مر أسبوع بأكمله وحور تتجنب اللقاء بجاسر طوال الوقت، حتى أنها تأكل في غرفتها. أصبحت منطوية، لا تتحدث مع أحد إلا منى وإنعام، اللتين يحاولان بقدر الإمكان معرفة ما حدث لها يجعلها بتلك الحالة المزرية. ناهيك عن جدها القلق عليها معظم الوقت. تقضي معظم وقتها مع نغم ومازن، اللذين لاحظوا تغيرها الشديد، ودائماً ما تفسره لهم على أنه ضغط لقرب موعد امتحانات نهاية العام.
أما عن جاسر، فقد كان قلقاً عليها بشدة، يطوق لرؤيتها، اشتاق لها بشدة. حاول قدر الإمكان إبعاد تفكيره عنها وصب غضبه في العمل على الصفقة الجديدة. يجلس جاسر مع حازم يراجعان ملفات عرضهم القائم على الصفقة. حازم بارهاق: آه هموت، مش قادر، بقالي يومين ما نمتش. جاسر: متنشف في إيه؟ حازم: والنبي اتلهي، انت نفسك مش قادر تقف على رجلك. مش عارف فيك إيه وانت مش راضي تقول. أكيد ده كله مش من الصفقة اللي أنا متأكد إننا هنكسبها.
جاسر بتهرب: كده كل حاجة جاهزة، مش فاضل غير الاجتماع مع العملاء. حازم: اتهرب اتهرب، بس مصيري أعرف إيه اللي فيك. جاسر بحدة: اخرس خالص واطلع عاين الموقع وابعتلي مدير الحسابات. حازم: ماشي. خرج حازم من المكتب، وكل ما يشغل تفكيره هو وضع جاسر. ما الذي قلب كيانه طوال هذا الأسبوع؟ تصرفاته أصبحت غريبة، سيئ المزاج دائماً، ليس كسابق عهده. وعزم على فعل شيء يعرف به ما حدث.
تجلس في غرفتها شاردة. منذ أسبوع مضى كانت تمرح وتلعب هنا وهناك وترقص على أنغام أغانيها المفضلة، لكنه دمر مرحها الدائم بفعله الشنيع كما أسمته. نزلت دموعها على خدها الناعم كالمطر. تريد أن تنسى ما حدث، لكنها لا تستطيع أبداً. تستغفر الله وتدعو أن يسامحها. أفاقت من شرودها على صوت طرقات باب الغرفة. مسحت دموعها بسرعة وتصنعت البسمة عندما وجدت جدها يطل عليها بابتسامته الحنونة. جلس سليم بجانبها على الفراش وقال:
سليم: مالك يا قلب جدو؟ بقالك كم يوم مش عاجباني. حور بابتسامة مصطنعة: مالي بس يا سلومتي؟ ما أنا بخير أهو، أنا بس تعبانة شوية من المذاكرة. سليم: واللي تعبان من المذاكرة يفضل طول الوقت معزول عن الكل كده؟ شوفي أنا مش عارف فيكي إيه، بس أكيد من حقي أن احتفل بعيد ميلادك على طريقتي.
سرحت قليلاً. نعم، فإنها ستتم الواحد والعشرون بعد ثلاثة أيام من الآن، ولم تتذكر حتى عيد ميلادها بسبب ما حدث. حرك كفه على وجهها لتفيق من شرودها مردفاً: سليم: ها، رحتي فين يا حبيبة جدو؟ حور: ها؟ لا أبداً، تصدق نسيت خالص. بس قولي انت عرفت منين يا نمس إن عيد ميلادي قرب؟ سليم: عيب عليكي، أنا سليم الدمنهوري، مش واخدة بالك ولا إيه؟ تستمر القصة أدناه. حور بمرح: لا في دي عندك حق، وأنا أقدر أقول حاجة. بس إيه الخطة بقى؟
سليم: لا دي بقى مفاجأة. حور بعبوس: يعني مش هتقول لي؟ سليم: لا مش هقول، وما تحاوليش تأثري عليا عشان أنا قلبي ضعيف. حور: زمّت شفتيها بطفولية: يعني ما فيش فايدة خالص. سليم: حرك رأسه موافقاً: خااالص. ويلا بقى عشان نتغدى مع بعض. حاولت التحدث ولكنه قاطعها. سليم: لا مش هقبل أي عذر، يلا أنا مستني تحت، متتأخريش. تنهدت بقوة بعد خروجه، وعزمت على نسيان الأمر والعودة لحياتها المرحة مرة أخرى، متجنبة جاسر للأبد.
بدلت ملابسها ببنطال أسود واسع مع قميص أحمر ذو أكمام طويلة عليه رسمة قلب سوداء، وحجاب أسود اللون. رشّت عطرها المميز برائحة الياسمين وخرجت عازمة على تجاهل ذلك المغرور. نزلت بشموخ عائدة إلى طريقتها المعتادة في التحية على الجميع بروح بشوشة ومرحة. حور: مساء الورد. إنعام بفرح: مساء الجمال على ست البنات كلهم، وأخيراً نزلتي.
حور بغرور مصطنع: أنا بس قولت أحرمكم من طلتي شوية، بس لما لقيتكم مش قادرين على بعدي قولت أعفو عنكم وأجي أتغدى معاكم، ما انت عارفة قلبي طيب. قهقه جميع الخدم على مزحتها وروحها الجميلة كجمال وجهها المشرق. سليم: طيب يا ستي اتكرمي واقعدي. حور: حاضر يا سلومتي، انت تؤمر. ضحكت أنغام على تلك المشاغبة التي اعتبرتها بمثابة ابنتها التي لم تنجبها. دوى صوت خشن تعرفه جيداً وهو يلقي تحية المساء عليهما. جاسر: مساء الخير.
إنعام: مساء النور يا حبيبي، تعال اتغدى معانا. جاسر: لا معلش يا دادة، مش قادر، أنا هاخد شوية أوراق تخص الصفقة وراجع الشركة. سليم بجدية: اقعد يا جاسر، انت بقالك كم يوم مش بتتغدى معانا وكل يوم ترجع متأخر. اتفضل اقعد من غير نقاش. زفر بضيق وهو يجلس بجانب جده يتناول طعامه بصمت. سليم: عايزك بالليل بعد ما ترجع، في موضوع مهم عايز أكلمك فيه. جاسر: حاضر، هحاول أرجع بدري. سليم: مفيش حاجة اسمها هحاول، أنا هستناك. جاسر بضيق: حاضر.
كانت حور تتابع الحديث بصمت وهدوء، لم تنطق بكلمة واحدة. لم يحاول النظر إليها أبداً، وكما توقعت، لا يعتبرها شيئاً أبداً، مجرد فتاة رخيصة بنظره.
صعد جاسر لغرفته لجلب أوراق العمل، بينما حور ذهبت لتحادث نغم على الهاتف. كانت في الطريق لغرفتها عندما اصطدمت بجسد صلب، شارفت على الوقوع لولا تلك اليد القوية التي أحاطت خصرها تمنعها من السقوط. أغمضت عينيها بخوف شديد حتى تسللت رائحة عطره الفاخرة إلى أنفها تخبرها بهوية محاصرها. سمعت صوته الهامس قائلاً: جاسر: افتحي.
بدأت بفتح عينيها ببطء ليضيع بغابات الزيتون خاصتها. يقسم أنه يستطيع أن يمضي حياته كلها في النظر إليها والغوص بها دون ملل. أدركت وضعهما، فابتعدت عنه بعنف وعيناها تشتعل غضباً. حور بغضب: اوعى تفكر تلمسني، تيجي انت فاهم. وضع يديه في جيب بنطاله وأردف ببرود: مش فاهم. وقولي لي بقى هتعملي إيه؟ حور: من ناحية هعمل، فـ أنا هعمل كتير. أبسط حاجة ممكن أقول لجدي على اللي انت عملته. اقترب منها وقال بخبث: وأنا عملت إيه؟
قالت بارتباك: انت... انت قليل الأدب. جاسر: ما أنا عارف، وضيفي عندك سافل ومش متربي. وقال بهمس بجانب أذنها: تحبي أثبتلك؟ قهقه بشدة وبمكر وأردف: وعلى إيه، ما انت مجربة. حور: حقير. وذهبت مسرعة إلى غرفتها تحت نظرات جاسر الخبيثة.
في المساء، عاد جاسر إلى القصر بعد إنهاء الصفقة التي كسبها بكل براعة بعد عدة مناوشات مع صديقه الأسبق وعدوه في عالم الأعمال. هو يعلم جيداً أهمية تلك الصفقة لرعد الشرقاوي. اظلمت فيروزتاه عندما تذكر ذلك الماضي الذي فرق بينه وبين رعد. فقد كان هو ورعد أكثر من إخوة مع ضلع مثلثهم الثالث حازم الشافعي. كان يستطيع وبكل بساطة جعل رعد يكسب الصفقة، ولكنه أصر على تعليمه درساً على عدم ثقته به في الماضي. فاق من ذكرياته على صوت الخادمة تخبره بضرورة ذهابه لسليم في المكتب.
جلس جاسر على مكتب جده يستمع لحديثه الذي أتى من أجله. سليم: أنا كنت عايزك تنظم لي حفلة عيد ميلاد حور. جاسر كان يعلم جيداً أن جنيته الصغيرة عيد مولدها اقترب، وكان ينتظر الوقت المناسب ليفجر مفاجأته التي حضرها في حفلة عيد ميلادها. جاسر: آه طبعاً، أنا تحت أمرك. بس أنا كنت عايزك في موضوع. سليم بحزم: لا، أجل موضوعك لبعدين، أنا عايزك في موضوع أهم. جاسر باهتمام: اتفضل. سليم: اسمعني يا جاسر...
نهض صباحاً بكل نشاط والبسمة لا تفارق شفتيه لقرب موعد تحقق هدفه المنتظر بشدة. ذهب إلى المرحاض لينعم بحمام يعيد حيوية جسده. بعد ربع ساعة خرج يلف منشفته حول جزئه السفلى، وبالأخرى ينشف خصلات شعره المبللة. ارتدى ملابسه المكونة من بدلة رمادية اللون تحتها قميص باللون الأبيض الناصع مع حذاء أسود أنيق لتكتمل طلته بعد أن نثر عطره المفضل ذو الرائحة النفاذة واتجه إلى شركته والبسمة تعلو شفتيه.
انتهت من ارتداء ملابسها المكونة من بنطال جينز واسع وقميص أزرق فاتح اللون مع حجاب أبيض اللون، وخرجت مسرعة إلى جامعتها، فاليوم الأول لامتحانات نهاية الفصل. في الدمنهوري جروب. وصل جاسر بهيئته الخاطفة للأنفاس، حيث كان جميع الفتيات بالشركة هائمات بمنظره المهلك شديد الوسامة. توجه إلى مكتبه، بعدها أمر سهى بالاتصال بحازم ليحضر سريعاً. بعد قليل، فتح حازم الباب وقال بمرح: حازم: قالولي إنك طلبتني، أكيد وحشتك.
جاسر: وحش لما يلهفك، اترزع عايزك. حازم: احم، أنا شكلي بتتهزأ، مش كده؟ جاسر: وإيه الجديد؟ اتفضل. حازم: أوبا، ده الموضوع كبير بقى، قول يا معلم سامعك. جاسر: فاكر اللي حصل من تلات سنين معانا؟ حازم بحزن: وده موضوع يتنسى؟ بس إيه اللي فكرك بيه دلوقتي؟ جاسر بغموض: ناوي أكشف الورق كله قدام رعد. حازم بخوف: لا يا جاسر، بلاش أرجوك، انت كده مش هتخلص من شره، هو لازم يعرف الحقيقة. جاسر بصراخ: اوعى يا حازم، هو كده هيدمر.
حازم بغضب: وصداقتنا اللي اتدمرت دي ملهاش معنى؟ سنين عمرنا اللي كنا فيها مع بعض ضهرنا في ضهر بعض ملهاش قيمة عندك؟ جاسر بغضب مكتوم: كنت عايزني أعمل إيه يعني وأنا بشوفه بيدمر قدامي؟ كان لازم أعمل كده عشان أبعدها عنه. حازم: تقوم تأذي نفسك؟ لا وياريته صدقك، دا كذبك وفضل يحاربك لغاية دلوقتي ومصر يخسرك كل حاجة. إحنا كنا أصحاب أه، بس مش هسمحلك تتأذى أكتر من كده. سامحني يا صاحبي، مش هقدر اسكت أكتر من كده.
جاسر بحدة: اوعى تعملها يا حازم، ساعتها هتخسرني للأبد. حازم بحزن: اخسرك أحسن ما أخسر نفسي وأسكت عن الحقيقة. أنا ماشي، سلام. قبل أن يذهب، أردف بمرح قائلاً: أنا متأكد مش هتقدر تستغنى عني. فرّغ شحنة غضبه كاملة على مكتبه الفاخر بعد أن أزاح كل ما فيه بغضب وعيون مشتعلة.
ركب حازم سيارته مسرعاً متوجهاً إلى مجموعات شركات الشرقاوي للحديد الصلب، يفكر كيف كانت حياتهم منذ ثلاث سنوات مرحين، مشغابين، دائماً ما كان يطلق عليهم أيام الجامعة "مثلث برمودا" لغرابة ارتباطهم، لم يستطع أحد التفريق بينهم، ولا يسمحون لأي دخيل يمر بينهم، حتى أتت تلك اللعينة وحطمت مثلثهم. كان غارقاً في أفكاره لدرجة أنه لم ينتبه لتلك الشاحنة التي ظهرت أمامه. حاول تفاديها لكنه لم يستطع، فاصطدم بها وأحس بدوامة من الظلام تسحبه إليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!