الحلقة الخامسة اختيار خاطئ لشريك حياتك، كفيل بضياع عمرك بأكمله وستظل تحصد دموع الندم إلى النهاية وسيدفع أطفالك الثمن. تقدم متولي من دلال وعينيه تنذر بالشر التي تغلفها الرغبة، فأدركت دلال أنها هالكة لا محالة ولن يستطيع أحد أن ينقذها منه، فتوسلت إليه ألا يفعل ذلك ولكن نُزعت من قلبه الرحمة، وانقض عليها كما ينقض الأسد الجائع على فريسته.
فشقت صرخاتها جدران المنزل لعل أحد يستمع إليها ولكن لا أحد تنبه لصرخاتها المكلومة، حتى والدتها لا تشعر بها بعد أن ذهبت في نوم عميق بعد أخذ تلك الحبوب المهدئة. طالعها متولي برغبة قائلًا بهسيس وهو يضع يده على فمها: _صوتك يا بت هتفضحيني، واللي يشوف كده يقول البت عفيفة وأول مرة، ده إحنا دافنينه سوا. فخليكي حلوة كده واهدي وعيشي.
فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا لعلها تجد أي شيء تستطيع أن تقاومه به حتى لمحت مقصًا كان قد سقط منها منذ عدة أيام ويظهر طرفه من أسفل التخت. فحاولت بأقصى جهدها أن تصل إليه حتى استطاعت أن تمسك به، فسلطته على عنق متولي وقالت بتهديد: _لو مبعدتش عني يا متولي، هغزك في رقبتك. خرج من عين متولي وميض الخوف وشعرت دلال بذلك من اهتزاز جسده، فاستطاعت في تلك اللحظة أن تبعده عنها.
فوقف سريعًا وظهر على وجهه الخوف ولكن سرعان ما اعتلت بسمة خافتة على شفتيه قائلًا: _إيه يا دلال، أنتِ صدقتي ده أنا كنت بهزر معاكي يا بت، ده أنا مربيكي وأنتِ زي بنتي. ارمي ارمي اللي في إيدك ده، بلاش لعب عيال. وناميلك ساعتين عشان تصحي فايقة للشغل يا حبيبتي.
قال متولي كلماته تلك التي خرجت من بين أسنانه بغيظ ثم غادر الغرفة وأغلق الباب من ورائه بعنف، مما جعل قلبها ينتفض، فأسرعت إلى الباب تغلقه بالمفتاح جيدًا حتى لا يقتحم عليها الغرفة مرة أخرى وهي لا تشعر. ثم بصقت بنفور قائلة بغصة مريرة: راجل مقرف، امتى ربنا يخلصني منه. أما هو فوقف يتنفس بعمق ثم ضيق عينيه بمكر وقال بوعيد: كده يا دلال، ماشي. مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة.
وقفت أنهار أمام شاهين متجهمة الملامح وتطالعه بجمود، فزفر بضيق قائلًا: فيه إيه يا بت الناس ما كنا كويسين ولا أنتِ كل ساعة بحال. فهدرت به أنهار قائلة: فيه أن أخوك مش هيسيب أختي غير لما يخلص عليها، وساعتها أنا مش هسكت مش كفاية اللي بيعمله فيها من أول اتجوزها، ده ولا كأنه واخدها غصب..! ده حفى عشان ياخدها وقال إيه بنت عمي وأنا أولى بيها، يقوم يعاملها معاملة البهايم دي..!
يرضيك يا شاهين أخوك يعمل كده، آه ما هو تربية أمك المفترية. لم يعبأ شاهين بكل حديثها إلا كلمة "أمك مفترية" فأسرع إليها ووضع يده على فمها قائلًا بأمر: _اكتمي صوتك ده، ألا تسمعك وتبقى ليلتنا مش فايقة وتخليني أعمل زي شفيق اللي مش عاجبك ده. لكن أنا للأسف بحبك يا أنهار، وعشان كده يا بنت الناس خلينا في حالنا أحسن، ملناش دعوة بحد.
اللي يزعق واللي يضرب ولا يموت حتى، إحنا لينا حياتنا لوحدنا وأنا صراحة مقتصر الشر وخصوصًا أمي، أنتِ مش ناقصة وجع دماغ. فهماني يا أنهار، ولا عايزة حياتك تبقى شبه أختك. أدركت أنهار ما يرمي إليه، ولكن يزعجها تلك اللامبالاة منه، وهذا الضعف في شخصيته. ولكنه محق في الحديث عن أمه، فقد تجعله يسيء إليها مثل شفيق مع أختها. لذا لم تجد إلا الصمت ثم أومأت برأسها بالموافقة.
فابتسم شاهين وانحنى ليقبل رأسها قائلًا: هو ده الكلام يا أنهار يا حبيبتي. ربنا يكملك بعقلك. لا تتسول الحب وابتعد، فخير لك أن تخسر حبًا ليس لك، خيرًا لك من أن تخسر نفسك، فالحب يعوض بشخص آخر ولكن نفسك لن تعوض. ولجت زينب إلى غرفتها والنار تأكل أحشائها بعد رؤية سليمان، فهي في كل مرة ترى بها وجهه تتأجج الذكريات أمامها وكأنها تعيشها مرة أخرى بنفس شعور الخذلان الذي كاد أن ينهي حياتها حينها.
فهي تعلم جيدًا أن سبب موافقتها على الزواج من حمدي، هو أن تكون بجانب سليمان في اعتقاد منها أنه عندما تكون تحت عينيه باستمرار قد يتعلق بها قلبه كما تعلقت هي به ويطرد من قلبه تلك الحية التي استطاعت أن تأخذه منها. شردت زينب في يوم خطبتها على حمدي، وكانت هي في عالم آخر لم تخفض به نظراتها عن سليمان، الذي ارتبك عندما كانت عينيه تصادف عينيها رغماً عنه.
وعندما تقدم منهم ليهنئ أخيه على الخطبة، احتضنه بحب ثم التفت إليها ومد يده ليصافحها، فصافحته بعيون تمطر عشقًا حتى إنها لم تنتبه أنها ما زالت متمسكة بيده وهو يحاول والحرج يملأ وجهه أن يسحب يده منها. ولم يشعر بذاته إلا وقد غادر المكان سريعًا بعد أن شعر أن هناك شيء ما في قلب تلك الحية تجاهه، لذا قرر أن يبتعد عنها بقدر الإمكان حتى لا يتأذى حمدي من تصرفاتها غير الطبيعية.
وهكذا مرت الأيام ثقيلة على قلب زينب لأنها لم تعد ترى سليمان، وآلمها الشوق الضاري لرؤيته، حتى جاء اليوم الذي تمزق به قلبها إلى أشلاء عندما علمت بموعد زفافه وحينها تغيب عقلها وفرض القلب سيطرته وأسرعت لارتداء ملابسها وتوجهت نحو محل عمل سليمان. الذي تفاجأ بوجودها أمامه بتلك الهيئة المزرية وقد حفرت دموعها خندقًا على وجنتيها. ففزع قائلًا: زينب..! ـ حصل حاجة، أخويا حمدي كويس؟
-أنا اللي مش كويسة يا سليمان وحاسة إنه هيجرالي حاجة وهيكون ذنبي في رقبتك. هكذا نطقتها زينب، ليتعجب سليمان قائلًا باستفهام: _إيه الكلام العجيب اللي بتقوليه ده وأنا ذنبي إيه؟ فبكت زينب حتى سمع شهقاتها فقالت: ذنبك إنك مش حاسس بيّ يا سليمان. ثم اعترفت بما جعل الدماء تفور عنقه. -أنا بحبك يا سليمان، ومقدرش أشوفك بتتجوز غيري. صفعة قوية منه نزلت على وجه زينب جعلتها تصرخ.
ثم هدر بغضب جحيمي: أنتِ اتجننتي يا زينب، ده أنتِ قريب هتكوني مرات أخويا. زينب بإنهيار: مش عايزاه، أنا عايزاك أنت يا سليمان. ومستعدة أفسخ خطوبتي بيه على شرط تسيب أنت كمان ست ابتهال بتاعتك ونجوز. فأخرج سليمان زفيرًا حارًا غاضبًا من شأنه أن يحرقها أمامه، ولكن حاول أن يسيطر على انفعالاته قائلًا: _وأنا مبحبكيش يا زينب وبحب ابتهال ويستحيل عيني تشوف غيرها.
فاعقلي يا بنت الناس وروحي وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة، وصوني النعمة اللي بين إيديكي بدل ما تروح منك. حمدي طيب قوي وألف واحدة تتمناه. زينب بغصة مريرة: وأنا وحبي ليك؟ ضرب سليمان يدًا بيد قائلًا: لا حول ولا قوة إلا بالله. بقولك إيه عشان أنا ماسك أعصابي على الآخر. وكمان مستعد أدفنك حية بسبب بجاحاتك دي، أنتِ إيه مبتكسفيش!! يلا غوري في داهية مش ناقصة مصايب.
كان حديث سليمان كخنجر أصاب قلبها في مقتل، بعد أن مزق كبرياءها بلا رحمة بعد أن عرت مشاعرها أمامه وقام برفضها بهذه الصورة المهينة. ليجدها تطالعه بغضب جحيمي قائلة: ماشي يا سليمان. والله لهيجي اليوم اللي أخليك تندم على رفضك ليا، وهتجيلي راكع. فأجاب سليمان بحدة: أنا عمري ما ركعت غير لله. اتفضلي روحي في ستين داهية. فغادرت زينب تجر أذيال الخيبة، ولكن ما حدث جعل بينها وبين سليمان ثأر ولن تهدأ حتى تأخذه منه.
سمعت زينب صوت هرجلة بالأسفل وأصوات عالية أخرجتها من شرودها. ثم أسرعت للخارج لترى ما يحدث؟ استمعت شهيرة لصوت سفيان عندما ولج إلى داخل المنزل يحمل على يديه أحمد قائلًا: يا شهيرة تعالي افتحي أوضة أحمد عشان يستريح. أسرعت شهيرة إليه بلهفة ولكن تجمدت مكانها عندما رأت أحمد على هذا النحو بوجه مليء بالكدمات وجسد واهي ضعيف وإحدى قدميه وذراعه محاط بجبيرة. فبكت وقالت بغصة مريرة: ألف سلامة عليك يا أخويا، إزاي ده حصلك بس؟
طالعها أحمد بنظرة حنونة وابتسم رغم ألمه قائلًا: _الله يسلمك يا حبيبتي، ومتقلقيش أنا كويس وقدر الله وما شاء فعل. صك سفيان على أسنانه بغيظ وأخذ يبدل قدمًا بأخرى من شدة الألم في تحمل جسد أحمد، فصاح بانفعال: _مش وقته سلامات يا حبيبتي أبوس إيدك. عشان أخوكي تقيل قوي، افتحي الباب بسرعة أقلبه على السرير قبل ما هقع بيه وربنا.
فضحك شيكو وقال متهكمًا: ما قولتلك أشيله أنا، عملت فيها سبع البرمبة وأسد، طلعت قطة والراجل هيقع منك ويكسر أكثر ما هو مكسر، بس المرة دي مش هيلاقي الوجه الحسن زي الصاروخ اللي كانت في المستشفى. هيلاقي الحاجة زينب اللي بَصّتها تقطع الخلف. تلونت عين أحمد بغضب جحيمي حين تذكر نظرات شيكو لها ولكن تعجب من غضبه فلما يغضب وهي لا تمت له بصلة وكانت مجرد صدفة ألقاها القدر في طريقه ثم تفرقا. والوقت كفيل على أن ينساها، فهل سيستطيع؟
انكمشت ملامح سفيان وقال بحنق: كده، طيب خد شيل يا عم وريني هتتحمل إزاي. فمد شيكو ذراعيه ليحمل أحمد قائلًا: حبيبي يا أبو حميد يا صاحبي، عشان تعرف بس إنك ملكش غيري. ولكن عندما حمله وشعر بثقله كاد أن يسقط منه، فقال سريعًا لسفيان: بص هو أنا بحبه آه لكن أنت ابن عمه وأولى بيه، خد شيل شيلتك يا عم. فصاح أحمد بينهم: أنتم هتحدفوني لبعض ولا إيه، اخلصوا نزلوني على السرير تعبان. لتتألم
شهيرة لألمه قائلة بحنو: يا عيني عليك يا حبيبي. شيكو: أنتِ هتعددي عليه ولا إيه ما هو زي الفل أهو. ليلقي به على الفراش ليتأوه أحمد متألمًا: _آآآه، منك لله يا شيخ. عقد شيكو حاجبيه وقال بمرح: أنا غلطان كنت عايز أريحك مرة واحدة. فضحك سفيان ساخرًا: لا جامد وراجل يا شيكو قوي. لتستمع شهيرة إلى صوت والدها ينادي: يا شهيرة، يا سفيان. طمنوني على أحمد يا أولاد؟ وعندما همت شهيرة للإسراع إلى والدها، استوقفها شيكو قائلًا:
_استني أنتِ يا أم سيف، أنا هروح أطمن عمي وأكيد هيصمم يشوفه فهسنده يجي. ثم وجه حديثه إلى أحمد: وأنت اتعدل كده وبطل مسكنة قدام الحاج عشان ما يقلقش عليك. ألقى كلمته ضاحكًا ثم غادر الغرفة، لتقترب شهيرة من أحمد تسأله بغصة مريرة: إيه اللي عمل فيك يا أحمد كده؟ ما هو مش معقول جسمك كله متكسر من وقعة. فأخفض أحمد رأسه خجلًا ولاحظ
ذلك سفيان فأسرع بقوله: وبعدين يا شاهي ما تكتريش كلام مع أحمد عشان زي ما أنتِ شايفة تعبان ويلا روحي للحجة وشوفوا هتعملوا إيه يرم عظمه عشان يتحمل العلاج ويخف بسرعة. فابتسمت شهيرة وقالت: بس كده عيوني لحمادة، حالًا هجهز ليه شوربة فرخة بلدي. لتخرج شهيرة وطالعها سفيان حتى خرجت بحب، ثم جلس بجانب أحمد وربت على كتفه بحنو قائلًا:
_حبيبي يا أبو حميد ألف سلامة عليك يا غالي بس أنت لازم تحكيلي أنا على الأقل حصل ده إزاي، عشان أقدر أبلغ وناخد حقك. فأخفض أحمد رأسه مرة أخرى بحرج وقال بخفوت: _لو قولتلك مش هتصدقني، أنا كنت ماشي في أمان الله، ولقيت قصادي بتاع خمس ست رجالة ملثمين وهجموا عليّ، كل واحد قعد يضرب فيّ. ما اعرفش ليه وعشان إيه؟ تبدلت ملامح سفيان للغضب وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، أكيد عشان يسرقوك، أو عايزين يخطفوك ويطلبوا فدية بس ملحقوش.
حرك أحمد رأسه نافيًا: لا ما أظنش سرقة لأنهم ما خدوش حاجة مني، ولا كمان قصدهم خطف لأنهم سابوني غرقان في دمي وما كانش أصلًا حد موجود في الشارع، غير البنت اللي ظهرت فجأة دي بعد ما مشيوا وأنقذتني بعد ما وقفت عربية عشان تروح بيّ المستشفى. ابتسم سفيان: _والله بنت جدعة ربنا يجازيها خير. فتأفف أحمد قائلًا: منين الخير ده وهي عاملة في نفسها كده، والكل عمال يتفرج عليها. فعارضه سفيان بقوله: يا شيخ أحمد ما تقولش كده.
وربك رب قلوب وده مش معناه إنها مش غلطانة في تبرجها، بس ممكن ما يكونش حد فهمها إنه واجب عليها تستر نفسها وما اتعودتش عليه. لكن ده ما يمنعش أن قلبها من جوه أبيض ونقي وعشان كده أنقذتك والقلب النقي ده بيكون عنده استعداد للنصيحة بس لو جت بطريقة صح ولينة مش بأمر ونهي تخليها تنفر. أدار أحمد حديث سفيان في رأسه وعلم أنه يقول الحق ولكن الغضب أعماه عن الحقيقة فقال:
_خلاص بقى أبيض ولا أسود انتهى الموضوع وهي راحت لحالها ربنا يهديها. ولجت زينب إلى المطبخ فوجدت شهيرة تعد الحساء من أجل أحمد، فنهرتها قائلة: _بتعملي إيه يا شملولة؟ لم تلتفت شهيرة إليها بعد أن شعرت بنبرة التهكم في صوتها، ولم تعرها اهتمام واكتفت بقولها: _زي ما حضرتك شايفة، بسلق فرخة عشان أخويا يتقوت بيها. صكت أسنانها زينب بغيظ وودت أن لو سكبت السم في ذلك الحساء لكي تتخلص منه للأبد.
لتتابع بنفس الوتيرة: لا قلبك حنين يا بت. شهيرة: الحمد لله طالعة لأبويا ربنا يحفظه. فاشتعلت النار في جسد زينب وهمست: قصدك هبلة زي أبوكي، كان نفسي تطلعي لأمك قلب من حديد بس للأسف. نظرت لها شهيرة بعتاب ثم حملت الحساء وتقدمت به نحو غرفة أحمد، فوجدت الغرفة مليئة بالأحباب. والدها وسفيان ووالده وشيكو وانضم إليهم أيضًا تميم ابن عمتها فردوس. فألقت التحية عليه: إزيك يا تميم؟ ابتسم
لها تميم وأجاب بحبور: الحمد لله يا أم سيف، أنا جيت أبص على عمي، لقيت دكتور أحمد بالمنظر ده. شيكو بمرح: منظره زي الفل، معاكيش قلم نكتب على الجبس ده ذكرى، ولا أقولك بقت موضة قديمة، تعالى نتصور معاه سيلفي أحسن. ابتسم الجميع ولكن لم تتعدى ابتسامتهم ثغرهم حتى وجدوا زينب أمامهم قد ولجت كوحش ثائر قائلة بصياح:
_والله على آخر الزمن بيتي بقى يلم اللي يسوى واللي ما يسواش وعشان مين حتة عيل مفعوص فاكر نفسه راجل، بس للأسف طلع عيل ما عرفش يدافع عن نفسه وأكل علقة سخنة.
قالت كلماتها اللاذعة تلك وهي تنظر إلى سليمان ثم شيكو وأخيرًا أحمد الذي كان مذهولًا لا يصدق ما تفوهت به والدته الذي كان يظن أنها ستكون أول الناس في استقباله وستذرف العبرات حزنًا عليه ولكنه تفاجأ بنظراتها الشامتة وكأنها عدو لدود، فتجمعت العبرات في عينيه قهرًا وشعر أن رأسه ستنفجر من غليان الدماء بها. وشعر الجميع بالحرج والإهانة وكان أول من تحدث هو سليمان فقال بحرج: _طيب يلا بينا يا سفيان عشان ابن عمك يستريح.
تابعه شيكو بأسف: وأنا خدوني معاكم. _محدش هيمشي من هنا. قالها حمدي بغصة مريرة قد اجتاحت جسده الوهن فشعر بمرارة جوفه بعد أن استمع لكلمات زينب المشينة في حقه وهو صاحب البيت وهو من تكون له الكلمة. قال كلمته ونظر إلى زينب وصاح بانفعال: _أوعي تفتكري يا زينب إني هسكتلك بعد اللي حصل ده. إيه خلاص افتكرتيني مت بالحيا ولا عشان ما بقتش قادر أقف على رجلي فحسيتي إني عاجز.
لا يا زينب أنا حمدي الجمال هفضل لآخر لحظة من عمري راجل ومش هسمحلك أبدًا تفرقي شملنا. اتسعت عين زينب بصدمة وكادت أن تفتك به لتمردها عليها وإهانتها بهذا الشكل أمامهم ولكن قاطعها دلوف شفيق عندما سمع حديث أبيه فغضب لأمه وهاج وثار وصاح بعلو صوته: _أنت شكلك اللي كبرت وخرفت يا حاج لا مؤاخذة.
عشان تكلم الست اللي شالتك العمر كله بالطريقة دي وعشان مين جرابيع ما يسووش حاجة وأولهم الغندور ابنك اللي طالع بيه السما عشان دكتور، بس بعون الله هنزله لسابع أرض. لم يتحمل سفيان كل هذا الهراء والاحتقار على لسان شفيق فوقف أمامه يريد الفتك به وضربه قائلًا: _أنت إيه يا أخي شيطان، إزاي تكلم أبوك بالطريقة دي؟ ليقاطعهم حمدي بصراخه: أنا عجزت وخرفت يا شفيق.
خرجت كلماته مقطعة من الصدمة التي لم يتحملها وقد شل لسانه وتيبس جسده ليسقط من بين أيديهم. فصرخت شهيرة: بااااابا. وتبعها صراخ أحمد: بااابا. _حد يلحقنا بدكتور بسرعة. سفيان بفزع: عمي. إيدك معايا يا شيكو ندخله أوضته وأنتِ يا شهيرة اتصلي بدكتور مراد يجي حالًا. وعندما حضر الطبيب وقام بالكشف عليه قال: _للأسف الحاج اتعرض لصدمة ونتيجتها حصل ليه الشلل المفاجئ ده. اكفهرت
ملامح سفيان ونطق بأسى: يعني إيه يا دكتور، هيفضل كده على طول؟ الطبيب: العلم عند الله بس للأسف عشان عمر الحاج وضعف جسمه ممكن يطول معاه شوية، لكن الله أعلم ممكن مع العلاج الطبيعي والابتعاد عن التوتر تحصل معجزة ويرجع لحالته الطبيعية. عندما تجتمع شياطين الإنس، فقل يا رب سلم واعلم إن كله بقدر الله. أغلقت زينب الباب عليها حتى لا يسمع أحد الحديث بينها
وبين شفيق وقالت بامتنان: يخليكي ليّ يا ابن بطني، عملت الواجب وزيادة مع الجرابيع اللي تحت ورديت كرامتي اللي أبوك بعزقها عشان شوية بهايم. أمسك شفيق يد والدته ولثمها بفمه قائلًا: أنا أفديكي بروحي، أنتِ غالية عندي يا حجة. لمعت عين زينب بفرحة وقالت: تعيش ويطول في عمرك يا ضنايا. وعشان كده اقعد عشان عايزة أكلمك في موضوع مهم. فجلس شفيق وعينيه تنطق بالشغف والفضول لما ستقوله والدته.
ليجدها تقول بخبث وهمس: قلبي حاسس أن أبوك كده مش هيطول. ففرصة قبل ما يتكل على الله ويريحنا وهو مش قادر يكلم دلوقتِ، إنك تخليه يبصم على تنازل لجميع ممتلكاته ليك ولأخوك شاهين. تعجب شفيق وتساءل: أنا وشاهين بس؟ طيب وشهيرة؟ فعبست زينب وقالت بغيظ: كفاية عليها ابن سليمان واللي هيورثه من أبوه، أما فلوسنا إحنا يستحيل تروح لحد غريب. أومأ شفيق: عندك حق يا حجة. المهم عايزة إمتى ده يحصل؟ زينب
بصوت يشبه فحيح الأفعى: حضّر بس أنت ورقك، وأنا هراقب أبوك وأول ما أشوفه يروح في النوم، هناديلك تجيب الورق وتدخله ونخلص. ياااه نفسي أشوف وش أحمد حبيب أبوه لما يعرف إنه ما لوش عندنا جنيه واحد، وساعتها طبعًا مش هيقدر يكمل كليته اللي شايف نفسه بيها دي، ويروح يمسح عربيات عشان يجيب لقمته ويتلقح في أي خرابة ينام فيها، عشان أول ما حمدي يموت هطرده على طول. فتعالت ضحكات شفيق بغل وأكد: هيحصل قريب قوي.
غادر الجميع بحزن بعد أن استغرق حمدي في النوم بفعل المهدئات، لتزوره في أحلامه شمس. عندما تركها تلك الليلة في شقته وعاد هو إلى منزله ينتظر بفارغ الصبر شروق الشمس للذهاب والاطمئنان عليها. وفي الصباح ذهب إليها مسرعًا ولكنه لم يشأ أن يكون بمفرده حتى لا يعرضها للحرج، لذا مر على تلك السيدة المسنة التي تمتلك المنزل، فرحبت به كثيرًا وعندما علمت بأمر شمس تخللت السعادة إلى قلبها قائلة:
_الله أكبر، يعني ربنا عوضني على كبر أن يكون ليّ بنت تونسني، يا خير ما فعلت يا ابني. ومتقلقش عليها طول ما هي موجودة معايا. وتعالى عشان نطلعلها عشان مشتاقة أشوفها. طرق حمدي الباب، ففزعت شمس ووقفت ترتجف من الخوف قائلة: _مين على الباب؟ شعر حمدي بمقدار الخوف في صوتها فطمأنها قائلًا: _أنا حمدي يا شمس افتحي ومعايا الحجة فوزية. فسرعان ما ابتسمت شمس وأسرعت لفتح الباب، لتتلاقى أعينهم بشوق، خجلت هي على أثره فأخفضت بصرها.
حمدي مشيرًا إلى الحجة فوزية: أهي يا ستي شمس اللي قولتلِك عليها. الحاجة: أهلًا يا بنتي نورتِ الحتة كلها وتعالي كده في حضني، ده أنا ما صدقت شوفتِك وقولت أنتِ اللي هتؤنسي وحدتي. فعانقتها شمس بحب وشعرت بارتياح في عناقها كأنها تعانق والدتها فهمرت الدموع من عينيها. وكانت دموعها كخدوش في قلب حمدي تأثر لها وقال بحنو: _كفاية دموع يا ست البنات وعايزين نشوف الابتسامة الحلوة من أول النهار ده. وقوليلي فطرتي ولا لسه؟
شكلك بيقول لسه، أنا هنزل أجيب أحلى فطار يفتح النفس. مرت ياسمين أمام شيكو، فتعلق نظره بها ودق قلبه نبضات عالية، فتعمدت هي تجاهله حتى تثير حنقه. فأخذ يدندن: يا حلو صبح يا حلو طل. نهارنا أبيض، نهارنا فل. فطالعته بطرف عينيها قائلة بتهكم: صوتك وحش على فكرة. ابتسم شيكو وأمسك بأعلى قميصه قائلًا بفخر: عجبني. زي الغزال اللي بيكلمني دلوقتِ. ونفسي يحن عشان خلاص القلب داب واتهلهل وما بقاش ينفع يتخيط.
اشتعلت نار الحب في قلب ياسمين ولكنها رسمت على وجهها الجمود حتى لا تفضحها عينيها وقالت: _ده بعينك، روح قول الكلام ده لواحدة من الجرابيع اللي تعرفهم لكن أنا لا. اتسعت عين شيكو وقال بغضب مصطنع: _مين الخاينة اللي فتنت عليّ، والله لأربيهم كلهم. وأعملهم بلوك لأجل عيونك يا جميل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!