الفصل 6 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
22
كلمة
3,174
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

الطَّعنة عندما تأتي من الغرباء أحيانًا لا تكون مميتة ولكنها تسبب ندبًا وأثرًا نفسيًّا لا يزول، ولكن عندما تأتي من أقرب الناس إليك فإنها تكون مميتة في الحال لأن الخذلان أشد من الطعن. علمت بسمة من أسماء ما حدث مع أحمد، فظهر على وجهها الحزن مما أثار حفيظة أسماء، فقالت بغيرة واضحة على ملامحها: "ومالك زعلانة كده عليه يا آخرة صبري، هو كان من بقية أهلك وأنا معرفش." غضبت بسمة وقالت بدفاع:

"هو لازم يعني يكون من أهلي عشان أزعل عليه، مفيش حاجة اسمها إنسانية عندك." "وشاب زي الورد كده يحصله حاجة زي دي! أسماء بتهكم: "لا قلبك حنين يا بسمة." لتستطرد بسمة بمكر: "هو مينفعش يا بت تاخديني معاك أزوره واهو يعني نعمل الواجب معاه." لم تتحمل أسماء كلمات بسمة، فوقفت والغضب يتطاير من عينيها قائلة بهدر: "لا والله، أنتِ اتجننتي يا بت..! "تزوريه بإمارة إيه، أنا مشوفتش في بجاحتك صراحة."

"طب حتى خبي نفسك مني، لكن عيني عينك كده حاطه عينك على خطيبي." عقدت بسمة حاجبيها وقالت بغل: "بس متقوليش خطيبك، مفيش حاجة رسمي حصلت يعني لسه ويعالم النصيب فين." فانفعلت بسمة وجذبتها من شعرها بشدة حتى كاد أن يتقطع بين يديها قائلة: "نصيبك مقندل يا بت، أنا غلطانة إني صاحبت واحدة زيك واعتبرتك بني آدمة وأنتِ بنت البواب أصلاً." "يلا روحي في داهية مش عايزة أشوف وشك تاني وإلا وديني أعلم على وشك الحلو ده."

ثم دفعتها لتخرج من المنزل بقسوة، فاندفعت العبرات من عينيها ووالدماء تفور في أوردتها: "كده يا بت الجمال، ماشي هشوف مين يضحك في الآخر." خرجت ابتهال على صوت أسماء العالي فسألتها: "مالك يا بنتي فيه إيه، وصوتك عالي ليه أنتِ وبسمة، انتوا مش هتبطلوا شغل العيال الصغيرة ده وتبطلوا نقار." زفرت أسماء بضيق وقالت: "يوه يا ماما متجبليش سيرة البت دي، مش عايزة أعرفها تاني." ثم اقتربت منها ولثمت وجنتيها بقبلة قائلة بدلال:

"بقولك إيه يا ست الكل مش واجب برده أروح أطل على أحمد ابن عمي." طالعتها ابتهال بمكر مستفسرة: "ومن امتى يا بت الحنية دي..! داعبت أسماء خصلات شعرها وقالت بمكر: "أهو يعني قولت عيب أعرف إنه تعبان ومطلش عليه وكمان أشوف عمي عشان سمعت من سفيان إنه تعبان أوي." اكفهرت ملامح ابتهال من الحزن وتنهدت بغصة مريرة قائلة: "يا عيني على اللي أصاب الحاج حمدي، ربنا يتولاه ويشفيه." "ويجازي اللي كان السبب." ثم تابعت:

"أنا هسيبك تروحي بس عشان عمك وسيبك من أحمد يا بنتي، كفاية اخواتك واللي شايفينه من زينب." "مش عايزاكِ أنتِ كمان تكوني زيهم، خصوصًا إنك غيرهم." "أبوكِ دلعك زيادة عن اللزوم ومتعرفيش تعملي حاجة من شغل البيت." فطالعته أسماء بخبث قائلة: "ليه وأنتِ فكراني هبلة وطيبة أشجان وأنهار..! "ولا ممكن أسكت للست الشيطانة دي وتخليها تمرمطني زيهم، لا ده أنا أسماء محدش يجي عليه أبدًا." فزفرت ابتهال بضيق:

"بطلي هبل، وأنتِ كمان لسه صغيرة على الكلام ده وهو لسه قدامه كتير، ساعتها الله أعلم بالنصيب." فابتسمت أسماء وراوغتها لتنفذ ما تريد: "طيب يا قمر أنتِ، ممكن عقبال ما يجي النصيب أخد صينية الكيكة الحلوة دي وأروح بيها عند عمي." بحلقت ابتهال بدهشة قائلة: "بت يا أسماء، مالك كده مش عوايدك يعني ولا كان أحمد في دماغك أصلاً، بالعكس أنا شايفاكِ بتميلي لتميم أكتر." فقاطعتها أسماء مرددة بنفور:

"لا تميم إيه المشحم المزيت ده، لكن أحمد دكتور وليه وضعه." ضيقت ابتهال عينيها بتفهم: "ها قولتيلي بقى بصة على المنظر من بره، بصي يا بنتي هفهمك حاجة تحطيها حلقة في ودنك." "الشهادات دي بتتعلق على الحيط، ومقولتش إنها مش مهمة."

بس الأهم منها إنك تاخدي إنسان يسعدك وميهونش عليه زعلك، وأنا شايفة عيون تميم كلها حب ليكي، لكن أحمد رغم أنه ابن حلال وملتزم بس بعيد عنك خالص يا بنتي. فياريت نعمل زي المثل اللي بيقولوا عليه عصفور في اليد أحسن من عشرة على الشجرة. شردت أسماء كثيرًا في حديث والدتها فهي محقة وبالفعل تميل إلى تميم أكثر ولكن العند يحول بينها وبين ذلك ولن تخسر معركتها مع بسمة وتتركه لها. لذا اختطفت صينية الكيك قائلة بمرح:

هروح اصطاد العشرة على الشجرة. زفرت ابتهال بملل: ربنا يهديلك نفسك يا بنتي، عشان أنا عارفة البطران آخرته قطران. ***** خرجت أسماء مسرعة إلى منزل عمها المجاور لهم. وطرقت الباب لتفتح لها زينب التي تبدلت ملامحها لأخرى غاضبة واحمرت عينيها بلهيب الغضب وأخرجت أقذفه من النيران قائلة بحدة: مفضلش اللي أنتي يا بنت ابتهال، عايزة إيه مننا أنتي كمان؟ لم تهتز أسماء لكلماتها الغاضبة وإنما وقفت تطالعها بنفس النظرة وقالت بتحدٍ

أثار حفيظة زينب: خلصتي يا مرات عمي ولا لسه فيه كلمة محشورة جوه زورك عايزة تقوليها كمان. على العموم هوفر عليكي الكلام، وهقولك أنا مش جيالك أنتي لا مؤاخذة يعني، أنا جاية لعمي وابن عمي أطمن عليهم. وكانت أشجان في تلك اللحظة مع أحمد في غرفته، تحاول أن تطعمه من يديها وتناظره بكل حب ويلمع وميض الحزن في عينيها من أجل ما تعرض له. وتهمس بأنين:

والله أنت ما تستاهل اللي جرالك ده يا أحمد من الشيطان شفيق والعقربة أمه ويعالم هيعملوا فيك إيه تاني، منهم لله جبروت بس فيه ربنا أكبر منهم. إلهي يفرمك قطر يا شفيق يا ابن زينب أنت وأمك في ساعة واحدة. تعرق أحمد من قرب أشجان الزائد فقال بحدة: مينفعش كده يا أشجان لو سمحتي، لازم يكون فيه حدود في التعامل وكمان أنا مش عيل صغير عشان حد يأكلني. ارتبكت أشجان وتلون وجهها بحمرة الحرج فابتعدت قليلًا قائلة:

هو أنا غريبة، ده أنا بنت عمك وزي أختك. وأنا عارفة إنك راجل وراجل أوي كمان ومش عيل بس عشان يعني إيدك متجبسة كده حبيت أساعدك، ومنه لله اللي كان السبب. أحمد بتفهم: أنا عارف إنك زي أختي بس برده مش أختي. فمعلش سيبي الأكل وأنا هحاول آكل لوحدي وكتر خيرك تعبتي نفسك. وياريت لو تطمنيني على بابا وتبلغيني، ياريت أنا كنت أقدر أروح له وأقعد تحت رجله كمان، لكن مش قادر. ثم دمعت عينيه من الحزن. تأثرت أشجان بدموعه ولكن طمأنته قليلًا

بقولها: صلي على النبي كده يا دكتور. وعمي كويس أنا لسه مطمنة عليه قبل ما أدخلك وأنهار أختي كانت قاعدة تأكله بإيديها. فشكرها أحمد بامتنان: الله يكرمها ويسامحك يا أمي. ثم استمع الاثنان إلى صوت عالٍ بالخارج. فانتبهت أشجان لهذا الصوت الذي تعلمه جيدًا فقالت باندهاش: ده صوت أسماء أختي. لما أطلع أشوف فيه إيه؟ وعندما خرجت وجدت زينب تتطاول عليها باليد وتجذبها من شعرها قائلة بصراخ:

أنتي يا بنت ياللي لسه مطلعتيش من البيضة، بتردي عَلَيَّ وعاملة راسك براسي. آه ما أنتم تربية ابتهال هتطلعوا إيه يعني؟! تمزق قلب أشجان عندما رأت أختها بين يدي زينب هكذا. فقامت بالنداء على أنهار قائلة: الحقي أختك يا أنهار. فتسارع الاثنان إليهم، في محاولة لإبعاد يد زينب عن شعر أسماء. ترجتها أنهار: سيبيها يا مرات عمي، عملتلك إيه بس؟ دي يا صغيرة لسه مش فاهمة حاجة. صاحت زينب:

آه ما أنا هفهمها غلطها، ابعدي أنتي وهي بس وإلا وديني أخلص عليها وأكمل عليكي. وبينما زينب تجذبها من شعرها بقسوة وأسماء تصرخ بين يديها ولكنها بداخلها أقسمت أن ترد لها الصاع صاعين. فتحملت الألم وجاهدت حتى ترفع إحدى قدميها، فخلعت عنها الحذاء ثم جذبت شعرها بقوة من يدها. وفي لحظة انقلب المشهد من تعدي زينب عليها، إلى تعدي أسماء عليها حيث هوت بالحذاء على رأسها.

فصرخت زينب من الألم بين اندهاش أشجان وأنهار حيث شلت الصدمة ألسنتهم. أما أسماء فلمعت عينيها بلذة الانتصار فقالت بتشفٍ: العين بالعين والبادي أظلم يا مرات عمي. وبرده هدخل أشقر على ابن عمي. فولجت إليه سريعًا وتقدمت منه وابتسمت بدلال: إزيك يا دكتور أحمد. طالعها أحمد باندهاش قائلًا: أسماء! أنا أول مرة أشوفك تيجي عندنا، وصوتك ليه عالٍ كده مع ماما حصل حاجة؟ اقتربت منه أسماء وانحنت حتى أصبح وجهها مقابل وجهه وقالت بدلال:

كان لازم أجي عشان أطمن عليك، مقدرتش أسمع إنك تعبان ومجيش يا حمادة. خجل أحمد من جرأتها والتفت سريعًا بوجهه، فهو لم يتعود منها البساطة في الحديث معه من قبل لذا عقد حاجبيه وقال بانفعال: اسمي أحمد وعلى العموم متشكر على السؤال، وعلى كده دخلتي شوفتي بابا الأول؟ حمحمت بحرج بعد أن أحرجها بسؤاله ولكنها أسرعت بقولها: آه لازم طبعًا أطل عليه، ربنا يشفيه، ثم استدارت نحوه من الجهة الأخرى وتمتمت بدلال: ويشفيك يا رب.

ثم تناولت صينية الكيك وأخذت منها قطعة وقربتها من فم أحمد قائلة بتودد: دوق كده، عمايل إيديا وحياة عينيه. ولجت أشجان في تلك اللحظة فوجدتها تطعمه فضحكت ساخرة بعد أن اشتعلت الغيرة في قلبها: يعني بتأكلك بإيديها ومبسوط أوي أهو، أمال فين مينفعش وميصحش يا شيخ أحمد؟! أطلقت عين أحمد ألسنة نارية من الغضب ولفظ تلك القطعة من فمه التي أكلها مجبرًا قائلًا:

أستغفر الله العظيم يا رب. ممكن تاخدي أختك وتخرجوا وأنا مش عايز حد يدخلي تاني بأكل ولا شرب وسيبوني لحالي لو سمحتم، أنا مش ناقص ذنوب. ثم شرد في دلال وملامحها التي حفظها عن ظهر قلب مع أنه لم يطلق عينيه عليها إلا مرة واحدة. كما جاء في الحديث (النظرة الأولى لك والثانية عليك) ثم أخفض بصره ولكن ظل تفاصيل وجهها في مخيلته. ثم وجد نفسه يبتسم عندما تذكر رجاءها في أن يدعو لها. فتمتم بالدعاء تحرك به صدره ولمعت به عينيه بالدموع:

اللهم أسدل عليها بخيرك وسترك وطهر قلبها وحصنها من شياطين الإنس والجن، ولا يدخل الحب قلبها إلا بالحلال. وبينما هو يدعو إذ بأشجان تدفع أختها للخروج عنوة قائلة: يلا يا أختي مستنية إيه، على بيتكم يلا. عشان لو المحروس شفيق جه وعرف من أمه اللي عملتيه هيطين عيشتك وعيشتنا معاكي، ربنا يسترها أنا مش ناقصة مبقاش في جتتي حتة سليمة. أسماء بغل: عشان هبلة، إيه مسكتك على الهم ده؟ اطلقي منه وخدي سيد سيده. ضحكت أشجان

ضحكة حزينة بتهكم قائلة: سيد سيده، فين ده؟ ده الراجل المصري عندنا والشرقي عمومًا يكون مطلق ولا أرمل وإيه كمان عجوز كهنة يا أختي ولما يعوز يجوز يدور على بنت بنوت صغيرة عشان تجدد شبابه. وكأن المطلقة عندها جرب محدش يقرب منها لكن هو عادي يعني ما بداله مجتمع ظالم، ده غير الأهل مهما حصل يقولوا ملكيش غير بيتك وعشان عيالك استحملي. فروحي يا بنتي وسيبيني في الجحيم اللي أنا عايشة فيه. أسماء بنظرة تحدي:

بس أنا بعون الله اللي هخلصك من الجحيم ده لما أدخل البيت ده وأنا مرات أحمد. عصفت الغيرة الهوجاء بقلب أشجان التي يميل قلبها إلى أحمد رغماً عنها ورغم علمها أن هذا يعد خيانة وخطأ فادح ولكن سيطر الشيطان على عقلها فقالت بهدر: بت أنتي، سيبك من أحمد خالص ده طيب ومش قدك، وكمان مش عارفة عايزة تدخلي إزاي جهنم برجليكي، انفدي برجلك يا حبيبتي. أسماء بتصميم: ملكيش دعوة أنتي ويلا سلام قبل ما تفوق أم أربعة وأربعين من الصدمة.

ولكن عندما اتجهت لفتح الباب وجدت شفيق أمامها، فوضعت أشجان يديها على رأسها تخوفًا من غضبه ثم التفتت عندما سمعت عويل زينب ودموعها التي لا تتوقف وهي تشير إلى أسماء قائلة: يرضيك يا شفيق يا ابني أمك تضرب بالجزمة على دماغها من حتة بنت عيلة زي أسماء بنت عمك سليمان. فتقاذفت الحمم البركانية من عين شفيق وهدر بصوت عالٍ كاد أن يتشقق على أثره جدران المنزل: إيه ليه وإزاي ده حصل؟ ده هيكون آخر يوم في عمرها.

فأسرعت أنهار على صوته الغادر وأيضًا أشجان وحالت بينه وبين أختها قائلة بتوسل: اعمل يرضيك فيه أنا يا شفيق لكن أختي لا. كما توسلت له أنهار: معلش يا أخويا عيلة مش فاهمة وأنا هبوس على رأس الحجة وأراضيها.

ولكن شفيق لم يستمع إلى صوت ورجائهم ودفع بيديه أشجان وأنهار رغماً عنهم ووقف أمام تلك التي ترتجف وحدق بها للحظات فاندهش لحسنها وبياض بشرتها ثم مرر عينيه على جسدها الممشوق فتعجب وتساءل متى كبرت تلك الطفلة التي كانت تلهو بالأمس في الطرقات. فضيق عينيه محدقًا بها بإعجاب وأخرجه من شروده صوت والدته: ها هتجيب إزاي تار أمك من البنت دي يا شفيق. فلمعت عين شفيق بالمكر وسوس له شيطانه وألقى السم في أذنيه ليطالعها باشتهاء:

قريب أوي هتعرفي إزاي يا حجة. شعرت أسماء بالذعر من كلماته ونظراته إليها التي لم تطمئنها، لذا أسرعت بالركض إلى منزلها. فالتفت شفيق إلى أشجان وأفرغ شحنة غضبه بها وجذبها من شعرها حتى دفعها أمام قدم أمه وخلع حذائه وقال بغضب: خدي تارك مؤقتًا من البنت دي يا حجة واضربيها لحد ما أجبلك بتارك من أختها. فأخذت زينب تضرب أشجان على رأسها حتى انفجرت الدماء من رأسها، وأغمي عليها فصرخت أنهار. وأسرعت لأختها فكاد قلبها أن

يتوقف فأطلقت صرخة مدوية: آه يا ظالمة منكم لله، أختي هتروح مني يا عالم. فوضع شفيق يده على فمها حتى لا يفتضح أمره. ولكن ولج إليهم شاهين في تلك اللحظة فاستنجدت به لينقذ أشجان: الحقني يا شاهين أمك وأخوك ضربوا أشجان وسيحوا دمها. أبوس إيدك يا أخويا إيدك معايا ناخدها لأقرب مستشفى قبل ما تروح فيها. فنظر شاهين إلى شفيق ووالدته نظرة عتاب طويلة ولكن كعادته سلبي لم يتحدث وحمل أشجان وذهب مسرعًا بها إلى المستشفى. *****

كان حمدي غارقًا في أحلامه مع شمس التي كانت بمثابة النور الذي أضاء حياته المظلمة. فمنذ أن سكنت بتلك الشقة وأصبح يتردد عليها كثيرًا بصحبة تلك الجارة الطيبة، كان يشعر بدقات قلبه الهادرة وهو ينظر إليها، فيلمع وميض الحب في عينيه الذي لأول مرة يشعر به ويتخلل لقلبه السعادة التي حرم منها على يد زينب. وكانت فوزية تلاحظ تلك النظرات ولكنها كانت محتارة، هل تدعهم في شأنهم أم تتدخل حتى لا يتبع تلك النظرات فعل محرم.

لذا أرادت أن تختبره إذا كان يحبها حقًا أم مجرد إعجاب ورغبة. حدثته: بقولك إيه يا ابني، عايزَاك كده في موضوع مهم نتكلم فيه لوحدنا. تلون وجه شمس من الحرج وفطنت أنها يجب عليها أن تتركهم بمفردهم لتتيح لهم الحديث، فوقفت قائلة: _طيب أنا هروح أعمل ليكم الشاي. تتبعتها عين حمدي حتى غابت والجارة تبتسم بمكر ثم قالت: _حلوة شمس مش كده؟ فردد حمدي دون انتباه: هي حلوة بعقل، دي قمر.

فوزية بمكر: أيوة قمر 14 وعشان كده عيون شباب الحتة عليها، ده حتى جات أم إسماعيل وسألتني عليها، فقولتلها دي قريبتي. ففتحتني في موضوع كده. تجهم وجه حمدي وعقد حاجبيه وقال غاضبًا: سألتك عليها ليه؟ وإيه الموضوع اللي كلمتك فيه؟ ففجرت فوزية القنبلة لكي ترى أثر ذلك على وجهه: _قالت عايزة تاخدها لابنها إبراهيم وقالت إنه جاهز من مجاميعه، فأنا قولتلها هشاور أهلها وأسألها وأرد عليكِ.

ظهرت ملامح الغضب على وجه حمدي وقبض على يديه بقوة قائلًا: _إيه الكلام الفارغ ده، ده يستحيل يحصل. فاستطردت بمزيد من الضغط على أعصابه: _ليه يا ابني ما هي شابة ومن حقها تتجوز برضه، وأنا بقول أسألها الأول يمكن يكون ليها رأي تاني. توتر حمدي وقام يهدر بعلو صوته: شمس، أنتِ يا شمس. استجابت شمس لندائه على وجه السرعة ووقفت أمامه تطالعه بحيرة قائلة: _خير يا حمدي؟ بغضب جامح

اعتل وجهه وظهر على صوته: أنتِ في بينك وبين إبراهيم ده حاجة عشان عايز يتقدم لكِ؟ دب الخوف في قلبها لأسلوبه الحاد الذي يحدثها به لأول مرة حتى أنها ارتبكت وفركت في أصابعها وقالت: _أنا معرفش حد بالاسم ده أصلًا، ومين قال إني بفكر في موضوع الجواز. أنا مش عايزة أتجوز. هدأ حمدي قليلًا ولكن تعجب من رفضها للزواج فقال: _يعني إيه مش عايزة تتجوزي، هتعيشي مترهبنة ولا إيه؟! طالعته شمس بحزن وسحابة كريستالية ظهرت في عينيها قائلة:

_أيوة مش عايزة أتجوز، بس أنت لو زهقت من مسؤوليتي وتعبت يبقى خلاص موافقة. قالت كلمتها تلك ثم انهمرت دموعها وأسرعت تهرب للداخل. فزفر حمدي بضيق ولم يدرك سبب دموعها تلك وكيف تجرؤ على قولها إنه قد مل أو كل منها. كيف هذا وهو الذي لا يستطيع أن يبدأ يومه إلا برؤيتها أولًا وكأنها تشحذ طاقته لكي يستمر. وهنا ابتسمت فوزية بمكر ثم قذفت في وجهه كلماتها الأخيرة ليخرج ما في جوفه فقالت: _البت دي شكلها حاطة عينيها على حد معين.

لم يتحمل حمدي ما قالته فأصبح كالبركان الثائر الذي على وشك الانفجار، فقال بحنق: قصدك إيه ويطلع مين ده؟ عشان أروح أقتله وأقتلها معاه. فضحكت فوزية واسترسلت بسخرية: هتقتل نفسك يا حمدي! اتسعت عين حمدي وقال بصدمة: أنا؟! ثم تلون وجهه بحمرة الخجل واتسعت ابتسامته ولكن سرعان ما عبس وضيق حاجبيه وقال: _بس إزاي وأنتِ عارفة إني متجوز وعندي ثلاث عيال. ومش متجوز أي واحدة دي بنت الراجل اللي خيره مغرقني.

ولو عملتها أبقى بخون العيش والملح. وكمان صراحة زينب شرانية قوي يا خالة وأخاف منها على شمس لو عرفت. ثم وضع يده على رأسه وقال: مش عارف أعمل إيه؟ بس أنا فعلًا... يعني ثم صمت. فسارعت فوزية وقالت: بتحبها وعايزها وهي كمان عايزاك وواضح من عينيها وكلامها عنك اللي مش بينتهي. فرفع رأسه حمدي وابتسم ولكن تنهد بغصة مريرة وتساءل: طيب والحل؟ هفضل في النار اللي جوايا دي كتير ولا هستنى لما يجي حد ياخدها مني.

حزنت فوزية على هذا الرجل الشهم الكريم الخلوق، لذا حاولت أن تهدأ من روعه قليلًا قائلة: _لا يا ابني ما تحملش نفسك فوق طاقتها وإن كان على مراتك فمش لازم تعرف. أنت هتتجوز شمس من غير ما حد يعرف غير كام واحد بس من أهل الحتة عشان برضه يكون إشهار وهما ما يعرفوش مراتك عشان يبلغوها. كل اللي عليك بس تفتحها في الموضوع وتشوف رأيها والباقي سهل. لمعت الفرحة في عين حمدي وتسللت الفرحة إلى قلبه الحزين ولكن ماذا بعد؟ .......

جاء الليل محملًا بالهموم وحاولت دلال التنفس بأخذ كمية من الهواء لعلها تطفئ تلك النار التي تشتعل بجوفها وهي ترتدي بدلة الرقص مرة أخرى. ورغم ذلك وجدت نفسها تبتسم عندما تذكرت أحمد: _يخربيت حلاوتك يا جدع حتى وأنت مكشر قمر قمر. أمال لما تضحك بيكون شكلك إيه؟ أكيد بتخطف القلب والعقل. ياااه لو كان الحال غير الحال، وشفت مولانا القمر ده. كنت رميت نفسي تحت رجله وقولت له علمني أنا مستعدة لكل حاجة المهم أكون جنبك.

ثم عادت للعبوس عندما أدركت حقيقتها فهمست بغصة مريرة: _يعني هو شافني بفستان ضيق وقصير شوية وكانت عينيه عاملة زي الجمر وكنت حاسه إنه لولا الجبس اللي في إيده ورجله كان زمانه قام قتلني. أمال لما يشوفني ببدلة الرقص يعمل إيه؟ آه منك يا جدع. يا ريتني ما كنت شفتك وكان كفاية علي الهم اللي أنا فيه ده. لتجد طرقًا على الباب فزفرت بضيق وكأن الهواء الخارج من جوفها كالنار الملتهبة التي من شأنها تحرق كل ما يقابلها.

فولج متولي يناظرها بإعجاب وعين متسعة تطالع برغبة كل إنش في جسدها. متولي: إيه الجمال والدلال ده يا دولي، أنتِ هتتعبي الناس النهاردة. بس أنا عايزك تنشني على واحد فيهم أكتر حاجة، رغم إن اللي عندنا كله مهم بس الراجل ده غير. تعرفي مين؟ فحركت دلال أنفها لأعلى بنفور وكأنها تقول: _ما يهمنيش كلهم ديابة عايزين يفترسوني، كلهم واحد. فتابع بجدية: ده اللي مدير مكتب السفير في ألمانيا. يعني باشا باشا، يعني عنده فلوس زي الرز.

يعني آه لو لعبت معاكي يا زهر والباشا شاور لكِ، تبقى طاقة القدر اتفتحت لينا يا دولي. وما تخافيش منه لأن راجل كبارة وأكيد الصحة يعني مش هي معاه. طالعته دلال بغل وهدرت في وجهه: _أنت إيه شيطان يا أخي، قلت لك أنا بعمل شغلي وبس مش عايزة أبيع نفسي لكل واحد شوية. ثم انهمرت في البكاء وتابعت بنحيب: _حرام عليك يا أخي، أنت إيه ما عندكش قلب.

فأجاب متولي بتهكم: لا شلته من زمان عشان مش شغال معايا وحطيت مكانه جزمتي عشان تدوس بيها على الفلوس، اللي من غيرها الإنسان يداس عليه بجزمته. فوقي يا دولي وبطلي كلامك الماسخ اللي ما لوش فايدة. وعيشي حياتك بالطول والعرض واعملي اللي أنتِ عايزاه لغاية ما توصلي وأبقى بس ساعتها افتكريني وخليني أنول من الحب جانب. لم تتقبل دلال مبرراته بل قذفته بلسانها الحاد:

_أنت حيوان ولولا أمي أنا كان عندي أبيع مناديل في الشارع أحسن من القرف اللي أنا عايشة فيه ده. لم يبال متولي بما تفوهت به بل ضحك وغمزها: _كله اسمه بيع وأنتِ بتبيعي المزاج والحب. ويلا بقى عشان ما نتأخرش على الناس وخصوصًا الباشا توفيق المنياوي. فخرجت دلال رغماً عنها لتؤدي رقصتها وكانت هناك عين تترصد كل حركاتها بدقة حتى أنها ارتبكت وتوترت ولم تستطع مواصلة الرقص فتوقفت من شدة الذعر والخوف. ثم أسرعت راكضة للداخل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...