الفصل 30 | من 31 فصل

رواية ضحية جاسر الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور

المشاهدات
28
كلمة
5,407
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

كانت تصرخ بشدة، متألمة بكل معاني الكلمة. حقًا، فقد صدقت مريم حين قالت: "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا". تعالت الضربات في بطنها فأصبحت لا تطاق ولا تتحمل. أمسكت بيده تضغط بأظافرها عليها حتى أحدثت جرحًا غائر. لم يبالِ، فكل ما يتمناه هو خلاصها من هذه الأوجاع المهلكة. سالت دموعها وأصبح زيتون عينيها ممتزجًا بلهيب اللون الأحمر من شدة البكاء.

أراد أن يأخذ منها ولو قدر بسيط من ألمها حتى يخفف عنها، لكنه عاجز عن فعل هذا أيضًا. كانت تصارع جاهدة على أخذ أنفاسها اللاهثة، تدعو على نفسها بالهلاك حتى تتخلص من هذه الانقباضات اللعينة. دخلت الطبيبة ومعها مجموعة من الممرضات إلى الغرفة تجهزها للولادة. نقلتها إلى العربة بمساعدتهن. بكت حور بشدة تقول بصراخ: حور: ابعدوه عني، هو السبب في كل اللي أنا فيه ده. أنا بكرهه، بكرهك يا جاسر سامعني.

حاولن كتم الضحكات التي فلتت منهن غصبًا. اقترب منها يمسك بيدها قائلًا بمكر: جاسر: انتِ سافلة ومش راحماني ولا راحمة نفسك بأمارة ابنك. مش واحشك يا جاسر؟ حور: آآآه. نظر إلى الطبيبة برجاء مردفًا: جاسر: هو أنا ممكن أدخل معاها العمليات؟ الطبيبة بجدية: آه ممكن حضرتك. اتفضل مع سناء وهي هتشرحلك تعمل إيه.

حور بصراخ: لااااا، مش عايزااه. ده حيوان. منك لله يا جاسر. كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك. أنا كان مالي ومال الجواز. ما كنت عايشة ملكة زماني. سافل ومش متربي. دخل إلى غرفة العمليات بعد عناء، لاعنة ذلك الجاسر مع طفله الذي يكاد أن يذهب بروحها، مع صوتها الصاخب الذي يصم الآذان. أشفق على حالها بهذه الهيئة، شعرها المبتل، جبينها الذي بات كقطرات المطر من شدة العرق المتصبب على وجهها.

كانت الطبيبة تحثها على الدفع، فتدفع بصراخ عميق يمزق نياط القلب. تزامن من صرختها خروج روح مشتركة بينها وبين الجاسر، لتنطلق صرخة طفولية بريئة معلنة عن وجودها على أرض الواقع. تراقص قلبه فرحًا على أنغام بكاء ذلك البلطجي الذي بات أمامه تمامًا. غطت الدموع فيروزتاه اللامعة بسعادة، شاكرًا المولى عليها. لكنه صدم عندما سمع الطبيبة تأمرها بالدفع مرة أخرى قائلة بصوت متحمس:

الطبيبة: شدي مرة تانية يا مدام حور، شكل فيه بنوتة مستخبية ورا أخوه. مهلاً، هل ما سمعه صحيح؟ هل هناك نسخة أخرى من حوريتي المجنونة؟ دفعت مرة أخرى ليرتفع بكاء صغيرته، قطعة من اللون الوردي. ربما شاء الله أن يعوضه عن ما تحمله من أعباء طيلة حياته. أصبح عشق الجاسر مرصعًا بأطفال من محبوبته. آه حور، إنك تقتليني بكرمك هذا. توسعت حدقة الطبيبة لتقول بصدمة تفوق تخيلها: الطبيبة: مش معقول، فيه بيبي تاني كمان.

نزلت عليهم كلماتها كالصاعقة، لتصرخ حور هذه المرة وبكل قوتها: حور: تلاتة ليه يا مفتري؟ هو أنت عندك ذنب بتخلصه فيا؟ ارحموني، أنا بموت. دوت صرخة الطفل الثالث في أرجاء الغرفة، لتقع حور متعبة على أكتاف جاسر الذي كان ما زال لا يستوعب الصدمة. فهناك ثلاثة أطفال داخل رحمها. الدموع تتسابق في النزول كالشلالات نياجرا في عواصف الشتاء الموسمية. نُقلت حوريتها إلى غرفتها الخاصة بالمشفى.

لم يشأ أن يرى صغاره قبل أن تفيق، أراد أن ينعم بدفء تلك اللحظة معها. جلس بجانبها ينظر إلى وجهها المتعب الذي اختلط بياضه باللون الأحمر دلالة على المشقة التي نالت منها عندما كانت تخرج أرواح عشقهم للحياة. ابتسم ببلاهة، لا يصدق إلى الآن أنه أب لثلاثة أطفال. رق قلبه على ذلك الصغير الذي خرج أولًا. كبيرهم قد ظلمه عندما كان يظن أنه يعترض طريقه دائمًا، لكنه لم يكن بمفرده بل معه جيش آخر يساعده. ترى كيف ستكون أشكالهم؟

حياته معهم التي سوف يطغى عليها قالب الشقاوة والمرح. الغيرة. خر إلى ربه ساجدًا يشكره على هذه النعمة العظيمة. أمسك كفها يطبع قبلة رقيقة على باطنه، شاعرًا بها تحرك أهدابها الكثيفة ببطء، كاشفة عن غاباتها الزيتونية تهتف بصوت ضعيف متعب: حور: جاسر. ضغط على كف يدها قائلًا بلهفة عاشقة: جاسر: أنا هنا يا روح جاسر. جلس بجانبها على طرف الفراش يقبل جبينها بحب شديد متابعًا: جاسر: حمد الله على السلامة يا حبيبتي. نظرت له

بأعين زائغة متعبة مردفة: حور: الله يسلمك. أنا عايزة أشرب. مد يده على الطاولة بجانبه يحضر كأسًا من الماء. تجرعته بشغف جراء جفاف حلقها. قالت بتنهد: حور: اسكت يا جاسر. دا أنا حلمت حلم وحش أوي. حلمت إن أنا ولدت وجبت تلات عيال. والله كنت هقوم أموتك. بس ربنا ستر وطلع حلم. الحمد لله. كتم ضحكته بصعوبة بالغة، فقد كانت تظن أنها تحلم. لكنها بالفعل قد أنجبت له ثلاثة أطفال مشاكسين جاءوا ليفسدوا متعته معها. قالت له بصوت حنون:

حور: جاسر، أنا عايزة أشوف ابني. جاسر: حاضر يا قلبي. وما لبث حتى دلفت الطبيبة ومعها ممرضة تجر أمامها عربة تحمل ثمار عشقهم الأبدي. قربت ملاك الرحمة السرير الخاص بالصغار إلى فراشها. ليرى جاسر الاندهاش على قسمات وجهها. انفرجت حدقة عيناها بشدة وشهقت بقوة مردفة بصدمة: حور: مين دول؟ راوغ حاجبيه بمرح قائلًا: جاسر: التلاتة اللي كنتي بتحلمي بيهم. نظرت له بتوهان تحاول التقاط إشارات لفهم حديثه. مهلاً، هل قال ثلاثة؟

ثلاثة أطفال كانوا بأحشائها طوال تسعة أشهر كاملة. ثقل قدميها، ضيق تنفسها، انتفاخ بطنها المريب كان بسببهم. تعالى صراخ الطفلة الصغيرة بينما أشقاؤها نائمين كالملائكة بأجنحة بيضاء. تحركت غريزة الأمومة داخلها تدعوها لحمل تلك الباكية بشدة. كانت جميلة بحق لا يوصف، بوجنتيها الحمراء التي تجعلك تريد قضمها، ثغر جميل ناعم. ضمتها إلى صدرها بحنان. تعلق قلبها بها بشدة، فهي طفلتها. هدأت قليلاً ليسكن بكاؤها مع احتضان والدتها لها.

فتحت عينيها، تنظر له ببرائة كانها تقول: مرحبًا أمي، أنا هنا. اشتقت لرؤيتك. كانت تضع يدها الصغيرة على خدها. أمعنت النظر إليها لتجد أنها جذبت والداها. نعم، فإن عينيها باللون الفيروزي الفاتح، يسلب القلوب. الطبيبة: ألف مبروك يا مدام حور، يتربوا في عزكم إن شاء الله. كانت في عالم آخر غافلة عن أي كلمة تخرج من أي أحد. ليرد جاسر الذي كان يلتهمهم بنظراته: جاسر: أنا متشكر أوي يا دكتورة.

الطبيبة: على إيه يا جاسر بيه، ده واجبي. مدام حور شكلها مش معانا خالص. الولاد خطفوها. ربنا يباركلك فيهم والف مبروك مرة تانية. جاسر: الله يبارك فيكي. خرجت الطبيبة ليدلف سليم وانعام اللذان كانا ينتظران خروجها بفارغ الصبر. اقترب سليم منهم ليتفاجأ بالتؤمان النائمين على فراشهم ببرائة شديدة. وما الجم لسانه لاحقًا، كام وجود تلك الطفلة بين ذراعيّ حفيدته. ابتسم برفق وسالت الدموع على وجنتيه المجعدة قائلًا بحب:

سليم: بسم الله ما شاء الله، ألف مبروك يا ولاد. شهد ولادة أحفاده. جاسر بابتسامة ماكرة: الله يبارك فيك يا جدي، شوفت قدرات حفيدك. أظن مش حارمك من حاجة. نظر له بشراسة مردفًا بغضب: جاسر: اخرس يا سافل. اتجه جاسر إلى انعام التي تقف تتطلعهم بدموع فرحة سعيدة بما تراه من رونق ساحر يملأ الغرفة. جاسر: إيه يا دادة مش هتقولي حاجة؟ اديني أهو حققتلك أمنيتك وجبتلك بدل الواحد تلاتة. شهيصي بقى. هزته بخفة لتحاكي وجنتيه بحنان أم قائلة:

انعام: ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يسعدكم كمان وكمان. قَبّل يدها التي تربت عليها مردفًا: جاسر: ربنا يخليكي ليا يا ست الكل. التفتوا جميعًا إلى تلك التي تحتضن الصغيران بحب وتطبع القبلات على وجههم بلهفة أم. انتظرت حتى ترى وجه طفلها القابع في رحمها منذ شهور. لا تصدق نضارة الحياة التي أزهرت في بستانها أكاليل من عقود الياسمين العطر، على هيئة ثلاثية الشكل. حور: شايف يا جدو؟ حلوين أوي. ربت سليم على رأس الصغار بنعومة مردفًا

بحنو: سليم: آه يا حبيبتي، ربنا يبارك فيهم ويطلعوا أحسن ناس إن شاء الله. اقترب جاسر هامسًا في أذنها بصوت مغري وقح: جاسر: إيه رأيك فيا؟ أسد مش كده؟ رفعت رأسها تتطالعه بحقد وغضب حارق كأنها نمرة شرسة على وشك الانقضاض على أحد فرائسها قائلة: حور: أنا مش هرد عليك دلوقتي، بس حسابك تقل معايا أوي يا أسد. غمز لها بخبث قائلًا: جاسر: وأنا مستني. دخلت إحدى الممرضات لتخبرهم بضرورة الذهاب حتى تستطيع فحصها.

قَبّل رأس صغاره واشتم رائحة عبيرهم الطفولي المحبب إلى قلبه ليردف برقة مقبلًا شعرها: جاسر: هرجعلك تاني. أومأت برأسها موافقة ولم ترد بكلمة. اجتمع رعد وحازم مع الوفد الإيطالي الذي تم توكيل إليه مهمة التصاميم الداخلية للقرية السياحية، بشكل عام. لذا، فكان الاجتماع طويلًا، نوقش على أثره كل ما يخص المشروع. بعد عدة مجادلات، استقروا على فكرة واحدة تضمن نجاح العمل.

استأذن الوفد مع المترجم وخرجوا تاركين وراءهم جسدين منهكين من شدة التعب. رعد: أنا هموت خلاص. حازم: ومين سمعك. دا أنا بفرفر. ضحك بخفة على حديث صديقه قائلًا: رعد: أنا نفسي أعرف إنت بتجيب الألفاظ دي منين يا بني. إنت راجل متجوز، هتبقى قدوة لعيالك إزاي؟ نهض واقفًا مردفًا بغمزة وقحة: رعد: بمناسبة العيال، أنا طاير بقى. قهقه بشدة ليقول بأنفاس متقطعة: حازم: طول عمرك سافل، مش هتتغير أبدا. التقط مفاتيح سيارته وقال بعبث:

رعد: سايبلك الاحترام. سلام. دلف إلى جناحه يخلع جاكت بدلته، يلقيه على إحدى الأرائك. تنهد بعمق حتى اتسعت رماديتاه بصدمة. إنها كما تركها قبل ساعات، عارية على فراشهم لا يسترها سوى شرشف السرير، فتظهر تلك الأكتاف البيضاء الناعمة التي أهلكت قدرته على التنفس. سحب كمية كافية من الهواء يدخلها لشعبه الهوائية، فإن لم يصب بالجنون، فلابد أن يصاب بأحد السكتات الدماغية أو القلبية، لا يعلم، ولكن حظه سيقع في إحداهن.

تسطح على الفراش بجانبها يحاول إيقاظها. لكن لم تفق، بل ما زاد الطين بلة أنها كانت تتمطى ببطء مغرٍ، مصدرة صوت آهات أذابته كالزبدة الطرية في عمق طنجرة حامية تشتغل النار من تحتها لتحرقها أكثر. إنها تتعمد إثارته، فلتتحمل ما يحدث. هم بالاقتراب منها ليصدع صوت رنين هاتفه. هذا ما كان ينقصه الآن. التقطه ليجيب قائلًا بحنق: حازم: إيه يا ملك الأفتري؟ جاسر: شكلي جيت في وقت مناسب جدا. حازم بهمس: أبو شكلك.

جاسر بحدة: بتقول إيه يا حازم؟ حازم: ما بقولش. عايز إيه البيه كارمني بفضله عليا؟ ومتصل ليه؟ جاسر ببرد: انزل إنت ورعد حالا، أنا محتاج حد معايا لأنك يا حلو بقيت عمو. حازم بفرح: بجد؟ حور ولدت؟ ألف مبروك يا وحش. جاسر: الله يبارك فيك يا عمو. وانجز بقى وبكرة الصبح ألقاكم عندي. سلام. حازم: جزمة. بس الحمد لله، أهو جات حاجة حلوة من وشه. نغم حبيبتي اصحي يا روحي.

بدأت بفتح عينيها الساحرتان كحبات القهوة الطازجة، طارحة بقلبه أرضًا. أحكم سيطرته على نفسه بصعوبة حتى لا يلتهمها حيًا بتلك الهالة المثيرة. نغم بصوت ناعم يشوبه النعاس: عايز إيه يا حازم؟ أنا عايزة أنام. حازم: طب إيه رأيك إن حور جابت بيبي؟ مش عايزة تشوفيه؟ نغم: بجد يا حازم؟ يعني هشوف البيبي أخيرًا؟ أنا فرحانة أوي. هبت منتصبة غير مهتمة بشرشف الغطاء الذي سقط منها. سلط نظره على جسدها المكشوف أمامه بوضوح الشمس في نهارها.

أخرج لسانه يبلل شفتيه وأردف قائلًا: حازم: ما تيجي نكمل اللي كنا بنعمله قبل ما أروح. ضمت الشرشف على جسدها عندما لاحظت نظراته الغير بريئة إليها وقالت بخجل: نغم: إنت قليل الأدب يا زوما. جذبها لترتضم بصدره وعينيه تتركز على شفتيها المنتفخة قائلًا بمكر: حازم: زوما؟ لا دي فيها دخلة من أول وجديد. ومال عليها لاثمًا شفتيها يروي عطش جسده المنادي بكل قطعة فيه باسمها. نغم: ...

في المساء، تجهز ثنائي شهر العسل للنزول إلى القاهرة بعد أخبر حازم رعد بضرورة ذهابهم نظرًا لولادة حور. فرحت منى كثيرًا بسماع ذلك الخبر السعيد، وبالطبع نغم التي لم تكف عن التصفيق والتهليل هائمة بقدوم تلك الأرواح المخملية الباذخة بالطهر. منطلقين إلى مقر ولادة صداقتهم العميقة، الأبدية. وصلوا جميعًا إلى المشفى مباشرة بعد هبوطهم من الطائرة. دخلوا إلى الغرفة التي تقطن بها حورية الجاسر وأطفاله، زينة وروعة حياته.

وجدوا حور ممدة على الفراش وبجانبها كلا من سليم وانعام وجاسر، وكل واحد منهم يحمل طفلًا في يده. صرخ حازم بفزع مردفًا بدهشة: حازم: يخربيتك، مين دول؟ رعد بتحذير: أزعل أوي لو اللي فهمته صح. جاسر ببرودة ممزوجة بالفخر: ولادي، ولاد جاسر الدمنهوري. حازم: إنت بتتكلم بجد ولا إنت خاطفهم وبتشتغلنا؟ ما تشوف حفيدك يا سليم. سليم: بس يا مجنون إنت وهو! يلا باركوا لصاحبكم، ربنا رزقه بتلات عيال مطلعين عيني من ساعة ما وصلوا.

ارتمى رعد وحازم في أحضان جاسر يعانقان بعضهما بحب أخوي تزينه صداقة لا تذبل حتى بمرور الزمن. رعد: ألف مبروك يا غول. وتابع بعبث: بس إيه النظام؟ حازم بغمزة ماكرة: لا عجبتني، أستاذ ورئيس قسم، تلاتة مرة واحدة. انتفض جاسر قائلًا: جاسر: الله أكبر! قر بقى وارشق عينك دي لحد ما تجيب أجلي وأعرفش أساوي العيال الغلبانة دي. رعد بمرح: لا اثبت إنت لسه عايز تخاوي؟

الله يخربيتك دي الطلعة عندك بتلاتة. على ما تخلص تكون البت فرفرة في إيدك. ارحم يا شيخ العرب. عدل من لياقة قميصه قائلًا بسخرية: جاسر: والله ما حدش طلب رأيك. على الأقل أحسن من ناس ما سمعناش خبرهم لسه. قال الاثنان بصوت واحد: قصدك إيه؟ جاسر: معرفش، اللي على راسه بطحة يحسس عليها. حازم: نغم. سليم: ما بس بقى منك ليه؟ أنا مش عارف إيه التربية الزبالة دي. جميعهم بصوت متشفي: تربيتك يا سليم.

احمرت وجنتا الفتيات خجلًا من حديثهم الوقح. اقتربت نغم من سرير الأطفال تحمل واحدًا منهم، ذلك الصغير ذو الأعين الزيتونية الشبيهة بوالدته. تلاعب خده الناعم بحب مردفة بابتسامة: نغم: أنا هاخد ده ليا يا حور. حبيبي يا خلاثي. حور: ما يغلاش عليكي يا حبيبتي، ما إنت خالتو. جاسر بانفعال: هو كيس شيبسي دا ابني يا ماما؟ وتعبان فيها. اشتعل وجهها خجلًا من كلماته الخبيثة لتتصنع عدم الاهتمام حتى لا تصاب بجلطة بسببه.

طرق الباب كلا من يوسف، مروان، مازن، دنيا، علياء. يهنئون حور وجاسر بالمولود حتى كانت الصدمة من نصيبهم أيضًا. مازن بذهول: إيه ده؟ مين دول؟ جاسر بحنق: هو كل ما حد يدخل يسألني من دول يا ناس؟ ارحموني، أقسم بالله ولادي أنا. كده هتنظر وممكن أروح فيها. خفو بقى شوية. مروان وهو يضمه: ما شاء الله عليهم. ربنا يحفظهم لك يا وحش. جاسر: حبيبي يا ميرو، والله إنت اللي في القلب.

بسمة: مبروك يا حور. كلهم زي القمر ما شاء الله. خصوصًا البنوتة الحلوة دي. أنا مش هسيبها أبدًا. حور: الله يبارك فيك يا سوسو، ربنا يسعدك يا رب. كان يوسف يقف بعيدًا ينظر إليهم بسعادة غامرة ممزوجة بالحب الأخوي. فهؤلاء الأطفال هو من اكتشف وجودهم وشهد نموهم داخل أحشائها، هي أخته الثانية كما أخبرها من قبل. تحجرت الدموع في عينيه، لا أحد يعلم مقدار الفرحة التي يشعر بها.

قطع شروده صوت جاسر وهو يربت على كتفه، حاملًا أحد الصغار مردفًا: جاسر: إيه يا خالو؟ مش ناوي تشيل ولاد أختك؟ تلألأت عيناه بفرح شديد يهتف بحماس كبير وهو يضع الصغير الباكي بين ذراعيه: يوسف: جميل أوي، ما شاء الله. استكان الطفل وهدأ من نوبة صراخه العالية ليردف جاسر بابتسامة محبة: جاسر: ده بقى يوسف الصغير. صدمة تعانق على أثرها الواقع بأحضان الدهشة. إشراقات بثت فيه دفء الشمس من جديد.

لم تستطع دموع عينيه على الصمود، فتركت اللجام ونزلت ببطء مختلط بالابتهاج المهلل فرحًا. كبر جاسر في أعين الجميع بهذا القرار، فيوسف يستحق، لأن ما فعله أثمر عن سعادة عائلة بأكملها. جاسر: أنا مهما حاولت أشكرك يا يوسف مش هوفيك حقك بعد ربنا. بسببك أنا النهاردة مع حور وده أقل حاجة ممكن أقدمها عشانكو. توجه بنظره إلى ذلك الغافي بين يديه كأنه أحس بالحب بمن سمي باسمه وتابع: جاسر: شفت بقى؟ أهو نام ولا كأنه نايم في حضن أبوه.

يوسف: أنا مش عارف أقولك إيه يا جاسر، دي أجمل هدية جاتلي في حياتي. وبالنسبة للواد ده أنا هفضل وراه لحد ما يبقى أحسن دكتور في الدنيا. صفقت علياء بمرح قائلة: علياء: طب والتانيين هيتسموا إيه؟ حور بابتسامة: الولد سليم والبنت ريتاج. والتفتت إلى جدها الذي أقرت ماء عينيه مردفة بنعومة: حور: أنا معنديش أغلى منك يا جدو. ربت على جبينها برقة قائلًا: سليم: ربنا يسعدك يا حبيبتي.

بعد يومان خرجت حور من المشفى بصحبة أطفالها إلى قصر الدمنهوري حيث تم تجهيز غرفتهم الخاصة بجميع ما يحتاجونه من مستلزمات حديثي الولادة. كانت غرفة جميلة بمعنى الكلمة، بيضاء ذات ستائر حليبية رائعة. يوجد داخلها ثلاثة أسرة طفولية بأشكال خلابة تخطف الأنظار. ألعاب ودمى تغزوها من كل جانب. وضعت حور أطفالها على فراشهم بمساعدة انعام التي كانت لا تتركها أبدًا وتحاول قدر الإمكان أن تجعلها مهيئة لدور الأم.

ألقت نظرة على تلك الكائنات الرقيقة التي نورت حياتها، والمفرح في الأمر أنهم من حبيبها وزوجها جاسر، قلبها. ابتسمت بحنان فقد رزقها المولى بدل الطفل ثلاثة، ولدان وصبية في قمة الجمال. فتلك الصغيرة لها مكانة خاصة لديها، فمنذ أن قربتها إلى صدرها وأطعمتها أحست بشعور لا يصفه قول. أشاحت بعينيها إلى ذلك ذو الأعين الرمادية، لا تعلم من أين ورثها، ولكن يبدو أن حازم كان له تأثير في حياتهم.

فقد تذكرت عندما أباحت له عن أمنيتها في إنجاب طفل بأعين دخانية ساحرة مثله. تخللت البسمة شفتيها لتلك الذكرى. ما لا يعرفه الجميع أن ذاكرتها أنعشت عندما كانت تصارع الحياة لإخراج أرواحها البريئة إلى ضوء الشمس. سألت الطبيبة وقتها عن ذلك فأخبرتها بأن الضغط الذي كانت تعاني منه قبل الولادة، خاصة مع الصداع الذي كان دائمًا ما يلازمها، هو السبب في عودة ذاكرتها من جديد بمساعدة تلك الآلام القوية.

حمدت ربها كثيرًا على هذه النعم التي ترف عليها من كل جانب كسحب ماطرة في أرض ميتة متصحرة. رفعت رأسها إلى السماء شاكرة، تدعو بدوام الهبة وعدم زوالها. أحست بيد تمتلك خصرها بحنان. أنفاس ساخنة تلهب بشرة عنقها. وجه دافئ يمرمغ في خصلاتها ساحبًا عبيرها داخل صدره. ابتسمت بحب سرعان ما تحول لخبث وهي تدفعه بعيدًا عنها ناظرة إليه بتحدي بالغ يخالطه مكر الأنثى المتوحشة. جاسر بخبث: على فكرة، المفروض تسامحيني.

رفعت حاجبها المنمق مردفة: حور: ودا ليه بقى إن شاء الله؟ اقترب منها يحاصرها مسندًا ذراعيه على فراش أطفاله هامسًا في أذنها بصوت مغري وقح: جاسر: تلاتة في واحد. حور بتلعثم: ابعد عني، أنا لسه زعلانة منك. وأوعى تفتكر إني ممكن أسامحك على اللي عملته. أنا من النهاردة هنام مع ولادي وعمري ما...

ابتلع باقي حديثها في جوفه بقبلة عميقة التقط فيها شفتيها المستفزة في رحلة إلى أعالي جبال العشق، يمتص رحيق المكر والدهاء الموجود في عقلها الذي يسلطها عليه ويحثها على التمرد على فطرة حبهم الخالدة. نزع شفتيه من بريق كرزيتها المسكر ليرى اندفاع الدماء إلى وجنتيها، يغلي خجلًا من هجومه الضاري عليها. احتقن وجه أميرته من فعلته التي كادت تضعفها للحظات. تحسست تورم شفتيها التي استحالت للون الوردي أثر عبثه معها.

حور بخجل غاضب: إنت إيه اللي عملته ده؟ إنت قليل الأدب و... اقترب لاصقًا جسده بها قائلًا بمكر: جاسر: ها، ما تكملي. حور: احترم نفسك يا أستاذ. أطلق ضحكة رنانة هزت أرجاء قلبها النابض بحروف اسمه مردفًا: جاسر: أستاذ إيه؟ ما سمعتش. وتابع بوقاحته المعتادة: جاسر: اومال العيال دي جايبنها إيميلات وشير عبر لاسلكي؟ لم ترد عليه، وإنما أشاحت وجهها الذي تحول إلى لهيب يحرق وجنتيها الناعمة. جاسر بخبث: ما ردتيش يعني يا مدام؟

ارتفع بكاء الصغار ليضطرب قلبها. اقتربت منهم فعلمت من حسها الأمومي أنهم جائعين. رمقته بشراسة وأردفت بحدة: حور: اطلع برة، عايزة آكل العيال. جاسر بابتسامة ماكرة: طب ما تاكليهم، هو أنا غريب؟ مش هشوف حاجة ما شوفتهاش قبل كده. حور بصراخ: بررررره. دوت ضحكاته المستمتعة وبشدة، كأن غضبها وخجلها جرعة هيروين تجعل النشوة تسري في خلاياه الوقحة. بدأ الاستعداد لزفاف دنيا بحماس وشغف رهيب.

أفراح، زينة، روعة منصة تجمع عروسان جمع بينهما خيوط الغرام المتشابكة بعقد لا ينفك أبدًا. بدا كل شيء كالحلم على سطح القمر المنير مرصع بنجوم البهجة والسرور الدائم. شفاه ترسم البسمة، حنين ممتلئ بالحب والحاجة. نُثر عطر أباطرة العشق في كل مكان. فهنا نجد ثنائي العشق الأول جاسر، وحوريته الغاضبة من تملكه لخصرها النحيل. وهناك نرى انبعاث نور الهوى من رقصة الرعد لمناه.

وأخيرًا عناق الحازم لنغمة حياته، طفلته الراشدة التي تعلمت أصول العشق وسطرت حروفها على ليلتهم الماضية. بسمة وطبيب قلبها، مروان والعنيدة التي اقتحمت جدار قلبه المحصن حاملة لقب زوجة الرائد قبل أيام من إقامة الزفاف. همس المازن لدنياه بكلمات تقدر جمال طلتها التي سلبت أنفاسه. عشقها الذي بات يتخلل في جسده كعرق آخر له. ابتسمت بخجل جراء إطرائه المحب. ما عادت تحملها الأرض، فمن يغازلها هو كوكبها المشاكس.

تمنته في الطفولة، فحظيت به في الشباب، لتكتمل سعادة الدنيا بوجود المازن. أسير حبها. مصدقة ما تمر به عند ملامسة شفتيه جبينها. بعد توديع العروسين، وقف جاسر أمام بهو الفندق يبتسم بحب لأثر تلك السيارة التي تحمل من رباها على يده، واليوم تزف إلى من أحبت وعشقت. جاسر: جدي بيقولك يلا عشان نروح. التفت لتلك الوردة الفضية بثوبها اللامع. اقترب يهمس أمامها بحزن وعتاب: جاسر: مش كفاياكي شهر بعيدة عني يا حورية؟ نعم، لقد مر شهر كامل.

تتجاهله تمامًا، تنام بغرفة صغارها وتأخذهم بأحضانها. تتعمد التفتيش في جراح الماضي. جمرات الشوق تحرق كل ذرة من جسده. يوميًا يتسلل إلى غرفة أطفاله يسرق بعض اللحظات الدافئة بقربهم. يشكي لهم تصرفاتها التي تؤلم وتزلزل كيانه. تشعر به كل ليلة وهو يتحدث إليهم بدموع ليث جريح لا يقوى على النهوض. أمسكت بذراعه تحتضنه إليها وقد تلألأت غاباتها الزيتونية ببريق استغربه. قالت له بصوت حنون رقيق: حور: تعالى معايا.

مشى بجانبها كالمنوم مغناطيسيًا. وصلت به أمام غرفة بداخل ذلك الفندق الفخم. فتح باب الحجرة لينصدم من أثر ما يراه من روعة تفوق جمال القمر في ليلة اكتماله. بستان من الورد المنثور في كل جوانبها. أضواء خافتة لا يفهمها إلا العشاق المتيمون. يقسم أن عشقها بات قصائد حب، إن لم تكن معلقات تمزق قلبه إلى فتات صغيرة تحمل كل واحدة منها حرفًا من حروف اسمها. حور... تمعن النظر بها جيدًا قبل أن يلتقط ما يحدث.

رمقها بنظرة عرفتها جيدًا، فقالت وهي تكور يديها على وجهه: حور: إنت كل حاجة ليا يا جاسر. حبيبي وأبو ولادي. أنا قلبي بينبض باسمك إنت بس. إنت حبي الأول والأخير. كل اللي كنت عايزاه إني أعلمك درس، بس أنا مش ممكن أزعل منك أبدًا. إنت روحي والنفس اللي بيخرج مني. بعشقك يا روح الحورية. جذبها لترتضم بصدره. يدخلها إلى أعماق صدره، يستنشق عطر جسدها الذي حرم منه لشهر كامل. هامسًا أمام شفتيها قائلًا:

جاسر: إنت عشقي. عشق الجاسر اللي تمكن منه وبقى إدمان. إنتي جرعة الهيروين بتاعتي يا حورية. خطفها في قبلة بثت الحياة في قلبه الميت منذ أسابيع. التهَم حقه من ثنايا شفتيها، تلك المتمردة التي أذاقته العذاب أضعاف. أقسم أن يأخذ حق كل ليلة قضاها بعيدًا عن دفء أحضانها. بعثر مشاعرها. تحركت يداه تتجول على جسدها بجرأة تفوق توقعاتها لتصدم بعدها، شاعرة بنفسها أسفله مجردة من كل ما يستر مفاتنها.

شهقت بقوة، لكنها سرعان ما فاجأته بجرأتها قائلة وهي تداعب خصلات شعره: حور بهمس: بلاش نظرية تلاتة في واحد. ابتسم بمكر شديد ليرد بوقاحة أكبر: جاسر: إنت تؤمر يا جميل. نمشيها اتنين في واحد. خرجت منها ضحكات ناعمة تهلك القديس ليردف بوعيد عائبث: جاسر: هعوض كبت شهر وإنت وحظك.

سحب الجاسر حوريته إلى أعماق بحار عشقه وشغفه اللامتناهي بين مكنونات أحضانها التي ترعش جسده المشتاق لقربها، معوضًا ما فاته بحب خالص ممزوج بالشراسة المدفونة منذ زمن طويل لتصبح بعدها ضحية الجاسر. يوسف، سليم، ريتاج، نتيجة عشق الجاسر لحورية قلبه. في المساء، تجهز ثنائي شهر العسل للنزول إلى القاهرة بعد أخبر حازم رعد بضرورة ذهابهم نظرًا لولادة حور.

فرحت منى كثيرًا بسماع ذلك الخبر السعيد، وبالطبع نغم التي لم تكف عن التصفيق والتهليل هائمة بقدوم تلك الأرواح المخملية الباذخة بالطهر. منطلقين إلى مقر ولادة صداقتهم العميقة، الأبدية. وصلوا جميعًا إلى المشفى مباشرة بعد هبوطهم من الطائرة. دخلوا إلى الغرفة التي تقطن بها حورية الجاسر وأطفاله، زينة وروعة حياته. وجدوا حور ممدة على الفراش وبجانبها كلا من سليم وانعام وجاسر، وكل واحد منهم يحمل طفلًا في يده. صرخ حازم بفزع مردفًا

بدهشة: حازم: يخربيتك، مين دول؟ رعد بتحذير: أزعل أوي لو اللي فهمته صح. جاسر ببرودة ممزوجة بالفخر: ولادي، ولاد جاسر الدمنهوري. حازم: إنت بتتكلم بجد ولا إنت خاطفهم وبتشتغلنا؟ ما تشوف حفيدك يا سليم. سليم: بس يا مجنون إنت وهو! يلا باركوا لصاحبكم، ربنا رزقه بتلات عيال مطلعين عيني من ساعة ما وصلوا. ارتمى رعد وحازم في أحضان جاسر يعانقان بعضهما بحب أخوي تزينه صداقة لا تذبل حتى بمرور الزمن. رعد: ألف مبروك يا غول.

وتابع بعبث: بس إيه النظام؟ حازم بغمزة ماكرة: لا عجبتني، أستاذ ورئيس قسم، تلاتة مرة واحدة. انتفض جاسر قائلًا: جاسر: الله أكبر! قر بقى وارشق عينك دي لحد ما تجيب أجلي وأعرفش أساوي العيال الغلبانة دي. رعد بمرح: لا اثبت إنت لسه عايز تخاوي؟ الله يخربيتك دي الطلعة عندك بتلاتة. على ما تخلص تكون البت فرفرة في إيدك. ارحم يا شيخ العرب. عدل من لياقة قميصه قائلًا بسخرية:

جاسر: والله ما حدش طلب رأيك. على الأقل أحسن من ناس ما سمعناش خبرهم لسه. قال الاثنان بصوت واحد: قصدك إيه؟ جاسر: معرفش، اللي على راسه بطحة يحسس عليها. حازم: نغم. سليم: ما بس بقى منك ليه؟ أنا مش عارف إيه التربية الزبالة دي. جميعهم بصوت متشفي: تربيتك يا سليم. احمرت وجنتا الفتيات خجلًا من حديثهم الوقح. اقتربت نغم من سرير الأطفال تحمل واحدًا منهم، ذلك الصغير ذو الأعين الزيتونية الشبيهة بوالدته. تلاعب خده

الناعم بحب مردفة بابتسامة: نغم: أنا هاخد ده ليا يا حور. حبيبي يا خلاثي. حور: ما يغلاش عليكي يا حبيبتي، ما إنت خالتو. جاسر بانفعال: هو كيس شيبسي دا ابني يا ماما؟ وتعبان فيها. اشتعل وجهها خجلًا من كلماته الخبيثة لتتصنع عدم الاهتمام حتى لا تصاب بجلطة بسببه. طرق الباب كلا من يوسف، مروان، مازن، دنيا، علياء. يهنئون حور وجاسر بالمولود حتى كانت الصدمة من نصيبهم أيضًا. مازن بذهول: إيه ده؟ مين دول؟

جاسر بحنق: هو كل ما حد يدخل يسألني من دول يا ناس؟ ارحموني، أقسم بالله ولادي أنا. كده هتنظر وممكن أروح فيها. خفو بقى شوية. مروان وهو يضمه: ما شاء الله عليهم. ربنا يحفظهم لك يا وحش. جاسر: حبيبي يا ميرو، والله إنت اللي في القلب. بسمة: مبروك يا حور. كلهم زي القمر ما شاء الله. خصوصًا البنوتة الحلوة دي. أنا مش هسيبها أبدًا. حور: الله يبارك فيك يا سوسو، ربنا يسعدك يا رب.

كان يوسف يقف بعيدًا ينظر إليهم بسعادة غامرة ممزوجة بالحب الأخوي. فهؤلاء الأطفال هو من اكتشف وجودهم وشهد نموهم داخل أحشائها، هي أخته الثانية كما أخبرها من قبل. تحجرت الدموع في عينيه، لا أحد يعلم مقدار الفرحة التي يشعر بها. قطع شروده صوت جاسر وهو يربت على كتفه، حاملًا أحد الصغار مردفًا: جاسر: إيه يا خالو؟ مش ناوي تشيل ولاد أختك؟ تلألأت عيناه بفرح شديد يهتف بحماس كبير وهو يضع الصغير الباكي بين ذراعيه:

يوسف: جميل أوي، ما شاء الله. استكان الطفل وهدأ من نوبة صراخه العالية ليردف جاسر بابتسامة محبة: جاسر: ده بقى يوسف الصغير. صدمة تعانق على أثرها الواقع بأحضان الدهشة. إشراقات بثت فيه دفء الشمس من جديد. لم تستطع دموع عينيه على الصمود، فتركت اللجام ونزلت ببطء مختلط بالابتهاج المهلل فرحًا. كبر جاسر في أعين الجميع بهذا القرار، فيوسف يستحق، لأن ما فعله أثمر عن سعادة عائلة بأكملها.

جاسر: أنا مهما حاولت أشكرك يا يوسف مش هوفيك حقك بعد ربنا. بسببك أنا النهاردة مع حور وده أقل حاجة ممكن أقدمها عشانكو. توجه بنظره إلى ذلك الغافي بين يديه كأنه أحس بالحب بمن سمي باسمه وتابع: جاسر: شفت بقى؟ أهو نام ولا كأنه نايم في حضن أبوه. يوسف: أنا مش عارف أقولك إيه يا جاسر، دي أجمل هدية جاتلي في حياتي. وبالنسبة للواد ده أنا هفضل وراه لحد ما يبقى أحسن دكتور في الدنيا. صفقت علياء بمرح قائلة:

علياء: طب والتانيين هيتسموا إيه؟ حور بابتسامة: الولد سليم والبنت ريتاج. والتفتت إلى جدها الذي أقرت ماء عينيه مردفة بنعومة: حور: أنا معنديش أغلى منك يا جدو. ربت على جبينها برقة قائلًا: سليم: ربنا يسعدك يا حبيبتي. بعد يومان خرجت حور من المشفى بصحبة أطفالها إلى قصر الدمنهوري حيث تم تجهيز غرفتهم الخاصة بجميع ما يحتاجونه من مستلزمات حديثي الولادة. كانت غرفة جميلة بمعنى الكلمة، بيضاء ذات ستائر حليبية رائعة.

يوجد داخلها ثلاثة أسرة طفولية بأشكال خلابة تخطف الأنظار. ألعاب ودمى تغزوها من كل جانب. وضعت حور أطفالها على فراشهم بمساعدة انعام التي كانت لا تتركها أبدًا وتحاول قدر الإمكان أن تجعلها مهيئة لدور الأم. ألقت نظرة على تلك الكائنات الرقيقة التي نورت حياتها، والمفرح في الأمر أنهم من حبيبها وزوجها جاسر، قلبها. ابتسمت بحنان فقد رزقها المولى بدل الطفل ثلاثة، ولدان وصبية في قمة الجمال.

فتلك الصغيرة لها مكانة خاصة لديها، فمنذ أن قربتها إلى صدرها وأطعمتها أحست بشعور لا يصفه قول. أشاحت بعينيها إلى ذلك ذو الأعين الرمادية، لا تعلم من أين ورثها، ولكن يبدو أن حازم كان له تأثير في حياتهم. فقد تذكرت عندما أباحت له عن أمنيتها في إنجاب طفل بأعين دخانية ساحرة مثله. تخللت البسمة شفتيها لتلك الذكرى. ما لا يعرفه الجميع أن ذاكرتها أنعشت عندما كانت تصارع الحياة لإخراج أرواحها البريئة إلى ضوء الشمس.

سألت الطبيبة وقتها عن ذلك فأخبرتها بأن الضغط الذي كانت تعاني منه قبل الولادة، خاصة مع الصداع الذي كان دائمًا ما يلازمها، هو السبب في عودة ذاكرتها من جديد بمساعدة تلك الآلام القوية. حمدت ربها كثيرًا على هذه النعم التي ترف عليها من كل جانب كسحب ماطرة في أرض ميتة متصحرة. رفعت رأسها إلى السماء شاكرة، تدعو بدوام الهبة وعدم زوالها. أحست بيد تمتلك خصرها بحنان. أنفاس ساخنة تلهب بشرة عنقها.

وجه دافئ يمرمغ في خصلاتها ساحبًا عبيرها داخل صدره. ابتسمت بحب سرعان ما تحول لخبث وهي تدفعه بعيدًا عنها ناظرة إليه بتحدي بالغ يخالطه مكر الأنثى المتوحشة. جاسر بخبث: على فكرة، المفروض تسامحيني. رفعت حاجبها المنمق مردفة: حور: ودا ليه بقى إن شاء الله؟ اقترب منها يحاصرها مسندًا ذراعيه على فراش أطفاله هامسًا في أذنها بصوت مغري وقح: جاسر: تلاتة في واحد.

حور بتلعثم: ابعد عني، أنا لسه زعلانة منك. وأوعى تفتكر إني ممكن أسامحك على اللي عملته. أنا من النهاردة هنام مع ولادي وعمري ما... ابتلع باقي حديثها في جوفه بقبلة عميقة التقط فيها شفتيها المستفزة في رحلة إلى أعالي جبال العشق، يمتص رحيق المكر والدهاء الموجود في عقلها الذي يسلطها عليه ويحثها على التمرد على فطرة حبهم الخالدة. نزع شفتيه من بريق كرزيتها المسكر ليرى اندفاع الدماء إلى وجنتيها، يغلي خجلًا من هجومه الضاري عليها.

احتقن وجه أميرته من فعلته التي كادت تضعفها للحظات. تحسست تورم شفتيها التي استحالت للون الوردي أثر عبثه معها. حور بخجل غاضب: إنت إيه اللي عملته ده؟ إنت قليل الأدب و... اقترب لاصقًا جسده بها قائلًا بمكر: جاسر: ها، ما تكملي. حور: احترم نفسك يا أستاذ. أطلق ضحكة رنانة هزت أرجاء قلبها النابض بحروف اسمه مردفًا: جاسر: أستاذ إيه؟ ما سمعتش. وتابع بوقاحته المعتادة: جاسر: اومال العيال دي جايبنها إيميلات وشير عبر لاسلكي؟

لم ترد عليه، وإنما أشاحت وجهها الذي تحول إلى لهيب يحرق وجنتيها الناعمة. جاسر بخبث: ما ردتيش يعني يا مدام؟ ارتفع بكاء الصغار ليضطرب قلبها. اقتربت منهم فعلمت من حسها الأمومي أنهم جائعين. رمقته بشراسة وأردفت بحدة: حور: اطلع برة، عايزة آكل العيال. جاسر بابتسامة ماكرة: طب ما تاكليهم، هو أنا غريب؟ مش هشوف حاجة ما شوفتهاش قبل كده. حور بصراخ: بررررره.

دوت ضحكاته المستمتعة وبشدة، كأن غضبها وخجلها جرعة هيروين تجعل النشوة تسري في خلاياه الوقحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...