كانوا يجلسون في مكتب جاسر يتبادلون أطراف الحديث، حتى دلفت عليهم السكرتيرة الجديدة سالي، تتهادى بمشيتها المغرية، ترتدي زي يكشف أكثر مما يستر، شبه عارية، تصبغ وجهها بمستحضرات التجميل الثقيلة التي تجعل منها دمية مقززة، بشعرها الأحمر الناري المصبوغ، لتقول بمياعة قذرة: سالي: رعد بيه بره عايز يقابل حضرتك.
جاسر باشمئزاز: خليه يدخل. ده أولًا لما يجي في أي وقت. وثانيًا، وده الأهم، يا آنسة، دا مش كباريه عشان تجيلي بملابس الرقصات، ده مفهومك. تمتم حازم ضحكته على حديث جاسر القاسي معها. سالي بإحراج: تمام يا فندم، أنا آسفة. جاسر: اتفضلي. لتخرج سالي غاضبة من تصرفه المتعجرف معها، ليلتفت إلى حازم مردفًا بغضب: جاسر: دي اللي جايبها تشتغل عندي يا حيوان. حازم: دي صاروخ يا بني، أنت اللي مالكش في الطيب نصيب. جاسر: حسابك معايا بعدين.
ليدخل رعد بطلته الساحرة، يحمل مقدارًا عاليًا من الوسامة بحلته السوداء الرائعة، ليقول بمرح: رعد: من الصاروخ اللي بره دي. حازم: والله لسه كنت بقوله، مش مصدقني الجاحد. جاسر: حتى أنت يا زفت. رعد: يا عم، أنت اللي مالكش في الحلويات. جاسر: اخرس أنت وهو، ويلا نتكلم في الشغل. رعد بحقد: مش قبل ما آخد حقي من كريم الشاذلي. جاسر: متقلقش، أنا وراه لحد ما أخليه يشرف في أبو زعبل.
حازم: أنا سمعت إن ثروته كلها من تجارة الأعضاء والمخدرات، دا غير شغله مع المافيا. رعد: ابن... وأنا أقول كل العز دا منين. جاسر بجدية: المهم دلوقتي، خلينا في موضوع دمج الشركتين. أنا كلمت المحامي عشان يجهز أوراق الشراكة، وأنت يا رعد هتمسك معايا مجلس الإدارة، وحازم هيبقى المدير التنفيذي للشركة. حازم: تمام، بس كريم كده مش هيسيبنا في حالنا، خصوصًا لما يعرف بموضوع الشراكة، واللي هيأكد له إننا رجعنا زي الأول.
رعد: لا، سيب الموضوع دا عليا، وأنا هتصرف. المهم دلوقتي نخلص من موضوع الشراكة دا. جاسر: خلاص، وأنا هنظم حفلة عشان نمضي فيها العقود ونبلغ الصحافة بيها. حازم: أنا موافق، على بركة الله. وأخيرًا هنرجع لأيام الشقاوة تاني. رعد: أيوا بقى. جاسر بحدة: احترموا نفسكم وبلاش صياعة. حازم بمرح: دا أنا مش هصيع، بس دا أنا هنحرف، ولا إيه يا رعد. رعد: دوس يا معلم، أنا معاك. جاسر: كده يبقى أنتوا اللي جبتوه لنفسكم.
وهب حتى يمسك بهم، لتتعالى ضحكاتهم المرحة هاربين من بطش جاسر، ليقاطعهم دخول سليم ودموع الفرحة تشق طريقها لعينيه لرؤيتهم هكذا بعد فراق سنوات. رعد: سلومة، واحشني يا راجل. ليقفز في أحضانه الدافئة التي تشعره بوجود والده بجانبه. سليم بعتاب: لو كنت وحشتك كنت اطمنت عليا، ولو بتليفون. رعد: معلش، أنت الكبير برضو، أنا آسف. سليم: لو عايزني أسامحك، تحب تتغدى معايا بكرة؟ أنعام بتسأل عليك على طول، وأهو بالمرة تتعرف على عروسة جاسر.
رعد بغمزة: حلوة. حازم: صاروخ أرض جو. شهر جاسر مسدسه المرخص في وجوههم بغضب: جاسر: اطلع بره أنت وهو، وإلا قسمًا بالله لكون مفرغ المسدس فيكم. وما هي إلا لحظات حتى فروا من أمامه تحت ضحكات سليم السعيدة برجوعهم إلى بعضهم البعض. في بيت نغم، كان الفتيات يجلسن في المطبخ يعدن الغداء وسط مرحهن المعتاد، فرحين بتجمعهم سويًا، لتدلف جدة نغم خديجة قائلة: خديجة: إيه يا بنات، لسه كتير على الغداء.
منى: اقعد أنت يا جميل، وخمس دقايق والأكل يكون جاهز. خديجة: ما أنتوا اللي مرضتوش تساعدوني. نغم: يا تيتة، أنت لسه جاية من السفر، لازم ترتاحي. حور: صح يا تيته، يلا استنينا بره، وإحنا خمس دقايق ونحصلك. خديجة: طب أساعدكم في أي حاجة طيب. الفتيات بصوت واحد: لأ. ضحكت عليهم وخرجت، لتقول منى: منى: في حاجة نسيت أحكي لكم عليها. نغم بحماس: قولي بسرعة.
منى: من يومين كده وبدأت بقص كل ما حدث معها عندما اعترض أولئك الشباب طريقها وحاولوا الاعتداء عليها، وكيف ظهر ذلك الشاب مفتول العضلات لإنقاذها من أيديهم. شهقوا بقوة، لتردف حور: حور: الحمد لله إن ما حصلكيش حاجة. نغم: طب بالنسبة للواد المز اللي أنقذك، أخباره إيه. منى بهيام: هو مز بجد، هيييح، بقى ده حاجة كده انقرضت من زمان. حور: وحياة خالتك، طب ما كنتي طلبتي رقمه أحسن. منى: تصدق صح، إزاي فاتتني دي.
نغم: اتلهي، مش كنتي طلبتي رقمه عشان نوقعه. منى: بس أنا أشوفه تاني ومش هسيبه أبدًا، مش بعيد أغتصبه. حور: يخربيتك، إيه اللي بتقولي ده. نغم: سيبك من البت دي، ركزي معايا، وأنا هخليكي تجوزيه. منى: مش لما ألاقي الأول. نغم: مش أنت قولتي إن قال لك إن اسمه رعد. منى: يا سلام يختي، يعني مصر كلها فيها رعد واحد بس. نغم: لا يا حيلتها، بس هندور على الفيس بوك، وأكيد واحد مشهور زيه وغني زيه هيكون حاطط صورته.
منى: يا بنت اللعيبة، إزاي راحت عن بالي الفكرة دي. نغم: قدرات يا بنتي، أنتِ إيه فهمك في الذكاء. ليسمعوا صوت جرس الشقة، لتقوم نغم بفتح الباب، لتشهق بصدمة عند رؤية ذلك الرجل ضخم الجثة والذي يرتدي جلباب صعيدي ويعلو رأسه عمامة بيضاء، أسمر اللون، يزين وجهه شارب كثيف أسود به بضع شعيرات بيضاء، لتردف بدهشة: نغم: عمي عامر. عامر: أيوا عمك يا فاجرة. نغم: الحقوني. ليخرج الجميع أثر سماع صراخها المستغيث.
عامر بغضب: محدش هينجدك مني يا بت أخوي، فاكرة نفسك هتهربي لحد ميت. نغم: ابعد عني، حرام عليك، أنت عايز مننا إيه. خديجة: سيبها يا عامر، حرام عليك. عامر: لأ، هي لازم ترجع معايا البلد دلوقت عشان تكتب كتابها على ولدي خالد. لتصرخ نغم بفزع من فكرة زواجها من ابن عمها ذلك القاسي الذي لا يعرف الرحمة. نغم بصراخ: نجوم السما أقرب لك أنت وابنك، أنا مستحيل أتجوز ابنك الحيوان ده.
لتخرسها صفعة على وجهها من كفه الكبير، لتبكي بقوة في أحضان جدتها. خديجة: يا راجل، أنت إيه، معندكش دم، دي مهما كانت بنت أخوك اليتيمة، كل ده عشان الورث والفلوس، ملعون أبو الفلوس اللي تخليك قاسي على لحمك كده. عامر: بت أخوي لابن عمها، وده آخر كلام عندي، يلا لمي خلجاتك عشان نرجعوا البلد.
تقف حور مصدومة من ذلك العم القاسي القلب على ابنة أخيه، لتلمع في رأسها فكرة حتى تستطيع إنفاذ صديقتها، لتأخذ هاتفها مسرعة تتصل بجاسر حتى يساعدها. كانوا يجلسون في المكتب منهمكين في العمل لدمج شركة الشرقاوي على مجموعة شركات الدمنهوري، ليسمع رنين هاتفه يضيء باسمها، ليلتقطه بلهفة يرد عليها. جاسر بحب: حورية قلبي، عاملة إيه. حور بفزع: الحقني يا جاسر. انتصب واقفًا ليردف بقلق: جاسر: في إيه يا حور، مالك.
حور: تعالى بسرعة بيت نغم، عمها اتهجم علينا وعايز ياخدها بالعافية. جاسر: طب طب، اهدي، أنا جاي حالًا. لينظروا له بقلق من هيئته، فقال رعد: رعد: في إيه يا جاسر، إيه اللي حصل. جاسر: حور بتقول إن عم نغم اتهجم عليهم وعايز ياخدها بالعافية. لا يدري لما شعر بنغزة كبيرة في قلبه عند ذكر اسمها وأنها في ورطة تطلب المساعدة. حازم: طب يلا، إحنا جايين معاك. جاسر: يلا. لينطلقوا مسرعين حتى يستطيعوا إنقاذ ما يحدث. في منزل نغم، عامر:
عامر: بسرعة عشان نمشي، يلا هملي... "عايز تاخد مراتي لفين؟ التفت الجميع إلى مصدر الصوت بصدمة، ليجدوا حازم يقف واضعًا يديه في جيب بنطاله ببرود وغضب. عامر: أنت مين يا جدع أنت، ومرتك كيف يعني. رعد: اللي سمعته، مش قال لك مراته. جاسر: أيوا مراته، وفرحهم كمان شهر. عامر بشك: وأنا إيه اللي يثبت لي كلامكم ده. حازم ببرود: مفيش إثبات غير القسيمة اللي هتطلع كمان يومين. ليلفت إلى تلك المصدومة من الحديث قائلاً:
حازم: مش كده يا روحي. خديجة مسرعة: أيوا كده يا عامر، أنا جوزتها، واللي قدامك ده يبقى جوزها. عامر بغضب: من غير ما ترجعي لي يا خديجة، هي دي الأصول يا بت الأكابر. خديجة بغضب: أنت طول عمرك ظالم يا عامر، أكلت حق أخوك زمان لما عصيت أبوه عليه، ودلوقتي عايز تاخد حق بنته لما تجوزها لابنك عشان يعذبها وياخد ورثها، أنت إيه يا خي، متعرفش ربنا، حفيدة أخويا دلوقتي على ذمة راجل يحميها منك ومن ابنك ومن شركم.
جاسر بجدية: دلوقتي تقدر تروح بعد ما اطمنت، ولما القسيمة تتطلع هنقول لك. عامر: أنا ماشي دلوقت، بس أنا هرجع عشان أتأكد. وخرج غاضبًا يتوعد لهم بالكثير. رعد: إيه الحل دلوقتي، الراجل ده مش هيسكت غير لما يتأكد إن كلامنا صح. جاسر بجدية: مفيش حل غير إن حازم يتجوز نغم. حازم: تيتة خديجة، أنا بطلب منك إيد نغم عشان أقدر أحميها وأكون راجلكم. خديجة بجدية: وأنا واثقة من إنك تقدر تحميها يا بني، ابعت هات المأذون.
نغم بصراخ: إيه اللي بتقولي ده يا تيته، أنا مش موافقة. خديجة بلهجة لا تقبل النقاش: أنا اللي أقوله يمشي، وأنا خلاص قررت إنك تتجوزي حازم. نغم بدموع: بس يا تيته. خديجة بحزم: مفيش بس، اللي أقوله يتنفذ، يلا يا حازم شوف مأذون عشان نتمم الموضوع. بعد قليل، كان المأذون قد أتم إجراءات، لتصبح بعدها نغم مدام حازم الشافعي.
ترقرقت الدموع في عينيها العسليتين اللامعتين، ليتمنى أخذها بين أحضانه يخفف من ألمها، يقسم بداخلها أنه سوف يأخذ حقها من عمها وابنه، ليعيد البسمة لشفتيها المغريتين كحبات الكرز الشهية، كم يتمنى تذوقها ومعرفة طعمها، ليفيق من تخيلاته المنحرفة على صوت جاسر مردفًا: جاسر: ألف مبروك يا صاحبي. حازم بابتسامة: الله يبارك فيك. رعد: ألف مبروك يا دنجوان، أخيرًا دخلت القفص. حازم: الله يبارك فيك، عقبالك.
رعد وهو ينظر إلى تلك الفاتنة التي تجلس بجانب حور تطالعه بنظرات هائمة، ليبتسم بخبث: رعد: قريب إن شاء الله. حازم بغمزة: إيه، شكل الصنارة غمزت لك. لزمه في كتفه بغيظ: رعد: ما تخليك في حالك. حازم بمرح: ماشي يا عم، الله يسهلها. استأذن الجميع للمغادرة، ليطلب حازم من خديجة ضرورة المكوث عندهم الليلة حتى يضمن عدم عودة ذلك المدعو عامر، ليبتسم يطالعها بنظرات ماكرة ثعلبية عند موافقة جدتها، لتهب بعصبية مفرطة قائلة:
نغم: تبات فين، أنت اتجننت. حازم ببرود: أنا بايت في بيت تيته خديجة، وهي موافقة، مش كده يا تيته. خديجة بابتسامة: كده يا حبيبي، البيت بيتك، أنت مبقتش غريب. لتلتفت إلى نغم قائلة: خديجة: يلا يا نغم، وظبي أوضة الضيوف عشان حازم. نغم وهي تتصنع الألم: إيدي واجعاني، مش قادرة. حازم بابتسامة ماكرة: مفيش مشكلة يا تيته، أنا ممكن أنام معاها في الأوضة إذا معندكيش مانع. خديجة: مفيش مشكلة يا حبيبي، ما أنت جوزها برضو.
نغم: ينام فين دا، على جثتي. خديجة بهمس: لمي نفسك بدل ما أرزعك علقة زي زمان. نغم: أُف بقى. حازم ممثلاً النعاس: طب ممكن أعرف الأوضة فين عشان تعبان، هموت وأنام. خديجة: اتفضل يا بني، وري له الأوضة يا نغم.
في غرفة نغم، وقف يتأمل تلك الحجرة الطفولية إلى حد ما، حيث يغلب عليها اللون الوردي بخزانة ملابس بيضاء كبيرة وطاولة للمذاكرة وفراش وثير بأغطية وردية، يعلو الحائط بجانبه صورة كبيرة لها تشع بالبراءة، ليبتسم وقد أدرك أنه تزوج طفلة بجسد أنثى فاتنة، ليقاطع شروده صوتها الحانق: نغم: أنت هتفضل سرحان كده كتير. حازم: بس يا بت. وقد قفز على فراشها يمدد جسده بأريحية، لتهتف غاضبة: نغم: أنت مجنون، أنت هتنام على سريري كمان.
ليرفع حاجبه باستنكار: حازم: أومال أنام على الأرض. بعثت يديها على صدره لتقول: نغم: وليه لأ، بس أنا عشان كفاءة هخليك تنام على الكنبة. حازم بسخرية: لا والله، فيكي الخير. نغم: والله هو دا اللي عندي، واتفضل نام على الكنبة. حازم: بصي بقى، أنا هنام على السرير برضاكي أو غصبن عنك، ويلا اطفى النور عشان بحب أنام في الضلمة. ليوليها ظهره ويغمض عينيه مصطنعًا النوم. بعد قليل، اقتربت منه لتتأكد من نومه، لتقول بهمس:
نغم: حازم، أنت يا بني آدم. ولكنها لن تجد ردًا، فتمددت بجانبه وذهبت في نوم عميق. التفت عندما أحس بانتظام أنفاسها، ليأخذها لتتوسد صدره العريض، ليضمها إليه مستلذًا بقربها، ليغمض جفونه مستسلمًا لسلطان النوم. في أسفل بناية منزل نغم، كان يقف كلا من جاسر وحور ورعد ومنى، ليطلب جاسر من رعد إيصال منى لبيته، ليدق قلبه فرحًا، ليردف قائلاً: رعد: اتفضلي يا آنسة منى. ركبت بجانبه و نبضات قلبها تتعالى، تقسم أنها باتت مسموعة له،
لتقول بوجه محمر: منى: شكرًا. طوال الطريق ظلت صامتة لا تقوى على الحديث، ليقطع صمتهم مردفًا: رعد: بتدرسي إيه يا آنسة منى. منى بخجل: هندسة معمارية. رعد بحماس: حلو جدًا، يبقى شغلك عندي في الشركة بعد ما تتخرجي. منى: متشكرة جدًا، أنا كنت لسه بفكر في موضوع الشغل ده. رعد: أنتِ بتفكري تشتغلي من دلوقتي. منى بتردد: آه، يعني لو مفيش مانع. رعد بسرعة: لا عادي، إيه رأيك تشتغلي السكرتيرة بتاعتي.
منى: بس أنا مهندسة، مش هفهم في شغل السكرتارية. رعد: لا متقلقيش، ده حاجة سهلة جدًا، اديني أنت بس رقمك، وأنا هتصل بيكي أقول لك على معاد المقابلة. منى: ماشى. رعد: وصلنامنى وهي تنزل من السيارة. منى: شكرًا يا أستاذ رعد. رعد: بلاش الألقاب، أنا مبحبهاش، قولي رعد بس. منى بخجل: ماشي. ليقاطعها قائلاً: رعد: ها. منى بابتسامة خجولة: رعد.
لتدلف شقتها مسرعة تهدأ من ضربات قلبها النابض، بينما وقف يطالع أثرها بابتسامة حالمة، واعدًا بأنها سوف تكون ملك الرعد قريبًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!