عادت حور إلى القصر بعد يوم شاق طويل. تدعو على مازن بالهلاك فقد كانت حقا متعبة لا تقوى على الحركة. تنهدت بتعب وهي تلقي بنفسها على فراشها الوثير. ما هي إلا ثوانٍ حتى أخذها سلطان النوم. *** في شركة الدمنهوري. يبدأ جاسر بالعمل بكل جهد على الصفقة الجديدة الذي يشاركه فيها صديقه السابق وعدوه في السوق رعد الشرقاوي. أرجع رأسه إلى الخلف وزفر بقوة دلالة على إنهاكه الشديد في العمل. سمع صوت طرقات ناعمة على باب مكتبه فعرف صاحبها.
دخلت سهى تتغنج في مشيها بدلال مغري، تمسك بيدها أحد الملفات التي طلبها جاسر. وضعت الأوراق بخفة وبدأت تحوم حول كرسيه الأسود الفخم. تلف يديها حول كتفيه برقة لتبدأ بعدها بعمل مساج خفيف لتحد من تعبه وإرهاقه. بات مستسلمًا لها ليغمض عينيه براحة دلالة على استمتاعه بما تفعل. ابتسمت بعشق بالغ فهي تعشق جاسر بالرغم من جفائه معها في معظم الأوقات، ولكنها تعرف كيف تصل به إلى أقصى درجات النشوة والاستمتاع.
أدار كرسيه فجأة ليسحبها، فتقع على قدميه. شهقة قوية خرجت منها سرعان ما كتمها بفمه حين التقط شفتيها يقبلها بقوة. بادلته إياها على الفور، قبلة لا تمد للحب بصلة. شدد على خصرها يكاد يكسر عظامها. هي تعلم أن فترة وجودها بحياته مؤقتة وتنتظر اليوم الذي يخرجها منها، لكنها أرادت أن تستمتع بقربه ودفء أحضانه.
لا يدري من أين قفزت صورة حور إلى خياله. ابتعد عنها لاهثًا، يرجع رأسه إلى الوراء يلتقط أنفاسه المبعثرة. سرعان ما أبعدها عن حجره بنعومة خشنة قائلًا: جاسر بحدة: اطلعي بره. سهى بحزن: ليه بس أنا عملت إيه؟ جاسر: انت ما عملتيش حاجة، أنا اللي مضغوط شوية وعايز أبعد عن كل حاجة. سهى وهي تقترب منه لتحضنه من الخلف: أنا هريحك من كل تعب، أنا بحبك يا جاسر.
جاسر بغضب: قولتلك ميت مرة، ده مش حب اللي بينا، عمره ما كان حب. انت أكتر واحدة عارفة إني أنا مش بتاع الكلام الفاضي ده، لأني مبصدقش إن في حاجة اسمها حب. إحنا مع بعض عشان مزاجنا وبس، وكل واحد عايز حاجة معينة من التاني وبيخدها، عشان كده بلاش الكلام الفارغ اللي شاغلة نفسك بيه ده. وأمسك ذراعها بقوة، وأنا بحذرك يا سهى، أوعي تفكري تلعبي معايا، عشان وقتها حتشوفي وش عمرك ما شفتيه.
بدأت الدموع تتساقط من زرقويتيها بشدة. ترك ذراعها بعنف. لملمت شتات نفسها وخرجت تندب حظها الذي أوقعها في عشق من لا يرحم. زفر جاسر بضيق وجلس يفكر بما سيفعله بتلك الجنية صاحبة الأعْيُن الزيتونية. فما زالت لتلك الحكة آثارها على جسده. لولا أنه مر على إحدى الصيدليات لشراء الدواء المناسب لما استطاع مباشرة عمله. ظل يفكر ويفكر حتى أخرج من جيبه ذلك القرط الذهبي الخاص بها وأخذ يتأمله، والابتسامة عرفت طريقها إلى شفتيه، متعجبًا
من نفسه ويتساءل: ترى ما سر تعلقه وتفكيره الدائم بها؟ تنهد بعمق والتقط جواله يهاتف أحداً. *** في المساء. عاد جاسر إلى القصر يتلفت يميناً ويساراً يبحث عن مشاغبته فلم يجدها. قابل أنعام في طريقه ليبتسم لها فتبادله البسمة بحنان أم لابنها. جاسر: مساء الجمال على أحلى أنعام في الدنيا. أنعام بضحك: يا بكاش، مجتش للغدا ليه النهاردة، مع إنّي منبهة عليك الصبح.
جاسر: معلش يا ست الكل، والله كنت شغال على الصفقة الجديدة والوقت سرقني فما قدرتش أجي. سماح المرة دي. أنعام بحنان: ربنا يوفقك يا بني ويبعد عنك كل شر. أمسك جاسر يديها وقام بتقبيلهما. جاسر: أيوه بقى، عايز كل يوم دعوة زي دي. أنعام وهي تمسد على شعره بحنان أم: بدعيلك يا بني على طول، يلا اطلع غير هدومك عشان نتعشى مع بعض. جاسر: ماشي يا قمري، ربنا يخليكي ليا يا رب. أنعام: ويخليك ليا يا حبيبي، وأفرح بيك قريب يا رب.
جاسر: ما بلاش السيرة دي، انت عايزة تخلصي مني وخلاص. أنعام: يا حبيبي أنا عايزة أفرح بيك وأشوف ولادك بينطوا حوليّ ويقولوا لي يا تيته. جاسر بمرح: انت عايزة تكبري وخلاص. أنعام: أنا عايزة أكبر، ملكش دعوة، اتجوز أنت بس وهات الولاد. جاسر بوقاحة: إن كان على الولاد، أقدر أجيبهم ومن غير جواز كمان، انت تؤمر يا جميل. وأنهى حديثه بغمزة ماكرة وخبيثة. لكزته أنعام
بقوة في كتفه وقالت بحدة: امشي من قدامي يا قليل الرباية، أنا أصلاً معرفتش أربي. تعالت ضحكات جاسر المرحة وصعد إلى غرفته حتى يبدل ملابسه. ***
أما في غرفة حور فكان الوضع مختلف. كانت تتوسط فراشها وتضع سماعات الأذن الخاصة بها وتستمع إلى أغانيها المفضلة، التي كانت أغاني للمهرجانات الشعبية. انتفضت من الفراش بحماس عندما أتى مقطعها المفضل، تتراقص على أنغامه بمرح وخفة جعلت خصلات شعرها الطويلة تتهاوى على ظهرها بإغراء شديد. ظلت فترة ترقص وتتمايل ببراعة مغرية، غافلة عن ذلك الذي كان يراقبها بهدوء شديد، عكس النيران التي كانت تشتعل في جسده. أحس بارتفاع درجة حرارة جسده
عندما رآها بتلك الهالة المثيرة. فقد كانت ترتدي منامة بيتية قصيرة باللون الوردي تصل إلى قبل ركبتها، تظهر ساقيها الناعمتين، عليها رسومات كرتونية لأميرات ديزني. أدرك في تلك اللحظة أنها لابد أن تكون له ولن تكون لأحد غيره. هي قادرة أن تجعل كل النساء أموات أمامها، لأنه لا يرى غيرها. وقرر في نفسه قرارًا عزم على تنفيذه قريبًا.
أفاقت حور من دوامة مرحها وأدركت أن باب غرفتها كان مفتوحًا بشكل ملحوظ. قفزت تغلقه بسرعة ووضعت يدها على قلبها مردفة: يا نهار أسود، ليكون حد شافني كده! أنا الغباء ده، كان المفروض أتأكد إن الباب مقفول. وقفت أمام المرآة تتطلع إلى مفاتنها بفخر، وتحرك يدها على جسدها ترسم معالمها لتتأكد من جمالها، فهي ممشوقة الجسد، نحيلة الخصر، ممتلئة في الأماكن المناسبة لأي أنثى. قالت بغرور أنثوي: طب والله أنا مزة.
لا تدري كيف خطر على بالها جاسر وبدأت خيالاتها بالانحراف تدريجياً عندما قفزت صورتها وهي بين أحضانه. انتبهت لنفسها أخيرًا وضربت جبينها قائلة: حور: إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ انحرفت بدري يا حور. سمعت طرقات على باب غرفتها فقالت: ادخلي يا منى. دخلت منى ببشاشة وجه: بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده يا حور. حور: انتي اللي عيونك حلوة. منى: دا انتي لو اتجوزتي مش بعيد تموتيه بجمالك ويفلسع منك بدري بدري. قهقهت بصوت
عالي مسموع وأردفت بمرح: والله انت عسل. ضربت منى جبهتها وقالت: نسيت، كنت جاية ليه؟ ست أنعام بتقولك انزلي عشان العشا جاهز. حور: حاضر، هلبس بسرعة وأجي. منى: حاضر.
خرجت منى تتبعها أعين حور المبتسمة بفرح على تلك الصديقة المرحة التي عوضتها عن غياب نغم طول فترة جلستها في القصر. فمنى أكبر، فهي في الثانية والعشرين من عمرها، فتاة على قدر عالٍ من الجمال، تمتلك أعين عسلية وأهداب كثيفة وشفاه كرزية مع بشرة قمحية تناسب شعرها العسلي الطويل. فهي تعمل بدلاً من والدتها المريضة وهي طالبة بكلية الهندسة. تنهدت بقوة وهي تدعو حتى لا ترى ذلك المتعجرف على طاولة العشاء.
أبدلت ملابسها إلى فستان بنفسجي بسيط مع حجاب أبيض اللون وخرجت لتناول وجبة العشاء مع جدها. ترأس سليم مائدة الطعام وبجانبه حور وأنعام. أحست براحة كبيرة عند عدم وجود جاسر وابتسامة واسعة شقت ثغرها الوردي لتغيبه عن الطاولة. ما لبثت حتى اختفت ابتسامتها عندما وجدتـه ينزل من أعلى درجات السلم الرخامي، يرتدي بنطالاً من اللون الأسود مع قميص أبيض يبرز عضلات جسده القوية. إطلالة باهرة حقاً، هذا ما حدثت به عقلها السارح لرؤيته بتلك الهيئة. أفاقت سريعًا مدركة نفسها لتنظر إلى طعامها تدعي عدم الاهتمام.
لاحظ جاسر نظراتها الهائمة به وابتسم ابتسامة جانبية لم تلحظها. جلس جوار أنغام وألقى التحية على الجميع. بدأ الكل بتناول الطعام بهدوء وصمت مع نظرات جاسر التي لم تفارق حور أبدًا، والذي أدركها أنعام وسليم، الذي ابتسم بخبث وهو يفكر بأمر ما. *** بعد فترة لا بأس بها صعد الكل إلى غرفته لينعم بنوم هادئ بعد يوم طويل.
دلفت حور إلى غرفتها وهي تتذكر نظرات جاسر لها التي أصابتها بالتوتر طوال جلستهم على العشاء. فكت حجابها وانسدل شعرها بانسابية على طول ظهرها. أرجعت بعض الخصلات المتمردة إلى خلف أذنها لتكتشف عدم وجود قرطها الذهبي. أخذت تبحث عنه بجنون لأنه ليس كأي قرط، بل إنه أغلى عندها من أي شيء آخر، فهو ملك لوالدتها الراحلة. توقفت فجأة وهي تتذكر يوم ذهابها لغرفة جاسر، كانت ترتديه وقتها، فلا بد أن يكون هناك. ولكن كيف تستطيع الدخول لغرفته والبحث عنه؟
وفي أي وقت في النهار تكون هي بكليتها، وعندما تعود يعود هو على الغداء، فلن تستطيع البحث وقتها لأنه موجود بالمنزل. أخذت تفكر حتى وجدتها، سوف تنتظر حتى ينام وتذهب إلى غرفته في منتصف الليل وتبحث. فما اكتشفته أن نومه عميق ولا يستيقظ بسهولة. عزمت على ذلك القرار منتظرة الوقت المناسب. حور: أيوه، أكيد هناك، أنا متأكده. هروح أدور بسرعة وأرجع قبل ما يصحى. *** في منتصف الليل تحديدا في تمام الساعة الثانية صباحًا.
تسللت حور بهدوء شديد من غرفتها متوجهة إلى غرفة جاسر، غير مبالية بما ترتديه من منامة قصيرة باللون الأسود اللامع ذات أكمام قصيرة تصل إلى قبل ركبتها. أخذت تلتفت يميناً ويساراً إلى الممر المؤدي لغرفته. فتحت الباب ببطء شديد حتى لا تصدر صوتًا ودخلت الغرفة. وجدتها مظلمة بعد الشيء، لا يضيئها سوى ضوء القمر الصادر عن الشرفة. اتجهت إلى غرفة الملابس لتبحث عن قرطها الذهبي. لم تجد أي أثر له بعد بحث طويل.
تنهدت بتعب وقالت بهمس: يارب، أعمل إيه دلوقتي؟ مش موجود. ده بتاع ماما اللي بحبه. ساعدني ألاقيه. فالتمعت الدموع بعينيها. مسحت دموعها وعادت للبحث عن جديد. فتح مصباح الغرفة فجأة مصاحبًا لصوته: بدوري على ده. التفتت بذعر إلى مصدر الصوت. لم يكن غيره، معذبها جاسر. تجمدت مكانها لا تقوى على الحركة أبدًا، وشل لسانها فجأة. تتطلع إليها بسخرية مردفًا: جاسر: مالك؟ القطة كلت لسانك؟
حور وما زالت على وضعها غير قادرة على فعل شيء. تتمنى لو كان ما تمر به حلمًا تفيق منه بعد قليل. اقترب منها ببطء مخيف، وهي تلقائيًا ترجع إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط. وقف أمامها وحاوطها بكلتا يديه فلا مفر منه. أخذت تنظر إليه بخوف، ولكن تمالكت نفسها وحاولت أن تنطق، فقالت بارتباك شديد: حور: أنا... أنا اااا... جاسر: انت إيه؟ كملي، إيه اللي جابك أوضة واحد في الوقت ده؟ عارفة دي معناه إيه؟
حور بهمس: أنا آسفففة. ممكن تسبني أروح؟ جاسر بخبث: تو تو، أنا مش هسيبك غير ما تقولي كنت جاية عشان إيه. حور بتوتر: ما... انت عارف. جاسر وهو ممسك بالقرط: قصدك ده؟ حور: آه. تطلع جاسر إلى هيئتها المتوترة والمثيرة، وجهها الذي اندفع به حمرة قانية محببة من فرط خجلها، أنفها المحمر وشفتيها الكرزية المنتفخة. يرى كيف سيكون مذاقها، توت بري أم فراولة شهية؟
لم يدري بنفسه إلا وهو يطبق بشفتيه على شفتيها، يقبلها برقة، يمتص من شهد كرزيتها الرائع. شدد على خصرها يضمها إليه حتى تأوهت بشدة. شعر بملوحة دموعها على شفتيه. ضربت صدره ضربات قوية حتى تبعده عنها، لكنه لم يبتعد ولم يبالي باعتراضها، بل نزل يطبع قبلات قوية على طول عنقها الأبيض المرمري الذي تلون بصك ملكيته عليها. نجحت في دفعه أخيرًا بعد دقائق لا تعلم عددها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تهوي بيدها على وجهه بصفعة قوية، سُمع صداها في أرجاء الغرفة. لم تنتظر منه أي رد فعل وركضت إلى الخارج مسرعة.
أما عنه، فاصبحت فيروزتاه قاتمة شديدة السواد من كثرة الغضب، ليس من صفعتها، وإنما من نفسه، كيف سمح لنفسه أن يلوثها وهي بريئة تمامًا؟ ولكنـه اقتنع بأنها أحد ممتلكات الجاسر الثمينة، لا تحق لغيره. ابتسم وهو يمرر إبهامه على شفتيه ويتذكر طعم قبلتها الشهية. أخرج لسانه يبلل به شفتيه حتى يشعر بها مرة أخرى. تمدد على فراشه يتخيلها بجانبه حتى غفا سريعًا.
دلفت إلى غرفتها بدموع منهمرة كالشلال، تلعن نفسها على فعلتها. ندمت كثيرًا لذهابها إلى غرفته، لا بد أنه أصبحت رخيصة في نظره. تحسست شفتيها وتذكرت قبلته وأخذت تبكي كثيرًا. لقد سرق عذرية شفتيها التي كانت تحتفظ بها لزوجها في الحلال. إنه حقًا ماكر، كيف يسمح لنفسه بفعل ذلك معها؟
ارتمت على فراشها تبكي بعنف، تغسل ذنبها. استغفرت كثيرًا وصـلت ركعتين لله حتى يسامحها على خطئها، مع أنها تعلم أنه هو من أخطأ وليست هي. أخذت تدعو كثيرًا حتى نامت على سجادة الصلاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!