تحميل رواية ضحايا الماضي بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تركض بحديقة تلك الفيلا الواسعة تحاول التنفيس عن نيران الغضب التي بداخلها و لم تنطفئ منذ أن كانت صغيرة بداخلها نيران إذا خرجت لأحرقت كل من حولها نيران موجودة بداخلها و بداخل كل اخوانها منذ سنوات طوال نيران لن تنطفئ سوا بالأنتقام ممن كانوا سبب تعاستهم و تدميرهم. بعد ساعة انتهت فيها من الركض صعدت لغرفتها مباشرة و استعدت ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام كان آدم يترأس طاولة الطعام و على يمينه أوس و ريان و يساره يجلس أمير. جلست بجانب أمير قائلة بابتسامة صغيرة: صباح الخير. اجاب الجميع بابتسامة: صباح النو...
رواية ضحايا الماضي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شهد الشوري
له يوسف بصدمة ليتابع أدم بسخرية:
كنت عندي ١٥ سنة و فاهم اللي بيحصل كويس، كنت بشوفها وهي بتعيط وبتتجنبك وسمعت كلامك مع ثريا ساعتها، وانت بتقولها إنها استغلت إنك سكران وقربت منك!!!
ثم تابع وهو ينظر لشقيقته:
الجزء الجاي بقى محدش هيحكيه غير حياة، يمكن عشان هي كانت حاضرة وقت الحادثة مثلا!!!
حياة بسخرية وعيناها مليئة بنظرات الحزن:
شوفت كل حاجة… شوفت ثريا ومحسن وهما بيحطوا أمي في السرير بعد ما خدروها وقلعوها هدومها. ده الزبالة ده.
ثم أشارت بيدها نحو ذلك الرجل الذي تملأ الدماء وجهه، ثم ضحكت ساخرة وهي ترى الصدمة بادية على وجه يوسف وجسده تصلب:
كنت بحاول أصرخ بس مراتك وعشيقها كانوا كاتمين نفسي عشان ما أتكلمش وأعرف حد إنهم موجودين في القصر.
ثم توجهت تقف أمام هدير قائلة بسخرية مريرة:
هدير هانم… صاحبة أمي الروح بالروح بنت خالتها أقرب ماليا… كانت الشريك التالت!!!
ريان بغضب:
العربية اللي خبطت أمي بعد ما يوسف باشا طردها من القصر كانت بتسوقها هدير بالاتفاق مع ثريا ومحسن!!!
أدم وهو يشير لأحد رجاله لكي يقوم بتشغيل الشاشات ليظهر فيديو لمحسن وثريا بغرفة:
دلوقتي بقى نشوف الدليل على كل اللي اتقال.
الجميع يشاهد بصدمة ما يحدث بالفيديو.
Flash Back
محسن بضيق:
أهدى بقى واقعدي بقى، خايلتيني.
ثريا بغضب وغل:
أهدى… أهدى إزاي؟ انت مش شايف اللي بيحصل فينا بعد كل اللي عملته زمان… بقيت على آخر الزمن أنا اتبهدل على إيد ولاد ليلى.
محسن بضيق:
قولتلك زمان لازم نخلص منهم، مسمعتيش مني. كنا زمان مرتاحين دلوقتي ولا خسرنا كل ده.
أشعل سيجارته وهو يردد بقلق:
أنا قلقان لأ، يوسف يحن ليهم ويرجع يغير وصيته بعد ما كان موزعها عليكي انتي وسارة ويخليهم يشاركونا في الفلوس دي.
ثريا بغضب وغل:
ده على جثتي إن ولاد ليلى يطولوا مليم من الفلوس ده، حتى لو حكمت إني أقتل يوسف وأخلص منه عشان أضمن إن محدش يشاركني في الفلوس دي، حقي ومش بعد كل اللي عملته ولسه بعمله أطلع من المولد بلا حمص.
نظرت له تسأله بخوف:
بس حياة… ممكن تحكي وتقول اللي حصل زمان. متنساش إنها سمعت وشافت كل اللي حصل.
محسن بنفي:
مظنش إنها ممكن تكون فاكرة حاجة من اللي اتقال. دي كانت لسه صغيرة وبعدين حتى لو عارفة كانت قالت من زمان، إيه اللي هيسكتها؟
ثريا بقلق وتفكير:
معرفش، بس مش مطمنة. هما مش ناوين على خير، إحنا لازم نخلص منهم.
مرت دقائق في صمت قطعه هو قائلاً بتفكير:
نضيق عليهم كل حاجة، يعني نضربهم كذا ضربة ورا بعض، نشغلهم بحيث إنهم ما يكونوش مستعدين لما نفكر نخلص منهم.
ثريا بتساؤل:
نعمل إيه مثلا؟
محسن بمكر:
نخلص من سليم الجارحي وأمير في يوم واحد. هيتشغلوا في موتهم ومش هيكونوا واخدين احتياطاتهم، وساعتها هيبقى سهل ندبر ليهم حادثة تخلصنا منهم زي ما خلصنا من أمهم وحسين.
سألته بتعجب:
طب هنخلص منهم إزاي؟
محسن بتفكير:
أمير نفك فرامل العربية بتاعته أو ندبر ليه حادثة تبان قضاء وقدر. أما سليم فمحدش هيقدر يقوم بالمهمة دي غير هدير، لأن مش هنكون ضامنين الشغالين اللي جوه القصر… ده من اللي كنا بنحطه لحسين في أي حاجة بيشربها وتبان قضاء وقدر زي ما حصل معاه برضه.
سألته بتفكير:
بس تفتكر هترضى؟ دي مستحيل توافق بعد اللي عملناه فيها زمان.
محسن بسخرية:
هترضى متخافيش، هي متورطة معانا ولو اتكشفنا هي كمان هتتكشف وهتروح في داهية، يعني مصلحتنا واحدة. موافقتها أو لا مش هتفرق، غضب عنها هتوافق ولو نشفت دماغها الفلوس تلينها.
أومأت له قائلة بقلق وخوف من القادم:
أما نشوف، ربنا يستر.
اقترب منها محاوطاً خصرها قائلاً بوقاحة:
ما تيجي جوه، ده انت واحشني موت يا جميل.
دفعت يده بعيداً عنها قائلة بضيق:
محسن مش وقته.
جذبها إليه مرة أخرى قائلاً بوقاحة:
ده هو ده وقته!!
بعد وقت قضاه الاثنان بفعل تلك الفاحشة التي اهتز لها عرش الرحمن، أشعلت ثريا سيجارتها قائلة بقلق وخوف:
تفتكر الزفتة اللي اسمها حياة كان قصدها حاجة لما قالت إن سارة بنتك ولا كانت مجرد كلمة؟
محسن بنفي:
محدش غيري أنا وانتِ نعرف إن سارة بنتي وبنتك، يبقى هتعرف منين؟
ثريا بخوف:
معرفش، بس طريقتها في الكلام مكنتش مريحاني. ياريتني سمعت كلامك زمان وخلصنا منهم.
محسن وهو يشعل سيجارة:
متخافيش، هيحصل وهنخلص منهم.
أومأ له قائلة بشر:
هنخلص منهم واحد واحد وكل حاجة هترجع زي ما كانت!!!
Back
أدم ساخراً لثريا التي شحب وجهها وأصبح جسدها يرتجف من الخوف:
دخولي القصر مكنش ع الفاضي، الأوضة اللي نقلتي فيها انتي ومحسن كانت كلها كاميرات ومايك في كل حتة، حتى تليفونك انتي وهو كان متراقب.
ثم تابع وهو ينظر لجمال عمه بشكر:
كله حصل بمساعدة عمي جمال، زي ما ساعدنا ناخد ملكية القصر. هو صحيح مكنش يعرف سبب طلبنا إيه، بس نفذ وقبل يساعدنا لأنه كان متأكد زينا من براءة أمي، رغم إنه مكنش يعرف كل الو… بتاعتهم دي.
ثم تابع بسخرية:
يوماً ما سمعت الفيديو ده، قولت لجدي على كل حاجة. عرفت إنه مربي حية في بيته، قتلت بنته وعايزة تقتله هو كمان، والخدامة اللي اتفقت معاها كانت هتنفذ فعلاً، بس إحنا هددناها إنها تعمل عكس اللي قولتي، وخدت فلوس ونفذت وباعتك… عشان كده كنتوا مستغربين جدي مماتش لحد دلوقتي ليه، رغم إنه حسين العمري كلها أسبوع وكان مات.
ريان بسخرية:
ساعتها في نفس اليوم برضه استغلينا إنك مش في البيت، وأوضتك كلها كانت متركبة مايكات، حتى تلفونك رقبناه.
ثم أشار بيده لصقر الذي قام بتشغيل المقطع الصوتي بينها وبين ثريا.
Flash Back
منتصف الليل بقصر الجارحي.
كانت تجلس بغرفتها تتحدث بالهاتف بغل:
دي آخر مرة هساهدكم فيها يا ثريا، لأني مش ناسية اللي حصل زمان، واحمدي ربنا إني لسه ساكتة لحد دلوقتي.
ثريا بسخرية:
إنتي ساكتة لحد دلوقتي يا هدير عشان عارفة إنك هتشيلي الليلة لوحدك، إنتي اللي خبطيها بالعربية يومها وبسببك ماتت، يعني إحنا ملناش دخل.
ثم تابعت بتهديد:
يعني إنتي اللي تحمدي ربنا إننا ساكتين لحد دلوقتي وما بلغناش عنك.
هدير بغل:
آه يا ولاد…
قاطعتها ثريا قائلة بتحذير:
بلاش تغلطي في الكلام عشان منزعلش سوا، وإنتي عرفاني زعلي وحش.
هدير بغل وغضب:
أنا غلطت زمان لما سيبته ليها كل السنين دي، وغلطت لما سمحت لواحدة زيك تاخده مني تاني، على حياة عيني وزي ما قتلت ليلى زمان عندي استعداد أقتل تاني، فخافي مني!!!!!!
ثريا بغضب:
خافي إنتي مني يا حلوة، واعرفي إني مش بتهدد. إنتي كبرتي يا هدير ومش حمل مرمطة وسجن على آخر الزمن، ومش عايزة أفكرك إني الكاميرات اللي قدام القصر أنا اللي حذفت منها تسجيل الحادثة، بس لسه معايا، أعتقد إنك مش هتحبي إنهم يظهروا، وخصوصاً لو اتبعتوا لأولاد ليلى في رسالة من مجهول. طبعاً هما ما هيصدقوا.
صمتت هدير تكور قبضة يدها بغل لتتابع الأخرى بغرور وسخرية:
مش قولتلك خافي مني!!!!
Back
أمير ساخراً وهو ينظر لمحسن وثريا:
كل ذكي في الأذكى منه.
حياة باحتقار:
وصلت بيهم الحقارة إنهم كانوا عايزين يعيدوا اللي حصل زمان… كانوا عايزين يعيدوه مع أخواتي وإنهاردة!!!
أمير بغضب وميران تشتعل بصدره:
أوس مع فرح خطيبتي في شقة لوحدهم متخدرين وبنفس الوضع اللي أمي كانت فيه، وبوليس الآداب يكبس عليهم وتبقى فضيحة وأخسر أخويا وممكن كمان أقتله!!!!
كور قبضة يده وهو يردد الكلام الذي استمع له من محسن عبر مسجل الصوت، ثم بلحظة كانت قبضة يد أمير تعرف طريقها لوجه محسن ليسقط أرضاً.
أبعده ريان للخلف ليشير أدم لصقر الذي قام بتشغيل فيديو آخر مسجل لمحامي العائلة قبل وفاته بعامين يردد فيه بصوت متعب:
حسين باشا كان قالي قبل ما يموت إنه عايز يكتب وصيته وعايز يوزع الورث بين أولاده وكمان يخلي ليلى هانم وفرحة هانم يكون ليهم نصيب في الورث. كلن عايز يكتب القصر باسمهم وكتبت ليه الوصية، بس بعدها بفترة قصيرة قابلت محسن واتقربنا من بعض بقينا أصدقاء. كنا بنسهر سوى وكنا في مرة سهرانين وبنشرب في بيته وكان موجود معانا بنات قضينا ليلة هناك، بس بعد يومين اتفاجئت بيه مصورني مع البنت اللي قضيت معاها الليلة وهددني بالفيديو ده يسكت مقابل إنه يشوف وصية حسين باشا. وبعدها لقيته جاي بعد كام يوم بيطالبني أعدل في الوصية يا إما يفضحني. وساعتها كنت متجوز وعندي أولاد وخوفت ونفذت اللي طلبه مني وعدلت الوصية إن حسين بيه عاوز يوسف ابنه يتجوز ثريا بعد ما اتطلقت يا إما الورث كله يروح للجمعيات الخيرية. ونفذت وبعدها بأسبوع حسين باشا اتوفى…
أغلق الفيديو لتنزل صدمة أخرى على الجميع ليردد أدم بسخرية واحتقار:
ده طبعاً غير الشقة اللي في المعادي اللي كان مكان لقاء العشاق واللي كانوا طبعاً مخبيين فيها كل الورق اللي يخص شغلهم الو… في المخدرات وتهريب السلاح، حتى شقق الدعارة اللي بيديروها من بعيد لبعيد.
ريان ساخراً:
بس أحب أقولكم إن الورق ده بقى معانا دلوقتي، أو بالاصح بقى مع البوليس. حتى كل الفيديوهات دي بقت مع البوليس اللي فيها طبعاً ما يثبت إن انتوا اللي قتلوا أمي.
اقتربت حياة من ثريا قائلة بسخرية وانتصار:
مش قولتيلي متهدديش بعشم أوي يا ثريا، لأن محدش عارف بكرة في إيه.
نظرت لها ثريا بغل وسرعان ما توسعت عيناها بصدمة وذعر، وكذلك محسن وهدير عندما استمعوا لصوت صفارات سيارة الشرطة!!!!
وضع محسن يده على خصره يتأكد من وجود سلاحه، ليستغل اقتراب حياة منهم، سرعان ما جذبها يقبض على خصلات شعرها ويضع سلاحه برأسها. صرخ الجميع بفزع. اقترب أدم منه غاضباً ليحذره الآخر قائلاً بتوعد:
ارجع مكانك أحسن ما أخلي الحلوة تحصل أمها.
أوس بغضب:
ورحمة أمي ما هرحمك لو شعرة منها اتأذت.
ضحك محسن باستخفاف قائلاً بغل:
بينا حساب طويل وهنصفيه سوا، بس دلوقتي يا هتخرجوني من هنا يا أما هقتلها. أنا كده كده داخل السجن فمعنديش مانع أقتلها كمان، مش هخسر حاجة، بس إنتوا اللي هتخسروا.
كان بدر وكذلك إلياس يحاولون التحرك ببطء خلفه دون أن يلاحظ، لكنه لاحظ تحرك إلياس ليطلق النار أسفل قدمه، لكنها لم تصبه قائلاً بسخرية:
خليك مكانك يا بن العمري.
لتستغل حياة إبعاده للسلاح عن رأسها لتقوم بدعس قدمه بقدمها بقوة، ثم بمعصم يدها اليمنى قام بضربه بوجهه، ليستغل أوس إفلات شقيقته من بين يديه لينهال عليه باللكمات، بينما بدر أبعد السلاح عنه وهو يتفقد حياة بقلق وكذلك إلياس.
دقائق قليلة ودخلت عناصر الشرطة معهم ضابط صديق أدم منذ الصغر ويدعى هاشم، مكبلين كلاً من ثريا ومحسن وهدير التي تصرخ بهستيرية:
هي السبب، هي اللي خلتني أموتها، هي السبب، خدته مني وهي عارفة إني بحبه، كانت عارفة إني بحب يوسف وخدته مني بسببها. أنا كنت في نظر الكل قليلة، كانت أحسن مني في كل حاجة، بسببها اتجوزت واحد أكبر مني…
أخذت تردد بعض الكلمات غير المفهومة بانهيار حتى فقدت وعيها، تم نقلها للمستشفى تحت حراسة مشددة، بينما أخذت عناصر الشرطة ثريا ومحسن اللذان يتوعدان لهم بالمزيد، بينما سارة انهارت على الأريكة خلفها لا تستوعب حتى الآن ما استمعت له!!!!
…
غادر الجميع.
لم يتبقى سوى عائلة الجارحي وعائلة العمري.
نظرت حياة ليوسف بسخرية وهي تراه يتراجع للخلف يجلس على المقعد بصدمة وهو يسترجع كل ما استمع له وشاهده قبل قليل.
لم يشعر أي من أبنائه لا بشفقة ولا بأي شعور، فقد نظرات خاوية من المشاعر صوبها الخمسة تجاهه، لكنها لم تستطع أن تصمت دون أن تقول تلك الكلمات:
عاشت معاك أكتر ما عاشت معانا، كنت المفروض تصدقها أكتر واحد فينا، بس انت محبتهاش. كأنك ما صدقت تخلص منا ومنها.
نظر لها بألم وحزن مردداً بخفوت:
هما السبب.
ضحكت ساحرة قبل أن تتابع حديثها:
محسن وثريا وهدير مش السبب لوحدهم، انت كنت سبب أساسي إن عيلتنا كلها تتدمر. لو كنت قعدت دقايق بس وفكرت بعقلك كنت هتلاقي إنها مظلومة. واحدة عاشت معاك سنين أكيد كنت عارفها وعارف أخلاقها، لو كنت فكرت كنت هتلاقي إن مفيش واحدة بتخون جوزها وهي في بيته وعلى سريره وهي عارفة كويس إنه ممكن يجي في أي وقت.
أمير بسخرية مريرة:
انت عجبك دور المظلوم اللي عيشت نفسك فيه، وحتى لو كانت خاينة، إحنا كان ذنبنا إيه ترمينا واحنا في أكتر وقت محتاجينك فيه؟ خليتنا أيتام أم وأب في نفس اليوم… روحت ربيت بنت مش بنتك ورميت ولادك في الشارع.
تنهد أمير متابعاً بسخرية:
أوعى تفتكر إن اللي بقوله ليك دلوقتي ده لوم، لا، انت اللوم حتى ماتستاهلوهوش. انت متستاهلوش لا كره ولا حب ولا لوم، أنا بس بقولك اللي يخليك تشوف نفسك. انت ظالم، ظلمت نفسك زمان وظلمت أمي وظلمتنا، ومتحطش اللوم عليهم لأنك أنت السبب مش حد تاني.
وقف بصعوبة ثم نظر لهم بألم وأعين تلمع للدموع، لحظات ووضع يده على صدره يشعر بألم حاد لم يستطيع تحمله ليسقط أرضاً فاقداً للوعي بعدما حاول أن يتنفس لكن دون جدوى. انتفض الجميع نحوه بقلق وفزع، بينما هم لم يتحركوا خطوة واحدة.
لم يشفقوا عليه، لا يجب أن يلومهم أحد على تلك القسوة التي بقلوبهم تجاهه، فهو من علمهم إياها بهجره لهم سنوات… بكلماته القاسية وأفعاله هو من جعلهم هكذا وهو من اختار أن يكونوا أموات بالنسبة له، فلا لوم عليهم.
…
تم نقل يوسف للمستشفى، بينما غادرت عائلة الجارحي بعد أن غادر الخمسة القصر واحداً تلو الآخر بصمت تام بعد أن سقط يوسف أرضاً وتم نقله للمستشفى… مر وقت طويل ولم يستطيع أحد أن يتوصل للخمسة، كلاً منهم يغلق هاتفه، لا أحد يعلم عنهم شيء. حزن يخيم على الجميع، لكن على الرغم من ذلك الحزن لم يتمكن سليم من عدم الشعور بالسعادة لظهور براءة ابنته ولم يتمكن من كبح شعور الشماتة بيوسف، يعلم إن ذلك خطأ، لكن ما فعله بابنته وأحفاده ليس بالهين أبداً.
…
يجلس في صمت تام شارد في سكون الليل، بينما هي تتابعه بحزن كبير وقلب يؤلمها على وجعه الذي تراه بوضوح بعينيه، تتذكر كيف هاتفها وطلب منها أن تخرج خارج الفيلا وستجده ينتظرها بدون حديث، انطلق بسيارته وجاء بها لهنا حيث ذلك المكان الخالي من الناس يشبه الصحراء.
قص عليها كل ما حدث اليوم، وبعدها اكتفى بالصمت. قطعت هي ذلك الصمت الذي طال، فمنذ أن قص عليها كل شيء منذ ساعاتين تقريباً وهم على هذا الحال:
أمير أنت كويس؟
ظل على صمته لدقائق قبل أن يجيب بسخرية مريرة:
كنت فاكر إني هبقى كويس بعد ما حققت انتقامي، كنت فاكر إنهاردة هيكون أسعد يوم في حياتي، بس بالعكس حاسس بنار جوايا… حاسس بوجعي زاد أكتر ما كان.
ثم تابع بعينين لامعتين بالدموع:
كنت بحبه أوي، كانت بتعامل معاه على إنه صاحبي. مش أنا بس اللي كده، هو كان حاجة كبيرة بالنسبة لينا، رغم وجعي على أمي لما ماتت، بس وجعي منه كان أكبر.
نزلت دموعها بحزن عليه وهو يتابع قائلاً بحزن:
عارفة شعور إنك تكون فاكر إنك حاجة كبيرة أوي عند الشخص ده، وفجأة في لحظة يتخلى عنك بسهولة كأنك ولا حاجة في حياته… صدمني يومها، كنت أول مرة أشوف منه قسوة.
نظر لها قائلاً بألم وقد تمردت دمعة من عينيه:
عارفة طول السنين دي كلها كنت بحاول ألاقي ليه مبرر على اللي عمله عشان أعذره عشان ما أكرهوش، حتى بعد ما رمانا فضلت أيام مستنية يرجع ياخدنا، قلبه يحن، بس معملش كده.
ثم تابع بصوت متألم:
لو اديته مبرر على الخيانة اللي أمي اتظلمت فيها، مش هديله مبرر على إنه اتخلى بسهولة، ولا كأن إحنا ولاده.
نظر لها متابعاً بألم:
خديني في حضنك يا فرح.
بدون تردد جذبته لأحضانها تضمه بقوة ودموعها تغرق وجهها، وكذلك فعل هو يحاول أن يستمد من أحضانها الأمان، أن يجد الراحة التي لم يحصل عليها منذ سنوات.
…
بفيلا الأدم حيث قادته قدمه لهنا بعد ساعات من السير بالشوارع… بغرفة الرياضة الموجودة بحديقة الفيلا كان يلكم ذلك الكيس الرملي المعلق، يحاول أن يخرج الغضب والنيران المشتعلة بداخله. أخذ يلكمه ويلكمه بدون ارتداء القفازات حتى جرحت يده ونزفت دماء… لقد ظن إن النيران المشتعلة بصدره تلك ستهدأ اليوم، ظن إنه سيرتاح، لكن حدث العكس. هيئة يوسف وهو يسقط أرضاً لا تفارق باله أبداً. يكون كاذباً إن قال إنه لم يحزن عليه.
كان منشغلاً بلكم ذلك الكيس بغضب ولم يشعر بها وهي تدخل من الباب بعدما كانت تجلس بالحديقة تذاكر دروسها ورأت أنوار تلك الغرفة مضيئة، تفاجأت به. سرعان ما شهقت بقوة وهي ترى يده تنزف دماء. التفت للخلف لترى هيئته المزرية تلك عاري الصدر جسده بأكمله يتصبب عرقاً، يتنفس بقوة وعيناه حمراء. لا تنكر شعورها بالخوف الشديد، لكنها رأت حيرة وحزن بعينيه. اقتربت منه قائلة بخوف:
انت كويس؟ إيدك بتنزف جامد.
لم يجيب، فقط يحدق بها. خرجت من الغرفة قائلة بتعجل:
استنى بس ثواني هجيب شنطة الإسعافات الأولية، هاجي علطول.
مرت دقائق وجاءت، ثم بهدوء جذبته ليجلس أرضاً بتلك الغرفة التي لا يوجد بها مقعد واحد حتى. ثم جذبت يده تضعها على قدمها تضمدها برفق، ثم التقطت يده الأخرى وفعلت المثل وهو فقط يتابعها بصمت. أقلقتها نظرت له لتجد عينيه لامعتين بالدموع والحزن والألم يشع منهما. سألته بحزن:
في حاجة مضايقاك؟ هو الجرح بيوجعك؟
ياليت جرح قلبه كان مثل جرح يده، سيطيب ويشفى بدون أثر، لكن ما بداخله لن يشفى أبداً.
بصمت انحنى بجسده يضع رأسه على قدمها يغمض عينيه. تعجبت مما فعل، ليقرر الحديث أخيراً قائلاً بصوت مرهق حزين لامست فيه الرجاء:
مش هعمل حاجة يا مهرة، خليني كده بس.
بتردد وضعت يدها على رأسه تمررها بلطف تعبث بخصلات شعره بلطف.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه، وتلك الذكرى لاحت على باله الآن هو ووالدته بنفس المشهد. كم كان يعشق أن ينام هكذا على قدمها وهي تعبث بخصلات شعره بحنان.
أغمض عينيه، بينما هي كانت تتأمله بحزن. لا تعرف ما به، لكن قلبها يؤلمها وهي تراه هكذا. مر وقت وشعرت بانتظام أنفاسه. أرادت أن تجعله يستيقظ لكن خشيت أن تزعجه وأرادت أن تذهب، لكن قلبها لم يطاوعها أن تذهب وتتركه هكذا. بقيت بجانبه تعبث بخصلات شعره بحنان وبحب. مرت يدها على وجهه الوسيم. مر وقت قليل حتى غفت هي الأخرى بجانبه.
…
تجلس أمام النيل هكذا منذ ساعات بشرود. كلما وقعت عيناها على طفل صغير أو طفلة برفقة والديها تشعر بحسرة كبيرة وغيرة. لطالما كانت هكذا منذ الصغر.
بينما هو كان يقود سيارته بالشوارع يبحث عنها. القلق ينهش قلبه حزين لأجلها. توقف عندما لمحها تجلس على أحد المقاعد الخشبية أمام النيل بشرود تام كأنها بعالم آخر.
توجه لها ثم جلس بجانبها قائلاً بقلق:
بقالي كتير بدور عليكي… حتى تليفونك مقفول. إنتي كويسة؟
صمت… كان جوابها عليه الصمت. بقى هكذا بجانبها لوقت غير معلوم حتى قطعت هي الصمت قائلة بحزن وأعين لامعة بالدموع:
تخيلي فجأة إن يبقى أقرب واحد ليك وأكتر حد بتحبه في يوم وليلة يبقى عدوك… أنا اتوجعت منه أكتر ما اتوجعت على موت أمي. بسببه اتحرمت من حاجات كتير أوي.
نظرت له قائلة بدموع:
أقولك على سر.
نظر لها بحزن ثم أومأ لها بنعم لتتابع هي بدموع تغرق وجهها وألم:
أنا كنت ساعات كتير بغير من أدم وأوس وريان وأمير عشان هما عاشوا معاها ومعاه وشبعوا من حنانهم. قدروا يكونوا ذكريات معاهم. أول يوم مدرسة كانوا معاهم، يعني عاشوا معاهم الطفولة، المرحلة اللي بتبقى أهم مرحلة في حياة كل إنسان بيكون فيها ذكريات كتير مع أهله.
ثم تابعت ببكاء وحزن:
أنا ساعات كمان كنت بغير من زينة وزمايلي في المدرسة لما كل واحدة تيجي تحكيلي عن باباها ومامتها جابولها إيه وعملولها إيه. كنت بغير وبزعل أوي وبحس بحرمان كبير. كنت دايماً أسأل نفسي ليه أنا مش زيهم.
مسحت دموعها بظهر يدها قائلة بصوت مختنق:
ليه ذكريات طفولتي كلها حزن ووجع ملوش آخر؟ أنا كنت فاكرة إني هرتاح إنهاردة بالذات بس محصلش. أنا دايماً حاسة إني تايهة، مش عارفة أنا عايشة ليه ولا عايزة إيه. الأول كنت عايشة عشان آخد حق أمي، بس دلوقتي إيه السبب عشان أعيش؟
نظرت له باكية بينما هو الحزن مرتسم على وجهه لأجلها:
أنا ساعات كتير كنت بفكر أنتحر أو أموت نفسي، بس كنت بخاف إني لو موت ما أشوفهاش، لأني ساعتها هبقى في النار.
بكت بقوة وهي تتابع بحزن:
عارف يومها… يوم ما ماتت قدام عيني ولحظة ما وقعني وقال مش ولادي، جوايا حاجة اتكسرت مش هترجع زي ما كانت أبداً. هما خدوا مني حاجات كتير، طفولتي، براءتي، أحلامي، الحنان اللي كان نفسي أحس بيه وسط عيلتي.
بلحظة جذبها لاحضانه بقوة بعدما فشل في قول شيء يخفف عنها، بينما هي لم تمانع بل تشبثت به بقوة. كل ما كانت تحتاج له عناق قوي يشعرها بالأمان. بكت بقوة وهي تتشبث به. بقى الاثنان هكذا حتى غفت بين ذراعيه. حملها برفق شديد وتوجه لسيارته. مر وقت وكان يحملها بين يديه مرة أخرى يصعد بها الدرج حيث غرفته. كان الجميع بغرفهم.
وضعها على الفراش ثم دثرها بالأغطية وجلس بجانبها يربت على خصلات شعرها بحنان وقلبه يدمي من الحزن عليها. ليتها استطاعت أن تأخذ كل أوجاعها وتتحملها بدلاً عنها… هي ليست سوى طفلة صغيرة تائهة تبحث عن الأمان، تريد الحنان والحماية، طفلة لم تعش طفولتها كما يجب.
قبل جبينها ثم أزال سترته وتسطح على الأريكة ينظر لها من حين لآخر حتى أخذه سلطان النوم.
…
يقف على تلك القمة الجبلية بمنطقة المقطم، بينما هي تجلس بالسيارة منذ أن خرج من القصر وهي ركضت خلفه وصعدت لسيارته عنوة. وهو يلتزم الصمت فقط يقف هنا منذ ساعات. لم تكن تعلم إنه تحمل كل هذا وبداخله كل هذا الألم. انتفضت بجلستها عندما سمعت صوت صراخه المتألم بصوت عالي:
آآآآه.
خرجت من السيارة سريعاً لتجده يفتح ذراعيه ينظر للسماء صارخاً، لامست الألم والوجع بصوته. ركضت له تحتضنه من الخلف وهي تستند برأسها على صدره تبكي بقوة، قلبها يؤلمها وهي تراه هكذا.
لم يتحرك، بقى واقفاً مكانه، يغمض عينيه. التفت لها لتتقابل الأعين، ثم بلحظة جذبها نحوه آخذاً شفيتها في قبلة قوية. لم تكن قاسية لكنها استشفت بها حاجته الكبيرة لها… بعد وقت ابتعد عنها يجذبها لاحضانه قائلاً بوجع:
احضنيني جامد يا زينة.
على الفور نفذت ما قال وهي تبكي بحزن لأجله، لم تعهده بحياتها هكذا.
…
أمام غرفة العمليات يقف جميع عائلة العمري بانتظار خروج الطبيب حتى يطمئنوا على يوسف.
مر وقت وخرج الطبيب قائلاً بأسف…
رواية ضحايا الماضي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شهد الشوري
بفجر يوم جديد بفيلا الادمكان، أوس يتوجه لغرفتها وهو يحملها بين يديه، بعدما استيقظ منذ قليل ليجد نفسه ينام على أرض الغرفة الصلبة وهي باحضانه.
دخل الغرفة بدون أن يصدر صوت، ثم وضعها على فراشها برفق وعيناه لا تفارق النظر لوجهها بحب، ثم انحنى مقبلاً وجنتها الحمراء دائمًا.
ثم غادر الغرفة بهدوء، وبداخله يقسم أن تكون تلك المهرة له مهما حدث.
صعد لغرفته واستقر بجسده أسفل الماء البارد، لعله يبرد النار التي تشتعل بداخله. توضأ، ثم توجه ليؤدي صلاة الفجر بخشوع، داعيًا لوالدته الحبيبة مثلما يفعل دائمًا في صلاته التي علمته إياها منذ أن كان صغيرًا.
بنفس الوقت، كان أمير يدخل للفيلا برفقة فرح بصمت تام، وكل ما فعله أنه قبل جبينها قائلًا بهدوء قبل أن يصعد لغرفته:
"تصبحين على خير يا حبيبتي."
توجهت لغرفتها، والألم ينهش قلبها عليه. ارتمت على فراشها باكية بصمت.
بينما هو صعد لغرفته، ثم توضأ وأدى صلاة الفجر بخشوع، ثم ارتمى بجسده على الفراش يغمض عينيه يحاول النوم ليهرب من واقعه الأليم.
في صباح اليوم التالي بفيلا الادما، استعد أمير وأوس ثم نزلوا للأسفل.
بينما بغرفة ريان، منذ الأمس عندما جاء بمنتصف الليل وهو هكذا ينام على فراشه وعيناه تنظر للفراغ بشرود.
كلما تذكر هيئة يوسف وهو يسقط أرضًا، ينتابه الشعور بالحزن عليه. سرعان ما يذكر نفسه بما فعله بهم وبأنه لا يستحق، هو لم يحزن عليهم لحظة واحدة بحياته ليشعر هو هكذا نحوه.
النوم يرفض أن يزور جفونه، لقد تعب وسأم جدًا من تلك الحياة، ليته يستطيع النسيان، لو كان يباع لكان دفع كل ما يملك ليحصل عليه.
عندما يأس من قدرته على النوم، استعد ونزل للأسفل، يتمنى حقًا أن يجد إخوانه، لعله يتهيأ معهم ويتوقف عن التفكير والغوص بذكريات ذلك الماضي الأليم الذي كان هو وإخوانه ضحاياه.
تفاجأ بأوس يقف أمامه، ومن ثم أمامه أمير، وحياة تقف أمام باب القصر، يبدو أنها عادت لتوها. أما عن آدم، فيجلس على الأريكة ببهو القصر، ما أن رآهم وقف بهدوء، كان يعرف بتواجدهم داخل المنزل بينما هم لا، لذا كانت الصدمة مسيطرة عليهم.
بدون مقدمات، فتح آدم ذراعيه كدعوة منه لكي يقتربوا ويعانقوه. وبالفعل مرت لحظات وكانت حياة تحتضنه، ومن خلفها أمير وريان وأوس، كلاً منهم يشدد من عناق الآخر، يحاولون أن يستمدوا القوة التي انهارت ليلة أمس من بعضهم.
بعد دقائق قليلة، ابتعدوا عن أحضانه ليقول آدم بهدوء مفتعل:
"هدير هيحولوها على مستشفى الأمراض العقلية."
اكتفوا بالصمت. ليتابع آدم:
"محسن وثريا قضيتهم شغالة، ولوجود الأدلة الكافية الحكم فيها هيكون بسرعة... ده كلام المحامي."
أوس بتردد ووجه خالي من التعبير:
"طب ويوسف العمري؟!"
آدم بهدوء يعكس ما بداخله:
"جاتله أزمة قلبية شديدة ولسه في مرحلة الخطر."
ريان بهدوء لكي يغير من مجرى الحديث:
"هتروحوا الشغل ولا إجازة؟"
حياة بتعب:
"أنا تعبانة ومش قادرة أعمل أي حاجة."
وافقها الجميع الرأي وقرر الخمسة قضاء اليوم معًا. قرر أمير اليوم أن يصارح رحمة برغبته بالزواج من فرح، وبدون تردد وافقت، فهي لن تجد أفضل منه ليحافظ على ابنتها.
بالخارج، حيث باب الفيلا الخارجي، يدور شجار كبير بين رجال الأمن وصابر عم مهرة، الذي جاء برفقة زوجته انعام وابنه اسماعيل.
صابر بغضب وهو يتشاجر مع رجل الأمن الذي يرفض إدخاله للفيلا:
"ابعد عن من خلقتي يا أخينا انت."
الرجل بغضب وتهديد:
"عاوز إيه يا راجل انت، امشي من هنا أحسن لك لو مش عايز تتأذى."
إسماعيل وهو يلوح بيده في الهواء بطريقة سوقية:
"انت فارد نفسك علينا ليه يا جدع انت... بنت عمي جوه وداخلين ليها."
استهزأ الآخر به قائلاً:
"بنت عمك مين اللي عايشين هنا، مستحيل يعرفوا الأشكال دي."
انعام بصوت عالٍ وطريقة سوقية أثارت اشمئزاز رجال الأمن:
"ماله شكلنا يا أخويا، اقف معوج واتكلم عدل بدل ما أنزل بشبشبي على جتتك... جتك الهم انت واللي مشغلك."
صابر بغضب ونفاذ صبر:
"إحنا قرايب الست رحمة."
بذلك الوقت، كان أمير يخرج من باب الفيلا ليتفاجأ بذلك الشجار، ليصرخ عليهم بغضب:
"إيه اللي بيحصل هنا؟!"
رجل الأمن باحترام:
"أمير باشا، الناس دول جاين وبيقولوا إنهم قرايب الست رحمة."
أمير بنظرات متفحصة وشك:
"تقربوا ليها إيه؟"
صابر بنفاذ صبر:
"أنا أبقى أخو جوز أختها، ودول مراتي وابني، كنا عايزين نتكلم معاها في موضوع."
أمير بعدم ارتياح لهم:
"وصلهم لجوه وبلغ رحمة هانم بوجودهم."
دقائق وكان الثلاثة يقفون ببهو الفيلا ينظرون لكل شيء حولهم بانبهار، لتردد انعام:
"إيه الابهة دي كله."
بتلك اللحظة، خرجت مهرة من غرفتها الموجودة بالطابق الأرضي، لتفزع عندما رأتهم قائلة:
"ع...عمي!!!"
صابر بغضب وهو يتوجه لها قابضًا على خصلات شعرها قائلاً بغل:
"أيوه عمك يا فاجرة يا ب..."
خرجت رحمة على صوت صراخ مهرة المستغيث قائلة بصدمة:
"صابر!!! بتعمل إيه هنا، سيب البنت."
صابر بغضب ولا يزال قابضًا على خصلات شعر مهرة التي تبكي ولا تتوقف عن الصراخ من ألم فروة رأسها:
"بنت أخويا وأنا حر، خلينا نربيها ونعلمها الأدب والشرف اللي معرفتيش تعلميه ليها انتي ولا أمها."
رحمة بغضب وهي تحاول إبعاده عنها:
"ابعد عنها بقولك، بنت اختي متربية أحسن تربية."
بتلك اللحظة، كان آدم وإخوته مهرولين للأسفل، ودخل أمير للداخل من الحديقة بعد استماعهم صوت الصريخ، واستمعوا لآخر جملة قالها صابر:
"هو في واحدة متربية يا خالتي تسمح لواحد يشيلها، كمان يقرب منها، ومش بعيد تكون مقضياها معاه."
أوس بغضب ونبرة لا تبشر بالخير أبدًا:
"في إيه؟!"
إسماعيل وهو يشير لأوس الذي اقترب من صابر لكي يخلص مهرة من بين يديه:
"هو ده يابا اللي ماشية معاه، وكان شايلها."
أبعد أوس مهرة عن صابر لتحتضنها رحمة بحماية، وباللحظة التالية كانت قبضة يد أوس تعرف طريقها لوجه صابر ليقع أرضًا:
"إزاي تتجرأ وتمد إيدك عليها... انت مين؟!"
صابر بغضب:
"أنا أبقى عم الفاجرة اللي ضيعت شرفها معاك."
آدم بغضب:
"انت بتقول إيه يا جدع انت، اتكلم عدل."
إسماعيل بغضب:
"ملكش دعوة يا جدع منك ليه، إحنا جايين ناخد بنت عمي وهنمشي من هنا وخلصت على كده، محدش يدخل."
رحمة بغضب:
"عايزين تاخدوها عشان تغصبوها تتنازل عن ورثها."
انعام بغضب:
"أمها اللي يجحمها مطرح ما راحت هي السبب في كل ده، لفت على خليل وخلته يكتب الأرض كلها باسم بنته عشان محدش يشاركها فيه."
مهرة بغضب:
"متدعيش على ماما، بابا عمل كده عشان كان عارفكم كويس وعارف إنكم طماعين و..."
صابر بغضب وهو يتوجه لها لكي يصفعها:
"اخرسي يا فاجرة يا قليلة الرباية، ليكي عين تتكلمي."
لكن وقف أمامه أوس قائلاً بغضب دب الرعب بأوصاله:
"تاخد الاتنين اللي معاك دول وتغور بره، ورجلك متعتبش بابا الفيلا هنا تاني، وإلا صدقني المرة الجاية هتطلع من هنا على ضهرك."
إسماعيل بغضب:
"أنا مش همنقول من هنا إلا وهي معايا."
ثم توجه لمهرة جاذبًا إياها من يدها، لكن بلحظة كان يقف أرضًا بسبب لكمة أوس التي عرفت طريقها لوجهه ليسقط أرضًا.
توجه ريان للخارج ثم عاد برفقة بعض الحراس، ثم أشار لهم قائلاً بأمر:
"طلعوا الناس دي بره، وتاني مرة محدش فيهم يهوب ناحية الفيلا، فاهمين."
جذبوهم للخارج ليقول صابر بغل وغضب:
"أنا مش هسكت، وهنبلغ البوليس ونقول إنكم خاطفين بنت أخويا."
أوس مرددًا بسخرية وبما جعل أعين الجميع تتوسع بصدمة:
"ابقى اعملها وبلغ، ساعتها انت اللي هتروح معاهم، أصل مفيش واحد بيخطف مراته."
حالة حزن تخيم على الجميع بقصر العمري بعدما حدث، وخاصة مرض يوسف الذي أصيب بأزمة قلبية حادة ليلة أمس ولا زالت حالته بوضع خطر.
بغرفة إلياس الذي عاد لتوه من المستشفى ليبدل ثيابه ثم يذهب ليتابع الأعمال، كان يبدل ثيابه بذهن شارد، وذلك المشهد الذي رآه أمس لا يفارقه. يتذكر عندما عاد للمستشفى مرة أخرى بعدما قام بتوصيل جدته وشقيقته ووالدته للقصر.
لقد رآها تحتضن ذلك المدعو بدر وتبكي بأحضانه. نيران لم تخمد حتى الآن اشتعلت بصدره جعلته يقسم بتلك اللحظة أنها لن تكون لأحد سواه. سيفعل ما بوسعه لتكون له، لن يجعل أي أحد يفوز بها سواه.
بقصـر الجارحي، ينام على فراشه بالمكان الذي كانت تنام به أمس، يدفن وجهه بالوسادة التي لازالت تحمل رائحتها. كان شاردًا بها وبما حدث أمس، سيظل عناقه لها أفضل عناق حظي به على الإطلاق.
أفاق من شروده على رنين هاتفه، التقطه بتظهر صورة جدته (جين) عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحدثه فيديو، وأجاب عليها قائلاً بمرحه المعتاد معها:
"حبيبة بدر وقلب بدر، وحشاني يا جين."
جين بلهجتها العربية الغير صحيحة، فهي لازالت تجهل استخدامها بشكل صحيح رغم مرور سنوات طوال:
"حبيبة قلب جين، واحشاني كتير."
بدر باشتياق مماثل وحب:
"انتي واحشاني أكتر والله."
جين بحب وحنان لحفيدها الوحيد:
"طب إيه مش ناوية ترجعي بقى؟ طولتي أوي المرة دي بمصر."
تنهد بعمق ولم يجيب، وتلمع عيناه بحب لها. لتسأله جين بصدمة وأعين متسعة:
"إيه النظرة دي... انتي بتحبي؟!"
بدر بصدمة:
"عرفتي منين؟!"
ابتسمت جين بسعادة قائلة:
"في لمعة حب بعينك يا قلب جين، كنت دايما أشوفها في عيون جدك ليا."
ابتسم بصمت لتتابع هي بتساؤل:
"في حبيب فحياتك يا بدر؟"
بدر بابتسامة حزينة:
"مش بالظبط."
"موش فاهمة؟!"
بدر بابتسامة حزينة:
"يعني حاليًا حب من طرف واحد."
جين بحزن:
"يعني هي موش بتحبك."
حرك كتفيه قائلاً:
"مش عارف."
ثم تابع بتصميم:
"بس اللي عارفه إنها محتاجاني دلوقتي يا جين، لازم أفضل جنبها. يعني حتى لو رفضتني أكون سبتها وأنا مطمن عليها. أنا بتابع الشغل من هنا وكل تمام، مفيش حاجة متعطلة."
جين بحزن:
"بس أنا موش بتكلم عشان شغل، انت..."
"أنا بتكلم عشان انت وحشت جين كتير، وكمان البنت دي أكيد هيخسر لو مش وافقت عليك."
ابتسم قائلاً:
"صدقيني يا جين، أنا اللي هخسر مش هي."
"للدرجة دي بتحبيه يا بدر؟!"
بدر بأعين تلمع بالعشق الخالص:
"بحبها أكتر من الحب نفسه."
ابتسمت قائلة:
"حبيبتي هتبقى من نصيبك، وبكرة تقول جين قالت. حتى ممكن أنا أتكلم معاه وأخليه يوافق عليكي."
ضحك بخفوت على ما قالت وعلى طريقة حديثها التي تدخل قلبه مباشرة:
"لا مش للدرجة دي يا جين."
ثم تابع بمرح وغزل:
"بعدين سيبك من كل ده... هو أنا كل مرة أشوفك فيها ألاقيقي أحلى من اللي قبلها يا قمر انتي."
ابتسمت بخجل قائلة:
"بس انتي بتكسفي جين كده."
ضحك بخفوت وظل يتبادل معها الحديث لدقائق، ثم أغلق الهاتف يريد أن يتصل ويطمئن عليها بعد أن استيقظ بصباح اليوم التالي ليجدها غادرت الغرفة بل القصر بأكمله. لكن حسم أمره وقرر الذهاب لها.
كانت تدخل للقصر تسير بعيدًا عنه بمسافة كبيرة، ترفض الاستماع لكلمة واحدة منه. ما أن دخلوا للقصر أصاب الجميع الخوف من هيئة هنا، وجهها الشاحب، بعض الكدمات تزين وجهها.
سليم بهدوء يسبق العاصفة، وهو يتمنى أن تخيب ظنونه وأن لا يكون تجرأ حفيده ورفع يده عليها:
"إيه يا هنا؟!"
صمت عم المكان للحظات، ليأتي بعده صوت هنا قائلة بهدوء شديد:
"مفيش يا جدو، أنا بس... عايزة أطلق."
شهقة خرجت من فاطمة قبل أن تقول:
"ليه يا بنتي، طلاق إيه بس؟ استهدوا بالله، ده انتوا متجوزين لسه ومكملتوش أسبوع."
هنا بهدوء وهي لا تزال توجه حديثها لسليم:
"لو سمحت يا جدو خليه يطلقني."
لم يتحدث أدهم، لم تكن لديه الجرأة على النظر للجميع أو التفوه بأي كلمة.
جذب سليم هنا من يدها لغرفة المكتب، ثم أغلق الباب من الخارج. جلس بجانبها على الأريكة قائلاً بهدوء ممزوج بحنان:
"احكيلي إيه اللي حصل؟ هو اللي عمل فيكي كده؟"
دخلت في نوبة بكاء مرير، ثم بدأت تقص عليه ما حدث منذ البداية حتى ذلك اليوم المشؤوم، ناهية حديثها برغبتها في الطلاق منه.
سليم بهدوء يسبق العاصفة وبداخله يتوعد لأدهم الذي سيعيد تربيته من جديد:
"بس انتي عارفة إنك تطلقي بعد جوازك بكام يوم معناه إيه، والناس هتتكلم وتقول إيه عليكي."
هنا بدموع وجسدها ينتفض:
"مش طايقاه يا جدو ومش عايزة أفضل معاه في مكان واحد... بقيت بخاف منه."
هربت على كتفها قائلاً بغضب وتوعد:
"سيبه عليا، أنا هربيه وهعمله الأدب من أول وجديد، هخليه يبوس إيدك عشان بس تسامحيه ويجي لحد عندك راكع."
هنا بنفي وهي تنزل الدموع من على وجنتيها بظهر يدها:
"بس أنا مش عاوزاه خلاص، ومهما عملت حضرتك مش هيبقى فارق معايا. أدهم نهى أي حب ليه جوايا يومها، ومعنديش استعداد أرجعله تاني."
صمتت لدقائق قبل أن تقول:
"بس ليا عندك طلب."
أومأ لها بهدوء لتتابع هي بعد تفكير:
"أنا هستنى شهرين ونطلق أنا وهو، بس لحد ما يحصل الطلاق أنا هسافر البلد عند عمتي أقعد معاها لحد ما الشهرين يخلصوا."
"يا بنتي..."
توسلته قائلة:
"اقف معايا في اللي عاوزاه، أرجوك."
ثم تابعت بخزي وحزن:
"أنا عارفة إني المفروض بعد اللي عملته ماما ميبقاش ليا عين أطلب كده منك، بس دلوقتي مليش غيرك يقف ليا. أنا طول عمري بعتبركم عيلتي وانت جدي وكبيري، اللي عايزاه هيحصل."
نزلت دموعها مرة أخرى قائلة بحزن:
"انسى إن أدهم حفيدك. لو حياة أو زينة مكاني كنت هتقبل واحدة فيهم تفضل مع واحد زي أدهم عمل فيها كده."
احتضنها سليم قائلاً بحنان:
"انتي طول عمرك حفيدتي اللي اتربت على إيدي في البيت ده، ومهما أمك عملت فينا ده مش ذنبك لأنك غيرها وأنا عارف كده كويس. انتي عندي زي حياة وزينة بالظبط، بس كل الحكاية إني مش عاوزة اللي بينكم ينتهي. أدهم بيحبك وانتي بتحبيه."
هنا بسخرية مريرة:
"بيحبني؟! قول كلام غير ده يا جدو، أومال لو بيكرهني كان عمل إيه."
تنهد سليم بعمق قبل أن يقول:
"أدهم من فترة طويلة جالي وطلب إيدك مني، كان عايز يتجوزك وإنه بيحبك، بس بعدها في نفس اليوم وقبل ما أفتحك في الموضوع رجع وقالي إنه صرف نظر."
صمت قليلاً قبل أن يتابع حديثه:
"فيه حاجة خلت أدهم يعمل كده، اللي متأكد منه يا هنا هو إن أدهم بيحبك بجد، بس في الأول والآخر اللي انتي عاوزاه هو اللي هيحصل."
هنا بتصميم:
"وأنا عايزة أطلق منه يا جدو، ومش هرجع في كلامي نهائي. بيحبني أو لا، أدهم خلاص مبقاش يلزمني."
"طلاق مش هطلق، أنا عارف إني غلطان..." قالها أدهم بغضب بعدما أخبره سليم برغبة هنا بالطلاق وعدم الاستمرار معه.
لكن قاطعه حديثه يد سليم الذي هوت على صدغه بصفعة قاسية مصحوبة بحديثه الغاضب منه:
"مش عايز أسمع مبررات، هطلقها يعني هطلقها. الغلط كان عليا أنا من الأول لما فكرتك راجل وجوزتها ليك."
ثم تابع بصرامة:
"تقعد دلوقتي وتفهمني بتتهم مراتك بالتهم دي ليه... ما تنطق!"
قال الأخيرة بغضب عندما وجد الآخر صامتًا لا يتحدث، ليبدأ أدهم بسرد كل ما حدث ذلك اليوم.
***
كان يجلس بمكتبه برفقة صديق طفولته وائل يقص عليه تلك الخطوة التي اتخذها اليوم:
"أنا هتقدم لهنا وأتجوزها، مش مصدق إمتى يجي اليوم ده وتبقى مراتي."
وائل بتوتر:
"ما بلاش يا صاحبي."
نظر له أدهم بتعجب قائلاً:
"ما بلاش إيه؟!"
وائل بخوف وتوتر:
"ما بلاش تتجوز هنا، يعني البنات قدامك كتير، بلاش تقع الوقعة دي."
انتفض أدهم بجلسته جاذبًا إياه من ياقة قميصه مرردًا بغضب:
"انت مالك أصلاً، وبعدين مش عايزني أتـجوز هنا ليه؟"
وائل بتوتر:
"آآآ... أصل... أنا وهنا في علاقة مع بعض."
بلحظة يسقط وائل أرضًا وأدهم فوقه ينهال عليه باللكمات قائلاً بغضب:
"انت بتقول إيه يا ب..."
وائل بألم:
"مش بكذب، صدقني. ده حتى أنا وهي كنا متفقين نتقابل النهاردة في شقتي زي كل مرة لما نحب نتقابل و..."
تأوه بصوت عالٍ عندما لكمه أدهم بعنف قائلاً بغضب:
"كداب و..."
قاطعه وائل قائلاً:
"مش مصدقني؟ تعالى معايا وأنا هخليك تشوف بعينك، هي زمانها وصلت الشقة دلوقتي ومستنياني هناك."
ابتعد عنه أدهم يركله بقدمه بجانبه قائلاً بغضب:
"فاكر إني هصدقك كده يا... هنا مستحيل تعمل كده، ده أشرف منك ومن اللي خلفوك."
وائل بتوتر وهو يقف على قدمه وكل جسده يؤلمه بشدة:
"طب ما تيجي معايا وأتأكد بنفسك، مش هتخسر حاجة يا صاحبي. أنا قولتلك عشان خايف عليك، واحدة زي هنا متنفعش ليك خالص، دي آخرها نقضي معايا ليلة وسلام على كده."
كاد أن ينقض عليه يلكمه مرة أخرى، لكن أوقفه الآخر قائلاً:
"تعالى معايا وأنت تتأكد بنفسك من اللي بقوله."
لم يستمع أدهم لحديثه، بل و قام بطرده من مكتبه.
غادر وائل لمنزله، مر وقت وكان جرس منزله يدق، فتح الباب وهو عاري الصدر ليجد أدهم الذي داعبت الشكوك قلبه رغماً عنه، وأراد أن يمحو الشك الذي بقلبه ولو كان قليلًا.
وائل بهدوء وهو يشير لغرفة النوم:
"هي نايمة جوه، لو عاوز تتأكد."
دخل أدهم للغرفة بغضب وهو يدفع الآخر من أمامه باشمئزاز، ليتجمد بأرضه وهو يراها تنام على الفراش عارية لا يسترها سوى مفرش أبيض، والثياب ملقاة بكل مكان بالغرفة، وحتى الفراش الذي تنام عليه لحاله يرثى لها يدل على أنه شهد ليلة جامحة بين اثنين.
تراجع عدة خطوات للخلف وهو لا يصدق ما يرى، غادر المنزل بصدمة وعقله لا يستوعب ما رأى حتى الآن. مر وقت طويل وهو يجلس بسيارته التي ابتعد بها من أمام البناية، يقف بمكان بعيد عن الأنظار شاردًا ونيران تشتعل بصدره. أخرج هاتفه يتصل بها، مرت لحظات لتجيب عليه ليسألها بدون مقدمات:
"انتي فين؟!"
جاءه صوتها قائلة:
"عند واحدة صحبتي يا أدهم، كنت عايزني في حاجة؟"
أغلق الهاتف بوجهها وبقي بسيارته حتى مر وقت قصير وكانت تنزل من البناية مستقلة ذلك التاكسي عائدة للقصر، وهو خلفها ثم لمكتب جده يخبره بتراجعه عن الزواج منها، ومنذ تلك اللحظة وهما يعاملها بقسوة ولم تخلو نظراته المصوبة لها من الاحتقار.
***
تعجب سليم مما قاله حفيده وأصابته الحيرة عندما قال أدهم بدموع تمردت وسقطت من عينيه:
"بس لما كنا في المستشفى الدكتورة قالت إنها أول مرة ليها، طب إزاي وأنا شوفتها بعيني يا جدي؟ حتى يومها وائل بعتلي صور ليها وهي في حضنه."
سليم بصرامة:
"صاحبك ده فين دلوقتي؟"
أدهم وهو يزيل دموعه:
"من يومها قطعت علاقتي بيه ومعرفش عنه حاجة من ساعتها خالص."
سليم بصرامة وقوة:
"أدهم..."
برجاء:
"طب هي بتسمع كلامك؟ قولها بلاش موضوع الطلاق ده يا جدي لو سمحت، أنا هعمل أي حاجة عشان تسامحني، اللي حصل غصب عني، أنا مكنتش في وعيي والله."
سليم بسخرية:
"حاولت أقنعها بس هي رافضة، وأنا مش هجبرها على حاجة، اللي هي هتقوله هيتنفذ، ومحدش يقدر يلومها لأنك انت السبب."
قالها ثم غادر غرفة المكتب، ومن بعده أدهم لخارج القصر يبحث عنه، فهو من سيحل تلك الأسئلة التي برأسه ولا يجد إجابة لها.
رواية ضحايا الماضي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شهد الشوري
في فيلا الأدهم، غرفة أوس.
بعد أن قام بطرد صابر وعائلته، دخل أدهم.
أدهم بغضب: أنت إيه اللي قلته تحت ده؟
أوس بهدوء: اللي كلكم سمعتوه.
أمير بغضب: كلنا سمعنا، بس إزاي تفكر تقول كده من الأساس؟ كان ممكن نحل اللي حصل تحت من غير ما تقول إنك متجوز.
أوس: أنا فعلاً هتجوزها.
ريان بعتاب ونبرته الهادئة دائمًا: هتتجوزها ماشي، وبعد فترة هتطلقوا وتتحسب عليكم جوازة عشان بس تسكت عمها، اللي كان ممكن إحنا نتصرف معاه ومكنش هيعمل أي حاجة من اللي ناوي عليها.
أوس بهدوء: بس أنا مش ناوي أطلق، أنا بحبها وكنت ناوي أكلم دادة رحمة عشان أتجوزها.
أدهم بغضب: كنت هتكلم خالتها ماشي، وكنت هتسمع ردها وكان وارد ترفضك. دلوقتي أنت مخلتش قدامها حل غير إنها توافق عليك.
أمير بعتاب: اتسرعت أوي يا أوس.
أوس بضيق وبدأ الخوف ينهش قلبه من فكرة إنها لا تريده أو أصبحت مجبرة عليه: اللي حصل بقى.
أدهم بغضب من بروده في الحديث: هو إيه اللي حصل بقى... أيوه، هتعمل إيه دلوقتي؟ عمها ومشي ومش بعيد دلوقتي يدخل علينا بالبوليس وياخدها معاه ومحدش هيقدر يتكلم. كنا هنتفاهم معاه وهو هنا وهنسكته. اهو غار بعد ما طردته بتهورك ده.
زفر أوس بضيق وقرر أن ينهي هذه المعضلة.
سيذهب لها لكي يعرف موقفها مما قال.
أوقفه أدهم قائلاً بغضب: رايح فين؟
غادر أوس الغرفة قائلاً بغضب: رايح أعرف هي اتدبست زي ما بتقول ولا موافقة.
دخل لغرفته بعدما وجد الباب مفتوحاً، ليجدها تجلس على الفراش بجانبها فرح ونوران يحاولون تهدئتها من نوبة البكاء التي دخلت بها بعدما غادر عمها، بينما رحمة ذهبت لكي تصنع لها شيئاً تشربه لكي تهدأ.
أوس بهدوء: ممكن تسيبونا لوحدنا؟ عايز أتكلم معاها شوية.
أومأ له الاثنتان ثم غادروا الغرفة بهدوء، ليقوم هو بدفع الباب ليغلقه لكن ليس لآخره.
جلس أمامها على الفراش قائلاً بحنان: بلاش تعيطي، صدقيني لو حصل إيه عمري ما هسمح له ياخدك من هنا.
مهرة ببكاء: ليه؟
شهقت من البكاء متابعة بحزن: ليه قلت إنها مراتك؟ مكنش ينفع تعمل كده.
قاطعها قائلاً بحب وحنان وهو يحاوط وجنتها بيده يمسح دموعها: عشان بحبك يا مهرة.
تيبث جسدها وشهقت بقوة تضع يدها على فمها بأعين متسعة.
ليكمل هو بحب: شوفتك من فترة صغيرة بس والله حبيتك. طيب، أنا لو مكانك مش هصدق إن فيه حد يحب بالسرعة دي، بس صدقت لما حصلي كده. من أول ما عيني وقعت عليكي وأنا حبيتك.
"أين أنتِ عني؟ لماذا لم أراكِ؟ لماذا لم أجدكِ؟ كلما اقتربت منكِ وجدت عالماً مختلفاً. كأنكِ شخص بألف قصة.
هل ستحبينني؟ هل ستحميني منهم؟ هل ستكونين لي سنداً؟"
سألته بصدمة وتيه: إشمعنا أنا؟
ابتسم قائلاً بحب ومرح: الحب مفيش فيه إشمعنا ولا فيه ليه. كل اللي أعرفه إني حبيتك وبس. لأني لو قلت لك ليه من هنا للصبح مش هخلص. وأنا بعدلك، حبيت فيكي إيه؟ براءتك وطفولتك وعيونك اللي تسحر.
توقف عن الحديث عندما وجدها تخفض رأسها أرضاً تضغط على شفتيها بأسنانها من الخجل.
بقى يحدق بها بحب وهيام.
ليسألها بحب وهو يرفع وجهها لتنظر له: مصدقاني؟ مصدقة حبي ليكي؟ وافقي ووعد مني لآخر يوم في عمري هفضل أحبك وعمري ما هخليكي تندمي.
تهربت من النظر لعينيه بخجل ثم أومأت برأسها بنعم.
ليبتسم هو بتوسع قائلاً: طب إيه؟
نظرت له بعدم فهم.
ليتابع هو قائلاً بمرح: بمناسبة الاعترافات اللي أنا عمال بقولها دي، مفيش اعتراف صغير منك مثلاً؟
مهرة بخفوت وخجل: زي إيه؟
أوس بابتسامة: الحب متبادل أو حتى فيه إعجاب. ممكن تقولي اللي جواكي، يعني خلي القاعدة دي تكون مصارحة بيني أنا وأنتِ. أنتِ هتقولي اللي جواكي زي ما أنا قلت بصراحة.
تخلت قليلاً عن خجلها الشديد قائلة بجمل غير مرتبة تحاول التعبير بها عما تشعر به تجاهه: ي... يعني أنا... بحب أشوفك وبحب أتكلم معاك... بفكر فيك كتير وبتيجي على بالي كتير... مش بعرف أبطل تفكير فيك.
نظرت له قائلة بخجل وحرج: أنت فهمت حاجة من اللي قلته؟
ضحك بقوة قائلاً: طبعاً فهمت كتير.
وسألت بخجل: اللي هو؟
التقط يدها مقبلاً إياها بحب، قبل أن يردد: عرفت إني مش لوحدي اللي بحس بكده، وإن الحب اللي حاسه ناحيتك متبادل.
ابتسمت بخجل شديد.
ليتجرأ مقترباً منها، تقبيل وجنتها.
لتشهق بخوف وهي تتراجع للخلف قائلة: أنت هتعمل إيه؟
ضحك أوس قائلاً بمشاكسة: دماغك متروحش لبعيد. هو أنا أه صحيح هموت وأعملها، بس كنت هديكي بوسة بريئة على خدك بس والله.
نظرت له قائلة بعبوس وخجل: هو على خدي تبقى بريئة كده؟ أومال اللي مش بريئة كنت عملت إيه؟
ضحك بقوة قائلاً بجراءة وهو يمرر إصبعه على شفتيها: لو مش بريئة كنت ساعتها هدوق الكريز ده.
دفعت يده قائلة بخجل وهي تهب واقفة: أنت مش محترم.
ضحك بقوة ثم اعتدل واقفاً هو الآخر قائلاً: مش محترم عشان قلت، أومال لو عملت بقى.
في تلك اللحظة دخلت نوران قائلة بتعجل: أستاذ أوس... عايزينك بره.
سألها بعدم فهم: مين اللي عايزني؟
– فيه ظابط اسمه هاشم بره وإخوات حضرتك معاه عايزينك ضروري.
أسرع للخارج بعد أن علم بوجود هاشم، فالأمر يخص ثريا ومحسن بالتأكيد. بينما مهرة فزعت وقد ظنت أن عمها هو سبب وجود ذلك الشرطي.
مرت لحظات وتعالى صوت أدهم الغاضب قائلاً: يعني إيه هربوا؟
هاشم بتبرير: كنا واخدين كل احتياطنا بس...
قاطعه أدهم قائلاً بغضب: يعني إيه بس؟ أنتوا مكنتوش شايفين شغلكم كويس. كان لازم أخلص منهم بمعرفتي بدل ما أعتمد عليك وعلى الحكومة. أهم هربوا ويا عالم هعرف أجيبهم تاني ولا لأ.
هاشم بحرج: صدقني أنا كنت شايف شغلي كويس. حصل هجوم على القسم وكان فيه ضرب نار جامد وخسرنا ظباط وعساكر كتير و...
أوس بغضب: ولاد... أكيد اللي ساعدهم في شغلهم ده هو اللي ساعدهم على الهرب وهو اللي دبر كل ده.
هاشم بجدية: مسكنا واحد من الرجالة اللي كانوا بيضربوا نار، بس هو دلوقتي مصاب وفي المستشفى. جرحه مش خطير، يفوق وهنحقق معاه.
ابتسم أدهم بسخرية ولم يجب.
دقائق وغادر، ثم جاء صقر بعد لحظات بأمر من أدهم الذي أخبره.
قائلاً بغضب وصرامة: الواد اللي مسكوه ومرمي في المستشفى ده، القيه متلقح في... تصرف، اعمل أي حاجة ويكون قدامي في أقرب وقت. وزود الحراسة على الفيلا على الباب ده والباب الخلفي.
صقر بجدية: اللي تؤمر بيه يا باشا... اعتبره حصل.
ثم غادر.
وفي نفس اللحظة جاءه مكالمة من سليم قائلاً بصرامة: النهارده تيجوا كلكم قصر الجارحي لحد ما يلاقوا محسن وثريا عشان نكون مع بعض والحماية تكون أسهل.
اقتنع أدهم بما قال، لذا طلب من الجميع الاستعداد لمغادرة الفيلا اليوم، حتى رحمة وبناتها.
بينما على الناحية الأخرى بقصر الجارحي، كانت هنا تقوم بجمع أغراضها لكي تسافر لعمتها التي تقيم بمحافظة المنصورة حتى يمر الشهرين المتفق عليهم وتحصل على طلاقها.
كادت أن تغادر الغرفة لتسمع صوت طرق على الباب. سمحت بالدخول لتتفاجأ بأدهم أمامها. قبل أن يتحدث أو يتفوه بأي كلمة، صرخت عليه قائلة بغضب وجسدها ينتفض بخوف: اطلع بره!
اقترب منها قائلاً برجاء: هنا اسمعيني بس أرجوكي، هفهمك.
قاطعته قائلة بصراخ وهي تتراجع للخلف: متقربش مني، اطلع بره. مش عاوزة أسمعك.
أدهم بتهدئة وأعين تلمع بالدموع وهو يرى خوفها الظاهر بوضوح بعينيها: حاضر، مش هقرب. بس عشان خاطري اسمعيني، هقولك كل اللي حصل. صدقيني لو كنت في وعيي عمري ما كنت هعمل كده.
هنا بغضب وبكاء: أنت ما بتفهمش؟ بقولك اطلع بره، مش عاوزة أسمعك ولا أشوفك. مش طيقاك ولا طايقة أسمع صوتك. بكرهك يا أدهم.
جاء صوت سليم من الخلف قائلاً بصرامة: رجعت القصر ليه؟
أدهم بحزن وخزي من نفسه: كان لازم أتكلم معاها، متخليهاش تسافر. أنا عارف إني غلطان بس هعوضها والله.
سليم بصرامة: اطلع بره دلوقتي وليا كلام تاني معاك بعدين. تاني مرة متعتبش باب أوضتها، سامع؟
غادر أدهم الغرفة بصمت والألم ينهش قلبه على ما فعله بها وأوصلهم لهنا.
اقترب سليم من هنا يحتضنها بحنان، لتدخل هي في نوبة بكاء وهي تشهق بقوة وصوت عالٍ. بعدما هدأت أخبرها بضرورة بقائها بالقصر حتى يتم العثور على محسن وثريا. وبعد إصرار كبير منه وافقت بشرط أن لا يتعرض لها أدهم بأي شكل كان.
بالمستشفى، كان الجميع يقف على باب غرفة العناية المركزة في انتظار خروج الطبيب لكي يطمئنوا على وضع يوسف.
دقائق وخرج لهم قائلاً بجدية: حالته اتحسنت عن الأول الحمد لله، بس لسه بردو في خطر. يستحسن يبعد عن التوتر والعصبية وأي ضغط. هيفضل معانا هنا يومين نطمن عليه، ولو حب يكمل علاجه في البيت مفيش مشكلة، بس لازم يكون في راحة تامة.
أومأ له الجميع.
مر وقت قصير وكان جمال يدخل لغرفة يوسف بعدما طلب رؤيته لأمر طارئ وضروري.
جمال بحزن على شقيقه: حمد الله على سلامتك يا أخويا.
يوسف بتعب وهن: كلم المحامي، خليه يجيلي ضروري.
جمال بتعجب: عايز المحامي ليه؟
يوسف بتعب: مش لازم تطول مليم من فلوسي اللي هي حق ولادي اللي هتكون تعويض صغير أوي على اللي عملته فيهم. لو جرالي حاجة، خليهم يسامحوني يا جمال. هما بيحبوك.
قاطعه جمال قائلاً بحزن: هتقوم بإذن الله، الدكتور طمنا عليك.
يوسف بتعب: اعمل اللي بقولك عليه.
جمال بحزن: حاضر يا أخويا، هيكون عندك في أقرب وقت.
بقصر الجارحي مساءاً.
انتقل أدهم والجميع هناك كما طلب سليم.
كانت حياة تنزل الدرج لتقع عيناها على ريان يجلس ينظر للفراغ بشرود. اقتربت منه قائلة بابتسامة: مالك سرحان في إيه؟
أفاق من شروده على صوتها قائلاً: مفيش.
– لا، في مالك؟ في إيه يا ريان؟
ابتسم بحزن قائلاً: تقدري تقولي بفكر في قرار مصيري.
حياة بعدم فهم: قرار إيه؟
ريان بهدوء: جواز.
ابتسمت قائلة: طب إيه اللي يزعل في كده؟ أنت بتحبها ولا لأ؟
ريان بحزن: بحبها. بس تقدري تقولي إني معنديش نفس جراءة اخواتك عشان آخد الخطوة اللي هما خدواها برغم الخوف اللي جواهم.
حياة بابتسامة حزينة: طب وبعدين؟ هتفضل ساكت عشان خايف لحد ما تضيع من إيدك؟ عشان حاجة عمرها ما هتحصل. أنت مش يوسف العمري، أنت غيره. أنت بتحبها، لكن هو لا. اطلع الخوف من جواك عشان تعرف تاخد الخطوة دي وتعيش مبسوط.
ابتسم لها بهدوء قبل أن يقف ويصعد لغرفته. تنهدت هي بحزن مرددة بداخلها بألم: بتنصحيهم عشان يعملوا حاجة أنتِ مش قادرة تعمليها يا حياة. أنتِ أكتر واحدة محتاجة تعملي بالنصايح دي وتشيل الخوف من قلبك.
تنهدت بحزن قبل أن تمسك هاتفها تعبث به على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لتقع عيناها على ذلك الإعلان الخاص بطبيب نفسي يدعى "عمر أبو زيد".
"طبيب نفسي".
بقت تلك الجملة تتردد بعقلها طوال الليل وهي تفكر بتلك الفكرة التي طرأت على بالها. هي حقاً تحتاج لطبيب نفسي ربما يساعدها على تناسي ذلك الماضي أو التصالح معه لتبدأ حياة جديدة بدون مخاوف.
في صباح اليوم التالي، بقصر الجارحي.
أخبر أدهم ما حدث ورغبة أوس بالزواج ومهرة، وكذلك أمير، وضرورة زواج أوس ومهرة بسبب عمها.
أدهم بجدية وهم على طاولة الطعام: طب بعد إذن الكل، هتكتب كتاب أوس ومهرة إنهاردة. ولو دادة رحمة تسمح، هتكتب كتاب أمير وفرح كمان. وبعد إذنك يا خالي، حابب أكتب كتابي أنا وزينة معاهم. والفرح بعد فترة تكون الأمور اتحسنت.
رحمة بتردد: طب ليه الاستعجال؟ وبعدين معرفش مهرة موافقة على أوس ولا لأ.
أوس بعدما ألقى غمزة مشاكسة لمهرة التي اخفضت وجهها بخجل: مهرة موافقة. أنا خدت موافقتها بنفسي.
نظرت رحمة لمهرة الخجلة وألقت نظرة على فرح التي أومأت لها بموافقة، لتنظر لهم قائلة بابتسامة: تمام يا بني، ألف مبروك.
ابتسم أمير وأوس بتوسع، لينظر أدهم لقاسم قائلاً: رأيك إيه يا خالي؟ موافق؟
قاسم بابتسامة بعدما رأى سعادة ابنتها بهذا الخبر: موافق طبعاً يا بني، ألف مبروك.
ابتسمت حياة بسعادة عندما قال سليم بحنان: كتب الكتاب إنهاردة بليل.
ابتسم الجميع بسعادة، ليميل بدر على حياة قائلاً بخفوت: عقبالك.
ابتسمت له ولم تجب. وبدأ الجميع بالاستعداد للمساء.
كان أدهم يخرج من غرفة الطعام لتقع عيناه على امرأة غريبة يراها بالقصر لأول مرة.
سألها بصرامة: أنتِ مين وبتعملي إيه هنا؟
لم تجب وأخفضت وجهها أرضاً، لتأتي إحدى الخادمات من خلفها قائلة سريعاً: أدم باشا، دي تبقى خالتي فتحية. أنا طلبت من سليم باشا إنها تيجي تساعدنا مكان الست عفاف بعد ما سابت الشغل وهو وافق.
أدهم بصرامة: وهي ملهاش لسان ترد؟
الخادمة بحرج وتوتر: أصل يا باشا هي يعني... مش بتتكلم. خارسة.
بعيداً عنه، أومأ لها بصمت ثم غادر. لتبادل الخادمة النظرات مع فتحية بتوتر وغادرت الخادمة. بينما فتحية توجهت للمرحاض الخاص بالخدم. وقفت أمام المرآة، سرعان ما لمعت عيناها بشر وارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة.
رواية ضحايا الماضي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شهد الشوري
بمنتصف اليوم…..بقصر الجارحي
كانت تجلس بحديقة القصر تنظر للفراغ بشرود.
بذلك الذي يستحوذ على تفكيرها منذ سنوات. حب طفولتها. وبرغم انها لم تتحدث معه سوى القليل منذ ان التقوا إلا انه يشغل حيز كبير من تفكيرها.
بنفس الوقت، كانت تتوقف سيارة إلياس امام بوابة القصر الداخلية. بعدما علم الجميع هويته قاموا بإدخاله. وقبل ان يتوجه للداخل وقعت عيناه عليها جالسة بشرود.
بعالم آخر. اقترب منها قائلاً برفق: حياة !!
شهقت بخوف فهي لم تشعر بوجوده. ليبتسم بخفوت قائلاً: اسف عشان خضيتك. كنتي سرحانة في ايه !!!
نفت برأسها قائلة بهدوء: مفيش.
ثم تابعت بتساؤل: جاي هنا لمين !!!
ابتسم قائلاً بحب: جاي ليكي.
تصنعت انشغالها بتصفح هاتفها قائلة بهدوء: بخصوص ايه.
ابتسم قائلاً بمرح: عايزة الصراحة و لا……
ضحكت حياة بخفوت قائلة: الصراحة. و مفيش مانع تقول و لا برود.
ابتسم بتوسع قائلاً: الصراحة انك كنتي واحشاني و عايز اشوفك.
حاولت كثيراً الا تظهر خجلها مما قال. ليتابع هو بتردد: اما بقى و لا…. عمي يوسف.
اختفت ابتسامتها الصغيرة التي كانت تزين ثغرها بينما احتل الجمود ملامح وجهها. قائلة ببرود: ماله.
ابتلع ريقه قائلاً بتردد: حالته مش كويسة. يعني هو كان عاوز يشوفكم. ممكن يعني تزوروه المستشفى و…….
قاطعته قائلة بهدوء تعجب منه: هو طلب منك كدة.
اومأ لها بنعم. لتكتفي هي بالصمت.
ليقول هو بحزن: انا عارف انه غلطان و عارف انك موجوعه منه و حاسس بيكي ب…….
قاطعته قائلة بصرامة: متقولش حاسس بيكي. لا انت و لا اي حد غيرك ممكن يحس بيا. انا و اخواتي محدش بيحس بالوجع غير صاحبه. انك تبقى زعلان و حاسس بشفقة ناحيتنا غير انك تكون حاسس بوجعنا. لا عيشت اللي عيشناه و لا مريت باللي احنا مرينا بيه عشان تقول حاسس بيكي.
اومأ لها بصمت و قلبه يؤلمه و هو يرى عيناها تلمع بالدموع. ليسألها بتردد: هتروحي.
لم تجيب و اكتفت باطلاق تنهيدة عميقة.
ليأتيها صوته قائلاً: حياة.
نظرت له بصمت. ليأخذ هو نفس عميق قبل ان يتشجع قائلاً بحب: انا….. انا بحبك.
نظرت له بصدمة. ليتابع هو قائلاً بحب و هو يضع يده على يدها: احنا صحيح متقابلناش غير كام مرة بس….. حبيتك و معرفش ليه و ازاي. بس كل اللي اعرفه اني عاوز افضل عمري اللي جاي كله معاكي. و هبقى اسعد انسان لو وافقتي تتجوزيني.
ابتلعت ريقها بتوتر تتهرب من النظر لعيناه. جذبت يدها من يده بهدوء يعكس ما بداخلها. ستكون كاذبة ان انكرت سعادتها باعترافه. لطالما كان يشغل بالها منذ انا كانت صغيرة. لطالما كان فارس احلامها الذي لم ترى غيره طوال حياتها. هي حقاً تحبه. لكن… لكن ليست مستعدة للدخول بارتباط و هي حتى الآن لم تتغلب على مخاوفها و تتناسى الماضي. ربما زيارتها لذلك الطبيب الذي اخذت موعد معه غداً يفيدها. و هي حقاً تأمل ذلك.
نظرت له قائلة بهدوء: انا مشوشة و مش هعرف اخد قرار دلوقتي. ممكن نأجل الكلام في الموضوع ده لبعدين.
ابتسم بسعادة فهي لم ترفض. هذا يعني انه فديه فرصة كبيرة و انها تشعر بمشاعر نحوه.
التقط يدها يقبلها بسعادة. وقبل ان تجذب يدها جاء صوت اكثر شخص تتمنى رؤيته الآن و لم يكن سوى بدر الغاضب الذي رأى ذلك البغيض من وجهة نظره يقبل يدها: حياة !!!
جذبت يدها من إلياس سريعاً قائلة: في حاجة يا بدر.
بدر بغضب و غيرة شديدة تحرق قلبه: بتعملي ايه معاه.
إلياس برفعة حاجب و تحدي: يخصك في ايه !!!
لكن قبل ان يجيب احدهم بكلمة جاءت الخادمة قائلة لحياة: حياة هانم سليم بيه عاوز حضرتك في مكتبه ضروري.
اومأت له حياة لتنصرف الخادمة. لتلتفت حياة لإلياس الذي يتبادل مع بدر نظرات غاضبة كارهة. قائلة بتوتر: خلاص امشي انت زمان شغلك متعطلب.
بدر بغضب: جدي كان عاوزك روحيله.
حياة بتوتر و اعتراض: بس.
إلياس بنظرات تحدي: روحي يا حياة جدك عاوزك.
زفرت بضيق ثم غادرت ببطئ و هي تلتفت خلفها من حين لآخر خائفة من حدوث مشاجرة بين الاثنان.
ما ان اختفت عن انظارهم جز بدر على أسنانه قائلاً بغضب و نيران الغيرة تشتعل بصدره: ابعد عنها احسنلك. حياة ليا مش ليك. سامعني.
ابتسم إلياس بسخرية قائلاً بثقة: مش هبعد. اصل بعد اللي سمعته منها انهاردة مستحيل ابعد.
اخذ صدر الاخر يرتفع و ينخفض بانفعال شديد. ليتابع إلياس قائلاً بثقة: عارف كنت بتكلم معاها بقولها ايه. قولتلها اني بحبها و عاوز اتجوزها. مرفضتش و لا وافقت بس عايزك وقت تفتكر ده معناه ايه.
ضحك إلياس بسخرية اثارت غضب الاخر. و كم راقه ذلك. فكم كان يشعره الاخر بالغضب قبلاً.
ربت إلياس على بدر الذي تصنم جسده بصدمة. قائلاً بسخرية: هسيبك تفكر مع نفسك. ده معناه ايه.
قالها ثم غادر ليتوجه الاخر تجاه القصر ثم صعد لغرفته متجاهلاً نداء حياة التي رأت بتلك الحالة بعدما خرجت من مكتب سليم. لكنه لم يجيب عليها بل لم يستمع لها من الأساس.
انتفض جسدها بفرع عندما استمعت بصوت تكسير يأتي من غرفته. كم تشعر بالحزن لأجله. فهو شخص جيد لا يستحق الحزن حتى لو لأجلها. ليتها استطاعت ان تبادله الحب. تقسم انها كانت وافقت على الفور بدون تردد. لكن ليس على القلب سلط.
توجهت خارج القصر لمكان ما !!!
بينما هو بالداخل كان يجلس ارضاً بأنفاس لاهثة. لا يصدق حقاً انه خسره. ما قاله ذلك البغيض لا يعني سوى شيئاً واحداً فقط. و هو انها تشعر بمشاعر نحوه. اغمض عيناه بحزن و قلبه يؤلمه بشدة. لا يصدق انه بعد ان وقع في الحب سيعيش مرارة و الالم الحب منطرف واحد !!!
بأحد الأحياء الراقية توقف بسيارته امام تلك البناية التي تدل على ثراء من يسكنها. و توجه للداخل بخطوات غاضبة يستقل المصعد لحيث الطابق السادس حيث يقيم ذلك الحقير _ وائل _.
ما ان توقف امام باب منزله اخذ يطرق على الباب بغضب.
تمر لحظات و فتح الباب ليتفاجأ وائل بأدهم الذي لم يمهله فرصة للحديث و انقض عليه ينهال عليه باللكمات الغاضبة. و برغم بنية الاخر القوية الا ان ادهم غضبه كان اقوى.
جذبه ادهم من ياقة قميصه قائلاً بغضب: انطق و قول كل اللي حصل زمان بدل ما اطلع بروحك. هنا بريئة بس ازاي جت بيتك.
ضحك الأخر بسخرية و هو يتأوه بألم. ليركله أدهم بمعدته قائلاً بغضب: ما تنطق يا روح امك.
ضحك وائل قائلاً: مش هريحك يا ادهم.
جن جنون الأخر ليخرج سلاحه مصوباً اياه تجاه رأسه. قائلاً بغضب ساحق: يبقى هريحك انا و ابعتك عند اللي خلقك.
ضحك الأخر قائلاً باستهزاء: انت اضعف من انك تعمل كده يا اده.
توقف عن الحديث عندما مرت رصاصة بجانب رأسه مباشرة مصاحبة لصوت ادهم الغاضب قائلاً بشر و نبرة اتية من الجحيم: قسماً بالله هقتلك لو ما نطقت. معنديش حاجة اخسرها تاني.
ابتلع وائل ريقه بفزع و هو يرى الأخر فقد عقله على الاخير و على اتم استعداد لينفذ ما قال. صمت قليلاً قبل أن يقول: سمر !!!
توسعت اعين الأخر بصدمة و هو يستمع للآخر يقص عليه ما حدث.
Flash Back
بحفل اقيم بقصر الجارحي احتفالاً بسنوية الشركة. حضرها كالعادة عدد كبير من رجال الأعمال. و من ضمنهم وائل صديق ادهم المقرب و الوحيد. و سمر التي كانت حينها تعمل مديرة مكتب ادهم. الذي حاولت اكثر من مئة مرة ان نلفت انتباهه لها. لكن دون جدوى. فكان لا يفكر سوى بهنا فقط.
وائل بغل لم يلحظه ادهم: يعني دي هنا اللي انت بتحبها.
اومأ له ادهم و هو يتابع هنا بعيناه بهيام و عشق. ليردد الاخر بداخله بغل: طول عمرك بتقع واقف يا بن الجارحي. فلوس و عيلة و بنات.
ادهم بتعجب: مالك يا بني سرحان في ايه. بقالي ساعة بكلمك.
وائل بنفي: مفيش.
استغل انشغال ادهم بالحديث مع احد رجال الأعمال و توجه حيث تلك الفاتنة التي تقف بعيدا عن الانظار تتحدث بالهاتف. و ما ان انتهت التفتت لكي تغادر. لكن شهقت بقوة عندما شعرت بشخص غريب يقف خلفها. ليبتسم الاخر قائلاً بمكر: سلامتك من الخضة يا قمر.
شعرت بعدم الارتياح من نظراته المتفحصة لها. كادت ان تغادر. لكن اوقفها هو قائلاً بمكر: على فين بس يا جميل. ما تخليكي شوية كمان.
هنا بغضب و هي تدفع يده بعيداً عنها: انت اتجننت. ازاي تتجرأ و تمسك ايدي.
وائل بوقاحة و هو يلعق شفيته: والله نفسي المس حاجات تانية. مش بس ايدك يا جميل.
انت ما كان الرد على كلامه الوقح سوى صفعة هوت على صدغه. لم يكن يحسب حساب لها. لحتقن عيناه بالدماء و نظر لها غاضبًا. لتغادر هي ملقيه عليه نظرة مشمئزة.
كاد ان يلحق بها لكن جاء صوت من خلفه قائلاً بسخرية: تؤ تؤ. وجعك القلم مش كده.
وائل بغل: مش نقصاكي يا سمر.
ضحكت بسخرية قائلة بمكر: عجباك.
اومأ لها بصمت. ثم انتظر لحظات قبل أن يقول بغضب و توعد: بس و رحمة امي ما هسكت ع القلم ده. اما وريتها الويل ما ابقاش وائل.
ابتسمت بمكر قائلة: طب ما تحط ايدك في ايدي.
وائل بسخرية: السبب ايه !!!
ابتسمت قائلة بغضب: عايزة ابعدها عن طريق ادهم.
بقى دقائق يفكر فيما قالت. لما لا يفعل. هو يريد تدمير سعادة ادهم و يريد اخد حق تلك الصفعة التي هوت على وجنتيه. نظر لها قائلاً: هتعملي ايه.
ضحك سمر قائلة بشر: هقولك.
Back
وائل بخوف: اتفقت معايا ان احنا نخلي بنت من اللي في الجامعة تتقرب من هنا لحد ما يبقوا صحاب اوي لحد ما حصل كده فعلا و جيه اليوم اللي نفذنا فيه.
صمت وائل بخوف. ليصرخ عليه ادهم بغضب: ما تنطق عملتوا ايه.
ابتلع وائل ريقه بخوف ثم استكمل حديثه.
Flash Back
كانت تخرج من المحاضرة برفقة صديقتها ريهام التي تعرفت عليها منذ فترة قصيرة. لكنها احبته.
ريهام بابتسامة بشوشة تخفي خلفها الكثير: ما تيجي نذاكر لامتحان بكره عندي في البيت.
هنا بتردد: طب ما تيجي عندي احسن.
ريهام بابتسامة: بيتي اقرب و كمان انا ساكنة لوحدي. يعني هنذاكر بهدوء من غير ما حد يزعجنا.
بعد الحاح كبير وافق هنا و ذهبت معها لتلك لمنزلها. دخلت للداخل. اخذت ريهام تريها المنزل بحماس حتى تتخلى الاخرى عن خوفها. مر وقت قصير و جلس الاثنتان بصالة المنزل امامهم العديد من الكتب. و قامت ريهام بإحضار العصائر و بعض التسالي لهم.
ارتشفت هنا القليل من العصير الخاص بها. ثم بدأت تشعر بتثاقل جفونها و سقطت في نوم عميق بفعل المخدر الذي وضعته ريهام لها.
ابتسمت ريهام بمكر و بعثت رسالة لسمر التي كانت تنتظر اسفل البناية. لأمر دقائق و كانت تقف سمر امام هنا تبتسم بخبث. ثم حملتها هي و ريهام لغرفة النوم الخاصة لوائل. فهذا منزله و ليس منزل ريهام كما اخبرتها. و قامت سمر بإزالة ملابسها بالكامل و اكتفت بتغطيتها بفراش ابيض خفيف.
على الناحية الاخرى كان وائل يجلس برفقة ادهم بشركة الجارحي.
كان ادهم يقص على صديقه وائل تلك الخطوة التي اتخذها اليوم: انا هتقدم لهنا و اتجوزها. مش مصدق امتى يجي اليوم ده و تبقى مراتي.
وائل بتوتر اجاد تزيفه: ما بلاش يا صاحبي.
ينظر له ادهم بتعجب قائلاً: ما بلاش ايه !!!
وائل بخوف و توتر: ما بلاش تتجوز هنا. يعني البنات قدامك كتير. بلاش تقع الوقعة دي.
انتفض أدهم بجلسته جاذبًا اياه من ياقة قميصه مرردًا بغضب: انت مالك اصلا. و بعدين مش عايزني اتجوز هنا ليه.
وائل بتوتر: ااا….اصل….انا و هنا في علاقة مع بعض.
بلحظة يسقط وائل ارضاً و ادهم فوقه ينهال عليه باللكمات قائلاً بغضب: انت بتقول ايه يا ب………
وائل بألم: مش بكدب صدقني. ده حتى انا و هي كنا متفقين نتقابل انهاردة في شقتي زي كل مرة لما نحب نتقابل. و آآآها.
طلق تأوه بصوت عالي عندما لكمه أدهم بعنف. قائلاً بغضب جحيمي و عدم تصديق: كداب و…….
قاطعه وائل قائلاً: مش مصدقني. تعالى معايا و انا اخليك تشوف بعينك. هي زمانها وصلت الشقة دلوقتي و مستنياني هناك.
ابتعد عنه ادهم يركله بقدمه بجانبه قائلاً بغضب: فاكر اني هصدقك كده يا…….هنا مستحيل تعمل كده. ده اشرف منك و من اللي خلفوك.
وائل بصرامة و هو يقف على قدمه و كامل جسده يؤلمه بشدة: طب ما تيجي معايا و تتأكد بنفسك. مش هتخسر حاجة يا صاحبي. انا قولتلك عشان خايف عليك. واحدة زي هنا متنفعش ليك خالص. دي اخرها نقضي معايا ليلة و سلام على كده.
كاد ان ينقض عليه يلكمه مرة اخرى لكن اوقفه الاخر قائلاً: تعالى معايا و انت تتأكد بنفسك من اللي بقوله.
لم يستمع ادهم بحديثه بل و قام بطرده من مكتبه.
غادر وائل لمنزله يبتسم بمكر و هو يعرف ان ادهم سيأتي خلفه ليتأكد بعدما زرع الشك بداخله ناحيته.
مر وقت قصير اختبئت سمر و ريهام بالطابق الاعلى بعدما شاهدوا سيارة ادهم من الشرفة. و قام وائل بإزالة قميصه و بقى عاري الصدر.
دق جرس المنزل. فتح وائل الباب قائلاً لأدهم بهدوء و هو يشير لغرفة النوم: هي نايمة جوه لو عاوز تتأكد.
دخل ادهم للغرفة بغضب و هو يدفع الاخر من امامه باشمئزاز. ليتجمد بأرضه و هو يراها تنام على الفراش عارية لا يسترها سوى مفرش ابيض. و الثياب ملقاه بكل مكان بالغرفة. و حتى الفراش الذي تنام عليه بحالة يرثى لها يدل على انه شَهد ليلة جامحة بين اثنين.
تراجع عدة خطوات للخلف و هو لا يصدق ما يرى. غادر المنزل بصدمة و عقله لا يستوعب ما رأى حتى الآن. مر وقت طويل و هو يجلس بسيارته التي ابتعد بها من امام البناية. يقف بمكان بعيد عن الانظار شارد و نيران تشتعل بصدره.
بينما بالأعلى بعد مغادرة ادهم نزلت سمر و ريهام. قاموا بتلبيسها من جديد و جعلوها تجلس بصالة المنزل مرة اخرى على الاريكة. ثم غادرت سمر برفقة وائل مختبئين على الدرج بالطابق الاعلى. بعدما رأت سمر سيارة ادهم تصف بعيداً عن البناية.
قامت ريهام بافاقت هنا متصنعة النوم هي الاخرى قائلة بتعب: هنا قومي. شكلنا نمنا و احنا بنذاكر.
شعرت هنا بصداع شديد برأسها قائلة: دماغي وجعاني اوي. هي الساعة كام دلوقتي.
بتلك اللحظة تعالى رنين هاتفها و كان المتصل ادهم.
يسألها بدون مقدمات: انتي فين !!!
ردت عليه بتعب و صوت ناعس: عند واحدة صحبتي يا ادهم. كنت عايزني في حاجة.
اغلق الهاتف بوجهها و بقى بسيارته. بينما هي تعجبت مما فعل. و بقت وقت قصير حتى شعرت بتحسن حالتها. ثم غادرت منزل صديقتها مستقلة ذلك التاكسي عائدة للقصر. و هو خلفها. ثم لمكتب جده يخبره بتراجعه عن الزواج منها. و منذ تلك اللحظة و هما يعاملها بقسوة. و لم تخلو نظراته المصوبة لها من الاحتقار !!!
Back
وائل بخوف: اتفقت معايا ان احنا نخلي بنت من اللي في الجامعة تتقرب من هنا لحد ما يبقوا صحاب اوي لحد ما حصل كده فعلا و جيه اليوم اللي نفذنا فيه.
صمت وائل بخوف. ليصرخ عليه ادهم بغضب: ما تنطق عملتوا ايه.
ابتلع وائل ريقه بخوف ثم استكمل حديثه.
Flash Back
كانت تخرج من المحاضرة برفقة صديقتها ريهام التي تعرفت عليها منذ فترة قصيرة. لكنها احبته.
ريهام بابتسامة بشوشة تخفي خلفها الكثير: ما تيجي نذاكر لامتحان بكره عندي في البيت.
هنا بتردد: طب ما تيجي عندي احسن.
ريهام بابتسامة: بيتي اقرب و كمان انا ساكنة لوحدي. يعني هنذاكر بهدوء من غير ما حد يزعجنا.
بعد الحاح كبير وافق هنا و ذهبت معها لتلك لمنزلها. دخلت للداخل. اخذت ريهام تريها المنزل بحماس حتى تتخلى الاخرى عن خوفها. مر وقت قصير و جلس الاثنتان بصالة المنزل امامهم العديد من الكتب. و قامت ريهام بإحضار العصائر و بعض التسالي لهم.
ارتشفت هنا القليل من العصير الخاص بها. ثم بدأت تشعر بتثاقل جفونها و سقطت في نوم عميق بفعل المخدر الذي وضعته ريهام لها.
ابتسمت ريهام بمكر و بعثت رسالة لسمر التي كانت تنتظر اسفل البناية. لأمر دقائق و كانت تقف سمر امام هنا تبتسم بخبث. ثم حملتها هي و ريهام لغرفة النوم الخاصة لوائل. فهذا منزله و ليس منزل ريهام كما اخبرتها. و قامت سمر بإزالة ملابسها بالكامل و اكتفت بتغطيتها بفراش ابيض خفيف.
على الناحية الاخرى كان وائل يجلس برفقة ادهم بشركة الجارحي.
كان ادهم يقص على صديقه وائل تلك الخطوة التي اتخذها اليوم: انا هتقدم لهنا و اتجوزها. مش مصدق امتى يجي اليوم ده و تبقى مراتي.
وائل بتوتر اجاد تزيفه: ما بلاش يا صاحبي.
ينظر له ادهم بتعجب قائلاً: ما بلاش ايه !!!
وائل بخوف و توتر: ما بلاش تتجوز هنا. يعني البنات قدامك كتير. بلاش تقع الوقعة دي.
انتفض أدهم بجلسته جاذبًا اياه من ياقة قميصه مرردًا بغضب: انت مالك اصلا. و بعدين مش عايزني اتجوز هنا ليه.
وائل بتوتر: ااا….اصل….انا و هنا في علاقة مع بعض.
بلحظة يسقط وائل ارضاً و ادهم فوقه ينهال عليه باللكمات قائلاً بغضب: انت بتقول ايه يا ب………
وائل بألم: مش بكدب صدقني. ده حتى انا و هي كنا متفقين نتقابل انهاردة في شقتي زي كل مرة لما نحب نتقابل. و آآآها.
طلق تأوه بصوت عالي عندما لكمه أدهم بعنف. قائلاً بغضب جحيمي و عدم تصديق: كداب و…….
قاطعه وائل قائلاً: مش مصدقني. تعالى معايا و انا اخليك تشوف بعينك. هي زمانها وصلت الشقة دلوقتي و مستنياني هناك.
ابتعد عنه ادهم يركله بقدمه بجانبه قائلاً بغضب: فاكر اني هصدقك كده يا…….هنا مستحيل تعمل كده. ده اشرف منك و من اللي خلفوك.
وائل بصرامة و هو يقف على قدمه و كامل جسده يؤلمه بشدة: طب ما تيجي معايا و تتأكد بنفسك. مش هتخسر حاجة يا صاحبي. انا قولتلك عشان خايف عليك. واحدة زي هنا متنفعش ليك خالص. دي اخرها نقضي معايا ليلة و سلام على كده.
كاد ان ينقض عليه يلكمه مرة اخرى لكن اوقفه الاخر قائلاً: تعالى معايا و انت تتأكد بنفسك من اللي بقوله.
لم يستمع ادهم بحديثه بل و قام بطرده من مكتبه.
غادر وائل لمنزله يبتسم بمكر و هو يعرف ان ادهم سيأتي خلفه ليتأكد بعدما زرع الشك بداخله ناحيته.
مر وقت قصير اختبئت سمر و ريهام بالطابق الاعلى بعدما شاهدوا سيارة ادهم من الشرفة. و قام وائل بإزالة قميصه و بقى عاري الصدر.
دق جرس المنزل. فتح وائل الباب قائلاً لأدهم بهدوء و هو يشير لغرفة النوم: هي نايمة جوه لو عاوز تتأكد.
دخل ادهم للغرفة بغضب و هو يدفع الاخر من امامه باشمئزاز. ليتجمد بأرضه و هو يراها تنام على الفراش عارية لا يسترها سوى مفرش ابيض. و الثياب ملقاه بكل مكان بالغرفة. و حتى الفراش الذي تنام عليه بحالة يرثى لها يدل على انه شَهد ليلة جامحة بين اثنين.
تراجع عدة خطوات للخلف و هو لا يصدق ما يرى. غادر المنزل بصدمة و عقله لا يستوعب ما رأى حتى الآن. مر وقت طويل و هو يجلس بسيارته التي ابتعد بها من امام البناية. يقف بمكان بعيد عن الانظار شارد و نيران تشتعل بصدره.
بينما بالأعلى بعد مغادرة ادهم نزلت سمر و ريهام. قاموا بتلبيسها من جديد و جعلوها تجلس بصالة المنزل مرة اخرى على الاريكة. ثم غادرت سمر برفقة وائل مختبئين على الدرج بالطابق الاعلى. بعدما رأت سمر سيارة ادهم تصف بعيداً عن البناية.
قامت ريهام بافاقت هنا متصنعة النوم هي الاخرى قائلة بتعب: هنا قومي. شكلنا نمنا و احنا بنذاكر.
شعرت هنا بصداع شديد برأسها قائلة: دماغي وجعاني اوي. هي الساعة كام دلوقتي.
بتلك اللحظة تعالى رنين هاتفها و كان المتصل ادهم.
يسألها بدون مقدمات: انتي فين !!!
ردت عليه بتعب و صوت ناعس: عند واحدة صحبتي يا ادهم. كنت عايزني في حاجة.
اغلق الهاتف بوجهها و بقى بسيارته. بينما هي تعجبت مما فعل. و بقت وقت قصير حتى شعرت بتحسن حالتها. ثم غادرت منزل صديقتها مستقلة ذلك التاكسي عائدة للقصر. و هو خلفها. ثم لمكتب جده يخبره بتراجعه عن الزواج منها. و منذ تلك اللحظة و هما يعاملها بقسوة. و لم تخلو نظراته المصوبة لها من الاحتقار !!!
صدمة كبيرة تملكت منه. هي مظلومة و هو الظالم. و ليس كما كان يظن. لقد اضاعها من بين يديه. و هم السبب.
انهال عليه ادهم باللكمات العنيفة حتى فقد الاخر وعيه. و الدماء تغرق وجهه بالكامل.
مساءاً بقصر الجارحي
تم اعداد القصر و تزينه بشكل غير مبالغ فيه. بينما الفتيات اكتفوا بفساتين بسيطة اظهرت جمالهم الفاتن. و كذلك الشباب.
الجميع يجلس ببهو القصر. يجلس المأذون بين ادم الذي يضع يده بيد قاسم. و الاثنان يرددان خلف المأذون. و بعده اوس و امير. الاثنان وضعا يدهما في يد سليم الذي قام بدور وكيل مهرة و فرح.
انتهى المأذون حديثه قائلاً: بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير.
اطلقت الخادمات الزغاريد العالية. و كذلك فعلت فاطمة بسعادة كبيرة.
بينما حياة ابتسمت بسعادة و هي ترى السعادة تظهر بوضوح على وجوه اشقائها. كذلك كان شعور ريان الذي تمنى بتلك اللحظة ان تكون لديه الشجاعة الكافية ليأخذ تلك الخطوة.
اقترب ادم من زينة مقبلاً جبينها قائلاً بخفوت و حب: مبروك عليا انتي يا زينة حياتي.
ضحكت بخجل و سعادة كبيرة تغمر قلبها بعدما تحقق كل ما تمنته.
بينما اوس اقترب من مهرة قائلاً بمشاكسة: جاهزة.
اجابته بخجل شديد: جاهزة لأيه.
اوس بمشاكسة و غمزة وقحة: عشان تدوقيني الكريز لما نبعد عن الناس دي.
شهقت بخجل و اصبغ وجهها بالكامل باللون الأحمر القاني. ليضحك بقوة عليها جاذباً اياها لاحضانه غير عابئ بأي شيء.
بينما امير استغل انشغال الجميع و جذب فرح بعيدًا لأحد الأركان البعيدة عن الانظار. مقبلاً شفتيها برقه قائلاً بسعادة: مبروك يا فرحتي.
ابتسمت بخجل قائلة: الله يبارك فيك.
عانقها بقوة لتبادله هي الاخرى العناق بحب. قبل ان يجذبها مرة اخرى نحو الجميع. ليميل اوس عليه هامساً بمشاكسة و مكر: سحبت البت من وسطينا و روحت فين يا شقي.
ضحك امير قائلاً بمرح: كنت بدوق الكريز انا كمان. و لا هو انت لوحدك اللي ليك نفس فيه.
ضحك اوس قائلاً: ده انت رامي ودنك و مركز بقى.
امير بمرح: يعني هو انت بس اللي بتركز.
ربت اوس على كتفه بسعادة و جلس الجميع بجانب بعضهم بعد ان غادر المأذون. و تعالى صوت الموسيقى بالمكان ليتولى امير و حياة الغناء بصوتهم العذب الذي اكتسبوه من والدتهم الراحلة.
بينما بالمرحاض الخاص بالخدم كانت تقف امام المرآة تزيل ذلك الشعر المستعار عن رأسها. و بدأت بإزالة ذلك تلك المادة السمراء التي كانت تلون بشرتها بها. ما ان انتهت اخرجت من حقيبتها سلاح ناري. اخذت تمرر يدها عليه بتوعد و ابتسامة تنم عن كل شر ظهرت على شفتيها. مرددة بداخلها: ما ابقاش ثريا لو مقلبتش فرح الليلة ميتم !!!
بعد دقائق كانت تقف على مقربة منهم بمكان بعيد عن الانظار. كانت ترفع يدها مصوبة السلاح نحوهم. كانت مهمتها سهلة للغاية. فهم يقفون بجانب بعضهم.
ابتسمت بشر قبل أن تفعل.
لحظات مرت و تعالى بالمكان صوت اربع رصاصات. فزع الجميع و تعالى الصراخ بالمكان.
تجمد ادم بارضه و هو يرى اخوانها سقطوا ارضاً و الدماء تغرقهم. قبل أن تطلق ثريا الرصاصة الخامسة و هي تضحك بجنون. كانت تسقط ارضاً بعدما تلقت رصاصة أصيبت منتصف رأسها من سلاح ادم. لتلقى حتفها على الفور !!!
مر وقت طويل و الجميع يقف امام غرفة العمليات بانتظار خروج الأطباء. كان ادم يجلس ارضا فقدماه لم تعد تحملاه بعد ما حدث.
سبب بقائه على قيد الحياة بتلك الغرفة. و يمكن ان يخسرهم.
خرج الطبيب و هرول الجميع نحوه. و كان اولهم ادم. قائلاً بقلق: اخواتي كويسين. مس كده.
الطبيب بأسف: الرصاص كان في اماكن خطيرة. و احنا عملنا اللي علينا. حالتهم لسه في خطر. ادعولهم.
انهارت فرح و مهرة في البكاء باحضان رحمة التي تبكي هي الاخرى على أولادها الذي لم تنجبهم. بينما فاطمة سقطت فاقدة للوعي.
بينما ادم كان يتابع اخوته يخرجون من غرفة العمليات بعيون لامعة بالدموع.
مر يومان و لم يغادر المستشفى من حينها. فقط يجلس بالمسجد بالمستشفى ساجداً لله تعالى يدعوا لهم بالشفاء. او يقف امام غرفتهم يراقبهم من خلف الزجاج الشفاف. فالدخول لهم ممنوع.
خلفه يجلس بدر و مهرة و فرح و زينة. لم يغادر اي منهم المستشفى حتى الآن.
من بينهم إلياس الذي ما ان علم ما حدث هرول للمستشفى راكضاً هو و الجميع. و لم يخبر احد يوسف بما حدث.
بعد الحاح كبير وافق الطبيب على دخوله عندهم لكي يطمئن عليهم. بخطوات بطيئة و اعين تلمع بالدموع كان يجذب ذلك المقعد الخشبي يضعهم بالمنتصف بين الآسرة. قائلاً بحزن و ألم: يلا قوموا فتحوا عيونكم.
ثم تابع بصوت مختنق حزين: عايزين تسيبوني لوحدي. اعمل ايه انا من غيركم. انا و لا حاجة طول ما انتوا مش موجودين معاي.
الم يستطع كتمان دموعه اكثر من ذلك. لتسقط معلنة عن حزنه و قلة حيلته و هو يراهم هكذا. لا يقدر على انقاذه.
نظر لهم بحزن قائلاً بوجع: حسرة كبيرة و وجع في قلبي و انا شايفكم كده. يا ريتني كنت بدالكم و انتوا.
توجه ناحية كلاً، منهم يطبع قبلة على جبينه. قائلاً بتوسل و دموع: قوموا يلا. متخلونيش اعيش نفس الوجع. متوجعونيش بفراقكم زي ما اتوجعت على فراق امنا زمان.
ثم تابع بحزن: انتوا ولادي. شعور الابوة انا عيشته معاكم. انتوا اول مرة.
مسح دموعه التي تتجدد كلما مسحها. قائلاً بمشاعر ابوة صادقة نحوهم: لو خلفت عمري ما هحبهم ربع الحب اللي في قلبي ليكوا. انا هتسند على مين و انتوا مش موجودين. فتحوا عيونكم. سمعوني صوتكم. انتوا وحشتوني اوي. ما تسيبونيش.
كان الاربعة يقفون بجانب بعضهم. كلاً منهم يتأمل المكان الخلاب من حولهم بابتسامة و اعجاب. لكن فجأة و بدون مقدمات سطع نور ابيض شديد بوجوههم جعلهم بغلقون اعينهم بقوة.
ليمر لحظات و بدأ الاربعة بفتح اعينهم ببطئ. مرددين بصدمة و سعادة: ماما !!!
ابتسموا بسعادة راكضين نحوها. لكن قبل ان يقتربوا منها جاءهم صوت يعرفونه تمام المعرفة يصدح بالمكان بصوت عالي: ما تسيبونيش !!!!
شهق الأربعة مع تعالي صوت صافرات الأجهزة التي تقيس المؤشرات الحيوية لهم. انتفض ادم يخرج من الغرفة يستدعي الأطباء الذين قاموا باخراجه من الغرفة عنوة و بدئوا بتفقد ما يحدث و سبب ارتفاع ضربات القلب الخاصة بهم.
رواية ضحايا الماضي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شهد الشوري
عادت الحياة لقلبه من جديد وهو يستمع للطبيب قائلاً بابتسامة بعد أن خرج من الغرفة بعد وقت طويل من الفحص:
حالتهم استقرت الحمد لله.
آدم بلهفة:
فاقوا.
الطبيب بابتسامة:
بكرة الصبح إن شاء الله وتقدروا تشوفوهم.
قالها ثم غادر ليجلس آدم على المقعد خلفه يتنفس براحة وسعادة. لقد استجاب الله لدعائه. أخذ يردد بخفوت وشكر:
الحمد لله.
اقتربت زينة منه تتمسك بيده تشدد عليها تخبره أنها معه دائماً. نظر لها بامتنان مقبلاً جبينها فهي طوال اليومين لم تفارقه أبداً.
بينما مهرة وفرح بكوا بسعادة كذلك حال بدر وإلياس اللذان شعرا بالراحة أخيراً بعد يومين مشحونين بالخوف والقلق.
على الناحية الأخرى كان يوسف يرقد على فراشه بقصر العمري مريضاً لا يدري ما حدث مع أبنائه. لقد حرص الجميع على عدم إخباره حتى لا تتدهور صحته مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي بالمستشفى بغرفة يجتمع بها الأربعة كان الجميع ملتفين حولهم يطمئنون عليهم. بينما آدم لم يتوقف عن تقبيل جبين إخوته كل دقيقة حامداً الله على سلامتهم.
بعد وقت غادر الجميع عدا البعض.
بالغرفة كانوا فراش كل منهم مجاوراً للآخر. بين كل فراش ستار. مهرة مع أوس وفرح مع أمير. كلاهما يرجو حبيبته أن تتوقف عن البكاء.
بعد وقت وفجأة ارتفع صوت همهمات فهمها ريان على الفور ليردد بصوت متعب لكنه مسموع:
خجلت حياة مما قال:
لم نفسك يا بجح أنت وهو في ناس معاكم. قوم الأول أخويا أنت وهو وابقى بوسوا براحتكم!!!
شهقت مهرة بخجل تبتعد عن أوس الذي ردد بغيظ:
خليك في حالك يا أخويا وما تركزش أو سد ودانك.
أمير بغيظ مماثل وصوت متعب:
عيل فصيل. عقبالك يا أخويا لما تعمل زينا.
جاءهم صوت حياة قائلة بتعب:
بس يا سافل أنت وهو بطلوا قلة أدب.
ركضت الفتيات لخارج الغرفة بوجه أحمر قاتم من الخجل ليضحك الأربعة بخفوت عليهم.
مر أسبوعان لم يحدث فيهما جديد سوى تعافي الأربعة وسفر هنا التي لم تتحمل البقاء بالقصر برفقة أدهم والشرطة لازالت تبحث عن محسن الذي اختفى تماماً.
في صباح يوم جديد بنظرات مشمئزة كانت تلتفت حولها تنظر لذلك المكان المقزز الذي تفوح منه رائحة كريهة في منطقة شعبية. صرخت بفزع عندما شعرت بيد توضع على كتفها. سرعان ما استكانت وهي ترى خالها قديماً ووالدها الآن. ابتسمت بسخرية قبل أن تقول بتقزز:
إيه المكان ده.
تنهد بضيق قائلاً مباشرة دون التطرق لحديث ليس له أهمية فهو ليس لديه وقت:
ولاد ليلى هما اللي وصلونا لكده أنا وأمك اللي قتلوها. لازم تاخدي حقك منهم.
سارة بسخرية:
بس مامي اللي غلطانة وأنت كمان يا... يا بابا.
محسن بحنان زائف:
خبينا عليكي عشان جدك كان رافض جوازنا أنا وهي. كنا بنحبك أوي وعملنا كل ده عشانك عشان نأمنلك مستقبلك. دي سابتلك فلوس كتير تعيشك ملكة طول عمرك.
تلمعت عيناها بطمع قائلة:
فين الفلوس دي.
محسن بصرامة:
مش هتاخدي مليم من الفلوس غير لما تاخدي حقي أنا وأمك من اللي أذوني أنا وهي.
سارة بضيق:
أنا مالي بكل ده.
محسن بصرامة:
عشان تستاهلي الفلوس دي لازم تتعبي نفسك شوية وتنتقمي منهم. ومفيش قدامك حل غير كده. يأما هتبقي في الشارع.
– شارع!!!
محسن بسخرية:
آه شارع. أنتي فكرك يعني يوسف هيسيبك في بيته أو حد منهم هيسمحلك تفضلي عايشة وسطيهم بعد اللي عملناه.
استنكرت حديثه قائلة بعدم تصديق:
إلياس أنا بحبه وهخليه يحبني ويتجوزني.
محسن بسخرية:
إلياس اللي مش معبرك بقاله سنين هيعبرك بعد ما عرف اللي عملناه أنا وأمك. بعدين هو واقع على الآخر في حب حياة. أنتي نفسك لاحظتي زي ما الكل لاحظ عشان كده غيرانة منها وبتكرهيها.
لاحظ تأثرها بكلماته ليتابع بمكر:
في إيدك تاخدي حقي أنا وأمك وتبعدي حياة عن طريق إلياس.
– إزاي!!
ابتسم بمكر قائلاً:
أقولك.
ثم قص عليها ما يجب أن تفعله. أنهى حديثه قائلاً:
بس لازم تنفذي في أقرب وقت.
نظرت له قائلة بجدية قبل أن تغادر:
اعتبره حصل.
بخطوات بطيئة كانت تخرج لحديقة القصر لتستنشق بعض الهواء فقد ملت من الجلوس بغرفتها طوال الأسبوعين. تفاجأت به يجلس أمامها يضع باقة ورد على الطاولة قائلاً بابتسامة وحب:
عاملة إيه دلوقتي. الف سلامة عليكي.
ابتسمت له قائلة:
الله يسلمك.
ابتسم قائلاً بحزن:
كنت خايف أوي أخسرك يا حياة صدقيني. لولا أنها ماتت وتحت التراب دلوقتي كنت دفعتها التمن غالي أوي.
اختفت الابتسامة عن وجهها عند ذكر ثريا قائلة:
بقيت كويسة دلوقتي الحمد لله.
ردد هو الآخر:
الحمد لله.
ثم تابع بتساؤل:
امتحاناتك قربت. هتلحقي تذاكري وأنتي لسه تعبانة. اجلي السنة دي وخلاص.
حياة بابتسامة:
إن شاء الله هلحق.
ابتسم بحنين قائلاً:
عارفة زمان وإحنا صغيرين كنت أحب أوي أفضل أبص في عينيكي الحلوين. لحد دلوقتي مشوفتش ولا هشوف أجمل منهم.
تنهدت بخجل قائلة بحرج:
تشرب إيه.
ضحك بخفوت قائلاً:
ولا أي حاجة. أنا كنت جاي أطمن عليكي وأشوفك. أصلك وحشتيني.
أشاحت وجهها بعيداً عنه. كاد أن يتحدث ليأتي من خلفه صوت بدر الذي لم يكن يعلم أنها تجلس برفقته. فظهر إلياس هو المواجه له:
حياة دورت عليكي في القصر كله وأنتي هنا.
حياة بابتسامة متوترة:
طلعت أشم شوية هوا. كنت عايزني في حاجة.
أومأ برأسه مقترباً منها. سرعان ما توقف بمكانه وهو يرى إلياس أمامه ينظر له بغيرة.
اقترب بدر منها متجاهلاً إلياس تماماً قائلاً بابتسامة بشوشة دائماً ما ترتسم على وجهه:
من مصادري الخاصة عرفت أنك بتحبي الورد. فبنفسي نزلت أشتريه. أتمنى يكون عجبك.
ابتسمت قائلة بمجاملة:
حلو أوي. تعبت نفسك ليه بس. كفاية تعبك معانا لما كنا في المستشفى.
ابتسم بحب قائلاً بما جعل نيران الغيرة تشتعل بقلب الآخر أكثر وأكثر:
تعبك راحة. المهم إنك قومتي لينا بالسلامة. ومافيش شكر بين الأهل. مش ده كلامك.
ابتسمت له بامتنان. ظنت أنه سيغادر وكذلك ظن إلياس. لكنهما تفاجئا به يجذب مقعداً ويجلس بينهم ينظر لإلياس بابتسامة صفراء كان مقابلها نظرة غاضبة بأعين إلياس.
تنهدت حياة وهي ترى حرب النظرات والجو المشحون بين الاثنين قائلة بتوتر:
مفيش عندكم شغل.
جاءها الرد سريعاً ولا يزال الاثنان يتبادلان النظرات بتحدي وغضب:
خلصته.
– إجازة النهاردة.
تعلم أن حتماً سيحدث شجار بين الاثنين لذا يجب أن تبعد أحدهم من أمام الآخر. لتنادي بدر قائلة:
بدر ممكن تطلب من صافية (الخادمة) تجيبلي عصير لو مش هتعبك.
وافق على الفور قائلاً بابتسامة:
تعبك راحة. ثواني وجاي.
بعد أن ذهب من أمامهما ونيران تشتعل بصدره لا تنطفئ أبداً كلما رأى ذلك البغيض برفقته.
تفاجأت حياة بإلياس يجذب باقة الورد من على الطاولة أمامها متجهاً لسلة القمامة. لكنها أوقفنه قائلة بتعجب:
بتعمل إيه.
إلياس بغضب وغيرة:
هرميه.
نظرت له قائلة باستنكار:
مين قالك ترميه.
إلياس بغضب:
بتاخديه منه ليه.
حياة:
إصلاح.
إلياس بضيق:
أخده ليه.
حياة بسخرية:
طب وأنا أخده منك ليه. كان على راسك ريشة وبدر لأ يعني.
إلياس بغيرة:
أنا بحبك.
حياة بصرامة:
بس أنا قولتلك نأجل الكلام في الموضوع ده. مقولتش موافقة عشان تتدخل في حاجة تخصني.
إلياس بغضب وغيرة كبيرة:
بس هو بيحبك. أنا بغير عليكي منه.
حياة بضيق:
هو كمان بيغير. ما عملش زيك ليه.
تنهدت بعمق قبل أن تتابع بضيق:
إلياس. لو وافقت عليك بعدين ده مش معناه إني هبقى وقحة معاه أو قليلة الذوق. بدر ابن خالي.
إلياس بغضب:
بس لازم يكون في حدود بينكم و...
قاطعته قائلة بصرامة:
أنا عارفة حدودي كويس. وطول ما أنا مش بعمل حاجة غلط مش من حق أي حد مهما كان يدخل في تصرفاتي.
إلياس باتهام والغضب والغيرة متحكمان به:
بتحبيه.
نظرت له بذهول ليتابع هو بغضب:
دفاعك عنه بيقول كده.
وقفت بحرص قائلة بتحدي ولم يروقها حديثه الذي جعلها شاكرة لأنها لم تعطيه موافقة حتى الآن:
يا ريت لو كنت بحبه مكنتش هتردد وأوافق عليه لحظة واحدة.
ثم تابعت بسخرية:
مش معنى إني بدافع عنه يبقى بحبه زي ما بتفكر. ده ابن خالي وحد غالي عندي.
أو يسأله بانفعال:
طب وأنا إيه.
لم تجب ليسأله برجاء أن تريحه تخبره أنها تحبه وحده وأنها تخصه ولا تريد الآخر:
أنا إيه يا حياة. أنا بحبك وبغير عليكي أوي. مش بإيدي صدقني.
زفرت بضيق قائلة وهي تغادر لداخل القصر:
أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
قالتها ثم غادرت وهو خلفها مغادراً القصر بأكمله يشتعل غضباً وغيرة.
بغرفة المكتب بقصر الجارحي كان أدهم يجلس برفقة سليم يقص عليه ما أخبره به وائل. فهو لن يتحدث معه حتى الآن بما عرف بسبب انشغالهم طوال الأيام الماضية.
صمت سليم لدقائق ثم نظر لحفيده قائلاً بغموض:
هما فين دلوقتي.
أدهم بغل:
في المخزن ووصيت الرجالة عليه.
سليم بصرامة:
بكرة تكون سمية والدة سمر معاهم.
أدهم بذهول:
ليه.
سليم بغموض:
هتعرف بكرة كل حاجة.
أدهم بحزن:
خليتها تسافر ليه. كنت أنا اللي هسيب القصر.
سليم بصرامة:
هي عاوزة كده. واللي هي عاوزاه هو اللي هيحصل. وأنت مش هتضايقها يا أدهم. فاهم.
ثم تابع بصرامة:
أنا هبعتلها تيجي بكرة وهقولها كل اللي حصل. وافقت تكمل معاك ماشي. وموافقتش ورقة طلاقها توصلها. سامع.
أومأ له أدهم بصمت وهو يكاد يبكي من شدة الندم.
لطالما كان الشعور بالندم والخذلان أسوأ شعور يصيب الإنسان. إن لم تجربه فلا تحدثني عن الوجع.
بمنتصف اليوم بقصر الجارحي انشغل الجميع بالحادث ولم يركز أحد على كيفية دخول ثريا للقصر. ولأنها أزالت ما كانت تخفي به وجهها قبل أن تطلق عليهم الرصاص لم يشك أحد بتلك الخادمة التي ساعدتها على الدخول. فقط اكتفت بالقول أن خالتها سافرت لبلدتها بالصعيد لأنها لم ترتاح بالعمل.
كانت نفس الخادمة تقف على الباب الخلفي للقصر تنظر يميناً ويساراً ليسألها أحد الحراس قائلاً:
في إيه. مستنية حد.
توترت وحاولت أن لا تظهر ذلك قائلة:
مفيش. بس واحد قريبتي جاية تديني حاجة وتسلم عليا وهتمشي.
أومأ لها الحارس بصمت وعاد للوقوف أمامه. لحظات مرت وجاءت امرأة منتقبة نحوهم. أدخلتها للداخل سريعاً بعدما وجدت طريقة ما تخرج بها الخادمة التي تعمل معها بالمطبخ.
همست الخادمة بأذنها بخفوت:
كلهم في الجنينة بيتغدوا. خلصي بسرعة.
أومأت لها المنتقبة برأسها وصعدت معها. ثم دخلت أول غرفة قابلتها من الغرف المحددة لتلك المهمة التي كلفت بها. مر وقت قصير وكانت تخرج من الغرفة. كادت أن تدخل الأخرى برفقة الخادمة لكن استمع الاثنان فجأة لصوت مهرة وفرح يأتي من الأسفل.
جذبتها من يدها سريعاً تختبأ خلف أحد الأعمدة الكبيرة. وما إن اختفى الصوت نظرت لها قائلة بخوف:
كفاية كده النهاردة. شكلهم خلصوا غدا وهيدخلوا القصر ومش هعرف أطلعك. بكرة ابقي تعالي كملي. هشوفلك طريقة تانية أدخلك بيها.
زفرت الأخرى بضيق مغادرة القصر سريعاً متوجهة لمكان ما.
في المساء بغرفة آدم كانت زينة تطرق باب غرفته بهدوء. سمح للطارق بالدخول لتدخل هي. ليتفاجأ بها قائلاً:
زينة إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي.
اقتربت منه تجلس على الفراش أمامه قائلة بعتاب:
زعلانة منك.
رفع يده يمررها على وجنتها قائلاً بحب:
زينة قلبي وحياتي زعلانة مني ليه.
نظرت له قائلة بعتاب:
عشان مش بتتكلم معايا وعلطول مشغول ومش بعرف أقعد معاك ولا نتكلم ونخرج سوى.
قبل جبينها قائلاً بحنان:
عارف إني مقصر معاكي يا زينة. بس صدقيني غصب عني. أنتي شايفة اللي بيحصل. نخرج من مشكلة ندخل في غيرها وكل ورا بعضه. متزعليش مني غصب عني.
تنهدت بحزن قائلة:
عارفة إنه غصب عنك. بس متعرفش تفضي نفسك ليا ساعة في اليوم. أنتي بتوحشيني أوي يا آدم. وببقى عايزة أفضل معاك طول الوقت.
ابتسم بحب قائلاً:
أنا كمان يا زينة. لو عليا أخليكي في حضني طول الوقت وما أبعدش عنك لحظة واحدة. وعد مني أخلص من كل اللي بيحصل ده. وأنتي هتزهقي مني أصلاً.
ضحكت بقوة لتخطف قلبه المتيم بها. تبادل الاثنان الحديث لوقت قبل أن يسألها هو:
حياة عيد ميلادها قرب. عايزين نفاجئها.
صفقت بحماس قائلة:
بحب أعمل مفاجآت. بص إيه رأيك مثلاً. مش لازم يكون هنا أو في قاعة. إحنا ممكن نعمله على اليخت في النيل ويكون عائلي و...
أخذت تقترح عليه أشياء كثيرة بينما هو لم يكن يركز بما تقوله فقط يتأملها بحب وهيام.
أنهت حديثها قائلة بحماس:
ها إيه رأيك.
لم يستمع لها من الأساس. جذبها لاحتضانه قائلاً بحب:
نامي في حضني النهاردة.
زينة بخجل:
ممكن حد يدخل علينا.
ابتسم قائلاً:
مراتي وأنا نايمة في حضني محدش ليه عندي حاجة.
قبل شفتيها برقة ثم جذبها لاحتضانه. يتبادلون الحديث عن أشياء كثيرة حتى غفى الاثنان بأحضان بعضهما.
بخطوات خجلة كانت تتوجه لغرفته تريد الاطمئنان عليه قبل أن تنام. لقد اعتادت أن تفعل ذلك الأسبوعين الماضيين.
طرقت الباب بهدوء لكن لا رد. فتحت الباب ببطء ودخلت للداخل وأغلقت الباب خلفها تبحث عنه عندما لم تجده بالغرفة.
سرعان ما شهقت بخجل وهي تراه يخرج من المرحاض محوطاً خصره بمنشفة سوداء وأخرى بيده يجفف خصل شعره. سرعان ما توقف عندما استمع لصوت شهقاتها. وجدها تقف تعطيه ظهرها قائلة بخجل شديد وتوتر:
أنا خبطت ع الباب قبل ما أدخل بس أنت مردتش. فكرتك مش في الأوضة ودخلت أطمن.
جذبها من يدها لتلتفت له وأصبحت تقف بين يديه يحاوط خصرها. وما إن لامست يدها صدره العاري دبت قشعريرة بجسد الاثنين.
كانت تغمض عينيها بقوة ليقترب بوجهه منها حتى تلامس أنفه مع أنفها قائلاً بخفوت:
مغمضة عينك ليه.
مهرة بخجل شديد:
البس حاجة وابعد.
حرر خصلات شعرها دافناً وجهه بها قبل أن يردد بهمس ويده تضغط على خصرها مقرباً إياها منه أكثر من قبل:
مش عايز أبعد.
شعرت بالخطر من تماديه عندما بدأ يوزع قبلاته على رقبتها وهو يهمهم بإثارة. يبدو أنه فقد سيطرته. وإن بادت لن تقاومه بل ستضعف هي الأخرى.
دفعته بعيداً عنها متوجهة حيث باب الغرفة. لكنه لحق بها وقبل أن تفتح الباب امتدت يده يغلق الباب من خلفها بالمفتاح وعيناه لا تفارق النظر لعيناها.
جذبها برفق من خصرها يقربها منه حتى أصبحت المسافة منعدمة بينهما عدا شبر واحد فقط. محاه هو عندما أطبق بشفتيه على خاصتها يقبلها بحب وشغف.
انتفضت هي بين يديه من كم المشاعر التي انتابتها الآن.
كانت ساكنة بين يديه ليترك خصرها ممسكاً بيدها يضعها خلف عنقه وكأنها كانت تنتظره ليفعل ذلك. سرعان ما بدأت القبلة تزداد جموحاً والاثنان بعالم آخر. كلاهما لا يشعر سوى أنه بأحضان الآخر.
كانت البداية قبلة قادتهم لذلك الفراش الوثير. لم يفق الاثنان من تلك الغيمة الوردية المحلقين بها سوى على صرخة متألمة خرجت من شفتيها معلنة عن اكتمال ما بدأه الاثنان.
رواية ضحايا الماضي الفصل السادس عشر 16 - بقلم شهد الشوري
في صباح اليوم التالي
في تلك الغرفة التي شهدت ليلة من الجنة قضاها الاثنان برفقة بعضهم، أفاق أوس. سرعان ما عصف برأسه ما حدث ليلة أمس. التفت ينظر للجانب الآخر من الفراش ليجده فارغًا. على الفور خمّن أنها نادمة على ليلة أمس.
اعتدل جالسًا يرتدي بنطاله، وقبل أن يدخل للمرحاض، استمع لصوت طرقات على الباب. يليه دخول آدم وخلفه أوس وريان، قائلًا:
"صحيت متأخر ليه؟"
قطع حديثه قائلًا بصدمة وهو ينظر للفراش، لتقع عيناه على دماء على الفراش:
"إيه ده؟!"
في تلك اللحظة دخلت حياة للغرفة عندما وجدت الباب مفتوحًا، لتسمع أمير يقول بقلق:
"انت متعور؟"
لم تفهم من المصاب، لكنها رأت الدماء على الفراش. بينما أوس يقف متوترًا، ظنت أنه مصاب. اقتربت منه قائلة بقلق:
"أوس انت كويس؟"
أومأ لهم بصمت، لتسأله بقلق:
"اومال إيه الدم ده؟"
وقعت عيناها على شيء يلمع بجانب الفراش، لتسأله بتعجب:
"مش ده الخلخال بتاع مهرة؟!"
على الفور خمّن الأربعة ما حدث من توتر أوس الملحوظ، ليجز آدم على أسنانه قائلًا بغضب:
"إيه اللي هببته ده؟"
ثم تابع حديثه قائلًا لحياة بصرامة:
"حياة استني بره شوية."
خرجت حياة بعد أن خمّنت ما حدث، متوجهة لخارج القصر حتى تلحق بموعدها، فاليوم هو أول جلساتها من الطبيب النفسي.
أما بالداخل، اقترب آدم من أوس قائلًا بغضب:
"انت قربت منها."
لم يجِب أوس، ليدفعه آدم بكتفه قائلًا بغضب:
"خونت الأمانة."
أوس بضيق:
"مش بإيدي ولا بإيدها، جت كده. وبعدين لا عملت حاجة غلط ولا حرام... دي مراتي."
آدم بغضب:
"لأ غلط يا أستاذ يا محترم. كتب كتابك مش معناه إنك تقرب منها كده وتتجاهل العادات والتقاليد. هي تعتبر أمانة عندك لحد ما خالتها أو ولي أمرها يسلمهالك في فرحكم."
سأله بغضب:
"هي فين؟"
أوس بضيق:
"صحيت ملقيتهاش جنبي."
زفر آدم بضيق ونظر لأوس الذي أصبح مؤخرًا يتصرف بحماقة وتهور في كل شيء. ضرب يدًا بأخرى ثم خرج من الغرفة خلفه أمير وريان بعدما ألقوا عليه نظرات عتاب.
ليتجهز هو ثم نزل للأسفل يبحث عنها بعدما قام بتنظيف الغرفة بنفسه، لكنه وجدها حبيسة غرفتها تغلق الباب عليها من الداخل، لا تجيبه.
***
في تلك العيادة الخاصة بالطبيب "عمر أبو زيد"
كانت حياة تخطو للداخل بتردد بعدما جاء دورها. أغلقت الباب خلفها وهي تنظر لذلك الطبيب ذو الثلاثين عامًا. يجلس خلف مكتبه، يرتسم على شفتيه ابتسامة هادئة مطمئنة تحثها على الدخول بعدما رأى التردد بوضوح بمقلتيها.
جلست حياة على المقعد أمامه ليسألها بابتسامة:
"أهلاً بيكي يا حياة، عرفيني عن نفسك."
شكرته بابتسامة لطيفة، ليحثها هو على الحديث قائلًا برفق:
"أي حاجة عرفي عن نفسك، قولي أي حاجة مضايقاكي."
صمتت لبعض الوقت ثم بدأت بالحديث قائلة:
"أنا اسمي حياة... حياة العمري، بس مش بحب أستخدم اسم العمري، يعني بفضل أنسب اسمي لاسم عيلة والدتي الجارحي."
"ده ليه علاقة بوالدك يعني؟ علاقتكم سوا فيها توتر؟"
ابتسمت ساخرة ثم تابعت حديثها مرددة بحزن:
"مفيش علاقة أصلًا... أنا اعتبرت والدي ميت من سنين طويلة. الحكاية بدأت من وأنا عندي خمس سنين، كنا عايشين مبسوطين، كانت حياتنا كويسة أوي لحد ما جدي مات والست دي ظهرت فيها..."
كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتخرج فيها ما بداخلها. أخذت تسرد عليه كل ما حدث بالماضي وكأنها تحدث نفسها، واكتفى هو بالصمت والاستماع لها بتركيز مع تدوين بعض الملاحظات.
ما إن انتهت، نظرت له لتجده يبتسم كعادته منذ أن دخلت من باب هذه الغرفة، ليسألها:
"زعلتي على والدك لما تعب؟"
أومأت برأسها قائلة بحزن:
"أبقى كدابة لو قولت مزعلتش، وكرهت نفسي عشان زعلت عليه وهو ميستاهلش."
نظر لها قائلًا بجدية:
"على حسب كلامك علاقتك بوالدك زمان كانت كويسة وكنتي قريبة منه وبتحبيه أوي."
أومأت له، ليتابع عمر بابتسامة:
"كل الحكاية إنك مش بتكرهيه، انتي بس على قد ما كنت بتحبيه اتصدمتي من اللي عمله، وعلى قد حبك ليه زمان على قد ما اتوجعتي منه."
حياة بانفعال ونفي:
"مش بحبه، أنا بكرهه ومكرهتش في حياتي قده."
صمت للحظات ثم سألها بهدوء:
"انتي هنا ليه؟"
اكتفت بالصمت، ليكرر السؤال عليها مرة أخرى، لتجيب عليه بعد لحظات صمت:
"عشان أتعالج... وأنسى الماضي."
سألها بهدوء:
"كوني متأكدة إني هنا عشان أعالجك، وعشان ده يحصل لازم تتكلمي معايا بكل صراحة."
نظر لها قائلًا بنبرة هادئة حتى تطمئن:
"الكلام اللي بيدور بينا دلوقتي مش هيطلع بره الأوضة دي، يعني تقدري تتكلمي عن كل اللي جواكي وبتحسي بيه بصراحة ومن غير خوف أو تردد عشان تساعدي نفسك وأنا كمان أقدر أساعدك."
ابتلعت ريقها قائلة بحزن وعين تلمع بالدموع:
"منكرش إن وجعي منه أكبر من كرهي ليه، بس أنا مش قادرة ولا هقدر أسامحه."
ثم تابعت بصوت مختنق ووجع:
"أنا بسببه عشت وجع كتير، بسببه كنت بحس بحرمان لما بشوف أي طفل سعيد مع باباه ومامته، كنت ساعات كتير بحس بغيرة."
صمتت لبعض الوقت قبل أن تتابع بحسرة:
"بسببه أنا مقدرتش أكون ذكريات طفولة بين أب وأم وعيلة سعيدة. ملحقتش أشبع منها ولا من حنانها، هو حرمني منها وخلاني يتيمة في يوم. ساعات كتير كنت بغير من أخواتي لأنهم قدروا يكونوا ذكريات معاهم، قدروا يشبعوا منهم ومن حنانهم."
نظرت له قائلة بحزن ويأس:
"أنا بسببه مش قادرة أعيش حياتي، مش قادرة آخد خطوة واحدة... بسبب اللي حصل أنا مش عارفة أنا عايشة ليه ولا عايزة إيه. الأول كنت عايشة عشان أحقق انتقامي وحققته، بس دلوقتي مش عارفة أنا عايزة إيه."
ابتسم قائلًا بهدوء:
"طبيعي جدًا إن أي شخص يمر بتجارب قاسية في الحياة، وطبيعي إنك تحسي بوجع وألم لما تفتكري الماضي. تفكيرك في الماضي زيادة عن اللزوم هو سبب حالتك، كل مرة بتفكري فيه بيتولد جواكي مشاعر سلبية بتخليكي حاسة بكل ده."
ثم تابع بابتسامة:
"ليه لما بتفكري في الماضي بتشوفي الوحش بس؟"
"عشان مكنش فيه غير الوحش."
أجابها بنفس ابتسامته التي تزين ثغره:
"مين قال كده... تفتكري إنتي وأخواتك كنتوا هتكونوا قريبين من بعض؟ فكري في الإيجابيات اللي اتعلمتيها من الماضي، متشوفيش الوحش بس."
سألها بهدوء:
"إنتي ليكي أصحاب مقربين يعني بتفضفضي مع حد؟ بتحكي في اللي مضايقك؟"
نفت برأسها قائلة:
"عندي أخواتي وزينة بنت خالي، بس عمري ما اتكلمت مع حد وفضفضت، يعني دايما كنت أسمع أو أديهم النصيحة ومن جوايا بقول لنفسي قولي لنفسك الكلام ده وطبقيه، بس مش بقدر."
ابتسم عمر قائلًا:
"طبيعي جدًا إن الشخص ينصح غيره وميقدرش يطبق النصيحة دي لنفسه. أنا صحيح دكتور نفساني، شغلتي أعالج، لكن لو كنت مكانك أو مكان أي مريض تاني مش هقدر أساعد نفسي وهلجأ للي يساعدني."
نظرت له بصمت، ليتابع هو بابتسامة:
"مش صح إنك تفضلي تكتمي مشاعر الحزن والألم جواكي. كل شخص بيحتاج يكون في حياته شخص مقرب وثقة يكون موجود في حياته يحكيله اللي جواه واللي بيحس بيه، يعني بالعربي يفضفض معاه."
نفت برأسها قائلة.
بحزن، مقدرش أعمل كده.
ليه؟
تنهدت بحزن قائلة:
عشان مش عايزة حد يحس إني ضعيفة أو أشوف نظرة شفقة في عيون حد.
ابتسم قائلاً بهدوء:
بس إنتي مش ضعيفة، إنتي قوية جداً. اللي تمر بكل ده وتفضل واقفة على رجليها وتوصل للي إنتي وصلتي ليه، عمرها ما تكون ضعيفة.
تنهد وهو يزيح نظارته الشفافة بعيداً عن عينيه قائلاً بابتسامة:
كتير أوي بيشوفوا إن المرض النفسي ده شيء مخجل، مينفعش يتكلموا فيه عشان نظرة الناس ليهم، وبيرفضوا يعترفوا أصلاً بيه. لكن إنتي جيتي بنفسك لهنا عشان عارفة إن عندك مشكلة وعايزة تتعالجي وتكملي حياتك بشكل أحسن. دي شجاعة قوة منك.
ابتسمت بهدوء، ليسألها هو فجأة:
جربتي تكتبي مذكرات خاصة بيكي؟
مذكرات!!!
ابتسم قائلاً:
ممكن تخرجي كل المشاعر السلبية اللي جواكي على ورق. اكتبي كل اللي بتحسيه ومش هتقدري تحكيه لحد.
أومأت له بصمت، ثم نظرت لساعة يدها لتجد أنها تجاوزت الوقت المحدد وأخذت الكثير من وقته، لتقف قائلة باعتذار:
أنا خدت وقتك كتير أوي... آسفة لو عطلتك.
نفى برأسه قائلاً بابتسامة لا تفارق شفتيه:
لا عطلة ولا حاجة.
دون لها دواء على ورقة ثم أعطاها لها قائلاً بهدوء:
هتمشي على العلاج ده، واعملي زي ما اتفقنا. اكتبي كل اللي جواكي على ورق، كل شعور سلبي جواكي اكتبيه. كل ما تفتكري الماضي، فكري في الإيجابيات اللي اكتسبتيها منه وبس.
أومأت له بصمت، ليتابع هو حديثه:
الجلسة الجاية بعد أسبوعين.
شكرته ثم غادرت العيادة، ولا تنكر أبداً شعور الراحة الذي يغمرها بعد أن تحدثت وأخرجت كل ما بداخلها... لكن هي لا تعلم أن قدومها لهنا سيترتب عليه الكثير!
كانت تخرج من البناية وكادت أن تصعد لسيارتها، لكنها توقفت بصدمة عندما سمعت لصوته يأتي من خلفها قائلاً:
حياة.
التفتت له بصدمة قائلة بتوتر:
إلياس! إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم قائلاً وهو يشير لمطعم موجود أمام البناية:
أنا أوقات بكون هنا، يعني لو في مواعيد بره الشركة بتكون هنا.
أومأت له بتوتر، ليسألها قائلاً:
إنتي بتعملي إيه هنا؟
حاولت إخفاء توترها قائلة:
كنت رايحة الشركة ونزلت أشتري ميه من السوبر ماركت.
أومأ لها قائلاً:
طب ممكن نتكلم شوية؟
نفت قائلة باعتراض، فهي لم تنسى حديثه معها أمس وما قاله لها:
مش فاضية.
أوقفها قائلاً باعتذار:
استني... أنا عارف إنك زعلانة من اللي قولته امبارح. صدقيني مكنش قصدي... غصب عني، بغير عليكي منه، بتجنن لما أشوفه قريب منك.
استنكرت ما قال، لتنظر له قائلة بسخرية:
أشمعنى هو مش بيعمل زيك؟ هو كمان بيغير؟
نفى برأسه قائلاً بحب:
عشان مش بيحبك زيي. أنا صحيح شوفتك من قريب، بس صدقيني بحبك أوي وبغير عليكي بجنون. اعذريني في ده.
سعيدة بما قال، لكنها خائفة، لا تنكر ذلك. نظرت له، ليتابع هو حديثه قائلاً باعتذار:
متزعليش مني، حقك عليا.
تنهدت بعمق ثم أومأت برأسها، ليسألها بابتسامة:
يعني مش زعلانة؟
أومأت له قائلة:
آه... اتأخرت وعندي شغل.
أوقفها قائلاً بابتسامة:
طب عشان أضمن إنك مش زعلانة، خلاص ينفع نقضي اليوم سوا؟ يعني نتغدى سوا ونروح المكان اللي إنتي عايزاه؟
كادت أن ترفض، لينظر لها برجاء، وبعد إلحاح منه وافقت على ما قال.
بمستشفى الجارحي.
كان يخرج من غرفة العمليات، يفكر فيها، من تشغل عقله وقلبه منذ سنوات، لكن خوفه سبب ابتعاده وتهربه منها. نعم، يهرب منها منذ أن غادر القصر هو وإخوته، وهي تحاول الحديث معه وهو يتعمد تجاهلها والتهرب منها.
كان بطريقه لمكتبه، لتقع عيناه عليها وهي تقف برفقة أحد الأطباء العاملين بالمستشفى، تبتسم له والآخر ينظر لها نظرات غير بريئة بالمرة.
اقترب منهم قائلاً بغضب:
واقفين بتعملوا إيه؟ مفيش وراكم شغل؟
نادت ببرود:
وقت الراحة، وكنت واقفة مع زميلي شوية. في حاجة يا دكتور ريان؟
ريان بنظرة نارية للطبيب الشاب الذي يقف بجانبها:
روح شوف شغلك.
رحل الآخر على الفور، وما إن غادر، جذب ريان ندا من يدها خلفه، ثم دخل لمكتبه وأغلق الباب خلفه قائلاً بغضب:
إنتي عايزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده؟
ندا بغضب:
مش عايزة أوصل لحاجة. أنا معملتش حاجة غلط، واقفة مع زميلي في وقت الاستراحة. إيه اللي مضايقك في كده؟
ريان بغضب:
يضايقني طبعاً.
ندا بغضب:
تضايق بصفتك إيه؟
صمت للحظات، بينما هي كانت تتأمل أن ينطق بما تراه بعينيه ولا ينطق به لسانه، لكنه قال بهدوء:
بنت عمي.
ضحكت بسخرية مريرة قائلة:
بنت عمك اللي بقالك فترة بتتجاهلها، وكلما تتكلم معاك تسيبها وتمشي... بنت عمك في دي بس، والباقي لأ يا ريان.
أنا حر.
صرخت عليه بغضب يخالف شخصيتها الهادئة.
مثله تماماً:
أنا كمان حرة، أقف مع اللي أنا عايزاه، ميخصكش.
كادت أن تغادر، ليوقفها قائلاً بغضب:
استني عندك.
التفتت له قائلة بغضب:
نعم.
اقترب منها قائلاً بتحذير:
آخر مرة أشوفك واقفة معاه.
نظرت له قائلة بسخرية وغضب:
قولتلك ميخصكش، أنا حرة. إنت مش أبويا ولا أخويا عشان تحاسبني يا دكتور.
غادرت وتركتها تشتعل من الغضب والغيرة، تتوعد له بالمزيد من هذا حتى يعترف بما بداخله.
بخطوات مرتعشة كانت تدخل من باب القصر الداخلي، وهي تتمنى أن لا تراه. شهقت بقوة وهي تراه يجلس ببهو القصر ينتظر وصولها منذ الصباح الباكر، ما إن علم بقدومها.
انتفض واقفاً مقترباً منها قائلاً بلهفة واشتياق:
هنا.
تراجعت خطوات عدة للخلف بفزع قائلة:
ابعد عني.
ابتلع غصة مريرة بحلقه وهو يرى ذعرها الشديد منه، قائلاً بندم وألم بشع ينهش قلبه:
أنا آسف.
تمالكت نفسها بصعوبة حتى لا تبكي، قائلة بصوت مختنق وهي ترى سليم يأتي من خلفه:
حضرتك بعتلي أرجع ليه يا جدو؟
ابتسم مقترباً منها، يحاوط كتفها بيديه قائلاً بحنان:
هنروح مشوار سوا، وبعدها اللي إنتي عايزاه كله هيحصل يا بنتي.
أومأت له بصمت، وهي لا تفهم شيء. توجهت للخارج برفقته، وخلفهم أدهم يستقل سيارة بمفرده حتى لا يزعجها أو يسبب له أي خوف.
بعد وقت، كان يدخل الثلاثة من باب ذلك المخزن الموجود بمنطقة خالية من السكان.
شهقت هنا بقوة عندما وقعت عيناها على سمر مقيدة على مقعد بوجه مليء بالكدمات وبحالة يرثى لها، وشخص آخر مقيد على مقعد بجانبها لم تستطيع التعرف على وجهه، فقد كان يخفض وجهه فاقداً للوعي، وكذلك سمر.
تجولت بنظرها بالمكان، لتقع عيناها على امرأة عجوز مقيدة على مقعد بجانبهم، تنظر نحو سليم بغل وكراهية شديدة أخافتها.
خاصة حين نطقت بغل:
والله زمان يا سليم يا جارحي... بس إيه رأيك في اللي عملته؟ بوظتلك حياة حفيدك وحفيدتك، وخدت حقي منك ومن ابنك وقمر اللي فضلها عليا.
ضحك سليم بسخرية، وبداخله يتوعد لها، فقط صبراً.
جاء أحد الرجال بمقاعد لهم، وجلست هنا بجانب سليم، لا تفهم شيء مما يقال، وكذلك أدهم المصدوم مما قالته تلك السيدة التي كان قليلاً ما يلتقي بها، حتى أنها لم تحضر حفلة خطبته على ابنتها الحقيرة بسبب سفرها خارج البلاد.
أشار أدهم بيده لأحد الرجال الذي سكب دلو من الماء فوق رأس كلا من سمر ووائل. شهق الاثنان بقوة، ومعهم هنا التي تفاجأت برؤية وائل.
سليم بسخرية وهو يشير سمية:
أعرفك الأول يا أدهم بسمية... طليقة أبوك!!!
توسعت عينا أدهم بصدمة، ليتابع سليم حديثه قائلاً بسخرية:
كانت مرات أبوك قبل ما يتجوز قمر... اتجوزها بعد ما اتخرج من الجامعة، كان فاكرها زوجة مناسبة، بس هي مكنتش أكتر من واحدة أنانية، شايفة نفسها، بتعمل مشاكل بينا على طول وبتوقع بينه وبين الكل، مستهترة. وفضل سنتين مستحملها، وفضل باقي عليها لما عرف إنها حامل، بس هي من أنانيتها وجحودها راحت ونزلت الولد اللي في بطنها عشان مش جاهزة تكون أم من غير ما ترجع ليه.
نظر سليم لأدهم المصدوم، ثم تابع حديثه:
أبوك كان هيطلقها، بس حب يقهرها الأول لأنه عارف إن أهم شيء في حياتها مظهرها قدام الناس. اتجوز عليها قمر، كانت شغالة عندنا في القصر، وأعلن قدام الناس كلها جوازه. هو صحيح مكنش بيحب قمر في الأول، بس مع الوقت حبها وهي كمان حبته. وعدى أسبوع وكان أبوك مطلق سمية.
ضحكت سمية ساخرة، ليتابع سليم حديثه قائلاً:
أما بنتها، بعد سنين دخلت حياتنا ودمرت حياة أحفادي.
نظر لهنا قائلاً بجدية:
كل اللي حصل معاكي كانت هي وبنتها سبب فيه. أدهم عمل معاكي كده عشان... ثم قص عليها ما فعلوه هؤلاء الثلاثة بها.
ما انتهى، ضحكت سمية قائلة بغل:
كل اللي حصلهم كان بأمري، وسمر الغبية كنت بحركها وبقولها تعمل إيه بالظبط وهي تنفذ، مش عشان غبية، لا عشان بتحب الفلوس.
سليم بسخرية واحتقار:
طلعالك مش جايباه من بره.
نظرت هنا للجميع والدموع تغرق وجهها، وركضت لخارج المخزن، وخلفها أدهم وسليم، الذي احتضنها بحنان لتبكي بأحضانها بانهيار، وأدهم يتابعها بحزن وألم يمزق قلبه، يلعن غباءه الذي أوصله معها لما هما فيه الآن. بعد دقائق، توقفت عن البكاء.
ليسألها سليم لهنا بحنان:
هنا يا بنتي، إنتي دلوقتي عرفتي الحقيقة كلها. القرار دلوقتي في إيدك، وإنتي اللي تقرري تكملي مع أدهم أو لأ.
صمتت هنا للحظات، ثم قالت بجدية وهي تزيل الدموع من على وجهها:
اللي عايزاه يا جدي، إني ورقة طلاقي توصلني في أقرب وقت!!!
مساءً بقصر الجارحي.
بعد يوم سعيد قضته برفقته، وكذلك هو. توقفت سيارة إلياس، الذي ابتسم بحب لحياة قائلاً:
انبسطت أوي يا حياة عشان كنتي موجودة معايا.
ابتسمت هي الأخرى قائلة بابتسامة:
كان يوم حلو فعلاً.
ابتسم بسعادة، ثم التقط كف يدها مقبلاً إياه برقة قائلاً بحب:
تصبحين على خير.
جذبت يدها من يده، ثم غادرت السيارة، وما إن اختفت من أمامه لداخل القصر.
رفع إلياس رأسه لأعلى بدون قصد، لتقع عيناه على بدر يقف بشرفة غرفته ينظر نحوهم، فقط كان يقف هنا منذ وقت ينتظر مجيئها ليطمئن عليها بعدما هاتفها أكثر من مرة لكنها لا تجيب.
ليتصنم جسده بمكانه، وتشتعل عيناه بغضب وغيره بعدما شاهدها برفقته بالسيارة تبتسم وذلك البغيض يقبل يدها. دخل لغرفته دافعاً المزهرية بالحائط بغضب، ثم جلس أرضاً، صدره يعلو ويهبط بانفعال.
أخذ يحدث نفسه... إلى متى سينتظر حتى تخبره أنها لا تريده وأن قلبها يحب غيره واختار غيره؟ مشاعرها تجاه ذلك المدعو إلياس ظاهرة بوضوح، هو فقط من كان يعاند نفسه، هي ليست له!!!
في صباح اليوم التالي بقصر الجارحي.
بدر، إنت رايح فين؟
قالتها حياة بصدمة وهي تراه يخرج من غرفته.
يجر حقيبته خلفه.
التفت لها قائلاً بابتسامة حزينة:
أظن وجودي مبقاش ليه لازمة.
سألته بصدمة:
هتسافر؟
أومأ لها قائلاً بحزن:
مبقاش فيه سبب أستنى عشانه... لأني ببساطة خسرت.
التمعت عيناها بالدموع حزينة عليه:
خسرت إيه؟
تنهد بحزن قائلاً بوجع:
خسرتك إنت يا حياة. يعني حتى لو مقولتيش، بس أنا بلاحظ وبشوف وبحس... حبك ليه واضح من غير كلام.
اخفضت وجهها قائلة بصوت مختنق وأسف:
أنا آسفة.
ابتسم قائلاً بحزن:
متتأسفيش، دي حاجة مش بإيدك ولا بإيدي.
ابتلع غصة مريرة بحلقه، ومنع نفسه بصعوبة من احتضانها أو تقبيل جبينها لآخر مرة قبل أن يغادر. اكتفى فقط بتأمل وجهها وعينيها الساحرة التي لم ولن يرى بجمالها أبداً.
منحها ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه، وألم ينهش قلبه على فراقها، قبل أن يغادر القصر بأكمله.
عائداً من حيث جاء!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل السابع عشر 17 - بقلم شهد الشوري
في المساء بقصر الجارحي
كانت مهرة حبيسة غرفتها منذ صباح الأمس. كلما حاول التحدث معها لا تجيب، فقط يستمع لصوت شهقاتها التي تحاول كتمانها. تعجب الجميع من عدم رغبتها في الخروج من غرفتها، وظنوا أنها تشاجرت مع أوس. الذي حاول بشتى الطرق أن يجعلها تفتح الباب، وعندما حاول أن يكسره مساء الأمس، ترجته بأن يرحل ولا يكسره.
توجه لغرفتها اليوم وهو عازم على أن يجعلها تفتح ذلك الباب اللعين حتى لو سيحطمه رغماً عنها.
أوس بصرامة:
مهرة افتحي الزفت الباب ده.
لا تجيب، فقط ارتفع صوت شهقاتها. ليدفعه بقدمه قائلاً بغضب:
يا تفتحيها يا هكسره وأنتي حرة بقى.
اقتربت مهرة من الباب قائلة بصوت متحشرج من البكاء وشهقات عالية:
امشي يا أوس.
صرخ غاضباً من بكائها ودفع الباب بقدمه مرة أخرى بقوة:
مش همشي وأفتحي الزفت ده أحسن لك.
فتحت الباب بتردد. وما إن رأى هيئتها، وجهها الشاحب وعيناها الحمراء المتنفخة من كثرة البكاء، سألها بحزن:
للدرجة دي ندمانة؟
بكت أكثر قائلة بحزن:
اللي حصل غلط... أنا غلطت، مكنش ينفع ده يحصل دلوقتي.
قاطعها قائلاً برفق وهو يجذبها لحضانه محاولاً جعلها تتوقف عن البكاء:
اللي حصل غصب عني وعنك، بس أنتي مراتي. إحنا بس اتسرعنا في الخطوة دي.
أبعدها عنه محاوطاً وجهها بيديه قائلاً:
معملناش حاجة حرام. كل ده حصل وأنتي مراتي قدام ربنا. متلوميش نفسك.
مسح دموعها قائلاً بحزن:
أنتي مش غلطانة، أنا اللي مقدرتش أتحكم في نفسي.
نفت برأسها قائلة بحزن:
كنت أقدر أوقفك، بس أنا...
لم تستطع أن تكمل حديثها. ليكمل هو بدلاً عنها قائلاً:
ضعفتي زي ما أنا ضعفت.
اخفضت وجهها بحزن. ليجذبها لحضانه قائلاً برفق:
حقك عليا، وصدقيني مش هتتكرر تاني. وأنا هحاول أقدم ميعاد الفرح.
لا يزال جسدها يهتز بين يديه من البكاء. جذبها وجلس أمامها على الفراش قائلاً وهو يجفف دموعها بيده:
اضحكي بقى، عايز أشوف ضحكتك يا مهرتي.
أومأت له بابتسامة صغيرة. صمتت للحظات قبل أن تنظر لعينيه قائلة بحب:
أنا بحبك يا أوس. أوعى في يوم تجرحني أو تخليني أندم إني وثقت فيك.
ابتسم بحب مقبلاً جبينها قائلاً:
عمري ما أخليكي تندمي.
وضع خصلات شعرها خلف أذنها قائلاً بمرح:
يلا قومي، هنخرج نتعشى بره سوا. ولو عايزك تروحي أي مكان، أنا تحت أمرك يا مولاتي الجميلة.
ضحكت بخفوت وتجهزت، ثم غادرت برفقته وهي تحاول تجاهل شعور الخوف الذي يلازمها ولا تعرف سببه.
في صباح يوم جديد... بحديقة قصر الجارحي
كان الخمسة يجلسون برفقة بعضهم قبل الذهاب لأعمالهم. يستمعون لحياة التي تقول بحماس:
الفيلا القديمة اللي كنا قاعدين فيها بقت صغيرة دلوقتي ومش هتكفي ليكم، خصوصاً بعد ما تتجوزوا وتملوا البيت أولاد حلوين.
أمير مؤيداً لما تقول:
عندك حق. عايزين مكان كبير يكون خاص بينا... نكون فيه ذكريات لينا ولولادنا فيما بعد إن شاء الله.
آدم بابتسامة:
أنا فكرت في كده فعلاً، وفي قصر كبير مساحته مناسبة وكويسة وقريب أوي من هنا.
ابتسم الجميع بسعادة. لتختفي الابتسامة من على وجه حياة عندما سألها آدم:
من إمتى بنخبي... بتروحي لدكتور نفسي من غير ما تقولي لحد فينا؟
نظر باقي إخوانها لها. تنهدت بحزن قائلة:
كان لازم آخد الخطوة دي من زمان... أنا زيي زيكم، كل واحد جواه خوف لحد دلوقتي، حتى لو مش مبين. مش معنى إني بقول النصيحة لكل واحد فيكم إني تمام وإني بعمل بيها.
أوس بعتاب:
طب ليه مقولتيش لينا؟ هو حد كان هيعترض؟
نفت برأسها قائلة بحزن:
محبتش أشغل حد فيكم، ومكنتش حاجة مستاهلة.
آدم بعتاب:
محدش اشتكى ليكي، اشغلينا يا ستي ولا يهمك. إحنا عندنا كام حياة يعني عشان ننشغل عنها... زعلت لما عرفت من الحراس مش منك.
حياة بتساؤل:
أنت بتراقبني؟
أومأ لها قائلاً بجدية:
أنتي وأخواتك بس من بعيد لبعيد عشان أبقى مطمن عليكم.
أمير بتساؤل:
مرتاحة مع الدكتور أو الدكتورة اللي متابعة معاه؟
أومأت له بصمت. ليسألها ريان عن اسم الطبيب، لتجيبه قائلة:
عمر أبو زيد.
ابتسم قائلاً:
أعرفه، قابلته كام مرة قبل كده.
أمير بتساؤل:
أنتي بتحبي بدر ولا لأ؟
نظرت له بصدمة، تتساءل من أين علم. ومن نظرات الباقين يبدو أنهم كانوا يعلمون أيضاً. كادت أن تتساءل، ليأتيها الرد من آدم قائلاً بهدوء:
إحنا عارفين من يوم ما طلب يتجوزك ورفضتيه. هو جالنا وقالنا اللي عمله وإنه هيفضل يحاول عشان يخليكي تقبلي بيه... مكنش عاوز يعمل كده ورانا عشان منعرفش من غريب وما يخسرش ثقتنا فيه.
ريان بهدوء:
كان عاوز موافقتنا عشان ميكونش اللي بيعمله غلط.
لا تنكر أبداً شعور الاحترام الذي ينمو بداخلها تجاه بدر يوماً بعد يوم. جاء سؤال أمير مرة أخرى:
بتحبيه يا حياة.
ليتابع آدم بغموض:
بتحبي بدر ولا... إلياس؟
اخفضت حياة وجهها أرضاً ولم تجب. ليتدخل ريان بالحديث قائلاً:
لو كانت بتحب بدر مكنتش خليته يسافر. الظاهر إن إجابة سؤالك... إلياس+.
نظر الأربعة نحوها. لتحاشي النظر نحوهم. ليأتيها صوت آدم الساخر:
نفسي أعرف عاجبك فيه إيه ده... أنتي خسارة فيه يا بنتي والله.
ضحك أوس قائلاً وهو يمسك وجنتها بإصبعيه قائلاً بحب أخوي وصدق:
هي خسارة في أي حد أصلاً.
ابتسمت حياة بخفوت قائلة بعد صمت:
مش عارفة حاجة ومش عارفة إجابة سؤالك... مش عارفة أنا عاوزة إيه، أنا تايهة ومش عارفة أحدد حاجة. أنا محتاجة ألاقي نفسي الأول.
أومأ لها الأربعة بتفهم. مقدرين لما تمر به. فهي كانت الأصغر سناً حين حدثت تلك الحادثة. ربما هي تأثرت بها أكثر لكونها فتاة تخاف أن تمر بذات التجربة التي مرت بها والدتها.
استمع الخمسة لصوت سيارة تصف أمام باب القصر. التفتوا ليروا من القادم. سرعان ما انتفضوا واقفين عندما وقعت أعينهم على يوسف الذي نزل من السيارة بمساعدة السائق مقترباً منهم وهو يستند على العصا التي تساعده على المشي.
قائلاً بوهن وتعب وهو يخفض وجهه بخزي:
السلام عليكم... محدش كان قالي إنكم... كنتوا في المستشفى غير امبارح بس.
ابتسم الخمسة بسخرية. ليقول هو سريعاً بتبرير ظناً منه أنهم لا يصدقونه:
كنت تعبان وكانوا مخبين عليا...
قاطعه آدم قائلاً بتهكم:
محدش طلب منك تبرير يا يوسف باشا.
اخفض يوسف وجهه أرضاً بخزي وندم قائلاً:
أنا أسف.
ريان بسخرية:
بس كده.
يوسف بندم وأعين تلمع بالدموع:
مش بأيدي غيرها. قولولي أعمل إيه عشان تسامحوني. أنا عارف إني غلطان ومستاهلش السماح أصلاً...
أمير بسخرية:
أقولك تعمل إيه عشان نسامحك؟
أومأ له يوسف بلهفة عدة مرات بدون تردد. ليأتيه الرد من أمير الذي نظر له قائلاً بانفعال:
عندي استعداد أسامحك بس بشرط... رجعلي أمي اللي ماتت... رجعلي سنين عمري اللي فاتت عيشتها يتيم أنا وإخواتي بسببك... رجعلي سنين عمري اللي عيشتها في حزن وقهر. لو تقدر ترجع كل دول من أول تاني، عندي استعداد أسامحك.
يوسف بندم ودموع انهمرت على وجنتيه:
لو أقدر أرجعه هرجعه وعمري ما كنت هعيد نفس الغلط وعمري...
قاطعه أوس قائلاً بسخرية مريرة:
لو رجع الزمن كنت هتعمل نفس اللي عملته. اللي يهون عليه ولاده مرة، يهونوا عليه بعد كده ألف مرة.
اقتربت منه حياة قائلة بسخرية:
عارف أنت بعد كل السنين دي هنا ليه؟
نظر له بصمت ولا تزال الدموع تنزل من عينيه من شدة الندم والحزن. لتتابع هي حديثها قائلة:
أنت هنا دلوقتي وبتطلب السماح عشان براءة أمي ظهرت... جيت هنا عشان عرفت إنها بريئة من كل اللي حصل زمان وإنها أشرف واحدة.
ريان بسخرية:
أنت محبتناش... أنت مبتحبش حد غير نفسك.
عادت حياة تكمل حديثها قائلة بحزن:
حبك لينا مشروط بحبك ليها. لما هي كانت مذنبة، إحنا كمان مذنبين ووحشين. لما برأتها ظهرت، يبقى إحنا كويسين.
أمير بسخرية يخفي بها الألم الذي يعصف بقلبه:
الأب مش بيحب ولاده بشروط.
يوسف بحزن محاولاً التبرير:
حطوا نفسكم مكاني... لو مراتك شوفتها في وضع زي ده، كنت هتعمل إيه؟
جاءه رد آدم قائلاً بقوة:
لو كنت مكانك واتأكدت إنها بتخوني، مع إن ده مستحيل يحصل، كنت هسيبها وأبعد عنها. مكنتش هاخد ولادي بذنبها.
ريان بسخرية مريرة وهو ينظر ليوسف الذي يجفف دموعه، لكنها تتمرد وتعود وتنزل على وجنتيه مرة أخرى:
دموعك مش هتخليك تصعب علينا ولا هتخلي قلبنا يحن... قسوة القلب اتعلمناها منك... وأنت كنت أستاذ فيها.
ثم تابع وهو يشير لسيارة يوسف قائلاً:
لو سمحت امشي. وجودك هنا مش مرحب بيه.
التفت يوسف مغادراً، وبداخله يردد بحزن ووجع:
اشرب يا يوسف اللي عملته طول السنين بتحصده دلوقتي. زرعت في قلوبهم كره وأهو أديك بتشوفه. طلعت أنت الظالم مش المظلوم زي ما كنت فاكر.
غادر. بينما الخمسة غادروا هم أيضاً بدون كلام. قلوبهم تتمزق حرفياً من الداخل من الحزن.
بذلك الحي الشعبي الذي يبعد الكثير عن قصر العمري، الذي لا تزال تسكن فيه حتى الآن، متجاهلة نظرات الرفض التي تراها بأعين الجميع من بقائها برفقتهم به.
كانت سارة تجلس برفقة محسن على أسطح البنايات المتهالكة قائلة بمكر:
مش هنحتاج نركب كاميرات تاني... اللي خططنا ليه حصل بسرعة.
أغلق الفيديو الذي شاهد القليل منه مبتسماً بثقة. لتسأله هي:
عرفت إزاي إن ممكن واحد فيهم يحصل معاه كده؟
ابتسم بسخرية قائلاً:
تلاتة متجوزين، إزاي مفيش واحد فيهم هيقرب من مراته يعني؟ غير كده لو مكنتش فادت في ده، كانت هتفيد في إننا نعرف اللي بيحصل هناك في القصر، وكنا كمان هنشوف طريقة تانية ندخلك بيها القصر.
أومأت له بصمت. ليأمرها قائلاً بصرامة:
تطلعي من هنا عليه طول ع المأذون!!!
ابتسمت بثقة قائلة:
اعتبره حصل.
ابتسم متابعاً حديثه، يبث السموم بعقلها، محفزاً الكره والحقد تجاههم بداخلها، حتى تبقى تقاتل بضراوة دون أن تستسلم:
افتكري دايماً إنهم قتلوا أمك وسبب رميتي هنا، ومش بس كده حياة اللي خدت منك إلياس اللي مبقاش يفارقها لحظة، امبارح كان معاها طول اليوم. خروجات وفسح.
أومأت له بغل وحقد. ولم يهمها ما قال سوى ذكره لحياة التي تشكل خطر كبير عليها. فهي على شفا أن تأخذ حبيبها منها، إن لم تكن أخذته بالفعل!!!
بمحافظة أخرى كانت هنا تجلس برفقة عمتها صالحة التي تحدثها محاولة أن تعرف منها ما حدث لتطلب الطلاق:
يا بنتي قوليلي مالك بس، ربنا يهديكي. أدهم عملك إيه وليه عايزة تطلقي؟ إنتوا لحقتوا، ده إنتوا مكملتوش شهر جواز... الناس تقول إيه؟
هنا بضيق وغضب:
تولع الناس، مليش دعوة بحد.
زفرت بضيق، فهي أصبحت تمقت التحدث عن أدهم قائلة:
عايزة أطلق لأسباب خاصة بيا وبيه يا عمتي، مقدرش أقولك عليها.
صالحة بحزن وعتاب:
يا بنتي طب اقعدوا اتفاهموا واتكلموا سوا، يمكن تتحل المشكلة بينكم. الجواز مش لعبة.
وقفت هنا قائلة بصرامة وضيق قبل أن تدخل لغرفتها:
ده آخر كلام عندي يا عمتي، مش هغير رأيي.
تنهدت صالحة بحزن قائلة:
مش عارفة أقولك إيه يا بنتي، ربنا يهديكم ويتصلح حالكم انتوا الاتنين يارب.
ما إن دخلت هنا لغرفتها، استلقت على فراشها تحاوط جسدها بيديها، ودخلت في نوبة بكاء مرير، محاولة كتم شهقاتها حتى لا تسمع عمتها. لقد دمرها أدهم حرفياً.
بعد وقت
طرقات متتالية على باب منزل عمة هنا. فتحت صالحة الباب وابتسمت لرؤية أدهم. جذبته للداخل قائلة:
ادخل يا بني، هي في أوضتها. اتكلم معاها وحلوا مشاكلكم براحة. الطلاق مش حل، ربنا يهدي سركم.
أومأ لها بصمت. لتخرج هي من المنزل متوجهة لجارتها التي تقيم بالمنزل المقابل لها، حتى يتحدثون على راحتهم.
طرق أدهم بخفوت على باب غرفة هنا. التي سمحت بالدخول، ظناً منها أن الطارق عمتها. ما إن دخل، وقعت عيناه عليها تجلس أمام الشرفة تنظر للشارع بشرود. نظر لها بألم يعتصر قلبه من هيئتها الشاحبة والذابلة، وهو السبب. نطق اسمها بصوت معذب ونادم:
هنا.
التفتت للخلف على الفور لتقع عيناها عليه قائلة بغضب شديد:
أنت إيه اللي جابك هنا؟
أنا استأذنت من عمتك وهي سمحت لي أدخل.
أشارت نحو الباب قائلة بغضب وهي تتراجع للخلف تلتصق بالحائط وجسدها ينتفض من الخوف:
اطلع بره.
أدهم برجاء وتوسل:
هنا اديني فرصة واحدة بس، صدقيني غصب عني. أنا بحبك والله.
صرخت عليه بغضب:
وأنا بكرهك، سامعني بكرهك... اطلع بره.
أومأ لها قائلاً برجاء:
طب خلينا نتكلم بهدوء وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس إلا الطلاق.
هنا بغضب:
عايزاك تطلقني وتخرج بره.
ثم تابعت بغضب أكبر:
مش عايزاك ولا طايقاك، إيه مابتفهمش؟ بكرهك يا أدهم. اللي بكرهك، خليك راجل وطلقني.
أدهم برجاء:
هنا.
انهارت أرضاً، تضم قدمها لصدرها قائلة بضعف:
طلقني، مش عاوزاك ولا عاوزة أشوفك... سيبني فحالي بقى... أنت بقيت بخاف منك.
ابتلع غصة مريرة بحلقه قائلاً بألم:
مش بتحبيني.
جاءه ردها على الفور:
مش بحبك.
سألها مرة أخرى بألم:
هتبقي مبسوطة لو عملت اللي عايزاه يا هنا؟
أومأت له عدة مرات. ليعم الصمت بالمكان للحظات، قبل أن يقول أدهم بوجع:
أنتي طالق يا هنا!!!
بشركة الآدم
كان أوس يجلس بمكتبه يتابع عمله بتركيز شديد، حتى قاطعه صوت رنين هاتف مكتبه. تخبره السكرتيرة الخاصة به بأن هناك من تريد رؤيته ولم تفصح عن هويتها.
طلب منها أن تجعلها تدخل. وما دخلت ووقعت عيناه عليه، ردد باستغراب:
أنتي!!!
سرعان ما ردد ساخراً:
خير. ولو إن اللي يجي من وراكي أنتي عمره ما يكون خير أبداً.
جلست على المقعد الموجود أمام مكتبه قائلة بسخرية مماثلة ومكر:
جبت من الآخر. هو أكيد طبعاً مش خير.
أوس بنفاذ صبر وغضب:
اخلصي، مش فاضيلكم. يا تقولي جاية ليه يا أما تطلعي بره.
وضعت قدم فوق الأخرى قائلة باستفزاز:
هدي أعصابك بس... هتحتاجها الفترة الجاية.
ثم تابعت بغمزة وقحة من عينيها قائلة:
عايزاك بخصوص المدام... هي مش بقت مدام برضو ولا إيه؟
هب واقفاً وكاد أن يصرخ عليها. لتوقفه قائلة بسخرية وهي تفتح هاتفها وتضعه أمام وجهه:
قبل ما تتكلم، عايزاك تشوف ده بس وتقولي رأيك.
توسعت عيناه بصدمة وتوقف قلبه عن النبض، بينما يرى فيديو مصور له برفقة زوجته بوضع غير لائق أبداً. قذف الهاتف بالحائط ليتفتت بمئة قطعة قائلاً بغضب ونبرة من الجحيم لا تنكر أبداً أنها ارتاعت منها:
آه يا بن...
كاد أن يصفعها. لتوقفه قائلة بتهديد:
أيدك لتندم. الفيديو ده عندي منه نسخ كتير جداً. بسهولة أوي ممكن أخليه على كل المواقع وينتشر في كل حتة وتبقى فضيحة بجلاجل ليك وللمدام.
قالت الأخيرة بسخرية. ليجذبها من خصلات شعرها بقوة قائلاً بغضب وصدره يعلو ويهبط بانفعال شديد:
هقتلك.
ابتعدت عنه بصعوبة قائلة بتهديد:
غيري هينفذ لو أنا جرالي حاجة... وخد بالك، أوعى تتهور. أصل الموضوع ما يخصكش، بس ده يخص شرفك وشرف المدام!!
توقف للحظات ينظر لها بغضب تحكم به بصعوبة. فتلك الحقيرة محقة. سألها بغضب وهو يجز على أسنانه:
عايزة إيه؟
جلست على مقعدها مرة أخرى، تضع قدماً فوق الأخرى قائلة بغرور وسخرية:
كده تعجبني.
كور قبضة يده بغل. لتتابع هي حديثها قائلة:
تتجوزني!!!
توسعت عيناه بصدمة قائلاً بغضب:
نعم يا روح أمك.
صرخت عليه قائلة بغضب:
احترم نفسك... قولت بلاش غلط.
ثم تابعت بثقة:
هتتجوزني يا أوس وهنروح ع المأذون سوا دلوقتي. إيه رأيك بقى؟
نظرت له قائلة بتهديد:
يا كده يا أما هطلع من هنا وأتفرج ع الفضايح بقى.
صرخ عليها بغل:
ورحمة أمي ما هرحمك.
ابتسمت بسخرية قائلة:
نصيحة مني وافق، أصل مفيش قدامك حل تاني. يا الجواز يا الفضيحة ليك أنت والمدام... ها، قولت إيه؟
في صباح اليوم التالي كان الجميع في عطلة مجتمعين ببهو القصر، عدا أوس الذي اختفى منذ الصباح الباكر. وعندما هاتفه آدم، أخبره أنه بالطريق.
مر وقت قصير وكان أوس يدخل القصر بخطوات مترددة وقلبه يخفق بقوة مما سيحدث الآن. وبجانبه تسير تلك الأفعى بغرور وثقة.
توجهت الأنظار من الجميع عليهم. وكان آدم أول من سأل قائلاً بغضب:
دي بتعمل إيه هنا؟
صمت أوس للحظات قبل أن يقول بصعوبة:
أنا وسارة اتجوزنا!!!!
صوت شهقات من الجميع عم المكان. ليقترب ريان من أوس قائلاً بغضب:
أنت اتجننت ولا إيه... إيه اللي بتقوله ده يا أوس؟
أوس بهدوء يخفي خلفه الكثير، بينما سارة تقف بجانبه تنظر للجميع بثقة وغرور:
اللي سمعته. أنا وسارة اتجوزنا.
قالها وهو يتحاشى النظر للجميع، وخاصة هي. فلو كانت النظرات تقتل لكان سقط صريعاً فور رؤيته نظرة الخزي التي تصوبه نحوه بعينيها.
اقتربت منه وما إن وقفت أمامه مباشرة، سألته:
اتجوزتها ليه؟
أشاح وجهه بعيداً عنها قائلاً بهدوء:
هو الواحد بيتجوز ليه؟
سقطت دموعها واحدة تلو الأخرى قائلة بوجع:
اللي قولته عنك من الأول كان صح... طلعت ممثل شاطر أوي يا أوس.
جاهد كثيراً أن يبقى ثابتاً ولا يجذبها لحضانه يطوقها بين ذراعيه يخبرها أنه فعل ذلك جبراً، لكنه تمالك نفسه.
ابتعدت مهرة للخلف والدوار يهاجمها قائلة بوجع:
أنا ندمانة إني عرفت واحد زيك.
سرعان ما سقطت أرضاً. حملها أوس على الفور لأحد الغرف، والجميع خلفه لا يستوعبون ما فعل!!!
فحصها ريان قائلاً:
أعصابها تعبانة جداً ولازم ترتاح، عطيتها مهدئ، هي نايمة دلوقتي.
جذب آدم أوس من يده بقوة وخرج للخارج وخلفه إخوته قائلاً بهدوء يسبق العاصفة:
أنت إيه اللي عملته ده؟
ليأتيه رد أوس قائلاً ببرود مصطنع:
أنا حر، لا عملت حاجة غلط ولا حاجة حرام. أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله.
صرخ آدم عليه بغضب:
تقوم تتجوز دي؟ ملقتش غير سارة اللي تتجوزها؟ طب واللي عشمتها وحبيتك وربطت اسمها باسمك ووثقت فيك ذنبها إيه؟ طالما أنت زبالة عينك فارغة.
حاجة متخصكش دي، تخصني أنا. طلع نفسك بره الموضوع يا آدم.
نظرت حياة له بعدم تصديق من بروده بالحديث، كأنه لم يحطم قلب فتاة أحبته بصدق. نفس الشيء مع ريان وأمير وآدم. كلاً منهم يشعر بالغيظ الشديد منه. لم يشعر آدم بنفسه سوى ويده تهوى بصفعة قاسية على صدغه، لعلها تجعله يفيق ويعي ما ارتكبه.
خرجت رحمة من غرفة مهرة قائلة ببكاء وعتاب:
كده يا أوس؟ هي دي الأمانة اللي أمنتَك عليها؟ لو مكنتش عايز بنت اختي من الأول وناوي تتجوز عليها، كنت اتجوزتها من الأول ليه؟
اعتدل أوس يتحسس مكان صفعة شقيقه بحزن داخلي. لأول مرة يفعلها بحياته. نظر لهم بجمود ثم غادر الفيلا بأكملها يقود سيارته بغضب شديد.
بينما تلك الحية تقف أعلى الدرج تنظر لما يحدث بانتصار. أخذت توعدهم بالمزيد مرددة بتوعد وشر:
لسه اللي جاي موت أمي مش هيعدي بالساهل. مابقاش سارة لو مدفعتش كل واحد فيهم تمن موت أمها!!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شهد الشوري
حل المساء و هي كما هي غافية على فراشها بعالم آخر تهرب به من الواقع المرير الذي ستستيقظ عليه.
هو أنه قد خذلها!
بجانبها فرح و نوران يقومان بالاعتناء بها.
في منتصف الليل عاد أوس للقصر بعد وقت طويل قضاه بالخارج حتى يهرب من نظرات الجميع والأسئلة التي ستوجه له.
توجه لغرفة مهرة مباشرة وفتح الباب بهدوء ليتفاجأ بفرح ونوران غافيتان على فراش بجانبها.
اقترب منها بحذر وبدون إصدار أي صوت، وما أن وقعت عيناه على وجهها الشاحب شعر بسكين حاد أصاب قلبه.
العاشق لها، لكان ما بيده حيلة اضطر لفعل ذلك.
قبل جبينها هامساً بأذنها بحب واعتذار:
"أنا آسف يا مهرة."
قالها ثم غادر الغرفة بهدوء وبدون إصدار أي صوت.
لكن ما أن صعد لغرفته اشتعلت عيناه بغضب عاصف، ما أن وقعت عيناه على تلك الحقيرة تنام على فراشه بكل ارياحية تشاهد أحد المجلات الخاصة بالأزياء.
اقترب منها جاذباً إياها من على فراشه قائلاً بغضب:
"انتي بتعملي إيه هنا؟"
نزعت يدها من بين يديه قائلة ببرود:
"هكون بعمل إيه يعني؟ هنام."
تمالك نفسه بصعوبة حتى لا يبرحها ضرباً، قائلاً بغضب ونفاذ صبر:
"غوري بره الأوضة وشوفي مكان تاني اتخمدي فيه."
ضحكت قائلة بسخرية:
"طب ما نعكسها أحسن... وتطلع إنت بره."
جلست على الفراش قائلة ببرود:
"أنا مش ناوية أطلع من الأوضة دي. لو إنت عاوز غير كده يبقى تطلع إنت لو تحب... وأه صحيح إيدك لو اترفعت تاني هتندم يا حبيبي."
قالتها ثم جذبت الغطاء على جسدها وتركته يقف يشتعل من الغضب.
خرج من الغرفة بغضب متوجهاً لغرفة أخرى ينام بها.
في صباح اليوم التالي بقصر الجارحي.
استيقظت مهرة لكنها لم تجد أحد بجانبها، وما أن تذكرت ما حدث أمس بكت بقوة.
سرعان ما جففت دموعها وهبت واقفة من على فراشها تجمع ثيابها بحقيبتها الصغيرة وخرجت من غرفتها تنوي مغادرة هذا القصر، فبعد ما فعله بها لن تبقى معه لحظة واحدة.
"رايحة فين؟"
قالها بصدمة وهو يجدها تخرج من غرفتها تحمل بيدها حقيبة ثيابها الصغيرة بوجهها الشاحب وأعين حمراء من كثرة البكاء.
تجاهلته وتوجهت للباب وكادت أن تخرج، لكن بلحظة جذبها من يدها قائلاً بغضب:
"بقولك رايحة فين؟"
صرخت عليه بغضب:
"رايحة في داهية!"
جاء صوت سارة التي تجلس خلفهم على الأريكة الموجودة ببهو القصر تضع قدم فوق الأخرى بغرور قائلة ببرود:
"يبقى أحسن برضه."
تبادلت النظرات بغرور مع مهرة التي تناظرها بشراسة وصدرها يعلو ويهبط بانفعال.
لوهلة شعرت سارة بالخوف منها.
"اطلعي فوق."
قالها أوس بغضب وهو يوجه نظرات حادة غاضبة نحو سارة التي لم تبالي بها.
ابتسمت بدلال قبل أن تقف متوجهة لها تقبل وجنتيه قائلة:
"إنت تأمر يا حبيبي."
بينما هو كان يتابعها وهي تصعد الدرج بغضب، ثم التفت لمهرة التي تنظر له بغضب وخيبة أمل مردداً بهدوء حاول التحلي به:
"مهرة خلينا نتكلم بهدوء وهف..."
"مفيش حاجة تتقال. طلقني!"
قالت مهرة بغضب وهي تدفع يده بعيداً عنها.
"مش هيحصل."
قالها أوس بغضب.
لتصرخ عليه بغضب ودموع هربت من عيناها لم تستطع السيطرة عليها:
"هتعمل بيا إيه تاني بعد ما خدت اللي عاوزه... بس أنا اللي غلطانة إني وثقت فيك وما سمعتش كلامها لما نصحتني أبعد عنك."
"عملت كل التمثيلية دي عشان بس تقرب مني، أوهمتني بحبك اللي مش موجود، خلتني أحبك وانت متستاهلش. رفعتني لسابع سما ورميتني على جدور رقبتي لسابع أرض."
قالتها ببكاء شديد ودموع تغرق وجهها.
نظر لها بأعين تلمع بالدموع لتتابع هي بوجع:
"عملت فيا كده ليه؟"
لم يجيب.
لتدفعه بصدره حتى عاد للخلف عدة خطوات قائلة بقهر وبكاء:
"ليه... رد اتكلم... قول أي حاجة."
وقعت أرضاً قائلة بدموع ورجاء أن يتحدث يخبرها بأي شيء أنه يحبها لم يخدعها:
"دافع عن نفسك."
انحنى نحوها قائلاً بأعين لامعة بالدموع تهدد بالنزول بأي وقت وألم عاصف بقلبه لرؤيتها هكذا:
"لما قربت منك كانت لحظة ضعف مني ومنك، صحيح كان مكتوب كتابنا بس... لكن كنتي مراتي يا مهرة، ورغم إنها كانت أجمل ليلة في حياتي بس هي سبب اللي أنا وإنتي بنعيشه دلوقتي!"
قالها ثم بلحظة حملها بين يديه مستغلاً حالة التيه التي أصابتها وأعادها لغرفتها متوجهاً لخارج القصر مصدراً أوامر بعدم خروجها من القصر تحت أي ظرف كان بدون أوامره.
بعد وقت بشركة الأدم.
دخلت حياة لمكتب أوس ما أن سمح لها بالدخول لتجده يجلس على الأريكة يضع رأسه بين يديه.
اقتربت منه قائلة بحزن:
"أوس."
نظر لها بهدوء مزيف لتجلس بالقرب منه قائلة بحزن وعتاب:
"عملت كده ليه... إيه اللي يخليك توجع مهرة بالشكل ده وتتجوز واحدة زي دي؟"
كاد أن يجيبها برده الذي لم يجد غيره:
"اللي بيتجوز بيتجوز ليه."
ردت عليه بضيق:
"اللي يتجوز على مراته من غير سبب يبقى عينه فارغة، واللي يتجوز على واحدة بعد ما قرب منها ووثقت فيه يبقى ندل وجبان."
اقتربت منه قائلة وهي تدير وجهه الذي أشاح به بعيداً عنها قائلة بثقة:
"بس أنا أخويا مش ندل وجبان ولا عينه فارغة."
سألته برجاء:
"اتكلم يا أوس، إيه اللي جابرك ع الجوازة دي... أنا اختك وهما أخواتك، محدش هيخاف عليك ولا يساعدك زينا."
أشاح وجهه مرة أخرى وهو يبتلع غصة مريرة بحلقه لتعود وتدير وجهه تجاهه قائلة بعتاب:
"من إمتى بنخبي على بعض حاجة... مش اتعاهدنا إحنا الخمسة عمر ما حد يكدب ع التاني وإن نفضل ضهرنا في ضهر بعض ونفضل سند لبعض طول العمر، بتخلف بالعهد ليه؟"
نطق اسمها بتوسل:
"حياة كفاية."
نفت برأسها قائلة بتصميم:
"اتكلم يا أوس... إيه اللي جابرك، حصل إيه عشان تربط اسمك باسمها؟"
دخل أدم وريان وأمير بتلك اللحظة لينظر لهم بصمت لعدة لحظات قبل أن يتنهد بحزن يخبرهم بما حدث اليومان الماضيان.
"غبي!"
قالها أدم بغضب وهو يلكم أوس بقوة بعدما استمع لكل ما قال.
أمسكه من مقدمة ثيابه قائلاً بغضب وغيظ:
"غبي عشان خبيت علينا حاجة زي دي ونسيت إننا أخواتك، محدش هيقف جنبك ويساعدك قدنا."
"دي مراتك يعني محدش ليه عندك حاجة."
قالها ريان بعتاب.
صرخ أوس عليهم بغضب قائلاً:
"كنت عايزني أقولكم إيه؟ الموضوع يخص شرف مراتي وشرفي."
ركل المقعد الموجود أمام المكتب قائلاً بغضب:
"فيديو زي ده لو اتنشر مراتي جسمها اللي هيتعرى وسط الناس كلها، الموضوع لو كان يخصني أنا مش مهم، لكن ده يخصها هي قبلي."
ثم تابع بغضب وصدره يعلو ويهبط بانفعال:
"مين قال إن كنت مكنتش هقولكم؟ الزبالة دي هددتني إني ما أتكلمش وسكت مضطر، مش بإيدي."
صمت عم المكان بعد ما قال لم يقطعه سوى صوت حياة قائلة بتساؤل:
"إزاي فيديو زي ده اتصور؟ أكيد في كاميرات متركبة في أوضتك، والأكيد إن اللي ركبها حد من جوه الفيلا."
"مظبوط."
وافقها أمير على ما يقول.
"لازم نتأكد إن مفيش كاميرات تانية جوه الأوض في القصر."
قالها أدم بضيق.
"بس هنعرف الشخص ده إزاي وهنعرف إذا كان ركب في باقي الأوض ولا لأ؟"
قال ريان بتساؤل.
تنهد أدم قائلاً بتعب من كم المشاكل التي تأتي وراء بعضها:
"لو وصلنا للشخص اللي جوه القصر وعمل كده ساعتها هنعرف إذا كان ركب في أوض إيه بالظبط."
"كل اللي شغالين هنا موجودين من زمان وواثقين فيهم، مين منهم ممكن يعمل كده؟"
قالت حياة بحيرة.
"نسينا كمان حاجة مهمة وسط اللي حصل الفترة اللي فاتت كلها."
قال أوس بتفكير.
نظر له الأربعة بعدم فهم ليتابع قائلاً بتفكير:
"مين اللي دخل ثريا القصر وهو كله متأمن، محدش هيدخل ويطلع كده بالساهل."
"إلا إذا كان حد من جوه القصر ساعدها."
قالت حياة بتفكير.
صمت عم المكان لدقائق قطعه أدم قائلاً بتذكر:
"فاكرين يوم ما ثريا ضربت نار عليكم؟"
أومأ له الجميع ليتابع حديثه قائلاً:
"يومها شوفت واحدة قريبة..."
ثم قص عليهم تلك ما حدث يومها وتلك الخادمة التي أخبرته أنها خالتها وتعمل معهم بالقصر من اليوم.
ما أن انتهى بعد وقت قصير من التفكير، أجمع الخمسة على ذلك الحل!
بعد وقت.
بأحد المخازن التابعة لعائلة الجارحي.
كانت تلك الخادمة التي تدعى (أماني) مقيدة بالأصفاد وملقاة أرضاً على الأرض ترتجف من شدة الخوف.
مرت دقائق ودخل الخمسة من باب المخزن متوجهين نحوها لتقول بخوف:
"أدم باشا فيه إيه؟ أنا معملتش حاجة... أنا هنا ليه؟"
"انتي اللي ساعدتي ثريا تدخل القصر وإنتي اللي ساعدتيهم يركبوا كاميرات في الأوض."
قالها أوس بغضب.
نفت برأسها عدة مرات قائلة بخوف:
"محصلش يا باشا أنا مش ممكن أعمل كده."
"الكاميرات صورتك وإنتي بتساعديهم."
قالها أدم بغضب ومكر.
"ما تنطقي يا ب..."
قالها أوس بغضب.
انتفضت مكانها بخوف قائلة:
"هقول كل حاجة أعرفها بس ارحمني يا باشا أبوس إيدك... ارحمني."
تبادل الخمسة النظرات فالقصر من الداخل لا يوجد به كاميرات، ما قاله أوس فقط حتى يوقعها بالحديث.
نظر لها الخمسة بانتباه وهي تقول ببكاء وخوف:
"أول مرة كنت أنا اللي دخلت الست ثريا القصر على أساس إنها خالتي وإنها خرسا."
"مقابل إيه؟"
قال أمير باحتقار.
أجابته بخوف وبكاء:
"الست ثريا كانت قالت لي إنها هتعطيني شقة تمليك عشان أتجوز فيها وكمان مبلغ مش كبير."
ثم تابعت وهي تتراجع بجسدها للخلف بخوف من نظراتها المشتعلة من الغضب:
"بس حصل اللي حصل والست ثريا ماتت ومعرفتش آخد حقي. بعدها بفترة أسبوعين تقريباً لقيت الست سارة بتكلمني وبتقولي إنها هتعطيني اللي اتفقت عليه مع الست ثريا وفوقيهم عشرين ألف جنيه مقابل إني أدخلها القصر لحد أوضكم."
ثم تابعت وهي تبتلع ريقها بخوف:
"ادتني اللي اتفقنا عليه ودخلتها القصر واتفاجأت بيها بتركب كاميرات في أوضة أوس باشا أول أوضة بدأت فيها، ولما كنا هنكمل في باقي الأوض الست مهرة وفرح دخلوا القصر فطلعتها بسرعة من الباب اللي ورا قبل ما حد يجي على أساس إنها تيجي تركب الباقي بكرة بس مجتش ولا كلمتني خالص."
"يعني هي ركبت في أوضة أوس بس كاميرات؟"
قال ريان بغضب.
أومأت له عدة مرات بنعم ليشير أدم لأحد رجاله الذي أخذها من أمامه لتلك الغرفة، وسرعان ما تعالى صراخها بعدما قام بإصدار أوامر لرجاله بالمجيء بنساء حتى يبرحوها ضرباً.
لم يكتف بذلك بل قام بحرق منزلها الذي تحصلت عليه من سارة بأكمله حتى أصبح رماداً، وصادر الأموال التي كانت أخذتهم وأحرقهم أمام عينيها.
كانت تخرج من جامعتها لتتفاجأ به أمامها قائلاً بابتسامة حب:
"وحشتيني."
ابتسمت بخفوت قائلة بتساؤل:
"جاي ليه؟"
ضحك بخفوت قائلاً بابتسامته الجذابة:
"ما قولتلك وحشتني وجيت أشوفك."
ابتسمت بخجل، أشار بيده نحو سيارتها حتى تصعد معه، ابتسمت وصعدت للسيارة وهو خلف عجلة القيادة، وقبل أن يقود أوقفته قائلة بابتسامة:
"عربيتي هنا وعندي كذا مشوار هروحه."
"طب ركبتي ليه؟"
قالها.
ابتسمت قائلة بهدوء:
"مش هنتكلم في الشارع يعني."
أومأ لها بصمت ثم سألها:
"هتروحي فين؟"
توترت وحاولت أن تخفي ذلك قائلة:
"الشركة وكمان هخرج أنا وزينة."
أومأ لها ولا يدري لما توترت من سؤاله.
التقط يدها بين يديه ثم قبلها بحب.
سرعان ما جذبتها من بين يديه بتوتر وخجل.
تنهد بعمق يسألها ذلك السؤال الذي حيره:
"تهربي مني ليه يا حياة... ليه بحس إنك عاوزة تقولي الكلمة اللي نفسي أسمعها منك بس بشوف في عينك تردد وخوف."
ابتلعت ريقها بتوتر ليسألها بحزن:
"ليه خايفة مني... أنا بحبك."
تنهدت بعمق قبل أن تردد بحذر وحزن:
"الحب لوحده مش كفاية، مينفعش أدخل في ارتباط مبني على حب بس وأتجاهل الباقي."
"اللي هو؟"
قالها.
لم تجيب ليحثها على الحديث قائلاً:
"اتكلمي... قولي اللي جواكي."
نظرت له قائلة برجاء:
"مش عايزة أتكلم دلوقتي... وقت لما أكون جاهزة أتكلم هتكلم معاك بس عاوزة شوية وقت ممكن."
ابتسم بحزن ثم أومأ برأسه قائلاً:
"ممكن."
دار بينهم حديث قصير، وقبل أن تغادر سيارته أوقفه واضعاً تلك الوردة الحمراء خلف أذنها قائلاً بابتسامة وحب:
"بحبك."
منحته ابتسامة خجلة قبل أن تغادر بسيارتها نحو طبيبها النفسي، وهو ينظر لأثرها بحب ثم انطلق بسيارته عائداً لعمله.
بعيادة الطبيب النفسي عمر أبو زيد.
خطت حياة لداخل مكتبه بعدما سمح لها بالدخول، بعد أن تبادلت معه التحية جلست على المقعد الموجود أمام مكتبه ليسألها بابتسامة وتساؤل:
"ميعاد الجلسة بتاعتك بعد تلات أيام لسه مش دلوقتي؟"
أومأت له قائلة:
"عارفة بس كنت محتاجة أتكلم مع حد في مشكلة إني جيت بدري عن ميعادي."
نفى برأسه قائلاً بنفس الابتسامة:
"لا أبداً تحت أمرك في أي وقت."
شكرته ثم أطلقت تنهيدة عميقة وبدأت تقص عليه علاقتها ببدر وإلياس وما حدث مؤخراً، وما أن انتهت سألها وهو يتابع حديثها باهتمام وتركيز:
"إنتي بتحسي ناحية كل واحد فيهم بإيه؟"
أجابته وهي تنظر للفراغ بشرود:
"مع إلياس في مشاعر حب بس حب معاه خوف!"
"خوف من إيه؟"
قالها.
تنهدت بعمق قبل أن تبوح بكل ما بداخلها:
"بشوف فيه يوسف العمري، كل تصرفاته بتحسسني بخوف... خوف من إني أكون نسخة تانية من ماما، عصبيته... تهوره... تلميحاته ونظراته اللي بشوف فيها شك إن أخلاقي وحشة عشان أنا بنتها. جوايا حب ليه بس لو قبلت الحب ده وقبلت بيه معناها إني هفضل طول عمري عايشة في خوف."
"طب وبدر؟"
قالها.
ابتسمت قائلة:
"عيونه دايماً بشوف فيها حب وأمان، هو حنين أوي ودمه خفيف يدخل القلب طول، بحسه أب وأخ وصديق، بحس معاه بأمان، مش بحسه مع إلياس، يعني برتاح معاه في الكلام، مع إلياس ببقى عاملة حساب لكل كلمة تطلع مني، بس معاه بتصرف بتلقائية عفوية بقول كل اللي جوايا، بحس إنه بيفهمني أكتر من نفسي، رغم إني ما قبلتوش غير من فترة صغيرة."
سألها بهدوء:
"معندكيش ثقة في إلياس عشان كده بتتكلمي معاه بحساب وحذر؟"
ابتسمت بسخرية قائلة:
"لو أنا حكيت لبدر اللي بقوله ليك هيسمعني، بس إلياس هيغضب ويثور."
"مش يمكن من غيرته عليكي وبدر مش بيغير عليكي... بيقولوا الغيرة دليل الحب؟"
قالها.
نظرت له قائلة بحزن:
"بدر بيغير وبشوف ده في عينه، بس بيسمعني بيتحكم في نفسه عشان ميأذينيش بكلمة، لكن إلياس بحس بخوف إنه يفهمني غلط لو فضفضت معاه وقولتله ع اللي جوايا."
"يعني بتحبي بدر؟"
قالها.
تنهدت بعمق قبل أن ترد عليه قائلة بحزن:
"بحب الأمان اللي بحسه مع بدر وبكره الخوف اللي بحسه تجاه إلياس، لأني حاسة بحب ناحيته ومش عاوزة أحس بخوف معاه."
ابتسم قائلاً بتفهم:
"يعني عاوزة الأمان اللي بتحسيه مع بدر يكون موجود مع إلياس."
أومأت له بصمت ليتابع هو:
"اللي بيحب حد بيحبه بعيوبه."
تنهدت بحزن قائلة:
"يمكن لو مكنش حصل اللي حصل معايا زمان وال حادثة دي حصلت كنت هحب إلياس زي ما هو من غير خوف، كنت هحبه بعيوبه."
أغمضت عيناها بحزن متابعة:
"بس أنا عيشت وجع كتير مش عايزة أجازف وأعيش وجع جديد."
ابتسم قائلاً:
"محتاجة قاعدة مصارحة مع إلياس."
سألته بتعجب:
"قصدك إيه؟"
ابتسم مرة أخرى قائلاً بهدوء:
"تقعدي مع إلياس وتتكلمي معاه، احكيله عن مخاوفك منه، قوليله باللي بتحسي بيه، فهميه إنك محتاجة منك يطمنك وإنك بتحبيه، قوليله كل اللي جواكي..."
قاطعته قائلة بنفي:
"مقدرش أقوله."
سألها بتعجب:
"ليه؟"
ابتلعت ريقها قائلة بتوتر:
"مش حابة أكون ضعيفة في نظره."
ابتسم قائلاً بتفهم:
"عايزة تفضلي دايماً قوية في نظره عشان ميفكرش يأذيكي أبداً زي ما والدك عمل مع والدتك اللي على حسب كلامك كانت شخصيتها ضعيفة."
أومأت له بنعم ليتابع حديثه قائلاً بابتسامة:
"إنك تفضلي في نظره قوية عشان تستمر العلاقة ده غلط، العلاقة اللي مبنية ع الحب والتفاهم بين الاتنين وغير كده فيها الأمان قبل أي حاجة هي اللي بتستمر... تفكيرك غلط."
سألها مرة أخرى:
"متأكدة شعورك نحو إلياس حب؟"
توترت ليسألها مرة أخرى:
"بتحبي إلياس من إمتى؟"
أغمضت عيناها ثم أخذت نفس عميق قبل أن تتحدث قائلة:
"لما كنا صغيرين كنت دايماً بفكر فيه، كنا دايماً بنلعب مع بعض وكان قريب مني، أول ما بعدت عنه وعن كل اللي في القصر فضلت أفكر فيه كتير وفضل التفكير ده ملازمني لحد ما كبرت وعرفت إن اللي جوايا من ناحيته حب."
ابتسم قائلاً:
"مش كل حب طفولة لازم يكون حقيقي ويستمر، ومش عشان بتفكري فيه كتير يبقى بتحبيه، وارد جداً يكون شعورك ناحيته تعود مش حب، اتعودتي إنك تفكري فيه هو بس ترجمتي كل ده بأنه حب وهو مش أكتر من تعود أو وهم حب مفكرة إنك حاسة بيه."
نفت برأسها وكادت أن تتحدث ليقاطعها قائلاً:
"زي ما قولتلك لازم تقعدي مع إلياس وتتكلموا."
صمتت للحظات ثم أومات برأسها بنعم ثم غادرت بعد أن أوصاها هو ببعض الأشياء.
كانت حياة تدخل من باب القصر بيدها تلك الوردة الحمراء وعلى شفتيها ابتسامة جميلة اختفت ما أن ظهرت سارة أمامها من العدم، وقد خمنت أن تلك الوردة والابتسامة التي على وجهها سببها إلياس!
اقتربت بوجهها من حياة قائلة بتوعد:
"ابعدي عن إلياس بالذوق بدل ما يكون بالعافية."
ضحكت حياة قائلة بسخرية:
"تؤ تؤ حاطة عينك على واحد تاني وإنتي متجوزة، بس الأخلاق دي مش هستغربها أصلها كان في السيد الوالد والوالدة."
ابتسمت سارة بغل قائلة:
"طالما عارفة أخلاقهم كويس بقى."
مالت على أذنها قائلة بشر:
"خافي مني عشان زي ما ثريا ومحسن زمان قدروا يدمروا حياتكم وقدروا يخلوا أبوكم يتخلى عنك ويطردكم من حياته ويقتلوا أمكم."
ابتعدت عنها قائلة بتوعد وحقد:
"مش بعيد بنتهم تعمل الأسوأ... اعتبريني ثريا التانية بس على أسوأ."
ضحكت حياة بقوة دون توقف، تصرخ عليها الأخرى قائلة بغيظ:
"إيه اللي بيضحك في اللي بقوله؟"
حياة بثقة واستهزاء وعيناها تطالع سارة من رأسها لقدمها:
"أصلك نسيتي إن ثريا كانت نهايتها الموت وعلى إيد واحد منا."
ثم مالت على أذنها قائلة بثقة:
"فخافي إنتي بقى يا حلوة."
قالتها ثم غادرت وصعدت لأعلى وتركت الأخرى خلفها تتأكل من شدة الغضب والغيظ.
بمستشفى الجارحي.
يعاد نفس ما حدث المرة الماضية، تقف برفقة ذلك الطبيب الشاب وتبتسم ولم تعير أي أهمية لما قال المرة الماضية، لكن تلك المرة جذبها من يدها بعنف لغرفة مكتبه دون أي حديث قائلاً بغضب بعد أن أغلق الباب خلفه:
"أنا مش قولت متقفيش مع الزفت ده تاني."
ردت عليه بغضب:
"بس أنا قولتلك كمان ملكش دعوة... أنا حرة."
ارتفع صدره وهبط بانفعال قائلاً بحدة:
"إنتي عاوزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده؟"
نظرت له بغضب قائلة:
"قصدك إيه؟"
ابتسم بسخرية قائلاً بقسوة حتى تكف عن أفعالها تلك التي يعلم تمام العلم أنها تفعلها لتجعله يغار ويفصح عن ما بقلبه، يعلم أنها ليست من هؤلاء الفتيات التي يرافقن الشباب:
"يعني مش عاوزة تلفتي نظري ليكي عشان كده بتعملي اللي بتعمليه ده."
ثم تابع بقسوة وكلمات أشعرتها بالإهانة الشديد بل حطمت قلبها:
"بس كده إنتي اللي هتبقي خسرانة لأنك كده مش بتلفتي نظري، كده إنتي هتبقي في نظري واحدة مش تمام ما..."
قاطع حديثه صفعة هوت على صدغه بقوة من يدها قبل أن تغادر مكتبه بل المستشفى بأكملها ودموعها تغرق وجهها.
تنهد بحزن وقلبه يؤلمه على ما قاله لها، غادر المستشفى هو الآخر متوجهاً للقصر.
كانت حياة تخرج من غرفتها الملاصقة لغرفة ريان ما أن استمعت لصوت تحطيم شيء، طرقت الباب بقلق وما أن سمح لها بالدخول دخلت لتقع عيناها على مزهرية ملقاة أرضاً يبدو أنه ألقاها ليفرغ بها غضبه.
ابتسمت بزاوية شفتيها فتلك العادة تمتلكها هي وإخوانها.
اقتربت تجلس بجانبه على الفراش تسأله بهدوء:
"مالك... إيه اللي مضايقك؟"
استلقى بجسده على الفراش واضعاً رأسه على قدمها ثم أطلق تنهيدة حزينة مردداً بحزن:
"قولتلها كلام يوجع غصب عني... كنت عاوزها تبعد عني وتبطل اللي بتعمله ده، لأن هي مش كده. أنا غلط معاها أوي يا حياة... وجعتها."
تنهدت بحزن قائلة وهي تمرر يدها بخصلات شعره:
"عايز تبعدها عنك ليه؟"
جاءها رده على الفور قائلاً بحزن:
"عشان هي تستاهل الأحسن مني."
ابتسمت قائلة وهي تربت كتفه:
"محدش قالك تختارلها."
نظر لتتابع هي قائلة بابتسامة وتشجيع:
"ندا مش صغيرة وواعية وعارفة هي بتعمل إيه وعارفة كمان اللي حصل زمان، ومع ذلك عايزاك وبتقرب منك، لكن إنت اللي بتبعدها."
تفاجأ من معرفتها بأن تلك الفتاة التي يعشقها هي ندا ابنة عمهم، لكنه تجاهل السؤال عن كيف عرفت.
ربتت على وجنته قائلة:
"إنت اللي بتعمل في نفسك كده وبتوجع نفسك عشان أوهاام السعادة قدامك، مش ناقص بس غير إنك تمد إيدك ليها وتطلع المخاوف دي من جواك."
قاطعته قائلة بهدوء:
"ما تفترضش، طول ما إنت بتتوقع الوحش هيحصل."
ثم أكدت على حديثها قائلة بهدوء:
"وأشقى الناس من يتوقع الشقاء وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به، ولا من مستقبله ما الله قاض فيه."
تنهد قائلاً:
"ونعم بالله."
مررت يدها بخصلات شعره قائلة بابتسامة:
"روح قولها إنه مكنش قصدك وإنك بتحبها، احكيلها اللي جواك وعيش النهاردة ومتفكرش في بكرة، الحقها قبل ما تضيع من إيدك."
أومأ لها بابتسامة ثم قبل يدها وغادر الغرفة بل القصر بأكمله متوجهاً حيث هي، بينما حياة خرجت من غرفته متوجهة لغرفتها تحاول أن تذاكر محاضرتها بوسط تلك المشاكل التي لا تنتهي.
ابتسمت بسخرية ما أن تذكرت إخوانها ومشاكلهم مع الحب، كذلك هي وأدهم وما فعله بهنا بعدما عرفت من جدها ما حدث لوالدها وفعله بوالدتها.
أغلب المشاكل التي يمروا بها سببها شيء واحد فقط... الحب!
في المساء بخطوات حذرة وسط الظلام كان ذلك الشخص يمشي بحذر شديد وعلى أطراف أصابعه بداخل تلك الغرفة.
متوجهاً بحذر نحو تلك التي تنام على الفراش، وبلحظة كان يخرج تلك الزجاجة البيضاء ينثر رزازها أمام وجهها حتى أصبحت مخدرة!
رواية ضحايا الماضي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شهد الشوري
في المساء بخطوات حذرة وسط الظلام كان ذلك الشخص يمشي بحذر شديد و على أطراف أصابعه بداخل تلك الغرفة.
متوجهًا بحذر نحو التي تنام على الفراش وبلحظة كان يخرج تلك الزجاجة البيضاء ينثر رزازها أمام وجهها حتى أصبحت مخدرة، ثم حملها بين يديه مغادرًا الغرفة بدون إصدار أي صوت وخرج من القصر بأكمله، ولم يكن سوى أوس الذي يحمل بين يديه مهرة.
بعد وقت كانت تدخل من باب الفيلا القديمة حيث كان يقيم مع إخوانه قبلًا، ثم وضعها على الأريكة وفعل ما قاله ريان له حتى تفيق، وبالفعل استعادت وعيها وبدأت تفتح عيناها ببطء، وما إن وقعت عيناها عليه انتفضت قائلة بغضب:
"انت بتعمل إيه هنا؟"
أوس برجاء:
"مهرة حبيبتي عشان خاطري اهدي وهفهمك كل حاجة... بس اهدي."
نظرت حولها لتسأله بصدمة وهي تدفعه بعيدًا عنها ثم هبت واقفة قائلة بذهول:
"أنا إيه اللي جابني هنا؟!"
أوس بهدوء:
"أنا."
نظرت له بغضب وبخطوات غاضبة توجهت نحو الباب حتى تغادر، لكنه أوقفها قائلاً برجاء:
"مهرة عشان خاطري اسمعيني وهفهمك كل حاجة، مفيش وقت صدقيني. أنا عمري ما أفكر أوجعك."
دفعت يده بعيدًا عنها قائلة بغضب:
"انت ما فكرتش، انت عملت! يا خسارة حبي ليك والثقة اللي وثقتها فيك، وانت متستاهلش. أنا بكرهك يا أوس... وعمري ما هسامحك."
تنهد بحزن قائلاً:
"غصب عني ومش بأيدي، صدقيني أنا مستحيل أتجوز عليكي و..."
قاطعته قائلة بغضب:
"اومال الزبالة اللي جبتها البيت ووقفت قدام الكل وقولت دي مراتي تبقى مين... مراة أبويا يعني؟"
نفى برأسه قائلاً:
"مش مراتي، والله مش مراتي. لا كانت ولا هتكون، لا هي ولا غيرها!"
نظرت له بصدمة ليجذبها من يدها متوجهًا للأريكة، ثم جلس وهي بجانبه وبدأ يقص عليها ما حدث وهي تستمع له بأعين متوسعة من الصدمة:
"ده كل اللي حصل، ولما قالتلي إنها عايزاني أتجوزها قولتلها بكرة نروح للمأذون. في اليوم ده قدرت أظبط مع واحد عمل إنه مأذون واتنين شهود ووكيل ليها بأرقام بطايق أي كلام."
ثم تابع بحزن وهو يحاوط وجهها بين يديه:
"مقدرتش أتجوزها حقيقي وأربط اسمي بواحدة غيرك يا مهرة، وقولت أسايرها بس."
بكت مهرة بقوة وهو يحاول تهدئتها قائلاً:
"مهرة حبيبتي بطلي عياط، والله لأدفعها تمن ده كله غالي. سامحيني على كل اللي بيحصل ده، مش بأيدي، غصب عني يا حبيبتي."
سألته بقلق:
"هتعمل معاها إيه؟"
تنهد بعمق ثم بدأ يقص عليها ما سيحدث الأيام المقبلة، وما انتهى سألته بحزن:
"المشاكل مش هتخلص بقى يا أوس؟ اللي حصل ده غلطنا من البداية، لو ما كنتش أنت ضعفت وأنا كمان ما كان كل ده حصل."
تنهد بحزن ثم اقترب منها مقبلًا جبينها بحب:
"وعد مني كل المشاكل دي هتخلص وهطلعها بره حياتنا، بس زي ما قولتلك متبينيش قدام حد إنك تعرفي حاجة. أنا بالنسبة ليكي الزوج الشرير اللي اتجوز على مراته."
ضحكت مهرة بخفوت ليبتسم هو الآخر مقتربًا منها يود تقبيلها، لتدفعه بعيدًا عنها قبل أن تهب واقفة قائلة بغضب طفولي:
"انت في إيه ولا في إيه؟ وبعدين محرمتش من اللي بيحصلنا ده؟"
ضحك قائلاً ببراءة:
"أبدا يا روحي، دي بوسة بريئة."
ضحكت بسخرية قائلة:
"آه ما أنا عارفة... يلا خلينا نمشي، مش بتقول مفيش وقت."
ضحك بقوة وذهب وهي خلفه، ثم عادا للقصر من جديد، وكاد أن يصعد الدرج بعدما أوصل مهرة لغرفتها ليجد أدم أمامه مشيرًا له بيده أنه بمعنى تم.
ليصعد أوس لغرفة ريان، فهو لن يفعلها وينام بجوار تلك الحقيرة التي تنام بعمق غافلة عما ينتظرها.
في صباح اليوم التالي
بقصر العمري كان يوسف يجلس ببهو القصر برفقة جمال ومازن وإلياس يتناقشون بالعمل، ويوسف يجلس معهم بذهن شارد، تعالى رنين جرس المنزل.
فتحت الخادمة الباب لتقع أعين يوسف على ريان ليهب واقفًا على الفور وبخطوات واهنة فهو لا يزال مريضًا، اقترب منه قائلاً بلهفة:
"ريان... ازيك يا بني."
لكن ريان أدار وجهه بعيدًا عنه ينظر صوب جمال قائلاً بجدية:
"عمي كنت عاوز اتكلم مع حضرتك في موضوع لوحدنا لو سمحت."
اخفض يوسف وجهه بحزن وندم وهو يرى ابنه كيف أدار وجهه بعيدًا عنه ينفر من رؤيته.
ابتسم جمال قائلاً:
"أكيد يا بني، تعالى نتكلم في المكتب."
قاده للداخل وما إن أغلق الباب جلس الاثنان على الأريكة الجلدية السوداء الموجودة بأحد زوايا الغرفة، ليبدأ ريان بالحديث قائلاً بجدية:
"من غير لف ولا دوران، أنا عاوز أتجوز ندا بنت حضرتك."
نظر جمال له مصدومًا مما قال، فهو لم يتوقع طلب كهذا، بقى صامتًا لدقائق ثم سأله بهدوء:
"اشمعنا بنتي؟"
ريان بهدوء وصدق استشعره جمال:
"بحبها."
جمال بتردد:
"أيوه... بس يا بني هي لسه بتدرس و..."
قاطعه ريان قائلاً بهدوئه المعتاد:
"في العموم حضرتك موافق ولا لأ على مبدأ."
جوازي منها.
جمال بابتسامة:
"أكيد موافق يا بني، هو أنا هلاقي أحسن منك فين لبنتي، بس الرأي الأول والأخير ليها."
أومأ له ريان برأسه بهدوء ليتابع جمال حديثه مرددًا:
"هسألها وأشوف رأيها وأرد عليك."
ريان بجدية:
"طب ممكن أتكلم معاها عشر دقايق قبل ما أفاتحها في الموضوع؟"
صمت جمال للحظات ثم أومأ له بنعم وخرج برفقة ريان للخارج قائلاً لندا التي نزلت من غرفتها لتوها:
"ندا."
نظرت لوالدها وأخذت تنقل نظرها نحوه ونحو ريان متعجبة من وجوده... ليتابع جمال حديثه بجدية:
"خدي ريان المكتب، هو عايز يتكلم معاكي."
رفضت قائلة:
"بس يا بابا أنا متأخرة و..."
تدخل ريان بالحديث قائلاً بهدوء وقد توقع رفضها:
مش هاخد من وقتك غير خمس دقايق.
دخل المكتب و هو خلفها، بعد أن زفرت بضيق لتظهر له بأنه فعل ذلك مرغمة، بينما هي بداخلها يأكلها الفضول لتعرف بما يريد أن يتحدث معها.
كان إلياس ومازن يريدان الاعتراض، لكن اضطرا للصمت بعد نظرة جمال المحذرة لهما. وما إن دخلت ندا للمكتب وخلفها ريان، الذي ترك الباب مفتوحًا قليلًا ولم يغلقه بالكامل.
سأل يوسف جمال بلهفة:
في إيه يا جمال؟ ريان عاوزك في إيه؟
جمال بهدوء:
ريان عاوز يتجوز ندا.
ردد الجميع معًا بصدمة:
يتجوزها!!!
مازن برفض:
مستحيل يا بابا…. مستحيل أوافق أجوزه أختي!!!
جمال بتعجب:
مش موافق ليه؟
مازن بضيق:
ليه ميكونش عايز ينتقم مننا فيها؟
جمال بسخرية:
انت كنت عملتله حاجة عشان ينتقم منك؟
إلياس بضيق:
أنا كمان مش موافق يا بابا.
جمال بتساؤل:
وحضرتك رافض ليه؟
إلياس بضيق وبعد صمت للحظات:
خايف عليها منه يا بابا. ورأيي من مازن مش عايز أدخلها في الدوامة دي كمان. ندا تستاهل تعيش أحسن وحياة هادية بعيد عن…
تدخل يوسف بالحديث مدافعًا عن ريان قائلًا بسخرية وحدة، كاشفًا عن معرفته بسعي إلياس الدائم وتقربه من حياة ابنته:
إذا كان كده رايح ترمي أنت نفسك ليه في الدوامة دي؟ بتجري ورا حياة ليه.
بينما جمال أيد ما قال يوسف:
هو معملش زيك ليه؟ مع إن شعوره من ناحيتك يخوف أكتر. وألف سبب وسبب يمنعه يجوزك أخته.
جمال بصرامة:
أنا عن نفسي موافق عليه، واختك لو وافقت وهي حرة في قرارها يبقى محدش ليه إنه يتدخل.
ثم تابع بنبرة غير قابلة للنقاش:
لما تبقوا تقولوا سبب مقنع لرفضه، ساعتها نبقى نشوف. لكن بالأسباب التافهة دي يبقى احتفظ برأيك لنفسك أنت وهو.
***
بينما بداخل غرفة المكتب، كانت ندا تضم يدها أمام صدرها وهي تنظر لكل مكان بالغرفة عداه.
بينما هو تنهد بحزن وألم وهو يرى عيناها الحمراء والمنتفخة من البكاء، ليدرك على الفور أنه سبب ذلك.
تنهد بعمق قبل أن ينطق اسمها حتى تنظر له:
ندا.
نظرت له قائلة بسخرية:
عايز إيه؟ مش كفاية اللي قولته في المستشفى، جاي تكمل إهانة هنا كمان.
نظر لها قائائلًا بأسف وحزن:
حقك عليا. أنا آسف.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ليتابع هو حديثه قائلًا بحب صادق:
أنتي حلوة أوي يا ندا. حلوة من جوه ومن بره.
نظرت له، ليتابع هو بحزن:
كنت شايف إنك تستاهلي الأحسن مني بكتير، عشان كده كنت ببعدك عني. لأني مش عاوزك تتوجعي في يوم بسببي. خايف عليكي وبحبك أوي. أنا في حياتي كلها محبتش ولا هحب غيرك. مش من ساعة ما دخلنا القصر ده.
تنهد بعمق متابعًا حديثه:
لا، من زمان أوي. من يوم ما كنا عيال… حتى وأنا في بلد تانية عمرك ما غيبتي عن عيني.
سألته بحزن:
ليه كنت بتهرب مني؟ وخايف عليا من إيه؟
ابتسم قائلًا بحزن:
من نفسي. اللي حصل زمان مش سهل أنساه ولا سهل أكمل حياتي كأنه محصلش. اللي حصل زمان زي ما تقولي سبب عقدة خوف جوه كل واحد فينا، إحنا الخمسة.
نظرت له قائلة بسخرية:
طب ودلوقتي جيت ليه؟ مش خايف عليا؟
ابتسم قائلًا بهدوء:
اللي جابني إني مش هقدر أشوفك بتضيعي مني وتبقى لغيري. مش هقدر أستحملها ولا هقدر أعيش حياتي من غيرك. وعشان أكون صريح أكتر، حياة اللي شجعتني آخد الخطوة دي وأبعد أي خوف. قالت لي محدش قالك تختار لها، احكيلها وهي اللي تقرر. مش أنت.
نظرت له قائلة بسخرية:
بتفهم.
نظر لها قائلًا برفعة حاجب:
قصدك إني ما بفهمش.
أومأت له قائلة:
أيوه… هي صح. محدش قالك تختار لي. أنا…
نظر لها متلهفًا لسماع إجابتها قائلًا:
إنتي.
لتفاجئه عندما وقفت قائلة بهدوء قبل أن تغادر غرفة المكتب سريعًا:
هيوصلك ردي مع بابا!!
صعدت لغرفتها مباشرة وهي تبتسم على ما فعلت به، بينما هو أخذ يغمغم بكلمات غير مفهومة تدل على ضيقه مما فعلت. خرج لهم ثم وقف أمام جمال قائلًا بهدوء قبل أن يغادر:
مستني ردك يا عمي… عن إذنك.
أوقفـته فرحة قائلة بابتسامة حنونة:
استنى بس يا بني نفطر سوا.
رفض قائلًا بتهذيب:
مرة تانية إن شاء الله. ورايا مشوار مهم.
ألقى نظرة عابرة على يوسف الذي ينظر له بحزن، لكنه لم يبالي وغادر القصر على الفور، متأملًا سماع ردها بأقرب وقت.
***
على الناحية الأخرى بمحافظة أخرى، حيث تقيم هنا برفقة عمتها، كانت حياة تجلس برفقة هنا بعد وقت من الترحيب وتبادل السلام.
حياة بهدوء:
عرفت إن أدهم طلقك، وعرفـت كمان اللي حصل بينكم وسبب معاملته ليكي.
اخفضت هنا وجهها بحزن ووجع، لتزفر حياة بضيق قائلة بجدية:
ارفعي راسك.
فعلت هنا ما قالت، لتنظر لها حياة قائلة بجدية:
بلاش الضعف اللي أنتِ فيه ده. اللي حصل مش نهاية العالم. هتفضلي قاعدة تعيطي وتندبي حظك… قومي شوفي حياتك ودراستك اللي أهملتيها. الامتحانات قربت. بلاش تخسري كله وتضيعي سنة من عمرك. قومي وواقفـي على رجليكي. خليه يشوف إنك قوية ومفيش حاجة تكسرك، وخذي حقك منه!!
تنهدت بعمق ثم تابعت حديثها قائلة:
طول ما أنتِ شايفة نفسك ضعيفة، الناس هتشوفك كده… ضعيفة.
ابتسمت هنا بمرارة قائلة بحزن:
عايزاني آخد حقي إزاي؟
نظرت لها حياة للحظات قبل أن تقول بجدية:
خليه يندم ويحفر وراكِ ليل نهار عشان نظرة أو يسمع كلمة منك. خليه يلف حوالين نفسه. جننيه. خليه يحس إنه هيخسرِك أكتر حاجة ممكن تغيظه إنك تتخطيه.
فكرت هنا بحديثها، لتتابع حياة قائلة بحزن:
أدهم غلطان آه، لكن أنتِ بتحبيه وهو كمان بيحبك. دلوقتي قدامك حلين: يا تسيبيه وتكملي حياتك وتقفي على رجلك من تاني، يا أما تعملي اللي بقولك عليه… المهم وبالمختصر، بلاش توقفي حياتك عشان حد، وخصوصًا لو كان راجل.
قالت الأخيرة بمرح، لتضحك هنا بخفوت وأومأت لها برأسها بامتنان. ابتسمت حياة قائلة بتساؤل:
ها، هتجهزي نفسك نرجع سوا ولا إيه؟
نظرت لها هنا قائلة بتردد وبعد تفكير:
مش عايزة أفضل معاه في مكان واحد يا حياة. أنا بقيت بخاف منه أوي.
ابتسمت حياة بحزن قائلة:
حاضر. هيطلع بره القصر. بس المهم دلوقتي تلحقي تذاكري. فاضل أسبوع ع الامتحانات، وحكاية الخوف دي نبقى نحلها بعد امتحاناتك إن شاء الله.
اقتربت هنا من حياة تحتضنها بامتنان، لتبادلها حياة العناق وهي تسخر من حالها. ليتها فقط تعمل بما تنصح له. بعد وقت، كانت هنا تغادر منزل عمتها برفقة حياة لتعود لقصر الجارحي، بعدما شجعتها حياة بكلماتها عن المضي قدمًا. غادرت معها وهي تنوي الكثير، فقط صبرًا!!!!
***
مر أسبوع على الجميع بدون أحداث تذكر، سوى سارة التي لم تتوقف عن إثارة استفزاز الآخرين بالقصر وافتعال المشاكل. وريان الذي كاد أن يطير من شدة سعادته بعد مهاتفة جمال له يخبره بموافقة ندا على الزواج منه. وأدهم الذي غادر القصر بعدما علم رغبة هنا.
***
بعيادة الطبيب عمر أبو زيد.
كانت حياة تخفض وجهها وهي تستمع لتذمره على عدم تنفيذها ما قال:
مجيتك هنا من غير ما تعملي اللي قولته ليكي ملوش فايدة. لازم تواجهي… واجهي إلياس بمخاوفك منه، وواجهي والدك ب…
قاطعته قائلة بحزن:
أنا خايفة. خايفة أكون بعافر ع الفاضي، وخايفة لو بطلت أعافر وأحاول أندم بعدين.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها قبل أن تردد بحزن:
سبب خوفي من إلياس إنه قرب مني بعد ما اتأكد إن ماما بريئة. نظرته اتغيرت بعد ما عرف الحقيقة. وكل ده عشان سبب مليش دخل فيه. زيه زي يوسف العمري ده اللي مخوفني. مش عارفة أقوله "لا"، ومش عارفة أقوله "آه". خايفة يكون هو يستاهل حبي وأقوله لأ وأضيعه من إيدي، وخايفة أقول آه وأندم.
عمر بجدية:
هقولك حاجة مهمة جدًا. دكتور مصطفى محمود بيقول إن عدم الاختيار هو أسوأ اختيار. اختاري. أحسن ما تختاريش خالص. لو طلع اختيارك صح يبقى خير، طلع غلط يبقى أهو اتعلمتي. ومحدش بيتعلم ببلاش. والأهم من كل ده إنك تتقبلي نتيجة اختيارك بشجاعة.
نظرت له، ليتابع هو بابتسامة:
فهمتي قصدي إيه؟
أومأت له بصمت، ليسألها:
بتكلمي بدر بعد ما سافر؟
نفت برأسها، ليسألها بابتسامة:
مفتقداه؟
اخفضت وجهها قائلة بتوتر:
ابقى كدابة لو قولت لأ. الصراحة مفتقداه أوي. ببقى عايزة أكلمه بس بخاف مكالمتي ليه تديه أمل وأنا أصلًا لسه مش عارفة أنا عايزة إيه.
ضحك بخفوت قائلًا بمرح:
حيرتيني والله. بقولك إيه، تتجوزيني أنا؟
ضحكت بخفوت وحرج، ليبتسم هو قائلًا:
كل حاجة واضحة قدامك على فكرة. حتى حل الحيرة اللي أنتِ فيها دي موجود وواضح جدًا.
صمت للحظات، ثم سألها بهدوء:
إنتي بتصلي؟
تعجبت من سؤاله، لكنها أجابته بحرج:
الصراحة يعني… أنا بصلي بس متقطع. يعني ساعات بصلي يوم كامل وساعات نص يوم، وأحيانًا بفوت أيام من غير صلاة.
أومأ برأسه قائلًا بابتسامة:
ليه مفكرتيش في احتمال إن الحيرة اللي أنتِ فيها دي سببها بعدك عن ربنا؟
اخفضت وجهها بحرج وهي تحرك رأسها بنعم، وقد وصل إليها غرضه. استمر الحديث بينهم لوقت ليس بطويل، وكادت أن ترحل، لكنها ما إن وقفت شعرت بدوار شديد يهاجمها، وغيمة سوداء غطت عيناها.
جلست على المقعد مرة أخرى، ليقف متوجهًا لها قائلًا بقلق:
أنـسة حياة… أنتي كويسة؟
لم تجب، وظلت جالسة مكانها، ليعيد السؤال مرة أخرى بقلق، لتجيبه هي بتعب:
حاسة بدوخة.
وقفت ببطء قائلة بتعب ونظرات مشوشة:
عن إذنك.
أوقفها قائلًا بقلق:
هتمشي إزاي كده؟
جاءه الرد منها قائلة بخفوت وتعب:
هتصرف.
جذب سترته قائلًا بقلق:
اتفضلي معايا، هوصلك. أنا كمان كنت هروح.
نفت برأسها قائلة بتعب:
مفيش داعي تتعب نفسك.
– لا تعب ولا حاجة، اتفضلي.
جعلها تستند على يده بقلق، وقادها لخارج العيادة. كادت أن تقع، ليحاوطها هو من خصرها حتى لا تقع، متوجهًا لسيارته المصفوفة أمام البناية، ثم أجلسها بسيارته قائلًا بقلق:
هاخدك ع المستشفى حالا.
ثم دار بسيارته نحو المستشفى، والاثنان غافلين عن أعين تراقبهم من بعيد، ونيران تشتعل بداخلها من الغضب والغيرة. ولم يكن سوى إلياس، الذي كان باجتماع خارج الشركة بالمطعم المقابل للبناية، لكنه لم يرَ سوى عمر يحاوط خصرها. كاد أن يذهب نحوهم.
لكن أوقفه صوت شقيقه مازن قائلًا بجدية:
إلياس، واقف عنك. بتعمل إيه؟ الناس مستنيين جوه.
قالها ثم جذبه من يده للداخل، والآخر عيناه مثبتة على تلك السيارة التي غادرت أمامه!!!!
***
بعد وقت طويل، أوصل عمر حياة لمنزلها، بعدما ذهب بها المستشفى وتم فحصها، ليتبين أن سبب هذا الدوار انخفاض بضغط دمها بسبب سوء تغذيتها وإهمالها لتناول الطعام بسبب كم المشاكل التي تحدث.
***
في المساء، كانت حياة تجلس بحديقة القصر بانتظار إلياس، الذي تفاجأت به يهاتفها ويطلب منها أن تنتظره بحديقة القصر.
مرت دقائق قليلة، وها هو يقف أمامها يسألها بهدوء يسبق العاصفة:
كنتي فين انهاردة؟
نظرت له قائلة بتعجب:
في الشغل.
كور قبضة يده قائلًا بهدوء مفتعل:
الشغل ده كان فين؟
نظرت له بصمت للحظات، قبل أن تسأله بهدوء، ولم تعجبها طريقة حديثه:
ده تحقيق ولا إيه؟
إلياس بنفاذ صبر وحدة:
جاوبي يا حياة.
أجابته بهدوء:
مش هجاوب غير لما أعرف سبب أسألتك دي إيه.
ركل المقعد بقدمه قائلًا بنفاذ صبر:
هو لازم يكون فيه سبب لسؤالي؟
أجابته بهدوء أثار غضبه أكثر:
لما يكون بطريقتك دي، يبقى فيه سبب.
ثم تابعت بهدوء:
يا تقول اللي عندك، يا تتفضل تمشي. أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
جز على أسنانه بغضب، ولم يستطع أن يخبرها ما رأى، فغادر بعد أن ركل المقعد بقدمه مرة أخرى، وهو عازم على معرفة كل شيء بنفسه.
جلست على المقعد خلفها تزفر بضيق، ليست بغبية حتى لا تلاحظ نبرة الشك والاتهام بصوته.
حاولت أن تخرس ذلك الصوت الذي يتعالى بداخلها بأنه ليس من تبحث عنه، لكن دون جدوى. مع الوقت يتضاعف ذلك الشعور بداخلها، لكن إلى متى ستظل هكذا!!!
كل هذا يحدث تحت أنظار تلك الحقيرة، التي استمعت لكل شيء وابتسمت بتوعد. ترددت بداخلها بغل وحقد:
صبرك عليا… أما خليته يرميكي وما يطقش يبص في وشك بعد كده، ما أبقاش بنت ثريا!!!
***
قبل منتصف الليل، جلس الخمسة بغرفة أمير.
بينما بالداخل، كان أوس يتحرك بالغرفة بغضب قائلًا:
عدا أسبوع ومافيش حاجة حصلت. لا بتروح ليه ولا بتكلمه. والعمل؟
آدم بضيق:
الظاهر مافيش قدامنا غير الحل التاني!!!
وافقـه الجميع الرأي، لكن فجأة ابتسمت حياة.
قائلة وهي تضع شاشة الهاتف أمامهم:
مش هنحتاج نعمل الحل التاني!!!!
رواية ضحايا الماضي الفصل العشرون 20 - بقلم شهد الشوري
قبل منتصف الليل بجلس الخمسة بغرفة أمير.
كان أوس يتحرك بالغرفة بغضب قائلاً:
"عدا أسبوع وما فيش حاجة حصلت، لا بتروح له ولا بتكلمه، وإيه العمل؟"
آدم بضيق:
"الظاهر ما فيش قدامنا غير الحل التاني."
وافقه الجميع الرأي، لكن فجأة ابتسمت حياة قائلة وهي تضع شاشة الهاتف أمامهم:
"مش هنحتاج نعمل الحل التاني، هتقابله بكرة."
أوس بقلق:
"طيب هنجيب الفيديوهات كلها إزاي منهم؟ وفرضاً طلع معاهم نسخ؟"
آدم بجدية:
"هنتصرف، ليها حل بإذن الله. المهم دلوقتي نوصل له، وبعدها أي حاجة هتبقى سهلة."
حياة بجدية:
"لازم ناخد احتياطنا المرة دي كويس."
أمير بابتسامة وهو يحوط كتفها:
"ركزي إنتي بس في امتحاناتك ومالكيش دعوة باللي بيحصل، لازم تطلعي الأولى زي كل سنة، مش هقبل بأقل من كده."
ابتسمت حياة بخفوت، ووافقه البقية الرأي. ليقول ريان بتذكر:
"متنسوش إن قصر العمري لسه متسجل باسمنا، لازم يرجع لأصحابه."
أومأ الأربعة له بنعم، ثم توجه بعدها كل منهم لغرفته. لكن ما إن دخل آدم غرفته وأغلق الباب، تفاجأ بتلك الوقحة تجلس على فراشه ترتدي قطعة قماش تكشف أكثر ما تستر، تبتسم بإغراء. اقتربت منه تضع يده على صدره قائلة بدلال اشمأز منه:
"اتأخرت ليه؟ بقالي ساعة مستنياك."
ارتفع صدره وهبط بانفعال، ثم دفع يدها بعيداً عنه باشمئزاز قائلاً بغضب:
"اطلعي بره."
ابتسمت وكأن شيئاً لم يكن، واقتربت منه مرة أخرى تضع يدها حول عنقه قائلة بدلال:
"تعرف إني من يوم ما شوفتك وأنت عجبتني أوي، وإيه؟ أنا كمان مش عاجباك؟"
دفعها بعيداً عنه بقسوة قائلاً باحتقار:
"رخيصة."
ضحكت بسخرية قائلة باستفزاز وتحدي:
"طب على الأقل أنا صريحة. الدور والباقي على اللي بترسم دور الشريفة قدام الكل، وهي مدوراها. روح قول لأختك الكلمة دي وشوف هي بتروح لمين كل يوم، البـ..."
كان نصيبها صفعة قوية من يده قائلاً بشرسة وهو يقبض على خصلات شعرها بقوة:
"سيرة أختي ما تيجي على لسانك الوسخ ده يا... إنتي وهي متتحطوش في جملة واحدة، سامعة؟"
كانت تصرخ عالياً ليستيقظ جميع من بالقصر على صراخها، وجاءوا حيث مصدر الصوت ليتفاجئوا بها بغرفة آدم وهي بالكاد ترتدي شيئاً يستر جسدها العاري، لتكن زينة ويُقال لها:
"إيه ده؟!"
كور آدم قبضة يده بغضب وغل من تلك الحقيرة التي بدأت تتصنع البكاء وهي تتمسك بذراع أوس قائلة بخوف أجادت تمثيله:
"الحقني يا أوس، أخوك دخل الأوضة عندي وسحبني من إيدي على هنا وكان كاتم نفسي عشان ما أطلعش صوت و... وحاول يقرب مني لولا إني قدرت أخلص نفسي من إيده وصرخت."
حياة بغضب:
"إنتي كدابة."
سارة بنظرة فهمها أوس على الفور، ولا تزال تتصنع البكاء:
"أنا مش كدابة يا أوس، هي دي الحقيقة. إنت مصدقني، مش كده؟"
منع نفسه بصعوبة من إبراءها ضرباً، وقال بغضب منها وليس من شقيقه بالطبع:
"مراتي مش كدابة يا حياة."
سايرته حياة بالحديث قائلة بصدمة:
"إنت مصدق إن أخوك يعمل كده؟ تكدب أخوك وتصدق واحدة زي دي؟ فوق لنفسك."
أوس بغضب:
"أنا فايق لنفسي وما اسمحش ليكي تغلطي في مراتي، إنتي فاهمة."
كانت تلك الحقيرة تتابع تلك المشاجرة التي تحدث بينهم وهي تمنع شفتيها من الابتسام بتشفٍ، وهي ترى أوس ينفذ ما تقول وهو ليس بيده حيلة، وما تخطط له يسير كما تريد حتى تفرق بينهم.
جذبها أوس بغضب حتى يخرج من الغرفة، لتجد سارة زينة أمامها تنظر نحوهم بصدمة، لتبتسم بمكر قائلة بحزن واهٍ:
"إنتي صعبانة عليا أوي يا زينة. هو مش بيحبك، اللي يعمل كده في مرات أخوه مستحيل يكون بني آدم أو يحب حد. ده حيوان."
كادت أن ترحل لتعترض زينة طريقها قائلة بهدوء:
"استني."
وقفت سارة لتمر لحظة، وبدون مقدمات، هوت يد زينة على صدغها بصفعة قوية كادت أن تسقط على أثرها، لتقترب منها زينة قائلة بغضب:
"أنا جوزي مش حيوان، ومش على آخر الزمن هصدق واحدة زيك سمعتها سابقاها وأكذبه."
توسعت عينا سارة بصدمة قائلة بغل:
"إنتي إزاي تتجرأي وترفعي إيدك عليا يا زبا... آآه."
قاطع حديثها صفعة زينة الثانية التي هوت على صدغها للمرة الثانية، والجميع يبتسم بشماتة، بينما آدم كان ينظر لزينة بسعادة وفخر لأنها وثقت به وبعشقه لها ولم تصدق تلك الحقيرة.
زينة بغضب وهي تدفع سارة بكتفها:
"لمي لسانك، مش زينة الجارحي اللي تفكري تشتميها. الشتيمة تبقى للي زيك خطافة الرجالة اللي الكل عارف أمها جابتها منين."
لو كانت النظرات تقتل لكانت زينة الآن وقعت صريعة من نظرات الغل والحقد التي تصوبها سارة نحوها، وبصعوبة شديدة تمالكت مهرة حالها حتى لا تهجم عليها تبرحها ضرباً هي الأخرى.
تدخل سليم قائلاً بقوة وصرامة ونظراته لم تخلو من الاحتقار لسارة:
"اسمعي الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك، مش هسمحلك تفرقي بين أحفادي ولا هسمحلك تنفذي اللي دخلتي القصر ده عشانه. أحفادي وعيلتي خط أحمر، أمحيكي من على وش الدنيا لو حد منهم اتأذى. فخلي بالك من تصرفاتك عشان ما أخليكيش تشوفي الوش التاني لسليم الجارحي يا بنت ثريا."
ثم وجه حديثه للجميع قائلاً بقوة:
"الكل يروح على أوضته يلا."
كان أول من غادر سارة صافعة باب غرفتها خلفها بغضب وغل، ليضحك الجميع بخفوت. آدم بجدية:
"كويس إنك فهمت وجاريتها في الكلام، لازم تعرف إنها لسه بتخوفك، وإن ماحدش فينا عرف حاجة."
أومأ له أوس بصمت، ثم غادر وخلفه إخوانه واحداً تلو الآخر. لتبقى فقط زينة قائلة بغيرة وغضب:
"الزبالة دي قربت منك."
ابتسم بزاوية شفتيه، ثم بلحظة جذبها من خصرها حتى أصبحت بأحضانة قائلاً بحب:
"على أساس مصدقاني."
توترت من قربه المهلك لأعصابها قائلة وهي تحاول فك حصار يده من على خصرها:
"سؤالي كان واضح، حطت إيدها عليك ولمستك؟"
ابتسم قائلاً بحب وهو يداعب أنفها بأنفه:
"متقدرش، لا هي ولا غيرها يلمسوا حاجة ملك، حبيبتي وزينة حياتي."
زينة بحب وخجل من قربه الشديد منها:
"يعني إنت ملكي أنا وبس؟"
قربها منه أكثر قائلاً بحب:
"إنتي شايفة إيه؟"
أخفضت وجهها بخجل، ليبدأ هو بتمرير أنفه على كامل وجهها يوزع قبلاته الرقيقة عليه:
"أنا ملكك وبس يا زينة قلبي، عمره ما حب ولا عرف يعني إيه حب غير معاكي. أول دقة قلب كانت ليكي إنتي وهتكون الأخيرة برضه ليكي إنتي، حضني، كل حاجة فيا ملكك زي ما إنتي ملكي وبتاعتي."
ابتسمت بسعادة قائلة بحب:
"أنا بحبك أوي يا آدم."
قبل شفتيها بخفة قائلاً بحب:
"آدم بيموت فيكي يا زينة حياتي وقلبي."
وقفت على أطراف أصابعها، ثم قبلت وجنته بحب لتسري الحرارة بكامل جسده. ابتلع ريقه مردداً:
"أنا بقول تمشي دلوقتي يا بنت الناس عشان أنا على آخري خلاص والشيطان شاطر وعمال يزن في وداني وبيقولي حطها على السرير ده واتموا أم الجوازة اللي مش عاوزة تكمل لحد دلوقتي دي."
شهقت بخجل وركضت لخارج الغرفة مرددة:
"قليل الأدب."
***
صباح اليوم التالي بقصر العمري.
كان جمال يجلس بجانب يوسف الراقد على الفراش بتعب قائلاً بعتاب:
"حرام عليك يا يوسف، اهتم بصحتك شوية."
يوسف بحسرة ودموعه بدأت بالنزول:
"اهتم بيها ليه ولمين؟ خسرتك كل حاجة يا جمال، حبيبتي وماتت بسببي وبأيدي، وولادي وخسرتهم. قضيت حياتي كلها أنكر وجودهم وأقسى عليهم، ما عملتش حساب إن ممكن أكون ظالم، ما عملتش حساب اللحظة دي. فضلت معيش نفسي دور المظلوم."
تنهد بحزن والندم ينهش قلبه قائلاً:
"خسرت اللي أهم من الفلوس والشغل اللي فضلت سنين دافن نفسي فيهم، خسرت الحاجة الوحيدة اللي الرجل بيعملها في حياته وبيفتخر بيها. خسرت ولادي ومراتي، وأنا أهو لوحدي. لو مت مين فيهم هيقبل يمشي في جنازتي أو ياخد عزايا؟ هموت وأنا شايل ذنبهم وذنب ليلى أطهر إنسانة وزوجة، واللي بغبائي خسرتها وخسرت ولادي."
لمعت عينا جمال بالدموع حزيناً على شقيقه قائلاً بمواساة:
"ألف بعد الشر عنك يا خويا، إن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام والمسألة كلها شوية وقت وولادك هيسامحوك ويتلموا حواليك و..."
قاطعه يوسف قائلاً بحسرة:
"ولادي محدش فيهم بيطيق يبص في وشي يا جمال عشان يسامحوني. اللي بيحصل ده عقاب ربنا ليا على جبروتي وقسوتي معاهم. كنت حنين على الغريب، بس هما أقرب ما ليا، قسيت عليهم."
طرقات على باب الغرفة يليه دخول الخادمة قائلة بتهذيب وهي تعطيه ذلك الظرف:
"الظرف ده مبعوت ليوسف بيه."
جمال بتساؤل وهو يفتحه:
"مين باعته؟"
أجابته بتهذيب:
"بيقول إنه من آدم باشا."
أشار لها حتى تنصرف، ليبدأ جمال بالقراءة قائلاً بعد لحظات ليوسف الذي ينظر له باهتمام:
"ده آدم بيرجع ملكية القصر ليك من تاني."
تنهد يوسف بحزن قائلاً لجمال:
"أنا عايز أزور قبر ليلى."
***
بعيادة الطبيب عمر أبو زيد.
كانت حياة تصافحه قائلة بابتسامة ومرح:
"مش جاية كمريضة المرة دي، أنا جايبالك زباين."
ضحك قائلاً:
"يا أهلاً بيكي وبزباينك، تنوري العيادة في أي وقت."
ابتسمت قائلة:
"هي تبقى هنا بنت خالتي وموجودة بره."
ابتسم قائلاً بتساؤل:
"طب ما دخلتش ليه؟"
تنحنحت بحرج قائلة:
"هي سألتني أنا عرفت دكتور نفسي منين، فقولت لها إني شفت إعلان ليك. لو سمحت مش عاوزاها تعرف إني بتعالج، هنـ..."
قاطعها قائلاً بابتسامة:
"دي أسرار المرضى، وأكيد مش هتطلع لحد. وزي ما تحبي، أنا عمري ما شفتك."
ابتسمت له بامتنان وخرجت للحظات ثم عادت مع هنا التي تحك يدها ببعضها بتوتر، وقف قائلاً بابتسامة وترحيب:
"أهلاً وسهلاً، نورتي العيادة."
شكرته بابتسامة متوترة، ثم جلست أمام مكتبه. استأذنت منهم حياة قائلة:
"بعتذر منكم، عندي مشوار مهم. خلصي وكلميني، هاجي أروحك."
هنا بتوتر وخوف:
"هتمشي ليه؟ خليكي."
عمر بمرح:
"خليها تمشي، إحنا مش بنعض والله."
ضحكت حياة بخفوت، ثم طمأنتها ببعض الكلمات مغادرة العيادة بأكملها، وتركت هنا بالأعلى تخوض تلك التجربة التي لا تعرف إن كانت ستفيد أم لا.
صعدت سيارتها وانطلقت بها نحو أشقائها، فقد حانت تلك اللحظة التي انتظروها، لكن قبل أن تتحرك بالسيارة، تعالى رنين هاتفها برقم إلياس الذي تجاهلت الحديث معه الأيام الماضية.
تنهدت بعمق قبل أن تجيب، ليأتيها صوته قائلاً:
"إزيك يا حياة؟"
"كويسة."
صمت للحظات، ثم سألها بصوت حاول قدر الإمكان أن يكون طبيعياً:
"إنتي فين؟"
تنهدت بضيق قائلة:
"في الشغل."
توقعت رداً منه، لكن صدمت عندما أغلق الهاتف بوجهها. انطلقت بسيارتها وهي غاضبة بشدة مما فعل، ولن تمرر له إياها، فقط لينتهي ذلك اليوم على خير، لكن يبدو أن ما تتمناه لن يتحقق، فهذا اليوم لن ينتهي على خير.
***
بينما هو كان يقف خلف إحدى الأشجار ينظر لها وهي تتحدث معه بالهاتف. لقد كذبت عليه، فهو جاء لهنا ركضاً ما إن وصلته تلك الرسالة وكان محتواها "روح شوف حبيبة القلب حياة يا إلياس باشا مع عشيقها في شقته في الزمالك"، وأسفل الرسالة عنوان يعرفه جيداً، ما جعل الشكوك تداعب قلبه. رؤيتها تخرج من تلك البناية قبلها مرتان، وكل مرة كان التوتر يظهر بوضوح عليها، تردده في مواجهتها ذلك اليوم هو خوفه من خسارتها إن شعرت به يشك بها وهي بريئة، لذا فضل التأكد بنفسه دون سؤالها. اقترب من حارس البناية يسأله بعد أن وضع بيده بعض ورقات النقود:
"البنت اللي لسه طالعة من العمارة دي، نازلة من الدور الكام ومن عند مين؟"
بصق الرجل أرضاً بطريقة فجة قائلاً:
"استر على ولايانا يارب."
ثم تابع بامتعاض:
"من عند واحد اسمه عمر، راجل استغفر الله العظيم، الستات طالعة نازلة عنده كل ساعة والتانية، والبت ديا عندها طول الوقت."
توقف قلبه عن الخفقان يسألها بصدمة:
"متأكد؟"
الحارس وهو يشير على البناية:
"عيب يا بيه، إلا متأكد. ده أنا بقالي سنين شغال هنا، شايف اللي خارجين واللي طالعين من عنده. ده راجل استغفر الله العظيم، ولا البت ديا كنت أشوفهم في مناظر استغفر الله العظيم."
كور قبضة يده قائلاً بعينين حمراوين وغضب:
"جت هنا كام مرة؟"
أجابه الآخر باحتقار:
"كل يوم أو اتنين بتكون هنا... بتسأل ليه يا بيه؟ هي تقربك لا سمح الله؟"
تركه وغادر دون إجابة. وما إن اختفى من أمامه، أخرج الحارس هاتفه ذو الطراز القديم يتصل بشخص ما، وما إن أجاب ردد بسعادة:
"كله تمام يا ست سارة، عملت زي ما قولتي. متنسيش الحلاوة بتاعتي بقى؟"
***
بقصر الجارحي.
أغلقت سارة الهاتف وهي تبتسم بانتصار. لطالما هي كانت أكثر من يعرف إلياس منذ سنوات طوال، لا يثق بسهولة، الشك جزء لا يتجزأ من شخصيته، وهي قامت باللعب على هذا الوتر حتى تبعده عن حياة. نظرت لساعة يدها، ثم أخذت حقيبتها وغادرت القصر بهدوء دون أن تلفت الانتباه، ثم استقلت سيارة أجرة متوجهة حيث اعتادت أن تقابل محسن. لا تعلم ما ينتظرها.
***
بعد وقت ليس بقصير.
كانت تمشي تلتفت حولها من حين لآخر بعدما طلبت من سائق التاكسي أن ينتظرها حتى يعود بها. وضعت يدها على أنفها تحاول منع نفسها من استنشاق تلك الرائحة الكريهة. وقعت عيناها على محسن يقف على زاوية أحد الشوارع الجانبية، اقتربت منه قائلة بامتعاض:
"هو كل مرة لازم أشوفك، لازم يكون هنا؟ ما فيش مكان تاني غير المكان المقرف ده؟"
محسن بضيق:
"مش وقته الكلام الفاضي ده."
ثم أخرج كيساً يحتوي على مادة بيضاء، ثم فتح حقيبتها ووضعه به. سألته باستغراب:
"إيه ده؟"
ابتسم قائلاً بشر:
"هيروين."
سألته بصدمة وغضب:
"لما هو هيروين بتحطه في شنطتي ليه؟ عايز تلبسني مصيبة ولالا؟"
محسن بضيق:
"بلاش غباء واسمعي للآخر. الهيروين ده تحطيه ليهم، وكلها يومين بالكتير وهيبقى الخمسة مدمنين. تقدري بقى تبيعيهم اللي وراهم واللي قدامهم عشان شمة."
سألته بسخرية:
"ده بقى أحطه ليهم إزاي؟ هو أنا بدخل المطبخ من أساسه؟"
زفر بضيق قائلاً:
"تدخليه، اتصرفي. بقالك قد إيه في القصر ولحد دلوقتي ما عملتيش حاجة."
ردت عليه بغضب:
"مين قال الكلام الفارغ ده؟ أومال اللي عملته..." ثم بدأت تقص عليه ما فعلته ليلة أمس وما فعلته بإلياس وحياة. ما إن أنهت حديثها:
ابتسم قائلاً بزهو:
"عفارم عليكي، تربية أبوكي وأمك بصحيح."
بلمح البصر ظهر رجال ذوو بنية ضخمة ومن بينهم أوس وأمير وريان وآدم، الذي ردد وهو يلكم محسن بقوة أسقطه أرضاً:
"تربية و..."
بينما أمير دفع سارة التي لا تكف عن الصراخ لأحد الرجال الذي قام بتكميم فمها وتقييدها، ثم دفعها عنوة بداخل السيارة، وفعلوا المثل مع محسن.
***
بعد وقت ليس بقصير.
بأحد المخازن التابعة لعائلة الجارحي الموجودة على أطراف المدينة بعيداً عن السكان، كانت سارة مقيدة على أحد المقاعد تحاول الصراخ لكن دون جدوى بسبب ذلك اللاصق السميك على شفتيها.
بينما محسن كان معلقاً من قدمه، يداه مقيدتان، وثيابه بأكملها غارقة بالمياه.
آدم بتشفٍ وهو يشير لأحد رجاله بفك قيوده، ثم بدأ يحل أزرار أكمام قميصه بعد أن تخلص من سترته، وكذلك فعل ريان وأوس وأمير:
"إيه يا محسن؟ عايزك تشد حيلك، الأيام لسه طويلة، ووعد مني مش هتخرج من هنا غير وإنت جثة."
وقف محسن ينظر لهم بزغر، فقد قاموا بتشكيل حلقة حوله، كلاهما يمسك بيده عصا غليظة، بينما حياة كانت تقف بعيداً تشاهد ما سيحدث له بتشفٍ.
كان أوس الذي يقف قريباً منه، لذا هبط بعصاه الغليظة على جسده بقوة وغل، وكانت الثانية من نصيب ريان، والآخر يتعالى صراخه بالمكان من الألم البشع الذي يفتك بعظامه. بقى الأربعة يهبطون بعصاهم على جسده بغل حتى نال منهم عشرون ضربة جعلته يسقط أرضاً فاقداً للوعي.
أحضر أمير دلواً من الماء ثم سكبه فوقه ليفتح الآخر عينيه بألم لا يحتمل بجميع أنحاء جسده. انحنى آدم نحوه قائلاً بتشفٍ:
"متخافش، هعالجك، لسه مش هموتك دلوقتي، بس قسماً بالله لهخليك تندم على الساعة اللي هربت فيها من البوليس. هتفضل هنا أكسرك وأعالجك وهتشوف أسود أيام حياتك، وما فيش حاجة هتنجدك من بين إيدينا غير الموت."
بينما أوس اقترب من سارة قائلاً بسخرية:
"مفكرة إني ممكن أتجوز واحدة زيك؟ بس أحب أقولك إن أصلاً ما اتجوزتكيش لعبة يا حلوة. ودلوقتي بقى بالذوق كده هتقولي كل الفيديوهات موجودة فين، يا إما هتتعلقي مكان بابا وهيُعمل فيكي اللي اتعمل فيه."
أزالت حياة اللاصق من على شفتيها، لتردد الأخرى بفزع وخوف وهي ترى هيئة محسن:
"كل النسخ اللي معايا على تليفوني، وهو معرفش شايل الفيديو فين. هو صاحب الفكرة مش أنا، هو اللي قالي أحط كاميرات وأصوركم، هو السبب مش أنا، خلوني أمشي."
ضحك الخمسة بسخرية، لتقترب منها حياة قائلة بسخرية واستهزاء:
"إيه يا سرسورة؟ مش سامعة صوتك بتهددي؟ يعني قلبتي قطة دلوقتي؟ أومال فين أنا بنت ثريا بس على أسوأ... فين؟"
غادر الخمسة المخزن بعدما حطم أوس هاتف تلك الحقيرة إلى أشلاء. قبل أن يصعد أوس للسيارة سألهم بحيرة:
"مش واثق فيها، أكيد معاها نسخ تانية."
ريان بهدوء:
"طالما الاتنين بقوا تحت إيدينا، متشلش هم حاجة."
أومأ له بصمت، ثم غادر الخمسة المكان، بداخل كل منهم شعور بالراحة بعد وقت طويل.
***
في المساء بقصر الجارحي بغرفة هنا.
كانت تجلس على مكتبها الصغير الموجود بأحد زوايا الغرفة تحاول التركيز بتلك الأوراق التي أمامها لقرب موعد امتحاناتها، لكن دون جدوى. عقلها لا يتوقف عن التفكير به وبتلك التجربة التي مرت بها، بالإضافة إلى شعور الغثيان والدوار الذي يلازمها منذ يومين.
وقعت عيناها على ذلك الكتاب الموضوع على مكتبها، التقطته وفتحته على صفحة محددة كانت تضع بها صورته التي تحتفظ بها منذ وقت طويل جداً. نزلت دموعها، سرعان ما دخلت ببكاء مرير وهي تردد بوجع:
"ليه وصلتنا لكده؟ يا إما أنا أقرب وأنت تبعد، يا إنت تقرب وأنا أبعد. بس إنت كنت بتبعد عني بسبب ماليش دخل فيه، ودلوقتي أنا اللي ببعد وعندي أكتر من سبب يخليني أبعد عنك وأكرهك."
بقت هكذا تبكي بقوة، سرعان ما هبت واقفة تركض صوب المرحاض تضع يدها على فمها بعدما أصابها شعور بالغثيان.
مرت دقائق وكانت تجلس على طرف الفراش تضع يدها على معدتها وهي تشعر بتعب شديد. بقت هكذا لدقائق، سرعان ما توسعت عيناها بصدمة وهي تضع يدها على فمها بصدمة، تردد بصدمة:
"..."
وقعت عيناها على سيارة أدهم تدخل من باب القصر، لحظات وكان يقترب منها بتردد قائلاً:
"هنا."
ابتعدت للخلف بخوف بالرغم من كم رجال الأمن الذين يقفوا بكل مكان حولهم، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه، لكن قبل أن يتحدث كان أحد الرجال يأتي برفقة شخص يرتدي قميصاً يحمل شعار أحد الصيدليات القريبة من القصر قائلاً بتهذيب:
"يا هانم، حضرتك طلبتي حاجة من الصيدلية؟ الراجل ده بيقول إن فيه أوردر باسم حضرتك."
أومأت له وبتوتر كانت تختطف الكيس البلاستيكي من يده، وقبل أن تحاسبه سأله أدهم عن حسابه، ثم أعطاه النقود وأشار لهم حتى يغادروا.
أدهم بقلق:
"مالك يا هنا؟ إنتي تعبانة؟ إيه اللي طلبتيه من الصيدلية؟"
ردت عليه بحدة تخفي بها توترها:
"إنت مالك؟ خليك في حالك واتفضل فلوسك، إيه؟"
حاول التحكم بأعصابه من صوتها العالي عليه أمام رجال الأمن، لذا وبدون مقدمات كان يسحب من يدها الكيس البلاستيكي حتى يعرف على ما يحوي.