ارتجفت يديها بين يديه وعادت قدميها بشكل تلقائي خطوة للخلف. برودة عجيبة سارت بجسدها رغم ارتفاع حرارة الجو. رفعت عينيها لتري الذهول بعين الرجل الواقف أمامه والنفور بعين زوجته. نفور؟ .. نعم، هي أصبحت بمحل نفور وتستحقه بكل جدارة. رفضت النظر إليه، رفضت رؤية نظرة تجعلها تسقط أمام الجميع. رفع الرجل حاجبه بتعجب مردفاً: _عشيقتك بجد؟! _لأ، بهزر. يكفي لا تود سماع المزيد. سحبت يدها من يده وتقدمت من الرجل خطوة ومدت
يدها إليه مردفة بهدوء: _أنا الدكتورة دلال، أبقى سكرتيرة مكتب أيوب باشا لحد ما أخلص دراسة. بس من الواضح إن الباشا بيحب يهزر. حديثه لم يقلل من حدة الأمر، فالكلمة الأولى خرجت وانتهت. ربما تعليقه الساخرة بكلمة "بهزر" أثبتت عليها الأمر أكثر. جذبت المرأة زوجها ورحلت. فقال أيوب بهدوء: _يلا نكمل. ما هذا؟! . كيف له أن يكون عديم الضمير والمشاعر لتلك الدرجة؟! تحدثت بهدوء: _عندك حق، الهدوم هنا روعة.
تعجب من رد فعلها. توقع صراخها أو رفضها لتكملة رحلة الشراء، إلا أنها تحركت بالمكان بخفة تأخذ قطعة من هنا وقطعة من هناك. تابعها بصمت ليري نهاية ما تفعله. أخذت معظم المحل وقالت: _يلا بقي يا بيبي على محل المجوهرات. رفع أيوب حاجبه مردفاً: _مجوهرات؟! أومات إليه ببراءة وقالت: _عايزة شبكتي يا باشا، وإلا جيبك فضي على كدة. ابتسم أخيراً بفهم لما يدور حوله. جذب خصرها لتبقى بين يديه وقال بقوة: _بقي هي الحكاية كدة؟!
. فاكرة لما تصرفي كتير هتخسريني وتاخدي حقك مني؟! رفضت بحركة ناعمة من رأسها وقالت: _تؤ، أنا مليش حق عندك أصلاً عشان أفكر أخده. جوازنا لعبة، كل واحد فينا بيستمتع فيها بالطريقة اللي تعجبه. أنت شايفني عشيقة، أنت حر. وأنا شايفاك بنك فلوس، أنا حرة. المهم إن إحنا الاتنين مبسوطين يا باشا، ولا أنت رأيك إيه؟! للحظة شعر بالضيق من وصفها الصريح له ببنك المال، ومع ذلك أومأ إليها بجدية مردفاً: _شاطرة وعارفة مقامك ومصلحتك كويس.
ها هو يرد إليها الإهانة بأقوى منها، وتقبلتها هي بكل صدر رحب مردفة: _طيب يلا بقي على بتاع المجوهرات. _يلا يا دلال. سحبها لتسير خلفه حتى وصل بها لمحل المجوهرات. جلس على أحد المقاعد ثم أشار إليها مردفاً: _اختاري كل اللي نفسك فيه. نفذت ما قاله بحرف، كلما وقعت عينيها على قطعة من الألماس أخذتها. انتهى بها الأمر على طقمين روعة وفوقهما خاتم رقيق. أخذت نفسها بارتياح ثم قالت: _خلاص كفاية كدة، أنا مش طماعة.
حدق بها وكأنه يقول حقاً؟! .. فلتت منه ضحكة متعجبة قبل أن يشير لصاحب المحل: _الحساب. _عايزة الفاتورة باسمي. نظر إليها لتقول بتوتر: _إيه؟! . مش حاجتي يبقى لازم تبقي باسمي. _امممم، وماله؟! . عندك حق. أعمل الفاتورة باسم دلال السيد حسان. أخذت نفسها بالقليل من الراحة. تنفيذه لكل ما تطلبه يبث بداخلها القليل من الأمان والكثير والكثير من الخوف. تعلم شخصية مثله لا يعرف للطاعة عنوان، ومع ذلك الأهم الآن أنه ينفذ.
صعدت معه للسيارة ثم مدت يدها إليه مردفة: _يلا. _يلا إيه؟! أشارت ليدها الأخرى الموضوع بها علبة الخاتم وقالت بحزن: _لبسني الخاتم. من وأنا عيلة صغيرة بحلم باللحظة اللي هلبس فيها دبلتي. لا يعلم كيف، ولكن قلبه تألم عليها. والأسوأ من ذلك بالنسبة له أنه طلب منه تلبية رغبتها ومسح حزنها. خرجت منه تنهيدة طويلة قبل أن يمد يده ويأخذ منها العلبة، أخرج الخاتم ثم وضعه بحنان بداخل إصبعها مردفاً: _مبسوطة كدة؟! أومات
إليه بابتسامة سعيدة وقالت: _هبقي مبسوطة أكتر لو بوست أيدي وقولتلي مبروك يا عروسة. هل هو مغيب أمام نظرة رجاء منها؟! .. نعم، يبدو إنها وبكل أسف لها تأثير كبير عليه. مل قليلاً على كفها ووضع قبلة حانية ببطن الكف هامساً بنبرة خشنة: _مبروك يا عروسة. أرتجفت من حلاوة شعورها. طلبت بنفسها ما تمنت وهي على يقين من عدم خوضها لتلك اللحظات مرة أخرى. ابتسمت بخجل وقالت: _الله يبارك فيك، شكراً. حرك رأسه بقلة حيلة وقال:
_على حد علمي كان الإهتمام مبيطلبش. حركت كتفها بنعومة وقالت: _لأ، بيطلب عادي يا باشا. *** بمنزل مسعد. انتهت خلود من إعداد طاولة العشاء ثم دلفت للشرفة. وجدته مثل عادته بالفترة الأخيرة يقف بعيداً عن العالم الخارج يحدق بالشارع بشرود. كتمت قهرها بقلبها ثم اقتربت منه بحنان مردفة: _مالك يا حبيبي؟! . بقى لك كام يوم مش مبسوط، وكأنك تايه في الدنيا لوحدك؟!
يشعر بثقل كبير يحتل صدره. العالم من حوله ينغلق على قلبه. أعطاها نظرة سريعة ثم عاد بنظره للسيارات بالشارع مردفاً: _زهقان مش أكتر، هيكون مالي يعني؟! تعلم ما يشعر به وهذا يقهر قلبها أكثر. مسحت بكفها على ظهره وقالت بتعب: _اديني شوية من وقتك يا مسعد. بصلي وشوفني بقلبك قبل عينك. صدقني وقتها هتحس إن معاك كل حاجة، ما فيش حاجة تستحق إنك تتوه في الدنيا عشانها. تود إيصال رسالة صريحة إليه وها هي وصلت. تنهد بثقل وقال:
_ومين بقى لك إن مش شايفك يا خلود؟! ابتسمت قائلة: _بلاش تضحك عليا بالكلام يا مسعد. أنا وأنت عارفين كويس أوي إن عمرك ما شوفتني زي ما شوفت دلال. حتى دلوقتي واقف بتتفرج على اللي رايح واللي جاي في الشارع، يمكن تطلع واحدة منهم وتبرد نار قلبك. مفكرتش تبص جوه بيتك دقيقة واحدة، يمكن تلاقي فيه إيه اللي يريحك. دائماً ما تضعه أمام الحقيقة وهذا ما يحاول الفرار منه. أبتعد عنها بغضب وقال: _أنتِ وليه؟!
. عقلك باظ وكل تفكيرك في دلال وغيرتك منها. فوقي يا خلود بدل ما في يوم أبص بره فعلاً لأني خلاص جبت أخري من تصرفاتك دي. _زي العادة بتقلب الترابيزة عشان أبقى أنا غلطانة ووحشة. عموما ماشي يا مسعد، أنا بغير من دلال وعندي تهيؤات. كتر خيرك، تعالى بقى كلك لقمة عشان بقى لك يومين ما أكلتش. أخذ نفسه بتعب ثم سحب كفها مقبلاً إياه مردفاً:
_أنتِ ست الستات يا بت وما فيش في حياتي غيرك، وما بحبش أكل غير من إيديك الحلوين دول. إلا صحيح، عاملة لنا عشاء إيه؟! _محشي. _وواقفه كل ده بترغي؟! . يلا خلينا نتعشى. تحركت أمامه، ومع أول خطوة له تجمد بمحله على أثر رنين هاتفه. لعنته الكبرى كانت بإسم المتصل "دلال". فتح الخط بلهفة وقال: _دلال. _عايزك في خدمة يا مسعد، تعملها معايا وإلا خلاص رفعت إيدك عني؟! _وده إسمه كلام يا دلال؟! . أنا تحت أمرك طبعاً. *** بقصر رسلان.
دلف ليجد جومانا بانتظاره مثلما أمرها. حاولت القيام من محلها مقتربة منه إلا إنه أشار إليها بجمود لتبقى محلها. ثم جلس على الأريكة الكبيرة واضعاً ساقه على الأخرى وقال: _هاا؟! . مستني أسمع منك الحقيقة. _حقيقة إيه يا أيوب اللي أنت عايز تسمعها بجد؟! . مش فاهمة؟! . أنا عايزة أعرف مكان بنتي، كفاية ابني اللي ضاع من غير ما أشوفه. خرجت منه ضحكة ساخرة وقال:
_ما بلاش جو حنان الأم ده عشان مش لايق عليكي خالص. بنتك أنتِ كنتي واخداها كوبري عشان ترجعي القصر ده تاني. أنا مش عايز أسمع منك غير الحقيقة. كنتي بتكلمي الزفت اللي اسمه آدم ده ليه؟! . وإيه العلاقة اللي بتربط بينك وبينه؟! منذ زمان بعيد يعلم ما تخفيه عنه من نظرة عينيها، وها هي تهرب من النظر إليه. فقال: _معقولة تكوني السبب في اللي حصل لحنين يا جومانا؟! . للدرجة دي عينيك اتعمت وما بقيتيش شايفة غير الفلوس؟!
حركت رأسها برفض وقالت: _أنت بتقول إيه؟! .. أنا مستحيل أعمل في بنتي حاجة زي دي. دي بنتي أيوب، مش جايباها من الشارع. كنت بكلمه عشان خاطر يتكلم عني قدامها طول الوقت وهي تضغط عليك فترجعني قصر هنا، خصوصاً إني خلاص ناوية أطلق. لكن ما كنتش أعرف إن الحيوان بيلعب بيها بالشكل ده. يتمنى لو تكون صادقة. يتمنى أن يظل بينهما شئ واحد يذكره بالفتاة البريئة التي أحبها. سألها بتعب:
_لو فعلاً حنين غالية عندك يا جومانا، قولي الحقيقة. خلينا نقدر نساعدها. اسمها منه لحن تعشقه. اقتربت لتجلس أسفل ساقه وقالت بنعومة: _صدقني يا أيوب، أنا ما أعرفش أي حاجة غير اللي قولتها. وحشني حضنك أوي يا أيوب. ممكن آخدك في حضني مرة واحدة، إن شاء الله أموت بعدها؟!
طلب عجيب. أو ليكون صادق، هو طلبه منها قبل اثنين وعشرين عاماً، قبل خطوبتها من شقيقه بأيام قليلة. وقتها ضمته وقالت "يا ريتك كنت طموح زيه يا أيوب، كنت أخدتك ووقفت قصاد بابا. لكن بابا شايف إن صاحب المال أحق بيا". قام من محله مبتعداً عنها وقال بغضب:
_لو مش عاملة حساب للراجل اللي كنتي شايلة اسمه والتراب دلوقتي أكله، اعملي حساب الراجل اللي انتِ شايلة اسمه دلوقتي وبتطلبي حضن من غيره. لو كنتي ناوية تطلقي وتقعدي في القصر ده مش هقولك لأ، لأن أولادك ليهم فيه زي ما ليا. اقتربت منه بخطوات مترددة ومدت يدها لتمر بها على صدره مردفة: _سامحني يا أيوب وخلينا ننسى اللي فات. افتكر ليا أي حاجة واحدة حلوة، على الأقل افتكر إني جومانا حضرتك. للمرة الثانية يبعدها عنه وقال:
_انسي لعب العيال بتاع زمان ده. كنا وقتها صغيرين يا جومانا، وأنتِ كنتي ذكية كفاية، اخترتي الكبير اللي ماسك كل حاجة مش العيل اللي بيدرس. _أيوب أنا.. _ارجعي بيت جوزك يا جومانا. عيدي حساباتك مع نفسك من أول وجديد. ولو ليكي يد في اللي حصل لحنين، ابقى قولي للتربي ينضفلك قبرك. *** بمنزل أبو الخير. ظلت حنين حبيسة غرفتها لباقي اليوم مثلما أمرها. عقلها يدور هنا وهناك، هل هي بالفعل مريضة نفسية أم فتاة صغيرة مشتتة؟!
.. لا تعلم إلى أين ستصل ولا ترغب بالوصول لأي مكان، فقط تود توقف الزمن حتى تظل على حالتها دون خوض ما هو أصعب. دق قلبها بحنين لسماع صوت مصطفى. تود أن تطمئن بكلمة ولو صغيرة تريحها. ترددت كثيراً قبل أن تعصي حديث ناصر وتخرج من الغرفة. ذهبت لغرفة الصالون لتري الهاتف الأرضي. جلست على المقعد ومدت كفها المرتجفة بتردد قبل أن تحسم الأمر وتكتب رقم مصطفى. بعد ثوانٍ سمعت صوته يقول: _خير يا حاج؟! . الأمانة اللي عندك بخير؟!
ارتفعت شهقاتها. وصل إليه صوتها ليشعر برجفة بقلبه. همس باسمها مردفاً: _حنين. يا الله على روعة الكلمة. حنين، كلمة واحدة منه جعلتها تشعر بالأمان. بكت أكثر، فقال بقلق: _أنتِ كويسة يا حبيبتي؟! . ردي عليا. حركت رأسها بنفي وقالت:
_لأ يا مصطفى، أنا مش كويسة. ومش هبقى كويسة طول ما أنا في المكان ده. عارفه إن عمو دلوقتي مش بيحبني يا مصطفى. تعالى خدني أنت من هنا أرجوك، خليني عندك. المكان ده مرعب والراجل اللي أنتوا حاطينني عنده ده مخيف. عارفه إني غبية وحيوانة واستاهل العقاب، لكن والله العظيم ما هقدر أقعد هنا أكتر من كده يا مصطفى. قول لعمو حنين خايفة، وهو هينسى كل حاجة ويجي ياخدني في حضنه. تأثر مصطفى من سماعه لحديثها. شعر بالعجز، فضرب الأباجورة
المجاورة لفراشه وقال: _إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده يا حنين؟! . أنتِ فاكرة إننا سايبينك عند الحاج ناصر عشان بنعاقبك؟! . أنتِ هناك في أمان، لازم تفهمي حجم المصيبة اللي واقعه فيها. حالياً البوليس بيدور عليكي والحيوان ده في غيبوبة، الله أعلم ممكن يحصل له إيه. روحنا كلنا متعلقة في روحه دلوقتي يا حنين، فالأحسن ليكي إنك تفضلي موجودة عند ناصر، مكان بعيد عن عين الحكومة. بكت بحرقة وقالت برفض:
_مش هقدر، والله العظيم ما هقدر. أنا لو فضلت في المكان ده أكتر من كده هتجنن. هكلم الحيطان، حسوا بيا بقى، حرام عليكم. صرخت برعب مع شعورها بسحب الهاتف من بين يديها. صرخ مصطفى بخوف: _مالك يا حبيبتي؟! . في إيه؟! آتى إليه صوت ناصر الهادي يقول: _ما تخافش عليها. حنين كويسة، بس من الواضح إنكم دلعتوها زيادة عن اللزوم لدرجة إنها مش عارفة تعتمد على نفسها في أي حاجة. اقفل أنت، وهي هتبقى معايا بخير. ستبقى معه بخير؟!
.. ربما كانت رسالة صريحة لمصطفى، وربما تكون وصلت إليه بكل سهولة. وضع السماعة دون انتظار سماع الرد، ودار بوجهه إليها مردفاً: _عقلك قال لك إني عشان عديت الغلطة الأولى ممكن أعدي الغلطة التانية؟! . تفتكري يا حنين، دي شجاعة زيادة عن اللزوم منك ولا غباء هيوصلك لحتة مش حلوة؟! حنين رسلان، ابن كبير عائلة رسلان ومدللة عنها. شخصية عنيدة لأقصى درجة. خلعت ثوب الخوف وقالت: _وأنت مين عشان تعدي ليا غلطاتي ولا تحاسبني؟!
. أنا هنا ضيفة ومش أي ضيفة كمان، أنا حنين رسلان، يعني أشرف أي مكان أبقى موجودة فيه. يا ريت تحافظ على المسافة اللي بينا. رفع حاجبه بمعني حقاً، ثم فلتت منه ضحكة ساخرة وقال: _هنقول إيه؟! .. دايماً الشباب بيوصلوا لحيطة سد، ما بالك بقى لما تبقي عيلة صغيرة غبية؟! . يطلع منك أكتر من كده. معاكي ثانية وتغوري من وشي قبل ما أعرفك ممكن أعمل فيك إيه. وضعت يدها على خصرها وقالت بقوة: _ولا تقدر تعمل لي حاجة، عمو ممكن يقسمك نصين.
أومأ إليها بنفاذ صبر ثم جذبها من يدها لغرفة فارغة من الأثاث. صرخت برعب وهي ترى لأول مرة مجموعة من الثعابين. دفعها لتدخل، إلا أنها تعلقت برقبته مثل طوق النجاة وقالت: _لأ لأ، الله يخليك بلاش تعمل فيا كده، مش هغلط تاني والله. ما هذا؟! . ما هذا حقاً؟! .. عناقه لها بنعومة لأول مرة يشعر بها. وجد حاله يستغل الفرصة ويغلق يديه عليها مستمعاً بتلك اللحظة اللذيذة. دفنت وجهها بذقنه مردفة بخوف:
_خرجني من هنا أرجوك، وأنا أوعدك إني هقعد مؤدبة وهنفذ كل اللي أنت عايزه. وهل بيده شئ غير غلق بها الغرفة والذهاب بها بعيداً عنها كل البعد؟! . لا والله. لأول مرة يعلن الحاج ناصر طاعته لأحد. عاد بها للصالة وهي مازالت بين يديه. شعرت بسخونة أنفاسه عليها فأبتعدت مردفة بخجل: _شكراً. لا... هو لا يود سماع شكر، مكتفياً بنعومة جسدها بين يديه. دقة والثانية على باب المنزل جعلته يبتعد. فتح الباب ليري والدته تقول:
_بت مين اللي عندك وطفشت عشان أم الواد يا ناصر؟! *** بجناح أيوب بالفندق. ثلاثة أيام معها أعتاد بهم على النعيم، غارق معها ببحر من الدلال. دلف بخطوات ثابتة عكس حماسه الداخلي المنتظر جديدها. للحظة شعر بسقوط أحلام أرضاً. كانت تنام على الأريكة بمنامة بيضاء من الستان بها قلوب سوداء. أقترب منها بحنق يود معرفة كيف لها أن تنام دون انتظار قدومه. وضع أحد أصابعه على كتفها مردفاً: _دلال. بت.. دلال.. _امممم.
فقط كانت الإجابة مجرد همهمة ضعيفة. نغزها مرة أخرى وقال بضيق: _فوقي لي يا بت أنتِ. نبرته دلفت إلى أحلامها، ضيعت عليها نومها السعيد. فتحت عينيها بضجر زاد أضعاف مع رؤيتها إليه ثم همست بنبرة متحشرجة: _في إيه؟! زفر بضيق وقال: _في إيه أنتِ؟! . في واحدة تنام قبل ما جوزها هنا؟! . وبعدين نايمة على الكنبة ليه؟! _مزاجي كده. قالتها بدلال ناعم ليرفع حاجبه مردفاً: _نعم؟! أومات إليه وقالت:
_مخصماك يا أيوب، روح بقي نام على سريرك وسيبني أنا كمان أنام. أشار على نفسه بسخرية مردفاً: _مخصماني؟! _امممم، مخصماك ومتعاقب كمان. وطول فترة العقاب كل واحد فينا هيبقى في سرير. فلتت منه ضحكة ساخرة وقال: _يا سلام؟! . ودلال هانم بقى مخاصماني ومعاقباني ليه؟! الكارثة إنه لديه من الجبروت ما يجعله يسأل بكل بساطة عن سبب الخصام. حركت كتفها ببساطة وقالت: _تفتكري ممكن تكون عملت إيه زعلني وخلاني مصممة أخاصمك وابعد عنك؟!
يعلم ما يرمي حديثها إليه. كان بيده يحتضن الموقف بطريقة أرقى، ومع ذلك رد عليها بعجرفة:
_أنا أعمل اللي أعمله وأقول اللي أقوله، وأنتِ عليكي بس تبقي معايا. اتفقنا الصبح إن الخصام والعتاب واللوم مش من حقك. ولو دخلتي معايا في الحتة دي هزهق منك بسرعة، ووقتها هتطلعي خسرانة يا دلال. الأحسن لك إنك تتعاملي بذكاء زي ما عملتي الصبح كده. كنتي عجباني وأنتِ بتأخدي حاجة قصاد حاجة. لكن هنقرف بعض يبقى هنزعل من بعض، وربنا ما يوريكي زعلي.
_ولا كل الكلام اللي أنت قولته ده يفرق معايا. أنا ما بتتهددش يا باشا. على سريرك لحد ما أقرر إن عقابك خلص. _وده على مزاج مين بقى؟! طفح بها الكيل من أسلوبه. لديه من الاستفزاز ما يكفي دولة. عدلت ظهرها على الأريكة قبل أن تقول بنبرة هادية مسيطر عليها البرود: _مزاجي أنا. تقدر تقول إن إني مش طايقاك، وعشان مش طايقاك هعمل نفسي مخاصماك كحجة يعني عشان أهرب منك. ما تقربش مني، شوفت الموضوع سهل إزاي.
تحولت معالم وجهه مئة وثمانون درجة بأقل من لحظة. ضربته بكل قوتها بمحل مقتله. زرعت بيديه جنونه، وستري الآن ما هو أبشع. صرخ بغضب: _هو مين ده اللي مش طايقاه يا بنت؟! . ما تفوقي لنفسك. أنتِ نسيتي مني أنتِ مين وبتتكلمي مع مين ولا إيه؟! . حتة فلاحة لميتك من الشوارع بدل ما كنتي بتعري جسمك للي يدفع أكتر وعملتك هانم. حديثه سقط عليها مثل الصاعقة، فقامت من محلها لتقف أمامه صارخة:
_إياك تغلط فيا. اللي واقفه قدامك دي طول عمرها هانم. لولا بس إني قابلت في حياتي من أشكلكم كتير ضيعوا مستقبلي، وأنت عارف كويس أوي إني لو عمري ما عريت للي يدفع أكتر ولا عمري أعملها، وأنت بنفسك يا باشا ما طولتش شعرة مني إلا بمزاجي وبالحلال. نيرانه قلبه وغضبه أكبر بكثير من رؤيته لجرحها لها، فقال: _حلال إيه يا بت؟! . احنا هنضحك على بعض؟!
. ده أنتِ ضيعتي شرفك مع خالد بحتة ورقة عرفي عشان رخيصة، واللي زيك ده آخره. لو كنت كتبت عليكي فده عشان عندي وليه ما أقبلش في يوم أشوفها مكانك، مع إنك ما تستحقيش غير اللي وصلتي له. ولو على لمسك، فانا اللي ماليش مزاج المسك. قرفت وشبعت منك، مالكيش طعم، مسخة ومملة. غوري من وشي.
كلمات كانت بلا رحمة قالها بجبروت. بأقل من ثانية كانت تعود للأريكة تضع جسدها عليها وتنام بسلام دون الرد عليه. زاد جنونه فجعل من الغرفة ساحة معركة حتى لم يتبق بالمكان شئ سليم غيرها. وعند تلك النقطة ترك لها الغرفة وذهب. *** بعد مرور أسبوع.
عاد أيوب للفندق بعد قضاء أسبوعه بمفرده داخل اليخت. تخيل أنه هدأ أخيراً، ولكن بمجرد دخوله المكتب تذكر كل ما قالته ليجعل من المكتب كوم من الرماد. جلس على مقعده يأخذ أنفاسه بتعب، وعقله يدور بألف اتجاه. اللعنة الكبرى الآن إنه بعد كل هذا مشتاق لها. دلف إليه مصطفى ووقف محله لأكثر من دقيقة يشاهد بقايا المكتب بذهول ثم قال: _في إيه يا باشا؟! . مين عمل في المكتب كده؟! تحدث أيوب وهو مازال على حاله:
_أنا اللي عملت في المكتب كده. سيبك منه وتعالى قولي قضية حنين وصلت لفين بالظبط؟! جلس مصطفى على مقعد يعتبر به القليل من الأمل وقال: _ما فيش جديد لسه زي ما هي. الحكومة بتحقق والزفت في غيبوبة. المشكلة دلوقتي في حنين يا باشا، ناصر شكله بيعملها وحش ومخليها خايفة تقعد في المكان. حاولت أتواصل مع حضرتك الأسبوع اللي فات، لكن كان تليفونك مقفول. أول ما السكرتيرة بلغتني بوجودك في المكتب جيت لك على طول. زفر بضيق وقال:
_هروح له النهارده أشوف إيه اللي بيحصل بالظبط. تنحنح مصطفى وقال: _هتكلم معاك دلوقتي على إني صاحبك مش الحارس بتاعك. مالك يا أيوب؟! . بقى لك كام يوم مش مظبوط، واللي أنت عملته في المكتب ده بيأكد كده. أنا عارفك مش بتتعصب بالشكل ده بسهولة. إيه حكايتك بالظبط؟! ما به لا يستطيع وصفه أو قوله. حرك رأسه بتعب شديد وقال:
_لأول مرة في حياتي أقرب من ست أبقى عايزها تفضل في حضني على طول. البنت دي خطر عليا وأنا عارف. ومكمل المشكلة الأكبر أنها عارفة تأثيرها عليا وبتدوس على قد ما تقدر. سأله مصطفى بذهول: _مين البنت دي؟! _دلال. نطق حروف اسمها بعجز. بنفس اللحظة دقت دلال على باب المكتب باحترام. قال بغضب: _أدخل.
توقع عدم وجودها بالعمل بعد آخر حديث بينهما، خصوصاً إنه رأى سكرتيرته الأخرى موجودة على مكتبها وقت عودته. لكن هنا هي تفعل المستحيل وتقف أمامه بكل هدوء ومعها ظرف كبير. مدت يدها بالظرف مردفة: _اتفضل يا فندم، ده جواب جه لحضرتك من المحكمة. أخذ منها الجواب وقال بتعجب: _جواب إيه ده؟! أجابته ببراءة شديدة وكأن الموضوع لا يعنيها في شيء: _دعوة طلاق من مرات حضرتك دلال السيد حسان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!