هتطير في الحكاية دي كلها. ده أنا ساحب من عمران فلوس قد كده على حس الملف ده." هشام ببرود وهو يضع قدم فوق الأخرى: "رجعهم ليه؟ صرخ عليه فاروق بغضب: "يا برودك يا أخي! رجعهم ليه؟ وإنت خليت حيلتي حاجة؟
سهر وزفت شرب كل ليلة وعزائم وحفلات عربية جديدة صرفت كل اللي حيلتنا على المنظرة دي بدل ما تحافظ على القرش عشان نأمن لنفسنا مستقبل. عمك مش هنفضل مستغفلينه طول العمر، مسيره يوم يعرف، وشكله شاكك فينا عشان كده رافض يكون معايا نسخة من الملف أو فكرة عن اللي جواه."
تعالى رنين هاتف هشام بوصول إشعار من أحد رفاقه الموجودين بالحفل، ليجد أن مقطع فيديو مصور ليلة أمس. فتحه، سرعان ما بدأ عقله الخبيث ينسج تلك الخطة التي تؤدي بهلاك شخصان أو ربما أكثر. نظر لوالده قائلًا بمكر: "مش إياد موجود في مصر، وعمي مسكه شغل كمان في الشركة النهارده؟ فاروق بسخرية وغضب: "تصدق، مكنتش أعرف." سخر هشام هو الآخر قائلًا بخبث: "اديك عرفت. مش عايز تستغل وجوده؟ فاروق بعدم فهم: "استغل وجوده في إيه؟
هشام بمكر وهو يعيد تشغيل الفيديو، يضعه أمام وجه والده: "هقولك، بس الأول شوف كده الفيديو ده." سأله فاروق ما إن انتهى من مشاهدة الفيديو: "مين اللي معاه دي وبيرقص معاها كده؟ هشام بمكر وهو يأخذ الهاتف يضعه بجيب سترته: "دي صافي... بنت آدم العمري!!! صمت للحظات قبل أن يتبع كلامه: "المنافس التاني لعمران بعد عمي عاصي! فاروق بضيق: "انت عايز تقول إيه؟ هات من الآخر." هشام بسخرية:
"مش عارف يا بابا، الذكاء اللي عندي ده جبته منين، بس الأكيد إنه مش منك." فاروق بغضب: "انطق، بدل قسمًا بالله لهديك علقة تربيك من أول جديد يا سافل يا قليل الأدب." زفر هشام قائلًا بضيق: "عندي شرط عشان أتكلم." نظر له فاروق بتوجس، ليتابع هشام قائلًا: "نص المبلغ اللي هتاخده من عمران بعد الخدمة الكبيرة اللي هتقدمها له." أجابه فاروق على بغضب: "موافق. انطق." ابتسم هشام مخرجًا أحد سجائره، يدخنها ببطء قبل أن يقول بمكر: "هقولك...
ما إن انتهى من حديثه، لمعت عينا فاروق بسعادة، ليختم هشام حديثه قائلًا بفخر: "إيه رأيك في دماغ ابنك الماظ، مش كده؟ *** بينما بقصر الجارحي، كانت قمر تجلس وحيدة به بعد أن غادر والداها منذ قليل للمطار لاستقبال جدها وجدتها اللذان انتهوا من أداء مناسك العمرة. تفكر بنوح حبيبها والعداوة التي تربطه بعائلتها لسبب ما مجهول. يرفض كلاهما الإفصاح عنه.
لكنها تحبه، وهي على يقين تام أنه يحبها بل يعشقها. لكن ما يقف بينهما أن والدها بالتأكيد سيرفض ذلك الحب وتلك الزيجة. ليصدمها هو بطلبه أن يتزوجا عرفيًا. شهقت بقوة عندما فتح باب شرفتها على مصرعيه ليطل هو عليها من خلفه. توسعت عيناها بصدمة، ثم دفعته للداخل وأغلقت باب الشرفة سريعًا، ثم أغلقت باب غرفتها من الداخل قائلة بصوت خفيض: "انت اتجننت يا نوح؟ بتعمل إيه هنا؟ حاوط وجهها بيديه قائلًا: "وحشتيني أوي يا قمر." ابتسمت
قائلة باشتياق مماثل وقلق: "انت كمان، بس كده ممكن تحصل مشكلة كبيرة لو حد شافك عندي هنا في الأوضة." تنهد قائلًا بحزن: "بإيدك تريحينا وتقبلي نتجوز ونحطه قدام الأمر الواقع. إحنا هنفضل نتقابل في السر كده لحد امتى؟ جلست على الفراش قائلة بخوف: "مش عارفة، بس... جلس بجانبها قائلًا: "إنتي واثقة فيا يا قمر؟ وواثقة من حبي؟ مش كده؟ أومأت له بصمت، ليسألها بحزن: "طب إيه؟ خايفة ليه؟
وافقي وأنا هخليكي أسعد واحدة في العالم. أنا محتاجلك." قال الأخيرة وهو يقترب منها ببطء ينوي تقبيلها، لكنها ابتعدت قائلة بضيق: "نوح، ابعد." أجابها باشتياق: "إنتي وحشاني." وقفت قائلة بضيق: "كل مرة أقولك إني مش بحب كده." جذبها إليه مرة أخرى قائلًا: "بس أنا بحب كده وعايز قربك." أبعدته قائلة بحزن: "اللي بنعمله كله غلط وحرام." زفر بضيق قائلًا: "قولتلك، في إيدك تخليه حلال لما تبقي مراتي. وافقي يا قمر عشان خاطري."
صمتت لوقت وهو يترقب لسماع إجابتها التي تتهرب من إخباره بها. كانت في حيرة من أمرها، لكنها حسمت أمرها قائلة............... *** بينما بفيلا بدر الجارحي، انتفض الجميع من نومهم على صوت صراخ بدر العالي باسم حياة، حيث كانت فاقدة للوعي أسفل الدرج، وبجانبها ورقة يبدو أنها لم تتحمل الخبر المدون بداخلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!