ام صرم اللي ما كانش عجبه الصورة، أهو غيرت الصورة، يا رب تبطلي وتقعدي بقى على جنب شوية. أنتم مشينا بمبدأ يمتنعان، وهم الرغبات. العشق... موقف يثبته ويدل عليه، لا مجرد كلمة تقال. جنون... أقل ما يصف ما يحدث هو الجنون. رجال تحكمت بهم العصبية والتعصب. لا يهمهم من المخطئ وما هو الصواب. كل ما يصرون عليه أن يكونوا مع من ينتمون إليهم وفقط.
صوت صرير مرعب صدر من سيارة عثمان الذي أوقفها فجأة. هبط منها بطريقة تنم على أنه سيقتل كل من يقابله. ولما لا، فقد أخذ سلاحه الناري الذي كان يضعه داخل سيارته قبل أن يتركها. كان المشهد كالتالي: في نفس وقت وصول عثمان، كان وهدان يسحب رغد للخارج. وفي نفس وقت دخوله، وبينما هم كي يلتحم في المعركة الدائرة أمامه، وجد وهدان يخرج من باب السرايا الداخلي ساحبًا تلك المسكينة التي تحاول أن تمسك الباب لتمنع خروجها.
في لحظة، بمنتهى الحرفية، حينما فشلت رغد في أن تقاوم أخيها وقبل أن يخطو بها أكثر من خطوتين، كان عثمان شاهرًا سلاحه نحوها، ثم أطلق منه أول رصاصة مرت فوق رأس هذا الجبان الذي لم يهتم بمظهر أخته أمام الرجال. بمجرد أن دوى الصوت في الأرجاء، ثبت الجميع كلٌ في موضعه. أما هذا الأسد الذي يدافع عن عرينه، كان يتقدم للأمام ويطلق رصاصة أخرى مرت بجانب وهدان، ثم الثالثة تحت قدمه حينما أصبح قريبًا للغاية منهم. أثناء تقدمه كان
يقول بنبرة خرجت من الجحيم: "فكر تخطي بيها خطوة كماني." أكمل بعدما وصل أمامه واضعًا فوهة السلاح فوق جبينه وهو يكمل: "سيبها." بينما يثبت السلاح فوق رأسه ويأمره بتركه، كان هو يسحبها بيده الأخرى. نفس وقت صياح عبد الحكيم: "همل خيتك يا واكل ناسك... نزلوا سلاحكوا يا عبايدة." أخفض الجميع أسلحتهم الذين أشهروها في وجه الخصم، خاصًا عثمان مع انطلاق الرصاصة الثانية. رغد... هل أحدكم يستطيع تخيل ما تشعر به؟
لا والله قد عجزت الحروف عن وصف. فقد تخشب جسدها وشعرت أن الرؤية انعدمت أمامها. كل ما تراه دماء ستسيل ولم تروِ أرضًا يملأها الغربان. أفاقها صوت أبيها الصارخ، وقتها فقط أيقنت خطورة الموقف. وبينما كان حبيبها يسحبها من يد أخيها، كانت هي بمنتهى الشجاعة والارتعاش تقف بينهما. نظرات التوسل انطلقت منها تجاه هذا الغاضب. ذراع تحركت بصعوبة كي ترتفع وتمسك بيده المثبتة فوق جبين أخيها. صوت يملأه الحزن والرجاء: "لأجل خاطري... وفقط."
نظر لها بجنون وقال بصياح: "لساتك هتدافعي عنيهم! على صوته وهو يكمل: "حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها، ما تكفينيش قصادها حرج الكل." صرخت برعب: "لاااه... أحب على يدك بكفاية... لأجل خاطري... عليها بغضب أشبه بالعتاب: "خايفة عليهم... رايدة تروحي وياهم؟ هزت رأسها بهيستيرية رافضة ما وصل إليه وهي تقول: "لاااه... أنت راجلي اللي أكرمني... وما أطلعش من دارك غير على قبري." تطلعت حولها وهي تكمل: "وهما أهلي وفوق راسي...
كادت أن تكمل حديثها المتعقل، إلا أنها لمحت هذا النذل يشهر سلاحه في الخفاء تجاه ظهر عثمان. لا تعلم من أين أتتها القوة كي تتشبث به وتلف جسده معها كي تتلقى الرصاصة بدلاً عنه وتفديه بروحها العاشقة. قبل أن يستوعب ما حدث كانت هي تمسك بثيابه وهي تقول بوهن: "أهلي يا عثمان." عثمان...
عثمان يشعر أن الأرض تدور من حوله. لن يستطيع استيعاب ما حدث. لا يعلم كيف تمسك بها، بل هبط بجسده معها أرضًا، والصدمة ألجمت الجميع. حتى النساء لم تجد صوتًا يخرج منها كي يصرخن حزنًا وفزعًا على تلك المسجاة داخل حضن حبيبها. وحبيبها ينظر لها بدموع حبيسة تأبى الهطول. كل ما استطاع نطقه بهمس حارق: "بتفديهم بحياتك؟ ردت عليه بصعوبة ودمائها تسيل فوق يده الملتفة حولها: "أني فديت روحي... ما كنتش هأقدر أعيش بعديك...
أتمنيتك جوزي في الدنيا... وهأستناك في الآخرة." "لو أنت اللي اتقتلت... كنت هأقتل حالي بعيدك... وأبقى اتحرمت منّيك بردك دنيا وآخرة." "عشاني... أهلي... فقط... كانت آخر ما تفوهت به قبل أن تغلق عيناها تزامناً مع ضمة لها وصياح بصوت رجل عاشق فقد الحياة لتوه: "لاااااه! "فوقي... ما تهملينيش... "ما هأقربش يمة أهلك... فوقي يا رغد فووووجي! بدأ الجميع يمتص الصدمة. اقترب منه عمه وأبوها المكلوم. يحاولون فحصها. وحينما رفض وتشبث بها،
صرخت بها أمه كي تفيقه: "فووووج يا دكتور... اكشف عليها يا ولدي... عم تتنفس؟ "ألحق مرتك يا دكتووور! هنا تنبه عقله. تذكر مهنته. نظر لها محاولاً رؤيتها من بين الغيمة التي حجبت عنه الرؤية. جس عرقها النابض بتفحص ويد مرتعشة. عاد قلبه ينبض من جديد بعدما شعر بنبضها هي ما زال موجودًا رغم ضعفه. لم ينتظر لحظة. عاد لحاله وتجبره، بل وقوته التي استخدمها في حملها. هرول بها إلى الخارج وهو يصرخ بهم: "ألحق مرتي...
واتحملوا جحيم عثمان السوهاجي يا عبايدة." كان حمزة في ذلك الوقت أمر ثلاثة رجال أن يلحقوا بذلك الحقير حينما يراه يهرب بعد ما فعله. صعد السيارة خلف المقود بعدما صعد أخوه بزوجته في الخلف. تحرك سريعًا وهو يقول: "سمير الكلب هو اللي عملها... الرجالة لحقته قبل ما يهرب." ضمها بقوة وهو يقول بهمس حارق وصل لأذن الأخير: "اقفل عليه لحد ما أفوق له... ما فيش كلب من العبايدة رجليه تخطي عتبة المستشفى... سامع؟
يعلم الله كيف تحكم في حاله كي يمارس مهنته كطبيب وهو يحاول إخراج تلك الرصاصة الغادرة. وما ساعده على ذلك حينما وصل بها إلى مشفاه الخاص وقام بفحصها، اطمأن قلبه العاشق قليلاً حينما اكتشف أن الطلقة أصابتها كانت في كتفها.
رفض أن يسعفها أحد غيره، بل دلف هو معها إلى غرفة العمليات ورافقه اثنان من الممرضات كي يخرجها لها، ثم يقوم بتقطيب جرحها، ذلك الجرح الذي شعر به داخل قلبه ليس في جسدها هي. ولأول مرة منذ أن مارس مهنة الطب يده ترتعش أثناء إجراء عملية جراحية. ولكن ذلك لم يكن ضعفًا منه، بل رعشة قلبه الذي يعتصر ألمًا أصابت جسده بالكامل ليس يده فقط.
أمام المشفى، كان المشهد حقًا مرعبًا. رجال العائلتين يقفان قبالة بعضهما البعض في حالة تأهب تام لنشوب معركة حامية. قوات الأمن التي وقفت في المنتصف في محاولة منها لمنع احتكاكهم ببعض. أبوها... ذلك الرجل الحكيم الحزين... الذي يقف مكتوف الأيدي... غاليته بالداخل لا يعلم عنها شيئًا، ولا يستطيع أن يكون بجانبها. أما النساء... كان يخيم عليهم الحزن والبكاء وهن يجلسن منتظرين أن يطمئنوا عليها. عفت ببكاء: "عيني عليكي يا بنتي...
يا قهرة قلبي عليكي." نرجس بحزن: "أني هأتجن... عقلي هيفط مني... ليه كل ده؟ إيه اللي حصل لأجل ما العبايدة يعملوا كده؟ عائشة ببكاء: "ما حدش خابر شيء... الدنيا اتقلبت مرة واحدة... والبنت ضحت بروحها يا نظري." تحية بغيظ: "الدكتور هيلحقها ما تخافيش." عفت: "أني لازم أعرف السبب." نظرت لابنتها وقالت: "اتصلي بشادية." ردت عليهم ببكاء مرير: "طمنيني يا حاجة... أختي عملت إيه؟ ولدك مانع حتى أبوها يدخل المستشفى...
وما حدش رايد يريحه بكلمة حتى." عفت: "شادية... تقدري تيجي عندنا دلوقت... حديث التليفون ما ينفعش." فهمت شادية ما تريد. ولأنها تثق في تلك السيدة الحكيمة ردت عليها بحسم: "مسافة السكة هأكون عندكم." وبالفعل: بعد مرور أقل من النصف ساعة كانت تجلس وسط النساء في بهو سرايا السوهاجية. عفت: "أنتِ خابرة سبب كل ده... صح؟ قولي لي يا بنتي... ريحي قلبي... أني هأتجن." نرجس: "شكلها حكاية واعرة قوي يا أمي." شادية:
"أني ما أعرفش إذا كان اللي هأقوله ينفع ولا لاااه." نظرت لعفت برجاء ثم أكملت: "أني هأقول لكم على كل حاجة... لأجل ما تعرفوا أختي اتحملت إيه... وعاشت كيف." "بس اللي طلباه منكم... ما فيش حد يفتح الحديث ده واصل لما نشوف الرجالة هتعمل إيه." عائشة: "اطمني... ما فيش حرف هيطلع بره... حتى الرجالة اللي كانت عم تطحن في بعضها ما حدش منهم فاهم ولا عارف السبب."
سحبت نفسًا عميقًا، ثم قصت عليهم كل شيء. كل ما عانته أختها من يوم أن خرجت من بيت أبيها إلى تلك اللحظة. ولكن بمنتهى الحكمة تغاضت عن ذكر ذلك العشق الذي أصبح يجري في وريد الثنائي ولا حتى ما فعلته كي يتم زواجه بها. ذهول... صدمة تصحبها دموع غزيرة تهطل من عيون النساء كلما أسهبت شادية في الحديث. لا عقل ولا منطق يجعلهم يصدقون كل هذا. وبعد أن انتهت قالت بحزن من بين دموعها: "كل ده أختي اتحملته لأجل ما التار يوقف."
نظرت لعفت وأكملت برجاء: "وبرحمة الغاليين يا حاجة... بلاش تخلي كل ده يروح هدر." "كلمي والدك... خليه يحكم عقله... بكفايانا لحد كده." "حد يتصل بيه... قلبي واكلني يا ناس... عايزة اطمن على أختي... وهو مانع أي حد مننا يدخل جوه." عفت بصدمة: "كان قلبي حاسس إن فيه حاجة غلط... الله يرحمه ويسامحه... كان مبين للكل إنه عاشقها ومهنيها." "لكن عينها الحزينة اللي كلها هم... كانت بتكذب كل ده." "ليه بس يا ولدي...
بكت بحرقة وهي تكمل: ضيعت شبابك هدر... وظلمت البنية... بعد أن انتهى من العملية بشق الأنفس، قام بنقلها إلى غرفة عادية نظرًا لحالتها المستقرة. ولكنها ما زالت تحت تأثير المخدر. بعد أن وضعها بتمهل وحرص فوق الفراش، مال عليها مقبلاً جبينها برفق جامح ثم قال: "سامحيني... ما أقدرش أنفذ طلبك... هأدفعهم تمن كل نقطة دم سالت منّيكِ... أحرق قلوبهم كيف ما قلبي اتحرق وأني فاكر إنك ضعتي مني." "ما أقدرش أصدق إنك تعملي كده...
ليه يا بنت قلبي ليييه؟ بينما كان يجلس على أحد المقاعد منتظرًا بلهفة إفاقتها بعد زوال مفعول المخدر، سمع طرقًا فوق الباب. فتحه سريعًا وجد حمزة ومعه أحد الضباط. تحرك خطوتين نحو الخارج ثم أغلق الباب بهدوء وقال: "خير يا حضرة الضابط؟ الضابط: "محتاجين نحقق مع المجني عليها... وناخد أقوال الشهود." نظر له ببرود ثم قال: "مجني عليها مين... وشهود إيه اللي بتتحدد عنيهم... أني ما فاهمش حاجة." جز الضابط على أسنانه
كي يكتم غيظه ثم قال: "المجني عليها... زوجة حضرتك اللي أصيبت بطلق ناري يا دكتور." رد بلامبالاة ظاهرية: "ما حصلش." نظر له بعدم فهم فأكمل بثقة: "ما فيش حاجة من دي حصلت... "مرتي وقعت فوق جزازة عورتها... وبس... جبت منين الحديث ده؟ نظر لحمزة وأكمل: "مش ده اللي حصل يا أخوي؟ حمزة بتأكيد: "وما فيش غيره يا واد عمي." لم يتمالك حاله بعد أن رأى تلك التمثيلية الهزلية فقال بغضب: "اللي بيحصل ده غلط يا دكتور."
"الناس تحت واقفين على تكه... كلمة واحدة وهتحصل مجزرة... أرجوك أنت إنسان متعلم ومثقف... "يا ريت تكون أنت صوت العقل اللي ينقذ أرواح بريئة زي ما عملت قبل كده." رد عليه بحسم دون أن يتأثر بما قيل: "أني قلت اللي عندي... ما ليش صالح بأي حاجة ثاني." أكمل باستهزاء: "واللي بلغك... تقدر تعمل له محضر بلاغ كاذب وإزعاج سلطات."
في أحد المخازن التابعة لعائلة السوهاجي، كان ذلك الحقير يتلقى ضربًا مبرحًا من رجال حمزة. كادت أحباله الصوتية أن تتقطع من فرط صراخه المتألم. لم يرأفوا به بل قال أحدهم بغل: "صرخ... علي صوتك كيف الحريم! "أمال كنت عامل فيها سبع الرجال من شوية؟ "كل ده ما يجيش حاجة قصاد اللي هيعمله فيك الدكتور." تقدم يونس من أبيه وقال بغضب مكتوم: "وبعدين يا أبوي... هنفضل واقفين كده وما خابرينش أختي إيه اللي حصل فيها؟
"اديني إشارة وأني أطربق المستشفى على اللي فيها." نظر له أبيه بغضب ثم قال: "وماله... ولعها أكثر ما هي والعة... والغلبانة اللي ربنا أعلم بحالها دلوقت هي اللي هتدفع الثمن." يونس: "يا أبوي... أني رايد اطمن عليها... بأقول كده من غلبي... أني لحد دلوقت مش قادر أصدق اللي حصل." عبد الحكيم: "ولا أني يا ولدي... نظر له بثقة وهو يكمل: "طمن قلبك يا ولدي... أختك في أمان." يونس باستغراب: "كيف ده يا أبوي؟ ابتسم الرجل الحكيم بهم وقال:
"لأنها مع اللي هيهد الدنيا لأجل خاطرها يا ولدي... يكفيك شر راجل عاشق... لما حد يمس قلبه." هل هي من تحاول فتح عيناها... أم قلبه المتلهف هو من يهيئ له ذلك؟ اقترب منها بتمهل... جلس على حافة فراشها... أخذ يملس على وجنتها بحنان وهو يقول برجاء عاشق أرهقه الانتظار: "فتحي يا رغد دنيتي." "خلي قلبي يرجع يدق... الدنيا اسودت في وشي لأجل ما أنا محروم من نور عينك." "ارحمي قلبي وطمنيني عليكي."
وصغيرته رحمته حينما همست باسمه قبل حتى أن تستعيد وعيها كاملاً. اقترب أكثر منها وقال بلهفة: "قلبه وعقله وروحه." بدأت تفتح عيناها بوهن... أول ما قابلها وجهه المبتسم بفرحة لنجاتها وعودتها له. أخذت بعض الوقت كي تستعيد وعيها... وجدت مشاهد سريعة تمر أمامها لما حدث، مما جعلها تفيق سريعًا بشكل كامل وتقول بلهفة رغم وهنها: "أنت زين... حصل إيه... طمني؟
لم يتمالك حاله وهو يميل عليها كي يرفعها بحرص ويدفنها داخل أحضانه. قبلات كثيرة فوق رأسها وهو يقول من بينهم بنبرة باكية: "توك قلبي عاود مطرحه." "هانت عليكي تعملي في كده... هانت عليكي روحك؟ ابتعدت عنه بصعوبة... تطلعت له بذهول وقالت: "أنت عم تبكي يا عثمان؟ كوب وجهها بحنو وقال: "ربي يعلم كتمتها كيف... كان نفسي أصرخ... أبكي... أنوح... أبوس إيد الكل وأقول لهم... اتركوا لي حبيبتي." "يدي كانت بتترعش وأنا بمسح دمك...
ليه تعملي في كده... ليييييه؟ بكت في المقابل وهي تقول: "أنت هتقدر تكمل من غيري... إنما أنا أضعف من كده بكتير... أنا فديت روحي مش روحك... أنا عاجباك يا طبيب قلبي." نظر لها بعيون تصرخ عشقًا ثم اقترب منها وقال: "...... ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى. بقلمي / فريدة الحلواني
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!