الفصل 34 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
18
كلمة
4,426
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

اندلعت النيران في قلب سارة بعد أن قضى شفيق على طهارتها دون ندم. لذا قررت أن تحرقه كما أحرق قلبها، وهي معهم لأن الموت في حالتها رحمة في مجتمع لا يرحم المغتصبة وينظر لها كوصمة عار، مع أنها هي المجني عليها. فخرجت مسرعة إلى المطبخ وأحضرت الجاز وأخذت تسكبه في كل أنحاء الشقة. وعندما رأتها زينب واشتمت رائحة الجاز، أخذت تنتفض وتطالعها بذهول ولسان حالها يسأل: أنتِ هتعملي إيه؟

سارة بضحك هستيري: اتشهدى على نفسك يا أم السافل الواطي، هحرقه زي ما حرق قلبي وأنتِ كمان عشان معرفتيش تربي. وأنا كمان معاكم عشان مش هقدر أعيش بعد اللي حصل وربنا يسامحني. فأخذت تحرك زينب رأسها بهيسترية وذعر، وودت لو تصرخ ولكن صوتها لا يتعدى جوفها. لتشعل سارة عود الثقاب وتلقيه في الأرض ليتفاعل مع الجاز، لتندلع النيران في كل الشقة. ليخرج صوت زينب في تلك اللحظة من فرط الألم: ناااار! إلحقوني، يا شفيق، هنمووووت، نار!

أما شفيق فقد كان نائماً قبل أن تصله النيران ليستيقظ من لهيب النار، لتخرج عيناه من مقلتيه من الصدمة. ثم حاول الفرار ولكنه وجد النار تحيط به من كل مكان. فأخذ يصرخ: لا مش عايز أموت، أنا لسه مستمتعتش بحياتي. مش عايز أموت. حتى سكن صوته عندما أكلت النار جسده جزاءً لما فعل هو ووالدته. وهذه نار الدنيا ونار الآخرة أشد وطأة.

بدأت ألسنة النيران تخرج من النوافذ مما أثار الفزع في قلوب المارة، فتعالت أصواتهم. فتنبه شاهين الذي كان يتابع عمله في المحل ولا يدري شيئاً، إلا عندما سمع أصوات الناس. وعندما رأى ألسنة النار تخرج من شقة والدته، فزع وصرخ: أمي، شفيق!

ثم أسرع نحو الشقة ومعه بعض الرجال. ولكن للأسف عندما فتح باب الشقة وجد النار في كل مكان. وعندما حاول أن يدخل، أمسك به أحد الرجال قائلاً: مينفعش تدخل، أنت كده بتهلك نفسك يا معلم شاهين. وأظن كده خلاص، اطلب لهم الرحمة. فصرخ شاهين: لا، يستحيل أسيب أمي، سابوني! فنزلت أنهار على صوت الصراخ. وعندما رأت شاهين يحاول الدخول رغم تحذيره،

فصرخت وأمسكت بيده: أبوس إيدك يا شاهين، إحنا ملناش غيرك، ولو حصلتلك حاجة هموت. بلاش يا حبيبي عشان خاطري واطلب بسرعة المطافي، ولو ليهم عمر ربنا هينجيهم. قول يارب بس. فبكى شاهين: يااارب يارب. ليأتي فريق إطفاء الحرائق وتتجمع أهل المنطقة. ومن بينهم شهيرة التي جاءت على الفور مع سفيان عند سماعها الخبر. وقد سبقتها أسماء التي قفزت من الفرحة عند علمها بالأمر، وأخذت تنتظر بلهفة خروجهم متفحمين كما أماتوا قلبها من قبل.

وهكذا حتى انطفأت الحريق وأسرعوا جميعاً للداخل ليتفاجأوا بأفظع مشهد، حيث وجدوا جثة شفيق وزينب متفحمة. أما سارة فكانت مازالت في رمقها الأخير، وقالت بأنين: حرقتهم زي ما حرقوا قلبي وضيعوا شرفي. ولسه هشتكيهم لربنا. وبلغوا أمي تسامحني وادعولي ربنا يسامحني. ثم فاضت روحها إلى الله.

فبكت عليها أسماء وهمست: قولتلك خلي بالك من نفسك، واهو حصلك نفس اللي وقعت فيه. بس أنتِ طلعتيلي أجدع مني وخدتي حقك، واهو كمان ارتحتي من الدنيا كلها. ربنا يسامحك ويعوض شبابك في الجنة.

جلست دلال في أحد أركان الغرفة تبكي بهيسترية بعدما علمت من متولى أن أحمد طلقها. فاسودت الدنيا في عينيها ودخلت في دوامة حزن لا تنتهي. وأدركت أن لا حياة بعد أحمد، فقد كان هو لها حياة وتعيش من أجله. والآن بعدما فقدته، لا شيء يستحق أن تعافر من أجله لتعيش.

لذا قررت أن تنهي حياتها بنفسها. ولكن عليها أن تنهي حياة هذا البائس قبلها لتخلص الدنيا بأسرها من شره. ولكي تقتله بسهولة دون مقاومة منه، يجب أن تقوم بخداعه أولاً، ولتفعل ما يريد. لذا قامت لترتدي بدلة رقص أخرى تناسب فقرتها الثانية، وخرجت بابتسامة صفراء على وجهها رغم الحطام الذي يعصف بها من الخارج. تعجب متولى من

ابتسامتها رغم بكائها وهمس: إيه الصدمة جابت نتيجة زي ما كنت عايز وهتفوق لنفسها وتنسى عم الشيخ ده، ياريت بركة يا جامع. وشكلي هقضي الليلة إنما إيه، ولا ألف ليلة وليلة. لتبدأ دلال رقصتها بالفعل، وكان متولى ينظر لها بإعجاب وقلبه يتلهف على لقائهم الأول. ليجد من يضع يده على كتفه، فالتفت فوجده أحد رجال المنياوي. حسام: الباشا عايزك في كلمتين يا متولى. أومأ متولى برأسه وهمس: عيوني للباشا.

ثم سار نحوه ورحب به: أهلاً أهلاً، نورت مكانك يا باشا. ثم غمزه واستطرد: وايه رأيك في دلال، مش إحلوت عن الأول؟ فطالعه المنياوي بنظرة حزينة قائلاً: بقولك إيه يا متولى، البت دي تخصني. يعني آه قبلت تجيبها وده غصب عني عشان الصور والفيديوهات اللي حضرتك هددتني بيهم، وأنا لولا مركزي الحساس مكنتش وفقت. لكن إنك تعمل فيها زي ما كنت عايز زمان ولا تبيعها تاني، لا يا متولى. ومتنساش إني ممكن أقفلك المكان ده بمكالمة مني.

جف حلق متولى من تهديده الصريح له وابتلع ريقه قائلاً: إيه يا باشا، هي البت دي عملالك عمل ولا إيه، عشان تبيع حبيبك متولى عشانها؟ ما في منها كتير. المنياوي: آه، لكن مفيش غير دلال واحدة بس. ثم عاد بذاكراته للوراء قليلاً عندما حدثه متولى عبر الهاتف: حبيبي الباشا الكبير عايز منك خدمة. المنياوي: عايز إيه تاني يا متولى؟ مش دخلت البلد وعملت شغل وعايش زي الفل، إيه تاني؟

متولى: عايز دلال يا باشا، عشان الحال نايم وهي الوحيدة اللي هتقدر تشغله بجمالها ودلالها. المنياوي: وأنا أجبهالك منين يا متولى؟ أنا معرفش حاجة عنها من فترة كبيرة. متولى: أنا عارف يا باشا، بس المطلوب منك تسهل دخولها البلد في طيارة شحن. المنياوي بصدمة: شحن؟ يعني مش بمزاجها؟ مفيش فايدة فيك يا متولى. ما عندك بنات كتير، اشمعنى دلال؟ البت غلبانة وسبها في حالها. متولى: أنا مش عايز غيرها، ولا عندك مانع يا باشا.

المنياوي بإنفعال: أنت بتهددني يا متولى. متولى: العفو يا باشا، أنا بس بترجاك. المنياوي: ماشي، بس تبعتلي كل الصور والفيديوهات اللي عندك ليه، ولو اتأكدت إنك محتفظ بنسخة، هيكون آخر يوم في عمرك. أنت فاهم؟ متولى: فاهم يا باشا، أنا من بعد دلال خلاص مليش طلبات تانية. نعود للواقع.

قامت دلال بأداء رقصتها ولكن تلك المرة دون وعي، وكل ما تراه أمامها هو أحمد ولا أحد غيره. فأخذت تهمس باسمه حتى اسودت الدنيا في عينيها وسقطت فجأة مغشياً عليها. فوقف المنياوي وردد اسمها بقلق: دلال. ثم أشار إلى متولى بأمر: أنت واقف عندك بتعمل إيه؟ أجرى شوف البنت كلها وشلها ودخلها أوضتها، وأنا هتصل بدكتور حالا يجي يشوف فيها إيه. فنفذ متولى

ما أمره به وهمس لذاته: ربنا يستر، تكون البت ماتت وكده يبقى ولا طولت عنب الشام ولا بلح اليمن، وكل أحلامك ضاعت يا متولى. ثم جاء الطبيب مع المنياوي، واستطاع أن يعيد وعيها. وبالفحص ابتسم الطبيب قائلاً: المدام حامل، مبروك. كادت مقلتا دلال أن تخرج من عينيها من فرحتها بالخبر وهمست: أنا حامل، أنا حامل من مولانا الشيخ أحمد. معقول فيه حتة منك في بطني يا أحمد.

ثم استطرد الطبيب: بس هي ضعيفة شوية وشكلها مش بتاكل كويس، وده غلط عليها وعلى الجنين. فهكتب لها شوية مقويات، بس الأهم إنها تتغذى كويس. فنظر المنياوي إلى متولى بذهول وهمس: حااامل؟ إزاي يا متولى؟ فحمحم متولى بحرج: علمي علمك يا باشا، معرفش، يمكن كانت مقضياها. ما أنت عارف كانت كل شوية مع زبون. فصرخت دلال: أنا أشرف منك يا جبان. ثم أشارت إلى المنياوي: أنت موجود صح قدامي يا باشا ولا أنا باتخيل؟ اقترب

منها المنياوي وقال بحنو: لا أنا قدامك يا بنتي، عاملة إيه دلوقتي؟ فبكت دلال بهيسترية وقالت: اوعى تصدق اللي قالت يا باشا، أنت عرفني شريفة والحمل ده من جواز على سنة الله ورسوله. ثم حاولت أن تقبل يده وترجته بقولها: انجدني منه يا باشا، ده عايز يجوزني وهو عارف إني محرمة عليه، يرضيك كده؟ فنظر المنياوي إلى متولى وقال بغضب جحيمي: الكلام اللي بتقوله دلال ده صحيح يا متولى؟

فأومأ متولى برأسه: آه، وسيبك يا باشا من موضوع الحلال والحرام ده عشان إحنا دفنينه سوا. أنا بحبها وهتجوزها وهتجبلي الولد اللي نفسي فيه. واللي هتجيبه كمان ده هاخده وأكتبه على اسمي، يبقى زيادة الخير خيرين. المنياوي بإنفعال: أنت شكلك اتجننت يا متولى. ويستحيل يحصل اللي بتفكر فيه ده، وأنا هاخد دلال عندي وعايزك تنساها خالص، وعندك أنت البنات اللي شبهك كتير. فنطق متولى بصدمة: تاخد مين؟

لا أنت اللي شكلك مش وعي يا باشا ونسيت إنك اللي وفقت أجيبها هنا. فتلوم وجه دلال من الصدمة وقالت بقهر: أنت اللي جبتني هنا يا باشا، جبتني لجحيم متولى بعد ما كنت عايشة في الجنة مع جوزي. لتبكي بإنهيار مرددة: ليه حرام عليك، حرام.

شعر المنياوي بالندم وجلس بجانبها قائلاً: سامحيني والله يا بنتي، أنا معرفش إنك كنتي متجوزة والندل ده هدني بصور وفيديوهات مع بنات، ولو الحاجات دي انتشرت كانت هضيع تاريخي واترفد وأنا قربت خلاص على سن المعاش. لكن أنا نبهت عليه ميأذكيش وهقف له بالمرصاد صدقيني. ومستعد دلوقتي أرجعك لجوزك. فبكت دلال: بعد إيه، ما خلاص كل حاجة حلوة راحت وهو طلقني بسبب متولى. منك لله يا متولى، ربنا يعذبك في الدنيا والآخرة.

المنياوي: لو عايزني أكلمه وأصلح ما بينكم أكلمه. فأغمضت دلال عينيها بألم وقالت: معدتش ينفع لأنه أكيد اتجرح وانكسر بسببى، وخايفة أرجع أعيش معاه تفضل في عينيه نظرة الكسرة دي بعد ما كانت نظراته كلها حب، وأكيد الشك هيكون ملا قلبه من ناحيتي. وعشان كده البعد أحسن، وخليه هو يعيش حياته مع بنت عمه وأنا خليني في حزني اللي انكتب عليا، وعشان بس ابني اللي جاي في الطريق لازم أعيش.

تأثر المنياوي لحزنها، فهو يشعر معها بعاطفة الأبوة التي حرم منها، لذا قرر أن يساعدها مهما كلفه الأمر. المنياوي: متشليش هم يا بنتي وأنا هاخدك تعيشي معايا لغاية ما تقومي بالسلامة، وبعديها إن شاء الله هشوف لكِ شغل مش عشان الفلوس لأني الحمد لله مستعد أصرف عليكم لوجه الله، لكن عشان تشغلي بالك وتنسي اللي فات وتبدأي حياة جديدة.

بكت دلال واستطردت: أنسى أحمد، حد ينسى قلبه. أنا هعيش العمر كله على اللحظات الحلوة اللي عشتها معاه، ودي كفاية. وهنا صاح متولى بإنفعال: خلصتوا التمثيلية الحزينة دي ولا لسه؟ ثم أشار إلى المنياوي وقال بحدة: تاخد مين يا باشا؟ هي وكالة من غير بواب ولا إيه؟ دلال مش هتطلع من هنا وابنها هيكون ابني. فأخرج المنياوي حمم بركانية من عينيه من شأنها تحرق الأخضر واليابس، وقال بصوت جحيمي: أنت بتعارضني يا متولى؟

متولى: معلش يا باشا سامحني المرة دي، عشان دلال تخصني لا مؤاخذة. المنياوي: وأنا قولتلك انساها، قومي معايا يا دلال. متولى: متخلينيش أستخدم أسلوب مش يعجبك يا باشا. المنياوي: هتعمل إيه يا متولى، وأنت عارف بإشارة مني، المكان ده يتقفل ويتشمع بالشمع الأحمر. فضحك متولى وقال يتهكم: مش لو لحقت تشاور. ليقول لواحد من رجاله ويأمره: عايزك تضايق الباشا في البدروم كده يومين تلاتة لغاية ما يعرف مين هو متولى.

حسام: أمرك يا متولى بيه. ليحاول الانقضاض على المنياوي، ولكن المنياوي ضغط بسرعة على زر هاتفه، ففهم رجال المنياوي بالخارج ما يقصد، فقد كانت رنة معناها أنه محاصر، لأنه كان يتوقع الغدر من متولى في أي لحظة. ليتفاجأ متولى بهجوم رجال المنياوي، ليصرخ متولى في رجاله ليأتوا جميعاً.

فارتجفت دلال فأمرها المنياوي أن تنزل حالاً تحت التخت حتى لا يصيبها مكروه. لتبدأ معركة طاحنة بين رجال متولى والمنياوي. وعندما رأى متولى أن الغلبة قد تكون لرجال متولى، فقرر الهروب من بينهم. وبالفعل كانت الغلبة لرجال المنياوي، وأخذ المنياوي دلال إلى منزله.

وأشار لها إلى أحد الغرف: دي هتكون أوضتك يا بنتي. وعايزك تاخدي راحتك ومتخافيش من حاجة خالص، أظن أنتِ عارفة ظروفي فمتخافيش مني، وصدقيني أنا فعلاً حاسس إنك بنتي اللي مخلفاتهاش، واللي في بطنك ده أنا منتظره بفارغ الصبر عشان عايز أعيش مشاعر أبوة اللي أنا اتحرمت منها. فلمعت عينا دلال بالدموع وقالت بامتنان: أنت صراحة مش عارفة أرد على المعروف اللي عملته معايا ده إزاي يا باشا. بس هفضل مديونالك طول عمري بيه.

المنياوي: ولا دين ولا حاجة، يلا ادخلي استريحي شوية وأنا هأمر الطباخ يعملك أكلة حلوة تفتح نفسك، وبكرة إن شاء الله هاخدك لدكتورة أعرفها تتابع معاكي الحمل عشان تطمني. ابتسمت دلال وحمدت الله أنه وضع في طريقها ذلك الرجل الطيب. كان أحمد يسير في الطرقات لا يعرف إلى أين وكأنه تائه، حتى رن هاتفه من شهيرة، ففتح فسمع بكاءها ففزع قائلاً: مالك يا حبيبتي في إيه؟ شهيرة بنحيب: أمي وشفيق البيت ولع بيهم يا أحمد. أحمد بصدمة: إيه؟

لا حول ولا قوة إلا بالله. لتد مع عيناه حزناً على أخيه رغم ما فعله به. واسترجع: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. أنا جي حالا. ليصل إليهم في أسرع وقت، فاحتضنه شاهين بحب وبكى قائلاً: شفيق وأمي ماتوا يا أحمد. أحمد بحزن: وحدة الله يا شاهين، كلنا في ذمة الله. وادعي ربنا يسامحهم. فابتعد شاهين

وطالعه بحرج ثم ترجاه: أنا عارف إنهم أذوك كتير يا أخويا، بس عشان خاطر ربنا تسامحهم، دول خلاص بين إيدين الله. أنا عارف إن قلبك كبير وبيسامح.

فأخرج أحمد تنهيدة مؤلمة، فكيف يسامح من حرمته من والدته عمر أكمله وكان في أشد الاحتياج إليها، وكيف يسامح شفيق خصوصاً بعد نظرة الفرح في عينيه عندما أخبرته دلال إنها هجرته، وكأنه كان يعلم ما حدث. ولكن اضطر أن يسامح من أجل نظرة الحزن في عيون أخيه واستعطافه له، فابتسم بمرارة قائلاً: سامحتهم لله يا شاهين. فاحتضنه شاهين وهمس: ده عشقي فيك يا أخويا. روح ربنا يعطيك ما يحرمك. أغمض أحمد عينيه متألماً

عند تذكره دلال وهمس: كان نفسي تكون معايا العمر كله، لكن قدر الله وما شاء فعل. ثم نظر إلى أطفال أشجان الذين يبكون على والدهم رغم أنه لم يكن أب بمعنى الكلمة وحرمهم من عطفه وحنانه، ولكنهم مازالوا أطفال قلوبهم نقية لا يعلمون الكره. فأقترب منهم وقال بحنو: آسر حبيبي وأيسل حبيبة عمو. فالتفت الاثنان له وألقوا بأنفسهم عليه،

فضمهم بحب وهمس: مش عايز أشوفكم بتبكوا تاني واعتبروني أنا بابا، وفي نفس الوقت متنسوش بابا شفيق ودايماً وأنتم بتصلوا ادعوا له ربنا يرحمه. فطالعته أشجان بحب، وعلمت أنها لم تخطئ أنها وافقت على الزواج منه رغم أنها زيجة صورية لا أكثر وهو لا يحبها، ولكن يكفيها أن يكون أب رحيم لأولادها. وبينما هي تطالعه شعرت فجأة بدوار، فأمسكت برأسها ثم سقطت فجأة أمامهم. فذعر أحمد وأسرع إليها وبكت أيسل وآسر مرددين: ماما مالك يا ماما؟

قومي لا تموتي زي بابا، ماما. سفيان: لا متخافوش يا حبايبى، هي بس تلاقيها مأكلتش كويس. فأشار سفيان إلى أحمد أن يأتي بطبيب على وجه السرعة، ثم حملها شاهين إلى شقتها. وعندما جاء الطبيب وبالفحص ابتسم قائلاً: مبروك، المدام حامل. ففتح أحمد عينيه على آخرهما وقال بصدمة: حامل؟ وعندما نظرت إليه أشجان ورأت الصدمة على وجهه، حزنت وتألمت وعاتبته بعينيها وكأنها تقول: غصب عني مش بإيدي.

ليتذكر أحمد في تلك اللحظة ذلك الحلم الذي راوده كثيراً قبل أن يتزوجها وكان يتعجب منه. وفي تلك اللحظة ابتسم لأنه قدر الله وكل قدر الله خير، وإن كان ليس على هواه، وهذا رزقه. وإن كان يتمناه أن يكون من حبيبة القلب التي ظن أنها غدرت به.

مرت عدة أشهر ساءت فيها حالة تقى ولازمت الفراش، وأصبحت الكلمات ثقيلة على لسانها سوى اسم تميم الذي تنطقه بحب. ومع كل يوم يمر يراها تميم في تلك الحالة بتمزق قلبه، ويخشى من يوم الفراق الذي لن يتحمله. لذا ترك عمله وجلس بجانبها لا يفارقها، وأصر أن يقضي هو كل احتياجاتها في الفراش من طعام وقضاء حاجة وتنظيف، رغم اعتراض والدتها.

والدة تقى: يا ابني روح أنت اسعى على رزقك، حرام تقفل الورشة كل ده، الزباين كده هتطير منك. وأنا أهو قاعدة جنبها هعملها كل اللي هى عايزه. فرفض تميم خوفاً من أن لا يكون معها في لحظتها الأخيرة. تميم: معلش يا أمي أنا مرتاح كده ومتقلقيش الرزق بتاع ربنا، وحضرتك ادخلي ريحي جسمك شوية، أنا عارف إنك تعبانة وأنا أهو جنبها مقدرش أسيبها في الحالة دي ولو لحظة واحدة.

فبكت والدة تقى ودعت له: ربنا يجازيك كل خير يا ابني، مش عارفة من غيرك كنا عملنا إيه. أخرج تميم زفيراً حاراً محملاً بالهموم واستطرد: أنا اللي من غير تقى مش عارف أعمل إيه. أنا بصلي وادعي ربنا يشفيها ويخفف عنها لأني بتألم أكتر منها لما بشوفها كده ومش قادر أعمل حاجة. وكان نفسي أوديها عمرة زي ما كانت عايزة، لكن الدكتور قال حالتها الصحية متسمحش. والدة تقى: مفيش في إيدينا غير الدعاء يا ابني ورحمة ربنا فوق كل شيء.

ليسمع تميم همس تقى باسمه: تميم. فأسرع إليها وانحنى ليقترب من وجهها وقال بحنو: عيون تميم، محتاجة حاجة يا حبيبتي. تقى: هو أنا صليت العصر؟ لمعت عينا تميم بالدموع على تلك النقية الطاهرة التي تحرص وهي في أصعب حالاتها على أداء الصلاة، وهي على فراش الموت برموش عينيها، فلا عذر لتارك الصلاة. تميم: آه يا حبيبتي صليتيه من بدري، قوللي حاسة بألم ولا أحسن شوية. فابتسمت تقى: لا أنا كويسة خالص، حتى نفسي مفتوحة للأكل.

فأسرعت أم تقى بقولها: عيوني يا بنتي ياه أخيراً ها تاكلي، هروح بسرعة أسخنلك الأكل وأجيبه. ثم ذهبت مسرعة نحو المطبخ لإعداد الطعام لها. طالعت تقى تميم بنظرة مطولة هادئة وكأنها تحفظ ملامحه، فتعجب تميم وسألها: أنتِ متأكدة إنك كويسة يا تقى؟ تقى: آه بس حاسة إني سقعانة شوية، ممكن تحضني يا تميم. ابتسم تميم: بس كده عيوني يا حبيبتي. فضمها تميم إلى

صدره حتى سمعها تهمس بخفوت: هتوحشني يا تميم. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. ثم شعر بثقل رأسها على كتفه. فاجتاح في جسده برودة لم يعهدها من قبل، وأزرق وجهه من الصدمة وهو يبعدها عنه ببطء فسقطت منه على التخت. فصرخ صرخة مدوية: لاااااا تقى متسبينيش. متسبينيش حبيبك تميم، فوقي يا تقى أرجوكِ. وفي تلك اللحظة كانت والدتها على باب الغرفة تحمل صينية الطعام، وعندما سمعت صراخه سقطت منها على

الأرض وولجت للداخل صارخة: تقى بنتي، يا حبيبتي يا بنتي. يا عيني على شبابك، روحتِ خلاص وسبتيني بدري. تقى تقى. ليتجمع الجيران على صوت صراخ والدتها ويصل الخبر إلى سليمان، فاسترجع: لا حول ولا قوة إلا بالله. إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم اتصل على سفيان ليكون بجانبه. أما أسماء عندما علمت بالخبر لم تصدق، وولجت إلى غرفتها ودفنت وجهها على الوسادة

وأخذت تبكي بهيسترية: يا عيني عليك يا تميم، كل شوية بتاخد صدمة أصعب من التانية. ربنا يصبرك يا تقى ويعوض شبابك في الجنة. مضت الأيام سريعاً وأوشكت أن تضع مولودها أسماء، حيث ولج لها سفيان وقبلها على جبينها وابتسم قائلاً: عاملة إيه يا أم عتريس؟ ها نويتي تسمي المولود إيه؟ يارب يكون اسم حلو مش زي شهيرة عايزة تسمي البنت اسم عامل زي الدوا كده، آه سيلينا.

فضحكت أسماء: لا والله اسم حلو وأنا حاجزاه من دلوقتي لابني تميم إن شاء الله. برقت عينا سفيان وقال متعجباً: تميم؟ بس يعني يا أسماء، هو اسم حلو وكل حاجة، بس خايف يعني الناس تقول إنك سمتيه على اسم ابن عمتك عشان فيه حاجة بينكم. لمعت عينا أسماء بالدموع واستطردت: ده أقل حاجة ممكن أعملها عشان أكفر عن ذنبي لتميم يا سفيان، ويا ريت يجي اليوم اللي يسامحني فيه. وسيبك من الناس، كده كده ما لهمش غير الكلام.

أما دلال فقد أوشكت على الوضع أيضاً، وعندما سألها المنياوي: ها يا دولي اخترتي اسم للعروسة الصغيرة اللي جاية في السكة؟ ابتسمت دلال وهي تضع يدها على بطنها ورددت: أيوه هسميها: منايا، عشان جاية من اسمك يا باشا المنياوي، وده أقل حاجة أقدر أقدمها لك عشان كل اللي عملته معايا. ثم همست: منايا أشوفك يا أحمد يا كل قلبي. تحدث متولى مع أحد رجاله قائلاً: الهانم خلاص قربت تولد، فعايزك أول ما ترجع للبيت تعرفني عشان... يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...