صباحك بيضحك يا قلب فريدة. لما تعملي كل اللي عليكي عشان تحافظي على حد، وتلاقيه مصمم يقلل منك، أوعي تترددي لحظة إنك تخرجيه بره حياتك. أنتِ عارفة قيمة نفسك كويس، وعارفة كل واحد عمل معاكي إيه، وإنك رديتِ له اللي عمله أضعاف مضاعفة. صدقيني هو الخسران مش أنتِ. أنا بحبك. وقت الشدة تظهر معادن الأشخاص. والمواقف أيضًا من خلالها نتأكد من عشق أحدهم أيضًا.
لا يعلم كيف وصل إلى بلده ولا شعر بحاله وهو يصرخ في حمزة الذي كان ينتظره أمام المطار كي يسرع في قيادة السيارة كي يصل إليها بأقصى سرعة. لم يهتم بمن يجلس في بهو السرايا، بل لم يراهم من الأساس. قلبه كان يجره جرًا إليها، ماذا حدث لها؟ هو السبب. حمل نفسه المسؤولية كاملة حينما دخل الغرفة ورأى وجهها شاحبًا، غافية لا تشعر بمن حولها. وقفت عائشة ونرجس وقالت الأولى: حمد الله بالسلامة يا واد عمي.
حاول تمالك حاله كي لا يجرحها بلهفته عليها التي كانت ظاهرة بوضوح. عثمان: الله يسلمك يا عيشة. نرجس: اطمن يا خوي، أنا وعيشة ما فايتناش ليل ولا نهار. نظر لتلك التي تكتم حزنها من لهفته عليها رغماً عنها وقال بإجلال: طول عمرك قلبك طيب وبنت أصول، ربنا يبارك لي فيكِ. ابتسمت له بهدوء ثم قالت: خليك وياها، بردك أنت دكتور وهتفهم عنينا. تحركت من أمامه وهي تقول: يلا يا نرجس.
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم بهدوء، أسرع تجاه الفراش. جلس جانبها ثم سحبها بتمهل مليء باللهفة ولكن بحرص كي لا يؤلمها سن الإبرة المغروز في كفها. ضمها بحنان، قبل رأسها كثيرًا ثم قال بحزن وندم: حقك على عيني يا قلبي، افتحي عينيكِ واعملي فيَّ اللي بدك إياه. أنا محجوج لك، بس كنت مجهور منكِ، أوعاكِ تكوني صدقتي إني أقدر أهملك، ده أنا روحي فيكِ. لم تشفق عليه ولم ترحمه، ظلت غافية بين ذراعه رغماً عنها.
ظل طوال الليل على هذا الحال، لم يغمض له جفن، بين الفينة والأخرى يجس نبضها، يتحسس جبهتها كي يطمئن على درجة حرارتها، إلى أن أتى الصباح. وصلت سحر إلى مطار القاهرة الدولي، وجدت في انتظارها حاتم الذي سبقها بيوم. بعد تبادل السلامات صعدت معه السيارة ثم قالت بخبث: أنا هرفع قضية خلع على جوزي، حاولت معاه كتير لما اتصلت بيه إمبارح بس رفض. نظرت له بمكر تدرس ملامحه بعد تلك الكلمات ثم قالت: مش كده أحسن؟
رد عليها بتسويف فهو رجل أعمال، كل ما يهمه المكسب وفقط، ولا مانع لديه أن يستغل علاقاته النسائية في تسيير أعماله، ولكن حينما أراد الارتباط، اختار ابنة خالته التي يعلم تمام العلم حسن أخلاقها وتربيتها الحسنة. حاتم: الأصلح ليكي اعمليه، أنتِ بتقولي إنه مش مكفيكي كزوج، ولا بيعاملك كويس، يبقى حرام تضيعي شبابك معاه، أنتِ لسه صغيرة وحلوة وألف راجل يتمناكي.
ابتسمت بفرحة داخلية حينما فهمت حديثه بشكل خاطئ، فقد هيأ لها غرورها أن تلك الكلمات مجرد مقدمة لارتباطه بها. وهل يحتاج مقدمات بعد كل ما حدث بينكما أيتها الحقيرة؟ بمجرد أن تململت بين ذراعيه، فتح عينه سريعًا قبل أن تأخذه غفوة لم تدم أكثر من عدة دقائق. أول ما فعله هو اختبار حرارتها للمرة التي لا نعلم عددها. أزال عنها سن الإبرة بعد انتهاء المحلول المعلق. ظل ينظر لها بتمني علها ترأف بحاله وتنير يومه بإشراقة شمسها.
لم تشعر براحة في ذلك الوضع الذي لا تعرف ماهيته، هذا ليس ملمس فراشها، ما بالي أشم رائحته؟ هل وصل بي الحال أن أتخيله؟ ولكن، ذلك الصدر الصلب ليس بوسادتي، وسادتي... هنا بدأ عقلها ينتبه أن هناك خطأ ما. فتحت عيناها بتمهل، وجدت قبالتها وجهًا يصرخ قلقًا رغم ابتسامته الباهتة. حاولت تكذيب حالها أنه هو، وأن كل ذلك تخاريف الحمى التي أصابتها. إلا أن صوته الشجي أكد لها وجوده حينما قال بعشق:
توها شمسي طلعت لما فتحتِ عينيكِ يا حبيبتي. رغد بوهن ودموع: عثمان، أنت عاودت؟ مسح وجهها برفق وقال بلهفة: هو أنا قدرت أبعد لجل ما أعود يا قلب عثمان؟ ردت عليه باكية معاتبة: بعدت، وأهملتني، كنت تايهة من غيرك، هونت عليك؟ والله ما كنت أقصد أخبي. بدأت نوبة انهيار لحقها سريعًا حينما ضمها وقال: بس، ما تبكيش، لساتك دافية. بلاش حديث دلوقت، لساتك تعبانة. دفنت رأسها داخل صدره وقالت من بين دموعها بطفولة:
مانت زعلان مني، وهتهملني تاني. قبل رأسها بحب وقال: لااااه، أنا قاعد وياكِ، ونسيت أي زعل بعد ما خدتك في حضني. هنتعاتب يا قلبي، وهفهمك الصح من الغلط، بس لما تطيبي وتبقي زينة، وتعودي رغد الكيادة العنادية تاني. رغد بخوف: بس أنت قولت هتطلقني. ضمها بقوة دون شعور منه وقال: هو أنا أقدر؟ في حد يبعد عن روحه؟ اهدي بس، أطمن عليكِ الأول وبعدها هنتحدث كيف ما أنتِ رايدة.
جميع العائلة ملتفة حول طاولة الإفطار إلا عثمان ورغد، والذي أمر أن يحضروا له الفطور في الأعلى. تحية بخبث: هي لساتها عيانة؟ ما كانوش حبة سخونية دول. عبدالعظيم: الدكتورة قالت دور واعر قوي، الله يشفيها. تحية: كلنا هنتعب، بس ما فيش حد يضل راقد كده، بس الدكتور شكله مجلعها. أغمضت عائشة عيناها بغيظ من أمها. وردت عفت بقوة:
حقها، مرته وهو حر، بس اتقي ربنا، البنت ما كانتش قادرة تفتح عينها، وضلت يومين غايبة عن الدنيا، رايداها تنحرك كيف وهي ما قادرة تصلب طولها يا نظري؟ نرجس بحزن: قبل ما أنزل فوت عليهم أطمن، عثمان قال لي لساتها فايقة بس مدروخة، والسخونية نزلت شوي عن الأول، بس لساتها عالية بردك. حمزة: ربنا يشفيها، دي فرح ولد أخوها بكرة. عفت: ما لهاش نصيب تحضره.
وطبيبنا اعتبرها ابنته الصغيرة التي سيغدقها دلالاً، سيعلمها بتعقل، سيعاتبها بحب، ولكن ليس الآن. وضعها برفق فوق الفراش، اتجه ناحية المرحاض، غاب لعدة دقائق ثم عاود لها مرة أخرى. قربها منه وهو يقول: جهزت لك البانيو، تعالي اقعدي فيه شوي لجل ما تفوقي. حاولت القيام وحدها وهي تقول: يخليك ليَّ. منعها سريعًا من التحرك وهو يقول: رايحة وين؟ رغد: هتسبح كيف ما قولت. ابتسم بعشق ثم قام بحملها سريعًا وهو يقول: وأنا روحت فين يا قلبي؟
جهزت لك كل حاجة، هحميكِ بيدي كمان. دفنت رأسها داخل صدره بخجل وقالت: أنا هعرف لحالي. لم يلقِ بالاً لرفضها الواهي، بل أنزلها بالداخل برفق، جردها من ثيابها، رفعها بهدوء كي يجلسها داخل حوض الاستحمام، جاهد حاله كي لا ينقض عليها، فهو عاشق، اشتاق لحبيبته، والتي تجلس أمام عيناه الجائعة، وهي لا تشعر بما يدور داخله.
لم تتلقَ دلالًا قط مثل الذي نالته على يده، غسل شعرها برفق، ملس على جسدها بحنان جامح ورغمًا عنه كانت يداه تخونه وتظهر ما يجيش في صدره لها. جفف جسدها بحنو، ألبسها ثيابًا نظيفة، حتى إنه جلس خلفها يجفف شعرها ويمشطه. ابتسمت بحلاوة وقالت بعد أن شعرت بتحسن كبير: وااااه، كتير على الجلع ده كله. وضع خصلاتها على جانب واحد، دفن رأسه في تجويف عنقها بعد أن ضمها من الخلف وقال:
الجلع اتخلق عشانك أنتِ بس يا رغدي، لو أطول أفرش لك الأرض حرير كنت عملتها. أسندت رأسها للخلف وقالت بوله: وجودي وياك أكبر نعمة يا عثمان. ما تحرمنيش منها. حينما شعر بالاختناق في صوتها، سحبها لتجلس فوق ساقيه وتواجهه ثم قال بحنو: أنتِ قلب عثمان من جوه، كيف أبعد عنيكِ بس؟ رغد: مش أنت اللي قولت؟ قاطعها سريعًا وهو يقول بجدية: مش كل اللي هيتقال في وقت الزعل نمسك فيه ونصدقه.
أنا كان حقي أزعل منكِ، كان حقي أعاقبك، بس لقيتني بعذب روحي ببعدي عنيكِ. أنتِ غلطتِ غلط واعر قوي لما ما وثقتيش فيَّ وحكيتِ لي. وأنا غلطت لما ما قدرتْش خوفك واللي عشتيه قبل سابق. كان لازم أفهمك بالعقل، وحتى لو زعلان، ما أبعدش. أنا عرفت، لاه، اتأكدت من قيمتك جواتي، قلبي ما عادش يدق غير لما ضميتك جوه حضني. لما قالوا لي إنك عيانة، حسيت روحي بتنسحب مني، ملعون أبو الزعل على أي حاجة في الدنيا قصاد اللي حسيته وقتها.
لا عارف وصلت المطار كيف ولا كيف لقيتني جنبك، على قد ما الخوف كان شاغل بالي وما حسيتش بكل ده. على قد ما حسيت إنهم أطول ساعتين عدوا عليَّ في حياتي كلها. قبلها برفق ثم ابتعد وقال: المهم دلوقت مش وقت حديث، هاكل بيدي وأكشف عليكِ، تاخدي علاجك وتريحي، ولما تفوقي خالص وربنا ياخد بيدك، هنجلس ونطلع كل اللي جواتنا لجل ما ما يكونش في حد جواته شيء من الثاني، ولجل ما نفهم بعضينا. قبلها بسطحية ثم أكمل: ماشي يا حبيبتي.
يومان مروا عليهم، تعافت فيهم بعد اهتمامه بها، بل أغرقها دلالًا وعشقًا، خوفه عليها، لهفته الظاهرة للعلن جعلتها تعض على أصابعها ندمًا على ما اقترفته في حقه. لم يعاتبها، بل لم يلمح لها بكلمة حتى عما فعلته، كان كل همه أن يراها كما كانت، تملأ دنياه صخبًا وعشقًا كما اعتاد عليها من قبل. واليوم اضطر راغمًا أن يتركها ويرحل بعدما أتاه اتصالًا من عماد يخبره بميعاده الذي كان ينتظره بشدة مع هذا الحاتم. بعد أن ارتدى
ثيابه جلس أمامها وقال: ما هغيبش عليكِ، هسافر وأعود طوالي، غصب عني، شغل مهم ما ينفعش يتأجل. ابتسمت له بعشق ثم قالت: يا حبيبي أنا بقيت زينة، ما تشغلش بالك بيَّ، شوف اللي وراك. قبلها بقوة وشوق ثم فصلها وقال: ما ليش غيرك أشغل قلبي وبالي بيه، خدي بالك من حالك، وإياكِ تهملي الدواء، أنا راجع عشية بأمر الله. وصل مقر شركة عملاقة، وبعد أن عرف نفسه للسكرتارية. أبلغت حاتم ثم أدخلته مغلقة الباب خلفها. وقف حاتم
يرحب به باحترام وهو يقول: أهلاً بك دكتور عثمان، شرفتني بوجودك. عثمان: الشرف ليَّ يا حاتم بيه، أنا مش هعطلك كتير، أكيد بتسأل إيه سر الزيارة مع عدم وجود معرفة سابقة بينا. حاتم باحترام: حضرتك تشرف في أي وقت، دكتور عثمان السوهاجي أشهر من نار على علم. عثمان: شكرًا، أنا قبل ما أقرر أقابلك سألت عليك، وبصراحة آراء الناس فيك هي اللي شجعتني إني ألجأ لك تساعدني. حاتم بجدية: لو بيدي أكيد مش هتأخر. عثمان بمغزى:
هحكي لك، بس يا ريت ما ندمش إني حكيت لك، عشان ما أزعلش. لم يهتم بذهوله من وقاحته وتهديده له في مكانه، قص عليه الحكاية من أولها تحت صدمة الآخر مما يسمع. وبعد أن انتهى قال: أنا كل اللي محتاجه منك إنك توصلني ليها، أي حاجة بعد كده بتاعتي أنا. حاتم بذهول: معقول في حد بالحقارة دي؟
أنا كنت عارفة إنها طماعة وتعمل أي حاجة عشان الفلوس، إنما ما كنتش أتخيل أبدًا إنها بالوساخة دي، إيه اللي يجبرها تعمل كده وهي أصلاً من عيلة كبيرة، يعني مش محتاجة لكل ده؟ عثمان بغل: في ناس نفوسها مريضة، المهم، هتساعدني؟ حاتم: أكيد، هي أصلاً منتظراني النهار ده في شقتها الجديدة، شوف إيه المطلوب مني وأنا أعمله.
ليلًا، تجهزت تلك الحقيرة بثياب عارية، وضعت زينتها التي لا تتخلى عنها، جلست منتظرة ضحيتها الجديدة وهي تمني حالها أن تحكم شباكها عليه. دق جرس الباب فتحركت سريعًا تجاهه. ولكنها وقفت أمام المرآة تتفحص هيئتها مليًا، تأكدت من تمام مظهرها الرائع بالنسبة لها. نظرت من خلف الباب لتتأكد أنه هو، حينما رأته ابتسمت باتساع وقامت بفتح الباب. ابتسم لها حاتم بخبث وقال: إيه الجمال ده كله؟ ضحكت بعهر وهي تفسح له المجال كي يدخل ثم قالت:
عيونك الحلوة يا حبيبي، اتفضل. جلس معها خمس دقائق فقط كما اتفق مع عثمان. وبعدها دق جرس الباب مرة أخرى وحينما كادت أن تقوم كي ترى من الطارق. منعها حاتم وهو يقول بغيرة كاذبة: استني، هتفتحي إزاي كده؟ مثلت الخجل وقالت: هشوف مين. حاتم: ده البواب كنت باعته يجيب لي سجاير. اتجه للباب ثم فتحه وقال: كله تمام يا دكتور. والدكتور ابتسم بشر وهو يتجه لها بتمهل دب الرعب في أوصالها حينما ظهر أمامها.
عجزت عن الصراخ، شلت حركتها، لم تقو حتى على اتخاذ أي ردة فعل. هي الآن لا ترى عثمان السوهاجي، بل كل ما تراه أمام عيناها هو ملك الموت الذي سيقبض روحها النجسة. عثمان بشر وشماتة: عاملة إيه يا... مرت أخوي؟ برقت عيناها برعب ونظرت لحاتم بصدمة فقال بشماتة: أنا كده عملت اللي عليَّ، تؤمر بحاجة يا دكتور؟ عثمان بشر: ... ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!