كان يقود سيارته مسرعًا عندما أتاه اتصال هاتفي يخبره بتعرض صديقه لحادث خطير وهو الآن بين الحياة والموت. أصبح لا يرى أمامه سوى صورة صديقه وأخيه المقرب، ولحظاتهم السعيدة ومرحه الدائم، ومشاجراتهم على أتفه الأسباب. لا يدري كيف وصل إلى المشفى بتلك السرعة، يركض بين الممرات بدموع مغشية للوصول إلى غرفة العمليات التي يقطن بها صديقه. خرج الطبيب أخيرًا بعد ساعتين من الانتظار، يتنهد بتعب. ركض إليه بلهفة يسأله:
جاسر: طمني يا دكتور، حازم حصله إيه؟ الطبيب: صاحبك اتكتب له عمر جديد يا جاسر بيه. جاسر بتعب: الحمد لله، الحمد لله. الطبيب: عملية. بس طبعًا الحادثة أثرت عليه جامد لأن فيه كسور كثيرة في جسمه، بس الحمد لله العمود الفقري ما اتضرش، وإلا كنا هنواجه مشكلة كبيرة. هو حاليًا في العناية المركزة، أول ما تعدي أربع وعشرين ساعة هقدر أطمن عليه أكتر وننقله لأوضة عادية. ربنا معاه. جاسر بحزن: متشكر أوي يا دكتور.
الطبيب: على إيه، ده واجبي. اتفضل أنت ارتاح شوية لأن وقفتك هنا ملهاش لازمة. وربت على كتفه قائلاً: ربنا يطمنك عليه. جاسر: إن شاء الله. أغمض عينيه براحة بعد أن اطمأن على صديقه، يشكر الله على نجاته ويدعو له بالشفاء العاجل. جلس بتعب على أحد المقاعد، أرجع رأسه إلى الوراء. ما لبث حتى سمع رنين هاتفه يضيء باسم جده، ضغط زر الإجابة. سليم: في إيه يا جاسر؟ جيت الشركة قالوا لي إنك طلعت بسرعة بتجري، إيه اللي حصل؟
جاسر: حازم عمل حادثة وأنا في المستشفى دلوقتي. سليم بصدمة: إيه؟ طب هو في مستشفى؟ جاسر: مستشفى... سليم: طب أنا جاي حالًا. أغلق الهاتف وظل على حاله ينتظر جده حتى يأتي، يقف بجانبه في ذلك الموقف الذي لا يحسد عليه، فصديقه يصارع الموت. وقف سليم من غرفة المكتب مسرعًا ينادي على السائق لكي يقله إلى المشفى. سليم بصراخ: يا عاصم يا عاصم، إنت فين؟ كانت حور تنزل درجات السلم حين سمعت صراخ جدها، ففزعت تجري ترى ما يحدث.
حور: في إيه يا جدو؟ مالك؟ سليم بدموع: حازم يا بنتي عمل حادثة وهو بين الحياة والموت في المستشفى. حور بفزع: إيه؟ طب هو كويس؟ سليم: مش عارف، أنا رايح دلوقتي أطمن عليه. حور بدموع: طب خدني معاك والنبي. سليم: طب يلا بسرعة. خرجوا مسرعين بعد أن أتى السائق متجهين للمشفى، وطوال الطريق لا تكف عن البكاء وهي تحتضن جدها، تدعو الله أن لا يصيبه مكروه، فحازم مثل أخيها مازن تمامًا، يشاركها المرح بروحه الطيبة.
وصلوا أخيرًا وسألوا الاستقبال عن مكان وجوده ليطمئنوا عليه. تحركوا بسرعة بين الممرات حتى رأوا جاسر أمام غرفة العناية المركزة. سأله سليم بلهفة: سليم: إيه اللي حصل يا جاسر؟ الدكتور قالك إيه؟ جاسر: خرج من أوضة العمليات والدكتور قال هيحدد حالته بعد ما يمر أربع وعشرين ساعة. ادعي له، الحادثة كانت جامدة أوي يا جدو. احتضن سليم جاسر بقوة، يربت على ظهره بحنان ليخفف عنه.
سليم: إن شاء الله هيقوم بالسلامة. حازم قوي، أنا متأكد من كده. جاسر: يا رب. سليم: أنا هروح أطمن أنعام لأنها خرجت وزمنها رجعت وهتقلق لو ما لقتش حد في البيت. أومأ برأسه موافقًا، بينما ذهب سليم لمهافتة أنعام.
سلط جاسر نظره على تلك الحورية التي تبكي وتشهق بنعومة بوجهها الأحمر الشهي، كم يتمنى أخذها بأحضانه ليخبئها عن أعين الجميع. غار كثيرًا عندما رأى مدى قلقها على حازم، لكنه كان يعلم أنه مثل أخيها، لأنه سمعها مرة وهي تخبره أنها تعتبره شقيقها، ربما هذا ما شفع لها عنده. أما عنها، فقد كانت مستغربة من انهياره أمام جده. علمت الآن كم يحب حازم ومدى خوفه عليه.
عاد سليم بعد قليل، فوجدهم يتبادلون النظرات الغريبة، فتنحنح حتى يلفت نظرهم. سليم: روح أنت يا جاسر وخد حور معاك خليها ترتاح شوية، وارجعها بعدين. لأن زي ما فهمت من الدكتور مفيش لازمة للقعدة هنا. أنا بس اللي هفضل عشان لو حصل حاجة لا قدر الله. وبالمرة هات أنعام معاك لأنها قلقانة جدًا. جاسر: حاضر يا جدي. التفت إلى حور قائلًا: يلا عشان نمشي. حور بدموع: لا، أنا عايزة أفضل هنا. لازم أطمن على حازم.
عض على أسنانه بقوة دلالة على انزعاجه الشديد منها، فلما كل هذا الاهتمام؟ سليم: لا يا حبيبتي، روحي أنت دلوقتي. مفيش داعي لقعدتك هنا. هو شوية وهيفوق وبعدين تيجي تتطمني عليه. يلا روحي مع جاسر، الله يرضى عليك. حور وهي تضم جدها: ماشي يا جدو، خلي بالك من نفسك. سليم: ماشي يا حبيبتي.
ركبت سيارته وهي تشعر بالنفور تجاهه، فلم تكن تريد أي احتكاك به، ولكن ما باليد حيلة فالظروف وضعتها في هذا الموقف. طوال الطريق وهي ساكنة شاردة، لا تتحدث أبدًا، لا تنظر له أبدًا. أما عنه، فكان يسترق بعض النظرات السريعة إليها، لا ينكر تعلقه بها، فقد اعترف بينه وبين نفسه أنها تهمه وأنها ملك الجاسر، وانتهى الأمر.
وصلوا إلى القصر فنزلت مسرعة تجري إلى غرفتها، لا تبغي أي كلمة معه. أخذت حمامها الدافئ وارتدت بيجامتها الحريرية، ومن ثم ذهبت إلى فراشها لترتاح قليلًا، داعية الله ليشفى حازم في أسرع وقت ممكن.
ذهب إلى غرفته، توضأ وصلى فرضه، وأخذ يدعو لصديقه بالشفاء. يعلم أنه مقصر في حق ربه، ولكن على يقين أيضًا أن ربه غفور رحيم. أخذ مصحفه وقرأ آيات من الذكر الحكيم، بعدها أحس براحة تجتاح صدره، فتوجه إلى فراشه ليرتاح قليلًا قبل أن يذهب ويطمئن على صديقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!