تحميل رواية ضحايا الماضي بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تركض بحديقة تلك الفيلا الواسعة تحاول التنفيس عن نيران الغضب التي بداخلها و لم تنطفئ منذ أن كانت صغيرة بداخلها نيران إذا خرجت لأحرقت كل من حولها نيران موجودة بداخلها و بداخل كل اخوانها منذ سنوات طوال نيران لن تنطفئ سوا بالأنتقام ممن كانوا سبب تعاستهم و تدميرهم. بعد ساعة انتهت فيها من الركض صعدت لغرفتها مباشرة و استعدت ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام كان آدم يترأس طاولة الطعام و على يمينه أوس و ريان و يساره يجلس أمير. جلست بجانب أمير قائلة بابتسامة صغيرة: صباح الخير. اجاب الجميع بابتسامة: صباح النو...
رواية ضحايا الماضي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شهد الشوري
قبل أن يفتح الكيس البلاستيكي، اختطفتها من بين يديه قائلة بحدة تخفي بها توترها:
"إيه اللي بتعمله ده؟ إزاي تخطف الحاجة من إيدي بالشكل ده؟"
أدهم بضيق ونفاذ صبر:
"هنا، هاتي الكيس."
ردت عليه بغضب وتوتر وهي تضع الكيس خلف ظهرها:
"لأ، انت مالك أصلًا بتدخل ليه؟"
سألها بتعجب وهو يقترب منها خطوة واحدة:
"مالك خايفة ليه؟ فيه إيه الكيس ده؟"
ابتعدت للخلف بخوف قائلة بحدة:
"قلت ملكش دعوة."
زفر بضيق وحزن وهو يرى ذعرها عندما اقترب خطوة واحدة منها، ليسألها بخوف:
"طب طمنيني أرجوكي، انتي كويسة؟ علاج لإيه ده؟"
ابتسمت بسخرية قائلة:
"صدقني يا أدهم، آخر حاجة تهمني إني أطمنك."
كادت أن ترحل، لكنه أوقفها قائلاً بوجع:
"هنا، صدقيني اللي حصل غصب عني. أنا شوفت بعيني كل حاجة كانت بتثبت كده. ويومها أنا كنت شارب ومش في وعيي. اديني فرصة واحدة بس، مش عاوز غيرها."
صرخت عليه قائلة بغضب:
"مجتش واجهتني ليه؟ فضلت ساكت؟ مجاش في بالك احتمال إني بريئة؟"
ابتسمت بسخرية مريرة قائلة:
"مش كل اللي بنشوفه بيكون حقيقة."
ابتلعت غصة مريرة بحلقها قائلة بقهر:
"لو سامحتك على شكك فيا، مش هعرف أسامحك على الليلة اللي المفروض تبقى أسعد ليلة في حياتي. قلبتها ليا كابوس عمري ما هقدر أنساه."
قالتها ثم غادرت من أمامه، وتركته غارقاً ببحور الندم، وصعدت لغرفتها.
مرت دقائق قليلة، وكانت تجلس على حافة المغطس، تنظر بصدمة وحزن للعصا الرفيعة الموجودة بين يديها، والتي تحمل علامة إيجابية!!!
***
في صباح اليوم التالي
كانت تجلس خلف مكتبها تتابع عملها بتركيز، حتى قاطعه طرقات على باب مكتبها، يليه دخول إلياس قبل أن تسمح له بالدخول.
تجاهلت النظر له وأعادت نظرها للملف الموجود أمامها، فهي لم تنسَ أنه أغلق الهاتف بوجهها، وشجارهم الأخير بقى واقفاً أمامها.
بصمت لدقائق، حتى زفرت بضيق قائلة دون النظر له:
"جاي المسافة دي كلها عشان تفضل واقف ساكت؟"
ضحك بسخرية قائلاً بهدوء يسبق العاصفة، وبداخله غضب كبير منها لم يهدأ منذ أن سمع كلمات ذلك الرجل، وقد أعماه غضبه عن التفكير بحكمة:
"سألتك بدل المرة اتنين وكدبتي عليا."
رفعت رأسها بعدم فهم لما يقول، ليتابع هو حديثه قائلاً وهو يمور قبضة يده بغضب:
"كل مرة أسألك كنتي فين، تكدبي عليا."
تنهدت بضيق، وكادت أن تخبره لما كذبت دون الدخول بتفاصيل، لكنه لم يعطها الفرصة وتابع حديثه قائلاً بسخرية:
"طب طالما انتي شيفالك شوفة تانية، مقولتيش ليا ليه من الأول؟"
نظر لها باحتقار للحظات، ثم تابع قائلاً:
"لمتنا حواليكي عجبتك مش كده؟ هو وبدر وأنا؟ كان عاجبك جريي وراكي كل شوية؟"
لم تفهم عما يتحدث، لتسأله قائلة بتعجب:
"بتتكلم عن إيه؟"
ابتسم بسخرية قائلاً، عنوان البناية التي كانت بها، ثم تابع بسخرية واشمئزاز، وكلمات ذلك الرجل ترن بأذنه حتى الآن تجعله يشتعل من الغضب أكثر:
"شوفتك عند حبيب القلب عمر."
فهمت عما يتحدث الآن، لكن لما افترض أنها على علاقة به؟ لتسأله بصدمة:
"شوفتني؟"
أومأ برأسه قائلاً بسخرية واحتقار، وهي حتى الآن لا تستوعب ما يقول:
"إيه؟ كنتي مفكرة مش هعرف إنك بتدوري على حل شعرك معاه، وبتروحي ليه شقته كمان؟"
زفر بضيق قائلة بغضب:
"يا تتكلم باحترام وتلم لسانك، يا تمشي من وشي."
ابتسم بسخرية قائلاً:
"أصل دي اللغة اللي تنفع مع اللي زيك. بس عارفة اللي بيعملوا كده بفلوس أنضف منك، على الأقل مش بيلفوا ويدوروا و..."
رفعت يدها حتى تصفعه قائلة بغضب:
"اخرس."
لكن يدها بقيت معلقة بالهواء بين يده، قائلاً بغضب:
"إيدك ما تترفعش عليا... لأني مش عاوز أتسخ."
ارتفع صدرها وهبط بانفعال، ليتابع هو قائلاً:
"اللي يشوف الوش ده مستحيل يصدق إنه يطلع من وراه كل ده. بس لو حصلت مع غيري معذور، ما أنا كنت زيه واتخدعت."
جذبت يدها من بين يديه قائلة بغضب:
"اسمع، يا تقول إيه اللي حصل، يا تطلع بره."
ضحك بسخرية، وبدأ يقص عليها ما حدث. نظرت له للحظات بصمت، ثم فجأة صَفقت بيدها قائلة بهدوء:
"لأ، حقيقي برافو. شوفت واستنتجت وحللت، وجاي تغلط وتطول لسانك؟ بس يا ترى بتعمل كده بصفتك إيه؟"
كوّر قبضة يده بغضب، لتتابع هي بسخرية:
"لأ، انت حد من أخواتي اللي عمرك ما تطول تبقى زيهم، ولا جوزي، ولا حتى خطيبي، ولا ليك أي علاقة بيا عشان تتدخل."
سألها بغضب:
"يعني اللي قولته صح؟ مش هتدافعي عن نفسك؟"
ضحكت بخفوت، ليشعر هو بالغيظ والاستفزاز منها، لتتابع هي قائلة بسخرية:
"مش من الأول كنت سألت الأول وسمعت مني؟ لما شوفتني ما جيتش ليه في وقتها وواجهتني؟ ليه استنيت ده كله؟"
نظرت له من أعلى لأسفل بسخرية قائلة:
"لما بواب العمارة قالك كذا وكذا، ما طلعتش ليه بنفسك تشوف؟ اكتفيت بالكلام اللي سمعته بس؟"
لم يجيب، واكتفى بنظرات نارية يصوبها تجاهها، لتكمل هي قائلة بابتسامة وبرود:
"طبعًا انت مستني مني أدافع وأقول أنا بريئة. بس مش هيحصل يا إلياس، عارف ليه؟"
اقتربت منه قائلة بسخرية:
"لأني مش ناوية أريحك."
ثم تابعت وهي تشير نحو الباب:
"أظن كمان بعد اللي سمعته مش اللي شوفته عني، أخلاقك ما تسمحش ليك تفضل واقف هنا معايا."
صمتت للحظات، وكذلك هو، لكنها لم تستطع أن تخفي قهرها أكثر من ذلك، قائلة بسخرية مريرة:
"نظرتي ليك كانت صح من الأول."
نظر لها قائلاً بسخرية مماثلة:
"بس أنا اللي نظرتي ليكي كانت غلط، يا خسارة."
أومأت له قائلة بابتسامة ليست بمحلها:
"هي فعلاً كانت غلط. بس أهو محدش بيتعلم ببلاش يا... بشمهندس."
غادر، صافعاً الباب خلفه بقوة، لتجلس هي على المقعد خلفها قائلة بحزن:
"كان عندي أمل تخيب ظني فيك!!!"
***
مساءً بحديقة قصر الجارحي
كان الجميع يجلس على مائدة الطعام الطويلة، وصوت ضحكاتهم يصدح بالمكان، عداها هي. تجلس بينهم بذهن شارد وقلب متألم. لاحظ أمير شرودها، ليميل عليها قائلاً بخفوت:
"مالك؟"
حركت رأسها بمعنى لا شيء، لكنه يشعر بخطب ما أصاب شقيقته، لذا اكتفى بالصمت الآن.
سليم بابتسامة:
"مش ناوين تعملوا الفرح ولا إيه؟"
أمير بلهفة:
"ياريت، أنا عايز أتجاوز بقى يا ناس. هنفضل مأجلين الفرح لأمتى بس؟"
ريان بهدوء:
"أنا كمان عاوز أتجاوز."
كان إخوته فقط من يعرفون بتقدمه لخطبة ندا، بينما المتبقين كانت صدمة لهم. ليكن أول من يتسأل جدته فاطمة قائلة بلهفة:
"بجد يا بني؟ طب هي مين؟ وأنا من بكرة أروح أخطبهالك على طول."
ضحك الجميع، بينما ريان ابتسم مقبلاً يدها بحنان قائلاً:
"تسلمي يا ست الكل."
ثم نظر لسليم قائلاً بهدوء:
"بعد إذنك يا جدي، هنروح آخر الأسبوع نخطب ندا بنت عمي جمال."
اختفت الابتسامة من على وجه سليم وقاسم وفاطمة، التي قالت بحزن:
"عايز تغلط نفسك؟ غلطت أمك اللي يرحمها يا ريان."
سألها بهدوء، وكان يتوقع رفضها:
"غلطة إيه؟"
أجابته بحزن وهي تحاول كتمان دموعها التي تحارب للنزول أمام الجميع، من الشعور بالقهر الذي يلازمها من سنوات طوال على فقدان فلذة كبدها:
"بلاش يا بني، العيلة دي مش بيجي من وراها غير المشاكل ووجع القلب. ابعد عنهم أحسن، والبنات مفيش أكتر منهم."
تنهد بحزن قائلاً بهدوء:
"بس أنا بحبها، وعمي جمال مش زي عمي يوسف. غير كده، أنا عمري ما آخد حد بذنب حد. أبقى فرقت إيه أنا عن يوسف العمري؟"
تدخل قاسم بالحديث قائلاً:
"عنده حق يا أمي. لو خدنا بذنبهم واحنا كمان عملنا كده، يبقى فرقنا إيه عنهم؟"
سليم بابتسامة، وبداخله قهر كبير لا يقل عن زوجته:
"على بركة الله يا بني، ألف مبروك."
فاطمة بابتسامة حزينة، وهي تربت بحنو على وجنته:
"ألف مبروك يا بني."
بعد تهنئة من الجميع، وقفت حياة قائلة وهي تستعد للرحيل:
"عن إذنكم."
آدم بتساؤل:
"رايحة فين؟"
أجابته بهدوء:
"عندي مشوار ضروري."
أوس بتساؤل وهو ينظر لساعة يده:
"مشوار إيه ده؟"
تنهدت قائلة:
"هقولك بعدين."
أمير وهو يقف:
"طب استني هوصلك."
أوقفته قائلة:
"مفيش داعي، خليك مرتاح."
لكنه لم يستمع لها وغادر برفقتها، قائلاً بخفوت بعد أن ابتعد معها بعيداً عنهم بقليل:
"لأ، في داعي. عايز أتكلم معاكي ضروري، شكلك مخبية حاجة كبيرة!!!"
***
بعد وقت، كان يصف سيارته أمام باب البناية بغضب، بعدما أخبرته بالطريق ما حدث صباح اليوم.
لذا، وبدون مقدمات، ما إن رأى حارس البناية الذي قارب على الأربعين من العمر، لكمه بقوة أسقطته أرضاً. ثم جذبه بقوة من ثيابه قائلاً بغضب:
"يا تنطق من سكات كده، مين اللي قالك تقول الكلام ده على أختي؟ يا قسمًا بالله أدفنك مكانك."
اقتربت منه حياة تحاول إبعاد أمير عنه قائلة:
"أمير، ابعد، مش بالطريقة دي."
دفعها للخلف قائلاً بغضب، ويشدد قبضة يده على مقدمة ثياب الآخر:
"انطق يا روح أمك."
الحارس بخوف وكذب:
"والله ما أعرف بتتكلم عن إيه يا بيه."
تدخلت حياة قائلة بنفاذ صبر:
"من الآخر كده، في واحد جالك امبارح وسألك أنا نازلة من عند مين؟ وقلتله إني عند واحد اسمه عمر، شقته مشبوهة. مين اللي قالك تقول كده؟"
ابتلع الحارس لعابه بخوف قائلاً بنفي:
"محصلش الكلام ده. انتوا جايين ترموا بلاكم عليا أنا... آآآه."
تأوه بألم ولم يستطع أن يكمل حديثه، بعدما تلقى لكمة قوية من أمير أسقطته أرضاً. ثم انحنى إليه وأنهال عليه بالمزيد من اللكمات بغضب، والآخر يصرخ مستغيثاً بأحد، لكن الجميع اكتفى بالمشاهدة من بعيد. وقف أمير جاذباً إياه من ملابسه قائلاً بغضب:
"هتنطق ولا آخدك معايا وأنا هعرف أخليك تتكلم إزاي يا ب..."
كانت الدماء تغطي وجهه بأكمله، ولم يعد يستطيع الوقوف على قدمه. لم يجد مفر سوى الاعتراف قائلاً بخوف وتعب:
"واحدة يا بيه جت وقالتلي أعمل كده."
سأله بغضب وهو يدفع جسده للحائط خلفه:
"اسمها إيه؟"
تأوه الآخر بألم قائلاً:
"سارة يا بيه!!"
تبادل أمير النظرات مع حياة، التي لم تشعر بالصدمة من ذكر اسمها، بل كانت تتوقع شيئاً كهذا. دفع أمير الرجل أرضاً، ثم ركله بقدمه بجانبه بقوة، وجذب شقيقته. وما إن صعد للسيارة برفقتها، ثم انطلق بها، نظرت له قائلة بهدوء:
"مش عاوزة حد يعرف حاجة عن اللي حصل خالص يا أمير، وخصوصاً ريان."
نظر لها قائلاً بحزن لأجلها، وغضبه يتضاعف نحو ذلك الحقير:
"متزعليش نفسك. هو عمره ما هيلاقي زيك، هو اللي خسر. وبكرة لما يعرف الحقيقة هي..."
قاطعته قائلة بسخرية مريرة:
"كان عندي أمل يخيب ظني فيه يا أمير... كان نفسي يثبتلي إني غلط. أنا مش زعلانة على خسارته، أنا زعلانة على نفسي."
أشاحت بوجهها ناحية النافذة، تغلق عينيها وتفتحها عدة مرات، تمنع نفسها بصعوبة من البكاء، ليتنهد هو بحزن لأجلها، متوعداً ذلك الحقير!!!
***
بينما على الناحية بمنزل حازم، صديق إلياس، ما إن قص عليه ما حدث، انتفض الآخر من مكانه صارخاً عليه بغضب:
"انت إيه يا أخي غبي للدرجة دي؟ تروح تتهمها ببساطة من غير ما يكون معاك دليل."
إلياس بغضب:
"كدبت عليا كذا مرة، وكل مرة أشوفها نازلة من نفس العمارة، والبواب يقولي كلام زبالة عليها."
حازم بغضب:
"اديك قلت كلام. ولما شوفتها ما واجهتهاش ليه؟ فشلت ساكت ليه؟ ولما شوفتها نازلة معاه من العمارة، ما روحتش ليهم ليه وعرفت إنها شوفتها؟ كنت أسمع منها يا أخي قبل ما تتكلم."
ثم تابع بغضب:
"انت عايزها ولا مش عايزها؟ كل مرة تطلع بحجة شكل وتطلع فيها حاجة عشان تبعد عنها. أول مرة عشان أمها اللي مكنش ينفع تاخدها بذنبها أصلاً، و تاني حاجة بدر وخوفك إنك تكلمها، ودلوقتي سمعت كلام من واحد من غير ما تشوف بعينك وبنيت عليه حكاية وصدقتها."
إلياس بغضب:
"كنت غبي. كل دي حاجات كانت بتثبت إنها متنفعنيش، بس برضه كنت بتمسك بيها."
حازم بسخرية:
"انت عمرك ما كنت متمسك بيها بعمايلك دي. عمرك ما كنت متمسك بيها. وانت فعلاً غبي يا إلياس، لو اللي عندك ده مرض، الحق اتعالج منه."
إلياس بغضب:
"حازم، الزم حدودك."
زفر الآخر بضيق قائلاً:
"امشي يا إلياس، لأني بجد مش طايق أشوفك ولا أتكلم معاك. ده انت تحرق الدم يا راجل."
غادر إلياس بغضب كبير، صافعاً الباب خلفه بقوة، متوجهاً لقصر العمري. وما إن وصل، توجه لمكتب والده قائلاً بصرامة:
"بابا، من الآخر كده، أنا مش هجوز أختي لحد من العيلة دي نهائي، وبالذات ليه هو."
جمال بصرامة وغضب:
"أنا اديت كلمة للناس خلاص، وجايين آخر الأسبوع. أختك موافقة وأنا موافق، يبقى الموضوع ما يخصكش."
إلياس بضيق:
"إزاي ما يخصنيش؟ دي أختي."
جمال بغضب:
"أختك مش قاصر، ومش انت اللي هتتجوز عشان تتدخل في الموضوع ده. وكلامي اللي هيمشي."
غادر المكتب غاضباً، سيفعل المستحيل حتى لا تتم تلك الزيجة!!!
***
جاء اليوم المحدد ليتقدم ريان لندا رسمياً. كان سليم يجلس مرغماً، لأجل حفيده، وتحمل أن يدخل المكان الذي توفت فيه ابنته، وطرد منه أحفاده للمرة الثانية، لأجل حفيده. كذلك كان حال البقية.
كان يوسف ينظر لوجوه أبنائه بلهفة، سعيداً برؤيتهم، وحزيناً لأن ما يجب أن يقوم به هو لابنه، بهذا اليوم، قام به أحد آخر.
سليم بجدية:
"إحنا يشرفنا نطلب إيد بنتك ندا لحفيدي ريان."
جمال بابتسامة سعيدة:
"الشرف لينا إحنا طبعاً."
ريان بهدوء:
"بما إن رأي العروسة وصل، طلباتك وطلباتها يا عمي."
جمال بابتسامة:
"مليش أي طلبات غير إنك تحطها في عينك يا بني وتحافظ عليها، دي الغالية."
ريان بابتسامة وصدق:
"من غير ما تقول يا عمي، في عنيا من جوه."
آدم بجدية:
"بعد إذن حضرتك، فرحي أنا وإخواتي بعد شهر من دلوقتي. لو مفيش مانع، حابين يكون فرح ريان وندا بعد شهر."
إلياس ببرود، وعيناه لم تتوقف عن إلقاء نظرات احتقار صوب حياة، التي تتجاهله كلياً:
"ندا لسه عندها جامعة، والجواز دلوقتي هيعطلها. عشان كده ممكن تكون خطوبة."
ريان بهدوء:
"أكيد، أنا مش هعطلها عن دراستها، بالعكس هشجعها."
جمال بابتسامة:
"ماشي يا بني، هسألها ولو هي موافقة يبقى على بركة الله."
ابتسم ريان بهدوء، ليقول سليم بابتسامة:
"نقرا الفاتحة."
بدأ الجميع بقراءة الفاتحة، بينما ندا تقف بعيداً، تنظر لما يحدث بالخارج بسعادة، وبجانبها والدتها، التي أعطتها صينية كبيرة عليها أكواب عديدة من الشربات، قام بتوزيعها على الجميع بخجل، ثم جلست بجانب والدها، تخفض وجهها أرضاً.
غادر الجميع عدا ريان، الذي أخذ ندا للعشاء بالخارج. بينما إلياس لم يتوقف طوال الوقت من إثارة غضب ريان، الذي كان يرد عليه بكل هدوء.
***
باليوم التالي
بتردد، كان يوسف يخطو لداخل المقابر الخاصة بعائلة الجارحي. يقترب من قبرها الذي نقش على الرخام الخاص به اسمها "ليلى سليم الجارحي".
جلس على حافته بعد أن وضع باقة الزهور عليه، قارئاً الفاتحة لها بدموع، وهو يخفض وجهه بخزى قائلاً بحزن:
"عارف إنك أكيد مش طايقة وجودي يا ليلى، وعارف إني لو قلت ليكي أنا بحبك وعمري في حياتي ما حبيت غيرك، مش هتصدقيني، لأن اللي يعمل اللي أنا عملته مستحيل يكون بيحب."
تنهد بحزن، ثم تابع بصدق ودموع تغرق وجهه:
"بس الحقيقة إني عمري ما حبيت غيرك. انتي كنتي كل حاجة حلوة في حياتي، ولما روحتي كل حاجة حلوة راحت. والمشكلة إن أنا اللي ضيعت كل حاجة من إيدي، ضيعتك وضيعت ولادي، وبأيدي خسرت سعادتي."
اخفض وجهه قائلاً بقهر وحزن:
"حبي ليكي اللي خلاني عملت فيهم كده. حياة كان معاها حق في اللي قالته، حبي ليهم كان مشروط. أنا حبيتك أكتر منهم وأكتر من أي حد في الدنيا دي، وكنت عارف إنك بتحبيهم، وأنا كنت موجوع منك."
تنهد بحزن متابعاً بصوت مختنق من الدموع:
"كنت بوجعك بيهم، ومحسبتش حساب ليوم زي ده. حتى ما فكرتش أنا هخسر إيه في المقابل. كل اللي كنت بفكر فيه إني أوجعك وبس."
ثم تابع بقهر وألم ينهش قلبه:
"حسرة كبيرة في قلبي وأنا قاعد في قراءة فاتحة ابني، غريب بيخطب اللي بيحبها، وحد تاني اللي بيقوم بالدور اللي المفروض أنا أعمله. أخويا أقرب لولادي مني يا ليلى... بعد ما كنت زمان أقرب حد ليهم بأيدي، خليتهم ما يكرهوش في حياتهم أدي."
اعتدل واقفاً قائلاً بحزن وندم ينهش قلبه، قبل أن يغادر المكان:
"لو قدرتي تسامحيني يا ليلى، سامحيني، ولو إني عارف إني مستاهلش... مستاهلش حتى حبك اللي متأكد إنه بقى كره، ومن زمان."
***
قارب الشهر على الانتهاء، والجميع في انشغال تام بتجهيزات زفاف الأربعة إخوة، بعدما وافقت ندا على الميعاد. وقام آدم بشراء فيلا ذات مساحة كبيرة تقرب من قصر الجارحي كثيراً، وتولى الفتيات فراشها. ورفضت حياة إبداء رأيها، فهي تنوي على شيء فقط لينتهي الزفاف.
كانت هنا تواظب على جلساتها مع الطبيب النفسي باستمرار، ولا تنكر أنها جعلت حالتها أفضل من قبل بكثير، وحتى الآن تخفي عن الجميع خبر حملها، بل أصبحت ترتدي الملابس الفضفاضة كزيادة حرص.
إلياس، الذي أصبح غاضباً طوال الوقت، وسعى جاهداً حتى لا يكتمل هذا الزفاف، لكن دون جدوى. كانت كل محاولاته تنتهي بالفشل.
بينما حياة أنهت امتحاناتها، وها هي من يومها صامتة طوال الوقت وشاردة، وعلى عكس هنا، أصبحت تهمل جلساتها مع الطبيب، بل لم تذهب سوى مرة واحدة طوال تلك المدة.
كانت تجلس ببهو القصر تضم قدمها لصدرها، تنظر للفراغ بشرود حزينة، تفكر بتلك الخطوة التي ستقدم عليها عن قريب جداً. أفاقت من شرودها على رنين جرس باب القصر الداخلي، ذهبت لتفتح بتكاسل، وما إن فعلت، نظرت للطارق بصدمة قائلة:
"بدر!!!"
رواية ضحايا الماضي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شهد الشوري
كانت تجلس ببهو القصر تضم قدميها لصدرها، تنظر للفراغ بشرود حزينة، تفكر بتلك الخطوة التي ستقدم عليها عن قريب جداً.
أفاقت من شرودها على رنين جرس باب القصر الداخلي. ذهبت لتفتح بتكاسل، وما إن فعلت، نظرت للطارق بصدمة قائلة:
"بدر!!!!"
استقرت عيناه على وجهها يتأملها باشتياق فاق الحدود. لقد ظن أنه لو ابتعد وعاد إلى حيث كان سينسى، لكنه أبداً حدث العكس، لقد تضاعف عشقها بقلبه.
ستكون حقاً أكبر كاذبة إذا أنكرت اشتياقها له. اشتاقت لنظرة الحنان والدفء الموجودة بعينيه كلما ينظر لها، لتشعرها بالأمان الذي لم تشعر به سوى برفقة إخوانها.
تواصل بصري بين الاثنين لوقت غير معلوم، قاطعه صوت جين جدته قائلة بتعجب:
"بدر، إنتِ واقفة عندك سرحانة في إيه؟"
أفاق الاثنان على حالهما ليجيب بدر بتوتر:
"مفيش يا جين."
بتلك اللحظة جاء صوت سليم من الخلف قائلاً بترحيب وسعادة، فهو من قام بدعوتهم لحضور زفاف أحفاده:
"أهلاً أهلاً بالغالية مرات الغالي."
بتلك اللحظة دخل من الباب عاصم شقيق سليم برفقة ابنه عثمان وزوجته صبا.
على الفور اقترب عاصم من شقيقه يحتضنه بقوة واشتياق قائلاً:
"واحشني أوي يا خويا."
بادله سليم العناق قائلاً باشتياق مماثل وسعادة:
"نورت مصر وبيت أبوك يا غالي."
عاصم بحب وسعادة:
"منورة بيك يا خويا."
اقترب عثمان من عمه يحتضنه باشتياق. وبعد وقت من الترحيب بحضور الجميع، وبدر يختلس النظرات من حين لآخر لحياة التي تخفض وجهها أرضاً بحزن، لكن سرعان ما ابتسمت على تلك المرأة التي تدخل القلب بحديثها المضحك والأشبه للأطفال، قائلة:
"فاطمة، إنتِ وحشتيني أنا كتير أوي."
فاطمة باشتقياق:
"إنتِ كمان والله واحشاني أوي يا جين. بعدين بقالك العمر ده كله مع عاصم ومش عارف يعلمك العربي صح لحد دلوقتي."
عاصم بيأس:
"أنا يأست خلاص يا مرات أخويا، الولد عندها يتنطق بنت والعكس، وبيني وبينك أهو بلاقي حاجة أضحك عليها."
قال الأخيرة بمرح، لتنظر له جين قائلة بتوعد:
"أنا هخليكي تضحكي كويس يا حبيبتي، استني بس."
ضحك الجميع بقوة، ودار بينهم حديث طويل. غادرت حياة بمنتصفه لغرفتها وهي تشعر بانعدام رغبتها بفعل أي شيء أو الاستماع لأي شيء. لاحظ إخوانها كما لاحظوا الأيام الماضية، وكلما يسألها أحدهم يكون إجابتها "لا شيء". واضطر أمير للصمت بناءً على رغبتها بعد أن وعدها رغم عدم اقتناعه.
كل ذلك لم يخفَ على بدر الذي لاحظ هو الآخر شرودها الدائم والحزن الذي يحتل ملامح وجهها مهما حاولت إخفاء ذلك.
***
في صباح اليوم التالي، تعمدت حياة الخروج من القصر باكراً حتى لا تلتقي ببدر أو تحتك به.
بشركة الأدم.
كان الخمسة مجتمعين بمكتب آدم، ومن بينهم ريان الذي يجلس بصمت يتابع الحديث عن العمل الدائر بينهم بعدم فهم.
كذلك الحال مع حياة التي تشارك الحديث بكلمات قليلة، ومعظم الوقت شاردة. ليزفر آدم بضيق عندما سألها عن شيء ما، لكنه لم تجب، بل لم تستمع من الأساس، قائلاً:
"لأ بقى، أنا متأكد إن فيه حاجة."
أوس بتأييد:
"مظبوط، فيه إيه يا حياة؟"
آدم بحنان وهو يربت على رأسها:
"مالك؟ كل ما أسألك تقولي مفيش، وعلطول سرحانة. إيه اللي شاغل عقلك؟ والأهم، إيه اللي مخليكي زعلانة كده؟"
نفت برأسها قائلة بهدوء:
"مفيش."
آدم بحدة:
"متقوليش كلمة مفيش دي تاني."
تنهد بعمق قائلاً بهدوء:
"اتكلمي يا حياة، مالك؟ فيه إيه؟"
لمعت عيناها بالدموع قائلة بصوت مختنق:
"قولت مفيش، هو بالعافية لازم يكون فيه."
قاطعها أمير قائلاً بغضب:
"لأ فيه يا أدم، الزبالة اللي اسمه إلياس..." ثم قص عليه كل ما حدث. وما إن انتهى، انتفض أوس من مكانه قائلاً بغضب:
"إزاي تخبي حاجة زي كده؟"
ثم التفت لأمير قائلاً بتوبيخ:
"البيه طالما كان عارف مجاش وحكالنا ليه؟"
حياة بهدوء:
"أنا اللي طلبت منه ما يقولش."
تفهم ريان على الفور السبب قائلاً:
"خبيتي عشان علاقتي بندا ما تبوظش بسبب إلياس، لأنه أخوها، مش كده؟"
أشاحت بوجهها بعيداً، ليزفر هو بضيق قائلاً:
"هو ليه محدش عايز يصدق إني بحبها وإني مستحيل آخدها بذنب أي حد؟"
آدم بحدة:
"كان المفروض لما حصل كل ده تيجي وتحكي لينا عشان نخليه يندم ع اليوم اللي اتجرأ ونطق بلسانه الكلام ده."
حياة بهدوء:
"خوفي إنكم تتهوروا إنت أو حد منكم، وساعتها ممكن هما يرفضوا الجوازة دي. مكنتش عايزة مشاكل تحصل على حاجة متستاهلش."
ريان بحدة:
"هو إيه اللي ميستاهلش؟"
تنهدت بحزن قائلة:
"ممكن تهدوا؟ أنا مش عايزة نفتح السيرة دي تاني، كمان مش عايزة أي حد يعمل حاجة ليه."
أمير بسخرية:
"خايفة عليه؟"
نفت برأسها قائلة بهدوء:
"لأ، بس ميستاهلش غير كده. أنا مش عايزة أقوله الحقيقة، لأنه خسر الحق بأنه يعرفها. اللي عمله إشارة من ربنا عشان أعرف إن مش ده اللي أعافر عشانه، والحمد لله إني مكنتش قبلت طلبه للجواز."
صمت الجميع بضيق، وبداخل كل منهم يتوعد له. فقط صبراً. تنهدت هي بعمق تستجمع شجاعتها قبل أن تقول:
"فيه حاجة كمان عايزة أقولكم عليها."
نظر الجميع لها باهتمام، لتتابع هي حديثها قائلة:
"قبل الدراسة ما تبدأ، أنا هنقل ورقي للجامعة هناك من تاني، لأني قررت أرجع لندن!!!"
ردد الأربعة بوقت واحد:
"تسافري؟!"
ريان بنفي وصرامة:
"مش هيحصل."
آدم بتأييد:
"مين قالك إننا هنوافق؟"
أمير بسخرية:
"عايزة تهربي؟ مكنتش أعرف إنك ضعيفة كده."
تنهدت بحزن قائلة:
"مش ضعيفة، بس أنا عشت هناك سنين طويلة، وإحنا كنا جينا هنا لسبب محدد وخلص، يبقى إيه اللي يخليني أقعد؟"
أوس بعتاب:
"طب وإحنا؟ مش عايزة تقعدي عشانا؟"
ابتسمت قائلة بهدوء رغم حزنها:
"إنتوا كل واحد فيكم هيتجوز وهينشغل في بيته مع مراته وولاده إن شاء الله."
ثم تابعت بابتسامة:
"أنا كمان عايزة أعمل الحاجة اللي بحبها."
آدم بحنان وهو يربت على كتفها:
"مين قال إننا هننشغل عنك؟ هو فيه حد بينشغل عن بنته؟"
ابتسمت قائلة بهدوء وحزن ينعكس بوضوح بعينيها:
"بتقول كده دلوقتي عشان لسه على البر، بس واحدة واحدة هتغرق في مسؤولياتك، دي سنة الحياة."
أمير بحنان وصدق:
"بس عمرنا ما هننشغل عنك إنتِ بالذات."
ريان بعتاب:
"إزاي بعد السنين دي كلها قضيناها مع بعض لحظة بلحظة، عايزة تسافري وتبعدي عنا؟"
أوس بتصميم:
"مش هتسافري يا حياة، إنسي."
ابتسمت قائلة بهدوء:
"أنا مش مهاجرة على فكرة، دي كلها كام ساعة بالطيارة، وتقدروا تيجوا تشوفوني وأشوفكم. أنا هخلص دراسة وهرجع، وفيه إجازات كمان. أنا محتاجة أبعد فترة."
آدم بتسويف وتأجيل للحديث الذي لن يطاوعها عليه بالطبع:
"لما نرجع من السفر بعد الفرح، نبقى نشوف الموضوع ده."
تنهدت بعمق قائلة بتصميم:
"لما ترجعوا من السفر، أنا هكون جهزت نفسي وهسافر عشان ألحق أقدم ورق الجامعة بتاعي."
تبادل الأربعة النظرات بعدم رضا، وكل منهم لا يتقبل فكرة ابتعادها عنهم. غادر آدم أولاً قائلاً بضيق:
"اعملي اللي تعمليه."
ثم غادر بعده أوس، ثم أمير، ثم ريان. لتبقى هي وحدها بين نارين، لا تريد الابتعاد عنهم، وتريد مغادرة هذه البلد التي لم ترى فيها سوى العذاب.
***
في منتصف اليوم.
كان أمير يجلس بأحد المتاجر المخصصة لفساتين الزفاف، ينتظر فرح حتى تخرج بعد تجربة ذلك الفستان الذي أصر أن يكون موجوداً وهي تبتاعه.
تعالى رنين هاتفه برقم شقيقه ريان، وما إن أجاب، آتاه صوته قائلاً:
"إنت فين؟"
ابتسم قائلاً:
"مع فرح بنشتري فستان الفرح."
ريان بهدوء:
"طب أنا وإخوانك مع البنات بردو رايحين نشتري البدل والفساتين من مكان كده ندا اللي قالت عليه. لو عايز تيجي حصلنا على هناك."
أومأ برأسه قائلاً:
"طب ابعتلي العنوان في رسالة. لو مفيش حاجة عجبت فرح هنا، هنيجيلكم على هناك."
ما إن أغلق الهاتف مع شقيقه، خرجت فرح من غرفة التبديل بفستانها الأبيض اللامع الذي ينساب على جسدها بنعومة بأكمام من الشيفون، لتأسر قلبه بجمالها للمرة التي لا يعرف عددها.
ابتسمت بخجل من نظراته، سرعان ما اختفت وتوترت عندما قال:
"لفي يا فرح."
فعلت ما قال بخوف من ردة فعله، لتلتفت. وما إن فعلت ووقعت عيناه على ظهر الفستان المفتوح حتى منتصف ظهرها، ردد بصرامة وأعين تلمع بالغيرة:
"الفستان ده لأ."
نظرت للفستان بحزن قائلة برجاء:
"بس يا أمير، الفستان حلو أوي."
ابتسم قائلاً بحب:
"حلو عشان إنتِ لبستيه. في كذا فستان حلو وهيبقوا أحلى لو لبستيه... لكن ده ضهره مفتوح أوي."
تدخلت صاحبة دار الأزياء وتدعى زيزي قائلة باستنكار ووقاحة:
"إيه يعني ضهره مفتوح؟ الزمن اتغير، ودلوقتي عادي البنات تلبس اللي هي عايزاه... سوري على اللي هقوله مستر أمير، بس حضرتك بتتصرف تصرفات الرجالة الجهلة بتوع زمان."
شهقت فرح بخفوت ونظرت للمرأة بغضب، ثم نظرت لأمير الذي وضع يده يجيب بنطاله، قائلاً بثقة:
"اللي بيبقى معاه حاجة غالية بيحب يخبيها من عيون الناس، وأنا مراتي حبيبتي غالية، مش أي حد يشوفها. ولو اللي بعمله جهل، فيا ستي أنا راجل جاهل وفخور بده."
ابتسمت فرح بحب، ثم وبدون حديث دخلت لغرفة التبديل لترتدي ملابسها، وما إن انتهت خرجت لأمير قائلة بحب:
"يلا يا حبيبي، مفيش فساتين هنا عجبتني."
قالتها عمداً حتى تثير غضب تلك المرأة التي تجرأت على زوجها تنعته بالجاهل. ابتسم أمير بحب وهو يعلم ما تقصد، وغادر برفقتها نحو أشقائه.
***
كان الجميع جالسين على طاولة الطعام. كانت حياة تعبث بطعامها دون تذوق أي قطعة منه، كذلك الحال مع هنا التي لا تعد تتحمل رائحة الطعام رغم شعور الجوع المسيطر عليها. حاولت التحمل حتى لا يلاحظ أحد، فتلك هي هرمونات المرأة الحامل كما أخبرتها الطبيبة التي تتابع معها.
استأذنت منهم لتغادر، لكن ما إن وقفت، شعور بالغثيان، فوضعت يدها على فمها وركضت لأقرب مرحاض والذي يخص الضيوف القريب من غرفة الطعام، والجميع خلفها في حالة خوف وقلق.
قمر زوجة قاسم بقلق وهي تطرق على الباب:
"هنا يا بنتي، افتحي الباب."
لكن لا إجابة. دقائق قليلة وخرجت هنا من المرحاض بوجه شاحب وهي تشعر بالتعب الشديد.
اقترب منها أدهم قائلاً بقلق كبير:
"حاسة بإيه؟ خلي ريان يكشف عليكي."
انتفضت بفزع قائلة:
"مش عايزة دكتور ولا حد يكشف عليا، أنا كويسة."
فاطمة بقلق:
"كويسة إيه بس يا بنتي، ده إنتِ وشك أصفر وتعبانة خالص."
هنا بنفي وتصميم وهي تشعر بالخوف من أن يكتشف أحد حملها:
"أنا طالعة أرتاح شوية وهبقى كويسة."
مشت عدة خطوات وهي تستند على يد قاسم بعدما رفضت مساعدة أدهم، لكن لم تتحمل وركضت المرحاض مرة أخرى. وما إن خرجت، استندت على إطار الباب الخاص به. لتمر لحظة اثنتان ثلاثة، وكانت تسقط فاقدة للوعي بين ذراع أدهم الذي التقطها قبل أن تسقط أرضاً.
ريان بسرعة وهو يصعد الدرج:
"طلعها فوق يا أدهم وأنا هجيب شنطتي وجاي وراك على طول."
مرت وقت قصير وكان ريان يخرج من الغرفة، وخلفه حياة. وبقت قمر وزينة بالداخل برفقة هنا التي لم تفق حتى الآن.
ريان بهدوء:
"خدت عينة دم، وحد من المستشفى هيجي ياخدها نص ساعة وهنطلع النتيجة."
أدهم بقلق:
"طب إنت شاكك في حاجة؟ طمني."
تنهد قائلاً بتردد:
"احتمال كبير تكون حامل!!!"
كلماته كانت صدمة بالنسبة للجميع، وبالأخص أدهم الذي تصنم بمكانه، وحتى الآن لا يستوعب ما يقول. يفرح أنها تحمل قطعة منه ومنها بأحشائها، أم يحزن لأنه وضعها بداخلها جبراً، وربما ستكره الطفل لهذا السبب؟
مرت النصف ساعة وظهرت النتيجة والتي كانت إيجابية، وأنها حامل بالفعل ومنذ فترة ليست بقصيرة!!!
***
في صباح اليوم التالي.
أفاقت هنا من غفوتها وهي تشعر بالتعب، لتقع عيناها على أدهم الذي يجلس على مقعد بجانب الفراش منذ ليلة أمس، ينظر لها بشرود. وبعد تفكير، تذكر أنها كانت خائفة من أن يفحصها ريان، لذا من المؤكد أنها كانت تعلم بحملها وأخفته عن الجميع.
انتفضت بمكانها قائلة بغضب:
"إنت إيه اللي مقعدك هنا؟"
صمت للحظات قبل أن يقول بهدوء:
"مبروك يا ماما هنا!!!"
توترت وشعرت بالخوف، لقد عرف وحدث ما كانت تخشاه. يبدو أنها بعد إغمائها أمس فحصها ريان، بينما أدهم وقف واضعاً يده بجيب بنطاله، قائلاً بهدوء:
"كنتي عارفة، مش كده؟"
وقفت هي الأخرى أمامه قائلة بتحدي:
"أيوه، كنت عارفة."
جد على أسنانه قائلاً بحدة:
"خبيتي عليا ليه؟"
ضمت يديها أمام صدرها قائلة ببرود:
"حاجة متخصكش."
حاول التحكم بغضبه قدر المستطاع، لكنها لا تساعده على ذلك، بل تستفزه بطريقتها تلك في الحديث معه. اقترب منها قائلاً بغضب مكتوم:
"لأ يخصني، لأنه ابني يا هانم."
رفعت حاجبها قائلة بسخرية:
"إيه اللي عرفك؟ ما أنا كنت بمشي على كل شعري قبل ما نتجوز، ما يمكن ابن وائل."
صرخ عليها غاضباً من الغيرة:
"هناااا!!!"
ضحكت بسخرية قائلة:
"إيه؟ هو أنا جبت حاجة من عندي؟ ما كل ده كلامك."
اقترب منها قائلاً بغضب:
"ارحمني بقى. غلطان وإستاهل ضرب الجزمة. قولتلك مليون مرة غصب عني، إعتذرت منك بدل المرة ألف. قوليلي أعمل إيه؟"
لمعت عيناها بالدموع واقتربت منه قائلة:
"إشمعنى إنت مرحمتنيش؟ لا بكلامك ولا اللي عملته. أنا شفت منك كتير أوي يا أدهم، غصب عنك مش غصب عنك ميخصنيش. أنا كمان غصب عني مش قادرة أنسى ومش قادرة أسامح، ومش لاقية ليك عذر كفاية على اللي عملته معايا يخليني أسأمحك."
ابتلع غصة مريرة بحلقه قائلاً:
"طب وابننا يا هنا؟ ميستاهلش تدي لحياتنا فرصة عشانه؟ عشان يتربى وسطنا؟"
جلست على الفراش قائلة بهدوء:
"لو فضلت معاك عشان خاطره، متستناش مني حاجة غير إني أكون أم لابنك وبس. غير كده مش هتشوف مني حاجة تانية، وهبقى بعمل ده غصب."
سألها بألم:
"بطلتي تحبيني؟"
ابتسمت بألم قائلة:
"لأ يا أدهم."
سألها بحزن وهو ينحني على ركبيته أمامها متشبثاً بيدها قائلاً برجاء:
"هتقدري تكملي من غيري؟"
جذبت يدها من بين يديه قائلة بسخرية مريرة:
"محدش بيموت من الحب، وأكبر مثال ليا هو إنت. لولا إن جدو غصبك تتجوزني، كنت هتكمل من غيري عادي، وكمان كنت خاطب وهتتجوز ومكمل حياتك عادي."
اخفض وجهه أرضاً، لا يوجد لديه إجابة على ما تقول، محقة بكل ما قالت. وقف على قدميه ثم نظر لها لآخر مرة قبل أن يغادر بأعين لامعة بالدموع تهدد بالنزول بأي لحظة.
غادر وتركها تبكي بقوة وهي تحاوط جنينها بيدها قائلة بحزن:
"سامحني، مش قادرة أسأحه ولا أكمل معاه، ولا حتى عشانك. باباك كسر جزء كبير أوي جوايا، مهما عملت ومهما عمل، عمره ما هيرجع زي الأول."
***
بقصر الجارحي.
بالخارج كان هاشم صديق آدم، والذي يتولى قضية محسن وثريا، والذي يقول بسخرية:
"مش غريبة دي يا أدم؟"
آدم بهدوء:
"إيه اللي غريب؟"
هاشم بسخرية:
"تبقى ساكت كده وهادي، لأ وكمان هتعمل فرح ليك ولأخواتك، ومحسن لسه هربان، ده حتى بنته هي كمان مختفية."
آدم ببرود:
"يعني أوقف حياتي عشان خاطر أب... ده هربان؟"
هاشم بنفاذ صبر:
"أدم."
زفر بضيق ثم تابع:
"أنا متأكد زي ما أنا شايفك واقف قدامي كده إن محسن معاك."
لك يجيب آدم، واكتفى بالصمت، ليربت هاشم على كتفه قائلاً:
"سلمه يا أدم، بلاش توسخ إيدك بالدم، في واحد ميستاهلش. سلمه وأنا أوعدك مش هيحصل زي المرة اللي فاتت. كل الجرايم اللي عملها دي تجيب له إعدام."
تنهد قائلاً برفق قبل أن يغادر:
"فكر ورد عليا، وأنا متأكد إنك هتعمل الصح واللي المفروض يتعمل. أنا بنصحك بصفتي صاحبك قبل ما أكون ظابط وماسك القضية دي."
"عنده حق."
كان هذا أول ما قالته حياة عندما استمعت لما قاله هاشم، مؤيدة له.
ثم تابعت بحزن:
"سلمه يا أدم، و خلينا نقفل الموضوع ده بقى ونخلص منه، كفاية أوي اللي عملتوه فيه. شهر بحاله بيتعذب، هو يستاهل أكتر من كده، بس خلينا بقى نرتاح ونقفل ع الموضوع ده."
ريان بهدوء:
"أنا معاها، ويا سيدي لو مستقل عليه الضرب اللي خده، المساجين اللي جوه بملاليم هيقوموا بالواجب."
أمير بتفكير:
"طب وسارة؟ هي بردو مش أمان لو سيبناها."
حياة بهدوء:
"بعد اللي شوفته طول الشهر ده، هتفكر ألف مرة قبل ما تقرب مننا. قرشين وتسافر بره مصر."
ثم تابعت بسخرية:
"سارة زي أمها، ميهمهاش حاجة غير نفسها. مش معقول هتفكر تنتقم لثريا يعني؟ وبعدين هي كان بتعمل ده عشان محروقة أوي إن إلياس مش معبرها وكان بيجري ورايا عشان كده عملت كل ده. مشكلتها كانت معايا أنا مش معاكم، وأكيد محسن كان بيحركها عشان عارف إنها زيه وزي ثريا بتحب الفلوس."
تنهدت قائلة بسخرية:
"دلوقتي بقى عندها إلياس تشبع بيه، وهتديها كمان فلوس، يبقى إيه اللي يخليها تعادينا؟"
وافقها الجميع الرأي وطلب أدم من رجاله أن يقوموا بتسليم محسن للشرطة ويأتوا بسارة لقصر الجارحي. لكن فجأة وبدون مقدمات، عندما وقفت السيارة أمام باب القصر، جذبها أحد الرجال من يدها بعنف للداخل. لكنها بدون مقدمات ركلته بقدمه أسفل معدته وركضت بكل ما تملك من قوة حتى خرجت من القصر بأكمله، تنظر خلفها من حين لآخر والرجال يركضون خلفها، متناسية أنه يوجد طريق سريع للسيارات أمام باب القصر.
لتصدمها بلحظة سيارة قادمة من بعيد مسرعة، أطاحت بجسدها في الهواء، لتقع أرضاً غارقة في دمائها. الناس مجتمعين حول جسدها، وفرت السيارة التي صدمتها سريعاً!!!
***
جاء يوم الزفاف الذي انتظره جميعهم بلا استثناء، عدا القليل.
بالفيلا الكبيرة التي اشتراها الأربعة بالقرب من قصر الجارحي، كانت الزينة معلقة بكل مكان بحديقة القصر الذي استقر الجميع أن يقام هنا، ليظل ذكرى لهم فيما بعد بهذا المكان الذي سيشهد على سعادتهم فيما بعد أيضاً.
كانت الفتيات يتجهزون بغرفة واحدة سوياً، ومعهم فرحة وقمر ورحمة.
بينما الشباب كانوا بغرفة بالطابق الأسفل يتجهزون سوياً. وبالحديقة كانت حياة تشرف على العمال تتأكد من أن كل شيء على ما يرام، فقد قارب حفل الزفاف على البدء.
جاء بدر من خلفها بعدما تجهز قائلاً بتعجب:
"بتعملي إيه عندك؟"
أشاحت بوجهها بعيداً عنه قائلة بهدوء:
"بشرف ع العمال عشان يخلصوا بسرعة، الحفلة قربت تبدأ والناس على وصول."
اقترب منها حتى وقف أمامها قائلاً بابتسامة:
"طب بما إن الحفلة قربت والضيوف على وصول، مش تطلعي تجهزي؟ ولا ناوية تحضري الفرح كده؟"
"قربت أخلص خلاص وهبقى أطلع أجهز."
تنهد قائلاً بهدوء:
"حياة، إطلعي اجهزي وأنا هفضل معاهم."
وافقت بعد تفكير للحظات، ولكن قبل أن تغادر من أمامه، جاءه صوت يبغضه، وأصبحت هي كذلك مؤخراً، وبالطبع كان صوت إلياس قائلاً بسخرية لاذعة وهو يقترب منهم:
"مش بتضيعي وقت صح؟"
حياة بغضب وحدة تعجب منها بدر، فقد ظن أن الاثنين من المفترض أنهم يحبان بعضهما:
"اسمع، لو لسانك طول، أنا أقصه ليك وإحترم نفسك، ده لو كنت محترم من الأساس. قسمًا بربي ما هيحصل لك خير."
ضحك باستهزاء، ثم التفت لبدر قائلاً:
"عارف، رغم إني مش بطيقك أبداً، بس هنصحك. أصلي ما أحبش حد ياخد المقلب اللي خدته."
اقترب منه قائلاً بخفوت بجانب أذنه:
"معتقدش هتقبل على نفسك تتجوز واحدة كانت في شقة واحد ومدوراها معاه. أنا مقبلتهاش على نفسي، شوف إنت بقى إيه النظام!!!"
رواية ضحايا الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شهد الشوري
اقترب إلياس من بدر قائلاً بخفوت بجانب أذنه:
معتقدش هتقبل على نفسك تتجوز واحدة كانت في شقة واحد و مدوراها معاه أنا مقبلتهاش على نفسي شوف انت بقى إيه النظام!
ابتعد بدر للخلف ينظر له بصمت. أثار ريبة الآخر. مرت لحظات صمت وحياة تنظر له بترقب، لكنها لم تظهر ذلك والتزمت بثباتها.
ليفاجئها بدر قائلاً بسخرية ونظرات احتقار يصوبها نحو إلياس:
لولا إني محترم المكان اللي واقف فيه وعامل حساب ليهم ومش عاوز أبوظ فرحتهم، صدقني مكنتش أترددت ثانية واحدة ومسحت بيك الأرض.
اقترب منه قائلاً بغضب واحتقار:
كنت هعلمك إزاي تبقى راجل وتتكلم على بنت عمك بالشكل ده. حتى لو صح اللي قولته، ميمسش الرجولة بأي صلة. دي اسمها ندالة وحقارة.
كاذبة إن أنكرت سعادتها بردة فعله. سعيدة لأنه نظرتها لم تخيب فيه أيضاً.
يا ليت الأمر بيدها، ليتها تستطيع أن تختار ما تحب لكانت اختارته بدون تردد، لكن ليس على القلب سلطان.
كانت شاردة ولم تنتبه للحديث الشرس الدائر بين إلياس وبدر. ولم تفق من شرودها سوى على صوت بدر قائلاً بعنف لم تعهده منه قبلاً وهو يقبض على مقدمة ثياب إلياس:
بنت خالي أشرف واحدة في الدنيا، ولو لسانك نطق أي كلمة في حقها وحشة، أقسم بالله لهتشوف وش عمرك ما شوفته. وما يغركش الهدوء والوش الكيوت ده.
ثم تابع بتوعد:
لأ ده أنا عندي استعداد أعلمك الرجولة على أصولها لو مش عارفها.
رد إلياس بشراسة وهو يدفعه بيده للخلف:
أنا راجل غصب عن أهلك...
قبل أن يكمل حديثه الذي بالطبع لم يكن سيخلو من السباب اللاذع، وقبل أن تتدخل حياة، جاء صوت سليم من الخلف قائلاً بصرامة:
بتعملوا إيه عندكم؟
رد بدر بهدوء يخالف نيران الغضب المشتعلة بداخله الآن تجاه ذلك الحقير:
كنت بقول لحياة تطلع تجهز وأنا هكمل الباقي.
ثم نظر لها قائلاً بحدة:
اطلعي يلا يا حياة.
ذهبت بتردد، وكم تكره لقاء الاثنين ببعض الذي ينتج عنه، وبكل مرة مشاجرة جديدة.
قال سليم بصرامة:
بتعمل إيه هنا يا إلياس؟
نظر بغضب لبدر قائلاً:
ندا نسيت مجوهراتها وجيبتهالها.
أومأ سليم برأسه عدة مرات، ثم اقترب منه قائلاً بصرامة ونبرة غير قابلة للنقاش:
حظي للمرة التانية اتربط بعيلة العمري وهبقى مضطر أتقابل معاكم. بس اسمع الكلمتين دول مني وحطهم حلقة في ودنك... تبعد عن حياة نهائي لأن حفيدتي مش هتكون ليك ولو آخر واحد على وش الدنيا، وبعد اللي عملته أنت غير مئتمن عليها!
رد إلياس بسخرية وغضب من إهانته:
مين قالك إني عاوزها؟ خليهالك.
اقترب بدر منه وكاد أن يلكم ذلك الحقير، لكن يد سليم منعته من الاقتراب قائلاً بهدوء لإلياس:
حاضر، هخليهالي.
غادر إلياس بغضب كبير. بينما بدر نظر لسليم قائلاً بتساؤل وعدم فهم:
هو عمل إيه ليها؟ إذاها في إيه؟
قال سليم بهدوء وهو يجلس على أحد المقاعد:
حياة متعرفش إني أعرف حاجة عن الموضوع ده. كمان مش معنى إني مش بتدخل في حياة أحفادي الخمسة إني عارف إنهم بيعملوا الصح ومحدش فيهم هيسمح لأخوه إنه يقع، وفي ضهر بعض. لكن أنا ببقى عارف كل حاجة بتحصل في حياة كل واحد فيهم، ولما الموضوع يستاهل إني أتدخل بعمل كده.
تنهد متابعاً حديثه:
في موضوع حياة كان لازم أتدخل. إلياس...
ثم قص عليه ما علمه واتهام إلياس لحياة بشرفها.
ما أن انتهى، كَوَّر بدر قبضة يده بغل قائلاً بغضب:
ابن الـ...
ثم بخطوات غاضبة أراد أن يلحق بإلياس الذي دخل للفيلا حتى يسلم شقيقته المجوهرات، لكن أوقفه سليم ممسكاً بيده قائلاً بصرامة:
استنى يا بدر.
رد بدر بغضب:
استنى ليه؟ عايزني أسيب ابن الـ... بعد اللي قاله ليها؟
قال سليم بهدوء:
اقعد يا بدر واسمع اللي هقوله ليك. بلاش تهور.
جلس بدر على مضض، ونيران تشتعل بقلبه بسبب ذلك الحقير. ليتنهد سليم قائلاً:
أنا عارف إنك بتحب حياة، عشان كده حكيتلك. معاك فرصة تانية يا بدر، تقدر فيها تكسب قلب حياة من تاني وتخليها تنساه.
رد بدر بسخرية:
بسهولة كده هتنساه؟ مش سهل إن الواحد ينسى اللي بيحبه. لو كان سهل كنت قدرت أنا أنساها. النسيان مش سهل يا جدي.
قالها ثم غادر من أمامه يتنفس بعنف، يلوم نفسه على ما فعل. ليته لم يتركها ويذهب. ليته بقى بجانبها. لقد ظن أنها تركها بين يدي أمين مع ذلك الحقير، ظناً منه أنه يحبها. فما فعله بها وما قاله منذ قليل لا يمس كلمة حب بصلة.
تتحرك من هنا لهنا بألية وبذهن شارد وقلب محطم. ارتدت ثوبها ثم وضعت طبقة خفيفة من مساحيق التجميل وصففت شعرها.
قبل أن تخرج من الغرفة، أخذت تردد بصوت مسموع تحدث نفسها قائلة:
هتنسي كل حاجة يا حياة. انهاردة هتنسي كل حاجة.
ركزي مع أخواتك وبس. هتنسي يا حياة.
تنهدت بعمق ثم خرجت من غرفتها ودخلت لغرفة الفتيات التي لم تندمج معهم كثيراً، وتأكدت من أنهم استعدوا، كانوا بأبهى صورة.
ثم نزلت للطابق السفلي حيث غرفة أشقائها الذين للتو انتهوا من ارتداء ثيابهم ولم يتبقى سوى ربطة العنق. ما أن وقعت عيناها عليهم، أدمعت من السعادة. بينما أوس أطلق صفير عالٍ قائلاً بإعجاب:
أوبا! إيه القمر ده؟ هتغطي عرايس الفرح بجمالك ده.
قال أمير بمرح هو الآخر:
مش هنلاحق ع العرسان كمان.
ضحكت بخفوت قائلة بسعادة:
ألف مبروك.
قال أمير بحزن واشتياق:
لو ماما كانت معانا انهاردة، محدش كان هيكون فرحان زيها.
ردد الجميع بوقت واحد بحزن:
الله يرحمها.
قالت حياة بمرح:
بس أنا ناوية أتقمص دورها شوية صغنتين وأقولكم كلمتين مهمين.
قال ريان بمرح وهو ينحني:
اتفضلي يا مولاتي.
ضحكت بخفوت قبل أن تقول بجدية:
الحب والاحترام والثقة والأمان والصدق، الخمس حاجات دي هما أساس نجاح أي زواج. وكلهم مرتبطين ببعض. مينفعش تتنازلي عن حاجة فيهم وتكملي بالباقي. وانت بتعامل مع مراتك، عامليها بالخمس حاجات دول.
تنهدت قائلة بابتسامة:
اسمعها حتى لو بتقول حاجة تافهة ملهاش أهمية بالنسبة ليك، بس تهمها هي. شاركها يومها. حسسيها دايماً بالأمان وبالحب. متنمش في يوم وهي زعلانة منك، وما تبطلش تقولها بحبك وتقولها كلام حلو.
صمتت للحظات ثم تابعت قائلة بجدية:
مراتك أنت أخدتها من بيت أهلها اللي كانت قاعدة فيه ملكة، ولازم تفضل ملكة في بيتك.
نظرت لهم قائلة بابتسامة حنونة:
لو عملت كل ده مش هينقص من رجولتك أبداً، بالعكس ده يزودها. الراجل بجد هو اللي يحتوي مراته ويكون ليها كل حاجة، أب وأخ وصديق قبل ما يكون زوج. يحسسها بالأمان ويسمعها.
ما أن أنهت حديثها، جذبها الأربعة لأحضانهم بفخر وحنان، وقد استشعروا حزنها مهما حاولت بالتظاهر بعكس ذلك.
زفاف أسطوري بمعنى الكلمة، لم يعكر صفوه سوى ظهور يوسف الذي أجمع الخمسة على أنه لم يشاركهم الحزن، لما يكون جزء من سعادتهم التي جاءت بعد عناء، وكان هو السبب.
كانت حياة تقف تنظر بسعادة لأخوانها، وكلاً منهم يحاوط خصر زوجته، يتمايل معها على أنغام الموسيقى، كلاً منهم يلقي على حبيبته أعذب الكلام.
وقف بدر بجانبها، وما أن رأته سألته بهدوء:
صدقت اللي قاله ولا ده كان كلام بـ...
قاطعها قائلاً بهدوء:
أنا مش مصدق يا حياة، لأني عارف أخلاقك كويس.
تنهد ثم تابع حديثه بجدية:
غير كده، لو كان اللي قاله صح، كنت هكذبه برضه. لأنك في الأول والآخر بنت عمتي اللي واجبي إني أفضل أدافع عنها قدام الكل، حتى لو هي غلط.
ابتسم قائلاً بهدوء:
الرجولة إني أسمع منك مش عليكي. ولو هو ولا غيره قالولي، عمري ما هصدق غير لما أسمعك.
نظرت له مبتسمة بامتنان. ليمازحها هو قائلاً وهو يمد يده لها:
سيبك من السيرة دي. أنا نسيت خطوات الرقص، تسمحي تعلميني يا حياة هانم؟
ضحكت بخفوت ثم وضعت يدها بيده، ليجذبها للمكان المخصص للرقص، يتمايل معها على أنغام الموسيقى. تنهدت حياة بعمق قائلة:
بدر.
نظر لها باهتمام، لتتابع هي قائلة بامتنان:
شكراً.
ابتسم قائلاً بخفوت:
مفيش شكر بين القرايب، مش ده كلامك؟
أومأت له وأكملت الرقص معه بصمت. مرت دقائق حتى تفاجأت بأمير يجذبها من يد بدر يراقصها، ثم مررها لأوس، ثم لريان، ثم أخيراً لآدم الذي قبل جبينها بحنان، وهي تضحك بسعادة، وتعالى التصفيق بالمكان حولهم.
بينما يوسف يقف بعيداً يشاهد سعادة أبنائه، وها هو يقف هنا منبوذاً منهم، لا يستطيع أن يشاركهم أي شيء. وكذلك إلياس الذي حطم كأس العصير الذي بيده من شدة ضغطه عليه من الغضب والغيرة، وهو يرى بدر يراقصها، يضع يده على خصرها.
يراقصها والاثنان في اندماج، بل ويتبادلون الضحك.
شارك أمير وحياة الغناء بالحفل الذي حضره بعض الموسيقيين الذين أحيوا الزفاف، وشهد الجميع سعادة لم يسبق لهم أن عاشوها.
انتهى الزفاف، وأخذ كلاً منهم عروسه وصعدوا للغرف الخاصة بهم داخل القصر. بينما حياة بقيت بالأسفل مع سليم وقاسم، حتى غادر المدعوين، وغادرت برفقتهن لقصر الجارحي.
في منتصف اليوم التالي، بعد ليلة قضاها كلاً منهم برفقة عروسه بالجنة، سافر كلاً منهم لبلد مختلفة لقضاء شهر العسل بعد توديع الجميع.
بمستشفى الجارحي.
كان ذلك الطبيب ويدعى حسن، ينظر لساعة يده. هو بطريقه لغرفة أحد مرضاه. وقبل أن يدخل للغرفة ليتفقدها، صادف شقيقه الأكبر. سرعان ما ابتسم له قائلاً:
دكتور عمر أبو زيد بنفسه في المستشفى هنا. يا ترى إيه سر الزيارة العظيمة دي؟
قال عمر بابتسامة وهدوئه المعتاد:
كنت عارف إنك هتنسى. مش قولتلك هعدي عليك نروح سوا بيت عمتك عشان نتغدى سوا؟ زي ما بابا قال.
ضرب الآخر مقدمة رأسه قائلاً بتذكر:
أوبا! نسيت خالص.
قال عمر بابتسامة:
طب يلا بسرعة جهز نفسك.
أومأ له قائلاً وهو يشير للغرفة التي خلف عمر:
استنى لحظة بس، هشوف المريضة اللي جوه. استناني هنا دقايق وجاي.
دخل حسن للغرفة، بينما عمر التفت ينظر للغرفة التي دخل لها شقيقه. سرعان ما تصنم جسده بمكانه وهو يراها. نعم، هي ولا أحد غيرها. لقد عرفها على الفور بالرغم من الكدمات الكبيرة التي تزين وجهها، لكنه تعرف عليها.
هي نفسها الوحيدة التي عشقها، لكنها لا تستحق. بقي ينظر لها من خلف الزجاج الشفاف وشقيقه يفحصها. وعندما خرج سأله بصوت مختنق:
مين دي؟
قال حسن بحزن وشفقة:
اسمها سارة. جت من كام يوم وحالتها كانت خطر خالص. نجت بمعجزة. بس للأسف...
سأله على الفور:
للأسف إيه؟
قال حسن بأسف:
العمود الفقري عندها فيه ضرر كبير. احتمال إنها متقدرش تقف على رجليها من تاني كبير أوي.
سأله بجدية يخفي بها صدمته مما استمع له:
محدش من أهلها معاها؟
نفى برأسه قائلاً:
لأ، هي جاية تبع مدير المستشفى. المطلوب نعالجها من غير ما نسأل عن حاجة. وهو بيتابع من بعيد لبعيد، الظاهر قريبة.
ثم تابع بتعجب:
مالك مهتم كده؟
نفى برأسه قائلاً بهدوء واضح:
مفيش، مجرد فضول.
أومأ برأسه قائلاً:
طب يلا بينا خلينا نمشي.
ذهب برفقته بعدما ألقى نظرة أخيرة عليها، وهو يبغض ذلك الشعور الذي تملكه بعدما رآها. شعر بالحنين والاشتياق والحزن عليها. وكم يبغض ذلك. كيف له أن يشعر بكل هذا نحوها بعد ما فعلته به!
بينما بقصر الجارحي.
كانت حياة تجلس معهم على طاولة الطعام، تعبث بطعامها دون أن تتناول منه أي شيء، كحالها من الصباح. لم تتناول طعام الإفطار أيضاً، ولم تكن لديها أي شهية، وهي ترى نفسها تجلس وحيدة على طاولة الطعام بدون أشقائها.
استأذنت منهم ثم غادرت القصر بأكمله، تدور بسيارتها بالشوارع دون هوادة، حتى حل المساء. نسيت هاتفها بغرفتها، والجميع يتصل عليها لكن لا إجابة. قلق تملك منهم جميعاً وهم يبحثون عنها بكل مكان!
قادتها قدمها لتلك الفيلا التي كانوا يقيمون فيها قبل الانتقال لقصر الجارحي، والتي كانت مغلقة بقفل حديدي من الخارج. تملك مفتاحه، لكنها بدون حارس. دخلت للداخل وهي تنظر لزجاجة الخمر التي اشترتها، لعلها تنسيها لو قليلاً من ألم قلبها.
جلست أمام المسبح وأخذت ترتشف منها بشراهة.
رغم طعمه اللاذع، وكانت أول مرة تشرب بها.
بينما بدر كان يبحث عنها بكل مكان، وكذلك أدهم. بعد بحث كبير عنها والقلق ينهش قلبه، جاء للفيلا القديمة، وهو يتمنى أن يجدها. وبالفعل رأى سيارتها مصفوفة بالخارج، فترجل من سيارته على الفور، راكضاً للداخل. وما أن وقعت عيناه عليها، اقترب منها قائلاً بحدة من قلقه عليها:
إنتي هنا؟ عارفة بقالنا قد إيه بندور عليكي وإنتي...
في الآخر هنا.
سرعان ما توسعت عيناه بصدمة قائلاً:
إيه ده؟ بتشربي!
جلس بجانبها قائلاً بقلق وهو يراها تنظر للفراغ بشرود بحالة يرثى لها:
حياة.
لم تجب، بقيت هكذا للحظات قبل أن تتحدث.
قائلة بحزن ودموع:
أول مرة يكونوا بعيد عني، حاسة إني وحيدة. كل واحد بقى ليه بيت وعيلة، وأنا لوحدي، وهينشغلوا عني كلهم.
نظرت له قائلة بدموع وألم:
هو أنا ليه بيحصل معايا كده؟ أنا وحشة.
نفى برأسه سريعاً قائلاً بحب:
إنتي أحسن واحدة في الدنيا، ومفيش حد أحسن منك يا حياة.
ابتسمت بسخرية قائلة:
إنت اللي بتقول كده؟ بعد اللي عملته معاك.
المفروض تكرهني.
ابتسم قائلاً بحزن:
عملتي إيه معايا؟ ما هو لو كل واحد رفضته واحدة بيحبها وكرهها، يبقى عمره ما يكون حب.
صمت المكان لدقائق، لتقطعه هي قائلة بصوت ثمل وحزن:
أقولك على حاجة وتصدقني؟
أومأ برأسه منصتاً لها باهتمام، لتتابع هي حديثها.
قائلة بدموع وحزن:
لما سافرت وحشتني أوي، وكنت حاسة بوحدة. كنت عايزة أكلمك وأقولك ارجع، بس... بس.
ابتسم بحب قائلاً بعتاب:
بس إيه يا حياة؟ مكالمة واحدة كانت كفاية، وكنتي هنلاقيني عندك على طول. عمري ما كنت هتأخر عنك أبداً، وهفضل طول العمر مستنيكي.
ارتعش جسدها من البرد، لتحاوط بيدها جسدها.
قائلة بحزن:
كنت خايفة.
سألها بتعجب:
خايفة من إيه؟
نظرت له قائلة بحزن:
لو كلمتك أديك أمل على حاجة أنا مش عارفها. أنا مش عارفة أنا عايزة إيه يا بدر، مش عارفة أنا عايزة إيه ولا عايشة عشان إيه.
ثم تابعت بحزن وهي ترتشف من زجاجة الكحول التي بيدها:
عارف الراجل اللي كان بتهمني إني بروحله.
أخذ الزجاجة من يدها يبعدها بعيداً عنها، ثم نظر لها باهتمام، لتتابع هي قائلة:
ده يبقى دكتور نفسي، كنت بتعالج عنده. سمع شوية كلام من واحد أول مرة يشوفه، ومسمعش مني. عمل زيه بالظبط.
قال بدر بتساؤل:
زي مين؟
ابتسمت بسخرية قائلة بوجع:
يوسف العمري. عارف، كنت عارفة إنه شبهه. مع ذلك فضلت أعافر وأنا من جوايا مش مرتاحة. خوفت أظلمه بحكمي عليه.
سألها بألم:
بتحبيه أوي كده؟
نظرت له للحظات قبل أن تجيب قائلة بحيرة:
مش عارفة. مش عارفة بحبه ولا بحبك. بس اللي أعرفه إن الأمان بحسه معاك يا بدر.
نظرت له قائلة بثمالة:
خليك جنبي.
ابتسم قائلاً بحب وصدق:
بدر جنبك طول الوقت، ورهن إشارة منك.
ابتسمت بسخرية قائلة:
بتحبني ليه؟ إيه اللي فيا يتحب؟ واحدة معقدة تايهة.
مش عارفة هي عايزة إيه.
تنهد بعمق قائلاً بعينين تلمعان بحب صادق نابع من قلبه لها وحدها:
الصراحة مش عارف. حبيتك من أول ما شوفتك من غير سبب. عنيا أول ما شافت عيونك أول مرة، وأنا حسيت إني لقيت اللي فضلت أدور عليها من كل البنات. بس اللي أعرفه إني مينفعش ما أحبكيش.
ارتعش جسدها مرة أخرى من البرد قائلة بدموع:
هتفضل جنبي؟
هفضل جنبك لآخر العمر. بحبك يا حياة. بدر.
أغلق سحاب سترته من الأمام حتى يدفئها أكثر. كان الاثنان قريبان من بعضهما للغاية. هي ثملة لا تعي ما تفعل أو ما تقول، بينما هو لم يكن بحال أفضل منها. يكفي النظر لعيناها التي لم يرى أجمل منها بحياته، حتى يثمل هو الآن أمام خيارين: أن يكون خائناً للأمانة، أو يقتنص قبلة من تلك الشفاه التي منذ أن وقعت عيناه عليها وهو يتمنى تذوقها، وهي أبداً لن تمانع. وهو ليس بسيدنا يوسف حتى لا يضعف!
بينما بنفس الوقت بقصر العمري.
كان إلياس يجلس مع الجميع قائلاً باقتضاب:
أنا قررت أتزوج!
رواية ضحايا الماضي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شهد الشوري
تخلص من سترته على الفور، يساعدها بأن ترتديها فوق ثوبها الخفيف ذي الحمالات الرفيعة.
قائلاً بحب وصدق:
"هفضل جنبك لاخر العمر، بحبك يا حياة بدر."
أغلق سحاب سترته من الأمام حتى يدفئها أكثر. كان الاثنان قريبان من بعضهما للغاية. هي ثملة لا تعي ما تفعل أو ما تقول، بينما هو لم يكن بحال أفضل منها. يكفي النظر لعيناها التي لم يرى أجمل منها بحياته حتى يثمل هو. الآن أمام خيارين: أن يكون خائنًا للأمانة، أو يقتنص قبلة من تلك الشفاه التي منذ أن وقعت عيناه عليها وهو يتمنى تذوقها. وهي أبدًا لن تمانع، وهو ليس بسيدنا يوسف حتى لا يضعف.
انتفض واقفًا، متغلبًا على رغبته. لن يفعلها. هي لم تبح له بحبها، وربما لم تشعر نحوه بيوم من الأيام. لذا لن يأخذ شيئًا يمكن أن يكون بيوم من الأيام ملكًا لغيره. وفوق كل هذا، لن يخون الأمانة. لن يقع بذلك الخطأ. انحنى ثم حملها بين يديه مغادرًا المكان. بينما هي ظلت تهذي ببعض الكلمات حتى غفت. وما إن وصل لقصر الجارحي، تقابل بسليم الذي ما إن اقترب منهم اشتم رائحة الخمر تفوح منها، ليسأله بصدمة:
"شاربة؟"
أومأ له بدر بتوتر، ثم أخبره أين وجدها. وصعد لغرفتها ثم دثرها بالفراش وغادر الغرفة وعقله لا يتوقف عن تذكر ذلك الحديث الذي دار بينهم.
***
بينما بقصر الجارحي:
كان أول من تحدث جمال، قائلاً بتعجب:
"تتجوز مين؟"
صمتت للحظات قبل أن يقول بجمود:
"هند بنت الدكتور منصور جارنا."
مازن شقيقه باستغراب:
"اشمعنا؟"
إلياس بسخرية:
"هو إيه اللي اشمعنا؟ أظن إن جي الوقت اللي أتجوز فيه وأكون عيلة، ولا مش من حقي؟"
مازن بسخرية مماثلة:
"طب وج حياة اللي كنت عمال تجري وراها إيه النظام؟ مش ناوي تتجوزها؟"
إلياس ببرود يعكس النيران التي تشتعل بصدره من الغضب والغيرة كلما يتذكرها أو يتخيلها بأحضان رجل آخر:
"متنفعنيش ولا تلزمني."
سعاد بتعجب:
"طب اشمعنا هند بالذات؟ ما إحنا ياما اتحايلنا عليك تتجوزها زمان ورفضت."
ضحك قائلاً بسخرية:
"على الأقل هتكون أحسن من حياة."
تدخل يوسف بالحديث قائلاً بحدة:
"أنا بنتي مش أحسن من حد يا إلياس، ولم تجيب سيرتها تتكلم عدل."
إلياس بتهكم:
"بتدافع عنها على أساس إيه يا عمي؟ تعرفها أو عيشت معاها عشان تعرف أخلاقها؟"
يوسف بحدة:
"بلاش ترمي بالكلام، يا تقول اللي عندك ضهري ومن غير لف ولا دوران، يا أما تسكت."
إلياس بسخرية:
"يبقى اسكت أحسن يا عمي، لأن كلامي مش هيعجبك ولا هيعجب الموجودين."
زفر يوسف قائلاً بغضب:
"يبقى أحسن."
صمت عم المكان للحظات، قاطعه إلياس قائلاً بجمود قبل أن يصعد لغرفته:
"أنا كلمتهم وخدت ميعاد، نزورهم بكرة بليل."
***
بغرفة جمال وفرحة:
كانت تحدثه قائلة:
"عارف يا جمال..."
نظر لها لتتابع هي:
"حياة بحبها وكل حاجة، وبحسها بنتي، بس..."
نظر لها قائلاً بتساؤل:
"بس إيه؟ أنتي فرحانة إنه مش هيتجوزها؟"
أومأت له قائلة:
"الصراحة آه. حياة بعد اللي شافته، آسفة في اللي هقوله، بس معقدة ومش هتريح ابني وهيتعب معاها، و..."
قاطعها قائلاً بحدة:
"هو الجواز عشان ابنك يرتاح بس؟ أنا وإنتي عارفين إن طباع ابنك صعبة، يعني اللي تتجوزه لازم يريحها زي ما هي هتريحه، مش عشان هو يرتاح بس."
زفرت قائلة بضيق:
"معرفش بقى يا جمال، مش شايفة إنها مع ابني وكويس إنها جت منه لأني كنت هتحرج أرفض ومش هبقى موافقة ع الجوازة من جوايا."
ثم تابعت بتساؤل:
"هي عندك مش عاجباك ولا إيه؟"
زفر جمال قائلاً بضيق:
"البنت كويسة ومفيهاش حاجة، بس قلبي بيقولي إن ابنك ليه غرض تاني غير الجواز والاستقرار اللي طلع بيهم فجأة."
فرحة بدفاع عن ابنها:
"بلاش تظلمه، إحنا مدخلناش جواه."
جمال بضيق:
"ابنك كان رافض هند وريقنا نشف من الكلام معاه عشان يتجوزها، ودلوقتي فجأة حلت في عينه. في حاجة في دماغه، وقلبي حاسس إنه واخدها كبري، شكله هيظلم البنت معاه يا فرحة."
فرحة بنفي وبالطبع دافعت عن ابنها:
"لا ظلم ولا حاجة. هو الجواز لعبة ابني، أكيد عارف كده كويس وفكر قبل ما ياخد القرار ده. ويمكن عشان الممنوع مرغوب، هو كان رافض لما كنا بنتحايل عليه، ولما سكتنا هو بقى عايزها."
تنهد قائلاً بتمني:
"ربنا يخلف ظني يا ستي، وتطلع غلطان."
انتهى الحديث بينهم لهنا، لكنه لا يشعر بالارتياح لقرار ابنه المفاجئ.
***
في صباح اليوم التالي:
"إيه اللي جابني هنا؟"
قالتها حياة بألم وتضع يدها على رأسها الذي يؤلمها وبشدة، وتنظُر لغرفتها باندهاش.
نهضت بصعوبة وارتدت ثيابها. وما إن خرجت من غرفتها، وجدت بدر كاد أن يطرق بابها. ألقى عليها الصباح قائلاً بهدوء:
"دماغك وجعاكي مش كده؟"
أومأت له قائلة باستغراب:
"عرفت منين؟"
وضع بيدها كوب حليب ومعه دواء مسكن قائلاً بعتاب:
"بعد الشرب اللي شربتيه امبارح لازم ده اللي يحصل."
تناولتهم منه قائلة بتساؤل:
"عرفت منين إني شربت وإيه اللي جابني هنا؟"
سألها بتوتر:
"إنتي مش فاكرة اللي حصل امبارح؟"
نفت برأسها ليعاتبها قائلاً:
"غلطي أوي يا حياة لما شربتي امبارح..."
لكن جاء صوت سليم مقاطعًا حديثه قائلاً بصرامة:
"تعالي ورايا ع المكتب يا حياة."
ذهبت خلفه، وما إن دخلت لمكتبه، ضرب سليم بغصاه التي يستند عليها في سيره قائلاً بغضب:
"إزاي تشربي الزفت ده وتحطيه في بؤك، يا مؤمنة ياللي بتصلي؟"
لم تجب، واخفضت وجهها أرضًا ليصرخ عليها بغضب:
"ما تنطقي!"
لم تجب أيضًا، ليتابع هو قائلاً بحدة:
"ده محدش من إخواتك الرجالة عملها، تيجي إنتي وتعمليها؟ وأهو شفتي أدهم بيدفع التمن لمجرد إنه شرب الزفت ده."
اخفضت وجهها بخزى، وهو يتابع توبيخه لها:
"في بيت لوحدك وسكرانة؟ ما خوفتيش يحصلك حاجة وإنتي ولا هتبقى دريانة؟ مخوفتيش من ربنا؟"
تنهدت قائلة باعتذار وخزى:
"كلامك كله صح يا جدو، أنا آسفة."
زفر بضيق قائلاً:
"مكنتش متخيل إنك ضعيفة كده عشان يوصل بيكي الحال إنك تشربي الهباب ده."
وقف مقتربًا منها قائلاً برفق:
"أنا عارف كل حاجة، وعارف اللي عمله الزفت إلياس معاكي. انسيه يا بنتي، ده مينفعكيش. عارف إيه قلتله يبعد عنك وحذرته من كده، وقلتله إنك مش هتبقي ليه. قال إيه؟"
نظرت له، وبداخلها أرادت أن تسمع رده التي كانت متأكدة أنها ستجرحها، لكنها بحاجة لتلك الكلمات حتى تكرهه أكثر وأكثر:
"قالي خليهالك، هو باع يا بنتي، وافتكري دايما اللي يبيعنا عمرنا ما نشتريه أبدًا."
أومأت له قائلة بجدية:
"مش محتاج تقولي الكلام ده يا جدو، من اللحظة اللي اتهمني فيها بكلامه أنا طلعته من حياتي، وأنا اللي مش عاوزاه أصلًا، ولا اشتريته من الأساس، ولا وعدته بحاجة، ولا قلتله كلمة واحدة تبين ليه إني بحبه. يعني هو مش من حقه يتهمني ويقول إن خاينة في كل حتة."
أومأ لها بصمت، لتقبل جبينه ثم يده قائلة باعتذار:
"حقك عليا، وآخر مرة تحصل."
أومأت له قائلاً بتحذير:
"آخر مرة يا حياة، اللي حصل ده يتكرر."
أومأت له قائلة بوعد:
"أوعدك آخر مرة."
ثم غادرت لغرفتها تحاول أن تتذكر ما حدث أمس.
***
بعد وقت:
كانت تجلس ببهو القصر في صمت، تنظر للفراغ بشرود. لم يقاطع شرودها سوى صوت بدر الذي جلس بجانبها قائلاً:
"ناوية تعملي إيه؟"
نظرت له بعد فهم قائلة:
"أعمل إيه في إيه؟"
"في حياتك."
صمتت للحظات قائلة:
"هرجع لندن."
قطب جبينه قائلاً بتساؤل:
"ليه؟"
تنهدت قائلة وهي تحاوط قدمها بيدها:
"حياتي كانت هناك، أنا يدوب كنت نازلة هنا لهدف حققته خلاص، هقعد أعمل إيه؟"
أومأ برأسه قائلاً بهدوء:
"إنتي عايزة ترجعي لندن عشان تهربي، مش عشان حياتك هناك."
نفت برأسها قائلة بتوتر:
"مش صح."
تنهد قائلاً بتصميم:
"لأ صح..."
قاطعته قائلة بحدة وصوت عالٍ من توترها:
"فرضًا إنه صح، يخصك إيه؟ حياتي وأنا حرة فيها، خليك في حالك، أنا مش ناقصة وجع دماغ وأسئلة عم..."
قاطعها قائلاً بحدة وغضب:
"حياة."
زفر بضيق قائلاً:
"بلاش طريقة كلامك دي معايا، وبلاش تعلي صوتك عليا. مش معنى إني بكلمك بهدوء وبآخد وأدي معاكي، هسمحلك تتجاوزي حدودك معايا. كان ممكن تقولي إنك مش حابة إنك تتكلمي في حياتك معايا، وكنت هسكت."
وقف قائلاً بجدية:
"لكن تتكلمي بالأسلوب ده مش هقبله. بعد كده مش هتدخل في حاجة تخصك طالما بتضايقي كده."
"عن إذنك."
ثم صعد لغرفته مرة أخرى. أخذت تلوم نفسها على ما قالت. مرت دقائق وصعدت لغرفته. طرقت الباب لحظات وسمح لها بالدخول. ما إن دخلت، رأته يجلس على أحد المقاعد الموجودة بزوايا الغرفة، يضع حاسوبه على قدمه، يبدو أنه يتابع عمله.
اقتربت حتى وقفت أمامه قائلة بحرج:
"بدر."
لم يبعد نظره عن الحاسوب قائلاً باقتضاب:
"خير."
تنهدت قائلة بتوتر:
"أنا آسفة، حقك عليا."
لم يجيب عليها لتتابع هي حديثها قائلة:
"متبقاش قموصة بقى، مكنتش كام كلمة قولتهم في لحظة غضب مني."
لم يجيب، لتعتذر مرة أخرى قائلة:
"أنا مقصدش والله أتكلم معاك بالأسلوب ده، بس كنت متعصبة، والصراحة بقى أنا اتوترت لما إنت قولت إن بكذب، لأن دي الحقيقة."
تنهد قائلاً بهدوء ولم ينظر لها:
"حصل خير. مش هضايقك بأسئلتي تاني. حياتك وإنتي حرة فيها."
أغلقت شاشة الحاسوب الذي أمامه قائلة:
"مش بتضايقني أسئلتك يا بدر، أنا بكون معاك على طبيعتي وبتكلم معاك زي ما بتكلم مع إخواتي، وبكون معاك صريحة في الكلام."
نظر لها بهدوء لتتابع هي بيأس:
"متزعلش مني، أنا آسفة، حقك عليا."
ابتسم قائلاً بهدوء:
"مش زعلان خلاص."
ابتسمت قائلة بمرح:
"بمناسبة الصلح، اسأل براحتك يا سيدي."
ضحك بخفوت قائلاً:
"عايزة تهربي من إيه؟ من إلياس؟"
تنهدت قائلة بهدوء:
"هو سبب من الأسباب، لكن أنا بجد مش قادرة أستنى هنا في مصر. كل اللي ليا فيها ذكريات توجع القلب وبس، واتحججت بالسفر عشان أبعد عن هنا، رغم إني مقدرش أبعد عن إخواتي."
صمت لدقائق ثم نظر لها قائلاً بعد تفكير:
"تسافري نيويورك معانا، ومنه تكملي دراستك وتبعدي عن هنا، ومنه بردو متبقيش لوحدك في بلد غريب. ده مجرد اقتراح، فكري، والصراحة أنا شايف إنه حل مناسب، لأني أكيد محدش من إخواتك هيبقى مأمن إنك تسافري لوحدك، حتى جدي سليم نفس الكلام."
نظرت له بصمت ليتابع قائلاً:
"فكري وقرري اللي عاوزاه."
***
باليوم التالي أشيع على كافة مواقع التواصل الاجتماعي خبر ارتباط رجل الأعمال إلياس العمري بابنة الطبيب الشهير "هند منصور".
ابتسمت حياة بسخرية وهي تغلق هاتفها وتلقيه بجانبها، وهي تعلم لما اتخذ تلك الخطوة.
***
تمر الأيام ببطء شديد على البعض، حتى مضى شهر كامل ليعود كلا منهم وعروسه من شهر العسل.
في صباح اليوم التالي كانت هنا تجلس بغرفتها برفقة زوجة خالها قمر التي جاءت لها بكأس حليب.
يدور بينهم الحديث كالتالي:
قمر برفق:
"يا بنتي استهدي بالله، ذنبه إيه اللي في بطنك ده؟ طفل و لازم يتربى في حضن أمه وأبوه."
هنا بتصميم:
"ده آخر كلام عندي يا مرات خالي، في ولاد كتير بيتربوا بين أب وأم منفصلين، ومفيش حاجة بتحصل."
تنهدت قائلة بجدية:
"أنا وأدهم الحياة بينا بقت مستحيلة خلاص، وأنا مش هاخد ابني وأعيش آخر الدنيا. أنا عايشة هنا بينكم، وابني هيتربى وسطكم، مش في بيت حد تاني."
قمر برجاء:
"بس بردو هيأثر على نفسية الولد يا بنتي. أدهم ندمان، ادي لنفسك فرصة معاه عشان خاطر ابنكم."
هنا بنفي وحزن:
"فكرت ومش هقدر يا مرات خالي."
حاوطت جنينها بيدها قائلة بحزن:
"أنا مش هرجع لأدهم غصب، وعشان سبب تاني. أول مرة ابنك أجبرني أتجوزه، ودلوقتي لازم أرجعله عشان خاطر ابني مجبورة. مش هيحصل، وابني هعرف إزاي أعوضه ومش هحسسه بفرق، وأدهم كمان هيبقى موجود في حياة ابنه. لو رجعت لأدهم، وبيني وبينه المشاكل، مش بعيد نسبب مشاكل نفسية للولد أكتر."
تنهدت قمر قائلة بحزن:
"ربنا يهديكم يا بنتي."
***
بينما بمستشفى الجارحي:
كانت سارة تجلس صامتة على فراشها، تنظر للغرفة حولها بقهر وتحسر على ما أصبحت عليه الآن.
سمعت صوت الباب يفتح، التفتت لترى من، لتقع عيناها على آخر شخص توقعت رؤيته قائلة:
"عمر؟!"
نعم، هو. بعد أيام قضاها في التفكير قبل أن يأتي لها. لم يطاوعه قلبه على تركها بتلك الأزمة، بالرغم مما فعلته به ومعرفته بسبب تواجدها هنا.
ابتسم بسخرية قائلاً:
"حمد الله ع السلامة."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه قائلة:
"جاي تشمت فيا مش كده؟"
ضحك بخفوت قائلاً بتهكم:
"أشمت فيكي ليه؟"
نظرت له قائلة بغرور:
"عشان اللي عملته فيك زمان، بس كان حتة رهان. نظرتي مخابتش أبدًا. قولت لهم هجيبه راكع، وجيت راكع. لما كنت طلبت منك إيه، كنت بتعمله."
أشارت نحو إصبعها قائلة بإهانة:
"كنت زي الخاتم في صباعي."
ضحك بسخرية قائلاً:
"كنت بعمل كده حب، بس واحدة زيك متعرفش الحب ولا بتحس من أساسه عشان تعرف اللي بيحب بيعمل إيه."
رغم غضبها من إهانته، إلا أنها تصنعت البرود قائلة بتهكم وغرور:
"بس اللي عملته فيك حرقك أوي، عشان كده بعد السنين دي كلها جاي تشمت؟ لسه مش ناوي تنساني مش كده؟ عندك حق، سارة عمرها ما تتنسي يا عمر."
أومأ لها قائلاً بهدوء:
"هو من ناحية ما تتنسيش، فإنتي فعلاً ما تتنسيش."
شملها بنظراته باحتقار قائلاً:
"محدش أبدًا ممكن ينسى أحقر بني آدم بيقابله في حياته، ولا حد بالرخص ده."
صرخت عليه بغضب من إهانته:
"إنت اتجننت؟ اط..."
قاطعها قائلاً ببرود ولم يعطِ لها فرصة للحديث:
"اللي جابني مش إني محروق منك زي ما بتقولي، تؤ. أنا بس كنت زيارة هنا وشفتك وصعبتي عليا. أنا هنا شفقة مش أكتر. ملقتش حد معبرك، قولت أدخل أزورك. ده حتى بيقولوا زيارة المريض."
"عليه ثواب."
كورت يدها بغضب وصدرها، خاصة عندما تابع هو حديثه قاصدًا إيلامها والتقليل منها:
"عايزة الحق، واحدة زيك لازم تفضل لوحدها ومحدش يعبرها. هو في حد عاقل يستحمل يقعد معاكي؟"
تنهد قائلاً بضيق:
"سنين مغيرتش فيكي حاجة، زي ما إنتي بتقدرى تطلعي أسوأ ما في الواحد. بس الفرق إنك زمان كنتي بتشوفي نفسك بالفلوس. هتعملي إيه من غيرها دلوقتي؟ بقيتي لوحدك، لا فلوس ولا أصحاب ولا أهل ولا أي حاجة، آخرتك مرمية على سرير بين أربع حيطان."
كان صدرها يعلو ويهبط بانفعال، وهو مستمر في التقليل منها بكلماته والنظر لها باحتقار قائلاً:
"تتعظي؟ لأ، لسه فيكي جبروت وغرور."
صرخت عليه قائلة بغضب:
"بس كفاية، اسكت."
رفع حاجبه قائلاً بتهكم:
"أسكت ليه؟ مش هي دي الحقيقة؟"
صرخت عليه بغضب وانفعال:
"بقولك اسكت، اطلع بره يا عمر، بقولك اطلع بره."
ابتسم بسخرية قبل أن يغادر. وما إن أغلق الباب، استمع لصوت بكائها. كانت تبكي وتنتحب بقوة. ألمت قلبه الأحمق الذي حتى الآن لا يزال يحبها.
***
مرت وقت حتى وصل الجميع لقصر الجارحي. استقبلهم الجميع بترحيب حار، بينما حياة احتضنتهم قائلة بسعادة واشتياق:
"وحشتوني."
جذبها أوس معانقًا إياها قائلاً باشتياق:
"إنتي كمان يا حبيبتي، جايب لك معايا شوية هدايا هيعجبوكي أوي."
ريان بسخرية وهو يجذبها لاحضانه هو الآخر:
"مش لوحدك يا خويا، جايب هدايا أنا كمان."
ضحكت حياة بسعادة، ثم رحبت بزوجاتهم. مر وقت طويل قضوه مع الجميع، ثم غادروا للفيلا الخاصة بهم والقريبة من قصر الجارحي، وبعد إصرار ذهبت حياة معهم.
***
"أنا مش هسافر لندن."
قالتها حياة لإخوانها ما إن جلست معهم بمفردها.
أمير بسعادة:
"كنت متأكد إنك هتصرفي نظر عن الموضوع."
صمتت للحظات ثم قالت بتردد:
"هسافر عند جدو عاصم."
آدم بحدة:
"هو سفر وخلاص؟"
زفرت قائلة بانفعال:
"افهموني، أنا مش قادرة أستنى هنا، هما وإني أعيش هنا، آه بهرب، بهرب من كل الذكريات دي، بهرب من نفسي ومن الماضي. كل اللي عيشته في مصر هنا يوجع، ومليش ذكرى واحدة حلوة أستنى عشانها."
تنهدت قائلة باختناق:
"محتاجة أبعد فترة، هخلص دراسة وأرجع. مش عايزة أبعد عنكم، وفي نفس الوقت محتاجة أبعد عن هنا. ساعدوني وبلاش تصعبوها عليا."
نظرت لهم قائلة:
"مش عايزني أسافر وأقعد لوحدي عشان خايفين، أهو هسافر وسط عيلتنا بردو ومش هبقى لوحدي."
آدم على مضض وحزن على شقيقته:
"ماشي يا حياة."
تنهدت قائلة بهدوء:
"هسافر آخر الأسبوع ده."
***
مرت الأيام سريعًا، وقد جاء اليوم المحدد لسفرها برفقة بدر وعائلته. كانت تجلس برفقتهم بالمطار في انتظار موعد إقلاع الطائرة برفقة إخوانها أيضًا.
بينما على الناحية الأخرى، كانت ندا قد علمت ندا مصادفة ما حدث بين شقيقها وحياة من ريان.
تمسكت بهاتفها مترددة في إخبار إلياس حتى يلحق بها. بقيت هكذا لوقت، ثم حسمت أمرها وهاتفنه، ثم أخبرته بكل شيء علمته.
بحث سريعًا على مواقع التواصل عن اسم ذلك الطبيب الذي أخبرته به، وما إن ظهرت صورته اتضح له كل شيء. سرعان ما كان يركض للمطار ليلحق بها.
***
يركض هنا وهناك يبحث عنها بين وجوه الجميع. ما إن رآها تعبر تلك البوابة لداخل المطار برفقة بدر وعائلته بعد توديع من إخوانها، ركض سريعًا نحوها حتى يلحق بها، ولكن ما إن اقترب كانت هي دخلت للداخل. منعه آدم من الاقتراب قائلاً بحدة:
"خير؟"
نظر له قائلاً برجاء:
"حياة، لازم أتكلم معاها ضروري قبل ما تمشي."
ثم دفع آدم من أمامه ليتراجع الآخر عدة خطوات قائلاً بضيق:
"أوعى من طريقي."
عاد آدم من جديد يعترض طريقه قائلاً بغضب:
"حياة مسافرة خلاص، خد بعضك وامشي لو لسه عندك شوية كرامة عشان متزعلش."
إلياس برجاء:
"أنا عرفت كل حاجة وظلمتها، عارف، سيبني بس هكلمها دقيقتين مش أكتر."
ريان بحدة وغضب:
"لأ، وامشي من هنا بالذوق عشان أنا لحد دلوقتي عامل حساب إنك أخو ندا."
إلياس بغضب:
"مش همشي غير لما أتكلم معاها."
ضحك أوس بسخرية قائلاً وهو يشير للسماء لتلك الطائرة التي حلقت بالجو:
"ابقى اطلع كلمها فوق في السحاب."
ابتعد آدم عنه قائلاً بتحذير وغضب:
"ابعد عن أختي وطلعها من تفكيرك خالص. هي لو وافقت، لا أنا ولا هما هنوافق عليك، لأني لما أنوي أسلمها لراجل يصونها ويحطها في عينه، مش ليك."
أمير بسخرية:
"روح لخطيبتك يا عريس."
قالها ثم غادر برفقة إخوانها، وتركه ينظر للسماء بتحسر وندم. ولكن أبدًا لن يستسلم، سيفعل المستحيل حتى يصل لها ويطلب غفرانها.
.
.
بينما بسيارة أوس أثناء عودتهم، نظر لهم آدم قائلاً بتساؤل وتفكير:
"عرف منين إن حياة بريئة؟ وإزاي عرف إنها هتسافر النهارده بالذات وفي الوقت ده؟"
كل تلك الأسئلة جعلت ريان يفكر أنه من الممكن أن تكون ندا أخبرته بكل شيء. وها هو ما إن وصل للفيلا، صعد مباشرة لغرفته قائلاً بهدوء:
"رحتي قولتي لإلياس مش كده؟"
توترها وتهربها من النظر له جعلها يتيقن أنها من فعلت. ليصرخ عليها بغضب ونفاذ صبر:
"ما تنطقي!"
أجابته بخوف وتلعثم من نبرته العالية:
"ده أخويا."
ركل المقعد بقدمه قائلاً بغضب نادرًا ما يظهر عليه:
"أخوكي وأنا جوزك! فضفضت معاكي بكام كلمة تروحي تنقليهم ليه على طول؟ ويا ترى كنتي بتحكي إيه تاني ليه؟"
نظرت له قائلة بتبرير:
"ريان كفاية، ده أخويا، ومكنش ينفع أسكت وأنا شيفاه بيغرق، كان لازم أفوقه عشان يلحق..."
قاطعها قائلاً بغضب:
"فكرك لو كان لحقها، كنا هنسمح ليه؟ أخوكي لو آخر واحد على وش الأرض، أختي مش هتبقى ليه. أخوكي عمري ما هأمن على أختي معاه."
نظرت له قائلة بغضب:
"اشمعنا هو سلمك أخته؟"
صرخ عليها غاضبًا، بينما اجتمع كل من بالمنزل على صوتهم العالي، وقد خمن إخوانه ما حدث من حديثهم الذي وصل للجميع:
"لو كنت عملت اللي عمله مع أختي فيكي، ساعتها لا إنتي ولا هو هترضوا بيا. بس أخوكي من قبل ما أتجوزك، وهو كان رافض وواقفلي ع الواحدة عشان الجوازة تبوظ."
"أطلق سراحي وحرر قيودي، فأنا كالفراشة لا أتروض بين قبضتك، رقيقة..."
كور قبضة يده متابعًا بغضب:
"أخوكي أناني ومش بيحب غير نفسه. باللي عملتيه ده، تخليني أندم إني اتكلمت معاكي في حاجة، وكانت الأولى وهتبقى الأخيرة يا ندا."
قال الأخيرة ثم غادر الغرفة، بل القصر بأكمله، صافعًا الباب خلفه بقوة، رافضًا التوقف والاستماع لإخوانه، بينما الفتيات دخلن لندا التي انهارت بالبكاء فور أن غادر، ولحق الثلاثة بريان.
***
بتلك البناية التي تدل على ثراء من يسكن بها، بالطابق السادس، حيث نزل الطبيب عمر الذي يمكث فيه برفقة شقيقه الأصغر حسن ووالده.
قطب عمر جبينه عندما انتفض شقيقه حسن من جانبه على الأريكة بعدما جاءته تلك المكالمة الهامة، فسأله بقلق:
"حصل إيه؟"
أخذ متعلقاته قائلاً بسرعة قبل أن يغادر:
"لازم أروح المستشفى بسرعة. المريضة اللي كنت حكيت لك عنها قبل كده، حاولت تنتحر."
لحظات فقط يحاول أن يستوعب فيها ما قال، سرعان ما كان رغبة قلبه في الاطمئنان عليها تتغلب عليه ليركض خلف شقيقه، صاعدًا للسيارة بجانبه. قطب الآخر جبينه بتعجب عندما قال عمر:
"جاي معاك."
كان الآخر مندهشًا مما يفعل شقيقه، الذي صرخ عليه قائلاً بحدة من قلقه:
"إنت لسه هتتصدم؟ اطلع بسرعة."
نفذ ما قال، وتوجه الاثنان للمستشفى، الآخر يتملكه القلق والخوف، والآخر مندهش مما يحدث.
***
بعد وقت كان يدخل لغرفتها، بعد فحص شقيقه لها وتأكد من أنها بخير، فهي حاولت ابتلاع العديد من أقراص الدواء، لكن لحقت بها الممرضة
بآخر لحظة.
وقعت عيناه عليها، كانت تدفن وجهها بالوسادة، بينما صوت شهقاتها يملأ الغرفة، كانت تبكي بحرقة وجسدها ينتفض بشدة.
اقترب منها قائلاً بهدوء، ولم تخلو نبرته من الحزن:
"حاولتي تنتحري ليه؟"
انتحبت أكثر قائلة بصوت متقطع من كثرة البكاء، لينهش الألم قلبه على حالتها تلك:
"عايزة... أموت."
اقترب منها ثم جعلها تنظر له قائلاً بحدة:
"مش كفاياكي اللي عملتيه في دنيتك؟ عايزة تموتي كافرة كمان؟"
بكت أكثر قائلة بانكسار:
"الموت أهون من إني أعيش عاجزة ومرمية كده."
زفر بضيق، لم يعهدها يومًا بكل هذا الانكسار. قلبه الأحمق لا يزال يحزن لأجلها، لماذا يحبها وعلى ماذا لا يعرف.
تنهد قائلاً بحزن وحدّة:
"غيرك بيمروا بأصعب من كده وبيعيشوا حياتهم. ده عقاب ربنا ليكي ع اللي عملتيه في حياتك. احمدي ربنا إنك لسه فيكي نفس تقدري تتوبي وتغيري من نفسك قبل فوات الأوان، غيرك مبيبقاش عنده الفرصة دي."
أخذت تهذي بكلمات غير مفهومة بسبب البكاء، لكنه لم يستمع سوى:
"هما السبب."
زفر بضيق قائلاً بحدة:
"إنتي اللي وصلتي نفسك لهنا، بلاش تلومي حد تاني على غلطك إنتي."
نظرت له قائلة ببكاء وتوسل وهي تتمسك بيده، فقد كان يقف بجانب فراشها:
"أبوس إيدك يا عمر خرجني من هنا، أنا هموت لو فضلت هنا."
جذب يده من يدها وغادر الغرفة، صافعًا الباب خلفه بقوة. وما إن خرج، ارتمى على المقعد الموجود بجانب باب الغرفة يتنفس بعنف.
لما ظهرت بحياته الآن؟ لقد ظن أنه تجاوزها وتجاوز ذلك الماضي التي كانت أسوأ شيء فيها. تلك الحمقاء تظن أنها كسبت ذلك الرهان السخيف وجعلته خاتم بأصبعها، فقط لأنها استطاعت أن تؤثر عليه بأنوثتها الطاغية. تظن أنه من هؤلاء الرجال الذي يسيل لعابهم عند رؤيتها.
مخطئة. لقد جذبته من أول مرة وقعت عيناه عليها. لا يعرف لما، لكنها جذبت انتباهه منذ أول مرة. لقد كانت إحدى طلابه عندما كان يعمل بمجال التدريس الذي تركه بسببها.
كلما حاول تجاهل ذلك الشعور الذي ينمو بداخله يومًا بعد يوم، مذكّرًا ذاته بأنها لا تصلح له، يفشل ويزداد إعجابه بها يومًا بعد يوم، حتى أصبحت نظراته لها مكشوفة للعيان.
ليأتي ذلك اليوم الذي جاءت له وبدون مقدمات تعترف لها بأنها تحمل مشاعر نحوه. بقدر ما شعر بالتوجس من تلك الخطوة، إلا أن جراءتها أعجبته، ليخبرها بأنه الشعور بينهم متبادل.
تطورت علاقته بها يومًا بعد يوم، لا يمر يوم بدون أن يهاتفها، يخرج برفقتها لأماكن عديدة، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من يومه، ليستمر الحال بينهم لنصف عام. صحيح أنه رأى بها عيوبًا كثيرة تطغى على مميزاتها، لكنه كان يؤمن بأن الحب يكمن في تقبل بل حب عيوب شريكك قبل مميزاته، وأصدق حب هو عندما تحب شخصًا لا تعرف لماذا أحببته.
ليأتي ذلك اليوم الذي قرر فيه الاعتراف بحبه الصادق لها وطلبها للزواج. تفاجأ بها تخبره أن كل ذلك لم يكن سوى لعبة بينها وبين صديقاتها، إن كانت ستقدر على الإيقاع بذلك الطبيب الوسيم ذي الشخصية الجادة والصرامة مع الجميع.
ها هي استطاعت. لقد هشمت قلبه يومها وجعلته يرى كم كان أحمق. لم يتحمل تهامس الطلاب عليه ونظراتهم له التي تظهر له كم كان أحمق، لذا ترك مجال التعليم بالجامعة وافتتح عيادة خاصة به.
مرت سنوات وقد ظن أنه تجاوزها، لكن ما إن وقعت عيناه عليها، استعاد كل تلك الذكريات. المشاعر التي عادت تهاجم قلبه مرة أخرى. بين نارين الآن: يحتفظ بكرامته ويبتعد عنها، أم يساعدها ويضرب بكل شيء عرض الحائط؟
***
على الناحية الأخرى، بمكان يبعد عن القاهرة بكثير، بنيويورك، بصباح اليوم الذي يلي سفرهم، بتلك الفيلا الساحرة التي يقيم بها بدر وعائلته، والتي كانت جميلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
"بتعرف ترسم؟"
قالتها حياة لبدر عندما نزلت لحديقة الفيلا، لتتفاجأ بتلك الغرفة المحاوطة بزجاج شفاف، ولم تكن سوى مرسم مخصص له.
أومأ لها بابتسامة قائلاً:
"صباح الخير."
ردت الصباح عليه قائلة بابتسامة وهي تتأمل تلك اللوحات الجميلة التي رسمها. وقعت عيناها على دفتر كبير مخصص للرسم، التقطته وقبل أن يمنعها من فتحه، كانت فعلت هي بالفعل، لتتملكها الصدمة عندما رأت صورًا لها مرسومة بحرفية شديدة تكاد تكون حقيقية. صور كثيرة، تارة وهي تضحك، وتارة حزينة. بينما هو شعر بالحرج منها، لكنها تجاهلت الحديث عنه. فاغلقته ثم وضعته بجانبها، حتى تبعد عنه الحرج قائلة:
"أنا كمان بعرف أرسم."
قرب يده منها بالفراشاة قائلاً بتحدي:
"طب ما تورينا مواهبك."
نظرت له قائلة بابتسامة:
"بتتحداني يعني؟"
حرك رأسه بنعم. التقطتها منه ثم جاءت بمقعد وجلست بجانبه وبدأت بالرسم معه.
مر وقت والاثنان في اندماج تام. التقطت حياة أنبوب اللون الأسود ثم أخذت تفرغ منه القليل، لكن بدون قصد ضغطت على الأنبوب بقوة، ليتطاير ما به بالهواء، يصيب ملابس بدر ووجهه قليلاً.
شهقت بخفوت قائلة وهي تغمض عين وتغلق أخرى كالأطفال:
"آسفة."
تظر لها قائلاً بغيظ:
"قصداها مش كده."
نفت برأسها قائلة:
"لا، هقصدها ليه يعني؟"
رد عليها بغرور واهٍ وغيظ:
"عشان متغاظة إن برسم أحسن منك."
شهقت قائلة بغيظ:
"مستحيل، رسمي أنا أحسن طبعًا. أنا عارفة إنك أكيد متغاظ عشان رسم... هيي!"
شهقت بقوة عندما أفرغ عليها ألوانًا هو الآخر، لتنظر له قائلة بغيظ:
"قاصدها مش كده."
أومأ لها ببرود، لتقضم شفيتها بغيظ، ثم أخذت تفرغ عليها الألوان هي الأخرى، وكذلك فعل هو، لتبدأ حرب بين الاثنين. بدأت بغيظ ثم انتهت بمرح بين الاثنين، وسرعان ما تعالت ضحكاتهم بالمكان.
حتى قاطعهم صوت يعرفه بدر تمام المعرفة:
"إيه اللي بيحصل هنا؟!"
تنهد بدر قائلاً بابتسامة لم تصل لعينيه:
"إزيك يا نسرين."
اقتربت منه نسرين قائلة بصوت ناعم:
"مش كويسة خالص، وحشتني كتير أوي يا بدر. ما كنتش مصدقة لما مامتك كلمتني الصبح وقالتلي إنكم وصلتوا، جيت على طول جري."
ابتسم بدر بجفاء. لتلاحظ حياة أنه غير مرتاح بالحديث مع تلك الفتاة التي لم تشعر بالارتياح نحوها أيضًا.
نسرين بتساؤل:
"مين دي؟"
بدر بابتسامة ولمعة بعينيه لم تخفَ على نسرين التي استشعرت الخطر بوجود تلك الفتاة:
"حياة بنت عمتي، ودي نسرين جارتنا من زمان أوي، مصرية بردو."
ابتسمت حياة بمجاملة، بينما نسرين بادلتها نفس الابتسامة قائلة بمزاج ثقيل:
"مش كبرتي يا حبيبتي ع اللعب بالألوان؟"
اكتفت حياة بابتسامة باردة، ليتدخل بدر قائلاً:
"يا ستي إحنا عيال صغيرين وبنحب نلعب بالألوان، ملكيش دعوة، ويلا بقى سلام، هنروح ناخد شاور."
ثم جذب يد حياة وخرج من المرسم قائلاً بضيق:
"الله يسامحك يا ماما."
سألته حياة:
"هي مضايقاك ولا إيه؟"
أومأ لها قائلاً بضيق:
"جدا، خانقة. أصل الست الوالدة شايفاها عروسة مناسبة وبتعمل خطط ومؤامرات."
سألته بمرح:
"طب وإنت شايفها إيه؟"
نظر لها قائلاً بابتسامة ومغزى:
"أنا مش شايف غير واحدة بس."
تنحنحت قائلة بحرج وخجل:
"احم، هطلع آخد شاور، سلام."
قبل أن تصعد الدرج، أوقفها قائلاً بابتسامة:
"حياة، على فكرة شكلك وإنتي بتضحكي تحت أحلى بكتير من السكوت والحزن. مفيش حاجة مستاهلة تزعلي نفسك عليها وتضيعي دقيقة من عمرك من غير ما تكوني مبسوطة."
أعطته ابتسامة ثم صعدت لغرفتها، وتركه ينظر لأثرها بحب، ثم لحق بها هو الآخر لغرفته.
***
بينما بالقاهرة بقصر العمري:
كان صوت جمال الغاضب يرن بالأرجاء قائلاً:
"قولت عايز أخطبها، واتنيلنا خطبنهالك، ويفوت أقل من شهر وتروح تفسخ خطوبتك من البنت ببرود."
إلياس باقتضاب:
"مش بحبها."
جمال بغضب:
"هو إنت لسه متنيل عارف إنك مش بتحبها دلوقتي؟ يا أخي ده أخوك الصغير واختك أأاعل منك."
فرحة بعتاب:
"حرام عليك يا بني، البنت منهارة على الآخر."
تجاهل الحديث عن ذلك الموضوع قائلاً بهدوء:
"أنا مسافر بكرة، ومازن يتابع الشغل بدالي."
فرحة بتساؤل:
"مسافر فين؟ فهمنا يا بني، إيه اللي بيحصل؟"
قص عليهم ما حدث الأيام الماضية بخزى وحرج، ليضرب جمال يده بالأحرى قائلاً بسخرية:
"أنا مش لاقي حاجة أقولها. ده إنت تحرق الدم يا شيخ، أوعى من وشي."
***
ها هو ينفذ ما قال وسافر باليوم التالي إليها. وبعد بحث لم يستغرق وقت طويلاً، استطاع أن يجد مكانها، وها هو بطريقه إليها يحاول إيجاد كلمات اعتذار أو أي شيء يجعلها تسامحه، فما فعله لا يغتفر أبدًا.
بينما على الناحية الأخرى، كانت حياة تلهو مع ذلك الكلب ذي الجسد الضخم قليلاً، والخاص ببدر. صوت الضحكات يصدح بالمكان. سرعان ما اختفت الابتسامة من على شفتيهما عندما وقعت عيناهما على إلياس الذي نزل من سيارته أمام باب القصر الداخلي، وكاد أن يدخل، لكن اجتذبه صوت ضحكات عالية تأتي من جهة الحديقة، لتقع عيناه عليها برفقته، والاثنان يلهون معًا، وهي تضحك بقوة لم يسبق ورآها هكذا.
اقترب إلياس منهم قائلاً لها بتردد:
"أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا."
كاد بدر أن يغادر، لكنها تمسكت بيده قبل أن يغادر. لم تشأ أن تبقى مع إلياس بمفردها قائلة بهدوء:
"اتكلم، أنا بسمع."
ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر وتلثم:
"أنا جيت المطار بس ملحقتكيش... احم، أنا عرفت كل حاجة، ليه مفهمتنيش؟ مكنتش أعرف إنه... إنه."
ضحكت بسخرية قائلة:
"أنا اللي أعرفه إن اللي ما يعرفش حاجة بيسأل، مش بيحط قصة وهمية في دماغه ويصدقها ويعمل قاضي ويحكم كمان."
اخفض وجهه بخزى، لتسأله هي ببرود:
"جاي عاوز إيه؟"
تنهد بحزن قائلاً بتبرير:
"معنديش عذر، عارف، بس أنا سألتك، وكل مرة كنتي بتكدبي عليا. شوفتك بعيني، وكل مرة كنت أسألك تكدبي عليا."
نظرت له قائلة بصرامة، بينما بدر بجانبها، رغم ثباته الخارجي، إلا أنه بداخله يرتعب من الخوف:
"أكذب ولا لأ، أنا حرة. بتكدبني وتتهمني في شرفي وإني خاينة على أساس إيه؟ أديتك كلمة ولا وعدتك وعد؟ رايح جاي تشوه سمعتي قدام الكل، طب على أساس إيه؟"
اخفض وجهه قائلاً بخزى:
"كل اللي هتقوليه عندك حق فيه. أنا بس عايز فرصة تانية، صدقيني هصلح اللي حصل كله وهنسيكي اللي عملته. أنا عارف إن في مكان ليا في قلبك، وطمعان فيه المرة دي في فرصة أخيرة."
ضحكت بخفوت ثم قالت بتهكم:
"جايب منين الثقة دي؟ مين قالك إن في مكان ليا في قلبك؟ ولو فيه، عقلك صورلك إني ممكن في يوم أقبل بيك؟"
نظرت له باحتقار مثلما كان يفعل قائلة بسخرية:
"إذا كان وأنا بنت عمك قولت عليا الكلام ده، وكنت عمال تتكلم في شرفي على أساس قصة وهمية في عقلك، تفتكر أنا هأمن أكون مراتك؟"
كورت قبضة يدها بغضب قائلة بسخرية:
"يمكن الجملة الوحيدة اللي لسه بعمل بيها من كلام يوسف العمري، ولسه فكراها: اللي يبيعك، بيعه."
نظر له قائلاً بتوسل وهو يمسك يدها:
"حياة..."
قاطعته قائلة بصرامة:
"إنت بعت، وأنا مش بشتري اللي يبيعني، وكلمة أخيرة قبل ما تمشي، إنت بالذات يا إلياس، ولو آخر راجل على وش الدنيا."
أبعدت يدها بعيدًا عنها قائلة بنفور:
"متلزمنيش."
ثم دخلت للداخل، وخلفها بدر الذي عادت إليه أنفاسه من جديد، لقد شعر بالخوف للمرة الثانية
من أن يفقدها.
على الرغم من شعوره بالسعادة، إلا أن قلبه يؤلمه على الحزن الذي يسكن عيناها، والذي سيجاهد وسيبذل كل ما بوسعه ليخفيه من عيناها للأبد.
بينما إلياس غادر محني الرأس، محقًا بكل ما قالت، لا أحد يلومها، هو وحده المخطئ والملام الوحيد. لقد خسرها، لكنه سيبذل قصارى جهده ليحصل
على غفرانها.
***
بالطبع أخبر عاصم سليم بوجود إلياس وتحدثه مع حياة. سرعان ما علم إخوانها، وأخبرها أمير بكل شيء بأن ندا سبب معرفته.
***
ثلاثة أيام من التجاهل تمامًا بينه وبينها. هي لم تنس حديثه عن شقيقها وأنه لم يضع نفسه بمكانها، وهو يرى أنها تبوح بحديثه معها هكذا ببساطة. كلاهما محق، لكنه يرى الوضع من
ناحيته فقط.
تعالى رنين هاتفه وما إن أجاب، جاءه صوت حياة قائلة بضيق:
"مزعل مراتك ليه؟"
ابتسم بسخرية قائلاً:
"الأخبار لحقت توصلك؟"
تنهدت قائلة بضيق:
"وصلت وخلاص، ممكن أعرف بقى مزعلها ليه؟"
زفر بضيق قائلاً بسخرية:
"أكيد اللي وصلك الخبر عرفك السبب بردو."
"ريان."
زم شفتيه قائلاً بغضب:
"الهانم هي اللي عرفت إلياس كل حاجة، وجالك المطار و..." ثم قص عليها ما حدث بينهم.
لتعاتبه قائلة:
"بتلومها على إيه؟ اتصرفت طبيعي. أي واحدة مكانها بتحب أخوها مش هتحب تشوفه بيغرق، كان لازم أفوقه. وأنا لو مكانها كنت هعمل كده، حتى إنت لو مكانها كنت هتعمل كده وتتصرف زي ما هي اتصرفت."
زفر بضيق قائلاً بغضب:
"الغلط عندي من الأول إني اتكلمت معاها وفضفضت بكلمتين."
صمتت للحظات ثم تابعت قائلة:
"ريان، أنا من الأول كنت رافضة إنك تعرف أي حاجة من اللي عملها إلياس عشان كده. عشان الموضوع هيكون فيه حساسية ليك وليها. إنت غلطت وقلت كلام يوجع ليها، ده أخوها، يعني مهما حصل مينفعش تغلط فيه قدامها."
زم شفتيه قائلاً بضيق:
"أنا غلطت وهي مغلطتش."
تنهدت قائلة:
"إنتوا الاتنين غلطانين ومعاكم حق في نفس الوقت. إنت شايف الموضوع من ناحيتك إنت وبس، وهي نفس الكلام. لو كنت حطيت نفسك مكانها، وهي كمان عملت كده، كان الموضوع هيعدي."
ثم تابعت بضيق:
"بعدين هي قالتله متقولوش، ولا هيفرق معايا. بلاش تعمل مشكلة بينكم على مفيش، عاتبها وبلاش الزعل يكبر بينكم لحد كده على موضوع مش مستاهل، إنتوا لسه عرسان جداد."
صمتت لوقت قصير ثم سألته:
"هتصالحها؟"
أجابها باقتضاب قائلاً:
"إن شاء الله."
تنهدت قائلة بتصميم:
"ريان، روح صالح مراتك."
***
دخل للغرفة ليجدها كالأيام الماضية، تنام على الفراش صامتة، تغطي جسدها بأكمله حتى رأسها، تتهرب من النظر له والحديث معه أيضًا. وكذلك فعل هو، كان يتحرك في الغرفة بصمت، ويتنهى اليوم بينهم، كلاهما ينام ويعطي ظهره للآخر، وما إن يشعر بانتظام أنفاسها يجذبها لاحضانه.
جلس بجانبها على الفراش قائلاً بهدوء:
"ندا."
لم تجب، ليكرر النداء قائلاً بهدوء:
"ندا، قومي، أنا عارف إنك صاحية."
لم تستجب له، ليشعر بانتفاضة جسدها أسفل الغطاء ليعرف أنها تبكي. أزال الغطاء من عليها ثم جعلها تجلس أمامه قائلاً بعتاب:
"بتعيطي ليه؟ مين اللي المفروض يزعل من التاني؟"
أجابته ببكاء وهي تتحاشى النظر له:
"أنا مغلطتش، ده أخويا، لو كنت مكاني كنت هتعمل زي ما أنا عملت."
تنهد قائلاً بهدوء:
"الغلط مني ومنك، لا إنتي حطيتي نفسك مكاني، ولا أنا حطيت نفسي مكانك."
صمتت للحظات قائلة:
"هو أخوكي آه، بس أذى أختي، وإنتي طلعتي كلامي اللي قولته ليكي بره. لا أنا حطيت نفسي مكانك وقلت أخوها واللي عملتيه شيء طبيعي. ولا إنتي حطيتي نفسك مكاني بأن كلامي وغضبي ده كان بسبب أختي بردو اللي خايف عليها منه، واللي مش هقدر طول عمري أغفرله غلطته في حقها، وإني زعلت إن كلامي معاكي في لحظة فضفضة طلع بره."
نظرت له ليتابع بهدوء:
"أنا وإنتي غلطنا يا ندا."
أومأت له بهدوء، فهو محق. لتصمت لحظات قبل أن تقول باعتذار:
"عندك حق، أنا آسفة."
ابتسم قائلاً باعتذار هو الآخر بعدما قبل جبينها:
"أنا كمان غلطان، حقك عليا."
ابتسمت بهدوء، ليتابع هو قائلاً:
"ظروفي وأنا وإخواتي مع عيلة العمري، إنتي عارفاها صعب بعد السنين دي كلها يكون في تعامل بينا وننسى اللي حصل كده بسهولة، بس بحاول عشان كده. أنا عاوز أطلب منك طلب، أي حاجة تحصل معانا مش لازم تتحكي ليهم، ممدش زمان اهتم يسمع عننا حاجة، هيهتموا دلوقتي."
نظرت له قائلة بحزن:
"بس يا ريان، عني يوسف ندمان ونفسه..."
قاطعه قائلاً بغضب حاول التحكم به:
"يوسف العمري بالذات اسمه ممنوع يتذكر في البيت هنا. أرجوكي تتفهمي ده. أنا مشكلتي في قصر العمري معاه، ومع أخوكي، وسعاد هانم. متبقيش مستنية مني معاملة كويسة مع ناس أذوني أنا وإخواتي، وأنسى اللي حصل بسهولة كده وأتخطاه."
أومأت له بصمت وحزن، ليقبل يدها قائلاً بحب:
"أنا بحبك يا ندا، والله بحبك. وعارف إن كلامي دلوقتي ممكن يكون سبب شك ليكي إن مش بحبك، ويمكن عشان مش بقولها كتير، بس خليكي واثقة إني والله بحبك."
أومأت له بابتسامة، ليتابع قائلاً:
"مش عايز الخصام بينا يطول كده، ومش عاوز يوم ننام وإحنا زعلانين من بعض. عاوز قبل ما اليوم يخلص وقبل ما نحط دماغنا ع المخدة دي نحل اللي بينا."
اخفضت وجهها قائلة بحزن:
"كانوا أصعب تلات أيام عليا وإنت بعيد عني."
أجابها بحزن هو الآخر، أخرج من جيب سترته تلك العلبة القطيفة، ثم أخرج من ذلك الخاتم الألماسي ووضعه بيدها، قائلاً بحب:
"متزعليش مني عشان زعقت وإنا بكلمك أو قولت كلام يضايقك."
ابتسمت بسعادة، ثم ارتمت بأحضانه قائلة بسعادة:
"ربنا يخليك ليا، أنا بحبك."
بادلها العناق بسعادة وحب، وقضى الاثنان الليل، كلاهما ينعم باحضان الآخر، بعد ثلاثة أيام من الخصام.
***
بمنزل عمر، كان حسن يقص على والده تصرف عمر الغريب واهتمامه بتلك المريضة، قبل أن يسأل والده عن اسمها. تفاجأ الاثنان بباب الغرفة يفتح، يليه دخول عمر برفقة تلك الفتاة. انتفض والده ويدعى طه من مكانه قائلاً بصدمة:
"إنتي؟!"
رواية ضحايا الماضي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شهد الشوري
بمنزل عمر كان حسن يقص على والده تصرف عمر الغريب واهتمامه بتلك المريضة، قبل أن يسأل والده عن اسمها.
تفاجأ الاثنان بباب الغرفة يفتح، يليه دخول عمر برفقة تلك الفتاة.
انتفض والده ويدعى طه من مكانه قائلاً بصدمة:
"انتي!!!"
ثم تابع بغضب وهو ينظر لابنه مشيراً بيده على تلك الفتاة:
"انت جايبها هنا ليه؟"
دفع عمر الكرسي المتحرك التي تجلس عليه سارة نحو غرفته قائلاً لوالده بهدوء:
"لحظة واحدة يا بابا."
لحظات وعاد لهم قائلاً بهدوء:
"سارة هتقعد في شقتي اللي كنت هتجوز فيها فوق."
طه بغضب:
"بتساعدها؟ ناسي اللي عملته فيك؟ نسيت أن بسببها سيبت شغلك في التدريس عشان كلام الناس؟ نسيت عملت فيك إيه وخلت سيرتك على كل لسان في الجامعة؟ حنيت ليها؟"
تنهد عمر قائلاً بهدوء رغم ألم قلبه من حديث والده المحق بكل كلمة قالها:
"لأ مش ناسي يا بابا. بس بردو مش ناسي تربيتك لينا وهي أننا نساعد المحتاج، وهي طلبت مني مساعدة ومكنش فيه اللي يقف جنبها. كنت أعمل إيه يعني؟"
زفر طه بغضب، ليتدخل حسن بالحديث قائلاً بعدم فهم وضيق:
"فهموني إيه اللي بيحصل؟ انتوا تعرفوا سارة دي منين؟ إيه علاقتها بشغل عمر في الجامعة؟"
طه بغضب:
"ملهاش، ودلوقتي حالا يا عمر تروح ترجعها من مكان ما جبتها، انت فاهم؟ دي مش هتقعد في بيتي دقيقة واحدة."
عمر بهدوء:
"مقدرش يا بابا. أنا كل اللي هعمله هخليها تقعد في شقتي فوق وهكلم أم حمدي تقعد معاها وتراعيها. لا أنا هشوفها ولا حضرتك هتكون مجبور تشوفها ولا هتحس بيها أساسًا. هي فترة مؤقتة بس."
ثم تابع وهو يشير لغرفته التي هي بها الآن:
"زي ما انت شايف حالتها عاملة إزاي وهي لوحدها. مقدرش أسيبها كده خصوصاً أنها استنجدت بيا."
ثم تابع بسخرية:
"وجودها زي عدمه. متخافش مش هحن ليها، أنا بساعدها بس مش أكتر. هي هتفضل هنا بس ساعة والشقة فوق بتتنضف، بعدين هطلعها."
...
بالداخل كانت سارة تستمع لحديثهم، فكان صوتهم عالي. لتنفجر في بكاء مرير من الذل والانكسار.
التي تعيش بها الآن لا مكان لها لتذهب إليه، ليس لديها أحد، لا مال، لا عائلة، لا جمال. لقد ذهب كل شيء بلحظة، وكانت سبب نفور الجميع منها بسبب غرورها وعجرفتها مع الجميع، ولم تحسب حساب لهكذا يوم.
دخل عمر للغرفة ليجدها تضع يدها على وجهها تنتحب بقوة. سألها بجمود:
"بتعيطي ليه؟ مش عملتلك اللي عايزاه؟"
طالعته قائلة بانكسار وهي تشعر بالذل:
"مش عايزة كده."
سألها بضيق:
"اومال عايزة إيه؟ قولتيلي أطلعك من المستشفى وطلعتك. أعملك إيه تاني؟"
بكت بقوة، ليزفر بضيق ثم خرج وصفع الباب خلفه حتى لا يتأثر بدموعها التي لا يعلم إن كانت حقيقة أم كاذبة لتكسب تعاطفه ويعود لسابق عهده معها.
لا يزال قلبه ينبض بحبها، ولكنها خسرت ثقته بها.
مر وقت، وكان قد دفع المقعد الخاص بها لداخل المنزل الموجود بالطابق الذي يلي منزل والده. أخذتها منه أم حمدي وهي زوجة حارس البناية، ثم غادر المنزل.
ربتت أم حمدي على كتفها قائلة بمواساة وشفقة:
"ربنا يشفيكي يا بنتي."
ساعدتها على الاستلقاء بالفراش قائلة بحنان:
"تحبي تاكلي إيه النهاردة؟ الدكتور عمر مالي التلاجة كلها أكل وموصيني عليكي. نفسك في إيه؟"
أجابتها بحزن وعدم شهية:
"مش عايزة حاجة."
"ليه بس يا بنتي؟ ده انتي لازم تاكلي عشان الدوا بتاعك. ده انتي خارجة من عيا يجرالك حاجة."
بكت بقوة قائلة:
"ياريت وأموت وأرتاح."
ربتت الأخرى على كتفها قائلة باستنكار:
"تفو من بؤك يا بنتي بعد الشر."
ثم تابعت بحزن:
"بس متعيطيش، والله ما في حاجة مستاهلة تبكي عليها كده وتقهري نفسك."
.....
مر شهر على الجميع، كانت كلٌ منهم يعيش برفقة زوجته بسعادة. وأدهم توقف عن ملاحقة هنا التي أوضحت له أنها لن تعود له نهائياً، ولا يلتقي بها سوى عند ذهابها للطبيبة حتى تطمئن على جنينها.
بينما إلياس بعد ما أيام طويلة ظل يلاحق حياة التي كانت تتجاهله وتعاملة ببرود، واضطر للعودة لإدارة العمل، فشقيقه مازن لا يمكن أن يدير العمل بمفرده.
بينما سارة تعيش بمنزل عمر الذي لم تراه فيهم سوى القليل جداً، وكانت أم حمدي تعتني بها جيداً.
لم تسلم من كلمات والده طه السامة، الذي من الحين والآخر يصعد لها يخبرها بعدم رغبته ببقائها هنا. كانت تبتلع الإهانة والذل مرغمة، فليس لديها حل آخر.
بينما حياة كانت تجلس برفقة بدر الذي أصبح يشاركها يومها والجلوس بالحديقة كحالهم الآن بتلك اللحظة وعلى تلك المقاعد والكتب أمامهم على الطاولة، يساعدها في استذكار دروسها منذ بداية العام الدراسي الجديد. شيء أساسي كل يوم بعد عودته من عمله.
تجلس بجانبه وهو يختلس النظرات العاشقة لها من حين لآخر، حتى انتهى الاثنان. ليداعب هو أنفها بإصبعه قائلاً:
"شطورة ذاكرتي كويس."
سخرت منه قائلة:
"ناقص تقولي خدي حاجة حلوة مكافأة زي العيال الصغيرين."
تصنع التفكير قائلاً بمرح:
"فكرة مش بطالة."
سألته بغيظ:
"يعني أنا عيلة صغيرة؟"
ضحك قائلاً بمشاكسة:
"أنا مقلتش، انتي اللي قولتي."
نظرت له بغيظ، ليتابع هو بمشاكسة:
"خلاص يا صغنن متزعليش، بهزر."
ثم تابع بابتسامة:
"في حفلة شغل معزوم عليها بليل، إيه رأيك تيجي معايا وتغيري جو بدل ما أنتي من الجامعة للبيت والبيت للجامعة؟"
نظرت له قائلة بابتسامة صفراء:
"لأ، مش أنا عيلة صغيرة، هتاخد معاك عيلة ليه؟"
ضحك قائلاً بمشاكسة:
"طب ما دي الحقيقة."
وكزته بذراعه قائلة بغيظ:
"انت رخم؟ حد قالك كده قبلي؟"
ضحك قائلاً بمرح:
"يوووه كتير."
اعتدل قائلاً متابعاً حديثه بابتسامة:
"على فكرة مش بهزر، ياريت لو تيجي معايا."
بتلك اللحظة جاءت والدته صبا تضع القهوة أمامهم قائلة بابتسامة حنونة لحياة:
"القهوة يا حبيبتي، أساعدك في أي حاجة؟"
ابتسمت لها حياة قائلة:
"تسلم إيدك، مكنش فيه داعي تتعبي نفسك."
ابتسمت لها صبا قائلة:
"تعبك راحة يا حبيبتي."
ثم تابعت قائلة:
"بدر."
"نعم يا ماما."
ابتسمت قائلة:
"أنا كلمت نسرين وقولتلها تجهز عشان تروح الحفلة معاك بليل، ابقى عدي عليها."
زفر بضيق قائلاً:
"مين قالك تكلمي نسرين؟ بس وبعدين أنا هاخد معايا حياة."
ربتت على كتفه قائلة بلهفة:
"وماله يا حبيبي، روحوا سوا كلكم. نسرين كويسة أوي ومناسبة ليك، فكر..."
قاطعها قائلاً بملل:
"ماما."
نظرت صبا لحياة قائلة:
"طب اقنعيه انتي يا حياة، انتي اتعرفتي على نسرين، مش لايقين مع بعض ومناسبة ليه و..."
قاطعها بدر مردداً بضيق:
"خلاص يا ماما، هعدي عليها بليل."
غادرت صبا، بينما الاثنان ظلا في صمت طويل قطعته حياة قائلة بهدوء:
"على فكرة مامتك معاها حق. هو صحيح أنا مش بستلطفها، بس مامتك معاها حق، هي مناسبة جدا ليك و..."
قاطع حديثها ضحكة بدر الساخرة، لتسأله:
"بتضحك على إيه؟"
تنهد قائلاً بسخرية:
"مستغرب؟ كلامك معناه أنك بتحاولي تقنعيني أني أنساكي وأحب واحدة تانية. كأن النسيان بالساهل."
تنهدت قائلة بحزن:
"بدر، أنا قولتلك أنا مش هنفع ليك. قولتلك بلاش."
نظر لها قائلاً بانفعال:
"قولتيلي بلاش أحبك وبتلوميني دلوقتي على إيه؟ على حاجة مش بإيدي؟ بس عارفة لو بإيدي بردو كنت اخترت أحبك يا حياة."
أخفضت وجهها قائلة بحزن:
"بتحب وجع القلب."
امتدت يده يضعها أسفل وجهها ليجعلها تنظر له قائلاً بحب:
"محدش بيحب وجع القلب، بس لو منك انتي يا حياة. أه بحبه."
أشاحت بوجهها بعيداً عنه بخجل، ليسألها مرة أخرى:
"هتيجي معايا؟"
أومأت له برأسها، ثم صعدت لغرفتها، بينما جين كانت تقف من بعيد وبجانبها صبا بعد أن دار الحديث بينهم كالتالي.
...
ما أن دخلت صبا للداخل وجدت جين تجلس على المقعد ترتشف كأس العصير وهي تتابع التلفاز. اقتربت منها قائلة بحماس:
"كلمت نسرين عشان تروح حفلة بليل مع بدر."
وضعت جين الكأس من يدها قائلة بعتاب:
"صبا، انت مش شايف إنك بتتضغط على بدر؟ هي مش تحب نسرين."
صبا بحزن وحيرة:
"مش بيحب نسرين ولا بيحب غيرها ومش عايز يتجوز. نفسي أفرح بيه يا جين، ده بقى عنده تلاتين سنة، غيره متجوز ومخلف."
ربتت جين على يدها قائلة بابتسامة:
"هتفرح بيه قريب أوي صبا، بس استني شوية. بدر بيحب حياة."
صبا بصدمة:
"بيحب حياة!!!"
أومأت لها جين قائلة:
"بدر حكي كده ليه؟ حتى أنا لاحظت كده."
صبا بلهفة:
"طب ما يتقدملها ونجوزهم."
جين بغيظ:
"اوف اسكتي صبا، انتي مفيش في دماغك دي غير جواز جواز. في أهم."
صبا بتذمر:
"إيه الأهم من إني أجوز ابني وأفرح بيه؟"
جين بحزن من أجل حفيدها:
"حياة مش بتحب بدر صبا. بدر عايز يكسب قلبها."
صبا بصدمة:
"هو اتقدملها ورفضته؟"
أومأت جين لها، لتردد صبا بضيق:
"رفضت ابني."
تنهدت جين قائلة بحزن:
"صبا حياة مسكين وزعلان على طول، انت مش شفت نظرات الاتنين لبعض. هما بس محتاجين وقت شوية."
ثم وقفت وجذبت يد صبا للزجاج الشفاف الذي يطل على الحديقة قائلة وهي تشير لبدر الذي يضع يده أسفل وجه حياة والأخرى تشيح بوجهها بعيداً عنه بخجل:
"شوف حلوين مع بعض."
ابتسمت صبا قائلة بلهفة:
"طب ما نخطط ونقربهم من بعض."
جين بابتسامة:
"مش لازم. شوف هما يوم ويوم بيقربوا من بعض أكتر. هما بس احتاجوا شوية وقت صبا. احنا ممكن نساعد لو لازم، بس أهم حاجة تبطلي تضغطي على بدر بموضوع نسرين."
أومأت لها صبا قائلة بلهفة:
"أنا كنت عايزة أزوجه نسرين عشان مكنش فيه حد في حياته، لكن دلوقتي فيه وبيحب، يبقى خلاص."
.....
مساءاً كان الحفل بسيط يقام بفيلا خاصة بأحد رجال الأعمال الذي تم توقيع عقد عمل بينه وبين بدر، لذا أقام تلك الحفلة كاحتفال صغير.
كان يتحدث بدر مع أحد رفاقه ويدعى ماكس بأمور العمل، وتشارك حياة بالحديث، فهي عملت منذ سنوات قليلة بشركة شقيقها وتعرف جيداً بأمور العمل، خاصة وأن بدر يعمل بنفس المجال.
كانت نسرين تقف بجانبهم، وكلما حاولت لفت انتباه بدر لها تفشل كالمرات السابقة. كانت تنظر لحياة بغل وحقد وهي ترى ما جاهدت أن تفعله طوال تلك السنوات، تأتي تلك الفتاة وتفعله بتلك البساطة. لقد خطفت الأجواء من حولها بجمالها وذكائها بالعمل، لتصبح كل الأنظار عليها، وأولهم بدر الذي سعت كثيراً لتكسب قلبه ولتجعلها تلتفت لها ولو مرة واحدة.
كادت أن تطلب من بدر الرقص معها لتبعده عن حياة، الذي منذ أن جاء وهو لا يفارقها أبداً، لكن جاءت زوجة أحد رجال الأعمال المتواجدين بالحفل قائلة بدلال وصوت ناعم:
"Mr.
سيد بدر، هل يمكنك الرقص معي؟
اعتذرت منها نسرين قائلة بابتسامة صفراء:
Excuse me, Badr will dance with me
اعتذر، بدر سيرقص معي.
كان بدر ينظر للاثنتين وهما يتبادلان النظرات بشراسة، وكلاهما ترغب بالرقص معه. وبجانبه حياة التي شعرت بالضيق من هذا الموقف، ربما غيرة، لكن كيف وهي من المفترض أنها تحب إلياس!!
على غفلة، جذبها بدر من يدها لساحة الرقص متجاهلاً نسرين والمرأة. ثم رفع يدها على كتفه والتقط الأخرى بين يده، ثم وضع يده الأخرى على خصرها يتمايل معها على أنغام الموسيقى الهادئة.
في صمت، قطعته هي قائلة بتردد:
بدر
أجابها بتلقائية وبدون وعي:
عيونه
اخفضت وجهها بخجل وحرج، صمتت للحظات قبل أن تقول بحرج:
أنا مش ببقى قصدي كل شوية أرفضك، يعني ده مش تقليل منك. أنت غالي عندي أوي وعشان كده رفضاك، لإنِّي… لإنِّي شايفة إنك تستاهل الأحسن وتحب واحدة تقدر تسعدك ومت…
قاطعها قائلاً بابتسامة:
حد قالك تختاريلي؟
ضحكت بخفوت عندما تذكرت أنها قالت نفس الكلمة لريان: "محدش قالك تختارلها".
قطب جبينه قائلاً بتساؤل:
بتضحكي على إيه؟
تنهدت قائلة:
أصل أنا قولت نفس الكلمة لريان.
قولتيله إيه؟
ابتسمت قائلة باشتياق لهم:
قولتله محدش قالك تختار لندا.
ضحك بخفوت قائلاً:
طب مش عيب تقولي حاجة ومتعمليش بيها؟
نظرت له ليتابع حديثه مردداً بحب صادق:
محدش قالك تختاريلي، وقولتلها وهقولهالك تاني يا حياة، لو كل وجع القلب منك انتي، هحبه.
ابتسمت بخجل قائلة بصدق:
انت مفيش منك يا بدر. مثالي وراجل تتمناه أي واحدة في الدنيا.
ابتسم قائلاً بحب:
أنا مش مثالي، أنا بس عاشق.
تنهد ثم تابع مردداً بصدق وهو ينظر لداخل عينيها:
أي واحدة تتمناني، بس اتمنيتك انتي وبس.
كانت نسرين تقف تراقبهم بغضب وغل، تكاد تبكي من شدة القهر. من أين ظهرت لها تلك الفتاة حتى تخطف الوحيد من أحبته منها!!!
– إيه الجو الشاعري ده؟
قالها بدر بمرح بعدما دخل باب الفيلا هو وحياة ليرى جده عاصم يحتضن جين زوجته، وكذلك يفعل والده مع والدته أمام النيران التي تخرج من المدفأة، على وسائد بالأرض وصوت الموسيقى يصدح بالمكان، وكانت أغنية قديمة لعبد الحليم حافظ.
ثم تابع بمرح وهو يقترب منهم:
نجيب لمون وشجرتين.
عثمان بضيق:
بس يا ولد.
ضحك قائلاً:
طب راعوا إن فيه سناجل عايشين معاكم. الواحد جاله جفاف عاطفي يا ناس.
عاصم بسخرية:
روح اتجوز يا خويا وابقى اعمل زينا عشان ميجيش ليك جفاف عاطفي.
التفت بدر على الفور تجاه حياة قائلاً بهيام جعلها تخجل من الجميع:
هي بس لو تحن، أعملها من بكرة.
قاطع نظراته الهائمة بحياة التي تتحاشى النظر له بحرج وخجل والدته صبا قائلة بمشاكسة:
نسرين موافقة من زمان.
كتمت حياة ضحكتها عندما زفر بدر بضيق قائلاً بتذمر وغيظ:
الله يحرقها.
صبا بمشاكسة وضحك:
مالها بس نسرين دي كويسة جداً و…
قاطعها بدر قائلاً قبل أن يصعد لغرفته:
وأنا عايز أنام. تصبحوا على خير.
في صباح اليوم التالي، كانت تتحدث مع أشقائها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو، والأربعة مجتمعين بزوجاتهم.
ليقول أوس باشتياق ما إن ظهرت صورة شقيقته:
وحشتينا أوي يا حياة.
ابتسمت بسعادة قائلة:
انتوا كمان وحشتوني أوي. عاملين إيه؟
زينة بابتسامة وصدق:
فرحانين، بس الفرحة مش كاملة من غيرك.
أمير بحزن:
ما ترجعي بقى.
نفت برأسها قائلة بهدوء:
مش هينفع دلوقتي.
آدم بابتسامة:
حتى لو قولتلك خبرين حلوين.
سألته بفضول:
إيه هما؟
أوس ومهره بسعادة:
إحنا كمان عندنا خبر حلو.
أمير وفرح بوقت واحد:
إحنا كمان.
ندا وريان هما أيضاً:
إحنا كمان عندنا خبر حلو.
سألتهم بفضول:
طب ما تقولوا يلا، شوقتوني.
تنهد آدم قائلاً بشماتة:
محسن مات!!!
سألته بصدمة:
مات إزاي؟ لسه مفيش حكم صدر عليه.
أوس:
معروفة، كان هيبقى إعدام. كانت خناقة بينه وبين مساجين معاه، وواحد فيهم ضربه بسكينة.
ثم تابع بغل:
كان يستاهل موته أبشع من كده.
حياة بهدوء:
لسه اللي هيشوفه في آخرته. خلصنا منه خلاص الحمد لله.
صمت الجميع لدقائق. رغم سعادتهم بذلك الخبر، إلا أن جروح الماضي لازالت لم تشفى بقلوبهم. ذكريات ذلك اليوم مهما مر من العمر لن ينسوها أبداً.
سألتهم حياة بفضول:
طب إيه الأخبار التانية؟
آدم بتحذير:
هبدأ أنا الأول، أنا الكبير.
نظرت له حياة تستمع له بترقب، ليخبرها بابتسامة وهو يضع يده على بطن زينة:
جهزي نفسك، هتبقى عمته قريب!!!
شهقت حياة بسعادة وأخذت تصفق بيدها كالاطفال. ليقول أمير بسعادة هو الآخر:
فرح كمان حامل.
ضحك أوس قائلاً بسعادة:
مهره كمان حامل.
آدم بسخرية:
إيه يا ندا، مش حامل انتي كمان؟
أومأت ندا برأسها، ليضحك الجميع بسعادة. وحياة تراقبهم من خلف شاشة هاتفها بأعين دامعة من السعادة قائلة:
ألف مبروك يا حبايبي، يتربوا في عزكم يارب.
استمرت المكالمة بينهم لوقت طويل. وما انتهت، ابتسمت حياة بسعادة، ليأتي صوت بدر قائلاً بمرح:
ما تضحكيني معاكي.
صفقت بيدها قائلة بسعادة:
هبقى عمته.
ابتسم قائلاً بغزل:
أحلى عمته.
تنحنحت بحرج، ليسألها:
مين اللي حامل فيهم؟
ابتسمت قائلة بسعادة:
الأربعة.
توسعت عيناه بصدمة، سرعان ما ضحك بقوة قائلاً:
هما مظبطينها مع بعض ولا إيه؟
شاركته الضحك قائلاً:
شكلها كده.
دخل عمر المنزل بعد يوم عمل مرهق، ليتفاجأ بوالده أمامه قائلاً بغضب:
هتمشي إمتى؟ فات شهر وهي لسه فوق.
عمر بضيق:
أعمل إيه يا بابا؟ أروح أطردها وأرميها في الشارع؟
طه بغضب:
إيه مش هاين عليك؟ لسه بتحبها؟ فوق بقى وانساش دي تبقى مين. ولعلمك أنا سألت عليها، عرفت كل اللي عملته، وإن أمها ماتت إزاي، وإنها بنت حرام وسمعتها هي وأهلها سودا…
قاطعه عمر قائلاً بغضب:
مش بحبها يا بابا، بكرهها ومش بطيقها. أروح أولعلك فيها عشان تعرف قد إيه بكرهها. ارحمني بقى.
خرج من المنزل مرة أخرى بعدما استمع لكلمات والده السامة التي لا تنتهي منذ سنوات. قبل أن يغادر البناية، جاءه اتصال من أم حمدي تخبره برغبة سارة برؤيته والحديث معه. فصعد لها، وجسده بأكمله ينتفض من الغضب وكلمات والده ترن بأذنه. ما إن دخل للمنزل، اقتربت منه سارة بكرسيها المتحرك قائلة بحزن:
عمر، أنا آسفة على كل حاجة، وأسفة عشان وجودي هنا مسببلك مشاكل.
صرخ عليها بدون مقدمات بغضب:
انتي كلك على بعضك مسببالي مشاكل من يوم ما عرفتك، وأنا كل حاجة في حياتي بقت أسوأ ومش بيجي من وراكي غير وجع القلب وبس.
ظهرتي في حياتي تاني ليه؟ عايزة توصلي لإيه تاني؟ المرة دي هخسر من وراكي إيه تاني؟ أبويا بسبب وجودك بسمع منه كلام زي السم، وزمان نزلت في نظر طلابي وسيبت مجال التدريس بسببك، زمان وثقت فيكي وخيبتي أملي، زمان طلعتيني أهبل قدام نفسي وقدام الكل. أعدلك عملتي إيه فيا.
بكت بقوة وجسدها ينتفض بخوف. ليقترب منها قائلاً بغضب وهو يمسك يدها يحركها بغضب:
أنا بكرهك ومش طايق أشوف وشك، ولا طايق وجودك في مكان قريب مني.
نظر لدموعها قائلاً بسخرية وغضب:
بلاش دموع التماسيح دي. ما بقتش تأكل معايا. محدش عارفك على حقيقتك أدي.
قالها ثم غادر، صافعاً الباب خلفه بقوة. وتركها تبكي كحالها كل يوم منذ تلك الحادثة. كانت تبكي بصوت عالٍ، وأم حمدي تقف بعيداً ورأت واستمعت لحديث عمر الغاضب. اقتربت منها قائلة بشفقة:
بس يا بنتي، ما تعمليش في نفسك كده. ده دكتور عمر قلبه طيب، هو بس تلاقيه متعصب.
دفعت بكرسيها نحو غرفتها ودفعت الباب خلفها. تلتقط سماعة الهاتف المنزلي. لن تبقى هنا بهذا المنزل بعد الآن، حتى وإن بقيت بالشوارع. اتصلت بذلك الرقم الوحيد الذي تحفظه. لحظات وأتاها الرد، لتقول بدموع وصوتها يحمل رجاء بأن لا يخذلها:
بابا يوسف!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شهد الشوري
دفعت بكرسيها نحو غرفتها ودفعت الباب خلفها تلتقط سماعة الهاتف المنزلي، لن تبقى هنا بهذا المنزل بعد الآن حتى وإن بقيت بالشوارع.
اتصلت بذلك الرقم الوحيد الذي تحفظه، لحظات وأتاها الرد لتقول بدموع وصوتها يحمل رجاء بأن لا يخذلها:
بابا يوسف!!!
ميز صوتها على الفور ليسألها بجفاء:
عايزة إيه يا سارة؟
بكت قائلة بانكسار:
أنا مش عارفة أعمل إيه، محتاجالك أوي يا بابا عشان خاطري ساعدني، مليش حد ومش عارفة أتصرف إزاي بعد اللي حصلي.
يوسف بجفاء:
بعد اللي عملتيه في بنتي وولادي واللي عمله أبوكي وأمك ليكي عين تطلبي مني مساعدة؟
بكت قائلة بتوسل:
أنا مليش غيرك دلوقتي عشان كده كلمتك، إنت عارف كويس إني دايماً كنت بتعامل معاك كأنك أبويا الحقيقي، وبنتك محتاجة تقف جنبها لأنك كنت دايماً تعاملني كويس من لما كنت صغيرة وأنا مليش ذنب، إنت قلبك كبير و...
أجابها بجفاء:
أنا عندي بنت واحدة بس اسمها حياة، وغلطانة لو فاكرة إني عندي قلب، أنا نفسي كنت فاكر كده لحد ما عرفت الحقيقة، أنا واحد معندوش رحمة في قلبه عشان يعمل في ولاده اللي أنا عملته.
تنهد بحزن قائلاً بندم:
عملت في ولادي كل ده، مستنية مني أساعدك؟ ولادي اللي من دمي موقفتش جنبهم، هقف جنبك إنتي وإنتي اللي آذتيهم إنتي وأمك وأبوكي.
أجابته ببكاء وانكسار:
أبوس إيدك، أنا مليش حد، أنا محتاجة مساعدتك، مليش غيرك دلوقتي أطلب منه مساعدة، اقف جنبي لو لسه فاكر ليا أي موقف كويس معاك.
لم تسمع سوى تنهيدات تخرج منه، مرت دقائق في صمت لتتوسله مرة أخرى قائلة:
أرجوك.
زفر بضيق قائلاً بتردد:
إنتي فين؟
أخبرته بمكانها ليجيبها بتردد:
هبعتلك مازن وهو هيتصرف ويعمل اللازم.
ابتسمت بسعادة قائلة بامتنان:
شكراً، بجد شكراً أوي يا بابا يوسف.
أغلق الهاتف دون إجابة، ثم أخبر مازن الذي وافق على مضض مرغماً، بينما هو جلس على فراشه.
يتمنى حقاً أن لا يندم على ما فعل، كان حقاً يعتبرها ابنته، لكن ما فعلته هي ووالديها جعله كل هذا الجفاف بينهما.
بينما مازن فعل ما طلبه عمه، تلمعت عيناه بالشفقة.
عندما وقعت عيناه عليها وهو يراها تدفع بمقعدها المتحرك نحوه، والانكسار والذل يرتسم على ملامح وجهها، لطالما عهدها قوية، بل كان يرى أنه لا يوجد أحد يملك غرور مثلها.
ودعتها أم حمدي قائلة بحزن:
والله هتوحشيني يا بنتي، ابقي اسألي عليا وأنا هبقى أطمن عليكي من وقت للتاني، ربنا يحميكي ويكفيكي شر ولاد الحرام.
ابتسمت سارة بامتنان لها، فتلك المرأة حقاً من كانت تعاملها برفق وحنان، سواء بأفعالها أو كلماتها الحنونة بهذا المنزل.
بينما مازن كان يرمق الاثنين باندهاش، يتساءل أين سارة التي كانت لن تتوقف عن إلقاء نظرات الاحتقار لتلك المرأة والتقليل منها كعادتها مع الأقل منها شأناً، لكنه أخفى اندهاشه، يدفع بمقعدها لخارج المنزل وهي تضع على قدمها حقيبة ثيابها الصغيرة جداً.
ما إن وصلوا لخارج البناية، التقت بعمر، اخفضت وجهها قائلة بحزن وأعين دامعة:
شكراً ع الفترة اللي استضفتني فيها في بيتك، وأسفة لو كنت ضيفة تقيلة، عن إذنك.
سألها بجمود ظاهري:
هتروحي فين ومين حضرته؟
كاد مازن أن يجيب لكنها سبقته قائلة بهدوء:
متشغلش بالك، وشكراً مرة تانية.
قالتها وهي تدفع بقدمها للأمام، ساعدها مازن وأم حمدي لكي تركب السيارة، وهو يراقبها بحزن، يريد أن يمنعها من الذهاب، لكن لا يقدر. كلماته لها كانت قاسية، يعلم، لكنها ليست أقسى مما فعلت به.
بدون قصد، رفع رأسه لشوفة منزله، لتتقابل عينه بأعين والده، ليرى بهم شفقة وحزن.
صعد لأعلى بعدما ألقى نظرة على السيارة قبل أن تذهب، ثم صعد لأعلى ثم لغرفته على الفور، ليتفاجأ بوالده يجلس على فراشه قائلاً بهدوء:
تعالى اقعد.
قالها وهو يشير لمكان فارغ بجانبه على الفراش، جلس عمر بصمت، يتابع الآخر قائلاً بحنان:
أنا أب يا عمر، مش هبقى مبسوط وأنا شايف ابني بيعيد نفس غلط زمان تاني، مش هقدر أشوفك بتغرق نفسك وأقعد أتفرج.
تنهد ثم تابع مردداً بحزن:
أسلوبي كان وحش وخنقتك وكلامي كان قاسي، عارف، بس من خوفي عليك يا بني، طلعها من دماغك وحياتك، أنا عارف إنك لسه بتحبها حتى لو قلت العكس، إنت حاسس بيك.
ابتلع عمر غصة مريرة بحلقه، ليتابع والده بحزن:
بس الحب ده يا بني مؤذي ليك، وطالما بيأذيك يبقى تبعد، مجاش من وراه غير المشاكل وبس، خسرت كتير بسببها، مستني إيه تاني يحصل عشان تعرف إن واحدة زي دي مينفعش تتحب أصلاً، لو كانت تنفعك زمان فدلوقتي لا.
أومأ له عمر بصمت، ليغادر طه بحزن ويتركه يفكر بكلامه الذي وجده على حق، لكن يا ليت.
النسيان سهل.
بفيلا الادم بغرفة أوس ومهره.
كانت تتوسد صدره تسأله بتردد:
أوس.
ابتسم قائلاً وهو يعبث بخصلات شعرها النارية:
نعم يا حبيبتي.
سألته بتوتر:
إنت مش ملاحظ إن غريبة إن عمي ومراته وابنهم من ساعة ما جم وهددونا محدش فيهم لا بلغ ولا قرب مننا خالص؟ سكوتهم غريب.
ابتسم بمكر قائلاً:
لا غريب ولا حاجة.
اعتدلت تنظر له قائلة بشك:
إنت عملت ليهم حاجة؟
ضحك قائلاً بمكر:
عرفتهم بس مين هو أوس الجارحي، متشغليش بالك بيهم، هما دلوقتي قبل ما يقربوا منك هيفكروا ألف مرة إيه اللي ممكن يحصللهم.
سألته بتردد:
عملتلهم إيه يعني؟
جذبها لاحضانه مرة أخرى قائلاً:
قولتلك متشغليش بالك وارتاحي.
قالها وهو يغلق إضاءة الغرفة وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة، وهو يتذكر كيف منعهم من التوجه للقسم بمساعدة شقيقه أمير، واحتجزهم حتى تزوج منها، والضرب المبرح الذي أخذه عنها وابنه، بل وأخذ إمضت الاثنين قسراً على العديد من الشيكات حتى يفكر كلاهما قبل الاقتراب منها.
مرة أخرى.
في نيويورك.
كانت حياة تجلس بجانب بدر بسيارته تسأله بنفاذ صبر وفضول:
أنا عايزك تعرف إنت واخدني فين.
أجابها بابتسامة:
هتعرفي لما نوصل.
زمت شفيتها بضيق قائلة:
طيب معلومة حتى أخمن منها.
لاعب حاجبيها لها قائلاً بمشاكسة:
عايزة تعرفي رايحين فين؟
أومأت له بنعم، ليشير على وجنتها بإصبعه قائلاً بمشاكسة ومكر:
تديني بوسة وأقولك.
شهقت بخجل ثم وكزته بذراعها قائلة بغضب:
بس يا قليل الأدب.
ضحك بقوة وهو يتابع بطرف عينيه وجنتها التي اصطبغت بحمرة قانية بافتتان.
بعد وقت قصير توقفت بها أمام بناية فخمة، سألته بتعجب:
إحنا جايين هنا ليه؟
جذب يدها ثم دخل البناية قائلاً بهدوء:
هتعرفي دلوقتي.
صعد معها بالمصعد للطابق السادس، ثم أشار لباب منزل مفتوح، ومعلق بجانبه لوحة لعيادة طبيبة نفسية تدعى أميليا (Amelia).
نظرت له بصدمة، ليشير لها قائلاً بابتسامة:
خدتي الخطوة دي بس مكملتيهاش للآخر.
نفت برأسها قائلة:
مش عاوزة.
تنهد قائلاً بتساؤل:
إنتي خدتي الخطوة دي ليه يا حياة من الأول؟
أشاحت بوجهها، ليعيد السؤال مرة أخرى، اخفضت وجهها قائلة بصوت مختنق وهي على وشك البكاء:
كنت عاوزة أنسى وأعيش حياتي من غير خوف، عشان أقدر أحدد أنا عاوزة إيه.
امتدت يده يرفع وجهها لتنظر له مردداً بابتسامة:
إيه اللي جد؟ مش عاوزة تنسي وتعيشي حياتك؟ مش عايزة تعرفي إنتي عاوزة إيه؟ مش عاوزة تخرجي من حالتك دي؟
أشار بيده للعيادة قائلاً بهدوء:
عايزة تلاقي نفسك وتساعدي نفسك عشان تعيشي حياتك صح.
ثم تابع وهو يشير للمصعد:
ولا نرجع من مكان ما جينا وتحبسي نفسك تاني في حزنك وتضيعي اللي باقي من عمرك في حيرة مش عارفة إنتي عاوزة إيه ومش عارفة تاخدي خطوة في حياتك من غير تردد.
بقيت صامتة لدقائق قصيرة، ثم دخلت للعيادة بدون حديث، وهو خلفها يبتسم، دخل معاها لعدة دقائق ثم خرج ينتظرها بالخارج حتى تنتهي.
أيام... أسابيع... شهور... عام. لقد مضت فترة طويلة، هي تواظب على جلساتها، وبكل مرة يأتي معها لهنا، ينتظرها حتى تنتهي ويعود بها. أحياناً تنسى موعدها، لكنه أبداً لم ينسى.
مرت فترة طويلة على الجميع، قاربت على الثلاث سنوات، حدث بهم الكثير وتغير بهم الكثير.
بمصر الحبيبة.
بتلك الفيلا التي أصبحت مليئة بالكثير وأصوات ضحكات تصدح بكل مكان بها، آدم الذي أصبح لديه طفلان، "ياسين" البالغ من العمر عامان، وطفلته الرضيعة التي أتمت أسبوع من عمرها "صافي".
بينما أوس أصبح أباً لطفل أسماه "مالك" والذي يبلغ من العمر عامان، وزوجته حامل بشهرها الثاني.
يريد أن تكون فتاة ليسميها "ليلى" على اسم والدته الراحلة، وكم تشاجر مع إخوته حتى لا يقوم أحدهم بتسمية هذا الاسم.
بينما أمير أصبح أباً لطفلتين تؤام غير متشابه، أسماهم "جوان وجوري"، تبلغان من العمر عامان.
بينما ريان أصبح أباً لطفلة أسماها "ليلة" بعدما احتكر أوس اسم والدتهم له وحده، لذا قام بتسمية ابنته باسم يقرب لاسمها.
كان الجميع يعمل على قدم وساق ليتم الانتهاء من التجهيزات الخاصة لحفل الرضيعة الذي سيقام بالغد، وقد اتفق الجميع أن يكون مقتصر على العائلة، وبالطبع ستحضر عائلة العمري، كم أراد الخمسة حضور حياة، حتى سليم قام بدعوة شقيقه وعائلته، لكنهم اعتذروا عن المجيء.
في نيويورك.
تركض بحديقة الفيلا الواسعة، نفس المشهد يعاد لكن باختلاف المكان والشعور، قبلاً كانت نيران الغضب بداخلها لا تخمد، أما الآن فبداخلها سعادة، حماس للغد، طاقة، العديد والعديد من المشاعر الإيجابية، ما وصلت له الآن لم يكن سهلاً على الإطلاق، لقد استغرق منها الكثير.
توقفت حتى تأخذ أنفاسها، لتقع عيناها على شرفة غرفة بدر، الذي لو يعلم كم هي ممتنة له وتدين له بالكثير، لقد جاهد معها عامان ونصف بدون ملل.
يعود الفضل لما وصلت له الآن له وحده، لقد استطاع أن يمحو نظرة الحزن من عينيها ويستحوذ على قلبها بالكامل، بل روحها.
نظرت لساعة يدها، ثم انطلقت حيث غرفتها مباشرة لتستعد، ميعاد الطائرة بعد ساعتين، ستعود لموطنها حيث إخوانها وعائلتها، كم اشتاقت لهم، الأهم من كل ذلك أنها ستعود لهم برفقته ورفقة عائلتها الثانية التي حصلت عليها.
نزلت من غرفتها على عجل وهي تحمل بيدها حقيبة السفر، ولكن بلحظة انتشلها بدر من يدها قائلاً بمرحه المعتاد:
إيه صغنن مش قادر يشيل الشنطة.
حدقته بنظرات مغتاظة قائلة:
بطل تقولي يا صغنن.
قرص وجنتها بمشاكسة قائلاً:
طب يا صغنن يا صغنن يا صغنن.
ضحكت قائلة:
والله إنت اللي صغنن مش أنا.
حمل حقيبته وحقيبتها، أعطاهم لأحد الرجال ليضعهم بحقيبة السيارة، مرت دقائق وكان الجميع هو وهي وجده وجدته ووالديه منطلقين نحو المطار للسفر لمصر ليحضروا حفلة السابع لابنة شقيقها آدم الصغيرة، والتي رفض تسميتها حياة معللاً ذلك:
أنا عندي بنت واحدة اسمها حياة، ومفيش أب بيسمي ولاده الاتنين بنفس الاسم، أنا عندي حياة واحدة وبس.
بقصر الجارحي.
كانت هنا تركض خلف طفلها الذي شارف على إنهاء عامه الثالث قائلة:
سليم حبيبي يلا البس هدومك عشان متبردش.
كان يركض الصغير بأرجاء غرفته وهو يضحك حتى اصطدم بقدم والده الذي دخل غرفته لتوه، لينحني له يحمله بين يديه قائلاً بحنان:
بتجري ليه يا بطل ومجرد ماما وراك.
ضحك الصغير ليقبل أدهم وجنته بحب قائلاً:
اسمع كلام ماما يلا وألبس هدومك.
أومأ له وركض لهنا التي ساعدته في ارتداء ملابسه، ليقترب منها أدهم قائلاً بهدوء:
أساعدك في حاجة.
نفت برأسها بدون حديث، وما إن انتهى سليم من ارتداء ملابسه، ركض خارج الغرفة قائلاً بصوته الطفولي، فقد بدأ الحديث منذ فترة صغيرة لكن بحروف معظمها ليست صحيحة:
سليم هيلوح ألعب مع جدو.
التفت أدهم لهنا التي أخذت ترتب ملابس طفلها بخزانته، تتجاهله تماماً، لا يحدث أي تعامل بينهم سوى أمام الصغير.
ترفض مسامحته والعودة له من جديد، ومهما تدخلت والدته أو أي أحد من العائلة يكون الرفض جوابها، حتى ييأس من المحاولة ليعود ليمكث بالقصر كال السابق، ليبق برفقة طفله، بينما هي أبداً لم تمانع، لقد تغيرت كثيراً، أصبحت تعتمد على ذاتها، تصب كامل اهتمامها على طفلها الصغير ودراستها التي قاربت على الانتهاء منها لتبدأ بالعمل بعدها، بينما هو لا يوجد جديد بحياته سوى ذلك للصغير الذي أصبح كل حياته والعمل.
ألقى عليها نظرة أخيرة بحزن وندم، ثم غادر الغرفة، لتجلس هي على الفراش تنظر لأثره بحزن.
بينما بقصر العمري.
بغرفة إلياس الذي تغير مئة وثمانون درجة، الحزن يخيم على ملامح وجهه، حاول كثيراً أن يحصل على غفرانها، لكنها كانت تقابل كل ذلك بالرفض، طال هكذا حتى ييأس، لم يراها منذ أن جاءت لحضور السابع لأولاد أشقائها منذ عامين، كان يقف خلف زجاج شرفته يراقب شقيقه مازن الذي تزوج منذ عام سكرتيرته والتي تدعى عائشة، وهي الآن حامل بشهرها الثامن، كان يجلس بجانبها، يده على بطنها، والاثنان يضحكان بسعادة.
الجميع حياتهم تغيرت للأفضل عدا هو، يقف بمكانه، لم يأخذ خطوة واحدة سوى تقدمه بالعمل، أما حياته الشخصية، لقد فشل في التقدم بها خطوة واحدة، كما هو يندب حظه وقلبه ينهشه الندم.
تنهد بحزن، ثم نزل للأسفل حيث يجتمع الجميع على طاولة الطعام يتناولون الإفطار سوياً.
دخل جمال لغرفة يوسف ليجده مثل كل يوم يجلس على فراشه شارداً حزيناً، تغير كثيراً، أصبح جسده هزيلاً بعدما كان يتمتع بجسد رياضي رغم سنه. اقترب منه قائلاً بابتسامة:
مالك قاعد كده ليه؟ فيه حد يبقى زعلان وبكرة سبوع حفيدته.
تنهد بحزن قائلاً:
حياة وحشتني أوي، أحفادي بيقولولي يا جدو، وولادي رافضين حتى يبصوا في وشي، مش ينادوني بس بابا.
ربت على يده قائلاً بمواساة:
هما بس محتاجين وقت مش أكتر.
ابتسم بسخرية مريرة قائلاً بحزن:
ولادي اتعودوا على عدم وجودي، أنا بالنسبة ليهم ميت من زمان، هما مش محتاجين وقت ولا حاجة.
لم يجد ما يقول ليخفف عنه، لذا اكتفى بالصمت. يوسف حالته يوماً بعد يوم تسوء، وهو يرى بعد أولاده عنه وهو السبب.
باليوم التالي كان الجميع مجتمع بفيلا آدم، الجميع البالونات الزهرية والبيضاء تزين المكان، طاولة كبيرة موجودة عليها الحلويات وأشهى الطعام.
بينما بالأرض تجلس فاطمة تمسك بيدها فيما الهون المصنوع من النحاس، وقبل أن تبدأ الضرب بداخله، كان صوت يحفظه الجميع جيداً يأتي من خلفهم قائلاً بمرح:
خيانة، هتبدأوا من غيري.
كان أوس أول من أفاق من صدمته، عندما التفتوا ليروا حياة تقف خلفهم برفقة عاصم وعائلته، ليركض نحوها سريعاً يحملها بين يديه قائلاً بسعادة:
وحشاني يا بنت الـ...
ضحكت بصوت عالٍ وهي تحتضنه باشتياق قائلة بأعين دامعة:
إنت كمان وحشتني، كلكوا وحشوني.
جذبها آدم لاحضانه قائلاً بحنان واشتياق كبير:
وحشتني يا حياة.
بقى الأمر هكذا، كلاهما يجذبها لاحضانه باشتياق، الجميع يرحب بها بسعادة، هي ومن معها، حتى توقفت أمام يوسف، تبادلت النظرات معه بصمت، تريد أن تتحدث لكن لسانها لا يقدر على فعلها، جذبها هو لاحضانه قائلاً بدموع واشتياق:
وحشتيني يا بنتي.
بتردد رفعت يده تضمه بصمت، والجميع متعجب من فعلتها، مرت دقيقة لتبتعد عنه بهدوء، ثم ركضت نحو الصغار بدون حديث، متجاهلة إلياس تماماً، فهي لن تنسى له أبداً أنه اتهمها بشرفها، ربما كانت ستصالح إن كان احتفظ بالأمر بينه وبينها، لكنه بقى يبوح به للجميع.
احتضنت الأطفال بسعادة، ثم حملت صافي الرضيعة بين يديها قائلة بسعادة:
ما شاء الله زي القمر، عيونها زي عين ماما الله يرحمها بالظبط.
ردد الجميع بصوت واحد:
الله يرحمها.
بدر بمرح وهو يداعب وجنة الصغيرة:
شبهي.
سليم بمرح:
شبهك ليه، إنت عايزها تبور، دي شبه مامتها زي القمر.
حياة بضحك:
في منتصف الجبهة.
نظر لها بغيظ، لتجلس أرضاً بجانب فاطمة التي تدق الهون، بجانبها رحمة والصغيرة أرضاً، تقوم زينة بالتخطية من فوقها سبع مرات.
بعدها قالت فاطمة بصوت عالٍ وهي تدق الهون:
اسمعي كلام أبوكي.
ثم دقت مرة أخرى لتقول رحمة تلك المرة بصوت عالٍ:
اسمعي كلام أمك.
تدخلت حياة قائلة بصوت عالٍ:
اسمعي كلام عمتو حياة.
مال بدر عليها هامساً بغزل:
أحلى عمتو يا صغنن.
كانت حياة تجلس على أحد المقاعد تستريح قليلاً بعد وقت طويل قضته باللعب مع الأطفال.
كاد إلياس أن يقترب منها، لكن سبقه بدر قائلاً بمشاكسة:
قاعد لوحدك ليه يا صغنن.
رفعت إصبعها بوجهه قائلة بغيظ:
عارف لو ما بطلتش تقول صغنن دي تاني.
غمزها قائلاً بمشاكسة:
هتعمل إيه يا صغنن.
زفرت بغيظ، ليضحك بقوة، رفعت إصبعها بوجهه قائلة بغيظ:
مش هرد عليك ومش هعمل حاجة، عارف إيه؟
تؤ مش عارف.
أجابته بغرور واهية:
عشان ربنا قال نرفق بالحيوان.
ضحكت بقوة عندما أشار لنفسه قائلاً بغيظ:
أنا حيوان.
ضحكت بقوة قائلة:
أنا مقلتش، إنت اللي قولت.
ضغط بأسنانه على شفته السفلى قائلاً بغيظ:
طب اخفي من قدامي عشان ما أوريكش الحيوان.
وضعت يدها بخصرها قائلة بغيظ:
المفروض كده أخاف يعني.
أشار لها بحدة لكي تعتدل بوقفتها، وفعلت على الفور، جلس الاثنان بصمت، لتشعر هي أنها تمادت معه بالحديث، لتعتذر قائلة بخفوت:
أنا آسفة، كنت بهزر.
ابتسم قائلاً هو الآخر:
أنا كمان آسف، كنت بهزر معاكي، معرفش إن كلمة صغنن دي بتضايقك أوي.
ضحكت بخفوت قائلة:
مش حكاية بتضايق...
كيف تخبره أنها تحب تلك المشاكسات بينهم بعد أن يلفظ تلك الكلمة، لكنها صمتت للحظات قائلة بمرح:
بص قولها وأنا هعصر على نفسي لمونة، صاحبي بقى ولازم أستحملك.
اقترب ينظر داخل عينيها قائلاً بهدوء:
صاحبك بس.
توترت مما قال، لتشيح بوجهها بعيداً عنه قائلة:
لا مش صاحبي، بس إنت كمان...
قاطعها قائلاً بلهفة لسماع أي اعتراف ولو صغير من بين شفتيها:
أنا إيه يا حياة.
كلما أرادت أن تبوح له بما بقلبها، تخونها الكلمات ولسانها، ولا يخرج ما تريد قوله من البداية:
صاحبي وابن خالي.
تنهد بيأس قائلاً:
صاحبك وابن خالك بس يا حياة.
صمتت للحظات، ثم سألته قائلة:
إنت شايف إيه؟
تنهد قائلاً:
مش مهم اللي أنا شايفه، المهم إنتي شايفة إيه، عايز أسمعك يا حياة.
ارتعشت شفتيها، تحاول التحدث، لكن لا تخرج الكلمات منها:
أنا... أنا يا بدر...
يتابعها بلهفة، يخبره قلبه أنها على وشك النطق بتلك الكلمة التي انتظرها طويلاً، لكن بلحظة قاطع نظرات الاثنين وحديثهم صوت يعرفه الاثنان قائلاً:
مساء الخير.
التفت الاثنان على الفور، لتقع أعينهم على نسرين، لتشتعل عينا حياة بالغيرة والغضب، تلك الحقيرة كانت تحاول إيقاعها في العديد من المشاكل طوال فترة إقامتها بنيويورك، بل أصبحت تتقرب من بدر بشكل يثير غيرتها بشكل كبير، وأهم شيء أن بدر لا يسمح لها بأن تتمادى ويوقفها.
سألته بغضب:
إيه اللي جاب دي هنا؟
تمتم بدر بغيظ وغضب من نسرين التي قطعت عليه أهم شيء:
الله يحرقك يا شيخة.
اقتربت منهم قائلة بدلال وهي تنحني لتقبل وجنة بدر، لكنه ابتعد غير سامحاً لها بالاقتراب:
إيه اللي جابك مصر يا نسرين؟
رفعت كتفها قائلة ببساطة:
زي ما إنت عارف ماما مسافرة وكنت قاعدة لوحدي، مقدرتش أقعد يوم واحد من غيركم هنا، فخدت أول طيارة وجيت مصر، ويبقى نرجع سوا.
كورت حياة قبضة يدها بغضب وغيره، بينما إلياس يقف من بعيد يراقب همسات الاثنين لبعضهم، نظراتهم التي أثارت غضبه وغيرته، لقد ظن أنها مثله حزينة تتألم لبعده، لكن يبدو أنه جاء من استطاع أن يجعلها تنساه.
تعرفت نسرين على الجميع، التي كانت تنتظر لبدر وحياة، تراقبهم، حتى أنها لاحظت نظرات إلياس، الاثنان يشبهان نفس نظراتها، لمعت عيناها بمكر وهي تفكر بالإقدام على تلك الخطوة بعد أن تتأكد من ظنونها!!!!
الجميع بلا استثناء يلاحظ كم تغيرت، أصبحت مختلفة، وجهها مشرق، عيناها تلمع بسعادة مليئة بالحيوية، عكس تلك التي سافرت منذ عامان ونصف، سعد الجميع لسعادتها.
كانت تجلس بين شقيقيها على العشب بالأرض، ليربت آدم على خصلات شعرها قائلاً بحنان:
انسى بقى، مفيش سفر تاني.
اعتدلت بجلستها قائلة بتوتر:
ما ينفعش ا... ا...
أوس بتعجب:
إيه اللي مينفعش؟ دراستك وخلصت خلاص، ترجعي ليه؟ خليكي هنا معانا، مفيش سبب عشان تسافري تاني.
نظرت لبدر على الفور بتوتر، لكي يتدخل، يرفض يفعل أي شيء، لا تريد الابتعاد عنه، لكنه اكتفى بالصمت، وفعلت هي الأخرى المثل.
غادر الجميع بعد يوم سعيد قضوه سوياً، وما إن وصل سليم وعائلته وشقيقه عاصم وعائلته برفقة نسرين لقصر الجارحي، قبل أن يصعد كلاهما لغرفته، أوقفهم سليم قائلاً بجدية:
في عريس متقدم لهنا وهي موافقة، وهيجي بليل عشان نتعرف عليه!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شهد الشوري
غادر الجميع بعد يوم سعيد قضوه سويا. وما إن وصل سليم وعائلته، وشقيقه عاصم وعائلته برفقة نسرين لقصر الجارحي، قبل أن يصعد كل منهم لغرفته، أوقفهم سليم قائلاً بجدية:
"في عريس متقدم لهنا وهي موافقة، وهيجي بليل عشان نتعرف عليه!"
تصنم جسد أدهم بمكانه وتبادل الجميع النظرات بصدمة وذهول. كانت حينها صعدت هنت لغرفتها برفقة طفلها، ليسأله أدهم بهدوء يسبق العاصفة:
"عريس مين ده؟"
سليم بهدوء قبل أن يصعد لغرفته:
"هتبقى تتعرف عليه بكرة. كله يطلع ينام يلا، تصبحوا على خير."
قالها وغادر بكل هدوء. أثار غضب أدهم الذي منع نفسه بصعوبة من الصعود لها وهو بحالته تلك. نيران تشتعل بصدره، لقد وافقت؟ ترى هل أحبته؟ لكن كيف ومتى ومن؟ أسئلة كثيرة تدور برأسه جعلته يعجز عن النوم هذه الليلة. يريد معرفة إجابة.
***
في صباح اليوم التالي، كانت تجلس حياة على طاولة الطعام معهم، تعبث بطعامها بدون شهية. لقد اعتادت طوال العامين والنصف الماضيان على أن يكون معها، اعتادت على مشاكساتهم في الصباح قبل أن يوصلها لجامعتها ثم ينطلق لعمله.
فتحت هاتفها عندما استلمت تلك الرسالة على هاتفها تنص على: "صباح الورد يا صغنن".
ابتسمت بتوسع ثم أرسلت له ردت عليه قائلة:
"مش هرد عليك ولا هقولك صباح النور."
وصلتها رسالة منه على الفور:
"ليه بس يا صغنن؟"
ضحكت بخفوت ثم أغلقت الهاتف ووضعته بجانبها، ليسألها أمير:
"مين بيكلمك ع الصبح وبيضحك كده؟"
نفت برأسها قائلة بابتسامة:
"مفيش."
أوس بغيرة:
"أيوه مين يعني؟"
تنحنحت قائلة بتوتر أخفته:
"مفيش، ده بدر."
آدم بغيرة مماثلة:
"بيكلمك ليه أصلاً؟ مزهقتوش من بعض بقالكم سنتين مع بعض بره مشبعتوش كلام؟ ركزي معانا إحنا وسيبيه."
ضحكت حياة قائلة بمرح وهي تقف:
"لو أنا ركزت معاك مراتك إنت وهما شغلتهم إيه؟"
أمير بتساؤل:
"طب رايحة فين؟"
التقطت هاتفها قائلة بابتسامة:
"رايحة قصر الجارحي، جدو وحشني."
زينة بمكر وغمزة من عينيها:
"جدو بس؟"
آدم بحدة وغيرة على شقيقته:
"زينة."
فرح بمكر:
"ابقى سلميلي على جدو أوي يا حياة."
أمير بحدة هو الآخر:
"فرح."
نظرت له قائلة ببراءة:
"إيه؟ بقولها تسلملي على جدو."
نظر لها بغيظ لتضحك حياة قائلة بمرح:
"في إيه؟ هتحفلوا عليا ولا إيه؟"
ريان بضيق وغيرة:
"جدو وحشة وإحنا لأ يعني كأنك بايتة في حضننا من سنتين وشوية."
ضحكت قائلة بابتسامة وهي تقترب منه مقبلة وجنته بقوة قائلة:
"وحشتوني إنتوا كمان، بس أنا عندي كذا مشوار منهم إني أروح أسلم على جدو، وأدهم عمال يرن عليا من امبارح، هروح أشوفه عاوز إيه وهارْجع. إنتوا أصلاً عندكم شغل وماشيين وأنا اتأخرت ولازم أمشي. يلا سلام بقى."
تبادل الأربعة النظرات بضيق ظاهر للجميع. نظرات بدر لحياة وكذلك هي بالأمس وحديثهم سويا. كل منهم سعيد لأنها استطاعت أن تحصل على السعادة أخيرًا وتحب من يستحقها، لكنهم يغاروا من ابتعاد شقيقتهم عنهم.
***
ما إن وصلت القصر الذي يبعد أمتار فقط عن فيلا أشقائها، وجدت بدر يجلس على الدرج الذي يصل بباب القصر الداخلي. ابتسم ما إن رآها.
لتقترب منه قائلة بابتسامة زينت ثغرها على الفور ما إن رأته:
"قاعد كده ليه؟"
جلست بجانبها لينظر لها قائلاً بابتسامة:
"مستنيكي."
نظرت للأمام قائلة بابتسامة:
"عرفت منين إني جاية؟"
تنهد قائلاً بهيام وحب:
"قلبي حس بيكي."
نظرت له ثم ضحكت قائلة:
"والله؟"
أومأ لها قائلاً ببراءة:
"آه والله، قولت أكيد وحشتك وهتيجي تشوفيني."
أشاحت وجهها بخجل قائلة بكذب:
"لأ محصلش، وبعدين توحشني بأمارة إيه؟ على أساس مش موجود قدام عيني بقالك سنتين بحالهم."
نظر للسماء قائلاً بمشاكسة:
"إنكري براحتك، بس أنا عارف إنك وحشتيني."
ألفتت له قائلة بغيظ:
"إنت رخْم على فكرة."
ضحك بخفوت لتمر دقائق بصمت على الاثنان، قاطعته حياة قائلة:
"هتسافروا من غيري؟"
أومأ لها بصمت لتخفض وجهها أرضًا قائلة بحزن:
"متسافرش."
تنهد بعمق ثم وضع يده أسفل ذقنها قائلاً بحب ورجاء لكي تتحدث:
"مش عايزاني أسافر ليه يا حياة؟"
نظرت له قائلة بخفوت:
"يعني إنت مش عارف؟"
تنهد بعمق مرددًا:
"عرفيني إنتِ."
أخفضت عيناها بخجل قائلة بتلعثم:
"أنا... ااا... أنا يا بدر."
سألها بخفوت ولهفة ولا يزال يضع يده أسفل ذقنها:
"إنتي إيه؟"
ابتلعت ريقها وهي تجد صعوبة في نطق تلك الكلمة، ليس تردد بل خجل:
"آآ... أنا بـ..."
كادت أن تقولها لكن قاطعهم أدهم قائلاً بلهفة وهو يقترب منهم:
"حياة!"
على الفور ابتعدت عنه، وكذلك هو، ولم يتوقف عن التذمر والتأفأف بغيظ من أدهم، ليسأله بغيظ:
"خير يا أدهم، في إيه؟ وقتك ده؟"
تجاهل أدهم الرد عليه قائلاً لحياة بغضب:
"روحي اتكلمي مع هنا."
سألته بتعجب:
"أكلمها في إيه؟"
أجابها بغضب كبير ونفاذ صبر:
"في الزفت العريس اللي متقدم ده! اعرفي منها اسمه، بيشتغل إيه؟ أي زفت معلومة عنه."
سألته بصدمة:
"طب ما تسألها إنت، وليه أنا؟"
كور قبضة يده قائلاً بغضب:
"محدش راضي يعرفني اسم أمُّه إيه، وهكلمك إنتِ أكيد مش حد من إخواتك الرجالة وأقوله كلمها."
سألته بحزن على حاله وحال هنا:
"طب هي وافقت؟"
أومأ برأسه قائلاً بغضب وغيرة:
"اتنيلت وافقت."
تدخل بدر قائلاً:
"طب يبقى الموضوع خلص، هي موافقة وراضية، بتتدخل ليه؟"
تنهد قائلاً بحزن:
"عشان لسه بحبها، وعشان هي أم ابني اللي مش هسمح يتربى مع راجل غريب."
حياة بحزن لأجله:
"طالما وافقت عليه، يبقى بتحبه."
مسك يدها قائلاً برجاء:
"معرفش، اسأليها، اعرفي منها كل حاجة، يمكن يكون شخص مش كويس، مش بيحبها."
أبعد بدر يده قائلاً بغيرة وحدّة:
"ابعد بس إيدك دي."
كتمت حياة ضحكتها قائلة بتساؤل:
"لو بتحبه، هتعمل إيه؟ هتبعد؟"
أومأ لها قائلاً بحزن:
"آه هبعد، لو هيسعدها ويستاهلها، هبعد."
أومأت له ثم صعدت لأعلى حزينة على الاثنان.
***
بغرفة هنا، كانت تتابع بعينيها صغيرها وهو يجلس على الفراش يتابع أحد أفلام الكرتون وهو يتناول كأس العصير. دخلت حياة للغرفة مقبلة جبينه قائلة بحنان وهي تداعب وجنتيه:
"إزيك يا بطل؟"
ابتسم الصغير بتوسع قائلاً بصوت طفولي:
"حياة وحشتيني أوي."
قبلت وجنته قائلة بحنان:
"إنت كمان وحشتني يا بطل. إيه رأيك تنزل تجيب ليا عصير حلو زي بتاعك على ما أتكلم مع مامي شوية؟"
أومأ لها وركض للأسفل، لتقترب هي من هنا قائلة بابتسامة:
"إيه بقى من العريس اللي متقدملك أعرفه؟"
نفت هنا برأسها قائلة بخفوت:
"لأ، ده اتعرفت عليه في النادي، هو عنده شركة ملاحة، اسمه أيمن."
قطبت حياة جبينها قائلة بتساؤل:
"اسمه أيمن إيه؟"
هنا بتعجب:
"مهتمة أوي ليه؟"
حياة بثبات:
"بلاش اهتمام يعني، بنت خالتي، وبعدين عايزك أعرف يمكن أطلع أعرفه."
هنا بهدوء:
"اسمه أيمن عبد الكريم."
أومأت لها حياة بصمت ثم سألتها:
"بتحبيه؟"
لم تجيب هنا وبقت صامتة، لتسألها حياة:
"هي الإجابة صعبة كده؟"
هنا بصوت مختنق:
"لأ، مش بحبه."
سألتها بهدوء:
"اومال وافقتي عليه ليه؟"
أجابتها الأخرى بهدوء:
"شخص كويس طبعًا، زي بعض، طلب إيدي وشوفت إنه مناسب أكمل حياتي معاه."
"طب وأدهم؟"
أخفضت هنا وجهها قائلة:
"أدهم طليقي وأبو ابني وبس."
سألتها حياة مباشرة:
"لسه بتحبيه؟"
صمتت هنا لدقائق، لتسألها حياة:
"الإجابة صعبة أوي كده؟"
تنهدت هنا بحزن قائلة:
"مش هتفرق إجابتي، أنا طلعت من حياتي خلاص."
صمت عم المكان لدقائق، قطعهته حياة مرددة:
"هنا، أدهم غلط بس معذور، وإنتي بتحبيه وهو كمان بيحبك. ابنك بيكبر، وبعدك إنتي وأدهم بالشكل ده هيأثر عليه، خصوصًا لما تتجوزي."
ثم تابعت بهدوء:
"لو إنتي وأدهم مش بتطيقوا بعض أو الحياة بينكم مستحيلة، عمري ما كنت هقولك كده."
ربتت على يدها قائلة برفق:
"الحب اللي بينكم وابنكم يستاهلوا فرصة تانية. عقاب سنتين ونص كفاية أوي. أدهم أنا متأكدة إنه اتعلم من غلطه، وهيحافظ عليكي المرة دي بجد."
أخفضت هنا وجهها أرضًا ولم تتحدث، لتتابع حياة قائلة بحزن:
"الفترة اللي فاتت كل واحد فينا مر بتجربة مكنتش لطيفة خالص، وكلنا اتعلمنا منها. وزي ما إنتي اتعلمتي منها وعرفتي تقفي على رجلك من تاني وبنيتي شخصية أحسن من الأول بكتير، هو كمان اتعلم وعرف قيمتك، ومستني منك نظرة واحدة بس، مش كلمة."
كانت هنا تستمع لها بصمت ولم تجيب، لتقف حياة قائلة بهدوء:
"فكري كويس يا هنا، بلاش تاخدي خطوة غلط وتتسرعي، فكري كويس."
غادرت، وما إن نزلت للأسفل سألها أدهم بلهفة:
"اتكلمتي معاها؟"
أومأت له بصمت، ليسألها بلهفة:
"قالتلك إيه؟"
صمتت للحظات قبل أن تقول:
"اسمه أيمن عبد الكريم، وعنده شركة ملاحة."
أومأ لها ثم سألها بخوف وترقب:
"بتحبه؟"
بعد تردد كبير، حركت رأسها بلا، ليزفر براحة، لتسأله حياة بتوتر:
"هتعمل إيه؟"
"هتصرف."
تنهدت حياة قائلة:
"أدهم بلاش تهور، سيب الأمور تمشي طبيعي. محدش عارف، يمكن ترفض بعدين."
زفر بضيق قائلاً:
"لو ما رفضتش أعمل إيه ساعتها؟"
بدر بتساؤل:
"طب ناوي على إيه؟"
أخبرهم قبل أن يغادر مسرعًا:
"هسأل عنه وأشوف!!"
ما إن غادر أدهم، التفت بدر لها قائلاً بلهفة:
"كنا بنقول إيه بقى؟"
وقفت قائلة بابتسامة:
"كنت بقول إن عندي مشوار ولازم أمشي."
سألها بتذمر:
"مشوار إيه؟"
ابتسمت بحزن قائلة:
"هزور ماما."
أومأ لها بهدوء قائلاً:
"ينفع أجي معاكي؟"
تنهدت قائلة:
"مرة تانية، عايزة أكون معاها لوحدي. هبقى أجي بليل ساعة العريس."
أومأ لها بصمت لتغادر، وتركته ينظر لأثرها بحب.
***
كانت تجلس أمام قبر والدتها بعد وضعت باقة الزهور التي كانت تفصلها والدتها الراحلة، وقرأت لها الفاتحة. تتحسس بيدها اسم والدتها المحفور على الرخام: "مدفن المرحومة ليلى سليم الجارحي". مرددة باششتاق وأعين تلمع بالدموع:
"وحشتيني أوي يا ماما."
تنهدت ثم تابعت بابتسامة:
"أنا عارفة إنك شيفاني وحاسة بيا. عارفة أنا عمري ما كنت مبسوطة غير الفترة دي."
ابتسمت وبدأت ترقص عليها ما تشعر به:
"لأول مرة أبقى عارفة أنا عايشة ليه وعايزة إيه. السنتين اللي فاتوا غيروا فيا كتير أوي، وللأفضل."
ابتسمت بحب وأعين لامعة رددت:
"أنا أول مرة أعرف يعني إيه حب حقيقي. أول مرة أبقى واثقة من مشاعري، ومفيش جوايا أي خوف أو تردد. أنا لقيت نفسي خلاص."
تنهد بعمق متابعة حديثها:
"اللي فات عمري ما هقدر أنساه، بس اتعلمت إزاي أعيش بيه وموقفش حياتي عليه. حياتنا كلنا اتغيرت وللأفضل، ومفيش حاجة ناقصنا غير وجودك جنبنا."
بقت وقت طويل بجانب قبرها تدعو لها وتردد آيات من القرآن الكريم، ثم غادرت لقصر الجارحي.
***
بشركة العمري، يجلس إلياس خلف مكتبه، وهي تجلس أمامه متعجبة من زيارة نسرين له، وهو بالأساس لم يتحدث معها ولم يعرف عن نفسه بالأمس.
ليسألها بجدية:
"خير، سبب زيارتك إيه؟"
ابتسمت قائلة بمكر:
"اللي جابني هنا هو حاجة تهمني وتهِمك."
سألها بعد فهم وتعجب:
"إيه اللي يهمك ويهمني أنا أصلاً؟ أعرفك منين؟"
ابتسمت قائلة:
"أنا كمان معرفكش، بس سألت وعرفِت إنت مين وتقرب لحياة إيه، حتى اللي حصل بينك وبينها من كام سنة."
سألها بصدمة:
"ده يهمك في إيه بقى؟"
نظرت له قائلة بمكر:
"لسه بتحبها، ونظراتك ليها امبارح كانت ظاهرة للكل. عايزها تسامحك وترجعلك من تاني."
سألها بهدوء:
"أرجع ليها أو لأ، ده يخصك في إيه؟"
ابتسمت قائلة بحقد:
"يهمني إني أبعدها عن بدر."
نظر لها بصدمة لتبتسم قائلة:
"مش بقولك اللي يهمني يهمك."
سألها بهدوء:
"المطلوب إيه؟"
ابتسمت قائلة بمكر:
"يبقى وافقت."
أومأ لها بصمت لتتابع حديثها بخبث:
"بدر راجل أوي وشهم، ولو غلط هيتحمل غلطه، مش هيهرب. يعني لو نمت معاه عمره ما هيهرب، هيتجوزني طبعًا."
سألها بعدم فهم، وبداخله مشمئز منها ويشعر بالاحتقار من حديثها:
"طب ما تعلمي كده، تاعبة نفسك وجاية لحد هنا ليه؟ إيه اللي ممكن أعمله؟"
ابتسمت قائلة بمكر:
"زي ما أنا عايزة أبعد بدر عن حياة، عايزاها كمان تبعد عنه. بمعنى إني عايزة حياة تشوفه وهو بيخونها بجد."
"دورك إنك تظهر في حياتها، تعوضها، وتبقى في نظرها الشخص اللي بيحبها، وهي الخاين، وإنت لأ."
سألها بسخرية:
"واثقة أوي إنها تحبك وتنسى؟"
ابتسمت قائلة بمكر:
"لو محبتكش، على الأقل مش هتقبل بيه بعد ما تشوفه في حضن واحدة تانية، وممكن تتجوزك عند فيه."
سألها بهدوء:
"هو فيه بينهم حاجة؟"
كورت قبضة يدها بغل قائلة:
"الأعمى يقدر يشوف ويحس النظرات اللي بينهم. أنا معاهم بقالي سنتين ونص، وأقدر أقولك وأنا متأكدة مية في المية إن الاتنين بيحبوا بعض."
أومأ لها بصمت لتسأله يترقب:
"طب إيه رأيك في الحل ده؟"
صمت لدقائق بعدها نظر لها قائلاً بهدوء:
"لو رفضت؟"
ابتسمت قائلة:
"تبقى إنت الخسران. إنت لسه بتحب حياة، وهي زي ما قدرت تنساك وتحب بدر، سهل تحب غيرك. ممكن بملاليم أشوف واحد يقدر يعمل اللي إنت مش هتعمله، ويقرب منها، وهتحبه."
ثم تابعت بمكر:
"بس أنا عارفة إنك ذكي ومش هتضيع الفرصة دي من إيدك، ولو بتبحبها بجد هتحارب عشان تحصل عليها زي ما أنا ما بعمل عشان أوصل لبدر."
دقائق في صمت وهي تراقبه بترقب، حتى قطع الصمت قائلاً بهدوء:
"موافق."
ابتسمت بانتصار، ثم سألته بلهفة:
"ننفذ في أسرع وقت. بدر مش هيقعد في مصر غير أسبوع واحد، عدى منهم امبارح، وانهاردة يعني معانا خمس أيام بس."
أومأ لها بصمت قائلاً بهدوء:
"اللي تشوفيه."
ابتسمت قائلة:
"هقولك في يومها."
أومأ لها بصمت، فغادرت، وتركته ينظر لأثرها بهدوء.
***
ما إن وصلت لقصر الجارحي، أخذت تبحث عن بدر بكل مكان، حتى وجدته يخرج من غرفته. أوقفته قائلة بتوتر:
"بدر."
ابتسم قائلاً بهيام وحب:
"عيونه."
فركت يدها بتوتر وخجل قائلة:
"عايزة أتكلم معاك. الصبح مكملناش كلامنا وأنا..."
قاطعه قائلاً بلهفة وهو يقترب منها حتى اصطدمت بالحائط وأصبح محاصرًا لها:
"نكمله حالاً. قولي بقى."
أخفضت وجهها بتوتر وخجل قائلة:
"أنا يا بدر... أنا بح..."
لثالث مرة جاء من قاطع أهم لحظة بحياته، ولم تكن سوى نسرين قائلة:
"بدر."
دفعه حياة بسرعة ليزفر بضيق قائلاً بغضب:
"الله يحرقك يا شيخة."
ثم التفت لها قائلاً بحدة:
"في إيه؟"
كتمت حياة ضحكتها بصعوبة، بينما نسرين قطبت جبينها قائلة بضيق:
"بتزعقلي كده ليه؟ الضيوف وصلوا وقالولي أنادي ليك إنت وهي."
أومأ لها قائلاً بضيق وهو يشير بيده لكي تذهب:
"طيب، روحي."
بقت واقفة تنظر لحياة بحقد وغضب، ليعيد حديثه مرة أخرى بنفاذ صبر قائلاً:
"قولت روحي يا نسرين."
ذهبت بغضب وهي تقسم أنه سيكون لها مهما حدث. وما إن غادرت، التفت بدر لحياة قائلاً بلهفة:
"كملي، كنتي بتقولي إيه؟"
ابتسمت بخجل قائلة:
"أنا بح..."
للمرة الرابعة قاطعه صوت والدته قائلة بتعجب:
"إنتوا واقفين بتعملوا إيه؟ الضيوف تحت."
هنا ضحكت حياة بقوة وهي ترى عيناه تخرج نيران من شدة الغضب والغيظ. نزل للأسفل وهو يضرب كفًا بآخر قائلاً وهو على وشك البكاء:
"أنا نحس، والله أنا نحس."
ضحكت حياة ونزلت خلفه برفقة صبا التي لا تفهم سبب غضب ابنها وما فعل.
***
بينما بالأسفل، كان يجلس ذلك الشاب الذي يبدو في منتصف الثلاثين برفقة الجميع، وأمامه يجلس أدهم الذي لم يتوقف عن إلقاء نظرات الغضب والغيرة تجاهه. لو كانت النظرات تقتل، لكان وقع صريعًا بفعل نظرات أدهم الحارقة تجاهه.
لقد بحث عنه وعرف أنه شاب لعوب، لا تمر ليلة دون أن يقضيها برفقة إحدى فتيات الليل، بالإضافة لسمعته السيئة. لا يعرف كيف استطاع أن يجعلها توافق عليه، بل وكيف استطاعت أن تنخدع به. نظراته واضحة للعيان، وما إن جلست حياة برفقتهم، لم يزيح عينيه عنها.
حتى مال عليها بدر قائلاً بخفوت وحدّة:
"اطلعي فوق لحد ما يمشي."
تعرف لما؟ فهي أيضًا لم تعجبها نظرات ذلك الشاب أبدًا، لكنها ادعت الجهل قائلة ببراءة وخفوت:
"ليه؟ خليني قاعدة، عايزة أسمع."
جز على أسنانه قائلاً بغضب وغيرة وهمس:
"اقصري الشر وامشي عشان أنا أصلاً على آخري، واحتمال تقلب الليلة غم لما أفقع له عين أمه."
كتمت ابتسامتها بصعوبة قائلة:
"إيه الألفاظ دي؟ وبعدين أنا مبسوطة هنا."
كور قبضة يده ثم اعتدل واقفًا قائلاً:
"عن إذنكم يا جماعة."
بدون كلمة إضافية، غادر القصر وهو يجذبها خلفه، ليس بقوة، وأدخلها سيارته وانطلق بها. سألته بضيق واهية:
"إيه اللي عملته ده؟ إزاي تسحبني من إيدي كده؟"
لم يجيب، ونظرات ذلك الشاب الحقير الوقحة لجسدها تشعل النيران بصدره، لولا جلوس الجميع لكان لقنه درسًا لا ينسى، لكن صبرًا، سيريه كيف ينظر لما يخصه.
حياة بضيق:
"بدر، أنا بكلمك، رد عليا."
توقف فجأة بسيارته أمام النيل بمكان خالٍ من الناس، ونزل منها يتنفس بانفعال وغضب، وهي خلفه قائلة:
"بدر، إنت..."
جذبها فجأة من يدها حتى أصبحت أمامه، عيناها بعينيه قائلاً بحدة وغيرة:
"عشان بحبك يا حياة. بحبك وبغير، ولولا إني مسكت نفسي وعملت حساب للناس اللي قاعدة، كنت خزقت عنيه الاتنين عشان بصت ليكي بالطريقة دي، وكن..."
وضعت يده على شفتيه فجأة قائلة بحب صادق:
"طب ما أنا كمان بحبك."
بالتأكيد تشعر الآن بأنفاسه المتسارعة، وتسمع لصوت دقات قلبه الذي يقرع مثل الطبول الآن. أبعدت يدها عن شفتيه ليسألها بعدم تصديق:
"إنتي قولتي إيه؟"
ابتسمت بخجل قائلة ببطء:
"أنا كمان بحبك يا بدر."
كاد أن يتحدث لتوقفه قائلة بابتسامة:
"إنت مش هتقول حاجة انهاردة يا بدر، طول عمرك بتقول وأنا بسمع. دلوقتي أنا اللي هتكلم وإنت اللي هتسمع بس."
أومأ بها ببطء، ورغم أنه كان يعلم أنها تود قول تلك الكلمة له، إلا أنه مصدوم ولا يصدق أنها خرجت من بين شفتيها أخيرًا وبكل ذلك الصدق الذي يراه بعينيها.
تنهدت قائلة بابتسامة:
"أنا يا بدر، لأول مرة أبقى عارفة أنا عايزة إيه وعايشة عشان إيه. لأول مرة أبقى متأكدة من اللي حاسة بيه، وقلبي وعقلي مقتنع بيه."
ضحكت بخفوت قائلة بابتسامة:
"كنت غبية زمان عشان مقدرتش أقتنع إن الشعور اللي بحسه ناحيتك حب، وغبية عشان كنت معيشة نفسي في وهم وفاكرة إني حبيته."
ثم اقتربت منه، مسكت يده بين يديها قائلة بصدق:
"بس كنت غلطانة، أنا معاك عرفت يعني إيه حب. إنت الحب اللي أعرفه يا بدر."
كلماتها تنزل على أذنيه تطربه، لا يصدق ما يحدث، ربما هي أحد أحلامه ودقائق ثم يفيق منها.
فتحت حقيبتها تخرج منها ذلك الدفتر الكبير قائلة بابتسامة:
"لما كنت بتابع مع الدكتورة إميليا، قالتلي نفس اللي قاله دكتور عمر، اكتب. اكتب كل اللي بحس بيه من شعور سلبي على ورق، ماضي أو حاضر أو مستقبل."
"قالتلي اكتبي مذكراتك، وكتبتها."
نظرت له قائلة بابتسامة وحب:
"كل الماضي هنا."
وقفت أمام النيل، ثم بكل قوتها ألقته به قائلة بصدق وحب:
"الماضي ده كله ميهمنيش ومش عاوزه. أنا عايزة أعيش معاك الحاضر والمستقبل، وكل لحظة فاضلة في عمري عايزة أعيشها معاك وبس."
أشارت لنفسها قائلة بحب ودموع من السعادة:
"حياة اللي قدامك دلوقتي بقت كده بسببك إنت. أنا بحبك يا بدر، وبحبك قليلة أوي على اللي في قلبي ليك."
حاوط وجنتها بيده قائلاً بمشاكسة وأعين دامعة من السعادة التي تغمره الآن:
"أنا بموت فيك يا صغنن."
ضحكت بخفوت ليمسح دموعها قائلاً بحب:
"أنا بعشقك يا حياة، وفي حياتي كلها محبتش، ولا عمري اتمنيت أسمع الكلمة دي غير منك، والحقيقة إن أنا اللي مفيش كلمة توصف حبك في قلبي قد إيه. بحبك يا تاعبة قلبي."
جذبها لاحضانه بسعادة لتعانقه بقوة هي الأخرى. دقائق، ساعات، لا أحد منهم يعلم كم مضى من الوقت وهم هكذا بأحضان بعضهما، حتى أبعدها عنه قائلاً بحب وهو ينظر لداخل عينيها:
"بحبك يا صغنن."
ابتسمت بتوسع حتى ظهرت أسنانها البيضاء، ليقترب منها مقبلًا جبينها بحب قائلاً بمرح:
"بما إن اللحظة دي مكنش معمول حسابها، ومش عامل حسابي أنا كمان، فعشان كده..."
قطف وردة بيضاء مزروعة بجانب أحد الأشجار الموجودة بأحد الجوانب، ثم انحنى على ركبتيه قائلاً بابتسامة وعشق:
"تتجوزيني؟"
ضحكت بسعادة وأومأت له بنعم، ليقف على الفور واضعًا الوردة البيضاء خلف أذنها قائلاً بصدق:
"وعد مني لأخر نفس في عمري، هفضل أعشقك كل لحظة تمر من حياتي، وهفضل أمانك وسندك، وعمري ما هخذلك أبدًا يا حياة."
ابتسمت قائلة بحب:
"معنديش شك في ده، أنا يا بدر بثق فيك أكتر من نفسي، وواثقة في حبك ليا."
ابتسم بسعادة ثم جذبها من يدها بسرعة قائلاً بلهفة:
"طب يلا."
أوقفته قائلة بتعجب:
"على فين؟"
ابتسم قائلاً بحماس:
"هروح أطلبك من إخواتك ونتجوز في أسرع وقت."
ابتسمت قائلة:
"بلاش جنان، استنى بس."
نفى برأسه قائلاً بتصميم:
"استنيت كتير ومش هستني تاني يا حياة، امشي يلا عشان أنا هروح يعني هروح، فامشي بالذوق بدل ما أشيلك لحد العربية، أنا مجنون وأعملها والله."
ضحكت بقوة وفعلت ما قال، وها هي تقف برفقته أمام باب الفيلا بانتظار أن يفتح أحد لهم الباب.
***
كان يجلس أمام الطبيب برفقة شقيقه جمال، الذي أصر عليه ليجري بعض الفحوصات بعدما لاحظ أعراضًا غريبة بدأت تظهر على شقيقه. ليقوم الطبيب بإجراء بعض الفحوصات، وبعد ساعات من الانتظار، جاء بها الطبيب لهم وعلى وجهه يظهر الحزن الشديد، ليسأله جمال بقلق:
"طمني يا دكتور."
الطبيب بأسف:
"أنا مش عارف أقولكم إيه، بس... ااا... ااا..."
يوسف بجدية:
"أنا عندي إيه؟"
تنهد الطبيب قائلاً بشفقة وحزن:
"للأسف الشديد، حاد ينتشر بسرعة، وأستاذ يوسف في المرحلة الأخيرة منه!!!"
رواية ضحايا الماضي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شهد الشوري
الندم بعد فوات الأوان، تقدير الأشياء ومعرفة قيمتها بعد خسارتها سمة موجودة بالإنسان، وهذه هي الطبيعة. الكثير منا، وليس القليل، لا يقدر الأشياء إلا حينما يفقدها.
كانت تجلس على الأريكة بمنزلها البسيط الذي خصصه لها يوسف لتبقى فيه، بل وساعدها على التعافي من جديد. وها هي بعد علاج أكثر من عام، استطاعت أن تتخلى عن ذلك المقعد المتحرك الذي تعلمت من تجربتها معه الكثير وغيرت فيها الكثير. استطاعت أن تحصل على عمل بعد عناء، تجنبت اللقاء من العائلتين وأي فرد منهم، عدا يوسف. وكم تشعر بالحزن للوحدة والعزلة التي تعيش بها، بيدها تجني الآن حصيلة أفعالها مع الجميع. أما هو، فكانت تأمل أن يسامحها ويغفر لها ما فعلته به ثم يعودا من جديد. لكنها تفاجأت بعد أن تركت منزله بخمسة أشهر فقط بزواجه، الذي رأت صوره على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. لقد تزوج. بقدر ما حزنت، بقدر ما فرحت له أنها استطاعت أن يتخطاها.
تأملت سكون المنزل من حولها بحزن ودموع. التقطت سترتها الرياضية ومتعلقاتها ونزلت للأسفل، تتمشى بالشوارع قليلاً. ذلك الحل سيكون أفضل كثيراً من العزلة التي تعيش بها.
كانت تسير على النيل لتقع عيناها على بدر وحياة، يبدو أنها أخيراً وجدت السعادة ومن يحبها حقاً. كانت تقف بعيداً ورأت كيف ركع على ركبتيه، وكيف كانت حياة تبتسم له بسعادة. ابتسمت بخفوت وأكملت سيرها لتتوقف مرة أخرى عندما وقعت عيناها على عمر الذي يجلس برفقة زوجته وطفله الصغيرة. يبدو أنها ابنته، فهي تشبهه لحد كبير جداً. أرادت أن تذهب قبل أن يراها، لكن لسوء حظها، لقد رأها بالفعل، والتقطت عيناها بعينيه. سرعان ما أشاحت بوجهها وأكملت السير بسرعة والدموع تنهمر على وجنتها بغزارة.
جلست على أحد المقاعد قائلة بحسرة وحزن:
الكل عاش حياته ومحدش حياته واقفة غيرك يا سارة. بتحصدي كل عمايلك زمان، وادي آخرتها لوحدك بين أربع حيطان. لو متي محدش منهم هيحس بيكي ولا يفتكرك بالخير.
***
فتحت الخادمة الباب لبدر وحياة، وما إن دخلا سألت، تفاجأت بالسكون الذي يعم المكان. سألت الخادمة عنهم قائلة:
هو محدش هنا ولا إيه؟
أجابتها بتهذيب:
لا يا هانم، كلهم مشيوا من شوية وراحوا القصر عند سليم بيه، والأولاد كلهم نايمين فوق ما عدا صافي، زينة هانم خدتها معاها.
أومأت لها بصمت، ليبتسم بدر قائلاً:
يلا نروح لهم.
أومأت له، وبالفعل ذهبوا هناك، وكان المكان قريب جداً. دقائق قليلة وكانوا هناك، لتتفاجأ بدر بوجود سيارة ذلك الحقير الذي تجرأ. نظر لها بوقاحة قائلاً بغضب:
هو بسلامته لسه هنا؟
حياة بتحذير:
بدر اهدى، مش عايزين مشاكل. أصلاً أنا عندي إحساس كبير إن هنا هترفضه بعد كلامي الصبح.
لحظات واستمع الاثنان لصوت أحد يتألم يأتي من ناحية الحديقة، فركضوا لهناك على الفور ليصدموا عندما وجدوا أدهم يبرح العريس ضرباً.
قبل قليل بالحديقة، كانت هنا تجلس برفقة أيمن بالحديقة بعدما استأذن من الجميع التحدث معها. قائلة بحرج:
أيمن، أنا عارفة إن اللي هقوله دلوقتي غلط ومينفعش أوافق عليك. بعدين أرجع أرفض.
أيمن بصدمة:
ترفضي؟
أومأت له قائلة بحزن:
أبقى بظلمك لو وافقت وأنا لسه بفكر في أدهم وعقلي وقلبي معاه. كنت فاكرة إني هقدر آخد الخطوة دي، بس مقدرتش. لما الموضوع دخل في الجد، مقدرتش. أنا آسفة.
كان أدهم يقف على مقربة منهم يستمع للحديث الذي يدور بينهم. كان في بداية الأمر غاضباً، يشعر بالغيرة الشديدة، لكن سرعان ما تبدد كل ذلك وسعادة غامرة احتلت قلبه وهو يستمع لها.
بينما أيمن انتفض من مكانه قائلاً بغضب:
هو لعب عيال ولا إيه؟
كادت هنا أن تعتذر منه، لكنه سبقها أدهم الذي ظهر فجأة وبدون مقدمات قائلاً بحدة:
هي مش قالت لك طلبك مرفوض؟ ما عندناش بنات للجواز، ويا ريت منشوفش طلتك البهية دي تاني.
أيمن بغضب:
وأنت مالك؟
أدهم بغضب:
بقولك إيه؟ غور من وشي واشتري نفسك، عشان شكلك لسه متعرفش مين هو أدهم الجارحي.
أيمن بسخرية واستهزاء:
لأ طبعاً. عارفه طليقها، وعارف كمان أنت طلقتها ليه. هي هنا صحيح مقالتش حاجة، بس محسوبك ليه مصادره الخاصة برضه. بس هنا هتبقى مراتي على فكرة، رفضها أو موافقتها ميهمنيش، مش أنا اللي أعوز حاجة وما آخدهاش.
أدهم بهدوء يسبق العاصفة:
يعني مش هتبعد عنها؟
أومأ له أيمن بتحدي، ليبتسم أدهم قائلاً بابتسامة ليست بمحلها:
كويس أوي، جت منك والله، وأنا بتلكك وعايز أضربك. تعالى بقى يا رو...
صرخت هنا بخوف بعدما كانت تأخذ دور المستمع، عندما لكم أدهم أيمن بقوة أطاحت به أرضاً. ثم انحنى تجاهه وأنهال عليه بالمزيد من اللكمات القوية، والأخت لم يصد أي منهم نظراً للفرق الواضح بين بنيته وبنية أدهم.
***
بتلك اللحظة جاء بدر وحياة، التي قالت بقلق:
أدهم بتعمل إيه؟ سيبه هيموت في إيدك.
بينما بدر اقترب منه قائلاً بابتسامة واسعة:
مش كنت تقول، كنت ساعدت وقمت بالواجب يا بن عمي.
***
ثم بلحظة جذب أيمن الملقي أرضاً من ثيابه ولكمه بقوة شديدة. ركضت هنا للداخل حتى تطلب ميادة منهم، بينما حياة حاولت الفصل بينهم لكن دون جدوى. بينما أيمن كاد أن يغشى عليه من كثرة الضرب، فهو يأخذ لكمة من أدهم ثم لكمة من بدر.
لتقول حياة بضيق وقلق:
بدر ابعد عنه، أنت بتعمل إيه؟
جاء من خلفهم صوت سليم قائلاً بصرامة:
في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
أبعد آدم وريان بدر وأدهم عن أيمن قائلاً:
انتوا بتعملوا إيه انتوا الاتنين؟
أدهم بغضب:
الزبالة ده ميدخلش هنا تاني.
فاطمة بقلق:
ليه حصل إيه يا بني؟
جذبه بدر ليقف على قدمه هامساً بخفوت بجانب أذنه وبنبرة تدل على كل شر أخافته لم يسمعها سواه:
المرة الجاية قسماً بالله هخزقلك عينك اللي بصت ليها بطريقة و... زيك.
ثم دفعه بقوة قائلاً بغضب:
غور.
فر أيمن هارباً بخوف وجسده بالكامل يؤلمه.
سليم بغضب وصرامة:
أنا عايز أفهم اللي بيحصل هنا.
قص عليه أدهم ما حدث، ليسأل سليم بدر بصرامة:
البيه بقى ضربه ليه؟
بدر بغضب:
مشوفتش كان بيبص لحياة إزاي يا جدي؟
سليم بمكر:
إيه اللي ضايقك كده يعني؟
بدر بغضب وغيرة:
يهمني لأن حياة تخصني، وبما إن الكل موجود أنا عايز أتـ...
أوس بغيرة وحدة:
لأ، ما عندناش بنات للجواز.
بدر برفعة حاجب:
لأ ليه؟ عايز أعرف السبب.
تبادل الأربعة النظرات، وكلاً منهم يشعر بالغيرة على شقيقته، ليتدخل سليم قائلاً بهدوء:
رافض ليه يا أوس؟ وبعدين لسه مسمعناش رأي صاحبة الشأن. رافضة ولا موافقة؟
سليم بهدوء لحياة التي تخفض وجهها بحرج وخجل. نظرت لإخوانها لتجد الرفض على وجوههم، لكنها تعلم سبب ذلك بالطبع، الغيرة.
اخفضت وجهها أرضاً من الحرج. هي الآن بموقف لا تحسد عليه، أن ترفض لأجل أن لا تحرج أشقاءها، وحينها ستخذل بدر الذي فعل لأجلها الكثير، أو تقبل وتسبب الحرج لهم وتسعد بدر.
نظرت لبدر برجاء أن يتصرف. هي الآن لا تعرف ماذا تفعل، ليتنهد قائلاً بهدوء:
الطلب كان مفاجأة يا جدي. سيبها تفكر، وهما كمان يفكروا براحتهم.
أومأ سليم بصمت، ثم دخل الجميع للداخل. وقبل أن تلحق هنا بهم، جذبها أدهم من يدها قائلاً:
ابننا ميستاهلش فرصة تانية يا هنا. صدقيني، غصب عني، أوعدك عمرها ما هتتكرر تاني. وحياة سليم، وافقي وأنا والله هعمل أي حاجة عشان أعوضك عن غبائي زمان.
كانت تنظر للأرض بتردد، تخشى من كلمة نعم وما يمكن أن يترتب عليها فيما بعد. ليمس يدها قائلاً بتوسل:
وافقي يا هنا، وافقي، وأنا عمري ما هخذلك أبداً. وحياة سليم، عمري ما هعملها تاني.
بعد صمت دقائق، نطقت بصعوبة ودموع:
آخر فرصة يا أدهم.
ابتسم بتوسع، وقبل أن تنطق بكلمة أخرى كان يحملها يدور بها صارخاً بكل ما فيه من قوة، من السعادة.
***
صباح اليوم التالي.
أغلقت ندا الهاتف مع والدها الذي أخبرها بحالة يوسف السيئة، وأنها بمرحلة متقدمة جداً من المرض اللعين.
بكت بقوة وتأثر، تجمع على أثرها زينة وفرح ومهرة، التي سألتها بقلق:
مالك يا ندوش؟ بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟
قصت عليها ما استمعت له من والدها، لتتنهد زينة قائلة بحزن:
ربنا يشفيه.
ندا ببكاء:
عمي حالته خطيرة أوي. أنا خايفة عليه يا زينة.
فرح وهي تربت على كتفها قائلة برفق:
ربنا يشفيه. خلي أملك في ربنا كبير.
ندا بدموع:
ونعم بالله.
زينة بتردد:
هنقول لهم على حالة عم يوسف؟
ندا بتصميم ودموع:
أيوه لازم. عمي محتاج لهم أوي جنبه.
فرح بقلق:
هنقول لهم إزاي؟ انتوا عارفين الموضوع صعب أوي نكلمهم فيه.
زينة بقلق:
هنحاول، وربنا يستر بقى.
اتفق الأربعة على أن تخبر كل واحدة منهم زوجها.
جاء المساء والمشهد كالتالي بغرفة أوس. بتردد جلست مهرة بجانبه تخبره بما حدث. وما إن انتهت، نظر بها قائلاً بثبات:
أيوه، أعمل إيه يعني؟
مهرة:
روح شوفه. اتكلم معاه.
نظر لها قائلاً بصرامة:
اسمعي يا بنت الناس، الموضوع ده ما يتفتحش في البيت ده، وسيرة الراجل ده ما...
قاطعته قائلة:
الراجل ده يبقى أبوك.
صرخ عليها بغضب:
الراجل ده مش أبويا، انتي فاهمة؟ لو مش عايزاها تقلب بخناق، اقصري الشر واسكتي.
نفت برأسها قائلة بتصميم:
مش هسكت يا أوس. هو آه غلط، بس إحنا كمان بشر وبنغلط، و...
قاطعها قائلاً بحدة:
غلط عن غلط يفرق.
تمسكت بيده قائلة بحزن ورجاء:
هو محتاجلك.
أبعدها عنه قائلاً بغضب وقهر:
أنا كمان كنت محتاج له. كل لحظة كانت بتعدي في حياتي، كنت بحتاج له فيها. احتاجت له ورماني أنا وإخواتي في أكتر وقت كنت محتاجين له فيه.
حاولت الاقتراب منه، لكنه أبعدها، ثم خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه بغضب. لحظات وركضت للشرفة بقلق عندما استمعت لصوت إطار سيارته يحتك بالأرض مصدراً صوتاً مزعجاً.
***
كذلك كان الحال بغرفة ريان وندا، التي ما إن انتهت من سرد ما حدث وطلبت منه أن يسامحه، قاطعها قائلاً بغضب:
اسكتي.
نفت برأسها قائلة بحزن:
مقدرش اسكت يا ريان، ده عمي وأبوك.
تمسكت بيده قائلة برجاء:
روح شوفه عشان خاطري. مهما كان اللي عمله، في الأول والآخر أبوك.
ركل المقعد بقدمه قائلاً بغضب وقهر:
إحنا كمان كنا ولاده في الأول والآخر. مهما كان اللي عملته أمي زي كان بيتهمها، إحنا ولاده واتخلى عنا.
توسلته مرة أخرى قائلة برجاء:
حالته خطر والدكتور بيقول مسألة وقت. روح له، اتكلم معاه لآخر مرة، واجهه باللي جواك، واللي متأكدة إنه مش كره زي ما أنت مبين.
تلـمعت عيناه بالدموع، لتقترب منه قائلة بحزن:
عينك اللي بتلمع بالدموع دي حزن. قلبك واجعك عليه، ونفسي تجري عنده وتطمن. نفسك ترمي نفسك في حضنه.
محقـة بكل ما قالت، لكن لا يزال يكابر، مردداً بانفعال:
لأ، مش صح.
اقتربت منه قائلة بحزن:
خليك صريح مع نفسك لمرة واحدة يا ريان، أنت عمرك ما قدرت تكرهه.
دفعها من أمامه مغادراً الغرفة، بل الفيلا بأكملها بغضب، مصدراً بسيارته نفس الصوت، لتركض هي الأخرى للشرفة تنظر لأثره بحزن شديد وقلق.
***
بغرفة أمير وفرح، ما انتهت ما أخبره بما حدث، خيم الصمت على المكان. لتسأله:
أمير، أنت سمعت أنا قولت إيه؟
نظر لها قائلاً بهدوء ظاهري:
أيوه سمعت.
سألته بترقب:
طب هتروح تشوفه؟
أجابها بهدوء وهو يخلع جاكيت بدلته:
لأ.
شعرت بالتوجس من هدوئه، لتسأله:
ليه؟
أجابها بصرامة:
كده، واقـ...
صرخ عليها بغضب لم تعهدها منه منذ زواجهم:
أنا مش قولت اقفلي الزفت الموضوع ده.
نفت برأسها قائلة بتصميم:
مش هقفله.
ثم اقتربت منه محاوطة وجهه بيدها قائلة:
يا حبيبي، ده والدك. مينفعش تسيبه في وقت زي ده. عارفة إن صعب تسامح في اللي عمله معاك، ومش عارفة لو كنت مكانك كنت هقدر أعمل اللي بقولك عليه ده ولا لأ.
ثم تابعت بتشجيع:
روح له، هو محتاجلك، وأنت محتاج له.
أبعد يدها عنه قائلاً بغضب وانفعال:
أنا مش محتاج له. مش بعد كل السنين اللي قضيتها من غيره هحتاج له دلوقتي.
نفت براسها قائلة بحزن:
محدش يقدر يعيش من غير أبوه وأمه، من غير ما يحتاج لهم في أي لحظة في حياته.
اقتربت منه مرة أخرى تتمسك بيده قائلة برجاء:
روح له، يمكن تكون آخر مرة تشوفه، ويمكن تندم في يوم إنك معملتش كده، ما اتكلمتش معاه، مقولتش اللي في قلبك ليه.
نظر لها قائلاً بمكابرة رغم تأثره بكل كلمة قالتها:
اللي في قلبي ليه معروف، كره و ب...
قاطعته قائلة بحزن:
مش وقت تكذب فيه على نفسك. عيونك فضحاك، أنت زعلان عليه، نفسك تجري وتعـ...
كحال أخوته، غادر مثلهم بغضب. قلبه يود الذهاب إليه وعقله يرفض الخضوع لرغبة القلب.
***
نفس الحال بغرفة أدم وزينة. كان يجلس على الفراش وهي تجلس أمامه أرضاً تتمسك بيده. قائلة بحزن:
والدك محتاجلك دلوقتي بالذات.
ليأتيها رده قائلاً بانفعال:
أنا كمان احتاجت له. عارفة كام مرة احتاجت له وقد إيه.
وقف وجذبها لتقف أمامه قائلاً بغضب وقهر:
خمسة عشر سنة، كل يوم فيهم وكل لحظة كنت محتاج له فيها. أنا كنت لسه في بداية حياتي، معرفش يعني إيه مسؤولية. فجأة لقيت أمي بتموت وأب بيرميني أنا وإخواتي بذنب ملناش دعوة بيه. في يوم وليلة، ألقى نفسي في رقبتي أربع أخوات. طفل في رقبته مسؤولية أربع أطفال زيه.
كور قبضة يده قائلاً بانفعال:
سنين شقى وتعب وأيام كتير كانت بتعدي عليا، كنت بحتاج له عشان أترمي في حضنه.
جلس مرة أخرى على الفراش قائلاً بقهر وألم:
استنيته كتير، سنة اتنين، إن قلبه يحن ويجي يعتذر، يرجعنا لحضنه من تاني. معملهاش، أذاني وأذى إخواتي، وحرمني من أمي اللي ماتت وهي لسه في شبابها. ظلم.
حرك رأسه بنفي قائلاً بأعين تلمع بالدموع:
إني أسـ... ده خيانة ليها.
جلست بجانبه وهي تضع يدها على وجنته قائلة بمواساة وحزن:
عارفة إن اللي عيشته وشوفته صعب، بس ده أبوك. مهما عمل، اسمه أبوك. وعمتو اللي يرحمها عمرها ما هتكون مبسوطة وهي شايفة الوضع ده.
تمردت دموعه على رغبته وفرت دمعة عاصية يليها الكثير بصمت، لتمسحهم بيدها قائلة برجاء:
روح له وريح قلبه وقلبك اللي متأكدة إنه موجوع منه، مش بيكرهه.
أبعدها عنه قائلاً بنفي قبل أن يغادر الغرفة:
مقدرش أعمل كده.
تنهدت بحزن وهي تنظر لأثره، خرجت للشرفة لتقع عيناها عليها وهو يغادر الفيلا منطلقاً بسيارته بسرعة عالية. التقت يميناً ويساراً لتقع عيناها على فرح ومهرة وندا، ومن هيئتهم يبدو أن الثلاثة فشلوا في إقناع أزواجهم مثلها.
***
بينما حياة علمت من زينة التي هاتفتها وأخبرتها، لتصعق هي الأخرى بهذا الخبر. دقائق أم ساعات، لا تعرف كم بقيت شاردة والدموع تلمع بعينيها تهدد بالنزول بأي لحظة.
هاتفت إخوانها لكن لا من مجيب، بالتأكيد كلا منهم مصدوم مثلها. وضعت يدها على وجهها ودخلت في نوبة من البكاء.
مر الليل وجاء الصباح وهي مثلما كانت تجلس بالأمس، لازالت تنظر للفراغ بشرود. بعد تفكير طويل، اتخذت ذلك القرار، رغم أن بداخلها ليست مقتنعة به كلياً. هاتفت إخوانها لكن أيضاً لا يجيب أحد. لذا بعثت رسالة صوتية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي قائلة بحزن:
أنا عارفة إنكم مصدومين، وعارفة إن محدش فينا قدر يكرهه، رغم إن اللي كنا بنبيـ... كان كره وبس، لكن أنا متأكدة إن إحنا موجوعين منه. مش بطلب منك تسامحوه، لأني أنا كمان مش قادرة أعمل كده. مش قادرة بين يوم وليلة أسامح. أبوكم محتاج لنا دلوقتي بالذات، وكل واحد فيكم دلوقتي أب. ربنا وصانا عليه، ومهما عمل هو اسمه أبونا.
تنهدت ثم تابعت بجدية:
أنا رايحة قصر العمري أجيب أبوكم للفيلا. أتمنى إخواتي يفضلوا رجالة زي طول عمرهم ما كانوا. شيلوا الخلافات اللي بينا على جنب، وكل واحد يعمل اللي حاسه، واللي متأكدة إن محدش فيكم قلبه هيطاوعه يبعد في وقت زي ده ويتخلى.
ظهرت لها إشارة زرقاء دليل على استماعهم للرسالة التي أرسلتها على جروب خاص بهم.
***
بتردد وضعت يدها على جرس الباب الداخلي لقصر العمري. أدخلتها الخادمة على الفور ما أن رأتها، وبدون حديث صعدت لأعلى حيث غرفته. كادت أن تطرق الباب الذي لم يغلق كاملاً، لترى من ذلك الشق يوسف يجلس على فراشه، يمسك بيده كوب الماء، ويمسك بيده أحد شرائط الدواء، ويظهر عليه التعب الشديد، لكن وقع الشريط من يده.
كاد أن ينحني ليلتقطه، ليجد يداً سبقته والتقطتها، وما أن رفع وجهه ليرى الفاعل، لترتسم الصدمة على ملامح وجهه عندما وجد ابنته التي بصمت جلست بجانبه على الفراش بصمت، تخرج حبة دواء من الشريط، وضعتها بيدها بصمت. لكنه من الصدمة لم يتحرك من الأساس، لتنطق هي بصعوبة:
الدوا.
تناولها بصدمة وعيناه تلمع بالدموع، بينما هي كانت تنظر أمامها تحاول تفادي النظر لوجهه حتى لا يرى دموعها التي تهدد بالانهمار بأي لحظة.
لتنطق بصوت مختنق:
ألف سلامة عليك.
نطق بصعوبة هو الآخر وصدمة:
الله يسلمك.
بدون حديث، توجهت لغرفة الملابس تبحث عن حقيبة ثياب لتجدها. أخذت تضع بها ثياب له، بينما هو ذهب خلفها بصدمة ليجدها تضع ثيابه بالحقيقة، فسألها بصدمة:
بتعملي إيه يا حياة؟
تنهدت بعمق قبل أن تجيبه بهدوء يخالف ما بداخلها الآن:
بجهز شنطتك.
أيمن:
ليه؟
أجابته بصوت مختنق من الدموع:
عشان تعيش في بيت ولادك.
صدمة تلي الأخرى. هو للآن لم يتجاوز صدمة تواجدها الآن وأنها تتحدث معه، ليخرج من شفتيه فقط كلمتان:
مش فاهم حاجة.
جاءه صوتها بعد لحظات صمت قائلة بما صدمه مرة أخرى:
مش فاهم إيه بس يا بابا؟ بقولك هتيجي تعيش في بيت ولادك.
شهق بصدمة وفرت دمعة من عيناه، يليها المزيد بصدمة وسعادة.
بينما هي كانت انتهت من وضع ثياب تكفي بحقيبته، واقتربت منه قائلة بابتسامة:
هتيجي ولا حابب تفضل هنا؟
من الصدمة لم يجيب والدموع تنهمر على وجنته بغزارة، بينما هي بتوتر رفعت يدها تمسح دموعه قائلة بنفس الابتسامة:
هتيجي.
أومأ له سريعاً بسعادة ولهفة، تمسكت بيده وباليد الأخرى تجر حقيبة ملابسه. وما أن وصل لمنتصف الدرج برفقتها، تفاجأ بأبنائه جميعاً يقفون بالأسفل. تحرك أمير وأخذ من يدها الحقيبة، لتبتسم هي لهم.
بينما جمال ومازن وفرحة وإلياس وسعاد يراقبون سعادة يوسف الظاهرة بوضوح على وجهه بسعادة.
كان أول من تحدث ريان قائلاً بهدوء:
يلا خلينا نمشي.
ودع الجميع يوسف الذي لم يكن معهم من الأساس، عيناه لم تفارق النظر لأبنائه ثانية واحدة.
ابنته تتمسك بيده وتناديه بأبي، وأبناؤه جائوا لأجل أن يأخذوه ليقيم معهم ما تبقى من عمره، أيام... أسابيع... شهور سيقضيهم برفقتهم وبرفقة أحفاده، الذي كان يتجنب الحديث معهم بوجود أبناءه حتى لا يسبب الضيق لهم.
***
ما إن وصل يوسف لفيلا أبناءه، استقبلوه زوجاتهم ترحيباً شديداً، لتقول ندا وهي تربت على كتفه:
أحلى أوضة لأحلى عم في الدنيا جهزتها أنا والبنات لحضرتك بنفسنا.
ابتسم لهم يوسف بشكر وعيناه على أبناءه الصامتين للآن، حتى طوال الطريق لم ينطق أي منهم بأي كلمة.
تبادل الأربع فتيات النظرات، ثم وقفوا قائلين:
هنروح نجهز الغدا أنا والبنات.
ما أن غادروا، كان الصمت يعم المكان. كلاً منهم يجد صعوبة في الحديث، والجو أصبح مشحوناً بالتوتر. لتتحدث حياة أخيراً بعد صمت طويل:
تحب تطلع ترتاح في أوضتك؟
انتظر أن يتحدث أي من أبناءه الأربعة، لكن لم يحدث. وقف بعدما أومأ لها بصمت. كادت أن تمسك بيده تساعده على السير، لكن سبقها ريان قائلاً بهدوءه المعتاد:
خليكي يا حياة، أنا هوصله.
أومأت له، وابتعدت بهدوء، ليصعد يوسف برفقته في صمت تام. بينما حياة ما أن صعدوا، نظرت لهم قائلة بابتسامة:
اللي عملتوه هو الصح. وشكراً عشان محدش فيكم رفض طلبي.
أوس بهدوء يعكس ما بداخله:
محدش رفض عشان ده اللي كان المفروض يحصل أولاً، وعشان خاطرك غالي عندنا أوي يا حياة.
ابتسمت له، ثم صعدت لأعلى لغرفتها، وما أن أغلقت الباب، انهمرت دموعها بغزارة على وجنتها، ولم تستطع كتمانها أكثر من ذلك.
***
بينما بغرفة يوسف.
ساعده ريان على الاستلقاء على فراشه وفتح حقيبته الطبية وأخذ يفحصه بهدوء. وما أن انتهى، تنهد بعمق قائلاً بصعوبة:
ألف سلامة عليك.
يوسف بأعين دامعة:
الله يسلمك يا بني.
صمت ريان للحظات قبل أن يقول بهدوء لا يمس بصلة ما يشعر به الآن من الداخل:
اللي حصل صعب أسامح فيه، وصعب أنسى بين يوم وليلة، وصعب أتعامل معاك كأن مفيش حاجة حصلت. أنا مش بكرهك.
تنهد متابعاً حديثه بصعوبة:
مش بكرهك، ولا عمري قدرت أكرهك، ولا حد فينا قدر يحس كده ناحيتك. إحنا كنا موجوعين منك، كنا بنحبك أوي، وعلى قد ما حبناك اتوجعنا منك.
اخفض يوسف وجهه بحزن ودموعه تنهمر على وجنتيه بصمت، وهو يستمع لحديث ابنه:
بعد ما ماما ماتت، استنيناك كتير عشان تيجي، وكنا هنسامحك بس لو جيت، لكن أنت مجيتش. اتخذلنا منك كتير أوي واتوجعنا منك.
بتلك اللحظة دخل أوس وأدم وأمير، الذي قال بحزن ظاهر بوضوح بصوته:
أنت موجود هنا دلوقتي مش شفقة زي ما بتفكر، أنت هنا عشان إحنا محتاجين ده قبلك. أنت هنا عشان محدش فينا كان مبسوط بحالتك، ولا فرحانين باللي حصلك. موجوعين منك، بس محدش فينا بيكرهك، ولا عايزين نخسرك.
تابع أوس الحديث بصعوبة:
أنت هنا عشان تكون فيه فرصة نقدر فيها نسامح ونعدي اللي حصل زمان. مش هننساه، ولا عمرنا هنقدر، بس على الأقل نقدر نتعايش بيه.
بعد صمت لحظات، تحدث أدم أخيراً قائلاً بصعوبة:
ريان قال كل اللي إحنا كنا عايزين نقوله، ويا ريت متتكلمش في الماضي تاني، وإحنا كمان هنعمل كده.
يوسف ببكاء وندم:
سامحوني.
لم يتحدث الأربعة بعد طلب السماح منهم، ليأتي بتلك اللحظة صوت فرح قائلة:
بتعملوا إيه عندكم؟ يلا الغدا جاهز. يلا يا عمي.
نفى يوسف برأسه قائلاً بحزن:
مليش نفس يا بنتي، بالهنا والشفا انتوا.
أوس بجدية:
لأزم تاكل كويس عشان الدوا اللي بتاخده شديد.
بينما ريان ابتسم بمجاملة قائلاً:
كمان عشان الأولاد عايزين يقعدوا على السفرة مع جدهم أول مرة.
ابتسم يوسف مربتاً على كتف ريان الذي يجلس بجانبه، ونزلوا جميعاً للأسفل مجتمعين على تلك الطاولة التي لأول مرة تجمعهم معاً منذ سنوات طويلة.
***
في المساء.
كان إلياس يجلس خلف مكتبه وعقله شارد في صراع كبير. منذ أن جاءت له تلك الفتاة حتى تتفق معه ذلك الاتفاق، يحذرهم منها أو يكمل في تلك الخطة، لعله يسترجعها من جديد ويكسب قلبها الذي كسره بتسرعه وشكه بها.
لكن جاءت اللحظة الحاسمة ليقرر فيها ماذا سيختار، أن يكون نذلاً معها للمرة الثانية، وأن يختار سعادتها التي يراها بوضوح وهي برفقة بدر.
وصلته رسالة صوتية من رقم نسرين على أحد مواقع التواصل الاجتماعي تقول فيها:
أنا مع بدر دلوقتي في أوتيل. أنت دلوقتي روح لحياة عشان لما أبعتلها رسالة وصورة ليه معايا تكون جنبها وتجيبها وتيجي عندي.
بعد لحظات، كان يمسك مفاتيح سيارته وانطلق بسرعة شديدة لينفذ ما اختار أن يكون.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت نسرين تجلس برفقة بدر بالكافيه الخاص بالفندق، وهو يجلس أمامها يحرك قدمه بنفاذ صبر وغضب قائلاً:
بقالنا نص ساعة، وبسلامته ما وصلش.
تصنعت البكاء قائلة:
أنا آسفة يا بدر، معطلاك معايا، بس كنت محتاجة راجل يقف جنبي، وأنا معرفش غيرك يساعدني في الموضوع ده.
بالطبع جاءت به إلى هنا بكذبة من تأليفها. لقد أخبرته أن هاتفها تمت سرقته منها، والسارق استطاع أن يصل لكل شيء على الهاتف من صور خاصة وغيره، ويهددها بهم مقابل مبلغ وقدره من المال.
مرت ربع ساعة أخرى لم يأتِ، لتعتذر منه قائلة بدموع وحزن:
أنا آسفة يا بدر، معطلاك معايا، بس مليش غيرك.
أشفق عليها قائلاً بهدوء:
خلاص يا نسرين، مفيش حاجة. أنا معاكي، وإن شاء الله المشكلة تتحل من غير أي مشاكل.
مسكت يده قائلة بامتنان:
شكراً يا بدر، بجد شكراً.
سحب يده منها على الفور بضيق، طلب قهوة له، وكذلك هي. مر وقت قصير وجاء النادل بهم، ثم غادر. لتمر لحظات وأرسلت لهاتفها رسالة من النادل تنص على كلمة واحدة فقط: "حصل".
ابتسمت بمكر وهي ترى بدر يقرب فنجان القهوة من فمه ليرتشف منه، لكن بلحظة وجدت يداً تطـ... الفنجان من يده بغضب. انتفضت مكانها عندما وجدت إلياس الفاعل، قائلة بغضب:
أنت اتجننت!
إلياس بحدة وغضب:
هاتها وتعالى بره عشان اللي هيتقال مينفعش حد يسمعه خالص.
كان بدر مصدوماً مما حدث، وكانت نسرين ترتجف من الخوف. ستخسر بدر نهائياً إذا علم شيء عن مخططها مع إلياس.
دفع بدر الحساب وجذبها من يدها لخارج المطعم قائلاً بحدة لإلياس:
ممكن أعرف إيه اللي أنت عملته ده؟
إلياس بهدوء:
معرفش، هي كدبت عليك وجابتك هنا بحجة إيه، بس القهوة اللي كنت هتشربها فيها منوم، وكانت هتاخدك وتطلع أوضة فوق عشان توهم حياة إنك بتخونها، وكانت عايزاني... قص عليه اتفاقها معه بالكامل، وما أن انتهى.
قبض بدر بيده على ذراع نسرين قائلاً بغضب:
أنا مشوفتش رخص كده. قولتهالك مية مرة، مش عاوزك ولا طايقك. إيه؟ مش بتفهمي؟ معندكيش كرامة؟ وصلت بيكي إنك تفكري في كده.
نسرين ببكاء وغضب:
عملت كده عشان بحبك. أنا عرفتك قبلها، فضلت أجري وراك كتير، وهي جات في لحظة خدتك مني فيها. إيه؟ زيادة عني؟
صرخ عليها بغضب واحتقار:
أنتي وهي متتقارنوش ببعض خالص. انتي رخيصة، لكن هي لأ. هي غالية وهتفضل غالية، وعمرها ما رخصت نفسها ونزلت لمستواكي اللي خلاك تفكري تجبري نفسك على واحد مش طايقك.
دفعها باحتقار قائلاً بغضب وتوعد:
امشي من خلقتي، وآخر مرة أشوف وشك ليها. حتى الشركة اعتبري نفسك مطرودة من النهاردة.
تمسكت بيده حتى ترجوه أن يتراجع عنه، قال لكنه دفعها باحتقار وغادر، وخلفه إلياس، والاثنان تركوها تجلس أرضاً تبكي وتنتحب بقوة.
***
بالخارج، وقف إلياس بجانب بدر الذي يستند على سيارته يتنفس بقوة من الانفعال والغضب. خرت دقائق وهم على هذا الحال في صمت. قطعه بدر قائلاً بصدمة:
آخر حد كنت أتوقع إنه ممكن يساعدني.
إلياس بسخرية:
مش عشان جمال عيونك يعني. أنا عملت كده عشان حياة.
تنهد بحزن متابعاً حديثه:
مش عايز أكون ندل معاها للمرة التانية. خذلتها مرة، وعارف إنها اتوجعت، مش عايز أعيشها نفس الوجع مرتين. هي تستاهل تعيش مبسوطة، وعارف إنها بتحبك، وأنت كمان بتحبها.
ابتلع غصة مريرة بحلقه قائلاً:
حافظ عليها. أنا عارف إنك مش زيي، وإنك كنت أرجل مني معاها، وعملت معاها اللي أنا مقدرتش أعمله لأني بغبائي نهيت كل حاجة من البداية.
كان بدر يستمع له بشفقة وحزن، ليردد إلياس متابعاً حديثه بحزن وألم:
حياة تستاهل الأحسن مني، وأنا عارف إنك أحسن مني. أنت بجد تستاهلها. انتوا الاتنين تستاهلوا بعض.
***
كاد أن يغادر، ليوقفه بدر قائلاً:
إلياس، شكراً.
ابتسم إلياس قائلاً بمرح باهت:
قولتلك مش عشان جمال عيونك. فمفيش داعي للشكر.
قالها وغادر، وخلفه سيارة بدر منطلقة، ليرى حبيبته التي اشتاق لها.
***
" سامحتيه؟ "
كانت تلك الكلمة الوحيدة التي خرجت من بدر بعدما قصت له ما حدث.
صمتت للحظات قبل أن تقول بحزن:
أبقى كدابة لو قلت آه. لسه في جوايا جزء مش مسامح ومش قادر يتقبل كده. في جزء جوايا بيقولي إزاي تعملي كده وتسـ... الراجل اللي عمل كده فيكم ودمركم. جزء جوايا بيقولي أنت بتخوني باللي بتعمليه. مامتك اللي كانت ضحية للراجل ده زيك أنتِ وإخواتك بالظبط، وهي أول ضحية.
ربت على يدها قائلاً برفق:
الصوت اللي جواكي وبيقولك كده ده الشيطان. بلاش تسمعي ليه. الشيطان عمره ما هيكون مبسوط لما يشوفك بتعملي حاجة صح.
" يعني اللي بعمله صح؟ "
اخفضت وجهها قائلة بحزن:
بلاقي صعوبة في التعامل معاه، بحس إني بتعامل مع راجل غريب عني، مش أبويا.
أومأ لها بتفهم:
طبيعي. بقالك قد إيه بعيدة عنه؟ سنين مش أيام. انتي بس محتاجة شوية وقت.
صمتت للحظات وبدأت تبكي بصمت. جذبه لاحتضانه، وهو حزين عليها، يتفهم ذلك الصراع الذي يدور بداخلها الآن.
بعد دقائق من البكاء، شاكسها قائلاً:
كده تبلي القميص بتاعي بدموعك.
ابتعدت عنه ثم مسحت دموعها قائلة:
فدايا.
نفى برأسه قائلاً بمكر:
لأ، مش فداكي. وأنا حالاً عايز تعويض.
زفر بضيق قائلة بعبوس:
هجيب لك غيره.
نفى برأسه قائلاً بمكر:
تؤ، غيره إيه بس؟ أنا عايز تعويض تاني خالص.
نظرت له قائلة:
عايز إيه؟
ضم شفتيه ثم أخذ يحركها بمعنى يريد تقبيلها، لتشهق هي بخجل قائلة بغيظ:
يا سافل، يا قليل الأدب!
نظر لها بغيظ قائلاً بتوعد:
بعد الشتيمة دي، هيبقوا اتنين.
وقفت وكذلك فعل هو، ثم رفعت إصبعها بوجهه قائلة بحدة تخفي بها خجلها:
بعينك، ولو قربت هصوت وألم عليك البيت كله.
قبل إصبعها، لتسحب يدها على الفور، ثم بدأت بالتراجع للخلف عندما بدأ هو يتقدم منها قائلاً بمشاكسة ومكر:
معنديش مانع والله، وساعتها أصلح غلطتي ونعجل بالجواز بقى عشان أنا على آخري والله.
صرخت عليه بصدمة وحدة:
بدر، أنت طلعت قليل الأدب أوي، مكنتش متخيلك كده خالص.
ضحك بقوة قائلاً:
مين اللي ضحك عليكي وقال لك كده؟ مفيش راجل مش قليل الأدب يا روحي.
***
اصطدام جسدها بالجدار خلفها، كادت أن تركض من أمامه، لكنه حاصرها بيديه قائلاً بابتسامة وهو يلاعب حاجبيه:
على فين يا شابة؟ ده إحنا هنروقوكي.
زمت شفتيها قائلة بغيظ:
ابعدي يا ريا.
اقترب بوجهه منها قائلاً بمرح:
بذمتك ريا كانت قمر كده؟
ضمت يدها لصدرها قائلة بغيظ:
أووف، مش هرد عليك.
غمزها قائلاً بوقاحة صدمتها وهو ينظر لشفتيها:
مش هتلحقي، أصلهم هيكونوا مشغولين.
ضربته بصدره قائلة بحدة وخجل:
أنت قليل الأدب، أنا رجعت في كلامي، مش عايزة أتـ...
اقترب منها قائلاً بصرامة لكن طريقته مضحكة:
رحلة هي عشان ترجعي في كلامك، وبعدين الكلام ده عند ماما يا حبيبتي، أنا قتيل الجوازة دي.
زمت شفتيها بغيظ قائلة:
بدر ابعد بقى.
نفى برأسه قائلاً:
أبداً، لازم آخد حقي. هاخد البوستين، يعني هاخدهم، كمان عشان العطلة دي بقوا أربعة.
كان يقترب منها، لكنها دفعته بصدره للخلف ليبتعد قليلاً، قائلة بخجل وحدة:
بدر.
ابتسم واقترب مرة أخرى قائلاً بخفوت بجانب أذنها بصوته الرجولي:
أنا نفسي أقرب وأدوق الشهد، بس مش هيحصل غير و أنتِ مراتي وعلى اسمي.
اخفضت وجهها خجلاً، ليداعب أنفها بإصبعه قائلاً بمشاكسة:
حبيبي المكسوف. أنا كنت بهزر.
كان وجهه قريب من وجهها، وبنفس اللحظة قاطعهم صوت شخص يتنحنح بحدة. ابتعد عنها على الفور، في الحقيقة هي من دفعته بقوة:
احم احم.
لم يكن سوى يوسف، ليلتفت بدر لها قائلاً بقلق واهٍ:
إيه؟ لسه عينك بتوجعك؟
تلعثمت من الخجل والحرج قائلة:
ها... ا... لأ، خلاص.
ليلـتفت بدر ليوسف قائلاً بابتسامة واسعة:
عمي حبيبي، أوقاتك دي ما شاء الله عليها. احم حياة عنيها بتوجعها، فا... ا...
جز يوسف على أسنانه قائلاً بحدة:
كنت بتحطلها قطرة يا حبيب عمك، مش كده؟
تمتم بدر بضيق:
ملحقتش للأسف.
وكزته حياة في ذراعه قائلة ليوسف بحرج:
احم، إيه اللي نزل حضرتك من السرير؟
يوسف بحدة وهو ينظر لبدر:
زهقت، وزي ما يكون ربنا بعتني في الوقت المناسب.
طب استأذن أنا بقى، الوقت اتأخر.
يوسف بابتسامة صفراء:
أنا برضه بقول كده.
ليلـتفت بدر لحياة قائلاً بمكر:
مش هتوصليني للباب، أصلي نسيت الطريق.
نظرت له بغيظ، وكذلك يوسف، فقادته للباب الذي يبعد عن الدرج بمسافة ليست قصيرة، وبالمنتصف يوجد عمود كبير. فتحت الباب له ليذهب، وهي تنظر له بغيظ، وفجأة قبلها من وجنتها قائلاً بمشاكسة:
تصبح على خير يا صغنن.
***
في صباح اليوم التالي.
تعالى رنين جرس المنزل، فتحت مهرة الباب لتتفاجأ بوجود سارة أمامها، لتردد بصدمة:
انتي!
رواية ضحايا الماضي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شهد الشوري
في صباح اليوم التالي
رنين جرس المنزل
فتحت مهرة الباب لتتفاجأ بوجود سارة أمامها
لتردد بصدمة: انتي!!!!
جاء صوت زينة من خلفها قائلاً بتساؤل: مين يا مهر…….
لكنها توقفت عن الحديث عندما وقعت عيناها على زينة
لتسألها بغضب: جاية هنا ليه وجاية بمصيبة إيه تاني؟
سارة بتوتر وحرج: أنا كنت جاية أشوف بابا يوسف وأطمن عليه لما عرفت إنه تعبان، روحت القصر قالولي إنه هنا.
جاءت حياة من الخلف بتلك اللحظة قائلة بهدوء: خليها تدخل.
مهرة بغضب واستنكار: حياة إنتي بتقولي إيه!!!
سارة بحرج: أنا هطمن عليه وأمشي على طول.
على مضض ابتعدت مهرة عن الباب لتدخل سارة بحرج
فقادتها حياة لأعلى حيث غرفة يوسف.
دخلت حياة أولاً قائلة بابتسامة: صباح الخير.
اعتدل يوسف قائلاً بابتسامة واسعة: صباح الفل تعالي يا حبيبتي.
ابتسمت قائلة: في ضيفة عايزة تشوفك.
– مين؟
دخلت سارة بتلك اللحظة قائلة بابتسامة: أنا يا بابا يوسف.
يوسف بصدمة: سارة!!!
اقتربت منه قائلة بحزن وهي ترى التعب الظاهر على وجهه: روحت القصر عشان أشوفك عرفت إنك تعبان وإنك موجود هنا جيت عشان أطمن عليك.
استأذنت حياة وغادرت
لتربت سارة على قدم يوسف قائلة بحزن: ألف سلامة عليك يا بابا.
ابتسم يوسف قائلاً بهدوء: الله يسلمك.
ثم تابع بتساؤل: عاملة إيه في شغلك؟
ابتسمت نصف ابتسامة قائلة: الحمد لله مرتاحة فيه.
سألها بتعجب: أومال مالك، بتقوليها من غير نفس ليه؟ حد بيضايقك هنا؟
نفت رأسها قائلة بصدق وكذب في نفس الوقت فهي حزينة لأجلها
لكن حزنها عندما جاءت سيرة العمل ليست لهذا السبب: لأ أبداً، أنا بس متضايقة عشانك.
ثم تابعت بابتسامة: انبسطت عشانك أخيراً سامحوك.
يوسف بحزن: مين قالك سامحوني، هما بيتعاملوا معايا كويس أه بس من جواهم مش مسامحني، بس أرجع وأقول كتر خيرهم برضو إنهم قادرين يبصوا في وشي بعد اللي حصل لهم بسببي وأحمد ربنا أنا كنت فين معاهم وبقيت فين.
ربتت سارة على يده بحزن
واستمر الحديث بينهم لوقت قصير.
استأذنت منه لتغادر
وما إن نزلت أسفل وجدت حياة تجلس على الأريكة.
اقتربت منها قائلة بحرج: آآ… ينفع أتكلم معاكي شوية؟
تركت حياة الهاتف من يدها قائلة بهدوء: خير.
جلست سارة أمامها قائلة بحزن: أنا عارفة إني أذيتك وأذيت إخواتك كتير وعملت حاجات صعبة تتسامح فيها بس أنا والله اتغيرت.
الحادثة اللي حصلتلي زمان غيرت فيا أوي واتعلمت منها كتير وعرفتي إن كنت غلطانة في حاجات كتير أوي.
أنا أذيتك أكتر وا…….
قاطعتها حياة قائلة بهدوء: يمكن تكوني فاكرة إنك آذيتيني، بس الحقيقة إنك استفدت أكتر ما اتضررت من اللي عملتيه.
قطبت سارة جبينها بعدم فهم
لتتابع حياة قائلة: اللي عملتيه خلاني عرفت كل واحد على حقيقته، عرفت أنا عايزة إيه ومين يستاهل أحبه ومين لأ.
سارة بلهفة: يعني مسامحاني؟
تنهدت حياة قائلة بعد صمت دام للحظات: أنا عارفة إنك اتغيرتي وعارفة إن اللي قدامي مختلفة بكتير أوي عن سارة القديمة….. بس صعب أسامحك وأنسى اللي عملتيه إنتي وأهلك زمان.
تنهدت حياة بعمق قائلة بنصف ابتسامة: سيبيها للأيام، محدش عارف بكرة فيه إيه، يمكن أقدر أسامح.
أومأت لها سارة بحزن
ثم استأذنت منها وغادرت.
وما إن خرجت من الباب صرخت مهرة على حياة قائلة بغضب: إزاي تدخليها يا حياة؟ نسيتي عملت إيه فينا؟
حياة بهدوء: وطّي صوتك وإنتي بتتكلمي معايا يا مهرة، أنا منستش اللي عملته بس كمان مقدرش أنسى إنها اتغيرت كتير أوي عن زمان وبقت أحسن، دي ضيفة وجاية تزور مريض مقدرش أمنعها.
كورت مهرة يدها بغضب
ثم صعدت لأعلى وهي غاضبة من حياة ومن سارة التي لا تستطيع أن تنسى بيوم من الأيام الفعل المشين التي فعلته بزوجها وهي…….
في المساء
بفيلا الادم
جلس بدر برفقة الأربعة ومعهم يوسف
ليتحدث بدر بلهفة: إيه الشروط اللي هتقولوها مع إني مش مطمن ليها.
آدم بجدية: أول حاجة حياة مش هتعيش بره، هتعيش هنا في مصر جنبنا وفي مكان قريب من هنا.
بدر بصدمة: بس أنا شغلي كله بره وحياتي كلها هناك.
أوس بجدية: شغلك كله هناك، وأديك قولت شغل يعني تقدر تشتغلُه من هنا، بس إحنا عندنا أخت واحدة مش هتتعوض ومش عايزينها تبعد عننا، إحنا ما صدقنا إنها رجعت تقوم تاخدها إنت تعيش معاك هناك وبعيد عننا.
ريان بجدية: مفيش سبب عشان تعيش هناك، عيلتنا كلها هنا، كفاية غربة بقى وخليك وسط أهلك يا بدر.
تنهد بدر بحيرة
ليتدخل يوسف قائلاً: اللي بيقولوه عين العقل يا بني، خليك وسط عيلتك، هي كمان أكيد مش هتكون حابة تبعد عن إخواتها.
بدر بهدوء: طب فيه شروط تانية؟
أمير بنفي: أختنا مش هتبعد عننا يا بدر، وعايزينها تسكن جنبنا، ده بس اللي عايزينه.
ومأ برأسه قائلاً: عايز أتكلم مع حياة شوية ممكن.
تبادل الجميع النظرات
ثم وقفوا مغادرين.
لتمر لحظات وجاءت حياة وجلست أمامه بصمت
ليسألها بهدوء: عندك فكرة عن اللي قالوه إخواتك من شوية؟
أجابته بحرج: كنت واقفة ورا الباب وسمعتهم.
سألها بهدوء: طب إيه رأيك؟
فركت يدها بتوتر
ليضحك بخفوت قائلاً: متوترة كده ليه يا حياة؟
تنهد قائلة: مش عايزك تتضايق من رأيي، أنا معنديش مانع أكون معاك في أي مكان بس فكر فيها، ليه الغربة؟ عيلتنا كلها هنا، ليه نبعد ما نكون مع بعض أحسن.
صمت للحظات
ثم سألها بابتسامة: إنتي شايفة كده؟
سألتها هي الأخرى دون أن تجيب: إنت هتكون مبسوط؟
ابتسم قائلاً بصدق: هتصدقي لو قولتلك مش فارقة معايا، كل اللي يهمني أكون معاكي وجنبك.
ابتسمت بخجل
ليقترب جالساً بجانبها قائلاً بمشاكسة: أموت فيك يا مكسوف إنت.
ضحكت بخفوت وخجل قائلة: اتفضل.
انحنى برأسه يود تقبيل وجنتها
لكنه انتفض مكانه عندما جاء يوسف من خلفه قائلاً بحدة: بتعمل إيه؟
بدر بابتسامة واسعة: مش عارف يا عمي، بنتك عينيها مالها، عينيها لسه بتوجعها فبطمن عليها.
كتمت حياة ضحكتها بصعوبة عندما قال يوسف بسخرية: يا حنين.
بدر بغرور واهي وابتسامة واسعة: طول عمري يا عمي والله.
ما إن أخبر عائلته بطلب آدم وإخوانه كان رد عاصم جده: عنده حق يا بني، ده أخته ومش عايزها تبعد عنه، واللي قالوه صح.
كفاية غربة، أنا عايز أعيش اللي باقي من عمري وسط أهلي وناسي، إنت وأبوك سافروا خلصوا كل حاجة وأنا وجين هنستنى.
لهذا قرر السفر بعد يومان.
وها هي حياة تودعه بالمطار قبل أن يسافر برفقة والديه، ثم يعود بعد أن ينتهي من أمور العمل حتى يأتي قبل موعد الزفاف الذي تحدد بعد شهران.
حياة بأعين تلمع بالدموع وحزن: هتوحشني أوي يا بدر.
ابتسم بحزن مقبلاً جبينها: إنتي كمان هتوحشيني يا روح بدر، غصب عني أسيبك، هخلص اللي ورايا بسرعة وهرجعلك على طول.
أومأت له بصمت وحزن
ليشاكسها حتى تضحك: اضحكي بقى يا صغنن، خلينا أشوف الضحكة القمر ما أسافر.
ضحكت بخفوت
ليترك يدها مجبراً حتى يغادر، وكذلك فعلت هي.
وما إن اختفى من أمام عينيها نزلت دموعها بصمت واشتياق له من الآن.
لقد اعتادت على وجوده بيومها الذي أصبح لا يمر بدون رؤيته.
كيف ستتحمل غيابه كل تلك المدة!!!
كانت حياة تجلس على الأريكة بالأسفل صامتة حزينة تشعر بفراغ كبير برحيله.
أفاقها من شرودها به على حركة بجانبها لتجد إخوانها الأربعة، أمير وريان على يمينها، وآدم وأوس على يسارها.
والأربعة يناظرونها بعتاب.
لتسألهم: مالكم!!
أوس بعتاب: مش ملاحظة إنك مطنشانا إحنا الأربعة خالص من ساعة ما جيتي من السفر.
سألته حياة: ليه بتقول كده؟
أمير بعتاب هو الآخر: اسألي نفسك آخر مرة قعدتي معانا كان إمتى؟ طول الوقت مع بدر ومبقتيش تتكلمي معانا، بتتكلمي مع بدر بس، إيه لقيتي بديل لينا خلاص؟
عاتبته هي الأخرى على آخر كلمة قالها قائلة: مفيش ولا هيكون فيه بديل أبداً ليكم.
تنهدت ثم تابعت بحب: إنتوا مش بس إخواتي، زمان اتحرمت من أب وربنا عوضني بأربعة عشان يبقوا سند ليا، وإنتوا كنتوا فعلاً كده سند وضهر، محدش ممكن ياخد مكانكم في قلبي.
ثم تابعت بخجل وحرج: أنا أه بحب بدر بس بحبكم إنتوا كمان وإنتوا أكتر شوية، إحنا عشنا عمر مع بعض، عمر ما هيكون فيه بديل ليكم.
ابتسم الأربعة من كلماتها التي أذابت حزنهم على الفور.
ليتعالى فجأة صوت أمير العذب:
البيت وناسه والخمسة ستة اللي إحنا منهم دول
اللي لو نحتاج لهم يدونا عينهم
إحنا اللي غمسنا في طبق واحد زمان
ستر وغطا على بعض حاسين بالأمان
آه يا بني العتاب ده باب المحبة.
احتضن الأربعة بعضهم بحب
غافلين عن يوسف الذي يقف أعلى الدرج ينظر لأبنائه بفخر وتمنى أن يكون جزء من تلك اللحظة الصافية التي يعيشوها.
لكنه يعلم أن وجوده سيعكرها!!!
مرت تلك الفترة أخيراً وعاد بدر وافتتح شركة كبيرة بالقاهرة واشترى فيلا كبيرة بالقرب من إخوانها وقصر الجارحي.
ها هو اليوم المنتظر قد جاء بعد عناء.
يقسم أنه ليس هناك سعادة تضاهي السعادة التي يشعر بها الآن بعد سنوات من الانتظار والمحاولة ليكسب قلبها.
استطاع أخيراً أن يظفر بها.
للمرة التي لا يعرف عددها سرقت قلبه بجمالها الساحر.
كانت تشبه الأميرات بفستان الزفاف الذي صمم خصيصاً لها بأمر منه.
كان يضع يده بيد آدم الذي اختارته حياة ليكون وكيلها.
يردد خلف المأذون بلهفة: وأنا قبلت زواج موكلتي الآنسة حياة يوسف العمري البكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسوله وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا.
جذب المأذون المنديل من على يدهم قائلاً بابتسامة: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، زواج مبارك بإذن الله.
ابتسم بدر بتوسع وهو يغمزها بطرف عينيه.
سعادته لم تقل عن سعادته.
على الفور ذهب لها مقبلاً جبينها قائلاً بسعادة: مبروك عليا إنتي يا حياتي.
ابتسمت بخجل عندما تعلى تصفيق الحاضرين.
ليمُر وقت قصير وها هي تقف بين يديه تتمايل معه على أنغام الموسيقى.
ليهمس هو بأذنها بمكر: الفرح ده لازمك فيه حاجة.
سألته بعدم فهم: إيه؟
يغمزها بوقاحة قائلاً: أبداً بقول مش كتبنا الكتاب خلينا نطلع الجناح بتاعنا بقى.
وكزته بكتفه قائلة بشراسة: لو مبطلتش قلة أدب يا بدر إنت حر.
يغمزها مرة أخرى قائلاً بمشاكسة: أموت فيك يا شرس إنت.
ضحكت بخفوت.
ليقبل وجنتها بحب قائلاً بمرح: شوفي إخواتك، كل واحد فيهم هاين عليه يجي يقتلني مكاني، هيطقوا من الغيرة.
ثم تابع بحب: بس عارفة هما عندهم حق، هو اللي يبقى عنده جوهرة زيك عمره يفرط فيها ده يبقى أهبل أو مجنون.
ضحكت حياة.
ثم أشارت لأدهم الذي جاء بميكروفون لها.
قطب بدر جبينه بعدم فهم.
وقبل أن يتساءل، تعالي صوتها العذب بالمكان تغني مقطوعة من أغنية وردة وهي تنظر لداخل عينيه تهديه تلك الكلمات التي لا يمكن أن تصف مقدار الحب الذي تشعر به نحوه:
قد اللي فات من عمري بحبك
قد اللي جاي من عمري بحبك
شوف قد إيه بحبك.
ابتسم بدر بسعادة حتى ظهرت أسنانه البيضاء.
ثم بلحظة انحنى يحملها بين يديه وأخذ يدور بها صارخاً بعلو صوته: بحباااااك.
ضحكت بسعادة وتعالى التصفيق بالمكان.
كان يوسف يجلس على مقعده يراقب بأعين تلمع بالدموع سعادة ابنته.
ثم نظر لأبنائه واحداً تلو الآخر برفقة زوجاتهم وأبنائهم بفخر وندم لأنه أضاع سنوات من عمره بعيداً عنهم، ليته الزمان يعود.
وقعت عيناه على قاسم.
فوقف مقترباً منه قائلاً بحرج وخزي: يا قاسم.
نظر له قاسم ولم يجيب.
لم يقدر يوسف على النظر له، فقط بقى يخفض وجهه أرضاً قائلاً بندم: سامحني يا صاحبي.
قاسم بانفعال: متجبش سيرة الصحوبية في كلامك، إنت خسرت قاسم صاحبك من سنين قبل ما تخسر أخو مراتك.
ثم تابع بغضب: أنا سلمتك أختي وأمنتُك عليها وأنت مصنتش الأمانة، أنا مش زي ولادك اللي لازم في يوم كانوا هيحنوا ليك عشان إنت أبوهم في الأول والأخر.
دفع يوسف بكتفه ببعض القوة قائلاً بحدة: أنا أبقى أخو ليلى اللي ماتت بسببك وهي لسه في عز شبابها، أنا أخو اللي دمرت حياة ولاد أخته.
تنهد متابعاً حديثه بكره قبل أن يغادر: اللي من جوايا ناحيتك يا يوسف كبير أوي، أكبر من كره، والبركة فيك، لا يمكن في يوم من الأيام أفكر حتى إني أسامحك.
ما إن غادر منع يوسف نفسه بصعوبة من البكاء.
لقد كان الخاسر الوحيد والظالم الوحيد.
كم أراد أن يكون وكيل ابنته ويسلمها للرجل الذي اختارته لتكمل حياتها برفقته.
صحيح هو لم يطلب، لكنها قالت رغبتها بأن يكون شقيقها الأكبر وكيلها.
كم تألم بتلك اللحظة وشعر بالقهر، لكنه لا يلومها!!!
انتهى الزفاف الذي استمر لوقت طويل ليغادر الجميع واحداً تلو الآخر بعد أن غادر العروسين.
يدخل بدر الجناح الخاص بهم في الفندق وهو يحملها بين يديه.
ثم أغلق الباب بقدمه قائلاً بمشاكسة وهو يرى تورد وجنتها من الخجل: مكسوفة من إيه يا شابة، ده إحنا هنروقوكي.
ضحكت بخفوت وخجل.
وضعها على الفراش ثم جلس بجانبها وهو يحاوط وجهها بيديه.
قائلاً بحب وسعادة: محدش مبسوط في الدنيا دي قدي إنهاردة بالذات يا حياة، مش مصدق إنك بقيتي ليا على اسمي وقدرت أكسب حبك وقلبك.
ابتسمت بسعادة وهو تضع يدها على يده التي على وجنتها: أنا كمان مبسوطة أوي يا بدر، إنت مكسبتش حبي زي ما بتقول، أنا اللي كسبت راجل زيك مفيش منه، مش ببالغ والله في اللي بقوله، بس إنت بقيت ليا روح ونفس مقدرش أعيش من غيرك، أنا بحبك.
اقترب منها مداعباً أنفها بأنفه قائلاً بعشق: أنا بقى مش بحبك، أنا بموت فيكي يا قلب بدر.
ابتسمت بسعادة.
تبادل الاثنان النظرات بحب.
ليبدأ هو في الاقتراب منها ببطء يريد الحصول على تلك القبلة التي حلم بها.
وها هو قبل أن يلمسهما، انتفضت هي واقفة قائلة بخجل وتوتر: آآ… أنا…. هغير هدومي وأتوضى عشان نصلي.
أومأ لها متفهماً خجلها الشديد.
لتردف هي بخجل: طب اطلع بره عايزة أغير هدومي.
يغمزها قائلاً بمشاكسة: طب ما تغيري هنا عادي، ده أنا زي جوزك، بصي اعتبريني هوا شفاف وخدى راحتك.
جزت على أسنانها قائلة بغيظ وهي تدفعه بيده لخارج الغرفة.
ثم نظرت له بضيق قائلة بغيظ قبل أن تغلق الباب بوجهه: قليل الأدب.
ضحك قائلاً بمرح وصوت عالٍ حتى تسمعه: وافتخر.
ضحكت حياة بخفوت وهي بالداخل.
ثم نزعت ثوبها بصعوبة ودخلت للمرحاض.
تجهزت وبخجل شديد التقطت بيدها ذلك القميص الذي لم تجد غيره بخزانتها.
كان قصيراً جداً وشفاف لا يستر شيء.
جزت على أسنانها بغيظ.
فالطبع تعلم من الفاعل، زينة الوحيدة التي دخلت للجناح قبل بدء الزفاف بوقت قصير بحجة أنها نسيت هاتفها هناك، لكنها بدلت البيجامة الحريرية التي كانت قررت حياة لترتديها بذلك القميص.
حقيبتها بالخارج ولا يوجد أمامها خيار سوى أن ترتديه.
وبالطبع فعلت وارتدت فوقه أسدال الصلاة.
ثم فتحت الباب له لتجده يجلس على الأريكة المقابلة لباب الغرفة بعد أن قام بفرش سجادتين للصلاة وهو ينتظرها.
جذبها لتقف خلفه وبدأ بالصلاة وهي كذلك.
مردداً آيات القرآن الكريم التي تحث على المودة بين الزوجين.
وما انتهوا من الصلاة، وضع يده على رأسه قارئاً الدعاء.
ثم قبل جبينها بحب.
ثم انحنى ليقبل وجنتها.
فاتفضت واقفة قائلة بخجل: أنا جعانة.
مر وقت ليس بقصير أبداً.
يضع يده على وجنته يراقبها بغيظ ونفاذ صبر قائلاً بسخرية: ها يا حبيبتي نفسك في حاجة تانية تعمليها؟ صلاة وصلينا، وأكل وأكلنا، تحلية وحلّيتي وعصير وشربتي، في حاجة تاني؟
وضعت الكوب الفارغ من يدها على الطاولة بتوتر.
قائلة وهي تنتفض واقفة: المسلسل هيبدأ دلوقتي عايزة أتفرج عليه.
وقف قائلاً بابتسامة ليست بمحلها: يا روحي عايزة تشوفي المسلسل؟
أومأت له بتوتر.
ليبتسم هو مقترباً منها.
ثم باغتها وانحنى وحملها على كتفه كشوال البطاطا.
لتصرخ عليه بخجل وغيظ: بدر إنت بتعمل إيه، نزلني!!!
وضعها على الفراش وهو فوقها قائلاً بابتسامة ماكرة ووقاحة: مش كنتي عايزة تشوفي المسلسل، هخليكي تشوفي مسلسل أحسن منه بكتير ومتلخص كمان.
فهمت مغزى حديثه الوقح.
فلكزته بكتفه بغيظ.
ليضحك قائلاً بمرح ومكر: الحق عليا عايز أفيدك.
قاطعته بغيظ قائلة: متشكرة، مستغنى………
لم تكمل حديثها عندما شعرت بأصابع يده على شفتيها يتحسسها برفق.
ليرتعش جسدها.
ثم بلحظة كانت شفتاها أسيرة شفتيه في قبلة شغوفة قادتهم لليلة وصفها هو بداخله _خيال_.
كان في قمة سعادته وهو يوشم جسدها باسمه ويجعلها امرأته الأولى والأخيرة.
لتصبح زوجته شرعاً وقانوناً.
مر وقت طويل وهو للآن لا يكتفي منها.
لقد أصبح حلمه حقيقة.
ها هي بين ذراعيه يعلمها فنون عشقه.
بينما هي برغم رهبتها من هذه الليلة إلا أنه قد محى شعور الخوف من داخلها بكلماته المطمئنة ورقته معها بالرغم من لهفته ورغبته الشديدة الواضحة.
ضمت قدمها لصدرها وهي تعطيه ظهرها تضم الغطاء حول جسدها بخجل شديد وصمت يعم المكان إلا من صوت أنفاسهم اللاهثة.
ابتسم بتوسع يضمها من الخلف قائلاً بسعادة: مبروك يا حياتي.
من الخجل لم تستطع أن تجيبه أو تلتفت له من الأساس.
ليقبل كتفها قائلاً بمشاكسة: مكسوف يا صغنن.
دفنت وجهها بالوسادة قائلة بخجل شديد: بس بقى.
ضحك بقوة وهو يجذبها من خصرها ليلتصق ظهرها بصدره أكثر قائلاً بعشق: مبروك عليا إنت يا حياة.
ابتسمت بسعادة وتخلت عن خجلها قليلاً قائلة بخفوت وحب: بحبك يا بدر.
ابتسم بسعادة.
ثم اعتدل مرتدياً بنطاله وجذب قميصه وطلب منها ارتداءه وفعلت على مضض.
ثم أخذها للشرفة بعدما عبث بهاتفه للحظات وهو يضع يده على عينيها حتى لا ترى.
حياة بفضول: إيه يا بدر؟
ابتسم قائلاً: ششش…. هشيل إيدي وأول ما أقولك فتحي تفتحي.
أومأت له بخفوت.
لتمر لحظات تمسك بسور الشرفة ليصبح جسدها محاصراً بين السور وجسدها.
هامساً بأذنها بحب: فتحي.
لحظة وكانت يصدح بالمكان صوت ألعاب نارية مكونة جملة بالسماء "بعشقك يا حياة بدر" تزامناً مع همسه بأذنها بنفس الجملة.
أدمعت عيناها من السعادة.
ثم التفتت له تحتضنه بقوة قائلة بحب صادق وسعادة: أنا بحبك أوي يا بدر.
شدد من عناقها بحب.
سرعان ما التفتت تنظر للسماء مرة أخرى عندما تعلى صوت الألعاب النارية مرة أخرى لكن تلك المرة مكونة جملة "بعشقك يا صغنن".
كالمرة السابقة ردد تلك الجملة بهمس بجانب أذنها.
لكن تلك المرة تختلف كانت يقولها بمشاكسة ومكر.
ثم باللحظة التالية حملها بين يديه للداخل مغلقاً الباب بقدمه!!!
في صباح اليوم التالي
بشركة العمري
كان يجلس على الأريكة بمكتبه يضع رأسه بين يديه حزين شارداً بها.
نيران تشتعل بصدره كلما يفكر أنها الآن بين أحضان رجل آخر وهو خسرها للأبد.
كان شارداً ولم يفق من شروده سوى على صوت الباب يفتح ويغلق بقوة من الداخل بالمفتاح.
وقف قائلاً بصدمة عندما وقعت عيناه على نسرين: بتعملي إيه هنا!!
اقتربت منه قائلة بأعين منتفخة حمراء من كثرة البكاء وهيئتها مزرية: خسرته وإنت السبب، إنت السبب.
سألها بضيق وهو يشم رائحة الكحول تفوح منها: إنتي سكرانة؟
اقتربت منه بخطوات غير متزنة قائلة بدموع: أنا غلط إني جيتلك وطلبت منك تكون معايا، بعد عني وكرهني بسببك، أنا بحبه عملت كده ليه حرام عليك.
شعر بالشفقة نحوها ليقترب منها قائلاً برفق: بدر مش بيحبك افهمي بقى واللي إنتي حاسة بيه ده مش حب، اللي يحب عمره ما يعمل كده، لو فاكرة إنك هتكوني سعيدة لما تجبريه عليكي تبقي غلطانة.
صرخت عليه قائلة بدموع وحدى: إنت أدرى مني يعني، بقولك بحبه، أنا بحب بدر.
زفر بضيق قائلاً: اتنيلت عرفت إنك بتحبيه خلصنا، هتعرفي تروحي بمنظرك ده ولا أروح؟
قاطعته بغضب وغل قائلة: مش محتاجة مساعدة منك.
زفر بضيق قائلاً بنفاذ صبر: اللهم طولك يا روح.
كان الغل والغضب والغيظ الذي تشعر به ناحيته كبير جداً.
اقتربت منه ثم بلحظة دعست بكعب حذائها فوق قدمه بكل قوتها ليصرخ متألماً وهو يدفعها للخلف بعيداً عنه قائلاً بغضب: غوري من وشي.
أقتلت حقيبتها أرضاً قائلة بغضب وتوعد: هغور بس مش قبل ما أحرق دمك.
رفع حاجبه قائلاً بغضب: نعم!!
باللحظة التالية أزاحت بيدها ما على المكتب بأكمله.
ثم دفعت المقعد بيدها بقوة وأخذت تكسر كل ما تطوله يدها.
ليردد هو بصدمة وهو يركض خلفها يحاول إيقافها: يا بنت المجنونة بتعملي إيه!!
تجمع كل من بالشركة على صوت التحطيم والصراخ الذي يحدث بداخل المكتب.
بينما نسرين كانت تركض بالغرفة تحاول الهرب من إلياس.
وقفت على الأريكة فأمسك بيدها قائلاً بغضب: ده إنتي ليلة أهلك سودة.
قبل أن يجذبها للأسفل قفزت فوقه تحاوط بيد عنقه من الخلف.
ثم بلحظة غرزت أسنانها بكتفه ليصرخ متألماً.
لم يكن يتوقع أن تفعل ذلك!!!
ثم جذبت شعره بقوة وهو لا يستطيع إيقافها.
كانت تتمسك به بقوة بيصرخ قائلاً بغضب: اهدى بقى الله يهدك.
لكنها أبداً لم تتوقف بل ظلت تضربه بقبضة يدها بكتفه وتغرز أسنانها بكتفه.
لم يجد حل سوى أن يلف ذراعه للخلف وفعله بصعوبة متمسكاً بخصلات شعرها بقوة.
بتصرخ متألمة وتسقط أرضاً.
توقعت أن تهدأ لكن حدث العكس.
وقفت على الفور تحاول الوصول له مرة أخرى.
لكنها قيد يدها بقوة قائلة بغضب شديد: إهمدي بقى.
كانت تتحرك بشراسة تحاول تحرير يدها منه.
حتى اصطدمت قدمها بطرف السجادة لتقع على الأريكة وهو معها.
كان صدرها يعلو ويهبط بانفعال.
لتصرخ عليها غاضبة: أما عملتلك فضيحة ما أبقاش نسرين.
ثم بعلو صوتها صرخت وهي تحاول تحرير يدها من بين يديه.
فكر أن…..
في الحقيقة هو لم يفكر بل فعلها على الفور.
أطبق بشفتيه على خاصتها بقوة حتى تكف عن الصراخ.
توسعت عيناها بصدمة.
مر وقت قصير وابتعد عنها ليجدها ساكنة عيناها متوسعة بصدمة.
سرعان ما أفاقت من صدمتها وكانت يدها تهوي على صدغه بصفعة تردد صداها بالمكان.
قائلة بغضب وهي تمسح شفتيها بظهر يدها: إيه اللي عملته ده يا حيوانة.
اعتدل واقفاً وهو يجذبها من يدها قائلاً بغضب: زودتيها أوي وبعدين متضايقة ليه؟ ال يعني البت محترمة أوي وأول مرة.
صرخت عليه بغضب: اخرس يا قليل الأدب أنا أشرف منك.
قاطعها قائلاً بسخرية لاذعة: آه فعلاً شريفة بأمارة بدر واللي كنتي هتعمليه معاه.
صرخت عليه بغضب وهي تضربه بقبضة يدها بصدره: أخرس بقولك أخرس أنا لا عمري حد لمسني ولما كنت هعمل كده مع بدر مكنتش هسمح ليه برضو يلمسني، كان هو همه بس لكن عمري ما كنت هسمح ليه.
ضحك باستهزاء قائلاً: الشرف والاحترام ما بيتجزأش، يا تبقى محترمة يا شريفة أو العكس وأنا بقى شايف العكس.
لمعت عيناها بالدموع وبقت تناظره بغل وغضب.
ثم غادرت وهي تصفع الباب خلفها بقوة.
لتتفاجأ بكم كبير من الناس أمام مكتبه!!!!!
أمام منزل عمر
كانت سارة تقف من بعيد تراقبه مثلما تفعل من مرة لأخرى.
كل مرة تود أن تذهب له تطلب غفرانه لكنها لا تقدر.
وقعت عيناها على زوجته وابنته.
التي ما إن غفلت والدتها عنها للحظات حتى تفتح باب السيارة حتى مشت لمنتصف الطريق وتأتي سيارة مسرعة من بعيد.
بدون تردد ركضت نحوها تحملها بين يديها قبل أن تصدمها السيارة.
لكن قدمها تعثرت بأحد الأحجار الموجودة على جانب الطريق لتقع أرضاً والطفلة بأحضانها وتصطدم رأسها بأحد الأحجار الضخمة.
وآخر ما استمعت له قبل أن تغيب عن الوعي صراخ زوجته وهو باسم ابنتهم!!!
بعد وقت طويل
كانت تنام على الفراش بالمستشفى وجبينها يلتف حوله الشاش غائبة عن الوعي.
وبجانبها يجلس عمر يمسك يدها بين يديه يراقبها بخوف.
وهو يراها تفتح عينيها ببطء ليسألها بلهفة: إنتي كويسة؟
فتحت عينيها وأغلقتها عدة مرات.
كانت الرؤية مشوشة لديها.
لتأن بألم قائلة: أنا فين؟
جاءها صوت أنثوي رقيق: إنتي في المستشفى.
فتحت عينيها أخيراً لتقع عيناها على عمر الذي يجلس بجانبها يمسك يدها بقلق مرتسم على وجهه.
بينما على الجانب الآخر تقف زوجته التي رأت صورتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
انتفضت جالسة سرعان ما صرخت بألم رأسها الملتف حوله الشاش.
لتوقفها مرة أخرى قائلة: ارتاحي متتعبيش نفسك، جرح بسيط في راسك والدكتور طمنا عليكي.
عمر بجدية وقلق فشل في إخفائه: شكراً عشان لحقتي جومانا، كان زمان العربية…..
قاطعته قائلة بحرج وألم شديد برأسها: ده واجبي.
ثم التفتت تنظر حولها لتسألها الفتاة: بتدوري على حاجة؟
سألتها بحرج: الموبايل بتاعي وشنطتي.
جاءت بهم الفتاة من على الأريكة قائلة بابتسامة: اتفضلي.
استأذنت منهم الفتاة وخرجت.
لتعتدل سارة واقفة بتعب واضح.
ليوقفها هو قائلاً بقلق: خليكي مرتاحة، أنا هوصلك بس لما الدكتور يطمنا عليكي شوية كده.
أجابته بهدوء بعد أن ابتلعت غصة مريرة بحلقها: شكراً، أنا همشي لوحدي، مش مضطر تستحمل حد مش بتطيقه، تقدر تمشي وتروح لمراتك وبنتك.
قطب جبينه قائلاً بتعجب: مراتي!!
أومأت له قائلة بتساؤل: آه مستغرب ليه وإنت بتقولها؟
سألها بهدوء: عرفتي منين إنها مراتي!!
أجابته بحرج وحزن حاولت إخفائه: من صوركم على النت يوم الفرح.
أومأ لها قائلاً بهدوء: بس دي مش مراتي!!!
توسعت عيناها بصدمة.
وقبل أن تتساءل اندفعت تلك الصغيرة التي لا تصل لركبتها أن وقفت بجانبها قائلة بصوت طفولي لذيذ: بابا.
بينما دخلت خلفها زوجته كما اعتقد.
ليقول عمر لابنته بحنان: قولي شكراً لطنط يا جومانا.
ابتسمت الصغيرة قائلة بابتسامة بريئة وعدم فهم، فسنه صغير لقد أتمت العامين منذ فترة قصيرة: شكراً.
ابتسمت بها سارة بحنو لا تعرف كيف، لكن تلك الطفلة دخلت لقلبها منذ أن وقعت عيناها عليها أول مرة برفقته هو وزوجته.
ليبتسم عمر قائلاً بهدوء: دي جومانا بنتي، وحضرتها تبقى نهى بنت خالي واخت مراتى التوأم الله يرحمها!!!
توسعت أعين سارة بصدمة.
لتقول نهى بابتسامة: اتشرفت بيكي.
ثم تابعت بتساؤل: بس سؤال، إنتوا تعرفوا بعض قبل كده؟
أومأت لها سارة قائلة بحرج ولا تزال مصدومة مما قاله للتو: آه من سنين طويلة، الدكتور عمر كان بيدرسلي لما كنت في كلية طب بس حولت ودرست في كلية تانية.
ابتسمت لها نهى بهدوء قائلة: تحبي نكلم حد من أهلك عشان يطمنوا عليكي؟
ابتلعت سارة غصة مريرة بحلقها قائلة بنفي: لأ، أنا همشي، عن إذنكم.
عمر بجدية: قولتلك استني هوصلك.
أجابته بتصميم: قولت شكراً وكفاية بقى مناهدة، لو سمحت أنا مش قادرة أتكلم ولا أجادل.
أجابها بصرامة: يبقى تمشي من سكات وبلاش مناهدة كتير طالما تعبانة.
زفر بضيق ومشت بجانبها لسيارته.
ثم أخبرته العنوان.
تفاجأ من مكان سكنها الذي لم يكن سوى حي بسيط هادئ ببناية سكنية ليست بفخامة الأماكن التي اعتادت أن تسكن بها.
فتح بها الباب وساعدها على النزول حتى صعد معها أمام باب المنزل.
لتوقفها قائلة: شكراً ع التوصيلة بس اعذرني مش هقولك اتفضل لأني عايشة لوحدي.
توسعت عيناه بصدمة أكبر من حديثها.
بالتأكيد تلك ليست سارة التي يعرفها.
دخلت وأغلقت الباب خلفها بعدما استأذنت منه.
ومن التعب نامت على الأريكة ولم تنتظر أن تدخل لغرفتها.
بينما هو غادر بصدمة!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل الثلاثون 30 - بقلم شهد الشوري
ما إن غادرت نسرين دخل مازن لمكتب شقيقه ليتفاجأ به محطمًا. لا يوجد أي شيء سليم به سوى تلك الأريكة.
"إيه اللي كان بيحصل هنا؟" سأله بصدمة.
"مفيش." قال إلياس بحدة.
"هو إيه اللي مفيش؟ واحدة طالعة من مكتبك، وقبلها صوت تكسير وصوت صويت جاب آخر الشركة. كمان صوتك كان عالي وبتزعق، ودلوقتي شكلك مبهدل. إيه اللي حصل يا إلياس؟" قال مازن بضيق.
صرخ عليه إلياس بغضب قائلاً: "ما قولتلك مفيش يا مازن، مترغيش كتير. روح شوف شغلك وسيبني في حالي دلوقتي."
غادر مازن وهو ينظر لشقيقه بضيق والفضول يأكله ليعرف ماذا حدث.
***
بجزيرة ماهيه (سيشل)
حيث يقضي الاثنان شهر العسل الخاص بهما.
كانت تجلس في أحضانه على الشاطئ، خصلات شعرها تتطاير بفعل الهواء. الاثنان في صمت تام.
قاطعه بدر قائلاً بحب: "حياة."
جلس أمامها قائلاً بابتسامة: "عايز نتفق مع بعض على كام حاجة."
أومأت برأسها وأخذت تستمع له باهتمام وهو يقول بحب: "مش عايز نخبي حاجة على بعض. ولو حصل إننا يعني اتخانقنا، المشكلة تتحل قبل ما اليوم يخلص. مش عايز يوم يعدي غير وإنتي نايمة في حضني مهما حصل."
ابتسمت قائلة بحب ودلال: "أوعدك يا بدر."
ردد بصدمة: "بدري؟!"
ضحكت بفوت قائلة بدلال: "مش إنت حبيبي وجوزي؟ تبقى بدري أنا وبس."
قبل وجنتها بقوة قائلاً بسعادة وحب: "يا روح قلبي بدر."
ابتسمت قائلة بتوتر: "احم، بالمناسبة بقى أنا في حاجتين مخبياهم عليك."
"إيه هما؟"
فركت يدها بتوتر قائلة: "فاكر لما كنت في المستشفى وأنت كنت معايا أول مرة ساعة خناقتي مع سارة في القصر؟"
أومأ لها بنعم لتكمل هي بتوتر: "أنا كنت سامعة كل اللي بتقوله، وبمثل إني نايمة."
صمت للحظات بصدمة ثم سألها: "طب الحاجة التانية؟"
خفضت وجهها قائلة بحرج: "أنا كذبت يوم ما كنت شاربة وصحيت وقلت مش فاكرة، بس الحقيقة إني كنت فاكرة اللي حصل."
سألها بصدمة: "كذبتي؟"
أجابته بخجل: "لأن في الحاجتين كنت هسبب لنفسي ولك حرج، وبصراحة اتحرجت أقولك إني فاكرة عشان اللي حصل لما كنت شاربة."
ابتسم قائلاً: "لما قولتيلي متسبنيش؟ ولا عشان كان ممكن يحصل بينا حاجة؟"
خفضت وجهها بخجل قائلة: "بس محصلش، وده لأنك راجل يا بدر وقدرت تبعد. غيرك كان هيقرب ويستغل حالتي وقتها."
ثم تابعت بحب ودلال: "بعدين هو أنا بحبك من شوية؟"
ضحك قائلاً بمرح: "اللهم صلي على النبي. أيوه كده هو ده الكلام الحلو."
ضحكت بسعادة وخجل، سرعان ما شهقت وهي تراه يحملها بين يديه ويتوجه بها لداخل البحر: "يا مجنون بتعمل إيه؟ نزلني حالا."
غمزها قائلاً بابتسامة: "هو أنا مش قولتلك قبل كده؟ مجنون بيك إنت وبس يا صغنن."
ألقاها بالماء وأخذ يلهو معها، وضحكاتهم تصدح بالمكان معبرة عن سعادة الاثنين التي لا يمكن وصفها بكلمات.
***
كانت تجلس على الأريكة بمنزلها تضع يدها على رأسها الذي يؤلمها، لكنه أقل عن الأمس.
لقد أخذت إجازة من عملها لأيام قليلة حتى تتعافى. لقد فعلت ذلك مرغمة. تكره المكوث بالمنزل لأنها تبقى فيه وحيدة بين تلك الجدران لا أنيس لها.
تعالى رنين جرس المنزل، ذهبت لتفتح وما إن فعلت تفاجأت بوجود عمر الذي يحمل باقة زهور أنيقة، وبجانبها تقف ابنته الصغيرة التي لا تصل ركبتيه حتى، تنظر لها ببراءة.
سبقها هو بالحديث قائلاً بهدوء يحاول أن يخفي به لهفته وقلقه عليها: "جومانا كانت عايزة تطمن عليك."
حاولت أن تكتم ابتسامتها ونجحت في ذلك بصعوبة. بالتأكيد يكذب، فتلك الصغيرة التي لا تستوعب شيئًا كيف لها أن تقول هذا.
أومأت له بصمت ليسألها بحرج: "ينفع ندخل؟"
أفسحت له المجال قائلة بهدوء: "اتفضلوا."
"ادخلوا." وهي خلفهم وتركت باب المنزل مفتوحًا قليلاً. لقد تعلمت أشياء كثيرة بالفترة الماضية، الخطأ والصواب، حتى أنها أصبحت تواظب على الصلاة التي لم تكن تقيمها ولا مرة طوال عمرها للآن.
قادتهم للصالون وجلس بجانب ابنته التي تبتسم فقط ببراءة.
"تشرب إيه؟" سألته.
نفى عمر برأسه قائلاً: "متشكر، ولا أي حاجة. ارتاحي إنت."
أجابته بتصميم: "أنا مرتاحة. تحب تشرب إيه؟"
أومأ برأسه قائلاً: "أي حاجة."
تَنَحْنَحَت بحرج قائلة: "احم، أنا عارفة إنك بتشرب القهوة مظبوط. خمس دقايق وجاية."
غادرت للمطبخ لينظر هو للمكان حوله. منزل بسيط كحال الأثاث. وقعت عيناه على كتاب كانت تقرأه، عنوانه "عقدك النفسية سجنك الأبدي".
لقد سبق له أن قرأ ذلك الكتاب. أخذ يقلب بين صفحاته لتكون الصدمة من نصيبه عندما وجد صورة له بين صفحات الكتاب. ماذا تفعل صورته هنا؟ أسئلة كثيرة تدور برأسه، يريد معرفة جوابها. أهمهم: أين سارة التي يعرفها؟
أغلق الكتاب سريعًا وأعاده لمكانه عندما سمع بخطواتها تقترب منه.
وضعت القهوة أمامه ثم مسكت يد الصغيرة برفق وأجلستها فوق قدمها برفق. تقرب من شفتيها كوب العصير لترتشف منه الصغيرة وهي تضحك ببراءة قائلة بكلمات غير مفهومة: "ثير حولم."
لم تفهم سارة عليها، فنظرت لعمر الذي أجابها بابتسامة هادئة: "بتقولك العصير حلو."
قبلت سارة وجنتها قائلة بحنان: "إنتي اللي حلوة."
ضحكت الصغيرة بسعادة، ليمد عمر يده حتى يأخذها من على قدمها قائلاً: "هاتيها عنك، إحنا جايين نطمن عليكِ مش نتعبك."
أجابته سارة بهدوء وهي تضع قطعة بسكويت بفم الصغيرة برفق: "أنا كويسة، مفيش تعب ولا حاجة."
سألها باهتمام وقلق: "تحبي نروح لدكتور؟"
قاطعته قائلة بهدوء: "أنا كويسة يا دكتور عمر."
لم تستطع التحكم في فضولها لتسأله بتلقائية: "هي مامتها اتوفت إمتى وإزاي؟"
سرعان ما ندمت وأخفضت وجهها قائلة: "آسفة لو بتطفل، كأنك مسمعتش حاجة."
صمتت للحظات ثم أجابها بحزن: "ماتت وهي بتولد جومانا."
رددت بحزن: "ربنا يرحمها."
أمن على دعائها ليسألها هو الآخر بفضول: "كنتي بتعملي إيه قدام البيت لما العربية كانت هتخبط جومانا؟"
توترت من سؤاله قائلة بكذب: "كان عندي مشوار في المنطقة وعديت من قدام العمارة، شوفتها صدفة."
لم يقتنع لما قالت ليسألها مرة أخرى: "بس كده."
أومأت برأسها وهي تتحاشى النظر له. نظر لطفلته ليجدها تميل برأسها على صدر سارة تغمض عيناها لتنام. ليقف قائلاً: "هنسيبك ترتاحي بقى، عن إذنكن."
نظرت جومانا قائلة: "نامت، خليها نايمة، وابقى خدها بكرة أو أنا أبقى أوصلهالك."
ابتسم بحرج قائلاً: "مش هينفع، أنا متعود على كده. مش هتصحى، هشيلها لحد تحت."
كانت تريد أن تبقى تلك الصغيرة برفقتها لوقت أطول، لقد دخلت قلبها حقًا وأحبتها. ذلك كان سبب أول، أما الثاني فإنها أرادت أن يبقى معها أحد يكون أنيسًا لها في ذلك المنزل البارد والخالي من أي صوت عداها. لتتحجج مرة أخرى قائلة: "الجو برد بره عليها وهي دلوقتي دفيانة، هتاخد برد."
حملها من بين يديها برفق قائلاً بهدوء: "مش هيحصل حاجة إن شاء الله."
ثم تابع بحرج: "احم، لو تعبتي ابقي كلميني علطول."
أومأت له. التفت لها قبل أن يغادر من باب المنزل: "شكرًا على اللي عملتيه."
ابتسمت بهدوء قائلة: "ده واجبي، وثانيًا أهو يوفي شوية من الديون اللي ليا عندك من زمان."
***
كان عمر يجلس بغرفته الموجودة بمنزل والده ينظر لابنته التي تنام على الفراش بحنان، وعقله شارد بمكان آخر. حتى أنه لم يستمع لصوت الطرقات على باب غرفته، ولا لدخول شقيقه حسن الذي سأله بقلق: "مالك يا عمر؟"
أفاق عمر من شروده وهو يرى شقيقه يجلس بجانبه ويحدثه. ليسأله الآخر مرة أخرى: "مالك؟ سرحان في إيه؟"
تنهد عمر بحزن قائلاً: "كل ما أقول خلاص طلعت من حياتي، ألاقيها طلعت قدامي من تاني. تفتكر ده ليه سبب؟"
فهم حسن على من يتحدث ليسأله: "بتحبها؟"
ضحك عمر بسخرية مردداً بحزن: "لو حد سمع حكايتي معاها هيقول ده مجنون أو غبي. معندوش كرامة عشان بعد كل اللي عملته فيه لسه بيحبها."
ثم تابع بقلة حيلة وحزن: "بس مش بإيدي، ما هو لو بإيدي كنت خلصت نفسي من العذاب ده. غصب عني، مش قادر لا أكرهها ولا أنساها."
مسح بيده على وجهه قائلاً: "سارة دلوقتي غير سارة بتاعت زمان. اللي شوفتها دي مختلفة خالص. أصدق إحساسي وأروح ليها وأدي لنفسي فرصة تانية معاها، ولا أكمل حياتي من غيرها مع بنتي؟"
حسن بحزن لأجل شقيقه: "بنتك بتكبر يا عمر، ومحتاجة أم ليها. نهى خلاص هتتجوز وهيبقى ليها بيت وعيلة، يعني هتنشغل عن بنتك، وإنت مش هتقدر تربي جومانا لوحدك."
عمر بحزن: "ده مصعّب الموضوع عليا أكتر، مش قادر أشوف واحدة غيرها تكون مراتي. مش عايز أظلم واحدة تانية غير نهال الله يرحمها."
ثم تابع بضيق من نفسه وحزن: "أنا صحيح كنت معاها وبعمل اللي يطلع بإيدي عشان محسسهاش بأي نقص، بس مقدرتش. قلبي كان مع سارة، وده كان واجعها. كانت عارفة إن قلبي مع غيرها واستحملت، وأنا حاولت بس والله معرفتش. مش بإيدي يا حسن."
حسن وهو يربع على كتف شقيقه: "بص يا عمر، أنا عارف إن سبب جوازتك من نهال إصرار أبوك وتصميمه عشان يخليك تنسى البنت دي، بس ده كان أكبر غلط عمله. سارة اتغيرت، كل واحد يستاهل فرصة تانية. مينفعش نحكم على واحد بالإعدام عشان غلط زمان، المهم الشخص ده بقى إيه، مش كان إيه."
ثم تابع بهدوء: "ريح قلبك واعمل اللي إنت عاوزه يا عمر. متفكرش في حد. أبوك هيعترض في الأول آه، بس فترة وهتعدي، ولما يشوفها اتغيرت هيسامح."
ثم تابع وهو يقف ليغادر الغرفة: "طالما اتغيرت وإنت شفت ده بعينك، وكمان كانت هتفدي بنتك بحياتها، يبقى إنتوا الاتنين تستاهلوا فرصة مع بعض."
غادر وتركه يفكر بحديثه، ولا زالت المخاوف تداعب قلبه من تلك الخطوة. لكن إن وافق هو، هل سترضى هي؟ ولما لا ترضى؟ هي بالتأكيد تحبه وتفكر به، لا يوجد سبب آخر لوجود صورته بكتابها غير ذلك.
***
بعد أسبوع مضى منذ آخر مرة رآها.
كان إلياس يجلس بالمطعم الخاص بذلك الفندق في عشاء عمل هام. لتقع عيناه عليها ما إن وصل للفندق. دخل الملهى الليلي التابع للفندق. أنهى اجتماعه سريعًا. وما إن سأل عنها بالفندق عرف أنها تقيم به. دخل حيث توجد هي بذلك الملهى ليجدها تجلس على البار تحتسي الخمر بشراهة.
اقترب منها بضيق قائلاً: "بطلي شرب زفت بقى."
ما إن رأته اشتعل الغضب بداخلها قائلة بحدة: "إنت مالك؟"
زفر بضيق لتتابع هي بثمالة وحزن: "طالما بتحبها عملت كده ليه؟ سمحت ليه يفوز بيها؟ ليه؟ ولا إنت أصلًا مش بتحبها؟"
أجابها بضيق: "اللي عملته مع حياة ده الحب، على عكسك إنت."
صرخت عليه بغضب: "قولتلك بحب بدر."
أجابها بهدوء: "إنتي بتقولي كده عشان تقنعيني ولا عشان تقنعي نفسك؟ اللي عملتيه ده يتسمى أي حاجة غير حب."
نظرت له بغيظ ليتابع هو: "أنا متأكد إنك عارفة إن اللي بقوله صح ومقتنعة بيه، بس بتكابري مش أكتر."
صرخت عليه بغل: "امشي من قدامي. إيه اللي جابك؟"
ثم تابعت بدموع وحقد: "هي معاه دلوقتي وفي حضنه، لمسها وقرب منها."
اشتعلت نيران الغيرة بقلبه هو الآخر. لم يشعر بنفسه سوى وهو يجذب الكأس الموجود أمامه يرتشفه دفعة واحدة، بينما هي تابعت بحزن: "ليه محبنيش زيها واتجوزني؟ اشمعنى هي؟"
كأس يلي الآخر حتى أصبح الاثنان بحالة يرثى لها، ثملين على الأخير. كان كلاهما يستند على الآخر حتى صعدوا للجناح الخاص بها بخطوات غير متزنة. دخل هو وهي للداخل لتقع على الفراش وهو فوقها. شرد بوجهها وعيناه قائلاً بثمالة وهيام: "إنتي حلوة أوي."
ضحكت قائلة بثمالة وهي تتحسس بأصابع يدها وجهه الوسيم: "إنت كمان حلو أوي."
كان آخر شيء نطقته هي وهو بتلك الليلة، مرتكبين تلك الفاحشة الكبرى بعدما أذهب ذلك المشروب عقلهما.
***
بفيلا الادم.
بغرفة ريان وندا.
كان ريان يجلس على الفراش يشاهد التلفاز حتى خرجت ندا من المرحاض. تقترب منه قدم وتتأخر الأخرى بخوف وتوتر. ليسألها هو بقلق: "مالك يا حبيبتي؟ في حاجة؟"
اقتربت منه فمسك يدها وجعلها تجلس أمامه لتتحدث هي أخيرًا قائلة بتوتر: "كنت عايزة أقولك حاجة."
سألها باهتمام وقلق: "حاجة إيه؟"
تلعثمت وهي تجيبه من الخوف: "اا... أنا... ااا..."
وضع يده على كتفها قائلاً بقلق: "مالك يا حبيبتي؟ خايفة من إيه؟"
بخوف أخرجت من جيب سترتها عصا بيضاء طويلة وضعتها بيده لتتوسع عيناه بصدمة قائلاً: "إنتي حامل؟"
ثم تابع بصدمة وهو يتساءل: "حصل إزاي؟ إنتي مش واخدة احتياطاتك؟"
توترها وتحاشيها النظر لعينيه جعله يدرك أنها فعلت ذلك عن عمد. ليهب واقفًا قائلاً بغضب: "عملتي اللي في دماغك بردو، مش كدة؟"
أجابته بدموع وخوف: "أنا عايزة أبقى أم تاني، مفيش مشكلة في كده."
صرخ عليها بغضب: "خدتي قرار من ده من غير ما ترجعيلي؟"
أجابته بحزن وخوف: "كنت هترفض، كل مرة بنفتح سيرة الموضوع ده بترفض يا ريان."
دفع المقعد بقدمه قائلاً بانفعال وغضب: "هو أنا برفض عشان أهلي مثلا؟ ما كله عشانك."
أجابته بضيق: "أنا ما اشتكتش يا ريان."
نظر لها بغيظ وغضب كبير ثم غادر صافعًا الباب خلفه بقوة. انتفض جسدها من صوته العالي.
بينما بالأسفل كان ريان يجلس بالحديقة بغضب حتى شعر بيد توضع على كتفه. التفت على الفور ظنًا منه أنها هي، لكنه تفاجأ بوالده الذي جلس بجانبه قائلاً بقلق: "مالك يا بني؟ كنت بتزعق مع مراتك؟"
أجابه باقتضاب وصدره يعلو ويهبط بانفعال: "مفيش."
ربت يوسف على كتفه قائلاً: "احكيلي، يمكن أقدر أساعدك."
أجابه بانفعال وغضب منها: "حضرتها حامل."
يوسف بسعادة: "طب وده خبر يضايق؟ في إيه؟ المفروض تكون مبسوط وطاير من الفرحة كمان."
ريان بغضب وغيظ: "بتاخد قرارات من دماغها ولا كأني موجود. قولت لها نأجل الخلفة دلوقتي وقولت لها أسبابي، ولفّت وعملت اللي في دماغها من ورايا."
يوسف بهدوء: "أسبابك إيه؟"
أجابه ريان بضيق: "ليلة لسه مكملة سنتين من كام شهر، وحضرتها لسه بتدرس وطب كمان، يعني الدراسة صعبة. وبنت واحدة وهي محتاسة بيها لسه، وغير كده لو حسبنا شهور الولادة وارد جدًا تيجي مع الامتحانات، يعني هتأجل السنة دي وتروح عليها وهيبقى تعب عليها جامد."
ثم تابع بسخرية وغيظ وغضب: "في الآخر تقولي أنا ما اشتكتش. عنيدة ودماغها عايزة كسر، ومش بتسمع غير اللي في دماغها بس، كأنها مش متجوزة واحد تاخد رأيه."
يوسف بهدوء وهو يربت على كتفه: "هدي نفسك يا بني، هي غلطانة أيوه. عارف أنا زمان كنت في نفس موقفك مع ليلى اللي يرحمها."
ثم تابع بحنين: "بعد ما خلفتك إنت وأوس أخوك، قولت لها كفاية عشان صحتك وعشان تقدري عليهم. مسمعتش مني وخلفت أمير، وبعدها أختك. اتخانقنا بردو عشان عملت كده من ورايا، كانت عايزة تجيب ولاد كتير عشان يبقوا إخوات وفي ضهر بعض."
ريان بحزن: "الله يرحمها."
تنهد يوسف بحزن متابعاً: "مراتك غلطت وإنت عندك حق تزعل منها. سيبها، أنا هتكلم معاها وأفهمها غلطتها."
ريان بضيق: "هي مش حاسة إنها غلطانة، بتكابر وخلاص."
يوسف بتهدئة: "طب هدى نفسك وبلاش تضيع فرحتك إنت وهي بخبر زي ده. ربك موجود وإن شاء الله مفيش تعقيد. ويا سيدي البيت مفيش فيه أكتر من الستات وهيساعدوها، وممكن كمان تجيب مربية تساعدها."
ريان بضيق: "أنا اللي مضايقني أكتر اللي عملته، خبت ونفذت اللي في دماغها كأني مش موجود."
جاء صوتها من خلفه قائلة بحزن: "ريان، حقك عليا أنا آسفة وغلطت في اللي عملته، بس أنا كمان ليه أسباب."
استأذن يوسف منهم وغادر حتى يتحدثوا بأريحية: "تصبحوا على خير."
بينما ريان التفت لها قائلاً بسخرية: "يا ترى أسبابك إيه يا هانم؟"
أجابته بضيق: "ممكن من غير تريقة."
ضحك بسخرية لتكمل هي بحزن: "اشمعنى إخواتك مش بيتضايقوا لما مراتاتهم كانوا حامل وهما بيدرسوا؟"
أجابها بتهكم: "يمكن مثلًا عشان ولا واحدة فيهم بتدرس طب اللي عايز وقت ومجهود منك، ولا يمكن مثلًا عشان حضرتك لو ناسيه ومش عاملة حسابك امتحاناتك قربت وهتأجلي السنة، ولا يمكن مثلًا مسئوليتك هتزيد ومش هتبقي عارفة تعملي إيه ولا إيه."
ثم تابع ببرود عكس النيران المشتعلة بداخله منها: "آه صح، ده أنا ما اشتكتيش."
نادتها بتوسل أن يتوقف عن طريقته تلك: "ريان."
صرخ عليها بغضب قائلاً: "بلا ريان بلا زفت، أنا زهقت منك يا ندا ومن تصرفاتك. ماشية من دماغك ولاغية وجودي. كل مرة بعديها أسكت وأقول معلش وأطلع نفسي غلطان، بس هفضل أقول معلش لأمتى؟"
بكت بحزن ليصرخ عليها بغضب: "متعيطيش."
بكت أكثر قائلة بحزن: "أنا آسفة، أنا بس كنت عايزة أجيب لليلة أخ أو أخت."
أجابها بضيق وحدة: "ملكيش دعوة بإخواتي، كل واحد فيهم ليه ظروفه. إحنا غيرهم. زينة خلفت تاني غير لما خلصت دراسة، وفرح نفس الكلام، مأجلة الخلفة عشان لسه بتدرس، وكمان مهرة دراستها مش محتاجة مجهود زيك إنت."
أجابته بحزن وأسف: "أنا غلطانة، عندك حق. متزعلش مني، آخر مرة والله أعمل حاجة من غير ما أرجعلك."
ثم وضعت يدها على موضع جنينها قائلة برجاء: "متضيعش علينا فرحتنا بيه."
لانت نظراته، هو سعيد بوجود طفله لا شك بذلك، لكنه غاضب منها لأقصى درجة.
لتتابع هي بأسف ورجاء: "سامحني."
***
التفتت له بابتسامة ليكمل هو بصعوبة: "جهزي نفسك عشان هنرجع مصر في أول طيارة النهاردة."
قطبت جبينها تسأله بتعجب: "ليه؟ مش قولت هنقعد شهر؟ عدى أسبوعين بس."
ابتلع ريقه بصعوبة ولم يجيب. لتسأله بقلق: "بدر، حصل حاجة؟"
كان الصمت جوابها تلك المرة أيضًا، لتردد بقلق: "أنا ابتديت أقلق. اتكلم، حصل إيه؟"
أجابها بصعوبة: "والدكت..."
اتسعت عيناها بصدمة وسألته بخوف: "بابا؟ حصله حاجة؟"