تحميل رواية ضحايا الماضي بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تركض بحديقة تلك الفيلا الواسعة تحاول التنفيس عن نيران الغضب التي بداخلها و لم تنطفئ منذ أن كانت صغيرة بداخلها نيران إذا خرجت لأحرقت كل من حولها نيران موجودة بداخلها و بداخل كل اخوانها منذ سنوات طوال نيران لن تنطفئ سوا بالأنتقام ممن كانوا سبب تعاستهم و تدميرهم. بعد ساعة انتهت فيها من الركض صعدت لغرفتها مباشرة و استعدت ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام كان آدم يترأس طاولة الطعام و على يمينه أوس و ريان و يساره يجلس أمير. جلست بجانب أمير قائلة بابتسامة صغيرة: صباح الخير. اجاب الجميع بابتسامة: صباح النو...
رواية ضحايا الماضي الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري
تركض بحديقة تلك الفيلا الواسعة تحاول التنفيس عن نيران الغضب التي بداخلها و لم تنطفئ منذ أن كانت صغيرة بداخلها نيران إذا خرجت لأحرقت كل من حولها نيران موجودة بداخلها و بداخل كل اخوانها منذ سنوات طوال نيران لن تنطفئ سوا بالأنتقام ممن كانوا سبب تعاستهم و تدميرهم.
بعد ساعة انتهت فيها من الركض صعدت لغرفتها مباشرة و استعدت ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام كان آدم يترأس طاولة الطعام و على يمينه أوس و ريان و يساره يجلس أمير.
جلست بجانب أمير قائلة بابتسامة صغيرة:
صباح الخير.
اجاب الجميع بابتسامة:
صباح النور.
صمت عم المكان قطعه صوت أوس قائلا بنفاذ صبر و ضيق:
بقالنا شهرين و شوية راجعين هنفضل مستنين لأمتى يا آدم هنفضل نراقب من بعيد لبعيد كده.
ادم بجدية:
قبل ما ناخد خطوة لازم نعرف حياتهم ماشية ازاي لازم نعرف كل كبيرة و صغيرة قبل ما نبدأ اللعب على أصوله معاهم يا أوس.
ابتسم بمكر متابعا:
بس ع العموم خلاص هانت ايام و هنبدأ بس لازم نمهد الأول قبل ما ندخل و لا ايه.
تبادل الخمسة النظرات بمكر و قد وصل إليهم ما يلمح له أخيهم.
بعد ساعات بمكان آخر تتصاعد به النيران و عربات الأطفاء موجودة بالمكان و كذلك سيارات الشرطة التي تتحقق في سبب الحريق الذي اشتعل بأحد مصانع الملابس الجاهزة و المخزن الكبير الذي يجاوره.
بعد وقت طويل تم إطفاء النيران بواسطة رجال الاطفاء بينما ذلك الرجل الذي أكل الشيب رأسه يقف بجانب شقيقته و الاثنان بحالة يرثى لها يكاد الاثنان يبكيان من هول تلك الفاجعة التي حلت عليهم لقد خسرا أموال طائلة استثمرها الاثنان بذلك المصنع الكبير ذو السمعة الكبيرة و المعروفة بين أصحاب الطبقة المخملية و كذلك المخزن الممتلئ بالعديد من الاقمشة التي كلفت الاثنان ملايين طائلة ها هي أصبحت رماد.
غادرت سيارات الشرطة بعدما أخذت اقوالهم دخل الاثنان لداخل المصنع كلاهما ينظر حوله بتحسر لكن لحظة و تجمد الاثنان بمكانهم عندما وقعت عينهما على تلك الجملة المكتوبة باللغة الإنجليزية على الحائط: We are Back !!!
بعد يومان لم تتوصل عناصر الشرطة للمتسبب بذلك الحريق الذي حدث بفعل فاعل لتقيد القضية ضد مجهول ليبقى هذا السؤال يتردد بعقل الجميع من الفاعل.
في صباح يوم جديد.
بقصر عائلة الجارحي حيث يقيم به سليم الجارحي كبير العائلة برفقة زوجته و ولده الأكبر قاسم و زوجته فرحة و التي تكون بنفس الوقت ابنة أخيه الراحل و أبنائهم أدهم و زينة و يقيم معهم ايضا هدير ابنة خالة قاسم و ابنتها هنا.
كان سليم يجلس بمكتبه يمسك بيده صورة ابنته التي رحلت بربيع عمرها و دموعه التي لم تنزل سوى على مدللته و ابنته الوحيدة مرددا بحزن:
وحشتيني يا غالية. سامحيني يا بنتي مقدرتش احافظ عليكي سنين عدت ولادك كبروا اتغيروا اوي يا ليلى الضحكة بقت بشوفها على وشوشهم قليل اوي خايف عليهم من اللي ناوين عليه. خايف اخسرهم زي ما خسرتك.
تنهد بحزن متابعا و هو ينظر للاطار الاخر الموضوع على مكتبه و جمل صورة لأحفاده جميعاً:
اللي حصل زمان غير ولادك يا ليلى موتك كسرنا كلنا يا قلب ابوكي. سامحيني يا بنتي انا اللي بأيدي سلمتك اللي ماحفظش عليكي و لا صان الأمانة.
طرق على باب المكتب يليه دخول ولده قاسم الذي ما ان رأى حالة والده ردد بحزن و ألم:
ادعيلها بالرحمة يا بابا هي في مكان احسن بكتير متغلاش ع اللي خلقها.
اومأ له سليم بحزن ثم نزل الأثنان لأسفل حيث طاولة الطعام ليقول سليم بجدية:
ولاد عمتكم جايين انهاردة على العشا تبقوا موجودين كلكوا مفهوم.
اومأ الجميع له ليسأل قاسم ابنته بحنان:
عندك جامعه انهارده يا زينة.
نفت برأسها قائلة:
لا يا بابا معنديش محاضرات.
اومأ له ثم سأل هنا التي اجابته بابتسامتها و صوتها الهادئ دوما:
عندي محاضره كمان ساعة. هروح دلوقتي.
تدخل سليم بالحديث قائلا:
ماشي يا حبيبتي ادهم هيوصلك بما ان زينة مش رايحه معاكي.
ابتسمت هنا بهدوء لكن بداخلها كانت سعيدة و بشدة لأنها ستكون برفقة أدهم حبيبها الذي لا يراها ابدا بل و يعاملها دائما بقسوة لا تعرف سببها.
اختفت ابتسامتها عندما سمعته يردد بضيق:
بس كده هتأخر. خليها تروح مع السواق عشان انا هعدي على سمر خطيبتي نروح الشغل سوا.
اخفت حزنها و حرجها بصعوبة قائلة:
مفيش مشكلة انا اقدر اروح لوحدي.
سليم بصرامة:
اللي قولته يتنفذ يا بن قاسم فاهم.
تنهد أدهم بضيق قائلا:
حاضر يا جدي.
وقف متابعا حديثه قائلا دون النظر لها:
يلا خليني الحق اوصلك عشان متأخرش.
ذهبت معه و هي تحاول التحكم بدموعها حتى لا تخونها و تنزل أمامه ما ان غادر الاثنان.
تمتمت زينة بغيظ:
انا نفسي اعرف خطيبته دي عجباه في ايه.
عاتبتها والدتها و تدعي قمر قائلة:
زينة عيب كده.
زينه بضيق:
حاضر سكت يا ماما.
بينما سليم كان ينظر لاثر هنا و أدهم بغموض و هو يفكر بذلك القرار الذي اتخذه.
على الناحية الأخرى.
بسيارة أدهم.
كان يزفر بضيق من حين لأخر مرددا:
مكنش ناقصني غير العطله دي كمان عشان اوصل سيادتك.
ردت عليه بحزن و أعين تلتمع بالدموع:
نزلني على اي جنب و انا هروح لوحدي مفيش داعي تعطل نفسك و متخليش خطيبتك تستناك و انا لو حد سألني هقوله انك وصلتني.
كأنه كان ينتظر سماع هذا أوقف سيارته قائلا ببرود:
تمام اتفضلي انزلي يلا عشان متأخرش.
نظرت له بصدمة و حزن و بدون كلام خرجت من سيارته و ما ان خرجت منها انطلق ادهم دون النظر خلفه لتقف هي تمسح دموعها التي تمردت و نزلت لتغرق وجهها تتساءل ماذا فعلت لتحصل على كل ذلك الجفاء و الكره منه.
أوقفت سيارة أجرة متوجهة لجامعتها و ذلك السؤال الذي لم يتركها منذ سنوات يشغل عقلها.
بذلك القصر الكبير الذي لم تزوره سعادة او لمحة منها منذ سنوات طوال منذ أن خرجت منه هي و أبنائها كأن جدرانه أقسمت ان لا تأتي بسعادة على قاطنيه ابدا قصاصا لها و لابنائها.
كان يجلس خلف مكتبه يمسك بيده تلك الصورة الوحيدة التي احتفظ بها منذ سنوات بعدما احرق كل شيء يتعلق بها لازال قلبه ينبض بعشقها قلبه لم يعرف الألم سوى على يدها.
الجميع يظن انه قاسي بلا قلب لا أحد يعرف كم يعاني كم يتألم او هكذا هو يظن نفسه لكنه.
هو من كان سبب في ذلك هو من وضع نفسه في دور المظلوم غير مقتنع بأنه ظالم و بشده.
ظلم اقرب الناس إليه.
كان شارد بصورتها و لم ينتبه للطرقات على باب المكتب و حينما يأس الطارق من ان يسمح له بالدخول دخل و لم تكن سوا زوجته ثريا التي ما ان وقعت عيناها على صورتها بين يديه حتى صرخت قائلة بغضب و بكاء زيفته بأحترافية شديدة:
انت لسه محتفظ بصورتها. لسه بتحبها يا يوسف بعد اللي عملته فيك نسيت هي عملت ايه نسيت خيانته ليك و انها كانت بتستغفلك طول السنين دي كلها لحد امتى هتفضل ليلى موجودة في حياتنا لأمتى هتفضل تفكر فيها و مهمشني في حياتك يا يوسف نسيت انا قبلت على نفسي ايه عشان افضل جنبك.
تنهد يوسف بغضب هو ليس بحاجة ليذكره أحد كل لحظة تمر بحياته لم ينسى خيانتها ابدا لكن ماذا يفعل بقلبه الخائن الذي لا يزال يعشقها توجه حيث شرفة مكتبه ينظر للخارج مرددا دون النظر لها:
مانستش و لا محتاج اللي يفكرني يا ثريا هي ماتت خلاص لو كانت عايشة كنت خليتها تشوف العذاب الوان على عملتها.
تنهد بحزن قبل ان يتابع بعد التفت ينظر لها:
منستش يا ثريا عارف انك وقفتي جنبي كتير بعد موتها و قبلتي اللي مفيش زوجة تقبله بس غصب عني صدقيني مش بأيدي.
ثريا بدموع و بحب اجادت تصنعه:
انا عملت كده عشان بحبك يا يوسف بحبك اكتر من اي حد.
احتضنها مرددا بحنان:
خلاص اهدي يا ثريا. انا اسف.
ما ان عانقها تحول ذلك الحزن الذي ترسمه على ملامح وجهه لابتسامة ماكرة. خبيثة مثل صاحبتها تماما سعيدة لأنها تستطيع التأثير عليه اما عنه يظنها ملاك و في الحقيقة أبليس بذاته يتعلم منها.
خرجت ثريا من احضانه قائلة بابتسامة و هي تجفف دموعها بيدها:
ماما سعاد مستنياك على الفطار تحت يلا.
اومأ لها و توجه الاثنان لغرفة الطعام حيث ينتظره الجميع جلس على يمين والدته التي تترأس المائده بينما على يسارها يجلس أخيه الأصغر جمال.
القى الصباح على الجميع باقتضاب اعتاد عليه الجميع منذ سنوات:
صباح الخير.
ردد الجميع الصباح عليه ثم عاد كلا منهم للصمت مرة أخرى الجميع لم يقطعه سوى سؤال جمال:
لسه معرفتش يا محسن مين اللي عمل كده في و حرق المصنع و المخزن.
محسن بغل و غضب:
لا بس مسيري اعرفه و مش هرحمه ساعتها.
يوسف بهدوء:
كله هيبقى تمام تتعوض الخسارة في حاجة تانية ان شاء الله و الحمد لله انها جت على قد كده لو احتاجت حاجة متترددش تطلبها مني.
ابتسم له محسن بشكر و بداخله يتوعد بالويلات لمن فعل به هذا.
عاد الجميع للصمت مرة أخرى لكن تلك المرة قطعه صوت سارة ابنة ثريا من زواج سابق و هي تقول برقة و تضع يدها على يد إلياس الابن الأكبر لجمال العمري:
ممكن توصلني يا الياس في طريقك النادي اصل عربيتي لسه في الصيانة.
ابعد يدها عنه قائلا بضيق:
طب يلا عشان اتأخرت.
وقفت سريعاً قائلة و هي تمشي خلفه:
ميرسي يا إلياس.
لكن اوقفه صوت جدته التي نظرت له قائلة بغموض و بنظرة لم يفهمها سوى الاثنان:
متنساش اللي قولتلك عليه يا إلياس.
زفر بضيق ثم اومأ لها برأسه و غادر سريعاً و خلفه سارة بينما ثريا و شقيقها و يدعى محسن الذي يقيم بالقصر معهم تبادلوا النظرات بحيرة كلاهما يفكر ماذا أرادت سعاد من إلياس.
بشركة العمري.
كانت يقف ينظر للشارع من خلال الزجاج الشفاف الذي يسمح له برؤية من بالخارج و العكس لا.
يفكر بحديثه ما جدته و ما طلبته منه ليلة أمس:
انا عايزة احفادي يا إلياس عمك غضبه عاميه عن كل حاجة حتى ولاده اللي من صلبه. انا عايزة اجمعه بولاده و ارجع كل حاجة زي ما كانت زمان قبل ما اقابل وجه كريم عايزة اشوف احفادي كلهم حواليا قبل ما اموت.
تنهد بعمق يفكر ما سيحدث ان اجتمع أبناء عمه بوالدهم و بالعائلة بعد كل تلك السنوات بالطبع سيحدث صدام قوي و ما سيحدث لن يكون.
خير ابداً. لكنه بكل الاحوال سيحقق رغبة جدته.
لذا أمر رجاله بالبحث عنهم.
بنهاية اليوم كان أحد رجاله يأتي بملف به كل المعلومات عنهم بعد انصرافه فتح إلياس الملف يتفحصه بفضول و بعد أن انتهى وجد صور لهم جميعاً و بأخر صورة توقفت عيناه على صورتها ملامحها كانت و لازالت محفورة بعقله منذ الصغر ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه و لمحات من الماضي تذكرها الآن ليجدد نفسه يردد ذلك الاسم الذي كان يناديها به منذ سنوات قبل أن يحدث.
حياة إلياس.
ما ان عاد من عمله توجه لغرفة جدته مباشرة.
قائلا بابتسامة:
عرفت عنهم كل حاجة كانوا عايشين في لندن من حوالي خمس سنين و شوية و رجعوا من كام شهر عايشين في فيلا لوحدهم و كمان عندهم مجموعة شركات. قص عليها كل المعلومات التي وصلت له بذلك الملف و بعد أن انتهى أخذت منه العنوان قائلة بغموض:
خلينا ننزل في كلام لازم الكل يسمعه.
نفذ ما قالت و بعد وقت قصير بالأسفل كانت صدمة تحل على الجميع عندما قالت بصرامة:
انا جبت عنوان احفادي. ولادك يا يوسف و بكره هنروح نشوفهم كلنا بلا استثناء.
انتفض من مكانه قائلا بغضب:
انا ما عندي ولاد.
ردت عليه بصرامة:
لا عندك يا يوسف عندك كفاية عند بقى انت لو مفكر انك كده بتعاقب ليلى ع اللي عملته زمان بأنك تتخلى عن ولادك و تيتمهم و تسيبهم في الدنيا لوحدهم عشان توجعها في اكتر حاجة هي بتحبها تبقى غلطان انت بتعاقب نفسك قبلها محدش باقيلك الحق ولادك يا يوسف.
يوسف بسخرية و حدة:
مكنش ده كلامك من سنين كنتي ساكتة و ما اتكلمتيش اشمعنا دلوقتي جاية تقولي احفادي و الحق ولادك.
بغضب نطقت اسمه و اكتفت بالصمت بعدها فلا يوجد ما تقول سوى انها بعد أن رفض الخمسة رؤيتها عدة مرات بعد وفاة والدتهم بسبب كلامها و ما قالته عن والدتهم ذلك اليوم منعها كبريائها و كرامتها من ان تحاول رؤيتهم مرة أخرى و قد ألهتها الحياة و انشغلت بأحفادها الآخرين هي مخطئة و لا تنكر ذلك لكنها افيقت و تتمنى ان تصلح ما حدث بالماضي تنهدت بعمق قائلة بصرامة و نبرة غير قابلة للنقاش:
هي كلمة كلنا هنروح بكره يا يوسف يا كده يا أما تنسى أن ليك أم زي ما أنا هنسى انك ابني.
قالتها ثم غادرت و تركت يوسف يشتعل غضباً بينما ثريا أخذت تتبادل النظرات مع محسن و الاثنان كلاهما يحاولان رسم الهدوء على ملامح وجهما بعد ما قالته سعاد و كلاهما يردد بداخله المصائب لا تأتي فرداً اولا الحريق الذي اعادهم لنقطة الصفر من جديد و الثاني عودة من حرص الاثنان على ابعادهم عن ذلك القصر لسنوات.
في صباح اليوم التالي.
بفيلا الأدم استيقظ الخمسة و كعادتهم كل صباح يمارسون الرياضة و بعدها يؤدي كلا منهم فرضه و يستعدوا للذهاب لأعمالهم لكن اليوم غير.
تعالى رنين جرس المنزل ذهبت فرح لكي تفتح و ما ان فتحت تفاجأت بعد كبير من الناس ليقول رجل يبدوا انه بأواخر الخمسين من عمره:
عايزين نقابل أدم او أي حد من اخواته لو موجودين.
اومأت له قائلة:
كلهم موجودين مين حضراتكم.
قوليلهم جمال العمري.
حاضر اتفضلوا.
ادخلتهم الصالون الذي يوجد أمام الدرج الذي يصل للطابق الثاني و عندما جاءت لتصعد فرح حتى تخبرهم بالضيوف وجدت حياة تنزل الدرج تعبث بهاتفها و خلفها ينزل أمير الذي كان مشغول بطي أكمام قميصه لكن ما ان وقعت أعين الاثنان عليهم تصنم كلاهما بمكانه.
رواية ضحايا الماضي الفصل الثاني 2 - بقلم شهد الشوري
في فيلا الأدم، استيقظ الخمسة وكعادتهم كل صباح يمارسون الرياضة، وبعدها يؤدي كل منهم فرضه ويستعدون للذهاب لأعمالهم. لكن اليوم غير.
رن جرس المنزل، ذهبت فرح لكي تفتح، وما إن فتحت تفاجأت بعدد كبير من الناس. ليقول رجل يبدو أنه في أواخر الخمسين من عمره:
"عايزين نقابل أدم أو أي حد من إخواته لو موجود."
أومأت له قائلة:
"كلهم موجودين، مين حضراتكم؟"
"قول لهم جمال العمري."
أومأت له قائلة بتهذيب:
"حاضر، اتفضلوا."
أدخلتهم الصالون الذي يوجد أمام الدرج الذي يصل للطابق الثاني. وعندما جاءت لتصعد فرح حتى تخبرهم بالضيوف، وجدت حياة تنزل الدرج تعبث بهاتفها، وخلفها ينزل أمير الذي كان مشغولًا بطي أكمام قميصه. لكن ما إن وقعت أعين الاثنين عليهم، تصنم كلاهما بمكانه.
فرح بهدوء:
"حضراتهم كانوا بيسألوا عليكم."
لم يجيب عليها أحد، لتستشعر هي حرب النظرات بين الجميع. غادرت الغرفة بهدوء دون حديث.
اقتربت سعاد من حياة التي كانت تقف أمام أمير لكي تحتضنها بسعادة ودموع، لكن الأخرى ابتعدت للخلف عدة خطوات ما إن اقتربت منها وكأنها وباء سيصيبها، قائلة بهدوء يسبق العاصفة:
"بره."
ما قالته لم يستغرب منه أحد، فهو شيء متوقع، لكن نظراتها المشمئزة التي تصوبها على الجميع أثارت غضب البعض، وكان هو أكثره.
ليأتي من الخلف صوت أدم وهو ينزل الدرج وخلفه أوس وريان، قائلاً بسخرية:
"تؤ تؤ…. كان نفسي أقول لكم نورتوا البيت، بس اللي زيكم يضلموا أي مكان يدخلوه، بإستثناء البعض طبعًا لأني مش باخد حد بذنب حد."
قال الأخيرة وهو يصوب نظرات سخرية حيث يوسف الذي بادله نظرات سخرية مماثلة.
سعاد بدموع وحزن:
"يا بني أنا بس كنت حابة أشوفكم، أنا حاولت زمان أشوفكم بس…."
قاطعها أوس قائلاً بسخرية وقسوة:
"بس زهقتي… ملّيتي… انتي أصلًا محاولتيش زمان، انتي اللي عملتيه زمان إنك قولتي أعمل اللي عليا كأنك مصدقتي واتخلصتي منا يا سعاد هانم."
تدخلت ثريا بالحديث قائلة بسخرية:
"عندها حق لما تصدق تتخلص منكم، كفاية العار اللي أمكم ماتت بيه ده كفيل يخلي أي حد يتكسف يقرب من أي شيء يخصها، ولا إيه."
حياة بسخرية ولولا يد شقيقها ريان التي منعتها من أن تذهب وتزهق روحها في الحال:
"والله هو لو هيبقى فيه عار بجد يخلي أي حد يتكسف يقرب منه، فعيلة العمري تبقى أكبر عار."
تدخل محسن بالحديث قائلاً بسخرية:
"أظن مفيش عار أكتر من إن الزوجة تبقى خاينة ومقضياها مع كل واحد شوية… ما…."
لم يكد يكمل حديثه لتخترق تلك الرصاصة التي خرجت من سلاح أوس الذي فقد أعصابه بعد استماعه لكلمات ذلك الحقير عن والدته، لتصيب كتف الآخر، قائلاً بغضب:
"ورحمة أمي ما هرحمك يا…."
بينما أمير لم يتمالك نفسه هو الآخر، ليقترب من الآخر يلكمه بقوة أوقعته أرضًا، يصرخ من الألم. تدخل أدم وريان كلاهما يبعد أوس الذي انضم لأمير، ينهالون على الآخر بالكدمات. بينما حياة توقفت مكانها تنظر لثريا التي استطاعت أن ترى حياة الخوف بعينيها بكل سهولة.
"مش جايبينه من بره ده حتى، في مثل بيقول اللي بيته من إزاز يا يوسف بيه."
تبادل يوسف النظرات الغاضبة مع أبنائه، بينما إلياس ومازن شقيقه الأصغر قاما بإسعاف محسن الذي فقد وعيه على الفور.
اقتربت سعاد منهم قائلة برجاء ودموع:
"ملكيش خاطر يا سعاد هانم، والباب اللي دخلتوا منه ياريت تخرجوا منه. أولاد ليلى الجارحي مش بيرحبوا بأي حد من اللي قتلوا أمهم. ياريت تتفضلوا تمشوا، انتوا مش مرحب بيكم هنا."
بينما أدم تابع بسخرية:
"نصيحة مني، الحقوا استمتعوا بشوية هدوء الأيام دي، لأن بعد كده مش هتلاقوه."
غادر الجميع خلف مازن وإلياس، والغضب يسيطر على بعضهم والحزن على البعض الآخر. بينما تلك الجميلة كانت تقف بجانبهم، وعيناها لم تفارق النظر لذلك الذي خطف قلبها منذ سنوات طوال. حبيب طفولتها ومراهقتها، تتساءل هل لازال يتذكرها أم نساها؟ والأسوأ هل أصبح يكرهها مثلما يكره عائلتها بأكملها؟
بعد أن غادر الجميع، أوس بجدية والخمسة يتبادلون النظرات بغموض:
"أظن لازم ناخد الخطوة التانية بسرعة."
كان الخمسة مجتمعين على مائدة الطعام مساءً يتناولون طعام العشاء سويًا كما اعتادوا في صمت. قطعته رحمة، المربية الخاصة لهم منذ الصغر:
"أدم يا بني، كنت عاوزة أطلب منك طلب."
أدم بجدية واحترام:
"اتفضلي، تحت أمرك."
رحمة بحزن:
"أختي زي ما أنت عارف اتوفت، وكان عايش معاها بنتي نوران وبنت أختي الله يرحمها كمان. أنا خايفة عليهم من العيشة لوحدهم في شقة بعيد عني، كنت عاوزة أجيبهم يعيشوا معايا هنا… مش هنعمل أي إزعاج خالص و…."
عاتبتها حياة قائلة بعتاب:
"إيه اللي بتقوليه ده بس يا داده، إزعاج إيه؟ دول ينوروا البيت…. ده بيتك زي ما هو بيتنا بالظبط، تجيبي فيه اللي انتي عايزاه."
أمير وهو يقبل يدها قائلاً بمرح وغزل:
"انتي صاحبة البيت يا قمر، وإحنا ضيوف عندك يا جميل انت."
ضحكت رحمة بسعادة قائلة:
"متحرمش منكم يا ولاد، تعيشوا يا ولاد الأصول."
أدم بابتسامة:
"شوفي اليوم اللي هيجوا فيه، وأنا أبعت السواق يجيبهم لحد هنا."
ابتسمت بسعادة، مربتة على كتفه قائلة:
"تسلم يا غالي يا بن الغالية."
ابتسم الخمسة بحزن عند ذكر والدتهم الحبيبة، لتخبره رحمة بأنهم سيأتون بعد غد. أومأ لها أدم بصمت، قبل أن تغادر.
وبنفس اللحظة، وصلت رسالة لهاتف أوس. ما إن فتحها ابتسم لهم قائلاً بمكر:
"حصل."
ابتسم الجميع بمكر، كل منهم يتخيل ردة فعل الجميع على ما سيحدث غدًا.
مر يومان دون أحداث تذكر، سوى خروج محسن من المستشفى وتراجع عن رغبته بتقديم بلاغ ضد أوس لمحاولة قتله بأمر من سعاد وجمال. أما يوسف، فهو منذ أن عاد ذلك اليوم وهو دائم الشرود، يشعر بالذنب تجاههم، وبنفس الوقت يشعر بالغضب من ذاته لشعوره هذا.
كان الجميع يجلسون ببهو القصر، فاليوم هو عطلة للجميع، ليتفاجأ كل منهم بدخول أدم المفاجئ للقصر، بينما يسير خلفه إخوانه وعدد من الحراس يسير خلفهم. انتفض يوسف قائلاً بغضب:
"مين دخلكم هنا…. اطلعوا بره."
أدم ببرود وسخرية:
"والله لو حد المفروض يطرد التاني فيبقى أنا يا يوسف يا عمري."
إلياس بغضب:
"انت بتقول إيه، اتكلم عدل ووضح كلامك يا أما تتفضل تطلع بره."
أدم بسخرية:
"هقولك بردو نفس الكلام اللي قولته لعمك، محدش من حقه يقول مين اللي يفضل ومين اللي يمشي في البيت ده غير شخص واحد بس، أنا… أدم الجارحي."
قال الأخيرة وهو يشدد على اسم عائلة والدته ليوضح للجميع، وبالأخص ذلك الذي تخلى عنهم قديمًا، أنه يشعر بالنفور من اسمه واسم عائلته.
تابع أمير بسخرية:
"قصر عيلة العمري مالكه واحد بس، أدم!"
تدخل محسن قائلاً بغضب:
"انت اتجننت، قصر عيلة العمري متسجل باسم الابن الأكبر لكمال العمري، إزاي بقى أخوك بيملكه؟ ولا انتوا جايين تنصبوا ومش مكفيكم اللي عملته…."
قاطعه أوس قائلاً بغضب وقوة:
"الرصاصة المرة الجاية كانت في دراعك، المرة الجاية هتبقى في نص راسك لو ما حطتش لسانك جوه بوقك وفضلت قاعد زي الكرسي اللي قاعد عليه."
ثريا بغضب وحدة:
"إيه قلة الذوق دي، انتوا فعلاً ناقصين تربية زي اللي خلفتكم واللي متستاهلش حتى أجيب سيرتها على لساني."
اقتربت منها حياة بهدوء، بث الرعب بداخلها حتى وقفت أمامها مباشرة قائلة:
"في حاجة ليكي عندي من زمان، وأظن جه الوقت عشان تاخديها يا ثريا."
ثريا بتوتر وخوف:
"حاجة إيه؟"
بلحظة كانت ثريا تسقط على الأريكة من خلفها بعدما هوت حياة بكف يدها على صدغها بصفعة قوية قاسية، تمنت أن تنهال بعدها عليها بالمزيد، لكنها تحمّلت بذاتها قائلة بقوة:
"القلم ده أنا وانتي عارفين أنا خدته منك إمتى، وأهو بيترد لك يا ثريا، ولسه الباقي كله هيترد لك."
وقفت ثريا بغضب، محاولة أن تصفع حياة، لكن يد آدم كانت الأسبق، ومسكت يده مانعة إياه من صفع شقيقته، قائلاً بقوة:
"لسه متخلقش اللي يرفع إيده على حياة الجارحي طول ما أخواتها موجودين على وش الدنيا."
قالها ثم ترك يد يوسف ببرود، ليتابع أدم بقوة وهو يأخذ بعض الأوراق من يد أحد رجاله:
"ده ورق يثبت ملكيتي للقصر، ومش مزور، والإمضاء اللي عليه مش مزورة ولا حاجة، تقدر ترفع قضية وتتأكد وتعمل كل اللي انت عاوزه."
اختطف يوسف الورق منه بعنف، لتشتعل عيناه بغضب شديد، ولا يعرف كيف وقعت تلك الأوراق وكيف جاءت إمضته عليها.
أوس بسخرية:
"اتأكدت يا يوسف باشا."
نظر يوسف لهم بغضب، وإلياس كان يتابع بهدوء شديد وعيناه مصوبة على والده الذي لم يتفاجأ مثل الباقين، وكان هو الوحيد الذي لاحظ هذا الشيء، فهو حتى الآن لم يغضب، لم يثور، ولم يتكلم.
أدم بسخرية:
"يعني حضراتكم دلوقتي قاعدين في قصري."
تدخل مازن قائلاً بغضب:
"ده نصب واحتيال."
أدم ببرود:
"آه نصب واحتيال."
مازن بغضب:
"إيه البجاحة دي، أنا مشوفتش كده."
جمال بصرامة مشيرًا لابنه بأن يصمت:
"مازن."
زفر مازن بضيق والغضب يتملكه من طريقة الخمسة التي تشعل الغضب بأي شخص.
إلياس ببرود:
"عايزين إيه من الآخر."
أدم بسخرية:
"الأكيد إنه مش خير. كل اللي هنعمله إننا الخمسة هنعصر على نفسنا لمونة وهنعيش هنا فترة صغيرة…. بس طبعًا بقواعد خاصة بينا."
إلياس ببرود:
"اللي هي إيه بقى إن شاء الله."
أوس ببرود:
"هتعرفها بعدين، مش دلوقتي."
أمير ببرود:
"الأوض الفاضية اللي هنا."
فرحة زوجة جمال بابتسامة:
"فوق، هوصلكم بنفسي."
ابتسم لها الخمسة بصفاء وحب، فهم لم ينسوا صداقتها بوالدتهم وعلاقتها الطيبة معها، بل وأيضًا دفاعها عنها وعدم تصديق لأي حديث ذكر بحق والدتهم الحبيبة، بل وأيضًا لم تنساهم وظلت تتساءل عنهم حتى سافر الخمسة للخارج وبعدها لم يعد يتواصلون معها.
تعجب الجميع من تغير نظراتهم لفرحة وابتسامتهم لها، قبل أن يصعد أدم الدرج، همس بصوت خفيض لمحسن وثريا، فكان الاثنان يقفان بجانب بعضهم:
"We are back!!!"
توسعت أعين الاثنان بصدمة، وهنا علموا من قام بذلك الحريق، وهنا علم الاثنان أن القادم سيكون أسوأ.
مساءً نزلت حياة بهدوء لحديقة القصر الذي لم تدخله منذ خمسة عشر عامًا. لم تتغير كثيرًا، ببطء اقتربت من تلك المنطقة تحديدًا والقريبة من باب القصر الداخلي، ثم جلست أرضًا تتحسس ذلك المكان بيدها وهي تبتسم. هنا آخر مرة رأت والدتها وهي تبتسم. أغمضت عينيها بحزن وهي تتذكر ما حدث هنا، وذلك اليوم الذي تغيرت حياتهم رأسًا على عقب.
**Flash Back**
كانت تجلس هي ووالدتها بحديقة القصر ويحوطها ألعابها الكثيرة التي دائمًا ما كان يغرقها بها والدها الحنون. لاحظت والدتها التي تجلس شاردة حزينة. اقتربت من والدتها قائلة ببراءة وقد كانت حينها في الخامسة والنصف من عمرها تقريبًا:
"مالك يا مامي؟ زعلانة ليه؟"
ابتسمت ليلى لها مقبلة وجنتها قائلة بحنان:
"مفيش يا حبيبتي."
حياة بنفي وغضب طفولي:
"لأ، انتي زعلانة بسبب الست اللي بابي جابها تعيش معانا وكل شوية بتضايقك."
كادت أن ترد عليها لكن قاطعها صوت بغيض تمقته وبشدة قائلاً:
"إزيك يا مدام ليلى."
ليلى لحياة بابتسامة حنونة:
"روحي كملي لعب يا حبيبتي."
أومأت حياة لها وهي تبعد يد محسن التي تداعب وجنتها بسماجة. التفتت ليلى قائلة له بضيق:
"خير يا أستاذ محسن، حضرتك محتاج حاجة؟"
محسن بمكر قبل أن يخرج زجاجة صغيرة وبلحظة قام ينثر منها رذاذ على وجهها لتسقط فاقدة للوعي بين يديه، بينما الصغيرة كانت تعطيهم ظهرها ولم تنتبه لما يحدث:
"عايزك انتي يا قمر."
بعد أن تقدم بضع خطوات من باب القصر الداخلي، انتبهت حياة له وهو يحمل والدتها الفاقدة للوعي، لكن توقفت عندما شاهدت زوجة والدها البغيضة التي تمقتها بشدة. تعجبت من وجودها، فمن المفترض أنه لا يوجد أحد بالقصر. قبل أن تقترب منهم، استمعت لمحسن قائلاً بمكر ووقاحة وهو ينظر لجسد والدتها بنظرات غير بريئة بالمرة:
"خدرتها يا ثريا، هطلعها فوق، وانتي تعالي ورايا انتي والراجل اللي بره ده، مع إن كنت نفسي أتولى أنا المهمة الرائعة دي."
ثريا بضيق:
"مش وقته، أنجز بسرعة قبل ما يرجعوا."
صعد بها محسن لأعلى، لتقوم ثريا بتجريدها من ملابسها سريعًا ثم دثرتها بالفراش وهي فاقدة للوعي لا حول لها ولا قوة. بينما تلك الصغيرة ما إن صعدت الدرج خلفهم وشاهدت ما يفعلونه بوالدتها، صرخت قائلة بغضب طفولي. هي لم تستوعب ولا تفهم ما يحدث خاصة بعمرها الصغير، لكنها شعرت بأن ما يفعلونه بوالدتها ليست بجيد أبدًا:
"انتوا بتعملوا إيه في مامي."
انتفضت ثريا بخوف قائلة بغضب لمحسن:
"انت مخدرتهاش؟"
محسن بضيق:
"نسيت خالص."
أطلقت سبابًا لاذعًا من بين شفتيها قبل أن تجذب الصغيرة من يدها قائلة بحدة:
"عارفة لو قولتي لحد ع اللي شوفتيه ده يا بت انتي، وشرفي لأخليكي تحصلي أمك."
تحركت الصغيرة بعنف تحاول إبعاد يد تلك الحقيرة عنها، لكنها صرخت بألم وانفجرت باكية عندما صفعتها تلك الحقيرة بقسوة لعلها تكف عن الحركة. جذبها محسن من يدها بعنف وهو يكمم فمها قائلاً بسرعة:
"نادي ع الراجل اللي تحت بسرعة، خلينا نخلصهم على وصول."
بالفعل صعد الرجل، وكما اتفق مع الاثنان استلقى على الفراش بجانب ليلى التي لازالت فاقدة للوعي.
تقول ثريا بمكر وشماتة:
"كده يوسف هيصدق إنها بتخونه، واكيد هيقتلها."
محسن بسخرية غير مبالي بتلك الصغيرة التي تستمع لكل شيء:
"يوسف ده أكبر غبي شوفته في حياتي، تفتكري هيعمل إيه لما يعرف إن الخاين اللي بجد هو انتي وإني مش أخوكي."
ثريا بحدة:
"اخرس خالص لحد يسمعك، خلينا نمشي بسرعة زمانهم على وصول."
حياة ببكاء بعد أن أبعد محسن يده عن فمها حتى لا تصرخ:
"انتوا بتعملوا إيه في مامي؟ أنا هقول لبابي عليكم."
سمع محسن وثريا أصوات تأتي من الأسفل ليركض الاثنان مختبئين بمكان يتيح لهم رؤية ما يحدث دون أن يراهم. يوسف كان محسن يكمم فم حياة بقوة متحكم بها حتى لا تصدر أي صوت، بينما ثريا تراقب بلهفة ما سيحدث خاصة بعدما رأت ليلى بدأت تستعيد وعيها قليلاً.
دخل يوسف الغرفة وترك أبنائه بالأسفل بعدما عادوا من زيارة قبر والده الراحل، ثم صعد إلى غرفته يبحث عن زوجته حتى يعتذر منها عما فعله، لكن تصنم جسده وصدم مما رأى زوجته برفقة رجل آخر وعلى فراشه. لحظات و أفاق من صدمته ثم انقض على الرجل الذي بجانبه ينهال عليه بالعديد والعديد من اللكمات، لكن الآخر استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة وفر هاربًا. بينما هو توجه إلى ليلى يصفعها عدة صفعات، غير منتبه لحالة التيه التي هي بها، بقى يصفعها بقوة وهو يسبها بأسوأ الألفاظ. ركلات ولكمات لم يرحمها أبدًا. أما تلك الصغيرة كانت ترتجف بخوف بين يدي ذلك الحقير الذي لا يزال يكبلها وهو ينظر لما يفعله يوسف بسخرية، وكذلك ثريا التي كانت تنظر لما يفعله بسعادة وشماتة.
يوسف بغضب وهو يجذبها من خصلات شعرها:
"خونتيني ليه يا… ده أنا ما حبتش حد زيك، بس انت… متستاهليش الحب ده، ووديني لاشرب من دمك يا خاينة يا…."
بإهمال وضع ذلك الأسدال على جسدها العاري ثم قام بجرها على الدرج حتى الأسفل بدون شفقة. ركض إليها أبناؤها يتفحصون والدتهم التي كانت بحالة يرثى لها والدماء تغرق جسدها ووجهها بأكمله.
كانت حياة تسمع كل ذلك لكنها لم تستطع الصراخ أو أن تركض لوالدتها بسبب ذلك الحقير الذي يكبلها بقوة ويكمم فمها. تحركت بعنف وهي تركل بقدمها في الهواء، ثم بلحظة فتحت فمها وقامت بدب أسنانها الصغيرة بكف يده الذي يضعه على شفتيها ليفلتها الآخر متألماً، لتركض الأخرى سريعًا قبل أن يلحق أحد من الاثنان بها. نزلت للأسفل حيث والدتها تبكي بقوة.
عاد بغضب وهو ينظر ليوسف:
"إيه؟ إزاي تمد إيدك على مراتك كده؟ أنت اتجننت يا يوسف؟"
يوسف بغضب جحيمي:
"بـ… كانت مع عشيقها في أوضة نومي وعلى سريري الـ… بتخون يوسف العمري."
بوقت واحد صرخ شقيقه وزوجته ووالدته:
"مستحيل."
يوسف بحدة وغضب وهو يركلها بجانبها:
"أنا لسه شايفها هنا وهي في حضن الزبالة فوق، بس ابـ… هرب، ورحمة أبويا لأجيبه لو في آخر الدنيا."
ليلى بألم لا يحتمل ولا تزال لا تفهم ما يحدث:
"مظـ… لـ… ومة."
يوسف بقسوة وهو يجذبها من خصلات شعرها لخارج القصر وأبناؤها يركضون خلفها:
"اخرسي يا… هتكدبيني وأنا شايفك بعيني."
حاول الجميع تخليصها من بين يديه بكم دون فائدة. توجه لباب القصر الخارجي المواجه للطريق السريع، ثم دفعها أرضًا لتقف هي بصعوبة وجسدها يترنح يمينًا ويسارًا، لتأتي سيارة مسرعة من الخلف لتصدمها بقوة، لتقع غارقة في دمائها. ركض الجميع بها سريعًا تحت نظرات سعيدة متشفية من ثريا ومحسن، ولكن الخوف أيضًا متملك منهم بسبب ما سمعته تلك الصغيرة.
حملها جمال سريعًا للمستشفى بعدما قام بقياس نبضها ليجده ضعيف جدًا. أما عنه، مصدوم، هذا حاله الآن.
علم الجميع ما يحدث وجاءت عائلتها للمستشفى بعد معرفتهم بأنها تعرضت لحادث.
بعد وقت طويل:
"إحنا عملنا اللي علينا، بس للأسف الحادثة كانت جامدة، مقدرناش ننقذها هي والجنين…"
"البقاء لله."
قالها الطبيب بأسف ثم غادر، تزامنًا مع صراخ والدتها الذي يمزق القلوب وبكاء أبنائها.
الجميع خيم عليهم الحزن، عداهم كلاهما. استمع للخبر من هنا، ثم تبادلوا النظرات بخبث ومكر لنجاح خطتهم. نظرات التقطتها أعين تلك الصغيرة التي كانت تناظرهم بغل وغضب لا يتناسب مع عمرها.
وقعت عيناها على والدها أيضًا. والدها الذي منذ ساعات كان لها الأب الشجاع الفارس الحنون، أما الآن لا تراه سوى قاتل والدتها. بغضب طفولي ودموع تغرق وجهها الصغير، اقتربت منه صارخة عليه بغضب وهي تدفعه بيدها الصغيرة بقدمه:
"أنا بكرهك… انت وحش… انت اللي خليت ماما تبعد عني… أنا بكرهك."
رغم أن وفاتها زلزلته من الداخل وأحزنته بشدة، ولولا أن يقف بينهم وخوفه على رجولته وكرامته بعد ما فعلت، لكان بكى وركض مهرولاً حيث توجد هي وبكى واحتضنها لآخر مرة، إلا أن غضبه وغيرتها تحكمت به. غضبه منها وتسرعه جعله قال وفعل ما سيندم عليه طوال حياته. دفع الصغيرة بعيدًا عنه حتى سقطت أرضًا وانجرحت يدها، صارخة بألم، ليركض إخوانها إليها كل منهم يتفحصها بقلق، مصدومين بكل ما يحدث. حياتهم أصبحت رأس على عقب بيوم وليلة.
لكن ما حطم قلوبهم أيضًا وجعلها تنشطر لنصفين كلمات والدهم الغاضبة التي لم يكن أحدًا منهم يتوقعها خاصة بهكذا موقف. رغم صغر سنهم، إلا أن تلك الكلمات حفرت بقلوبهم، لن ولن ينسوها.
"دول مش ولادي، أنا مش عاوز أشوفهم، كفاية إن كل ما هشوفهم هيفكروني بخيانتها. أنا مش عايزهم أي يضمني إن هما ولادي، ما هي خاينة وأكيد دورتها مع أكتر من واحد."
نظرة خذلان وحزن رمقها به أدم، أكبر أبنائه والبالغ من العمر خمسة عشر عامًا. كاد قاسم أن يهجم على يوسف، لكن أوقفه أدم ممسكًا بمعصمه وعيناه لازالت مثبتة على والده الذي لوهلة شعر بالحزن والندم لما قال، لكن غضبه منها ومن ما فعلته كان أكبر. أراد أن يؤلمها حتى بعد وفاتها، حتى لو كل ما سيفعله سيطول أبناءها.
اقترب منه أدم قائلاً بقوة لا تناسب سنه، لكنها من الآن تحديدًا أقسم أن يتحلى بها طوال حياته ليحمي إخوته بعد تخلي والدهم الصريح عنهم:
"ورحمة أمي اللي لسه ميتة، لبكره ييجي وتندم. حق أمي مش هيروح هدر، ولا اتنازل عنه أبدًا، والسنين بينا إن ما كانش دلوقتي فهيكون بعدين."
اقترب منه أوس ابنه الثاني متابعًا حديث شقيقه بقوة مماثلة تعكس ما يشعر به الآن:
"اللي حصل إنهاردة واللي قولته هيفضل بينا وبينك العمر كله. انت اتنازلت عنا دلوقتي، وطول عمرك تقولنا اللي يبيعك بيعه واحنا مش بنشتري اللي يبيعنا…. إحنا اللي مش عاوزينك يا… يا يوسف باشا."
ضم آدم إخوته لصدره، بينما تلك الصغيرة دموعها تنزل بصمت، ولا تزال تصوب نظرات حاقدة غاضبة تجاه من كانوا سبب بمقتل والدتها. نظرة لا تناسب طفلة بعمرها، نظرة تعني أنها ستعود يومًا ولكن أقوى.
من هنا وبهذه اللحظة تحولت حياة الخمسة مئة وثمانون درجة. بتلك اللحظة بداخل كل منهم كسر جزء بأعماقهم لن يعود كما كان بالسابق.
**Back**
أفاقت من شرودها بذلك الماضي الأليم وتلك الأيام التي قضتها، كيف دخلت المدرسة لأول مرة بمفردها دون والديها، كيف كانت تستمع لكلمات سامة بحق والدتها من الجيران أو الأقارب بسبب ثريا التي أُذيعت بين الجميع أن والدتها كانت تخون والدها. أغمضت عينيها وفتحتها عدة مرات حتى لا تسمح لدموعها بالسقوط. كم تكره ذلك القصر وكل من بداخله، ليس هيّن أبدًا عليها أن تعيش بنفس المكان التي طردت منه هي ووالدتها وإخوانها منذ سنوات، بل وقتلت والدتها فيه. كانت شاردة ولم تنتبه لذلك الذي يقف بشرفة غرفته يراقبها بشرود، فضول، حزن، أشياء كثيرة يشعر بها نحوها.
في صباح يوم جديد، كان الجميع مجتمعين على طاولة الطعام، كل منهم يتناول الإفطار بذهن شارد. نزل الخمسة للأسفل بهيبة ووقار، بث الرعب بداخل ثريا ومحسن، الذين رغم القوة التي يظهرونها إلا أن بداخلهم يرتعدون من الخوف من القادم.
سعاد بلهفة وهي تشاهد الخمسة متجهين للخروج، فقد كانت السفرة متصلة ببهو القصر وتطل على الصالون الكبير:
"استنوا يا ولاد، تعالوا افطروا."
نظرت لها حياة بسخرية وبداخلها مندهشة مما تقول، كيف لها أن تتعامل هكذا بكل بساطة وكأنها لم تتخلى عنهم مثل ابنها منذ سنوات. تجاهل الخمسة الرد عليها ليقول أدم بقوة:
"الخدامين فضوا أوضتين من أوض الخدم، قبل المغرب تكون ثريا هانم وأخوها ناقلين حاجتهم هنا."
محسن بغضب:
"انت أكيد اتجننت."
ثريا بغضب مماثل:
"أوض خدم إيه اللي عايزني أنقل حاجتي فيها، جرا لعقلك حاجة."
يوسف بغضب وهو يقف أمامهم:
"أنا صبري له حدود، بلاش أوريكم الوش التاني واللعب هيبقى بقسوة فعلًا وهتكونوا خسرانين."
خرج ريان عن هدوئه واتخاذه دور المستمع لوقت طويل، قائلاً بسخرية مريرة:
"كل وشوش يوسف العمري شفناها من زمان وعارفينها وحافظينها صم، أما القسوة فإحنا اتعلمناها منك يا يوسف باشا، وانت كنت أستاذ فيها."
نظر له يوسف للحظات بصمت قبل أن يقول بغضب:
"مراتي مش هتنزل أوض الخدم، واضربوا راسكم في الحيط."
أوس بتحدي:
"مراتك هتنزل أوض الخدم، ولو عندك اعتراض تقدر تنزل معاها، مش هنقولك لأ."
أسارة بغضب:
"مامي مش هتعمل اللي بتقوله عليه، ولو ع القصر اشبعوا بيه، إحنا هنسيبه ونمشي، مش كده يا بابا."
قالتها وهي تنظر ليوسف الذي قال بتحدي وحنان:
"صح يا روح بابا."
ذلك الحوار الصغير الذي دار بين الاثنين للحظات وبكلمات بسيطة شق قلب الخمسة لنصفين، سبب لهم جرحًا غائرًا آخر. حنون على تلك الغريبة، وقاسٍ بلا قلب معهم.
ابتسم أمير بسخرية قائلاً بثقة وهو ينظر لثريا ومحسن:
"نظر يوسف لثريا التي صرخت قائلة: مش هسيب بيتي ليكم، وهفضل في أوضتي وابقى وروني هتعملوا إيه يا ولاد ليلى."
أدم بقوة:
"يا أوض الخدم يا تطلعوا بره القصر خالص، قدامكم لحد المغرب يا تطلعوا يا تفضلوا بقواعد."
أسارة بغضب:
"ما تقول حاجة يا خالو انت وماما ساكتين ليه، هتفضلوا قاعدين هنا فعلاً؟ ردوا عليا."
محسن بغضب:
"انزلي من على وداني دلوقتي يا سارة، مش فايقلك."
حياة بسخرية وهي تنظر لمحسن وثريا:
"براحة عليها يا محسن، دي حتى بنتك."
رواية ضحايا الماضي الفصل الثالث 3 - بقلم شهد الشوري
دهش الجميع مما قالت، بينما ثريا ومحسن تبادلا النظرات بزعر، وكلاهما يبتلع ريقه بخوف.
ابتسمت حياة ساخرة قبل أن تقول بغموض وهي تنظر لمحسن وثريا:
"مش بيقولوا بردو الخال والد."
"والأمير؟" بسخرية.
"لأ، وهو الصراحة ونعم الخال."
يوسف بغضب وقسوة:
"سارة مش بنت محسن أو أي حد، دي بنتي وأنا اللي مربيها. إياك حد منكم يجيب سيرتها على لسانه، سواء بالخير أو بالشر... سامعين؟"
نظرت له حياة ساخرة وبداخلها حسرة وألم:
"تربيتك ليها باينة أوي يا يوسف باشا. ده على كده بقى كل واحد فينا يحمد ربنا إنه مش تربيتك، أصل محدش فينا يحب سيرته تبقى على كل لسان."
أوس بسخرية:
"متخافش، محدش هيجيب سيرتها، ماهياش حاجة مهمة أوي يعني عشان نتكلم فيها."
كاد أن يبوخهم يوسف مرة أخرى، لكن تدخل ريان بالحوار قائلاً بهدوء:
"يلا خلينا نمشي، بلاش كلام فاضي ملوش لازمة مع حد ما يستاهلش."
غادر الخمسة. نظر يوسف لأثرهم بغضب وغيظ كبير، ثم التقط بيده تلك المزهرية يلقيها خلفهم من شدة الغيظ. استمع الخمسة لصوت التكسير ليبتسموا بسعادة، كلٌ منهم متوجهًا لعمله.
***
كان يجلس خلف مكتبه يتابع عمله بتركيز شديد. قطع تركيزه صوت طرقات على باب مكتبه، يليها دخول ابنة خاله زينة.
زينة: "ازيك يا آدم؟"
آدم بجدية دون النظر لها:
"كويس يا زينة... بعدين مش قولنا بلاش آدم بس كده من غير ألقاب؟ لاحظي إني أكبر منك، يبقى تناديني أبيه أحسن."
زينة بغيظ شديد:
"مش أكبر مني ولا حاجة، دول هما تسع سنين، عمي مش حكاية يعني."
آدم ببرود ولا يزال ينظر لذلك الملف الذي بيده:
"ولو الفرق بينا مش قليل، يستحسن تناديني بأبيه."
جزت على أسنانها بغيظ من بروده في التعامل معها، بل وما يقوله من الأساس يثير أعصابها. أجابته بابتسامة صفراء:
"اللي تشوفه يا أبيه."
ابتسم بزاوية شفتيه قائلاً:
"شطورة يا قلب أبيه."
جلست أمام مكتبه قائلة بلهفة:
"بجد يعني أنا قلبك؟"
تَنَحْنَح قبل أن يقول دون النظر لها، مغيرًا مجرى الحديث وكأنه لم يستمع لها:
"خير يا زينة؟ كنتي جاية ليه؟"
تملكها الشعور بالحزن وهي تراه يتجاهل الإجابة على سؤالها قائلة:
"كنت جاية عشان أروح أنا وحياة الجامعة سوى، بس قولت أعدي أسلم عليك."
كالعادة يجيبها ببرود اعتادت عليه منه:
"سلامك وصل، يلا عشان متتأخريش على محاضرتك انتي وحياة، وسلمي على خالي."
رَكَلَت الأرض بقدمها كالاطفال، ثم غادرت دون التفوه بأي كلمة، تشعر بالغيظ والغضب الشديد من جبل الجليد هذا. ما إن خرجت من المكتب، تمتمت بغيظ:
"بارد، اقسم بالله بارد. ده لو حجر كان حس بيا وبحبي. أنا اللي استاهل إني حبيت جبل الجليد ده، وقال عايزني أقوله أبيه قال. آه هطق من الغيظ."
بينما هو، ما إن خرجت واغلقت الباب، أرجع جسده للخلف وقد اختفى ذلك القناع الذي يتلبسه كلما رآها. يفهم ما تحاول أن توصله له، ولكن هذا لا يمكن أن يحدث، لن يسمح بذلك أبدًا.
***
بمستشفى الجارحي.
كان يجلس على الأريكة الجلدية الموجودة بمكتبه يرتاح قليلاً بعد تلك العملية الشاقة التي استمرت ساعات طويلة منذ الصباح. لتمر نصف ساعة قبل أن تدخل السكرتيرة الخاصة به تخبره بوصول عدة متدربين متفوقين دراسيًا بترشيح من الجامعة، لتتولى المستشفى تدريبهم حتى التخرج.
اعتدل واقفًا لكي يستقبلهم بمكتبه، ليدخل ثلاث شباب وثلاث فتيات، ليتفاجأ بها تقف بينهم، ومن سواها ندا جمال العمري، ابنة عمه الصغرى. ألقى السلام عليهم وتعرف على كلٍ منهم، متجاهلاً النظر لها. وبعد أن اتفق معهم على المهام الذي سيقوموا بها ابتداءً من الغد، سمح لهم بالمغادرة أو أخذ جولة بالمستشفى للتعرف على كل شيء بها. غادر الجميع، لتبقى هي فقط معه. سألها بجدية:
"في حاجة يا آنسة ندا؟"
بابتها وهي تخفض وجهها:
"ريان... أنت مش فاكرني؟"
أجابها بجفاء وبجدية قائلاً:
"ياريت الألقاب متتشلش بينا يا دكتورة. زمايلك بيعملوا جولة في المستشفى دلوقتي، تقدري تروحي وراهم عشان متتأخريش."
ندا بحزن:
"ريان، أنا ندا... بنت عمك."
أعطاها ظهره ثم أغمض عينيه بحزن قائلاً:
"ده مكان شغل، مش للكلام في مواضيع عائلية يا دكتورة. اتفضلي شوفي وراكي إيه، ولتاني مرة بفكرك الألقاب متتشلش بينا."
أومأت له بحزن قائلة بخفوت قبل أن تغادر:
"حاضر يا دكتور ريان."
***
عاد الجميع من أعمالهم مساءً، وقد نفذت ثريا ومحسن ما قالوا بغيظ وغضب، بل وأقنعت يوسف بصعوبة. كانت سارة تجلس تحرك قدمها بغضب وغيظ من الخمسة على ما أجبروا والدتها وخالها على تنفيذه.
يوسف بغضب:
"اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل، ومش عشان خاطر واحدة خاينة مراتي تتبهدل وتقعد في أوض خدامين و..."
أمير بغضب وحدة:
"أمي مش خاينة، أنت اللي خونت يوم ما اتجوزت عليها عشان ترضي سعاد هانم وتنفذ الوصية، وما اهتمتش بيها. أنا عمري ما أنسى يوم ما دخلنا عليك وأنت كنت في حضن التانية، أنت اللي خاين يا يوسف باشا."
قالها ثم صعد لأعلى وخلفه إخوته، متجاهلين نداء سعاد عليهم.
***
بعد منتصف الليل.
بحذر ودون أن يشعر أحد، وبخطوات حذرة كانت تصعد الدرج حيث غرفته. دخلت ثم أغلقت الباب دون إصدار صوت. تسطحت على فراشه الوثير الذي يحمل رائحته. التقطت وسادته تحتضنها بحب، تشتم منها أكبر قدر من رائحته التي تعشقها مثلما تعشق صاحبها. دفنت وجهها بالوسادة ثم بدأت دموعها بالهطول على وجنتيها بغزارة. بقيت هكذا لوقت غير معلوم، بكت حتى غفت مكانها. وقبل أن تغفو ويأخذها سلطان النوم، تمتمت بصوت خفيض ناعس:
"أميري..."
***
في صباح اليوم التالي، كان أمير يدخل من باب الفيلا برفقة أوس لكي يأتوا ببعض الأغراض التي نسوها عند الانتقال لقصر العمري. كان الوقت باكرًا جدًا. صعد أمير لغرفته مباشرة، ما إن دخل للداخل وأغلق الباب، تفاجأ بها تنام على فراشه تحتضن وسادته. اقترب منها ببطء جالسًا على طرف الفراش، ينظر لتقاسيم وجهها بحزن وهو يرى أثر الدموع على وجنتيها... دموع يعلم سببها جيدًا. تظن أن الحب الذي تشعر به نحوه غير متبادل، وياليتها تعلم أنها له ليست حبًا إنما عشقًا. دماء تسري بأوردته، أنفاس إذا فارقته انقطعت عنه الحياة. ليته يستطيع أن يبوح لها بكل ذلك الحب. يتألم مثلها وأكثر، لكن ما بوسعه أن يفعل؟ الماضي سبب جرح غائر بداخله وبداخل أخوته، ذلك الجرح يمنعه من الاعتراف لها بعشقه الكبير، ونفس ذلك الجرح يمنع شقيقه الأكبر أن يبوح بذلك العشق الذي يراه بعينيه.
تنهد بحزن قبل أن يقترب منها، مقبلاً جبينها بحب، وهي يتمتم بعشق:
"بحبك يا أميرتي."
قالها ثم ابتعد وأخذ ما جاء لأجله، ثم غادر الغرفة بهدوء وبدون إصدار أي صوت حتى لا تستيقظ ويسبب حرجًا كبيرًا لها وله.
***
بينما في الأسفل، خرج أوس من المكتب بعدما أخذ بعض الملفات الهامة التي جاء لأجلها، وخرج للخارج ينتظر شقيقه وهو يعبث بهاتفه، الذي سقط من يده بصدمة بعدما وقعت عيناه على حورية.
حورية... فاتنة، هذا أقل ما يقال عنها. فتاة جميلة تدور بجسدها على نغمات موسيقى هادئة، وفستانها الزهري يدور حول جسدها بنعومة، كذلك الحال مع خصلاتها النارية المموجة. تغمض عينيها وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة هادئة، تمتلك وجهًا طفوليًا أبيض مستديرًا يزينه بعض الشامات (النمش).
بقى هكذا يناظرها بهيام، ومهما حاول أن يبعد عينيه عنها لا يستطيع. لم يفق من تلك الحالة سوى على صوت شقيقه وهو ينادي باسمه:
"أوس!"
التفت له لحظات ثم عاد ينظر لها مرة أخرى ليجدها اختفت تمامًا. توسعت عيناه بصدمة:
"مستحيل أن يكون كل ما حدث منذ قليل هو حلم؟!"
ركض حيث كانت تقف يبحث عنها، لكن لا أثر لوجودها. اقترب أمير منه قائلاً بقلق:
"أوس، مالك؟ فيه إيه؟"
ابتلع أوس ريقه قائلاً بخفوت ولا تزال عيناه تبحث عنها يمينًا ويسارًا:
"حورية..."
قطب أمير جبينه بتعجب مما قال، ليسأله:
"انت بتدور على إيه؟ ومين حورية دي؟"
تنهد أوس قائلاً ولا تزال الصدمة تؤثر عليه:
"مفيش، خلينا نمشي."
أومأ له أمير بتعجب وغادر الاثنان الفيلا. بينما على الناحية الأخرى، بتلك الغرفة المتصلة بحديقة الفيلا، كانت تلك الحورية كما لقبها تجلس على الفراش تردد بقلق:
"مصيبة لو حد يكون شافني وأنا برقص. يعني حبكت يعني تطلعي في الوقت ده؟ تلاقي حد من الحراس اللي بره شافوكي... أنتي غلطتي يا مهرة!"
***
كان يدخل من باب القصر الداخلي وهو يحاوط خصر خطيبته بابتسامة، وهو يهمس بأذنها بعدة كلمات تجعلها تبتسم بدلال. بينما هي كانت تجلس ببهو القصر أمامها بعض الكتب التي تذاكر منها. وما إن وقعت عيناها عليهم، لمعت عيناها بالدموع. اقتربت منها سمر خطيبته قائلة بغرور:
"هاي يا هنا، ازيك؟"
لم تجب، خشيت أن يكشف صوتها عن الحزن الكبير بداخلها، وخصيصًا بتلك اللحظة، لذا اكتفت بأن تومأ برأسها. أما عن أدهم، كعادته، كلما رآها يظل يرمقها باستهزاء... اشمئزاز لا تعرف سببه. ترى بعينيه كره كبير لها منذ سنوات. كل ما يفعله معها لا ترى أي سبب له. لطالما كانت طوال حياتها لم تفعل أي شيء قد يضايقه أو يجعله يكرهها هكذا.
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، وبقيت سمر معهم لبضع ساعات. كان الجميع يتابع أفعالها وغرورها، بل والأدهى ثيابها، باستنكار، و خاصة سليم، الذي اكتفى بالصمت حتى تغادر، وبعدها يتحدث مع حفيده. أوصل أدهم سمر لمنزلها، ثم توجه لغرفة المكتب الخاصة بجده، لكن قبل أن يدخل، أوقفه صوت هنا قائلة:
"أدهم."
التفت لها ببرود قائلاً بضيق:
"خير؟"
ابتلعت غصة مريرة بحلقها من حدته بالحديث، ثم قالت بحزن:
"ممكن أعرف أنت بتتعامل معايا كده ليه؟ مش طايق لي كلمة وعلطول بتبص لي بطريقة مش كويسة... أنا ضايقتك في حاجة من غير ما أعرف؟"
رمقها باستهزاء قائلاً:
"انتي مين انتي أصلاً عشان تضايقيني؟ انتي أقل من أنك تشغلي تفكيري أصلاً، وبلاش وش البراءة ده والنبي عشان مش بياكل عيش معايا، وبلاش جو المسكنة ده."
هنا بدموع تغرق وجنتيها:
"لو سمحت اتكلم بأسلوب كويس ومن غير غلط، أنا كمان بعرف أرد وأغلط، بس أنا محترمة."
مسكها من ذراعها بقسوة قائلاً بغضب:
"قصدك تقولي إني مش محترم؟"
أبعدت يده عنها قائلة بحزن وهي تمسح دموعها بيدها:
"تصرفاتك وكلامك هما اللي بيقولوا كده... أنا غلطانة إني جيت من الأول أسأل لو كنت ضايقتك في حاجة عشان أعتذر عنها، بس طلعت متستاهلش. عن إذنك."
قالتها ثم غادرت من أمامه حيث غرفتها، بينما هو كور يده بغل وهو ينظر لأثرها بغضب شديد، مرددًا بسخرية:
"قال محترمة قال."
قالها ثم دخل لمكتب جده، ليمر وقت قصير قبل أن ينتفض واقفًا يردد بصدمة وغضب:
"هنا مين اللي اتجوزها يا جدي؟!"
رواية ضحايا الماضي الفصل الرابع 4 - بقلم شهد الشوري
دخل لمكتب جده ليمر وقت قصير قبل أن ينفض واقفًا يردد بصدمة وغضب:
هنا مين اللي اتجوزها يا جدي؟
استمع قاسم لصوت أدهم العالي عندما كان يمر من أمام مكتب والده ليدخل للداخل معنفًا أدهم:
أنت بتعلي صوتك على جدك.
تنهد أدهم قائلاً باعتذار:
أنا آسف مش قصدي، بس يا بابا أنت سمعت جدي بيقول إيه.
باسم بحدة وغضب:
مهما كان، إياك تاني مرة تتجرأ وتعلي صوتك بالشكل ده، أنت فاهم.
أومأ له أدهم بصمت ليتدخل سليم بالحديث قائلاً بصرامة:
خلاصة الكلام، فرحك أنت وهنا بعد أسبوعين.
قاسم بصدمة:
حضرتك بتقول إيه يا بابا؟ أدهم خاطب وكمان هنا ممكن ترفض، يعني إزاي؟
قاسم بجدية:
سيبني مع أبوك شوية.
غادر أدهم والغضب متملك منه وبشدة، بينما سليم نظر لقاسم قائلاً بهدوء:
قاسم… أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، وهنا بتحب أدهم من زمان، حتى أدهم بيحبها. والبنت اللي خاطبها دي متنفعش ابنك خالص.
قاسم بضيق:
عارف إنها متنفعوش واتكلمت معاه كذا مرة في الموضوع ده، بس هو عنيد أوي.
ثم تابع بتساؤل:
بس حضرتك عرفت إزاي إنه بيحب هنا وإن هي كمان بتحبه؟
سليم بابتسامة:
هنا مفضوحة أوي، مشاعرها ظاهرة مش محتاجة تتكلم. أم أدهم، كلنا لاحظنا معاملته اتغيرت معاها فجأة. حتى أنا كنت مستغرب، بعد ما جه من سنتين يطلب إيدها مني وقبل ما أفتحها في الموضوع لقيته رجع يقولي إنه غير رأيه. في حلقة مفقودة محدش يعرفها غير أدهم وهنا.
تنهد بعمق قائلاً:
أنا عمري ما كنت هجبر الاتنين على الجوازة دي لو مكنتش متأكد إن الاتنين في بينهم مشاعر وميولين لبعض. غير كده أنا مش مرتاح لسمر دي، لأن واضح جدًا إنها داخلة على طمع.
قاسم بتساؤل:
طب هنقنعهم إزاي؟
سليم بجدية:
سيب أدهم وهنا عليا، أنا هعرف أتصرف معاهم.
أومأ له قاسم ثم غادر المكتب. وبعد وقت كان أدهم وهنا يقفان أمام سليم الذي قال بصرامة:
أنا قررت إن إنتي وأدهم تتجوزا.
نظرت له بصدمة غير مستوعبة ما قال:
أنا وأدهم…. طب إزاي؟ وخطيبته، أنت بتقول إيه يا جدو؟ بس!!
سليم بصرامة:
اللي سمعتوه، فرحكم بعد أسبوعين والموضوع منتهي، مفيش فيه نقاش.
أدهم بحدة غضب حاول التحكم به:
هو إيه اللي منتهي يا جدي؟ ده جواز مش صفقة شغل، أنا لا يمكن أقبل أتجوزها لو هي آخر واحدة على وش الدنيا.
نظرت له بألم وخزي لهذه الدرجة يمقتها ويكرهها. أخفت ألمها سريعًا حتى لا يراه، ثم قالت بكبرياء:
شعور متبادل، محدش قالك يعني إني هموت عليك.
أدهم بسخرية:
آه ما أنا عارف.
هنا بحدة متجاهلة الرد عليه:
أنا مش موافقة يا جدو.
سليم بصرامة:
اطلعي أوضتك دلوقتي يا هنا.
نفذت ما قال. وما إن غادرت نظر سليم لحفيده قائلاً بسخرية:
مكنش ده كلامك من سنتين لما طلبت تتجوزها مني وقلت بحبها.
أدهم بتوتر لم ينجح في إخفائه:
اكتشفت إني مكنتش بحبها ولا حاجة، ولا هي مناسبة لي.
سليم بحدة:
ده كلام ما يدخلش عقل حد. هاتلي سبب مقنع يخليك ترفض تتجوزها، فيها كل اللي مش في اللي انت خاطبها، اللي كل همها فلوسك وبس.
أدهم بضيق:
جدي لو سمحت، دي خطيبتي.
سليم بصرامة:
قصر الكلام، الفرح بعد أسبوعين. ولما يبقى عندك سبب مقنع إنك ترفض تتجوزها ابقى تعالى اعترض على قراري…. ويكون في معلومك كمان، أنا مش هسمح إن جوازك من اللي اسمها سمر دي يتم.
أدهم بضيق ونفاذ صبر:
أنا حر يا جدي، ده جواز مش هيتم غصب، وأنا مش عيل صغير عشان حضرتك تقرر عني أتزوج مين وأسيب مين.
سليم بهدوء:
أنا بجبرك على مصلحتك، ويكون في علمك إن اللي بقوله هيتنفذ بردو. يا إما إدارة الشركة هتتنازل عنها.
أدهم بصدمة:
ده لوي دراع.
سليم ببرود:
هو فعلًا كده، وردك يوصلني بكرة. يا آه يا لأ.
أدهم بغضب:
طب وست الحسن والجمال، لو أنا وافقت هي نظامها إيه؟ ما هي ممكن ترفض.
سليم بجدية:
دي بقى شغلتك، عايز تحتفظ بمنصبك في الشركة تقنعها بالجواز يا بن قاسم.
غادر أدهم الغرفة بغضب متوجهًا لغرفته، وما إن دخل صفع الباب خلفه بعنف يفكر بحل لتلك المعضلة!!
***
بقصر العمري مساءًا، يدخل الخمسة من باب القصر الداخلي، كلاً منهم يتحدث عن يومه. بينما هو منذ الصباح في حالة شرود، حتى هم لاحظوا ذلك.
سأله أمير بقلق:
مالك يا أوس من الصبح سرحان ومش على بعضك؟ حصل حاجة ولا إيه؟
أوس بنفي، وتلك الحورية التي رآها بالصباح لا تفارق عقله أبدًا:
مفيش، أنا بس مصدع شوية.
أومأ له الأربعة بعدم اقتناع، ليقول أمير ما إن صعدوا لغرفهم التي موجودة بجانب بعضها:
أنا جعان وهطلب أكل لينا من بره، تاكلوا إيه؟
حياة بجوع:
والله يا بني أنا نفسي في مكرونة بشاميل وفراخ محمرة وأحلى بسبوسة.
ريان بغيظ:
بس حرام عليكي جوعتيني أكتر…. فينك يا دادة رحمة؟ كان زمانك عملتلنا كل ده.
أمير بابتسامة:
عندك حق والله، عدى يومين بس وأكلها واحشني.
حياة بمشاكسة:
أكل دادة رحمة اللي واحشك بس؟
أمير بتوتر:
قصدك إيه؟
حياة بابتسامة:
يعني بنت دادة رحمة مش وحشة.
اكتحنح بحرج ثم دخل لغرفته قائلاً بتهرب:
أنا قايم أغير هدومي وأطلب أكل لينا.
ابتسم الأربعة عليه، فعشقه لفرح ظاهر للجميع منذ سنوات، لكنه حتى الآن لا يمتلك الجرأة بأن يأخذ تلك الخطوة التي يخشاها وبشدة. بعد وقت، ارتدى الخمسة ملابسهم ثم اجتمعوا بغرفة حياة.
أمير وهو يخرج من الغرفة:
الأكل وصل تحت، أنا هنزل استلمه وأطلع.
بينما بالأسفل كان الجميع مجتمعين ببهو المنزل منتظرين إعداد طعام العشاء، ليتعالى صوت جرس المنزل، فذهب مازن ليفتح الباب للطارق. وما إن فتحه وجد رجل توصيل طعام من أحد المطاعم الشهيرة قائلاً:
حضرتك ده أوردر الأكل.
مازن بتعجب:
محدش طلب أوردر.
– إزاي يا فندم؟ ده أوردر باسم أمير الجارحي.
بتلك اللحظة ظهر أمير من خلف مازن قائلاً بجدية:
فين الأوردر اللي طلبته؟
– اتفضل يا فندم.
أخذ منه الطعام ثم أعطاه نقوده. وكاد أن يصعد الدرج أوقفته سعاد قائلة بلهفة:
استنى يا بني، العشا بيجهز، تعالوا نتعشى كلنا سوا.
أمير بسخرية وهو يصعد لأعلى:
لا أنا ولا إخواتي بنحب ناكل مع اللي يسد نفسنا.
اشتعل يوسف غضبًا وكذلك محسن وثريا التي تتوعد لهم بكل سوء.
بعد وقت، تعالي صوت ضحكات عالية تأتي من غرفة حياة. كان حينها صعد يوسف لغرفته لينام. اقترب من الغرفة التي لم يكن قد أغلق بابها للأخر، ليجد ما يجعل شفتيه تبتسم لأول مرة. كان أوس يحمل حياة بين يديه ثم يلقيها لأمير، ومن أمير لريان، ثم لآدم بمرح وضحكاتهم تتعالى بالمكان.
ابتسم بحنين لتلك الذكرى التي لاحت على باله ما إن رآهم عندما كانوا صغار، وقبل أن يحدث ما حدث، عندما كانت حياة تغضب من شيء أو تحزن، كانوا يفعلون نفس الشيء ليروا ضحكاتها مرة أخرى.
بقي يتابع ما يفعلون بابتسامة صغيرة على شفتيه وعيناه تتابع كل حركة يقومون بها باهتمام كبير. للحظة تمنى أن يشاركهم بما يفعلونه الآن!!!
***
في صباح اليوم التالي، بكافتيريا الجامعة، كانت تجلس مع ابنة خالها التي تردد بغيظ:
أخوكي ده أنا ماشوفتش حد بارد زيه، معقول مش حاسس بحبي ليه؟ لا والبه جاي يقولي بكل برود أنادي ليه "أبيه".
تنهدت بحزن متابعة:
عينيه فيها حب وكلامه يقول حاجة تانية. مرة حنين معايا وبحس إن بيحبني زي ما بحبه، وساعات أحسن إني ولا أي حاجة في حياته. حيرني معاه، مش عارفة هو عاوزني ولا لأ.
نظرت لحياة التي تستمع لها بصمت وقلبها يؤلمها على كلاهما، متابعة بألم:
بشوف دايمًا مع الحب اللي في عينه خوف… خوف مش عارفة سببه.
حياة بهدوء:
خليكي جنبه، فضلي حاولي معاه، آدم بيحبك يا زينة، هو محتاجلك.
زينة بحزن:
قوليلي سبب واحد لبعده…. لو بيحبني ليه يفضل بعيد؟ ليه ما يرتاحش ويريحني معاه بدل وجع القلب ليا وليه؟
حياة بابتسامة حزينة:
بيحبك، بس كل واحد ليه أسبابه. في الوقت المناسب هو هيقولك عليها.
زينة بتساؤل مغيرة مجرى الحديث:
إنتوا ليه نقلتوا من الفيلا ورحتوا تعيشوا مع والدكم بعد كل السنين دي؟ أنا أعرف إنكم مش بتطيقوا سيرته أو سيرة أي حد من عيلة العمري، لا إنتوا ولا حتى جدو وبابا.
لم تجب حياة واكتفت بالصمت. لتسألها زينة:
هو إيه اللي حصل زمان يا حياة عشان يبقى فيه كره بين العيلتين كده؟ ليه دايمًا بترفضوا تجاوبوا على السؤال ده؟
وقفت حياة قائلة قبل أن تغادر متوجهة لخارج الجامعة بعدما استلمت تلك الرسالة على هاتفها:
هتعرفي كل حاجة في وقتها يا زينة. أنا ماشية، عندي شغلة.
تنهدت زينة بحيرة، ذلك السؤال يشغل عقلها منذ سنوات وحتى الآن يرفض الجميع إعطاء إجابة لها!!!!
***
بمنتصف اليوم، بعدما كان الجميع بأعمالهم، غادرت ثريا القصر برفقة محسن لتلك الشقة التي اعتادت أن تتقابل معه بها منذ سنوات طوال.
كانت تأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا غاضبة وبشدة من الإهانة التي تعرضت لها على يدهم.
محسن بضيق:
اهدئي بقى واقعدي بقى يا خايلة.
ثريا بغضب وغل:
أهدأ…. أهدأ إزاي؟ أنت مش شايف اللي بيحصل فينا بعد كل اللي عملته زمان…. بقي على آخر الزمن أنا أتبهدل على إيد ولاد ليلى.
محسن بضيق:
قولتلك زمان لازم نخلص منهم، مسمعتيش. مني كنا زمانا مرتاحين دلوقتي ولا خسرنا كل ده.
أشعل سيكاره وهو يردد بقلق:
أنا قلقان لا يوسف يحن ليهم ويرجع يغير وصيته بعد ما كان موزعها عليكي إنتي وسارة ويخليهم يشاركونا في الفلوس دي.
ثريا بغضب وغل:
ده على جثتي إن ولاد ليلى يطولوا مليم من الفلوس دي، حتى لو حكمت إني أقتل يوسف وأخلص منه عشان أضمن إن محدش يشاركني في الفلوس دي. حقي ومش بعد كل اللي عملته ولسه بعمله أطلع من المولد بلا حمص.
نظرت له تسأله بخوف:
بس حياة…. ممكن تحكي وتقول اللي حصل زمان؟ متنساش إنها سمعت وشافت كل اللي حصل.
محسن بنفي:
مظنش إنها ممكن تكون فاكرة حاجة من اللي اتقال، دي كانت لسه صغيرة. وبعدين حتى لو عارفة كانت قالت من زمان، إيه اللي هيسكتها؟
ثريا بقلق وتفكير:
معرفش، بس مش مطمنة. هما مش ناوين على خير. إحنا لازم نخلص منهم.
مرت دقائق في صمت قطعه هو قائلاً بتفكير:
إيه رأيك لو….؟
ثم قص عليها ما يفكر فيه. وما إن انتهى سألته:
بس تفتكر هترضي؟ دي مستحيل توافق بعد اللي عملناه فيها زمان.
محسن بسخرية:
هترضي، متخافيش. هي متورطة معانا ولو اتكشفنا هي كمان هتتكشف وهتروح في داهية، يعني مصلحتنا واحدة. موافقتها أو لا مش هتفرق، غضب عنها هتوافق، ولو نشفت دماغها الفلوس تلينها.
أومأت له قائلة بقلق وخوف من القادم:
أما نشوف، ربنا يستر.
اقترب منها محاوطًا خصرها قائلاً بوقاحة:
ما تيجي جوه، ده انت واحشني موت يا جميل.
دفعت يده بعيدًا عنها قائلة بضيق:
محسن مش وقته.
جذبها إليه مرة أخرى قائلاً بوقاحة:
ده هو ده وقته!!
بعد وقت قضاه الاثنان بفعل تلك الفاحشة التي اهتز لها عرش الرحمن، أشعلت ثريا سيكارتها قائلة بقلق وخوف:
تفتكر الزفتة اللي اسمها حياة كان قصدها حاجة لما قالت إن سارة بنتك ولا كانت مجرد كلمة؟
محسن بنفي:
محدش غيري أنا وإنتي نعرف إن سارة بنتي وبنتك، يبقى هتعرف منين؟
ثريا بخوف:
معرفش، بس طريقتها في الكلام مكنتش مريحاني. يارتني سمعت كلامك زمان وخلصنا منهم.
محسن وهو يشعل سيكارة:
متخافيش، هيحصل وهنخلص منهم.
أومأ له قائلة بشر:
هنخلص منهم واحد واحد وكل حاجة هترجع زي ما كانت!!!!
***
بمستشفى الجارحي، كان يقوم يشرح لهم عمليًا على أحد الجثامين الخاصة بالتشريح. ولكن بلحظة كانت هي تسقط أرضًا فاقدة للوعي، ولم تتحمل رؤية المزيد. ما إن سقطت انحنى إليها يتفحصها بخوف وفزع، يحاول أن يجعلها تفيق.
خرج من الغرفة يحملها بين يديه متوجهًا لغرفة مكتبه، ثم وضعها على الأريكة يحاول إفاقتها. وما إن فتحت عيناها سألها بقلق:
إنتي كويسة؟
حركت رأسها بنفي وهي لا تزال تشعر بالإغماء قائلة له بخفوت قبل أن تغمض عيناها:
روحني البيت يا ريان.
حملها بهدوء وحرج بين يديه متوجهًا لخارج المستشفى تحت نظرات كل الموجودين المتعجبة مما يحدث، ثم توجه لقصر العمري. وما إن دخل للداخل وهو يحملها هكذا فزع الجميع راكضين نحوه، وكان إلياس أولهم وحمل شقيقته منه واضعًا إياها على الأريكة والجميع حولها يحاولون إفاقتها.
بنفس اللحظة دخل أدم برفقة إخوته من باب القصر وتعجبوا مما يحدث. نظروا لريان ليشير إليهم أنه سيخبرهم فيما بعد.
تغيب عقل إليتس بتلك اللحظة وشعر بالخوف على شقيقته من أن يكون الآخر آذاها من أجل الانتقام. اقترب منه يلكمه بوجهه قائلاً بغضب:
عملت إيه في أختي؟
كاد أن يلكمه مرة أخرى لكن قبضة يده توقفت بالهواء بعدما أمسك ريان ذراعه قائلاً بقوة تخالف شخصيته الهادئة:
إيدك لو اترفعت تاني هتتكسر. هعديلك الأولى بمزاجي، إنما يكون في علمك مش هيحصل خير لو فكرت تعيدها.
مازن بغضب وهو يقترب من ريان يمسكه من مقدمة ثيابه قائلاً بغضب:
أختي مالها؟ انطق عملتلها حاجة؟ وديني لاشرب من دمك لو أذيته.
نظر له ريان باستخفاف ثم دفع يده قائلاً:
أختك عندك إنت وهو، لما تفوق ابقى اسألوها.
كاد أن يصعد ليوقفه صوت يوسف الغاضب قائلاً وهو يجذبه من يده:
استنى عندك، مش هتتحرك من هنا قبل ما تنطق إيه اللي حصل؟ عملت إيه للبنت؟
ريان بابتسامة في غير موضعها:
تفتكر هكون عملت فيها إيه؟
يوسف بقسوة:
مستبعدش أي حاجة وحشة. تربيتكم نفس أمكم، أكيد واخدين أخلاقها.
كادت أن تتدخل حياة لكن ريان كان الأسبق قائلاً بهدوء يعكس نيران اشتعلت بداخله من غضب… حسرة… خذلان، الكثير والكثير من الشعور السيء حصل عليه من ذلك الرجل فقط:
ده يبقى شرف ليا إني أكون بأخلاقها ونفس تربيتها، أنا وإخواتي بنحمد ربنا ألف مرة في اليوم إني زيها مش زيك يا يوسف باشا، لأن حقيقي مفيش فيك أي حاجة تخلي الواحد يفتخر إنه خدها منك. حتى أمي اللي يرحمها، مش عارف هي حبت فيك إيه زمان.
قالها ثم صعد لأعلى وخلفه إخوته بداخلهم نفس الشعور الذي يشعر به شقيقهم. أما عنه، كلمات ريان زلزلته من الداخل، أحزنته وبالوقت ذاته أغضبته لكلماتهم المتفاخرة بوالدتهم، لما يروها مظلومة بالرغم من أنه رأى بعينيه خيانتها!!!!
بعد وقت قصير، أفاقت ندا وقصت عليهم كل شيء حدث معها، ليعنف جمال إلياس ومازن على ما فعلوه، لكن كلاهما كبريائهما يمنعهم من الاعتذار.
***
بقصر الجارحي، على طاولة الطعام حيث يجتمع الجميع لتناول طعام العشاء بتوتر ونظرات رهبة تصوبها على أدهم، قالت هنا:
أنا موافقة يا جدو على جوازي من أدهم!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل الخامس 5 - بقلم شهد الشوري
على طاولة الطعام حيث يجتمع الجميع لتناول طعام العشاء بتوتر ونظرات رهبة تصوبها على أدهم.
قالت هنا: أنا موافقة يا جدو على جوازي من أدهم!
ابتسم أدهم بمكر وهو يتذكر ما حدث الليلة الماضية عندما استغل خلود الجميع للنوم متوجهًا لغرفتها، ثم دلف لغرفتها بدون أن تأذن له.
انتفضت من على فراشها تصرخ عليه بحدة: أنت إزاي تدخل من غير ما تخبط!
دفعها للحائط الذي خلفها مكممًا شفتيها بيده قائلاً بغل وغضب: بكرة تقولي للكل إنك موافقة على جوازك مني، ولو سمعت غير كده ماتلوميش غير نفسك.
هنا بنفي وهي تدفعه بعيدًا عنها: مستحيل أوافق على جوازي منك.
أدهم بسخرية وقسوة: الحال من بعضه، أنا مش بطيق أبص في خلقتك أصلاً، بس معنديش استعداد أخسر كل اللي وصلت ليه في السنين دي كلها بسبب واحدة طماعة وماشية على حل شعرها زيك.
رفعت يدها حتى تصفعه بعد أن أهانها بتلك الطريقة: اخرس يا قليل الأدب!
لكن علقت يدها بالهواء بعدما التقطها أدهم قبل أن تنس صدغه قائلاً بقسوة وهو يضغط عليها بقوة: يبقى جرى لعقلك حاجة لو فاكرة إنك ممكن ترفعي إيدك على أدهم الجارحي ويسكتلك، فوقي لنفسك يا حلوة واعرفي إنتِ واقفة قدام مين.
هنا بدموع وهي تسحب يدها التي يضغط عليها بقسوة من بين يديه: لو أنت آخر واحد على وش الأرض أنا مستحيل أوافق عليك يا أدهم.
أخرج هاتفه واضعًا شاشة الهاتف أمام وجهها قائلاً بقسوة وهو يلقي عليها نظرات اشمئزاز واحتقار: يا توافقي يا الصور دي تروح لجدي وتتفضحي إنتي وأمك وتطلعوا بره القصر ده.
توسعت عيناها بصدمة وهي ترى صور لها تنام على فراش عارية لا يسترها سوى شرشف خفيف، بل وصور أخرى بأوضاع غير لائقة.
نظرت له قائلة بغضب وصدمة: صور إيه دي... دي كدب مش حقيقة!
أدهم باحتقار: لا حقيقة ومش كدب، وبلاش تعملي الشويتين دول قدامي، لأن محدش في البيت ده فاهمك قدي إنتي وأمك.
نفضت رأسها عدة مرات تقسم إن تلك الصور لا تخصها ولا تعرف كيف تم التقاطها، بينما هو بقى يلقي عليها محتقرًا.
نظرت له قائلة بدموع: اطلع بره.
ضحك بسخرية قائلاً بتهديد وأعين قاتمة بثت الرعب بداخلها: بكرة مع كلمة مش موافقة في نفس اللحظة الصور دي هتروح للكل وتتفضحي، فاهمة.
خرج من الغرفة لتنهار هي أرضًا تبكي بقوة وهي تردد بقهر: بكرهك يا أدهم، بكرهك.
أفاق من شروده على سليم وهو يقول بجدية: على خيرة الله، الفرح بعد أسبوعين، تكون الامتحانات أسبوعين، وطبعًا هما هيعيشوا معانا هنا، الجناح الفاضي اللي فوق هيتوضب ليهم، والشغل قاسم هيمسكه لحد ما ترجعوا من شهر العسل.
هل فكرت معذبي بأن الحب تضحية وإيثار، تفاهم واستقرار وأمان، معك أعيش الصدمات... الخوف والبكاء، لي في الحياة رغبة، وهي أن أعيش حرة، حتى لو للحظة أكون أنا صاحبة قرار، أنا الآن...
بينما أدهم يفكر كيف سيخبر سمر خطيبته بتلك الزيجة التي لم يكن يتوقع أن تحدث!!!
منتصف الليل بقصر الجارحي.
كانت تجلس بغرفتها تتحدث بالهاتف بغل: دي آخر مرة هساهدكم فيها يا ثريا، لأني مش ناسيه اللي حصل زمان، واحمدي ربنا إني لسه ساكتة لحد دلوقتي.
ثريا بسخرية: إنتي ساكتة لحد دلوقتي يا هدير عشان عارفة إنك هتشيلي الليلة لوحدك، إنتي اللي خبطيها بالعربية يومها، وبسببك ماتت، يعني إحنا ملناش دخل.
ثم تابعت بتهديد: يعني إنتي اللي تحمدي ربنا إننا ساكتين لحد دلوقتي وما بلغناش عنك.
هدير بغل: آه يا ولاد...
قاطعتها ثريا قائلة بتحذير: بلاش تغلطي في الكلام عشان ما نزعلش سوا، وإنتي عارفاني، زعلي وحش.
هدير بغل وغضب: أنا غلط زمان لما سبته ليها كل السنين دي، وغلط لما سمحت لواحدة زيك تاخده مني تاني، على حياة عيني، وزي ما قتلت ليلى زمان، عندي استعداد أقتل تاني، فخافي مني!!!
ثريا بغضب: خافي إنتي مني يا حلوة، واعرفي إن أنا ما بتهددش، إنتي كبرتي يا هدير ومش حمل مرمطة وسجن على آخر الزمن، ومش عايزة أفكرك إني الكاميرات اللي قدام القصر أنا اللي حذفت منها تسجيل الحادثة، بس لسه معايا، أعتقد إنك مش هتحبي إنهم يظهروا، وخصوصًا لو اتبعتوا لأولاد ليلى في رسالة من مجهول، طبعًا هما ما هيصدقوا.
صمتت هدير، تكور قبضة يدها بغل، لتتابع الأخرى بغرور وسخرية: مش قولتلك خافي مني!!!!
صباح اليوم التالي، ذهب كل منهم لعمله، ولا أحد يعلم ما ينتظره!!!
بمستشفى الجارحي.
بتوتر كانت تطرق باب مكتبه، وما إن سمح بالدخول دخلت بتوتر شديد وهي تنظر للأرض قائلة: شكرًا إنك ساعدتني، وآسفة على اللي حصل بسببك.
ينظر لها بتساؤل، لتتابع هي قائلة: يعني عشان الكلام اللي قاله ليك أبو إلياس ومازن، ما تزعلش منهم، ده بس من خوفهم.
ابتسم بهدوء قائلاً: أولاً مفيش داعي للشكر، لأن أي حد كان هيعمل اللي عملته... ثانيًا مش إنتي اللي غلطتي عشان تعتذري.
سألته بدون مقدمات: ريان، هو أنت بتكرهني؟
قطب جبينه مرددًا ما قالت: بكرهك!!! ثم تابع بتساؤل: ليه السؤال ده؟
نظرت للأسفل قائلة بحزن: عشان مش بتتكلم معايا، ودايمًا إجابتك مختصرة، كأنك مش طايق تتكلم معايا كلمة واحدة كمان، قولتلي شيلي الألقاب، وكمان عشان إنت بتكره عيلتنا.
ابتسم على طريقة حديثها الطفولية التي تروق له قائلاً بابتسامة جذابة: أنا مش بحب الكلام الكتير، ولما طلبت منك ما ترفعيش الألقاب بينا كان قصدي وقت الشغل، وكمان أنا مش بكره عيلتكم كلها، يعني الكره اللي جوايا لأشخاص محددين، أكيد إنتي مش منهم، لأني ما عملتيش حاجة تأذيني، لا إنتي ولا والدتك ولا والدك.
ثم تابع بتساؤل ومكر: بعدين هتفرق معاكي بكرهك أو لأ؟
بتوتر وهي تقوم بالضغط بأسنانها على شفتيها: آه... آه يفرق، لأنك ابن عمي... وكمان لأني...
لأنك إيه يا ندا؟
وضعت يداها الاثنان خلف ظهرها، قائلة بتوتر وخجل: معرفش، بس مش عايزك تكرهني.
ضحك بخفوت قائلاً: حاضر، مش هكرهك.
تأملت ضحكتها لأول مرة بإعجاب وهيام، ليتابع هو بابتسامة قائلاً: لسه زي ما إنتي، لما كنتي صغيرة كنتي تقفي وإيدك ورا ضهرك لما تكوني متوترة أوي، مش عارفة تقولي إيه.
بخجل أجابت: إنت لسه فاكر؟
نحح قائلاً بجدية جعلتها تتعجب، أليس هو من كان يضحك ويتحدث معها قبل قليل: يلا على التدريب يا دكتورة، وياريت المرة دي ما تفقدش وعيك، لأني معنديش استعداد آخد كلمتين من أخوكي لو دخلت البيت وأنا شايلك!!!
غادرت سريعًا، بينما هو ابتسم وهو ينظر لأثرها بحب، ثم تابع عمله مرة أخرى!!!
بقصر الجارحي.
كان يصعد الدرج المؤدي لباب القصر الداخلي، وبداخله يتمنى أن لا يلتقي بها، لكن ها هي تفتح الباب له بابتسامة سعيدة.
سألته: أدهم عامل إيه؟
تنحت جانبًا لكي تسمح له بالدخول، ليجيبها قائلاً ما إن دخل للداخل: كويس... جدي وخالي فين؟
في المكتب.
حاولت فتح أحاديث معه قائلة: حياة وأمير وأوس وريان عاملين إيه؟
جاءها رده البارد كالعادة: كويسين الحمد لله.
كاد أن يتوجه للمكتب، فأوقفته قائلة: إنتوا مش بتيجوا هنا ليه بقالكم كتير؟
مشغولين.
قالها ثم دخل للمكتب غير مباليًا بها، لتتنهد بحزن كبير وألم وهي ترى بوضوح عدم رغبته بمشاركتها أي حديث وجفاءه بالحديث معها.
صعدت لغرفتها تلقي بجسدها على الفراش تبكي بقوة.
بالأسفل....
بعد وقت، خرج أدم من المكتب تاركًا الاثنين بصدمة كبيرة لم تقل عن صدمته هو أيضًا ببداية معرفته!!!!!
بالأعلى....
كانت تجلس بالغرفة مع والدتها التي تقوم بقراءة تلك المجلة الخاصة بالأزياء.
هنا بتساؤل: ماما، إيه رأيك في جوازي أنا وأدهم؟
هدير بسخرية: عملتي أخيرًا حاجة عدلة في حياتك وعرفتِ توقعيه عشان نفضل عايشين في العز ده.
هنا بحزن من كلماتها ومن أدهم وما يفعله بها: أدهم مش بيحبني.
هدير معنفة إياها: بلاش كلام فارغ، هتعملي إيه بالحب؟
هنا بدموع وحزن: الفلوس مش كل حاجة.
هدير بغضب وغل: لا الفلوس كل حاجة، عشان الفلوس أنا قبلت زمان أتزوج أبوكي اللي كان أكبر مني بعشرين سنة عشان معيش فلوس، زمان خسرت الوحيد اللي حبيته، الفلوس بتحقق حاجات كتير.
هنا بدموع: مش هبقى مبسوطة معاه، أدهم مش بيطيقني، ده حتى أجبر...
قاطعتها والدتها قائلة بقسوة: الفلوس هتخليكي مبسوطة، ولو حاولتِ تبوظي الجوازة دي يا هنا مش هيكفيني موتك، أنا أصلًا كنت ناوية أعمل أي حاجة عشان أخرب خطوبته، بس هي جت من عند ربنا وهو اللي طلب.
قالتها ثم غادرت الغرفة وتركتها تبكي بقوة وهي تتذكر كلماته القاسية لها، مثلما تفعل هي تمامًا.
بشركة الأدم.
بمكتب أمير...
كان يجلس على الأريكة الجلدية الموجودة بمكتبه شاردًا بالنظر لهاتفه الذي قام بفتحه على إحدى الصور التي التقطها لها خلسة دون علمها، يناظر صورتها بحزن وعشق.
كان شاردًا لم ينتبه لحياة التي طرقت الباب ثم دخلت عندما لم تسمع الإذن بالدخول منه، لتقع عيناها عليه وهو يجلس على الأريكة شاردًا بالنظر إلى صورتها.
تنهدت بحزن قائلة: ما تقولها وتريح قلبك وقلبها.
أغلق هاتفه سريعًا والتفت لها قائلاً: حياة.
جلست بجانبه قائلة بحزن لأجله: قولها وريح قلبك وقلبها يا أمير.
تنهد بحزن قائلاً: خايف عليها.
من مين؟
نظر للفراغ شاردًا وهو يردد: مني ومن أنها تتأذى بسببي.
ربتت على كتفه قائلة بابتسامة: إنت بتحبها وعمرك ما هتأذيها.
ابتسم بسخرية قائلاً: ما هو كمان كان بيحبها وأذاها وأذاني.
حاوطت وجهه بيديها قائلة: هو عمره ما حبها يا أمير، إنت مش هو، بلاش تخلي مخاوفك تتغلب عليك وتخسرك فرحها.
ابتلع غصة مريرة بحلقه عندما قالت: هتبقى مبسوط لو ضاعت من إيدك وبقت لغيرك.
اخفض وجهه قائلاً بحزن وغيرة: نار في قلبي بتأيد كل ما بفكر في كده.
ثم تابع بحزن وألم: عارف إنها بتحبني، بس خوفي أكبر، اللي حصل زمان مش سهل، ومحدش فينا إحنا الخمسة ينكر إنه سبب عقدة وخوف لكل واحد فينا، محدش يقدر ينساها طول العمر.
ربتت على يده قائلة بتشجيع: قولها إيه اللي جواك، احكيلها اللي حصل وهي هتقف جنبك وتعدوا كل ده سوا، يمكن وجودها جنبك يمحي الخوف ده.
نظر للفراغ بحيرة، لتتابع هي: خوفك من إنك تأذيها أكبر دليل على حبك ليها، وطالما بتحبها اتأكد إنك مش هتأذيها، لأن اللي بيحب عمره ما بيأذي، إنت مش يوسف العمري، ولا هي ماما، صوابعك مش زي بعضها، ومش معنى إنه وحش وفشل إنه يكون أب وزوج إنك هتفشل وتكون زيه.
سألها بحيرة وحزن: طب ولو أذيتها وخسرتها؟
تنهدت قائلة بابتسامة وهي تربت على وجنتيه بحنان: ليه نفترض الوحش؟ عيش اللحظة وخليك في النهارده وما تفكرش في بكرة، قربك منها طالما هيسعدك ويسعدها يبقى ما تتأخرش لحظة في إنك تاخد الخطوة دي يا أمير.
ثم تابعت بتشجيع وهي ترى تأثره بكلماتها: روح وصارحها بكل اللي في قلبك، قولها على كل اللي جواك، إنت وهي تستحقوا تعيشوا الحب ده وتكونوا مبسوطين.
نظر لها لتخرج رأسها بنعم مشجعة إياها على اتخاذ تلك الخطوة، ليبتسم لها بحنان وسعادة مقبلاً وجنتها بحب قائلاً بحب: أحلى أخت في الدنيا، ربنا يخليكي لينا.
ابتسمت بسعادة وهي تراه يخرج راكضًا للخارج، متأكدًا سيذهب لها، دعت لهم بالسعادة، ثم توجهت لمكتبها المتواجد بالشركة التي بدأت العمل بها منذ أن كانت بالسنة الأولى لها بجامعة الهندسة بناءً على طلب شقيقها.
لم يكن ليصدق أن كل ما رآه مجرد تخيلات وليس بحقيقة.
منتصف اليوم أخذته قدماه للفيلا، اليوم يتمنى حقًا أن تكون حقيقة.
ترجل من سيارته يبحث بعينيه يمينًا ويسارًا، ثم دخل للداخل تحت نظرات تعجب من جميع الحراس الذي يحوطون الفيلا.
دخل للداخل وما إن دخل ووقعت عيناه عليها، توسعت عيناه بصدمة وتصنم جسده وهو يراها تجلس أمامه على الأريكة وأمامها على الطاولة العديد من الكتب، تضم شفتيها وتصب كامل تركيزها على ما بيدها.
أفاق هو من شروده بها، وكذلك هي من تركيزها على صوت رحمة.
قائلة بسعادة: أوس، إزيك يا ابني؟ واحشني أوي، إنت وإخواتك مش ناويين ترجعوا البيت بقى؟
أوس بصدمة ولا يزال ينظر تجاهها: مين دي؟
رحمة بابتسامة: دي مهرة بنت اختي، مش قولتلكم إنها هتيجي مع بنتي نوران يعيشوا هنا.
أومأ له قائلاً ولا زالت عيناه ترفض التوقف عن النظر لها: آه، معلش نسيت.
جاء صوت نوران من الداخل تنادي على والدتها التي ذهبت إليها سريعًا، بينما هو اقترب منها قائلاً: إنتي اسمك مهرة؟
أومأت له قائلة بابتسامة رقيقة أسرت قلبه: حضرتك اسمك أوس، مش كده؟
أومأ لها قائلاً بابتسامة وهو يجلس على الأريكة خلفه: اقعدي.
واقفه ليها.
خفضت وجهها قائلة بحرج: ما يصحش حضرتك.
اقعدي يا مهرة.
سألها بفضول: إنت في سنة كام وعندك كام سنة؟
نظرت له قائلة بابتسامة: أنا في أولى جامعة وعندي ١٨ سنة.
كلية إيه؟
فنون جميلة.
سألها بفضول وهو يتأمل لو خصلات شعرها الأحمر الناري: هو ده لون شعرك حقيقي؟
أومأت له بخجل، ليتابع هو بتساؤل: إنتي مصرية صح؟
ابتسمت وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها قائلة: آه مصرية، ولو قصدك يعني عشان لون الشعر، فجدتي من ناحية ماما مش مصرية وأنا وارثة منها الشعر الأحمر.
نظر لها مرددًا بغزل وإعجاب: هي جدتك كانت جميلة كده؟
انتفضت واقفة قائلة بتوتر وخجل: أنا هروح أشوف خالتي.
كادت أن ترحل ليمسك يدها قائلاً باعتذار: إنتي زعلتي من اللي قولته؟ أنا ما كانش قصدي، آسف لو ضايقتك، أنا...
لكن قاطعه حديثه صراخ فرح باسم أخيه، ركض الجميع لغرفتها ليجدوها فاقدة الوعي!!!!
على الناحية الأخرى.
يقود سيارته متوجهًا لها عازمًا على اتخاذ تلك الخطوة، وليحدث ما يحدث، فشقيقته محقة حين قالت: "ليه تفترض الوحش؟ عيش اللحظة وخليك في النهارده وما تفكرش في بكرة، قربك منها طالما هيسعدك ويسعدها يبقى ما تتأخرش لحظة في إنك تاخد الخطوة دي يا أمير."
أخرج هاتفه ليعرف أين هي حتى يذهب لها، وضع الهاتف على أذنه، وما إن سمع صوتها أراد أن يوقف السيارة، لكنه لم يجد بها فرامل.
ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً بحب وهو يرى نهايته أمام عينيه، خاصة بعد ظهور تلك الشاحنة أمامه من بعيد:
أغمض عينيه قائلاً بحب: أنا... أنا بحبك وعمري ما حبيت في حياتي غيرك، خليكي دايمًا عارفة ده، وسامحيني لو وجعتك بأي تصرف مني، بس صدقيني غصب عني يا حبي.
الأول والأخير.
كادت أن تجيب، لكن بدون مقدمات استمعت لصوت تصادم وصراخ، لتصرخ بأعلى صوتها قبل أن تسقط فاقدة الوعي: أمييييير!!!
كانت تأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا، والآخر يجلس على الفراش ينظر لساعة يده من حين لآخر بانتظار وصول تلك الرسالة المصحوبة بفيديو مصور لسيارة تلتهمها النيران مرسلة له على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
سألته ثريا بلهفة: ها، عملت إيه؟
ابتسم قائلاً بمكر وهو يضع شاشة الهاتف أمام وجهها: حصل، مستحيل يطلع من الحادثة دي حي.
لمعت عيناها بسعادة قائلة: عقبال ما نخلص من الباقين!!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل السادس 6 - بقلم شهد الشوري
بعد تداول ذلك الخبر المفزع للجميع، والسعيد للبعض، على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو تعرض رجل الأعمال المعروف أمير الجارحي لحادث مروع.
بينما فرح، ما إن أفاقت من إغمائها، قصت عليهم ما استمعت له على الهاتف، دون التحدث عن اعترافه بالحب لها.
ليسارع أوس بمهاتفة أدم، الذي علم بالحادث، وتوجه لمكان الحادث برفقة حياة، التي كانت موجودة برفقته بالشركة.
بينما أوس توجه للمستشفى برفقة فرح، التي ظلت تنتحب بقوة، إلى المستشفى.
بعد وقت، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ برفقة ريان، قائلاً بابتسامة:
"اطمنوا يا جماعة، هو بس عنده كسر في إيده اليمين، وشوية خدوش وكدمات بسيطة. ألف سلامة عليه، والحمد لله إنها جت على قد كده."
زفر الجميع براحة، لتردد فرح بلهفة ودموع:
"نقدر ندخل نشوفه ونطمن عليه؟ مش هو بقى كويس صح؟"
ردد الآخر وهو يناظرها بنظرات كلها إعجاب:
"كويس أوي."
ربت ريان على كتفه بقوة، مردداً بحدة:
"روح شوف شغلك يا أحمد."
تنحنح الآخر بقوة، ثم استأذن منهم وغادر.
ليتابع ريان بابتسامة:
"متخافوش، زي القرد جوه الحمد لله إنه قدر ينط من العربية قبل ما تولع. بس هو عاوز يروح ويرفض يفضل في المستشفى، هيطلع دلوقتي ونروح كلنا."
أومأ له الجميع، فالخمسة ينطبق عليهم نفس الشيء، يكرهون المستشفيات من ذلك اليوم.
ما إن خرج من غرفته بعد دقائق، ركضت إليه تعانقه بقوة، قائلة ببكاء مرير:
"متعملش فيا كده تاني، كنت هموت من القلق عليك، كنت خايفة أخسرك."
ابتسم مشددًا من عناقها بيده اليسرى، دافناً وجهه بكتفها، مرددًا وبخفوت وعشق:
"بحبك."
شددت من عناقه، والاثنان متناسيان كل شيء حولهما. لم يقاطعهما سوى صوت أدم، قائلاً:
"احم... طب نلم نفسنا بقى، إحنا في المستشفى."
ابتعدت عنه سريعًا بخجل، بينما هو لم يستطع أن يبعد عيناه عنها، يناظرها بكل حب.
اقترب منه أخوته، معانقين إياه بحذر حتى لا يتألم.
أوس بقلق:
"إيه اللي حصل وإزاي ماتخدش بالك وأنت سايق؟"
أمير بهدوء:
"نتكلم بعدين، خلونا نمشي، أنا عايز أروح أرتاح."
أدم بقلق:
"طب ما تخليك كام يوم هنا نطمن عليك أكتر."
أمير بابتسامة:
"أنا كويس والله، بس اليوم كان متعب وعايز أروح أنام وأرتاح."
أومأ له الجميع، ثم غادروا. وقبل أن يصعدوا للسيارة، ردد أمير بهدوء:
"هنوصل فرح ع الفيلا، وبعدين نروح القصر."
أومأ له أخوته بصمت، وكلاً منهم يفكر بنفس الشيء. بينما أدم أقسم بداخله أن كان ما يفكر به حقيقي، لن يمر اليوم على خير أبداً.
على الناحية الأخرى، بقصر العمري، لم يكن الجميع يعلمون بذلك الخبر حتى الآن. كانوا مجتمعين ببهو القصر، لتأتي ثريا إليهم، قائلة:
"مشوفتوش الأخبار ولا إيه؟"
يوسف بتساؤل:
"أخبار إيه؟"
محسن بقلق:
"أمير عمل حادثة جامدة أوي، وبيقولوا مستحيل يطلع منها عايش. كل القنوات ملهاش سيرة غير عن الحادثة دي."
صدمة حلت على الجميع، بينما يوسف صمت، يحاول استيعاب ما قيل له.
قام مازن بتشغيل التلفاز سريعًا، ليرى الجميع هيئة السيارة المحطمة، النيران مشتعلة بها. هوى قلب يوسف بين قدميه، فسقط كوب القهوة الذي كان بين يديه، التي ارتعتشت بخوف. لأول مرة يشعر به منذ سنوات.
لاحظت ثريا، وكذلك محسن، حالة يوسف. لمعت أعين ثريا بالشماتة والانتصار، وهي ترى بعينيه اشتعال السيارة، متخيلة كيف تعذب أمير وهو يحترق بداخلها.
لكن تبدد كل ذلك بلحظة، عندما استمعت صوته يأتي من خلفها، قائلاً:
"مساء الخير."
التفت الجميع بصدمة للخلف، ليجدوا الخمسة واقفين بجانب بعضهم. هرعت سعاد نحو أمير لكي تحتضنه، لكنه لم يسمح بذلك. ابتعد للخلف، قائلاً:
"خسرتي الحق ده من زمان يا سعاد هانم... من زمان."
بكت بقوة، بينما أمير وقعت عيناه على يوسف، الذي يجلس مكانه بصدمة، ولكن الخوف كان ظاهراً بوضوح بعينيه.
اقترب منها، ثم انحنى تجاهه، قائلاً بسخرية:
"شايفك خايف يا يوسف باشا."
خرجت الكلمات من بين شفتيه بصعوبة، قائلاً:
"انت كويس؟"
أمير بسخرية، وهو ينظر لداخل عيني يوسف، قائلاً:
"بعد سنين طويلة، لسه فاكر تسألني السؤال ده؟ وخوفك ده مكنش موجود لما رمتنا بره حياتك في الشارع؟ خوفك ده مكنش موجود زمان ليه؟ خوفك ده مظهرش زمان ليه وقال لك دول ولادك؟ اسأل عنهم، ممكن يكونوا ماتوا مثلاً وانت متعرفش؟"
يوسف بجمود وقسوة واهية، حتى يخفي ضعف مشاعره وقلقه الذي ظهر عليه:
"مين قال لك إني خايف عليك؟ ما تغور في داهية."
ضحك الآخر ساخراً، وهو ينظر له قائلاً:
"كل مرة بتديني سبب يخليني أكرهك أكتر وأكتر. كل مرة بتخليني أتأكد إنك متستاهلش."
"مستاهلش إيه؟!"
أمير بسخرية، وهو يعتدل واقفاً:
"هتعرف في وقتها، وساعتها هفكرك يا يوسف باشا."
مر بجانب محسن وثريا، ثم مال برأسه عليهما، مرددًا بهمس لم يسمعه سواهما:
"حظ أوفر المرة القادمة!"
كانت تجلس بغرفتها، تحرك قدمها بغضب وخوف، قائلة لمحسن، الذي لا تقل حالته عنها:
"ننجي إزاي منه؟"
نفى برأسه، قائلاً بغضب:
"معرفش، ما أنا زيي زيك أهو، اتصدمت."
ثم تابع بغل وغضب:
"بعد كل اللي دفعناه لأب... في الآخر يطلع عايش."
ثريا بخوف وزعر:
"اتصرف يا محسن، أنا خايفة، لازم نخلص منهم."
"مش هيحصل."
قالها أدم، بعدما دخل للغرفة، يقف أمامهم بثقة.
دخل للغرفة، قائلاً بنظرات متوعدة وقوية، بثت الرعب بقلب الاثنين:
"قسماً بالله اللي حصل لأخويا إنهاردة مش هيعدي بالساهل، ونهايتك انت وهو قربت أوي."
ثريا بغل وغضب، وهي تبادله نفس النظرات:
"مش هيحصل."
نظر لها باستهزاء، قائلاً:
"بلاش الثقة دي بس."
صرخت عليه، قائلة بغل وغضب:
"على جثتي أخليك واحد منكم يضيع اللي عملته السنين دي كلها. أنا يا قاتل يا مقتول."
نظر لها بتوعد وقوة:
"يبقى هتبقي مقتولة يا ثريا، لأني مش ناوي أسيب حقيرة زيك عايشة على وش الدنيا. ورحمة أمي اللي انتوا الاتنين كنتوا سبب في موتها، لهتشوفوا الجحيم على إيد ولاده."
نظر لهم باشمئزاز وتوعد، ثم غادر الغرفة، وترك الاثنان، والغضب متملك منهما وبشدة، وكلاهما ينوي الشر.
في المساء، كانت تتمشى بحديقة القصر بشرود. لفت انتباهها نور وصوت لكمات يخرج من تلك الغرفة، التي لاحظت وجودها لأول مرة. توجهت للغرفة، ثم بحذر دفعت الباب برفق، لتتفاجأ بغرفة مليئة بأحداث الأجهزة الرياضية.
دخلت للداخل بحذر، لتقع عيناها عليها، وهو يرتدي القفازات، يلكم ذلك الكيس الرملي المعلق بالحائط، وجسده يتصبب عرقاً.
كادت أن تغادر قبل أن يشعر بوجودها، لكن أطلقت صرخة متألمة، عندما تعركلت قدمها بكتلة الحديد تلك، التي يمرن بها عضلات يده، الموضوعة على الأرض، ولم تلاحظها.
التفتت سريعاً، ما إن سمع صوت صرخات تأتي من خلفه، ليتفاجأ بها واقعة أرضاً، تحاول النهوض. تخلص من تلك القفازات التي بيده سريعاً، متوجهاً لها، قائلاً بقلق وهو يساعدها على النهوض:
"إيه اللي وقعك كده، ودخلتي هنا ليه؟"
جعلها تجلس على ذلك الكرسي الوحيد الموجود بتلك الغرفة، سائلاً إياها بقلق:
"انتي كويسة؟ في حاجة بتوجعك؟"
أومأت له، قائلة:
"كويسة، شكراً."
ثم تابعت بحرج:
"احم... كنت بتمشى في الجنينة، ولقيت نور الأوضة دي مولع، وأنا أول مرة أشوفها. دخلت أشوف في إيه، لقيتك انت. لم لفيت عشان أمشي، اتكعبلت في دي."
أومأ لها بصمت، وهو يتأمل وجهها. ثم قال فجأة وبدون مقدمات:
"تعرفي إن ملامحك لسه زي ما هي، ما تغيرتيش كتير عن زمان. باختلاف بس عنيكي. زمان كانوا مليانين شقاوة وحنان وجنون، لكن دلوقتي بشوف فيهم حزن، كره، قسوة."
ابتسمت بسخرية، ولم تجب. ليسألها:
"السنين اللي عدت عملتي فيها إيه؟ ممكن تتكلمي؟ تحكي وأسمعك. نفسي نرجع زي ما كنا زمان، قبل ما يحصل اللي حصل. كنا صحاب، ومحدش فينا بيخبي حاجة عن التاني. صحيح كنا صغيرين، بس أنا نفسي نكون زي زمان يا حياة."
ابتسمت بسخرية مريرة، قائلة:
"مفيش حاجة بترجع زي الأول، وسؤالك ده جه متأخر أوي. لو كنت مهتم، كنت سألت من زمان."
قالتها، ثم غادرت من أمامه، وتركه ينظر لأثرها بحزن. ثم صعد لغرفته، وهو يفكر بها. كحاله الأيام الماضية، فهي تشغل جزء كبير من تفكيره منذ أن رآها. وبالرغم من أنه لا يتحدث معها سوى القليل، لكن كلما رأتها عيناه، تبدأ دقات قلبه بالتعالي، ويجد صعوبة في إبعاد عيناه عنها. لا يجد تفسيراً لكل هذا، سوى أنه على بوادر الوقوع بالحب، إن لم يكن قد وقع بالأساس.
بعد مرور يومان على الجميع، دون أحداث تذكر. مر اليومان بهدوء شديد، لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة. فما سيحدث اليومان القادمان لن يكون خيراً أبداً. ستكون بداية صفحات الندم.
بشركة الأدم، كان يجلس خلف مكتبه، يتابع عمله بتركيز شديد. ليتفاجأ بدخول زينة المفاجأة للمكتب، قائلة:
"أدم، لازم أتكلم معاك."
سألها بقلق:
"في إيه يا زينة؟"
"أنا متقدملي عريس."
قالتها، وهي تتوقع أن يثور، يغضب، يبوح لها بما تراه بعينيه، ولم يبوح به لسانه حتى الآن.
صمت عم الغرفة لدقائق قليلة جداً، بعدها وقف ينظر للشارع من خلف زجاج مكتبه الشفاف، قائلاً بهدوء:
"مبروك يا زينة."
"مبروك؟"
قالتها باستنكار وخيبة أمل. سألته بعدم تصديق:
"انت فرحان إن جايلي عريس؟"
لم ينظر لها. خائف، نعم، هو الذي لم يعرف الخوف طريقاً لقلبه يوماً. خائف من النظر إليها بتلك اللحظة، حتى لا يفضح أمره أمامها، وترى الحزن الذي يكسو ملامحه. ليقول بصوت حاول قدر الإمكان أن يكون طبيعياً، غير مبالي:
"أكيد فرحان ليكي، ده انتي بنت خالتي."
لحظات، وسمع صوت شهقاتها، ليعلم أنها تبكي. أخفى حزنه، ملتفتاً لها، قائلاً بحنان وهو يتألم من الداخل، وهو يرى الدموع تغرق وجهها:
"بتعيطي؟ ليها؟"
اقتربت منه، حتى أصبح وجهها أمام وجهه مباشرة، قائلة بدموع وعتاب:
"هتسيبني أكون لحد غيرك يا آدم؟ هتستحمل تشوفني مع غيرك؟"
شاح وجهه بعيداً عنها، قائلاً:
"إيه اللي بتقوليه ده يا زينة؟"
رفعت يدها لوجهه، وجعلته ينظر لها، قائلة بحزن:
"دايماً تقول كلام، وعينيك تقول حاجة تانية. بشوف في عينيك حب، لسانك مش راضي يرحمني ويعترف بيه. انت بتحب زينة زي ما زينة بتحبك."
تحكم بذاته بصعوبة، حتى لا يجذبها لاحضانه، ويبوح لها بعشقه وغرامه بها. ليتها تعلم أنه خائف ويتألم أكثر منها. ليرتدي قناع الجمود، مردداً:
"أوهام."
جذبته من ياقة قميصه، قائلة بغضب ولازالت تبكي بقوة:
"دي مش أوهام، دي حقيقة. انت بتهرب منها."
تبادل الاثنان النظرات، ليجد نفسه بدون وعي، مردداً:
"لو فيه حقيقة واحدة، فهتكون... إني بحبك!"
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها، سرعان ما اختفت، عندما تابع هو، وقد أفاق من سحر اللحظة، قائلاً بجمود:
"بحبك زي حياة بالظبط."
هي خيبة أمل أخرى تحصل عليها منه. لتردد بسخرية مريرة:
"زي حياة؟"
أعطاها ظهره، قائلاً بجدية:
"روحي يا زينة، انتي شكل أعصابك تعبانة ومش عارفة بتقولي إيه."
أومأت برأسها عدة مرات، كادت أن تغادر، ليوقفها قوله، الذي لامست فيه رجاء بأن ترفض:
"لو مش بتحبيه، ارفضي، لأنك كده بتظلميه معاكِ، وبتظلمي نفسك قبل كل ده."
ابتسمت بسخرية، قائلة:
"خطوبتي يوم جواز أدهم وهنا، أوعى ما تحضرش يا بيّه، هزعل منك أوي. مش أنا زي حياة برضه؟"
قالتها، ثم غادرت بخيبة أمل للمرة التي لا تعرف عددها، حصلت عليها منه.
ما إن خرجت من مكتبه، تفاجأت بحياة أمامها. لترتمي بأحضانها، تبكي بقوة. سألتها حياة بقلق:
"مالك يا زينة؟"
بكت أكثر، لتجذبها حياة لداخل مكتبها، الذي يجاور مكتب أدم.
قصت عليها زينة ما حدث، لتواسيها الأخرى بحزن، ثم قامت بتوصيلها لقصر الجارحي. بعدها عادت للشركة، لكي تتحدث مع أدم، لكن لم تجده بالشركة، فقد غادر.
توقفت سيارته أمام مقابر العائلة. ترجل منها، ثم دفع بيده ذلك الباب الأسود الحديدي، مردداً بابتسامة، بعد أن أعطى الحارس بعض الأموال بيده:
"السلام عليكم، دار قوم مؤمنون، أنتم السابقون ونحن اللاحقون."
لمس بيده ذلك الرخام، الذي حفر عليه اسم والدته الراحلة "ليلى سليم الجارحي". ثم رفع يده يقرأ الفاتحة عليها، ثم أخذ يدعو لها. وما إن انتهى، جلس أرضاً أمام قبرها، مخرجاً من جيب سترته المصحف الشريف الصغير، ثم أخذ يرتل بصوته العذب آيات القرآن الكريم. وما إن انتهى، ردد بخفوت: "صدق الله العظيم."
أعاد المصحف لمكانه، ثم نظر لقبر والدته، مردداً بابتسامة حزينة:
"وحشتيني يا أمي."
اخفض وجهه، متابعاً بأعين دامعة:
"الحياة وحشة أوي من غيرك."
صمت لدقائق، ثم تابع بحزن:
"زينة هتتخطب... قلبي واجعني أوي، حاسس بنار جوايا، كل ما أتخيلها مع واحد تاني."
تنهد بحزن، ثم تابع:
"أنا بحبها أوي يا أمي... بس خايف. خايف عليها مني ومن الأيام. خايف الأيام تعيد نفسها تاني، وأكون نسخة منه. خايف بعدين أخلف أولاد يعيشوا اللي عيشته. خايف أكون يوسف عمري تاني."
"عارف إني وجعتها باللي قولته، بس غصب عني. أنا مش عايزها في يوم من الأيام تكون هنا مكانك، وأتقهر على خسارة حد تاني."
تنهد بحزن، ثم تابع بأعين لامعة بالدموع:
"بحبها ومش عايزها تبعد، وفي نفس الوقت خايف عليها من القرب ده. وأقول: هي تستاهل واحد أحسن مني، حد مفيش جواه خوف وعقد."
كان مندمجاً بالحديث مع والدته، يشكو لها أوجاعه، ولم يشعر بحياة، التي تقف خلفه منذ دقائق قليلة. استمعت تخطته، ثم وضعت باقة الزهور، التي كانت تعشقها والدتها، على قبرها. وبأعين لامعة، رفعت يدها تقرأ الفاتحة. وما إن انتهت، جلست أمامه، قائلة بحزن لأجله:
"قابلت زينة، وقالت لي اللي حصل. دورت عليك كتير عشان أتكلم معاك، تنهي المهزلة دي، بس ملقتكش في الشركة ولا في البيت. كلمت الحارس اللي بره، قالي إنك هنا."
صمت الاثنان للحظات، لتتابع هي بحزن:
"متعملش في نفسك وفيها كده. زينة بجد بتحبك. هقولك نفس اللي قولته لأمير: خوفك أكبر دليل على حبك ليها، وأنك لا يمكن تأذيها. يوسف العمري عمره ما حب ماما عشان تحطه تقيم ليك. يوسف العمري مفيش حب في قلبه أصلاً، لكن انت بتحب زينة بجد. ولو خوفك أكبر، متفترضش الوحش. حافظ على زينة بدل ما تضيع من إيدك، وساعتها تفضل ندمان طول عمرك."
نفى برأسه، مردداً بحزن:
"طب وفرق السن بينا؟"
حياة بابتسامة ساخرة:
"ما كانوش تمن تسع سنين اللي انت عامل حسابهم دول. الحب عمره كل كان بسن، طالما التفاهم والحب والاحترام موجود بين الاتنين، وقبل ده كله الكرامة، يبقى مفيش حاجة تمنع."
نظر لقبر والدته بشرود، لتربت هي على يده، قائلة بتشجيع:
"أهل العريس هيزورهم إنهاردة بليل. زينة وافقت على العريس. في إيدك دلوقتي تحافظ على سعادتك وعلى اللي بتحبها. بلاش تضيع زينة من إيدك يا آدم، روح وقف المهزلة دي."
كان بحاجة لأحد ليطمئنه من قبل يخبره بتلك الكلمات المشجعة على أخذ تلك الخطوة. وها هي شقيقته، التي تصغره بأعوام كثيرة، أعطته ذلك الأمان ببضع كلمات فقط.
نظر لها ببسمة صغيرة فخورة، قائلاً وهو يضع يده وحنتها:
"القمورة الصغيرة بتاعتنا كبرت إمتى وبقت بتتكلم بحكمة كده وعقل؟"
ضحكت قائلة بغرور واهي:
"أنا طول عمري عاقلة وعندي مواهب كتير، بس انتوا اللي مش حاسين بالنعمة اللي عايشة وسطكم."
ضحك الاثنان معاً، ليجذبها لاحضانه، مردداً بحب:
"ربنا يخليكي لينا يا حياة. تعرفي، رغم إني بحب الجزم التانين أخواتك، بس انتي ليكي معزة وحب أكبر في قلبي، لأنك شبهها. كل ما أشوفك كأني شايف ماما قدامي، واخدة نفس جمالها وروحها."
ابتسمت بحب، قائلة:
"واحنا كلنا بنحبك. انت أبونا مش بس أخونا الكبير. مش بيقولوا الأب هو اللي بيربي، انت اللي كنت معانا السنين دي واهتميت بكل واحد فينا."
ابتسم بسعادة، وهو ينظر لقبر والدته، مردداً بداخله: "هفضل محافظ على وعدي ليكي يوم ما حطيتك بإيدي هنا. هفضل سند لإخواتي وأحميهم لحد ما أقابل وجه كريم، ونتقابل أنا وانتِ سوا."
قالها، ثم قرأ الفاتحة هو وحياة لوالدتهم، ثم غادروا.
في المساء، يجلس الجميع بانتظار حضور عائلة الشاب الذي تقدم لخطبتها، والذي كان يعمل معيداً بجامعتها. لكنه لم يأتي، واكتفى بإرسال رسالة لهم بأنها تراجع عن قرارها بالزواج منها. تعجب الجميع من فعلته، بل وغضبوا منها، متوعدين له.
في صباح اليوم التالي، غادر أدهم على مضض، برفقة هنا، ليقوم الاثنان بشراء فستان الزفاف وبعض الأشياء اللازمة، فالزفاف بعد الغد.
بخطوات واثقة، كانت يصعد الدرجات التي تصل لباب القصر الداخلي، وهو يرفع نظارات الشمس الخاصة به عن عينيه. فتحت الخادمة الباب، وسمحت له بالدخول، بعدما عرفت هويته.
مرت دقائق قليلة، وسمع صوت سليم من خلفه، يردد بسعادة:
"أهلاً يا بدر يا ابني، أخبارك إيه؟ وابوك وجدك؟ أخبارهم إيه؟ واحشني أوي."
اقترب منها سريعاً، وساعده على الجلوس، ثم قبل يديه، قائلاً بحب واشتياق:
"كلنا كويسين يا جدي، وكلهم بيسلموا عليك. بابا وجدي مقدروش يسافروا يحضروا فرح هنا وأدهم، فأنا جيت بدالهم، ولا أنا منفعتش بقى."
قال الأخيرة بمرح، ليضحك الآخر، مردداً بحب:
"تنور يا حبيبي."
ابتسم الآخر، مردداً بتساؤل، وهو يبحث بعينيه في المكان حوله:
"اومال هما فين؟ عايز أسلم عليهم."
تنهد سليم، قائلاً:
"هنا وأدهم مش هنا، بيشتروا فستان الفرح والشبكة والتجهيزات بقى، انت عارف."
أومأ له الأخير بصمت، ليتابع سليم قائلاً:
"جدك بيشتكي منك هو وابوك."
ضحك بدر قائلاً:
"عشان موضوع الجواز طبعاً."
أومأ له سليم، قائلاً:
"مش ناوي بقى ولا إيه؟"
بدر بضيق:
"غلبت أفهمهم والله إني مش عاوز جوازة والسلام."
"اومال عايز إيه؟!"
بدر بتساؤل:
"قولي الأول بس، لما حضرتك اتجوزت جدتي، اتجوزها ليه؟ يعني قولت بنت عمي وأنا أولى بيها، ولا كنت بتحبها؟"
سليم بابتسامة:
"أكيد كنت بحبها."
بدر بابتسامة:
"أهو أنا بقى عايز كده. عايز واحدة أحبها، تخطف قلبي من أول نظرة."
"طب افرض ملقتهاش؟"
ضحك بخفوت، قائلاً:
"هلقيها إن شاء الله، ادعيلي بس يا سليم."
ابتسم سليم، داعياً له، ليسأله الآخر:
"أدم فين؟ بكلمه من ساعة ما وصلت من المطار، تليفونه مقفول."
"تلاقيه في اجتماع ولا حاجة. اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين أوي، خصوصاً بعد حادثة أمير."
بدر بصدمة وقلق:
"أمير عمل حادثة؟"
أومأ له سليم، ثم بدأ يقص عليه تلك الحادثة، وكيف نجى أمير منها. سأله بدر بقلق:
"طب ألاقيه فين دلوقتي؟ وبعدين إزاي حضرتك متقولنالناش حاجة زي كده؟"
ربت سليم على قدمه، قائلاً بابتسامة:
"مكنتش عايز أقلقكم. هو كويس الحمد لله. هتلاقيه في الشركة دلوقتي."
وقف بدر قائلاً، وهو يستعد للرحيل:
"طب إن..."
لكن قطع حديثه حياة، التي دخلت للغرفة، قائلة بتعجل:
"جدو ال..."
لكن توقفت هي الأخرى عن الحديث، بعدما وقعت عيناها على من يجلس برفقة جدها، قائلة باعتذار:
"آسفة، مكنتش أعرف إن عندك ضيوف."
سليم بابتسامة:
"ده مش ضيف يا حبيبتي، ده بدر ابن عمك، عثمان حفيد أخويا الصغير عاصم."
أومأت له بابتسامة، وقد تعرفت عليه، فهي دائماً ما تسمع عنه، لكنها لم يسبق وأن التقت به.
بدر بصدمة، وهو لا يستطيع أن يبعد عيناه، التي أخذت تتأمل وجهها بافتتان:
"مين دي؟!"
سليم بابتسامة:
"دي حياة يا بدر، حفيدتي بنت ليلى. اتقابلتوا مرة واحدة يوم وفاة ليلى. كنتوا لسه صغيرين."
قال الأخيرة بحزن، ليردد بدر وحياة بنفس الوقت بحزن:
"الله يرحمها."
سليم بتساؤل:
"كنتي عايزة حاجة يا حياة؟"
أومأت له، وهي تعطيه الملف:
"كل اللي حضرتك طلبته اتنفذ، ودي التذاكر، وكمان حجزت في أوتيل ليهم تاني يوم الفرح على طول."
ابتسم قائلاً:
"تمام يا حبيبتي."
نظرت لساعة يدها، قائلة بتعجل:
"همشي أنا بقى، عشان فيه اجتماع في الشركة، ولازم أحضره، وزينة هتكمله بدالي باقي التحضيرات."
تدخل بالحديث، قائلاً:
"انتي رايحة الشركة؟"
أومأت له، ليتابع هو:
"اصل أنا كنت رايح أشوف أمير وأطمن عليه. ممكن نروح سوا، وتوصليني في طريقك؟"
ابتسمت قائلة:
"أكيد، اتفضل."
غادر الاثنان، لينظر سليم لأثرهما، وهو يبتسم على هيئة بدر، عندما رأى حياة. دعا بداخله أن يتحقق ما بباله. قطع شروده صوت قاسم، قائلاً:
"مالك مبتسم كده ليه يا بابا؟"
"مفيش، أنا طالع أرتاح شوية."
قالها، ثم صعد لغرفته، بينما قاسم توجه لحديقة القصر، ليباشر الإشراف على العاملين.
كانت تقود السيارة، والصمت يعم المكان. قطعه هو، قائلاً بابتسامة جذابة:
"تعرفي غريبة، إن نطلع قرايب، وأول مرة نشوف بعض دلوقتي. مع إن بشوف أخواتك من زمان، بس أول مرة أقابلك."
أومأت له، قائلة بابتسامة صغيرة:
"كنت عايشة بره، ومكنتش بنزل مصر كتير. يمكن لما كنت بتشوفهم، كنت أنا ببقى مسافرة."
أومأ له، قائلاً بفضول ليتعرف عليها، وهو يشعر بانجذاب غريب نحوها. ما إن وقعت عيناه عليها قبل قليل:
"انتي خلصتي دراسة؟"
نفت برأسها، قائلة:
"لسه، أنا رابعة كلية هندسة."
ابتسم قائلاً:
"أنا كمان درست هندسة."
ثم سألها بفضول ومرح:
"مخطوبة بقى؟"
ضحكت بخفوت، قائلة:
"لو كنت مخطوبة، أظن كنت هتحضر خطوبتي وهتعرف بيها، زي ما عرفت من جدي بخطوبة هنا وأدهم، ولا إيه؟"
لا يعرف لماذا شعر بالراحة، عندما علم. ليردد:
"الحمد لله."
"إيه؟"
تنحنح، قائلاً بابتسامة:
"بقول مظبوط عندك حق."
دقائق قليلة، وتوقفت بالسيارة أمام الشركة. ترجل الاثنان منها، ودخلوا للداخل، لتلمع عيناه بإعجاب، عندما يرى احترام الجميع لها، رغم سنها الصغير. ركب الاثنان المصعد، وما إن توقف بالطابق المنشود، خرجت منها، تشير له بيدها على أحد غرف المكاتب:
"ده مكتب أمير."
أومأ لها، قائلاً بابتسامة، وهو يمد يده لها لكي يصافحها:
"شكراً، مبسوط إني شوفتك يا حياة، واتعرفت عليكي."
ابتسمت له، ثم مدت يده تصافحه، قائلة:
"مفيش داعي للشكر، إحنا قرايب، والقرايب مفيش بينهم شكر. ومبسوطة إني اتعرفت عليك."
سحبت يدها من يده، قائلة:
"عن إذنك بقى."
يراقبها حتى دخلت لمكتبها، ثم رفع يده التي صافحتها، مقترباً إياها من شفتيه، يقبلها، قائلاً بهيام:
"قمر، أقسم بالله قمر. هو في كده؟"
توجه لغرفة أمير، دون أن يطرق الباب، قائلاً بمرح:
"ما انت زي القرد أهو، اومال إيه عامل حادثة؟"
انتفض أمير من خلف مكتبه، متوجهاً نحوه، قائلاً بمرح مماثل:
"الله أكبر في عينك يا عم عثمان."
عانق الاثنان بعضهما باشتياق، ليردد بدر:
"واحشني يا مير."
جلس الاثنان، وأخذوا يتبادلا الحديث، ليسأله بدر:
"اومال فين أخواتك؟"
أمير بابتسامة:
"بعد وقت خرج الأربعة من غرفة الاجتماعات، بنفس الوقت الذي خرج به بدر وأمير من غرفة المكتب. تبادل هو وأوس وأدم الأحضان باشتياق."
ليسأله أدم:
"مقولتش ليه إنك جاي، كان حد فينا استناك في المطار؟"
بدر بابتسامة:
"مكنش فيه داعي."
أوس وهو يحاوط كتف شقيقته:
"اعرفك يا سيدي، دي القمر بتاعنا حياة."
بدر بداخله، وهو يتأمل وجهها بهيام:
"هي من ناحية قمر، فهي قمر أوي."
ثم تابع بابتسامة:
"اتعرفنا، ما هي اللي وصلتني لهنا."
أدم بتساؤل:
"إزاي؟ انت شوفتوا بعض فين؟"
قص عليه بدر كيف التقى بها، ليقول أمير بابتسامة:
"طب يلا يا أخويا انت وهو ع البيت جدك. بيقول كلنا نبقى موجودين ع الغدا إنهاردة، حتى ريان هيحصلنا على هناك."
غادر الجميع، بينما بدر لم يتوقف عن اختلاس النظرات لحياة بالخفاء، فقد سحرته كلياً.
رواية ضحايا الماضي الفصل السابع 7 - بقلم شهد الشوري
في قصر الجارحي، بحديقته الكبيرة، أقيم حفل زفاف أدهم الجارحي وهنا. كان الحفل جميلًا جدًا، يليق بعائلة كبيرة مثل عائلة الجارحي. كل شيء كان مثاليًا في الزفاف، وكاميرات الصحافة لم تتوقف عن التقاط الصور.
كان أدهم يرسم على شفتيه ابتسامة مزيفة، بينما هي، بداخلها، كان حزن كبير لا تستطيع أن تخفيه. تظهر ابتسامة كاذبة سعيدة على شفتيها. ربما لو كان الزفاف حقيقيًا، وهو يريدها بإرادته ويحبها، لكانت أسعد الفتيات على وجه الأرض. لكن يشاء القدر أن يكون اليوم الذي تتمناه وتحلم به منذ سنوات يومًا تعيسًا لها.
لاحظ ضيقها وشرودها، فمال عليها قائلاً بخفوت وتهديد، وهو يرسم ابتسامة على شفتيه:
"افرِدي وشك، لا يقولوا غاصبينك."
ابتسمت بسخرية قائلة:
"مش هي دي الحقيقة."
أدهم بنفس الهمس والتهديد:
"طب افرِدي وشك واتعدلي عشان ما تزعليش من اللي هعمله يا حلوة."
أرغمت نفسها على رسم ابتسامة على شفتيها، بينما هو حاله لا يختلف عنها بكثير. فهو أيضًا يشعر بما تشعر به. ليتها تعلم كم كانت صدمته بها، لو تعلم كم يحبها قلبه الأحمق الذي، رغم كل شيء، لا يزال يعشقها وينبض لها فقط.
توسعت عيناه بصدمة وهو يرى سمر تدخل الحفل. الغضب والشر يرتسمان على وجهها. يبدو أنها لا تنوي على خير أبدًا. بدون أن يلاحظ أحد، توجه لها يسحبها خلفه إلى داخل القصر قائلاً بتوتر:
"إيه اللي جابك؟"
سمر بغضب كبير:
"بقى سبتني عشان تتجوز دي؟ بعد كل ده تسيبني يا أدهم؟ وأنا اللي حبيتك ووثقت فيك تخدعني كده؟"
كاد أن يعنفها، فهو أدرى الناس بها. لكنه عندما لمح بعينيه هنا التي تدخل من باب القصر، أراد أن يجعلها تشعر بالإهانة والألم. حاوط وجه سمر قائلاً بحب واهي:
"صدقيني غصب عني يا حبيبتي، جدي اللي غصبني أتجوزها. أنا أصلًا مش بطيقها وأنتي عارفة، بس كنت مجبور وإلا كنت هضطر أسيب الشركة."
سمر بدموع وحزن واهي:
"طب وأنا إزاي متقوليش يا أدهم؟"
أدهم بحزن، وهو يرى هنا بطرف عينيه تكاد تبكي، ليتابع وهو يقبل يد سمر:
"غصب عني يا حبيبتي، سامحيني. أنا هصلح كل حاجة. كام شهر وهطلقها ونرجع لبعض. الجواز أصلًا هيكون على ورق."
سمر بمكر، وهي لازالت تتصنع الحزن:
"بس أوعى تلمسها، وأنا هستناك بس متسبنيش يا أدهم، أنت عارف إني بحبك وبموت فيك."
ابتسم قائلاً بحب واهي:
"أنا كمان بموت فيكي يا حبيبتي."
اختتم كلامه بقبلة على شفتيها، لتتحرر تلك الدموع من عيني تلك التي تتابع كل ما يحدث وتحطم قلبها لأشلاء وألم رهيب أصاب قلبها العاشق.
همست، مسحت دموعها، ثم عادت للزفاف لتلتقي بوالدتها قبل أن تتدخل للزفاف والسعادة مرتسمة على وجهها. تنهدت بحزن، ثم ذهبت وجلست مكانها، بينما أدهم اتفق مع سمر على شيء قبل أن يعود للزفاف.
ترى ما هو؟
لقد تأخرت كثيرًا، ولم تستطع أن تتجهز على الميعاد، لذا طلبت من إخوانها الذهاب وهي ستلحق بهم. وما إن علم بدر هذا، قرر استغلال تلك الفرصة. فذهب ليأتي بها للحفل، بعد موافقة سليم الذي أصبح يعلم الآن أن العشق الذي يبحث عنه بدر قد وجده أخيرًا. لكن هو لا يعلم حفيدته، فمن الصعب أن يعرف أحد فيما تفكر أو ماذا تريد؟
نظرت لآخر مرة على هيئتها في المرآة. فستان من اللون الأزرق الداكن بأكمام من الشيفون شفافة، وينزل بانسياب على جسدها، ومفتوح من الجانب الأيمن إلى فوق ركبتها بقليل. ورفعت خصلات شعرها بكعكة منمقة، اكتفت بوضع القليل من المكياج لتظهر بصورة جميلة فاتنة. كان ذلك الثوب من اختيار زينة، رفيقتها. نزلت للأسفل بخطوات هادئة لبدر، الذي أخبرها جدها بأنه سيوصلها للزفاف، حتى لا تأتي بمفردها.
بالأسفل، كان يدخل من باب القصر بخطواته الواثقة، بعدما فتحت له الخادمة الباب. كان الجميع وقتها يجلسون في بهو القصر، كل منهم شارد في عالم آخر.
بدر بهدوء، ما إن تقابل معهم:
"مساء الخير."
ردد الجميع في وقت واحد، وهم ينظرون له بتعجب وعدم معرفة بهويته:
"مساء النور."
نزلت حياة بذلك الوقت بخطواتها الهادئة وابتسامة صغيرة على شفتيها، لتلمع عينا اثنان من الموجودين. تناظرها بحب وهيام. لتشتعل عينا سارة بالغيرة والحقد وهي ترى نظرات إلياس نحوها، وهي التي ظلت لسنوات تحاول أن تحصل على قلبه، لكن دون جدوى. كل محاولاتها تنتهي بالفشل. بينما يوسف كان ينظر لها بشرود، يرى فيها ليلى تمتلك نفس جمالها الذي سحره منذ أول مرة التقى بها.
حياة باعتذار لبدر:
"بدر، معلش هتعبك معايا، وأسفة لو اتأخرت عليك."
بدر بابتسامة جذابة:
"ولا يهمك، أنا لسه واصل حالا. يلا بقى عشان اتأخرنا."
أومأت له، وكادت أن تذهب برفقته، ليوقفهما صوت إلياس الغاضب والذي يشتعل غيرة:
"رايحة فين معاه بالمنظر ده وفي وقت زي ده؟"
بدر برفعة حاجب وهو يرى نظرات غاضبة وغيرة في عين الآخر:
"نعم، وأنت يخصك في إيه؟"
إلياس بتحدي:
"إلياس العمري، ابن عمها."
بدر بتحدي وهو يتقدم ليجعل حياة تقف خلفه:
"بدر عثمان الجارحي، ابن خالها."
إلياس بسخرية:
"عشان ابن خالها يديك الحق تخرج معاها في وقت زي ده؟ ولوحدكم؟"
بدر بسخرية مماثلة:
"قولنا ما يخصكش. ومش عشان ابن عمها ده يديك الحق إنك تتدخل في حياتها."
إلياس بتحدي وهو يتقدم خطوة للأمام، اتخذها بدر هو الآخر، وكلاهما متأهب لحدوث شجار:
"حياة مش هتخرج من هنا."
بدر بتحدي:
"حياة هتخرج، ووريني هتعمل إيه."
حياة بغضب:
"بس أنتوا الاتنين! في إيه؟"
تدخلت سارة بالحديث قائلة بغل:
"أكيد فرحانة بلمة الرجالة حواليها. طالعة لأمها."
كانت سترد حياة، لكن كان الرد الأسبق عليها نظرات احتقار من بدر، وغضب وهو يرى هيئتها المثيرة للاشمئزاز. فكانت ترتدي فستان قصير يصل لقبل ركبتها بقليل وبدون أكتاف:
"قسماً بالله لولا إنك بنت لكنت وريتك. بس الظاهر أوي مين اللي بيحب لمة الرجالة حواليه. أصل اللي بيحب نظراتهم مش هيلبس بالمنظر ده. بصي لنفسك في المراية الأول."
التقط يد حياة بين يديه، وكاد أن يغادر، ليوقفه صوت إلياس الغاضب:
"قلت مش هتخرج من هنا."
حياة بنفاذ صبر وحدة:
"أنت زودتها أوي. أنت مالك أصلًا؟ كنت ولي أمري؟"
إلياس بتصميم وعيناه تلمع بالغيرة:
"مش هتروحي معاه يا حياة."
بدر بتحدي:
"لا هتروح."
دفعه إلياس بيده في صدره ليرتد الآخر للخلف:
"لو مرحتش هتعمل إيه يعني؟"
رد له بدر الدفعة بغضب:
"أع..."
لكن قاطعه صوت حياة الغاضب:
"بس بقى انتوا الاتنين! بدر، خلينا نمشي يلا."
كاد أن يعترض إلياس، فبداخله نيران مشتعلة، مجرد تخيلها أنها ستذهب مع رجل وبمفردها. لكن أوقفه صوت والده الصارم:
"إلياس، كفاية لحد كده."
– بس…
جمال بصرامة وهو يشير بيده لحياة وبدر لكي يذهبوا:
"من غير بس. اتفضلوا، شوفوا رايحين فين."
غادروا، بدر بعدما تبادل نظرات التحدي والتوعد مع إلياس، وسارة التي قررت أنها لن تصمت على تلك الإهانة وتتوعد لحياة بالكثير.
بعد وقت، كانت حياة تدخل للزفاف برفقة بدر، الذي لم يبعد عينيه عنها لحظة واحدة. توجهت هي لشقيقها تقف بجانبه، وهو توجه لأصدقائه الموجودين بالقاهرة والذي لم يراهم من سنوات.
مر وقت قصير، ودخلت فرح الزفاف برفقة مهرة، اللتان قام بدعوتهما أمير، وهما يطالعان كل شيء في المكان بانبهار وإعجاب. و خاصة مهرة التي كانت تتابع ما حولها بأعين واسعة كالاطفال. ابتسم أوس بسعادة ما إن رآها، وأخذت عيناه تتأملها بإعجاب بفستانها السماوي الجميل الذي ينزل بانسياب على جسدها بحمالات عريضة، بينما خصلات شعرها تركتها طليقة. ابتسم مقتربًا منها بعدما تركتها فرح التي جذبها أمير مباشرة ما إن دخلت ليرقص معه.
أوس بابتسامة:
"إزيك يا مهرة؟"
نظرت له قائلة بدون مقدمات، بذلك السؤال الذي جاء على بالها وهي ترى ما حولها:
"هما البنات دول لابسين إزاي؟ الفساتين قليلة الأدب دي، مش كده؟ عيب؟"
وضحك بخفوت قائلاً:
"آه عيب، بس إنتي شطورة ولابسة محترم وطالعة زي القمر."
مهرة بسعادة وهي تلمس ثوبها بسعادة، فهي لأول مرة ترتدي فستان كهذا، فهي استعارته من فرح:
"بجد يعني حلو عليا؟… طالعة حلوة؟"
أجابها بابتسامة صادقة وهيام:
"أحلى واحدة في الحفلة… جميلة أوي يا مهرة."
ابتسمت بخجل قائلة:
"أنت كمان… جميل."
ابتسم، ثم أخذ يفتح معها عدة مواضيع، وهي تتجاوب معه بسعادة وعفوية.
بينما أمير كان يراقص فرح بسعادة، ولم يتوقف عن إلقاء كلمات الغزل عليها تحت خجلها الشديد.
كانت حياة تقف بجانب شقيقها، الذي يبدو عليه الارتباك. سألته بتعجب:
"إيه اللي فيك يا آدم؟ مالك مش على بعضك ليه؟"
آدم بنفي:
"مفيش."
حياة بتصميم:
"لا فيه. حصل حاجة وأنت مخبي."
آدم بتوتر وإحراج:
"بقولك إيه، هو يعني أنا كنت… كنت عاوز أعرض الجواز على زينة انهاردة. إيه رأيك في الفرح؟ ولا بيني أنا وهي بعد ما يخلص؟"
ابتسمت حياة بسعادة قائلة:
"أقولك تعمل إيه. بس الأول جبت خاتم صح؟"
أومأ له بنعم، لتتابع هي قائلة:
"روح واركع على رجليك وقولها تتجوزيني."
آدم بحرج:
"مفيش طريقة غير كده يعني؟"
حياة بتشجيع:
"مفيهاش حاجة يا ابيه، صدقني هتفرح أوي لو عملت كده. يعني أي بنت بتبقى نفسها كده، يركع على رجليه ويقولها تتجوزيني، وخصوصًا لو كان اللي بتحبه. اتشجع كده، ومفيش داعي للحرج."
تنهد بعمق، ثم توجه بعينيه نحوها. كانت تقف بجانب والديها، ترسم على شفتيها ابتسامة صغيرة تخفي بها ألم قلبها وحزنها الشديد. اقترب من المكان الخاص بعازفي الموسيقى، ثم أخذ منهم الميكروفون. تنهد بعمق قبل أن يقول:
"زينة."
التفتت جميع الأعين نحوه، وكانت هي أولهم. ليتابع آدم وهو ينظر نحوها بابتسامة وعشق:
"بحبك."
توسعت عيناها بصدمة. بينما حياة ابتسمت بتوسع. اقترب آدم منها وهو لا يزال يمسك المايك بيده، قائلاً بعدما توقف أمامها:
"والله العظيم بحبك يا زينة قلبي وحياتي. تتجوزيني؟"
ابتسمت بسعادة، وأخذت تتساقط الدموع من عينيها. ليلتفت هو لخاله قاسم قائلاً بابتسامة:
"تقبل تجوزني بنتك يا خالي؟ ووعد مني لحد آخر نفس فيا هحافظ عليها وأحبها طول العمر."
ابتسم قاسم بسعادة، ثم نظر لابنته التي تظهر السعادة بوضوح عليها، ثم أومأ له بموافقة، وكيف له أن لا يوافق أن يزوج ابنته لابن شقيقته الرحلة، الذي لن يجد من يحافظ على ابنته أكثر منه. ابتسم سليم بسعادة، وكذلك فاطمة. بينما أمير أطلق صفيراً عاليًا عندما انحنى آدم على ركبتيه، مخرجًا ذلك الخاتم الألماسي من جيب سترته، قائلاً بابتسامة وحب:
"تقبلي تتجوزيني يا زينة؟"
وضعت يدها على وجهها بسعادة، ثم أومأت له بنعم، والدموع تغرق وجهها. لبسها الخاتم، ثم اعتدل، ليتعالى التصفيق الحار في المكان، بينما إخوته يبتسمون بسعادة مصفقين له بسعادة كبيرة لأجل شقيقه، غافلة عن بدر الذي يتأمل ابتسامتها الجميلة بهيام.
كانت تقف وحدها بعدما تركها ريان ليرد على مكالمة هامة على هاتفه، بينما الباقين، كل منهم مشغول بحبيبته. حتى أوس يبدو أنه وجد العشق أخيرًا. عيناها تتأملها بهيام، وكلما حاول أن يبعدها، هنا لا يستطيع. يبدو أن أخيرًا وجد ما يبحث عنه منذ سنوات: "العشق".
اقترب منها قائلاً بغزل:
"إيه الجمال ده؟"
ابتسمت بخفة قائلة:
"أنت بتعاكس؟"
أومأ لها قائلاً بضحك وصدق:
"بصراحة آه. في حد يشوف الجمال ده وما يعاكسش؟ ده يبقى معندوش نظر يعني."
تنحنحت بخجل، ليتابع هو بمرح:
"بما إني معرفش حد هنا، وإنتي مش غريبة، واحنا قرايب وغطا وساتر على بعض، ينوبك ثواب فيا وتعلميني الرقصة دي."
ضحكت قائلة بصدمة:
"ما بتعرفش ترقص؟"
وأومأ لها بآسى وحزن واهي قائلاً:
"اكسبِ فيا ثواب بقى."
ضحكت بخفوت، وبعد إلحاح كبير منه، وافقت بخجل وإحراج. كانت تمسك يده، تضعها على خصرها، ثم وضعت يدها على كتفه، واليد الأخرى أمسكها هو بيده، ينظر إلى داخل عينيها. السنوات طوال كان يبحث عن شيء ينقصه، لا يعرف ما هو. لكن بتلك اللحظة شعر بالكمال. لقد وجد ضالته، وبتلك اللحظة خصيصًا أدرك أنه عاشق من النظرة الأولى، وقد وجد من سرقت قلبه من أول وهلة رآها بها.
تمايل معها على أنغام الموسيقى بحرفية شديدة. كان هو المتحكم بتلك الرقصة، ويحركها بين يديه بسلاسة أدهشتها. سألته بصدمة:
"أنت ما بتعرفش ترقص؟ اومال أنا إيه؟"
ضحك بخفوت قائلاً:
"ما أنا بتعلم بسرعة. شوفتي؟"
ضحكت مرة أخرى حتى ظهرت أسنانها البيضاء، لتسرق قلبه مرة أخرى. ليردد بإعجاب:
"ضحكتك حلوة أوي."
بخجل وإحراج، ابتعدت عنه قائلة:
"احم. بما إنك اتعلمت، كفاية رقص لحد كده."
قطب جبينه قائلاً بعبوس:
"ليه؟ في خطوات تانية لسه متعلمتهاش؟"
ابتسمت قائلة قبل أن تغادر:
"ابقى اتفرج عليهم وهم بيرقصوا. مش أنت بتعلم بسرعة بردوا."
وتنهد بدر، واضعًا يده يجيب بنطاله، مرددًا بحب:
"والله و جت اللي توقعك أخيرًا يا بدر!!!"
انتهى الزفاف، وذهب أمير لتوصيل فرح، وكذلك فعل أوس الذي تحجج لمهرة بأنه يريد أن يقضي فرح وأمير بعض الوقت سويًا. ولم يخلُ الطريق من حديثه معها ونظرات الإعجاب التي ينظر لها بها.
بعد تهنئة من الجميع، صعد لغرفته وهو يحملها بين يديه. وما إن دخل لغرفتهم، ألقاها بعنف على الفراش، لتعتدل هي، ثم توجهت للمرحاض بصمت تام، وتجاهلته. بعد وقت، خرجت من المرحاض ترتدي ثوب نومها الطويل الفضفاض المحتشم التي كانت معتادة على النوم به. لتجده قد بدل ثيابه واستلقى على الفراش يعبث بهاتفه. تجاهلته، وكادت أن تنام على الفراش بجانبه بعدما تضع وسادة بينهما، فالأريكة الموجودة بالغرفة صغيرة جدًا. لكن أوقفها هو قائلاً بتساؤل:
"إنتي بتعملي إيه؟"
– هنام.
أدهم ببرود:
"نامي بس مش جنبي. أنا بقرف من الزبالة."
نظرت له هنا بنفاذ صبر، ولم تستطع أن تصمت بعدما أهانها قائلة:
"أنا كمان بقرف من الزبالة، بس مضطرة أستحملها. اعصري على نفسك لمونة زي ما أنا هعمل بالظبط."
أدهم بغضب وحدة:
"مش هتنامي هنا."
هنا بتحدي:
"لا هنام هنا يا أدهم، ولو مش عاجبك روح نام الكنبة أو الأرض، مش هقولك لأ."
لغضب، جذبها من خصلات شعرها بقسوة قائلاً بتهديد:
"غوري من وشي اتزفتي في أي حتة وعدي ليلتك عشان أنا على آخري."
ثم دفعها بقسوة على الأريكة، لتنفجر هي في بكاء مرير مزق قلبه. كاد أن يقترب منها، لكن توقف عندما تذكر هيئتها وهي عارية في الفراش. أغمض عينيه، ينفض تلك الذكرى بعيدًا، ثم أطفأ الأنوار، وألقى بجسده على الفراش، يحاول أن ينام، لكن لم يستطع من صوت بكائها الذي يمزقه من الداخل. يريدها أن تتوقف عن البكاء حتى لا يضعف ويحن لها. ليصرخ عليها قائلاً:
"بطلي زفت عياط! عايز أنام… اتخمدي يلا."
انتفضت مكانها بخوف من صوته الغاضب، ثم بأيدي مرتعشة التقطت تلك الوسادة التي ألقاها لها، تنام على الأريكة التي لم تكن مريحة أبدًا. دقائق، سقطت في النوم، ليعتدل هو، ثم توجه نحوها يجذب ذلك المفرش يضعه عليها، وهو يتأمل وجهها بحب وحزن، مرددًا:
"اللي عملتيه كسرني يا هنا. اتصدمت فيكي صدمة عمري. صعب أنسى اللي شوفته وأكمل عادي. اليوم ده حاجة اتكسرت جوايا، وإنتي كنتي السبب. حتى حبك اللي شايفه في عينك مش قادر أصدقه. كل حاجة حلوة كانت جوايا ليكي اختفت يومها، وإنتي السبب يا هنا."
تململت بنومها، ليذهب هو سريعًا للفراش يتصنع النوم قبل أن تراه إذا فتحت عينيها.
بسيارة أمير، كان السائق يقود، وذلك لأنه يده لازالت مجبرة، وكان يفصل بينهم زجاج أغلقه هو ليعرف يتحدث معها، وكان عازلًا للصوت أيضًا.
الصمت يعم المكان، ليقرر الاثنان قطعه، ليرددالاثنان معًا في وقت واحد:
"أمير."
"فرح."
ابتسمت قائلة بتوتر:
"اتكلم أنت الأول."
ضحك قائلاً بمرح:
"لا، اتكلمي إنتي الأول. السيدات أولًا."
أومأت له قائلة بتوتر وخجل:
"أنت بجد… بتحبني؟"
التفت لها مرددًا بصدق وعشق:
"من يوم ما عيني شافتك وهي وقعت في حبك يا فرح. غصب عني. بعدك بس كنت خايف."
تلمعت عيناها بالدموع قائلة:
"كنت خايف من كلام الناس. إزاي تتجوز واحدة أقل منك؟ وكمان…"
قاطعها واضعًا يده على شفتيها قائلاً بحدة:
"مين قالك كده؟ أنا اتشرف بيكي في أي مكان. كل الحكاية إني كنت خايف عليكي من نفسي."
قطبت جبينها تسأله بعدم فهم:
"مش فاهمة. خايف عليا منك ليه؟ أنت ممكن تأذيني يا أمير؟ طالما بتحبني هتأذيني ليه؟"
ابتسم بحزن قائلاً وهو يحاوط وجهها بيديه:
"خليكي مصدقة دايمًا إني بحبك. ولما أقدر أتكلم وأحكي، هقولك على كل حاجة. بس محتاج وقت."
وضعت يدها على يده التي تحاوط وجنتها قائلة بابتسامة وحب:
"أنا هفضل مستنياك طول الوقت يا أمير."
ابتسم، ثم سألها:
"بتحبيني؟"
خفضت وجهها مرددة بخجل وحب صادق:
"عمري ما قدرت أحب غيرك، ولا عيني شافت حد غيرك من يوم ما عرفت يعني إيه حب."
رفعت وجهها تنظر لداخل عينيه قائلة بحب:
"بحبك يا أميري."
ابتسم بسعادة مرددًا:
"وأنا بموت فيكي يا فرحتي."
ثم اقترب منها ببطء، يود تقبيلها، لتعود هي للخلف قائلة بخجل وهي تتهرب من النظر لعينيه:
"اا… الوقت… اتأخر، وماما زمانها قلقانة عليا. يلا خلينا نروح بقى."
ضحك بخفوت قائلاً بمشاكسة:
"على فكرة ممكن تقوليلي مش عايزاني أبوسك، وكنت مكنتش هزعل."
اشتعلت وجنتاها بحمرة قانية، واكتفت بالصمت، ليضحك هو بخفوت، وظل يدندن لها طوال الطريق بصوت العذب الذي ورثه عن والدته الراحلة هو وشقيقته حياة، وهي بدورها تبتسم بخجل.
في صباح اليوم التالي، سافر أدهم وهنا على شرم الشيخ لقضاء شهر العسل، بناءً على طلب سليم. لا أحد منهما يعلم ما ينتظره هناك.
كان الجميع مجتمعين على طاولة الطعام التي تضم سليم وفاطمة وقاسم وزوجته وابنته زينة، وآدم وأخوته الذين قضوا الليلة هنا بعدما أصر سليم على هذا، وبدر الذي لم يتوقف إلى الآن عن اختلاس النظرات لحياة، التي لاحظت هذا، ولكنها تجاهلته.
أوس بتساؤل:
"أنت هتسافر إمتى يا بدر؟"
ضحك بدر قائلاً:
"هو أنا مقولتلكش؟"
– لا مقولتليش.
بدر بابتسامة:
"مطول معاكم المرة دي. قاعد فترة كده وهبقى أتابع الشغل من هنا."
ابتسم سليم، ولم يعقب، فهو توقع شيئًا كهذا. فهو لم يخفَ عليه نظرات سليم المصوبة لحياة، وحتى أمس في الزفاف رأى رقص الاثنان معًا وكيف كان يناظرها بحب.
أوس بسخرية:
"إيه اللي جد يعني ده؟ أنت كل مرة بتيجي هنا ما بتصدق تخلص اللي وراك وتسافر على طول."
بدر بهيام وهو ينظر لحياة بحب، لكنها تعمدت التجاهل وتصنعت انشغالها بالهاتف:
"أصلي حبيبت مصر وحلاوة مصر وجمال مصر، ونفسي أتزوج مصر."
آدم بحدة وهو يلاحظ نظراته نحو شقيقته:
"بدرررر."
نظر له بدر بغيظ، بينما حياة وقفت قائلة لآدم:
"اتأخرت وعندي محاضرات. هخلص الساعة ١٢، بعدين أطلع الشركة."
ثم غادرت، ولم تنظر له، عازمة على أن تتحدث مع بدر فيما بعد.
كانت تجلس في بهو القصر تتواصل مع آدم عبر الهاتف على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فيما يعرف "واتساب". مر وقت، وما إن انتهت من محادثته، احتضنت الهاتف بسعادة كبيرة لم يسبق لها أن شعرت بها. ليأتي صوت بدر من خلفها قائلاً بتساؤل:
"زينة، عايز رقم حياة."
نظرت له بمكر قائلة:
"طب أنت عايز رقم حياة ليه؟"
– ما يخصكش.
نظرت له بغيظ قائلة:
"خلاص، خده من حد تاني."
نظرت له بغيظ مماثل قائلاً بكذب:
"عايزها في شغل."
شاكسته قائلة بمكر:
"شغل بس؟"
نظرت له بغيظ قائلاً:
"انجزي يا بت، هاتي الرقم."
أعطته إياه على مضض، وما إن أملته عليه، نظر لها قائلاً بسخرية:
"حشرية أوي. أنا عارف هو حابب فيكي إيه."
نظرت له بصدمة، ثم ألقت عليه الوسادة الصغيرة التي بجانبها قائلة بغضب وغيظ:
"أنا حشرية يا رخم يا غلس."
لم يلتفت لها، ثم خرج من القصر بأكمله.
كانت تخرج من المبنى الخاص بالمدرجات، وما إن خرجت، تفاجأت بإلياس يقف أمامها. سألته:
"إلياس! بتعمل إيه هنا؟"
تفاجأ هو الآخر من وجودها قائلاً:
"صاحبي دكتور في الجامعة هنا، وجاي أشوفه."
ثم تابع بتساؤل:
"إنتي تعملي إيه هنا؟"
أجابته ببرود وهي تتخطاه لكي تذهب، فهي لم تنسَ ما فعله أمس:
"بدر هنا."
لكنه أوقفها قائلاً بتوتر:
"ينفع أتكلم معاكي شوية؟"
قطبت جبينها تسأله:
"بخصوص إيه؟"
تنحنح قائلاً بتوتر أخفاه:
"احم. حابب أعتذر عن اللي حصل مني امبارح…. بس سؤال. هو في حاجة بينك وبينها؟"
أجابته ببرود:
"اعتذارك وصل خلاص. ولو في حاجة بيني وبينه، أظن ده مش من حقك تعرفها."
أوقفها مرة أخرى قائلاً:
"حياة، أنا…"
لكن قاطعه صوت يعرف صاحبه قائلاً:
"حياة."
التفت ليجد ذلك السمج من وجهة نظره، والذي تشاجر معه بالأمس. وقف الاثنان أمام بعضهم بتحدٍ، كلاهما متأهب لشجار آخر.
ولا ينكر الاثنان استشعارهم بالخطر تجاه بعضهم. كلاهما يشعر بالخوف أن يفوز الآخر بما ظل يبحث عنه لسنوات.
لاحظت حياة حرب النظرات بينهم، كادت أن تتحدث، ليسبقها بدر قائلاً بتساؤل:
"بتعمل إيه هنا؟"
إلياس بتحدي:
"ما يخصكش."
ابتسم بدر ساخرًا. بينما حياة لاحظت حرب النظرات بين الاثنان والجو المشتعل بينهم، لتقول بتوتر محاولة جعل أحدهم يذهب من أمام الآخر حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه:
"اتفضل امشي إنت يا إلياس، روح لصاحبك، واعتذارك وصل خلاص."
لم يتحرك من مكانه، لتزفر هي بضيق، فهي لم يكن ينقصها الاثنان. لتسأل بدر:
"إيه يا بدر؟ بتعمل إيه هنا؟"
ألقى نظرات سخرية على إلياس قائلاً:
"كنت جايلك لو خلصتي، خلينا نمشي ونبقى نتكلم في الطريق."
تلمعت عينا الآخر بغضب وغيره، رآتها حياة جيدًا، بينما بدر نظر له بتحدٍ متأهب لشجار يريده أن يحدث. لتتدخل حياة قائلة:
"طب يلا، خلينا نمشي."
أوقفها إلياس قائلاً بحدة حاول أن يخفيها:
"هتمشي معاه؟"
بدر بتحدي:
"آه هتمشي معايا. في حاجة؟"
حياة بحدة وبنفاذ صبر:
"كفاية بقى! مش عايزة خناق هنا كمان لو سمحتوا. أنا بجد مش ناقصة، واللي فيا مكفيني. أنت وهو مش عيال صغيرين عشان تتصرفوا كده وتقفوا لبعض على الواحدة."
كان رد الاثنان على حديثها نظرات سخرية من إلياس لبدر، كان نصيبه مثلها من الآخر. لتحرك هي رأسها بنفاذ صبر ويأس قائلة:
"يلا يا بدر، خلينا نمشي."
أومأ لها بابتسامة، وأشار بيده لها لكي تسير هي بالمقدمة. ما إن خطت خطوة وأعطت الاثنان ظهرها، ألقى بدر نظرات انتصار وساخرة حيث إلياس الذي يكور قبضة يده بغضب وغيره ساحقة لم يسبق له أن شعر بها تجاه أحد.
في سيارة بدر التي كان يستخدمها كلما سافر للقاهرة، كان يقود ويصب كامل تركيزه على القيادة، فهو معتاد على القيادة بالخارج حيث يكون المقود على الجهة الأخرى. تنهدت بعمق قبل أن تسأله:
"بدر، كنت عايز تتكلم معايا في إيه؟"
توقف على جانب الطريق، ثم أخذ نفسًا عميقًا قائلاً بتوتر أخفاه ببراعة وهو يلتفت ينظر لها:
"حياة… أنا مليش في اللف والدوران. بصراحة كده، أنا بحبك وعايز أتجوزك، وهكون مبسوط لو وافقتي."
ابتسمت بحزن، فهي كانت تتوقع ما سيقول، بينما هو كان ينتظر ردها على ما قال بلهفة كبيرة. نظرت له قائلة:
"أنا كمان بحبك يا بدر."
ابتسم بتوسع وسعادة كبيرة احتلت قلبه، سرعان ما تبددت عندما قالت هي:
"بس حب صديق وأخ. اتعرفت عليه ومش عايزة أخسره."
صمت دقائق، لم يجد ما يقول، أشاح بوجهه ينظر للجهة الأخرى، واكتفت هي الأخرى بالصمت. ليقطعه هو قائلاً:
"في حد في حياتك… إلياس؟ بتحبيه؟"
تنهدت قائلة بهدوء:
"خلي موضوع إلياس على جنب. مفيش حد في حياتي، وصدقني يا بدر، أنا ما أنفعك."
رد عليها ببعض الحدة:
"مش إنتي اللي تحددي إيه اللي ينفعني وإيه اللي مينفعنيش. أنا بحبك يا حياة، وطالما مفيش حد في حياتك، خليكي عارفة دايمًا إني هفضل وراكي لحد ما أملك قلبك."
ابتسمت بحزن قائلة:
"يبقى هتتعب نفسك ع الفاضي وهتضيع وقتك. خلينا أخوات وأصحاب أحسن."
بدر بجدية وتصميم:
"بس أنا مش عاوز صحوبية، أنا عاوز حبك وبس. ويا ستي، لو ع التعب، أنا غاوي تعب."
– بدر.
ابتسم قائلاً بغزل:
"يا حلاوة اسم بدر وهو طالع منك."
نظرت له بصدمة. ألم يكن الآن يتحدث بحزن وجدية، فجأة أصبح يغازلها؟ حركت رأسها بيأس قائلة:
"مجنون."
ابتسم قائلاً بابتسامة وحب صادق:
"أنا مجنون بيكي."
نظرت للجهة الأخرى قائلة بجدية تخفي بها خجلها:
"أنا اتأخرت ع الشركة بسببك على فكرة. وصلني هناك يلا."
أومأ لها بابتسامة، وبداخله تصميم وعزيمة على امتلاك قلبها مهما كان. فهو بعد أن وجد ما كان ينقصه ويبحث عنه، بتركه بتلك البساطة. لكن شعور الخوف بداخله كبير تجاه ذلك المدعو إلياس، فهو يرى حبًا في عينيه نحوها. لكن ترى سيكون هو الفائز بها أم هو، أو سيأتي ما يأخذها من الاثنين لتصبح له؟
كانت ثريا تتمشى برفقة محسن بالنادي، يفكرون كيف يتخلصون من تلك الكارثة التي حلت عليهم.
ثريا بغل:
"ما أبقاش ثريا أما أوريهم. وكل واحد منهم عامل لي روميو. لازم أحسرهم عليهم."
محسن بشر، وقد جاءت فكرة خبيثة مثله تمامًا على باله الآن:
"يا نقتلهم بنفسنا، يا نوقعهم في بعض."
ثريا بعدم فهم:
"قصدك إيه؟"
محسن بخبث:
"هنعيد اللي حصل زمان، بس المرة دي على كبير."
ثريا بابتسامة خبيثة:
"قصدك…"
قاطعه قائلاً بمكر:
"أيوه اللي فكرتي فيه. وهما بقى يخلصوا على بعض، واحنا بره الموضوع."
رواية ضحايا الماضي الفصل الثامن 8 - بقلم شهد الشوري
نظر لها بحزن قائلاً:
خليكي لحد ما نطمن عليكي و تبقي كويسة.
زفرت قائلة بضيق:
عايزة امشي مش طايقة هنا.
– للدرجة دي مش بتحبي المستشفيات؟
ابتسمت بسخرية قائلة بحزن ظاهر بوضوح بعيناها:
ذكرياتي مش لطيفة معاها خالص.
أومأ لها بتفهم وأخذ يتأمل وجهها بحزن قائلاً:
معلش استحملي بس انهاردة نطمن عليكي و بكره الصبح ان شاء الله نمشي.
زفرت بضيق، كم تشعر بالاختناق بهذا المكان. فينفس المستشفى توفيت والدتها، تدافعت الذكريات برأسها، وما حدث اليوم، رغبة ملحة الآن تدفعها للبكاء الذي حرمته على ذاتها منذ سنوات.
التمعّت عيناها بالدموع، وهو يجلس بالقرب منها يتابعها بحزن وألم. جلس بجانبها على الفراش قائلاً بابتسامة صغيرة وفهم لما يدور برأسها:
على فكرة إنك تعيطي ده مش ضعف أبداً، بس أحياناً بيكون الشخص اتحمل فوق طاقته وبيحتاج إنه يعيط ويخرج كل اللي جواه عشان يكمل.
نظرت له بصمت، ليربت على يدها قائلاً:
أنا بسمع كويس على فكرة، يعني لو حابة تتكلمي هسمعك، ويمكن أنصحك كمان لو تحبي. كل اللي هتقوليه هيفضل بينا. عارف إنك لسه عرفاني من كام يوم، وإن أكيد مش هتكوني واثقة فيا عشان تحكيلي، بس أنا موجود. يوم ما تحتاجي ليا هتلاقيني جنبك.
نظرت لعَيناه التي تبعث إحساس بالأمان والدفء لكل من ينظر لها. أومأت له بامتنان وشكر، ثم تراجعت بجسدها للخلف تريد أن تغفو، لعلها تهرب من تلك الذكريات.
لطالما كان النوم هو مهربها الوحيد من ذلك الواقع المؤلم. لحظات كثيرة مرت عليها تمنت فيها أن تغفو ولا تستيقظ أبداً. رأت الكثير منذ أن كانت ابنة الخامسة، ربما إن قصتها على أحد آخر سيحزن قليلاً ويتأثر، لكنه أبداً لن يشعر بها وبما عاشته مهما عبرت عن مابداخلها بالكلام.
أغمضت عيناها وغفت، بينما هو بقى يتأمل وجهها بهيام وعشق كبير لها وحدها، لا يعرف كيف أحبها بتلك السرعة، ولا متى تعلق بها.
امتدت يده يبعد خصلات شعرها خلف أذنها، ثم أخذ يمرر أصابعه على وجهها بحب. بقى هكذا لوقت غير معلوم، فقط يتأملها. رفع يدها برفق مقرباً إياها من شفتيه، يقبلها بحب، ثم أعادها مكانها، لكنه بقى متمسك بها مردداً بابتسامة صغيرة وحب:
عارفة، أنا طول عمري كنت رافض فكرة الجواز من غير حب. كنت شايف إن الجواز اللي بيكون كده بيفشل، وخاصة لو الزوج والزوجة لقوا الحب بعد الجواز، ولو بينهم أطفال، ساعتها بيجبروا نفسهم على الوضع ده عشان خاطر ولادهم.
تنهد بعمق قبل أن يتابع حديثه قائلاً:
كان عندي إحساس دايماً إن هتيجي اللي تخطف قلبي من بين كل البنات من أول نظرة.
ضحك بخفوت قائلاً:
كنت لسه بكلم سليم وأقوله إني مستني البنت دي. في لحظتها طلعتي قدامي، مكنتش قادر أنزل عيني من عليكي، وقلبي كان ناقص يطلع من مكانه ويجري عندك من فرحته إنه لقى أخيراً نصه التاني.
قبل يدها برقة مرة أخرى مردداً بحب:
طول عمري كنت عايش وحاسس إن في حاجة ناقصاني، بس أول ما شوفتك حسيت إني لقيت الحاجة دي، خصوصاً لما ببص في عينيّك اللي بحس كأن فيهم سحر بيشدني.
ابتسم قائلاً بحب:
عارفة جدتي دايماً كانت تقولي الجملة دي. ومن الحب اللي كنت بشوفه بينها وبين جدي، كنت بتمنى ألقى حب زيه. كانت تقول الإنسان بيفضل عايش بنص قلب لحد ما يحب ويلاقي نصه التاني، ساعتها بيحس بالكمال والسعادة.
ابتسم قائلاً بحب صادق:
أنا حسيت كده أول ما شوفتك يا حياة، وأكتر حاجة مخوفاني… إني في يوم أخسرك، أو مقدرش أخليكي تحبيني، وييجي اللي ياخدك مني.
قالها، ثم أخفض وجهه يستند برأسه على يدها. دقائق وكان يذهب في ثبات عميق.
بينما على الناحية الأخرى.
بخطوات غاضبة كان الأربعة يصعدون الدرجات التي تؤدي لباب القصر الداخلي، وبغضب شديد كان أدم يدفعه بيده بغضب ويدخل للداخل حيث يجلس الجميع، ومن بينهم إلياس الذي وصل لتوه للقصر يتشاجر مع يوسف على ما فعل.
لكن الجميع التفت حيث أدم الذي تقدم منهم، وخلفه أوس وأمير وريان، والغضب كان حليفهم أيضاً.
أدم بغضب:
رفعت إيدك على حياة وطردتها؟
يوسف بتحدي وغضب:
تستاهل، دي مش متربية ولا...
صرخ عليه أوس قائلاً بغضب وحدة:
أختي متربية غصب عنك، وبعدين لو على التربية، شوف تربيتك يا يوسف باشا اللي زيك ميعرفش يربي عشان يعيب على تربية غيره.
توجه أدم حيث تقف سارة التي ترتعد من الخوف، لكنها أظهرت عكس ذلك، قائلاً بهدوء يسبق العاصفة:
أختي اتضربت قلم واتعمل فيها كل ده بسببك.
سارة بتحدي وبشجاعة واهية:
تستاهل.
كان رد ابتسامة لا تليق بما يقال، لكنها بثت الرعب بقلبها أكثر:
إنتي كمان تستاهلي.
سألته بتوجس وحذر:
أستاهل إيه؟
– ده.
قالها، ثم بلحظة كانت يده تهوي على وجنتها بصفعة قاسية قوية جعلت الدماء تنزف من شفتيها وأنفها، تقسم أن فقدت السمع من قوته.
صرخت بفزع عندما جذبها من خصلات شعرها بقسوة، بينما الجميع حاول تخليصها من بين يديه، وإخوته يشاهدون ما يفعله بها باستمتاع وتشفي. بينما الجميع حاولوا تخليصها من بين يديه ليصرخ عليهم قائلاً بغضب:
محدش يتدخل.
يوسف يغضب:
انت اتجننت؟
سارة بفزع وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من يديه:
الحقني يا بابا يوسف.
لكنه لم يبالي، وقام بسحبها من خصلات شعرها يجرها خلفه، ثم وقف عند باب القصر الخارجي، ثم دفعها للخارج بقسوة.
لتصرخ عليه ثريا قائلة بغضب وحقد:
إزاي تتجرأ وتمد إيدك على بنتي يا بن ليلى؟
تدخل أوس قائلاً بغضب وتوعد:
إكتبي يا ثريا عشان أقسم بالله ممكن أرقدك جنب بنتك دلوقتي، وأنا نفسي أعملها من زمان.
يوسف بحدة وغضب وهو يساعد سارة على النهوض:
بنتي مش هتطلع بره القصر، لو حد هيطلع يبقى إنتوا سامعين.
ريان بسخرية:
والله لو حد المفروض يطلع فهمتوا إنتوا. إنت ناسي يا يوسف باشا القصر ده بتاع مين دلوقتي؟
جذب أدم سارة من خصلات شعرها قائلاً بغضب:
عشان تدخلي القصر ده قدامك حل واحد ملوش تاني، توطي على رجليها وتبوسها وتتأسفي، يا تترمي في الشارع زي الكلاب.
تدخلت سعاد قائلة برجاء:
عيب يا بني ميصحش كده.
أدم بسخرية:
ميصحش كده!!!
ثم تابع بغضب وهو يشدد قبضته على خصلات شعرها:
قررتي إيه يا بت؟ هتغوري ولا زي الكلبة تعملي اللي قولت عليه؟
نظرت ليوسف قائلة بتوسل وخوف:
بابا يوسف.
كان إلياس يتابع ما يحدث ببرود ولم يتدخل، يرى أن تستحق أكثر من ذلك، وكذلك فعل جمال وفرحة وندى.
كاد أن يتحدث يوسف ليسبقه أدم قائلاً بسخرية:
بابا مش هيعملك حاجة، اللي قولته هو اللي هيتنفذ. أنجزي مش فاضيلك.
لم تجد مفر سوى أن تخضع لما قال، لتخبره بذل:
هعتذر.
دفعها أرضاً قائلاً بغضب وتحذير:
زي الكلبة تفضلي هنا ورجلك متعتبش باب القصر اللي جوه لحد ما حياة تيجي وتنفذي اللي قولته.
… فاهمة؟
ابتلعت الإهانة وبداخلها تتوعد بكل شر لهم قائلة:
فاهمة.
صرخ يوسف بغضب:
إنت أكيد اتجننت. حياة مين اللي تعتذر منها؟
أدم بتحدي:
إنت كمان هتعتذر يا يوسف باشا، يا كده يا هيحصل اللي مش هيعجبك أبداً.
يوسف بتحدي مماثل:
اللي هو؟
أدم بسخرية:
خليه مفاجأة، بس صدقني مفاجئتي مش هتعبك خالص.
ثم تابع بتساؤل لاخر مرة:
هتعتذري؟
يوسف بتحدي:
لا.
ضحك أدم قائلاً بتوعد:
خير ما عملت، لآني شايف اعتذارك مش كفاية، حلال عليك اللي هيحصل بكرة.
قالها، ثم غادر وخلفه إخوته يلقون نظرات السخرية عليهم، لتتوعد ثريا وكذلك محسن لهم على ما فعلوا الآن.
كانت تجلس بجامعتها برفقة بعض الفتيات زميلاتها. لاحظت رفيقتها وتدعى أماني شرودها فسألتها:
مالك سرحانة في إيه يا مهرة؟
تنهدت مهرة قائلة بهيام:
فيه.
أماني بتساؤل:
هو مين ده؟
نطقت اسمه بإعجاب:
أوس.
أماني بصدمة:
أوس مين؟ إنتي مصاحبة حد من ورايا؟
نطقت برأسها قائلة:
لا، ده يبقى أوس الجارحي اللي خالته…
ثم قصت عليها كل شيء وكيف تقابلت معه مرتان والحديث الذي دار بينهما.
بعد أن انتهت، صمتت أماني للحظات قبل أن تقول بهدوء وتحذير:
خدي حذرك منه يا مهرة.
قطبت مهرة جبينها قائلة:
ليه؟ ده باين عليه طيب خالص ومحترم.
نفضت أماني برأسها قائلة بحزن:
اللي زي الناس دي ممكن يمثل عليكي دور الطيبة عشان ياخد منك اللي عاوزة ويرميكي، وبعدين اقطعي معاه خالص. شكله بيتسلى.
نظرت لها مهرة بعدم اقتناع، لتتابع الأخرى بحزن:
بالعقل كده، هيسيب كل البنات اللي من الوسط بتاعه ويتكلم معاكي؟ لا، وكمان يوصلك لحد البيت؟ شكله بيتسلى يا مهرة. لو حاسة بأي حاجة ناحيته، إنسيها وابعدي عنه. بلاش تجيبي لنفسك أذى.
تنهدت بحزن قبل أن تتابع قائلة:
خدي أختي نهلة مثال ليكي، فضل يمثل عليها الحب وبدأها زي ما أوس عمل معاكي، وخد منها اللي عاوزه ورماها ولا سأل وكمل حياته، وهي اللي دفعت التمن ولسه بتدفع.
صمتت مهرة بحزن تفكر بحديثها، وقد داعبت الشكوك قلبها تجاهه، لتقرر أن تبتعد عنه قدر المستطاع وتنساه بعدما كان يحتل جزء كبير من تفكيرها منذ أن التقيته أول مرة.
في المساء عادت برفقة إخوانها وبدر الذي لم يفارقها منذ الصباح. ساعدها ريان على الجلوس على تلك الأريكة الموجودة ببهو القصر قائلاً بحنان:
ارتاحي يا حبيبتي.
بينما أدم كان بالأسفل بحديقة القصر حيث تجلس سارة. جذبها من يدها للداخل ثم ألقاها أسفل قدم شقيقته قائلاً بصرامة:
أنجزي.
التقطت يد حياة تقبلها بإهانة قائلة:
أنا آسفة يا حياة، مكنش قصدي. أتمنى تسامحيني. مش هضايقك تاني خالص. ياريت لو تسمحيلي أفضل في القصر.
يوسف وثريا بوقت واحد وبصوت غاضب:
سارة بتعملي إيه؟
أدم بصرامة:
حياة، قبلت اعتذاره.
دفعت يد سارة بعيداً عنها قائلة:
أنا عايزة أطلع أرتاح.
أمير بقلق:
حبيبتي، إنتي كويسة؟
أومأت له بهدوء، ليساعدها على الصعود لأعلى. وما إن اختفت عن أنظارهم، التفت أدم قائلاً بغضب وتوعد لسارة:
طول ما حياة تكون موجودة في القصر، مشوفش خلقتك. ولو عينك جت في عينها أو بصيتي ليها بصة متعجبنيش، ورحمة أمي لهتندمي، ومش هكتفي إني أرميكي بره القصر ده، لأ هيحصل اللي مش هيعجبك خالص، واللي إنتي عرفاه وأنا عارفه كويس يا بنت ثريا.
قالها، ثم صعد للأعلى حيث شقيقته وخلفه ريان، بعدما استأذن منهم بدر للمغادرة. وما إن خرج للخارج وكاد أن يصعد سيارته، تفاجأ بصوت إلياس يأتي من خلفه قائلاً بغضب:
عايز إيه من حياة؟
التفت إليه قائلاً بثقة:
رغم إنه ميخصكش، بس ماشي هقولك… بحبها.
اشتعلت عينا الآخر بغيرة وغضب قائلاً:
هي بقى بتحبك؟
ضحك بدر بسخرية قائلاً:
ما تسألها، ولا تكون خايف من الإجابة.
إلياس بغضب:
خليك بعيد عنها انت سامع.
بدر بسخرية:
بتأمرني بصفة إيه بس عشان أبقى فاهم؟ وبعدين صاحبة الشأن ما طلبتش ده، إنت مين عشان تقولي كده وأنا أنفذ؟
إلياس بغضب:
حياة ليا، وعمرها ما هتكون ليك. ابعد عنها أحسنلك.
التمعت عينا الآخر بغيرة وغضب قائلاً:
عن حياة مش هبعد، واللي يحدد هي هتكون لمين صاحبة الشأن، مش أنا ولا إنت.
قالها، ثم غادر المكان يقود سيارته بغضب، لا ينكر أنه شعر بالخوف مما قال، وكذلك شعر إلياس، الذي كلما يتذكر كيف قال الآخر بثقة إنها يحبها، تشتعل النيران بقلبه من الغيرة.
كانت تجلس بغرفتها تبكي بقوة وهي تتذكر ما حدث بالصباح عندما تفاجأت بسمر معهم على نفس الطائرة بالاتفاق مع أدهم، الذي منذ أن وصلوا للفندق، قام بحجز غرفة أخرى بجانب الجناح الذي قام سليم مسبقاً بحجزه لهم، لكنها تفاجأت به يخبرها أن تذهب للغرفة لأن الجناح سيمكث به برفقة سمر خطيبته، بل وأخبرها بأنه سيتزوجها بعد فترة صغيرة من عودتهم.
خرجت لتقف قليلاً بالشرفة، لتتفاجأ به يجلس برفقتها على الشاطئ، والأخرى ترتدي ما يستر القليل من جسدها. دخلت للداخل تنتحب بقوة، قلبها يؤلمها بسبب من لا يستحق، تتساءل ماذا فعلت له، بل وكيف تحصل على تلك الصور من الأساس؟ هل قام بتركيبها لها؟
أسئلة كثيرة تدور بذهنها، والإجابة لديه هو فقط.
فتحت خزانتها وارتدت ما جذبته يدها بدون انتباه لما جذبته، ثم خرجت من الغرفة سريعاً، توجهت حيث يوجد هو قائلة بإصرار:
أدهم، عايز أتكلم معاك ضروري.
تجاهل النظر لها قائلاً ببرود:
مش فاضي.
نا بغضب واصرار:
بس أنا قولت عايزك دلوقتي.
سمر بملل وسخرية:
إنتي إيه؟ مابتسمعيش؟ قالك مش فاضي، مش شايفاه قاعد معايا، خلي في ذوقك شوية.
هنا بغضب وغيره:
خلي غيرك يتكلم عن الذوق يا سمر.
التفت ينظر لها حتى يوبخها، لتقع عيناه على ما ترتدي، فستان أصفر بحمالات رفيعة يصل لقبل ركبتيها. التمعت عيناه بغضب وغيره، بلحظة كان يسحبها خلفه حيث غرفته، ثم التقط منها مفتاح غرفتها، يدفعها للداخل صرخاً عليها بغضب:
إيه المسخرة اللي لبساها دي؟
صرخت عليه بغضب:
أكيد هتكون أحسن مية مرة من اللي خطيبتك لبساه.
صرخ عليها بغضب:
إتكلمي عدل، وطول ما إنتي مراتي واسمك مكتوب على اسمي، تتعدلي وتلبسي عدل وتنسي حياتك الزبالة اللي كنتي عايشاها لحد ما أطلقك وأرتاح من همك.
اقتربت منه قائلة بدموع:
إنت عارف كويس إني مش كده، وعمري ما آذيتك في حاجة. قولي بتعمل معايا كده ليه؟… بقيت بتكرهني ليه يا أدهم؟ ليه بتقول عني كده والصور دي ليه تركبها ليا؟ أنا ما عملت ليك حاجة.
كور قبضة يده بغل قائلاً بغضب:
قولتلك بلاش دور الطيبة والخضرة الشريفة اللي بترسميهم ع الكل. محدش يعرفك قدي، سمعاني؟ حركاتك والدور ده مش هيخليني أصدقك.
صرخت عليه قائلة بحزن:
قولي أنا عملت إيه عشان أعرف أدافع عن نفسي؟ عرفني تهمتي إيه عشان تحكم عليا كده. عملت إيه يخليك تفكر فيا كده يا أدهم؟
دفعها للحائط خلفها قائلاً بغضب كبير، بما جعل عيناها تتوسع بصدمة.
رواية ضحايا الماضي الفصل التاسع 9 - بقلم شهد الشوري
لسه عندك مبرر عايز تدافع بيه عن عمك؟
أكتفى بالصمت، وكذلك هي، وبقى الاثنان ينظران للفراغ بشرود.
ليسألها هو فجأة، يحاول فتح أحاديث معها ومعرفة أي شيء عنها:
كنتوا عايشين إزاي السنين اللي فاتت دي كلها؟
أجابته بهدوء دون أن تنظر له:
سؤال متأخر أوي. محدش من القصر ده في يوم من الأيام سأله لنفسه، ولو إحنا مظهرناش عمركم ما كنتوا هتسألوا.
زفرت بضيق قائلة وهي تلاحظ ضيقه مما قالت:
عشان منقولش اللي يزعل بعض. بلاش تتكلم معايا في اللي فات، ممكن؟
أومأ لها قائلاً بابتسامته الجذابة:
طب تحبي نتكلم في إيه؟
أنت مش المفروض رايح شغلك؟
أجابها بابتسامة وهو يحل رابطة عنقه:
لا عادي، ممكن ما أروحش النهاردة.
ضحكت بخفوت، ليسألها قائلاً:
طب ما تتكلمي عن نفسك يعني، قوليلي بتحبي إيه، بتكرهي إيه كده.
ثم تابع بابتسامة وحنين:
لما كنتي صغيرة، كنتي تحبي مصاصة الفراولة، كنتي بتسرقي الشوكولاتة اللي موجودة في التلاجة وتستخبي تحت السرير في أوضتك وتاكليها عشان مامتك متزعقش ليكي، وعمي يوسف كان يحوش بينكم. كان مدلعك أوي، وساعات كان يستخبى معاكي وتفضلوا تتأملوها سوى، ومامتك تشد في شعرها.
تلألأت عيناها بحنين لتلك الأيام، ولذلك الأب الذي لم يكن هناك أحن منه عليها، والآن لا يوجد أقسى منه...
لاحظ إلياس شرودها ونظرة الحزن بعينيها، ليدرك بما تفوه الآن، اعتذر منها قائلاً:
أنا اس...
قاطعته قائلة بابتسامة باهتة:
اتكلم أنت. بدأت شغل في الشركة إمتى، ودرست إيه، بتحب إيه مثلاً؟
ابتسم ثم بدأ يقص عليها حياته، وهي كذلك. أخذ الاثنان يتبادلون الحديث باندماج، غافلين عن أعين تتابعهم بحقد وغل شديد...
بعد وقت، كاد أن يدخل لغرفته بعدما ساعدها على الصعود لغرفتها، لكن أوقفه صوت ثريا الخبيث:
إلياس، أنت مش شايف إنك مهتم زيادة عن اللزوم باللي اسمها حياة؟
كاد أن يخبرها أنه ليس من شأنها، لكنها تابعت قائلة بما جذب انتباهه:
بلاش تقع في الفخ!
سألها بتعجب:
فخ إيه؟
نظرت له قائلة وهي تتصنع أنها تهتم بشأنه وترغب بمصلحته، لكنه أبداً لم تكن كذلك، هي فقط أفعى تبث سمومها بداخل الجميع فقط لتحصل على ما تريد:
يعني هما أكيد بعد السنين دي كلها جاين وهما ناوين على شر. يعني أكيد بيخططوا لحاجة لكل واحد فينا، وكمان متنساش دي أكيد طالعة زي ليلى أمها... أكيد كانت مبسوطة بلمتك حواليها. أنت واللي اسمه بدر ده، بلاش تبان مدلوق عليها أوي، ومتتحسسهاش إنك وقعت في الفخ.
ثم تابعت بمكر:
أنا سمعتهم امبارح بيتفقوا إنهم هيخلوها تقرب منك عشان أنت اللي ماسك الشغل، وبكده يقدروا يعرفوا معلومات عن الشركة منك عشان يوقعوا الشركة ونخسر.
نظر لها بصدمة، لتتابع هي بتأكيد:
صدقني والله هي دي الحقيقة... أنا خايفة عليك عشان كده بنصحك.
لم يجبها، ودخل لغرفته، بينما حديث تلك الأفعى يدور برأسه، لتبدأ الشكوك تداعب قلبه، خاصة بعد آخر حديث بينهم في الصباح، وكيف كانت تتحدث معه!!!!
خرج من اجتماعه ليتفاجأ بها تنتظره بمكتبه.
ابتسم ما إن رآها قائلاً:
زينة، بتعملي إيه هنا؟
ضحكت قائلة بدلال:
أبدا، مفيش. بس كنت جاية أشوف حياة وأسلم عليها، وقولت أعدي عليك.
اقترب منها قائلاً بمكر:
حياة؟
أومأت له قائلة بعتاب:
أومال يعني جاية مخصوص أشوف واحد مش معبرني بقاله كام يوم، وكل اللي بيعمله بيكلمني مكالمة متتعداش الخمس دقايق.
ضحك بخفوت قائلاً وهو يقبل جبينها:
حقك عليا يا حبيبتي، أنا مشغول أوي الأيام دي، بس وعد الفترة دي تعدي، وأنتي هتزهقي مني خالص.
ضحكت بخفوت محاوطة عنقه قائلة بدلال:
أنا عمري ما أزهق منك أبداً يا دومي.
ضحك قائلاً بوقاحة:
دومي! بينهار والله. واضحكي بقى وبطلي دلع عشان كده هنتقفش بفعل مخل في الشركة.
ركزته بصدره وهي تبتعد عنه قائلة بخجل:
قليل الأدب.
شكسها قائلاً:
بقى أنا قليل الأدب؟ خلاص شوفي بقى مين هيخرجك النهاردة.
نظرت له قائلة بسعادة:
هنخرج سوا.
ده قبل ما تقولي عني قليل الأدب.
اقتربت منه قائلة بابتسامة بلهاء:
مين قال كده؟ ده أنت قمر يا حبيبي ومحترم ومفيش منك خالص.
ضحك قائلاً:
جبتي ورا علطول.
سألته بحماس:
هتخرجني فين بقى؟
هنخرج بالليل نتعشى سوا و...
قاطعته قائلة بحماس:
بعدين ندخل سينما.
نظرت له برجاء أن يوافق، ليبتسم لها محركاً رأسه بنعم، لتصفق هي بيدها قائلة بحماس وهي تغادر المكتب:
هروح بقى عشان أجهز، سلام يا دومي.
حل المساء، بينما بفيلا آل آدم، كانت تجلس بحديقة الفيلا تضع حولها الكتب، تذاكر بذهن مشتت، تفكر بذلك الوسيم الذي ظهر بحياتها وأخذ يشغل جزء كبير من تفكيرها. لا تنكر أنها رغم لقائها به القليل، إلا أنها تشعر بانجذاب كبير نحوه. ومن ناحية أخرى، كلمات صديقتها جعلت الشكوك تداعب قلبها تجاهه. أيهما تصدق؟ قلبها الذي يخبرها أنه غير ذلك، أم عقلها الذي يرى أنه ليس سوى رجل يرغب بها، وما أن يحصل على ما يريد منها سيتركها!!!
أفاقت من شرودها على صوته الذي أصبحت تميزه من بين الجميع، كان يتحدث بالهاتف وهو ينزل من سيارته، مردداً بضحك وهو يتحدث مع شقيقه أمير الذي يردد بصوت أنثوي:
تؤمرني بحاجة تاني يا سي أوس؟
ليضحك هو بدوره قائلاً قبل أن يغلق الهاتف بوجهه:
يلا يا سافلة من هنا.
بينما هي، توسعت عيناها بصدمة عندما استمعت لما قال، ولم تكن سوى جملته الأخيرة، لتتأكد من حديث رفيقتها، فهو شخص لعوب يرافق الفتيات.
ما أن أغلق الهاتف، توجه لها، وقد وجد قدماه تأخذه لهنا، قبل لرؤيتها قبل أن يذهب لذلك القصر الكئيب الذي لا يشعر فيه بأي راحة، قائلاً بابتسامة ترتسم على شفتيه بتلقائية ما أن يراها:
إزيَك يا مهرة.
انتفضت من مكانها واقفة وهي تردد بتلعثم:
كو..يسة... عن إذنك.
كادت أن تذهب لولا يده التي أوقفتها يسألها:
رايحة فينا؟
أبعدت يده بعيداً عنها قائلة بتوتر وخوف:
مفيش، رايحة أوضتي أرتاح شوية.
سألها بقلق واهتمام:
انتي تعبانة؟
لم تجب، بينما أخذت تقضم شفتيها بتوتر وخوف، لتقع عيناه على شفتيها ورغبة ملحة بداخله تريد أن تلتهم تلك الشفاه الرقيقة. ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر:
مش بتردي عليا ليه؟
كادت أن تذهب ليوقفها مرة أخرى قائلاً:
مهرة، انتي زعلانة مني في حاجة؟
نفت برأسها قائلة:
لا، بس عاوزة أروح أوضتي.
أوقفها مرة أخرى قائلاً وهو يرغب ببقائها:
طب مش هتفرجيني على الرسومات بتاعتك؟
زفرت بضيق قائلة بنفاذ صبر:
بلاش طريقتك دي، لاني فهماها كويس.
سألها بتعجب:
طريقة إيه؟
وضعت يدها أمام صدرها قائلة بغضب:
طريقتك اللي بتتعامل معايا بيها دي، يكون في علمك أنا مش من البنات أياهم، يعني مش هتعرف توصل لحاجة معايا.
نظر لها مردداً بتعجب وصدمة:
بنات أياهم إيه وحاجة إيه اللي أنا عاوز أوصلها؟ وضحي كلامك يا مهرة.
قال الأخيرة بغضب، لتتابع هي بغضب مماثل:
البنات اللي متعود تمشي معاهم ومفكرني زيهم، هتاخد مني حاجة. أنا مش منهم، وياريت متتكلمش معايا تاني، واعتبرني شفافة. لما تشوفني بعد كده متتكلمش معايا خالص.
نظر لها بغضب من صوتها العالي ومن هذا الهراء الذي تتفوه به. اقترب خطوتين منها بغضب، لتتراجع هي مثلهم، ولم تنتبه أن المسبح خلفها، لتسقط به صارخة بفزع، فهي لا تجيد السباحة.
خلع سترته ليقفز بالمسبح على الفور، ثم حاوط خصرها بيده يسألها بقلق:
انتي كويسة؟
أومأت له وهي ترتجف من البرد، فقد بدأ فصل الشتاء. التقط سترته يضعها، يحاوطها بها قائلاً بحدة قبل أن يغادر:
روحي أوضتك زي ما كنتي عايزة، بس الأول اسمعي الكلمتين دول. مش أنا اللي فكر كده، ومش أنا اللي أخون أمانة في بيتي، ولا أخون الست اللي تعتبر مربياني أنا وأخواتي من زمان. أنا مش قليل الأصل. لو معاملتي الكويسة معاكي مضايقاكي أوي، من النهاردة مش هتشوفي وشي ولا هكلمك أصلاً.
قال الأخيرة، ثم نظر لها بغضب قبل أن يغادر، بينما هي توجهت لغرفتها مباشرة، تبدل ملابسها وهي تبكي بقوة على حماقتها!!!
بقصر العمري، كانت تجلس على الفراش تحرك قدمها بتوتر، حتى دخل محسن للغرفة، لتهب واقفة قائلة:
عملت إيه يا محسن؟ كلمتهم؟
أيوه، وهينفذوا بعد يومين يكونوا ظبطوا أمورهم.
نظرت له قائلة بخوف:
أنا مش مطمنة. حاسة إن المرة دي هنفشل بردو. بقيت أشوف نهايتي قدام عيني على إيد ولاد ليلى.
زفر بضيق من كلماتها التي لا تتوقف عن ترديدها مراراً وتكراراً على مسامعه:
اهدأ ومتقلقيش.
رددت بحدة وخوف:
مش قادرة أهدأ، وعمري ما هبطل قلق طول ما هما عايشين وموجودين حواليا.
محسن بخبث:
أنا فكرت في حاجة كده.
سألته بتوجس:
حاجة إيه؟
ردد ببساطة وكأن ما يقوله شيء عادي:
نخلص من يوسف!
نظرت له قائلة بصدمة:
نعم!!!
اعتدل بجلسته قائلاً:
نضمن الفلوس اللي كاتبها باسمك أنتِ وبنتك قبل ما يرجع في كلامه ويغير وصيته، والفلوس تروح لأولاده.
نظرت له قائلة بتردد:
بس... ممكن حد يشك فينا، وبعدين...
ضحك قائلاً بمكر وشر:
متخافيش، وزي ما خلصنا من أبوه وليلى، هنخلص منه كمان من غير ما حد يحس!!!
أومأت له بموافقة، وبدأ الاثنان يخططان بدهاء لكيفية التخلص منه!!!!
عاد من عمله يشعر بإرهاق شديد، كاد أن يصعد الدرج، لكنه توقف ما أن استمع لصوت ندا:
ريان.
التفت لها لتسأله بحزن:
أنت زعلان مني في حاجة؟
كاد أن يجيب، لكن قاطعهم صوت إلياس الحاد:
ندا واقفة عندك بتعملي إيه؟
أجابته بتلعثم وخوف قائلة:
م... مفيش.
أشار لها لكي تصعد قائلاً بحدة:
طب روحي أوضتك.
غادرت، وكاد أن يغادر ريان هو الآخر، لكن استوقفه إلياس مردداً بحدة، وقد بدأت كلمات تلك الأفعى تؤثر عليه:
استنى.
توقف ريان قائلاً ببرود:
خير.
حذره إلياس قائلاً بحدة وغضب:
تخليك بعيد عن ندا أحسنلك، لأني مش هسمح لك تدخلها وسط دايرة الانتقام دي أنت وأخواتك، ولا هسمح لك أنك تأذيها، فاهم؟
ضحك ريان بسخرية قائلاً تلك الكلمة التي سمع زينة ترددها بمرة من المرات لشقيقته كنوع من الاستفزاز، ليقرر أن يستخدمها الآن قبل أن يصعد ويترك ذلك الذي لا يشبه والده بقدر ما يشبه عمه يشتعل غيظاً:
معلش!!!
بعد منتصف الليل، لم يزر النوم جفونها وهي تفكر بتلك الخطوة التي سيتخذونها بعد الغد كما اتفقوا منذ ساعات قليلة. تتمنى أن يسير كل شيء على ما يرام دون حدوث شيء خاطئ.
نزلت الأسفل تستنشق بعض الهواء، لعلها تستطيع أن تغفو ولو قليلاً، فالغد لديها الكثير من الأشياء لتقوم بها!!!
لكن ما أن خرجت من باب القصر الداخلي، وقعت عيناها على أوس يجلس بالحديقة ينظر للفراغ بشرود، يبدو أن النوم قد جفاه هو أيضاً.
جلست بجانبه قائلة:
مالك سرحان في إيه؟
تفاجأ بوجودها ليسألها:
مفيش... إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
تنهدت بعمق قائلة:
مش جايلي نوم، قولت أنزل أشَم شوية هوا.
أومأ لها ثم عاد للصمت والشرود، لتقرر حياة قطع ذلك الصمت قائلة بمكر:
حلوة مهرة مش كده؟
نظر لها بصدمة، لتبتسم هي بمكر مرددة:
يعني شوفتك واقف معاها طول الفرح، وكمان وصلتها لحد البيت بنفسك.
تحنح بحرج مردداً بتوتر:
يعني هي بنت لطيفة ووصلتها عشان أسيب أمير مع فرح يكونوا على راحتهم.
ضحك بخفوت قائلاً بمكر:
اممم، قولتلي... يعني مفيش حاجة تانية.
نفى برأسه، لتسأله عندما لاحظت الضيق على ملامح وجهه:
مالك؟ شكلك متضايق.
تنهد بعمق قائلاً بحيرة، متناسياً حديثه منذ قليل:
مهرة كانت خايفة مني، فكرتني هعمل فيها حاجة وحشة.
قطبت جبينها قائلة بتساؤل:
إيه اللي يخليها تفكر كده؟ أنت ضايقتها؟
نفى برأسه قائلاً بحيرة:
أبدا، بالعكس. دي حتى المرات اللي قابلتها فيهم قبل كده كانت مبسوطة وما كنتش خايفة مني، مش عارف إيه اللي حصل.
طب سألتها؟
أومأ برأسه قائلاً بحزن:
قالتلي إنك بتستغلها عشان أوصل للي عاوزه، وكمان مفكرة إنك عشان بعاملك كده أو بتكلم معاها إنك دي خطة بيستخدمها أي شاب عشان يوقع بنت مش طايلها.
ثم تابع مردداً بحيرة:
مش عارف عملتلها إيه عشان تفكر فيا كده.
ابتسمت بمكر قائلة:
طب فهمها إنك بتحبها، يمكن تغير رأيها.
نظر لها مطولاً، لتسأله:
مش أنت بردو بتحبها؟
توتر قائلاً بحيرة:
هو مش حب... يعني مش مشدود ليها. هي حلوة، تحسيها طفلة شقية، كمان ضحكتها حلوة، طيبة، لسه فيها براءة الأطفال... بس مش عارف ده حب ولا لأ. اللي أعرفه إني ببقى مبسوط لما أشوفها أو أتكلم معاها. بحب أفضل أتأمل فيها كتير.
قاطع حديثه صوت ضحكاتها، ليسألها بضيق:
بتضحكي على إيه؟
نظرت له قائلة بابتسامة:
لو ده مش حب، اومال ده إيه يا أوس؟
نظر لها مطولاً، لتتربت على كتفه قائلة بابتسامة:
فكر وشوف أنت عاوز إيه... تصبح على خير.
قالتها ثم غادرت، لتتركه غارقاً بتفكيره بتلك المهرة التي اقتحمت حياته بدون إنذار، لكن يبدو أنه أصيب بالعشق كحال أشقائه.
بمحافظة شرم الشيخ، كانت تجلس على الفراش تبكي بقوة كلما تذكرت كلماته المؤلمة التي ألقاها عليها. لا تعرف كيف تم التقاط تلك الصور، ولا تعرف عن أي علاقة تربطها بذلك المدعو وائل الذي لم تلتقي به سوى مرات قليلة فقط!!!
رغم ذلك، كانت القلق ينهش قلبها عليه، فهو منذ أمس لم يأتِ لها ولم تراه!!!
انتفضت بمكانها بفزع عندما سمعت لصوت أدهم الذي دخل الغرفة ولم تشعر به بسبب شرودها، قائلاً بلسان ثقيل وجسده يتمايل، يبدو أنه ليس بوعيه:
انتي قاعدة عنك بتعملي إيه؟
أدهم، أنت سكران!!!
احتجز جسدها بينه وبين الحائط، ثم مال برأسه يدفنها بعنقها مقبلاً إياه. دفعته بعيداً عنها بخوف، ليقترب مرة أخرى قائلاً بسخرية وقسوة:
خاايفة من إيه... هي أول مرة يعني.
كان ردها على ما قال صفعة هوت على وجنته بقوة، لشتعل عيناه بغضب عاصف جعلها تندم على ما فعلت، فيبدو أنه لن يمرر الأمر على خير.
صرخت بخوف وذعر عندما جذبها من يدها يلقي بجسدها على الفراش بقسوة، ثم ألقى بجسده فوقها يقيد يدها بيده، بينما هي أخذت تتحرك بقوة تحاول إبعاده عنها، لكن دون جدوى، فهو رغم ثمالته إلا أن قوته كانت تفوقه.
بقت تصرخ حتى خارت قوتها، بينما هو كانت ثمالته متحكمة به، وقلبه المجروح منها كان يعميه على تلك الجريمة البشعة التي يرتكبها بحقها!!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل العاشر 10 - بقلم شهد الشوري
في صباح اليوم التالي، استيقظ وهو يشعر بثقل وألم شديد برأسه. انتصف بجسده جالسًا، يفتح عينيه ببطء، لينفض بفزع عندما وجد نفسه عاريًا، لا يستره سوى شرشف الفراش. أخذ يدور بعينيه بالغرفة ليجد أنه بغرفتها. وقعت عيناه عليها، تجلس بأحد زوايا الغرفة تضم قدميها لصدرها، وتحاوط جسدها المليء بالكدمات بمفرش كبير. خدوش تملأ وجهها، ثيابها ممزقة ملقاة حول الفراش. كانت تبكي بصمت، وعيناها تنظر للفراغ بجسد فقد الحياة.
أغمض عينيه بغضب واشمئزاز من نفسه على ما فعل، وذكريات ليلة أمس تعصف برأسه. وقعت عيناه على الفراش بجانبه، ليجد بقعة دماء تزين الفراش، لتكون صدمة أخرى من نصيبه.
التقط بنطاله يرتديه سريعًا وبحذر، والحزن ينهش قلبه. اقترب منها قائلاً:
"هنا..."
لم تنظر له، بل لم تستمع له من الأساس. وضع يده على كتفها بحذر، لتنتفض هي بفزع ورعب، وعادت تضم قدميها لصدرها أكثر، وتتمسك بذلك المفرش الكبير تغطي به جسدها.
نزلت دموعه بحزن وألم على ما فعله بها. انتفضت واقفة، توجهت للمرحاض تغلق الباب عليها من الداخل دون أن تتفوه بأي كلمة، وجسدها بأكمله ينتفض. جلست أرضًا تبكي. في بادئ الأمر كانت تبكي بصمت، سرعان ما تحول بكاؤها لصرخات وبكاء عالٍ يمزق القلوب.
بينما هو يستمع لها بالخارج، لكن لم يقو على التحدث. وقف بالخارج، يضع رأسه على باب المرحاض يبكي بألم، بعدما ألقى نظرة على الفراش وعلى ثيابها الممزقة.
انتفض بفزع وخوف عندما سمع صوت تحطيم زجاج بالداخل. أخذ يطرق على الباب بقلق مرددًا:
"هنا... هنا افتحي الباب، انتي كويسة... ردي عليا انتي كويسة..."
لا من إجابة. سريعًا، دفع الباب بجسده عدة مرات حتى استطاع أن يفتحه. ما إن دخل، توسعت عيناه بصدمة عندما وجدها ملقية أرضًا والدماء تحاوطها!
...
مر وقت طويل وهو يقف بالخارج أمام غرفة العمليات، والقلق ينهش قلبه. دموعه تنزل بصمت. خرجت الطبيبة بعد وقت، سألها بقلق:
"هي كويسة مش كده؟"
رددت الأخرى بحدة وغضب:
"مين الحيوان اللي عمل فيها كده؟ البنت متعرضة لاغتصاب، وكمان حاولت تنحر، لولا ستر ربنا لحقناها على آخر لحظة."
سألها بلهفة:
"يعني هي بقت كويسة؟"
رددت بحدة:
"أيوه بقت كويسة، ومش هتفوق غير على بكرة. أنا هبلغ البوليس يجي ياخد أقوالها."
نظر لها قائلاً بخزي وحرج:
"مفيش داعي للبوليس... أنا جوزها."
سألته بحدة وغضب:
"يعني انت اللي عملت فيها كده؟"
خفض وجهه بحرج، وبداخله يلعن نفسه ألف مرة على ما فعل. لتصرخ عليه بحدة:
"أنا هستنى لحد ما تفوق وهي اللي تقرر تعمل إيه. تقرير هيكون جاهز عشان لو حبت تشتكي عليك."
غادرت بعدما ألقت عليه نظرة احتقار، وتركته يبكي بصمت. ولتوه علم أنها بريئة، لكن كيف؟ لقد رآها بعينيه بأحضان رجل آخر، يبدو أن هناك شيء مفقود عليه معرفته!
...
منذ الأمس وهو يحاول حل تلك الفاجعة التي حلت عليه. أكبر المخازن التابعة له تعرض لحريق هائل أدى لخسائر كبيرة!
بتعب، ألقى بجسده على الأريكة الموجودة ببهو القصر. وما كاد أن يأخذ أنفاسه ليشعر بصوت أقدام تقترب منه. فتح عينيه ليجد أدم يجلس على الأريكة المقابلة له قائلاً بتشفي:
"أتمنى تكون هديتي عجبتك!"
يوسف بغضب كبير:
"انت اللي حرقت المخزن!"
وضع أدم قدم فوق الأخرى قائلاً بغرور:
"يعني حريق مخزن بحاله، كانت حاجة قليلة أوي على اللي عملته. القلم اللي اختي ضربته بعمرك كله، بس للأسف اللي مانعني صلة القرابة اللي مش طايقها، واللي لولاها ورحمة أمي ما كنت أترددت ثانية وقتلتك."
قالها ثم غادر لعمله، بينما ريان بقى جالسًا يحدق بيوسف بشرود وبهدوءه المعتاد. ليهدر به يوسف قائلاً بغضب وسخرية:
"بتبصلي كده ليه؟ عايز تقول حاجة انت كمان؟"
ابتسم ريان بهدوء يعكس كل ما يشعر به من الداخل. لطالما كان يشبه البحر، هادئ من الخارج، أما بالداخل فلا أحد يعلم كم صراعات ونيران تشتعل بداخله. لطالما كان أكثر إخوته هدوءًا وكتمانًا، لا أحد يعرف ما بداخله ولا فيما يفكر.
نظر ليوسف قائلاً بابتسامة ليست بموضعها:
"حقيقي انت بتصعب عليا. سؤال دائمًا في بالي مش لاقي إجابة ليه... إيه اللي حبته فيك وانت أصلًا متستاهلش الحب ده."
ثم اعتدل واقفًا مرددًا بجفاء لا يتناسب مع عينيه المليئة بنظرات العتاب، قبل أن يغادر هو الآخر:
"الحاجة الوحيدة اللي لو بأيدي أختارها، كنت اخترت أب تاني ليا غيرك."
...
كادت أن تخرج من باب القصر، لكن فجأة ظهرت ثريا أمامها قائلة بغل وشر:
"اللي حصل لبنتي بسببك مش هيعدي بالساهل يا بنت ليلى. بكرة تشوفي هعمل إيه. أما..."
قاطعها ضحكات حياة الساخرة قائلة:
"متهدديش بعشم أوي يا ثريا، لأن محدش عارف بكرة في إيه. بس أنا بقى عارفة... عارفة في إيه."
نظرت لها ثريا بغل، لتتابع الأخرى قائلة بشر:
"في نهايتك يا ثريا."
لا تنكر أبدًا الزعر والخوف الذي تملك منها عندما استمعت لنبرة الوعيد والشر في حديثها، لكنها أبدًا لن تظهر لها ذلك، لتردد بغل ومكر لما تنوي فعله بالغد بهم:
"الأيام بينا، وبكرة نشوف هتبقى نهاية مين أنا ولا انتوا يا ولاد ليلى."
ضحك حياة باستخفاف بها، ثم غادرت دون أن تعيرها اهتمامًا، لتشتعل الأخرى غيظًا وهي توعد لهم، تقسم أن لم يحدث ما خططت له بالغد ستقتلهم بيدها، وليحدث ما يحدث!
...
كانت تجلس كعادتها منذ أن التقت به، لكن تلك المرة بحزم شديد. اقترب منها صديقتها أماني تسألها بقلق:
"مالك في إيه يا مهرة؟"
تنهدت بحزن قبل تجيبها:
"امبارح..."
ثم قصت عليها ما حدث بالأمس. ثم أنهت حديثها قائلة بخزي:
"كان شكلي وحش خالص يا أماني. أنا ظلمته، هو شكله محترم. غلطت لما سمعت كلامك، وهو أصلًا مغلطش فيا ولا بصلي بنظرة مش كويسة حتى."
أماني بضيق:
"والله براحتك، اعملي اللي تعمليه. بس أنا هحذرك لآخر مرة، خدي حذرك منه وخليكي بعيدة عنه. كلهم في الأول بيكونوا كده، وبكرة تعرفي إني معايا حق. هو بس تلاقيه عاوز يلفت نظرك بالكام كلمة اللي قالهم ليكي ويبين ليكي الشهامة والجدعنة."
أومأت لها بصمت، وبداخلها غير مقتنعة بما تقوله رفيقتها، فمن حديثها مع ابنة خالتها فرح بالأمس، بعد أن غادر، سألتها وبشكل غير مباشر عن أخلاق الخمسة، وبالأخص الأربع شباب الذي عاشت بينهم سنوات طويلة برفقة والدتها، فأخبرتها بأن الخمسة ذو أخلاق عالية، حتى الشباب لم يتخطى أي منهم حدوده معها أبدًا، بل على العكس كان يعاملوها باحترام هي ووالدتها.
لتقرر أن تعتذر له حين تراه، وإن لم يأتِ للفيلا اليوم ستذهب له غدًا، ثم ستترك الباقي للأيام!
...
بأحد الأحياء الشعبية، بتلك البناية المتهالكة بالطابق الثالث، حيث يمكث صابر عبد التواب وزوجته انعام برفقة ولدهم الوحيد اسماعيل، الذي دخل من باب المنزل يصيح بصوت عالٍ:
"يابا... يابا!"
خرج صابر من غرفته قائلاً بغضب:
"في إيه يا ب... بتزعق ليه؟"
إسماعيل بلهفة:
"مهرة بنت عمي."
خرجت انعام والدته من خلف صابر قائلة بتبرم:
"مالها المخفية؟ عرفت مكانها ولا لسه..."
قاطعها صابر من الاسترسال في ثرثرتها التي تتوقف عنها كلما تأتي سيرة ابنة شقيقه:
"اكتبي يا ولية. انطق يا واد، عرفت مكانها؟"
إسماعيل بغضب وعينان تشتعل:
"أيوه يابا... قاعدة في بيت كله شبان. مش بس كده، ده فيه واحد فيهم كان حاطط إيده عليها وشايلها بمسخرة وقلة حيا، والناس دول واصلين أوي وعندهم فلوس ياما."
انعام بغل:
"طالعة فاجرة لأمها. فضلت تتدحلب لعمك لحد ما وقعته وخلته يكتب الأرض اللي حيلته باسم بنته، بيع وشرا عشان محدش يورث فيها."
صابر بغضب:
"انت يا واد متأكد من اللي بتقوله؟"
أومأ إسماعيل له قائلاً وهو يضع شاشة هاتفه بوجه أبيه:
"أيوه يابا. واحد من اللي شغالين هناك كان ساكن معانا في الحارة قبل ما يشتغل مع الجماعة دول. شافها وصورها لي كمان."
ليتوعد لها صابر قائلاً بغل وشر:
"ليلة اللي خلفوها مش فايتة!"
...
في المساء، كان يجلس على الأريكة بمنزل صديقه حازم، الذي جاء بالقهوة قائلاً بسخرية:
"مالك في إيه؟ بقالك أصلًا كتير مش بتيجي عندي."
زفر بضيق قائلاً:
"مخنوق وحيران."
سأله بتعجب:
"من إيه؟"
طلق تنهيدة طويلة قائلاً بحيرة:
"حـيـاة."
قطب جبينه يسأله بعدم معرفة:
"مين حياة دي؟"
تنهد بعمق قبل أن يقص عليه كل ما حدث الأيام الماضية:
"بنت عمي..."
وما إن انتهى، سأله حازم بتفكير:
"بس مش غريبة إنهم يبقوا داخلين القصر، وأول حاجة عملوها نقلوا مرات عمك وأخوها لأوض الخدامين؟ يعني اشمعنى هما بالذات؟"
أومأ له قائلاً بحيرة:
"نفس السؤال شاغل بالي... بس إيه اللي ممكن تكون عملته مرات عمي ليهم؟!"
ثم تابع بحيرة وهو يضع يده على رأسه بألم:
"السؤال ده إجابته عند حد منهم، بس أكيد محدش هيجاوب. دماغي هتنفجر من كتر التفكير."
صلحازم بشفقة وهو يرتشف من قهوته:
"عارف، هما صعبانين عليا. يعني مهما كان اللي بيعملوه أو هيعملوه، أنا بديهم كل العذر."
قطب إلياس جبينه قائلاً بسخرية:
"ليه بقى إن شاء الله؟ أنا مش بتشوف بيعاملوا عمي إزاي دول؟ و..."
قاطعه حازم قائلاً بجدية:
"حط نفسك مكانهم. في يوم وليلة عيلتك كلها تدمرت، خسرت أبوك وأمك في نفس اليوم. انتوا رميتوهم واتخليتوا عنهم في أكتر وقت محتاجين فيه ليكم. شافوا بعنيهم أمهم بتموت وعلى إيد أبوهم."
ثم تابع بجدية:
"متزعلش من اللي هقوله، بس انت كنت عايش بين أب وأم، كل طلباتك مجابة، مترفه على الآخر. عمرك ما هتحس بيهم."
نظر له إلياس بصمت، ليكمل هو قائلاً:
"عمك اللي بدأ من الأول. مهما كان اللي حصل، فأولاده مالهمش ذنب في اللي حصل. وبصراحة بقى، ومن غير زعل... اللي عمك عمله معاهم ده بعيد كل البعد عن الأبوة، يعني من الآخر كده هو معندوش قلب. ومتتوقعش منهم معاملة كويسة ليه، وهما شافوا منه كل وحش."
إلياس بحيرة:
"طب وهي..."
حازم بجدية:
"مالها؟ انت مش بتحبها؟"
أومأ له إلياس بصمت، ليتابع الآخر:
"اومال حيران ليه؟ انت مصدق الكلام اللي قالته مرات عمك عليها؟!"
إلياس بحيرة:
"كلامها منطقي، يعني ممكن تكون دي خطة عشان يوصلوا للي عاوزينه. وكمان ريان ده بقيت أشوفه مع ندا كتير، وبخاف عليه منها. مش عارف هما بيفكروا في إيه ولا ناوين على إيه."
إلياس بحيرة:
"أنا بحبها، بس هي بتحبني ولا لأ؟"
طب ما تسألها.
نفى برأسه قائلاً:
"معنديش الجرأة أسألها. افرض رفضتني يبقى شكلي إيه ساعتها."
حازم بسخرية:
"خلاص، أفضل خايف على شكلك وبرستيجك، وانت مش عاوز تسألها سؤال إجابته هتريحك من الحيرة اللي انت فيها دي، وخليها بقى تضيع منك."
زفر إلياس بضيق قائلاً:
"انت مش فاهم حاجة. اللي اسمه بدر ده موجود في حياتها. ممكن تكون بتحبه و كم..."
قاطعه حازم قائلاً:
"انت بتتلكك ليه؟ يعني كل دي حجج ملهاش لازمة. اسألها وريح نفسك يا إلياس. قولها بحبك وشوف ردها هيكون إيه."
ثم تابع بصدمة:
"انت خايف ومتردد تاخد الخطوة دي عشان الماضي بتاع والدتها، يعني؟"
إلياس بضيق:
"ما أنكرش إن جزء جوايا خايف ومتردد من اللي حصل. يعني أي راجل مكاني هيتردد بردو. دي مامتها يعني... ممكن تكون... شبهها."
صمت حازم ولم يجيب، ليسأله الآخر:
"ساكت ليه؟ انت لو مكاني هتفكر كده بردو؟"
حازم بجدية:
"الصراحة معرفش لو مكاني هعمل إيه. بس اللي أعرفه إني مش هاخد حد بذنب حد. لو بحبها بجد وهي كمان بتحبني، يبقى كل ده كلام فاضي ميفرقش معايا."
ثم تابع وهو يرى الحيرة الكبيرة بعيني صديقه:
"اقعد مع نفسك وشوف انت عاوز إيه يا إلياس. انت لوحدك اللي تقدر تحدد، بتحبها ولا الاعتبارات التانية دي عندك أهم!"
...
بشركة الادم مساءً، حيث يجتمع الخمسة بمكتب أدم، الذي سأل لحياة وأوس الذين وصلوا للتو:
"عملتوا إيه؟"
أوس بثقة:
"كله تمام. كلمت هاشم وهو هيتصرف، حتى صقر عرفناه هيعمل إيه. كويس."
أومأ لهم بصمت، بينما أمير تدخل بالحديث قائلاً بضيق وعدم رضا:
"هتكتفي بكده بس؟"
نظر له أدم بعدم فهم، ليتابع الآخر بضيق:
"محدش دمر حياتنا غيره. هو السبب الأساسي. كان يستاهل يخسر حاجات تانية كتير، مش بس حريقة مصنع وقصر، ويعرف الحقيقة."
تدخلت حياة بالحديث قائلة:
"بالعكس، ده يبقى أكبر انتقام منه. صدقني، شعور الندم مفيش أسوأ منه. بيقتل البني آدم بالبطيء."
ريان بسخرية:
"مظنش إن إحنا أصلًا هنفرق معاه... معندوش قلب أصلًا عشان يحس بندم."
أومأ أوس برأسه مؤيدًا ما يقول، ثم نظر لادم قائلاً:
"مش فاضل غير حاجة واحدة... هتقنع إزاي جدك كمان الباقين يكونوا موجودين في قصر العمري؟"
ابتسم أدم قائلاً بثقة:
"حصل خلاص. الكل هيبقى موجود ع الميعاد!"
تبادل الخمسة النظرات بغموض، فالغد سيحدث ما سعى الخمسة لتحقيقه، بخلاف بعض الأشياء التي ستصدم الجميع، مثلما صدمتهم أيضًا.
...
كان يجلس خلف مكتبه ينتظر مجيء قاسم إليه. مرت لحظات ليأتي قاسم، الذي ما إن دخل للمكتب سأل والده:
"في إيه يا بابا؟"
سليم بجدية:
"ابنك مش بيرد ع التليفون ولا حتى هنا."
ابتسم قاسم قائلاً:
"عرسان جداد بقى."
سليم بسخرية:
"كان ممكن أصدقك لو مكنتش غاصبه ع الجوازة، وكان ممكن أصدقك لو مكنش واخد معاه سمر وهو مسافر شهر العسل!"
قاسم بصدمة:
"خدها معاه!"
سليم بغموض:
"ملاحظتش حاجة على سمر؟"
قاسم بعد فهم:
"زي إيه مثلًا؟"
جاءه رد سليم بعد صمت للحظات قبل أن يردد:
"إنها شبه سمية مثلًا!"