الفصل 3 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
37
كلمة
2,986
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

ما زال حمدي في شروده حين اصطحب شمس إلى شقته في ذلك البيت القديم في أحد الأحياء القديمة. وقف حمدي معها أمام الشقة وفتح لها الباب، أما هي فتسارعت نبضات قلبها خوفًا مما قد يحدث وتساءلت حتى ولو كان لا يريد بها شرًا ولكن لكل شيء ثمن، فلا شيء في حياتنا تلك يقدم مجانيًا إلا رحمة الله عز وجل بنا. لاحظ حمدي توتر شمس وارتجاف جسدها وتبدل تعبيرات وجهها للخوف، فتفهم شعورها وأراد أن يطمئنها قائلًا:

"يلا يا ست البنات، امسكي مفتاحك أهو وادخلي واقفلي عليكِ كويس." بالكاد استطاعت دلال رفع ذراعها إليه لتلتقط المفتاح ولكنها شعرت بثقل قدميها وكأنها لا تستطيع حملها لما يغزو قلبها من خوف مسيطر عليها ليس من حمدي فحسب ولكن من وجودها في تلك الشقة بمفردها. فهي لم تنم بمفردها مطلقًا بل كانت دومًا بصحبة والدتها. لذا حاولت إخراج كلماتها المتحجرة في جوفها بصعوبة قائلة: "بس يعني أنا صراحة خايفة أبات لوحدي من غير أمي الله يرحمها."

قالت كلمتها تلك وكأنها أذنت لدموعها أن تنجرف كالسيل على وجهها حتى بللت ملابسها. فتألم حمدي ومزقت قلبه تلك الدموع وود لو أن يحتضنها ويقول لها ليطمئنها: "أنا جمبك متخافيش." ولكنه لا يستطيع فعل ذلك حتى لا تفهم تصرفه خطأ وأنه يفعل ذلك لشيء ما في نفسه. لذا حاول أن يبث في قلبها الطمأنينة قائلًا:

"متخافيش يا شمس، وأول ما تدخلي شغلي القرآن على قناة القرآن الكريم هتلاقي قلبك ارتاح، وكمان المنطقة هنا فيها روح وناس كتير ودبة النملة بتسمع ولولا أن الوقت متأخر والحاجة فوزية زمانها نامت كنت خبطت عليها وخلتها تبات معاكِ." فحركت شمس رأسها بإيماءة ولكن ما زال الخوف يغلب عليها، ولكنها تقدمت للداخل ثم استدارت لتراه ما زال واقفًا عند الباب، فطالعته بنظرة استفهامية. فأجابها دون أن تسأل:

"صراحة مش قادر أسيبك قبل ما أطمن أن خلاص هديتي والخوف راح منك." فابتسمت شمس لحنو هذا الرجل الغريب عنها، رغم أن أقرب الأقربين قد تخلى عنها وهي صغيرة. فقد طلق والدها والدتها منذ أن كانت في المهد لأنه تزوجها رغماً عنه وتزوج حبيبته وتركها ولم يسأل عنها ولا يعرف عنها شيئًا وقامت والدتها بتربيتها مفردها. ثم تذكر حمدي شيئًا فصاح قائلًا: "صح أنا هسيبك حالًا هنزل أجيب لك حاجات للتلاجة، ده أنتِ ما أكلتيش من صبحية ربنا."

وبالفعل تركها ليبتاع لها ما يلزمها وعاد إليها فوجد الباب ما زال مفتوحًا وهي تجلس أمامه على أحد الأرائك فابتسم لتلك الطفلة في هيئة فتاة كاملة الأنوثة. فولج للداخل قليلًا ووضع ما يحمله على المنضدة ثم استدار وطالعها بشغف فهي جميلة جدًا رغم الحزن الذي يملأ عينيها. وقال: "أنا همشي دلوقتي، وزي ما قولتلك متخافيش وإقفلي على نفسك كويس وشغلي القرآن، ومن النجمة هكون عندك هاجي ومعايا الحاجة فوزية."

ثم تركها وغادر، ولكن اندلع في قلبه الخوف عليها من أن يتركها بمفردها، ولكن ما عليه أن يفعل؟ لذا تركها لله قائلًا: "يا رب استودعتك إياها وأنت خير الحافظين." ثم نظر إلى ساعته فوجدها الواحدة بعد منتصف الليل، فضرب جبهته بيده قائلًا بملل: "يا دي اليوم اللي مش هيعدي بسهولة. وزينب هانم هتفتحهالي محضر، كنت فين واتأخرت ليه ومش هخلص منها. بس فعلًا هقولها إيه؟

دي لو عرفت هتفتح عليا نار جهنم، وممكن تأذي شمس، وعشان كده لازم متعرفش أي حاجة، وأتحججلها بأي طريقة." "من أنتِ أيتها الفاتنة؟ كيف تجرأتي ودخلتي لمحرابي؟ ابتعدي عني فأنا راهب، وهبت نفسي لله وأغلقت قلبي، ولا سبيل للعشق في قاموسي."

رفع أحمد رأسه قليلًا لينظر إلى تلك المرأة التي تدعي أنها زوجته بعين مشوشة قليلًا بسبب ألم جرح رأسه. ولكن سرعان ما حدق بها ليتأكد من ملامحها فوجدها فتاة جميلة، ولكن زينت وجهها بكثير من أدوات التجميل فأصبحت كما يسمى عروسة المولد، واتسعت عيناها بصدمة عندما رأى ملابسها الملتصقة بجسدها وقد برزت منه مفاتنها، وما زاد غضبه شعرها المسترسل على ظهرها الذي يتمايل مع الهواء.

فأطلق زفيرًا غاضبًا محتقنًا جعل عينيه تتلون بالحمرة وتطلق شرارًا مما أذهل دلال وتسلل الخوف إلى قلبها من نظرته الغاضبة تلك، فهي أول مرة ينظر أحد إليها هكذا باحتقار وغضب، بل كانت دومًا نظرة الإعجاب حليفها في كل موقف. ثم وجدته يلتفت برأسه إلى الجهة الأخرى قائلًا بهسيس غاضب: "ممكن أعرف أنتِ مين؟ وليه بتقولي إنك مراتى وأنا معرفكيش أصلًا. ويستحيل أعرف واحدة زيك متبرجة، تفتن كل من ينظر إليها، ألا تستحي من الله."

فأعادت دلال على مسماعها كلماته ورددتها بفتور: "متبرجة وبفتن وأستحي..!! هو ليه حاسة إني بسمع خطبة الجمعة؟ هو إحنا في مسجد يا أستاذ ولا إيه وبتديني درس؟ ده بدل ما تشكرني إني أنقذت حياتك، تروح تبصلي كده وبعدين تبعد وشك عني، دي آخرتها..!! ثم وقفت غاضبة تلوح بيديها

في الهواء وصاحت بانفعال: "أنا غلطانة. يا ريتني كنت سيبتك في الشارع تموت، إنسان معندكش ذوق بصحيح. على العموم أنا ماشية وأريحك من خلقتي خالص. قال متبرجة قال وأبصر إيه." ولكنها عندما تقدمت خطوة وجدت ممرضة أخرى قد ولجت إليه من أجل قياس الضغط ولكنها كانت تحدق به بإعجاب وتكاد تلتصق به، وسألته بإعجاب: "هو أنت اسمك إيه؟

أثار ذلك حفيظة دلال ولم تعلم لم شعرت بنار هوجاء في جوفها تشتعل بداخلها لاقترابها منه لهذا الحد. رغم أنها لاحظت إحراجه وقطرات العرق التي تناثرت على وجهه مع ضم حاجبيه، ثم محاولته الابتعاد عنها بقدر الإمكان. لتجد نفسها تنفجر غاضبة بها: "هو أنتِ يا حبيبتي بتقيسي الضغط ولا بتجيبيه للى قدامك؟ ما تبعدي عن الراجل شوية خليه يتنفس وتحترمي خيال المآتة الواقفة قدامك دي." ارتبكت الممرضة وشعرت بالحرج واهتزت شفتاها قائلة:

"هو حضرتك تقربيله..؟ داعبت دلال خصلات شعرها وحدقتها بغضب وقالت باستهزاء: "آه قرابة من بعيد كده." ثم حركت شفتيها باستهجان وتابعت: "أنا مراته يا حبيبتي." برق أحمد عينيه عند سماعه لكلماتها الجريئة، فاكفهر وجهه وأصبح كقنبلة أوشكت على الانفجار ولكنه تماسك من أجل شيء واحد، إن لها فضلًا عليه بعد أن قامت بإنقاذه. لذا تماسك حتى تنصرف الممرضة التي أصبح وجهها من الحرج أحمر بلون الدم الذي انفجر بداخلها، لتغادر غاضبة.

بينما التفت أحمد إلى دلال، وأخذت عيناه الرماديتان تحدقانها بغضب وهي تطالعه برهبة بعد أن توقعت انفجاره. وبالفعل هدر دون شعور بكلمات هوجاء غاضبة: "أنتِ شكلك مجنونة يا بت أنتِ، قال مراتى قالت..!! هو أنا أتجوز واحدة زيك برضه؟ أصابت كلمته تلك قلب دلال في مقتل فتألمت ولمعت عيناها بالدموع ولكنها حاولت الثبات وقدمت كبريائها وقالت بثقة: "هو أنت اللي تطول تجوز واحدة زيي؟

ده أنا اللي ما أقبلش أتجوز واحد معقد زيك، أعوذ بالله منك ومن حلاوتك يا شيخ." كاد أحمد أن يبتسم لكلمتها العفوية ولكن منع ابتسامته بأعجوبة ورسم على وجهه الجمود قائلًا: "على العموم أنا بشكرك يا آنسة على اللي عملتيه معايا، وتقدري تتفضلي دلوقتي عشان متتأخريش عن أهلك ويقلقوا عليكِ." "أنت بتطردني؟

هكذا نطقتها دلال بحزن، فهي لا تعلم سبب تلك الراحة التي شعرت بها بوجودها بجانبه، وذلك الشعور الغريب الذي ينمو بداخلها ويحدثها ألا تفارقه.

شعر بمدى حزنها في كلمتها تلك التي أحرقت قلبه، فهو لم يتعود قط أن يؤذي أحدًا ولو بكلمة. ولكن لا يعلم لما لا يستطيع السيطرة على غضبه أمامها، فهو أول مرة يتعامل مع فتاة غير محجبة وفاتنة مثلها. فهو دائمًا يبعد عن أي شيء يكون خطرًا على قلبه ويتجنب الفتن بقدر المستطاع حتى لا يؤذي أو يتأذى. فحمحم أحمد بحرج وقال ببراءته المعهودة: "صدقيني مش قصدي، بس شايف إنه ملوش لزوم قعدتك كده، وأكيد ليكِ أهل مش عايزهم يقلقوا عليكِ."

"أهل..! هكذا نطقتها دلال ساخرة ثم تابعت: "لو كان لي أهل مكنش ده بقى حالي." ثم أخرجت تنهيدة حارة من جوفها قائلة: "بس أنت عندك حق، أنا لازم أرجع لأمي عشان أديها علاجها في ميعاده. بس ادعيلي أنت ربنا يخسف الأرض بأي حد يحاول يأذيني." لمس أحمد في كلماتها جروح وشقوق في صدرها فتألم من أجلها وقال بنصح:

"ما هو للأسف طول ما أنتِ بهيئتك ولبسك ده وشعرك، وألوان الطيف اللي رسماها على وشك لازم تتأذي من عيون الناس اللي ما بترحمش. فاستري نفسك عشان ربنا يسترك، اعتبريها نصيحة من أخوكِ." "لا، أنت جوزي مش أخويا." قالتها دلال لتثير تحفظه. فتلون وجه أحمد وصك على أسنانه بغيظ ثم صاح: "أنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ أقولك خليكِ أنتِ قاعدة هنا يمكن يعالجلولك دماغك الخربانة دي، وأنا اللي همشي."

ثم حاول الاعتدال من نومته والجلوس استعدادًا للمغادرة. ولكنه شعر بثقل رأسه وتألم وسقط برأسه مرة أخرى متأوهًا: "آه." فأوجعها تألمه فوجدت نفسها تسرع إليه قائلة: "شوفت حصلك إيه عشان ما تعرضش على كلمتي بعد كده وتبطل لسانك الحلو ده قصدي الوحش عشان أنت مش عارف ظروفي. وهات إيدك أعدلك زي بعضه." وعندما حاولت لمس يده، سرت قشعريرة في جسد أحمد كأنه أصابه مس كهربائي وتلون وجهه بالحمرة حرجًا

وأخذ يردد: "أستغفر الله، أستغفر الله. ما تلمسنيش الله يكرمك، كفاية عليا الوجع اللي أنا فيه، أنا مش ناقص." جلست سلمى صديقة أسماء في غرفتها شاردة في هذا الفارس الذي أعجبت به من أول وهلة، فقد اختطف قلبها من مجرد نظرة فكيف إن قابلته وجهًا لوجه وسمعت صوته العذب عندما يحدثها، ولكن سرعان ما تذكرت أسماء فتبدلت تعابير ملامحها للغضب والحقد أيضًا قائلة:

"يعني بنت الجمال دي عايزة تاخد كل حاجة، مال وجمال وكمان راجل مفهوش غلطة وهيبقى دكتور، لا مش هيحصل وهيكون من نصيبي أنا. ياااه نفسي تيجي اللحظة دي وأشوف وشها هيكون عامل إزاي. أيوه لازم أخطفه منها، أنا أولى بيه وهي بجمالها وفلوس أبوها هيجلها كتير غيره، لكن ده يلزمني. بس يا ترى هقدر أوصله إزاي؟

أيوه هعمل زي أبطال الروايات هشيل كتبي وهاقف استناه وأول ما أشوفه همشي قصاده وأعمل مش واخدة بالي، فنخبط في بعض وهو بقى يقول آسف ويلم الكتب ويرفع عينه في عينيا ويحبني. يا سلام إمتى يحصل ده؟ عودة عن سبب ما حدث لأحمد..

كانت عين شفيق تطلق شرارًا غاضبًا وزينب تحدثه عن ما فعله والده وزواجه من شمس الذي أثمر عن تلك النبتة الصالحة "أحمد". فوقف شفيق وقد اشتعلت الدماء في أوردته قائلًا: "أحمد ده لازم يموت بس بالبطيء، يعني يتعذب زي ما اتعذبتي يا ماما." ثم التقط هاتفه وحدث أحد العاملين عنده وختم حديثه بقوله: "فهمت يا بغل هتعمل إيه؟ يعني مش عايزه يموت، عايز يتعلم عليه وينكسر ويخش الشارع موطي راسه."

العامل: "تمام يا شفيق بيه، هنفذ كل اللي حضرتك أمرت بيه." ثم أغلق الهاتف، فطالعته والدته برضا قائلة: "يخليك ليا يا ابني. أخيرًا هيبقى لي سند في الدنيا بدل أبوك اللي طلع حيطة مايلة وكسر بخاطري." قبض شفيق على يده بغضب واستطرد: "معاش اللي يكسر خاطرك تاني يا غالية، وبكرة تشوفي هذله إزاي لغاية ما يموت أبويا حسرة على دلوعته ابن حبيبة القلب. بس قوليلي يا حاجة، أنتِ عرفتي إزاي بالجوازة الغبرة دي ولما عرفتي عملتي إيه؟

والست دي لسه عايشة ولا ماتت وليه ربيتي ابنها؟ ما ربتيهوش ليه هي وخلصنا من خلقته؟

فأخرجت زينب زفيرًا حارًا من شأنه يحرق الأخضر واليابس وهي تعود بذكرياتها إلى ذلك اليوم المشئوم الذي استطاعت به تلك الحية على حد وصفها أن تسرق منها زوجها. حين عاد إليها متأخرًا على غير عادته وكانت تنتظره بشوق ولهفة ولكن لم تتعدى تلك اللهفة والشوق قلبها. لأنها دومًا كانت متكبرة لا تفصح عن حبها له أو تعيره اهتمام وتشعرها دائمًا بالنقص وأنها هي ووالدها أصحاب الفضل عليه، وكل ذلك من أجل ألا ترفع له قامة ويظل أسيرًا لديها وتفرض سيطرتها عليه وهكذا ظنت إنها ضمنت بقاءه وانتمائه لها، ولا تعلم أن ليس على القلب سلطان، وإن أصبح الجسد أسيرًا لكن القلب يأبى إلا أن يكون حرًا.

انتظرته زينب كثيرًا في الشرفة وعندما لمحت طيفه هدئ قلبها قليلًا وأسرعت للداخل وولجت إلى غرفة نومها وكأن شيء لم يحدث ورسمت الجمود على ملامحها. ثم وجدته يفتح باب الغرفة وأطل برأسه ليرى تعابير وجهها ليعلم مدى غضبها من تأخره ولكنه وجده باردًا كالثلج مما أثار قلقه. فولج للداخل وألقى السلام، فردت زينب السلام باقتضاب ونظرت إلى عينيه فوجدته يهرب منها، لذا تسلل الشك إلى قلبها، فسألته بامتياض:

"سبت دكانك وحالك ومالك وروحت فين يا ابن الجمال لحد أنصاص الليالي؟ زاغت عين حمدي وتجمدت الحروف في حلقه حتى استطاع بصعوبة قول: "فيه إيه يا زينب؟ هو أنتِ عاملالي محضر ولا إيه؟ وإيه يعني لما أسيب الدكان شوية للصنايعية وأطلع أشم نفسي شوية على القهوة؟ كفرت ولا حرام؟ فضيقت زينب عينيها ورددت بشك: "قهوة يا حمدي؟! فقال مؤكدًا بجمود: "آه فيها حاجة دي؟! زينب بغيظ: "لا إزاي؟

اللي تشوفه يا حمدي، براحتك خالص. وأنا أهو هتخمد ساعتين عشان عيالك والمدارس." فحاول حمدي أن يهدئ من غضبها الذي لم تستطع إخفاءه، فجذبها من خصرها حتى اصطدمت بصدره وهمس برغبة: "بس أنتِ وحشاني يا زينب." فرأت زينب في عينيه الرغبة ولكن أعماها الغضب. فدفعته بعيدًا قائلة بصلابة: "أنا مش فايقة وعايزة أنام، وكفاية عليك أنت القهوة."

ثم تركته ونامت غير عابئة باحتياجه إليها وما سيكلفها هذا بعد ذلك لإنها لم تقدم له الحب والاحتواء الذي ينشده، فذهب للبحث عنه مع أخرى. عودة للواقع كانت هناك أذن تستمع لحديث زينب مع شفيق ومع كل كلمة تخرج منهما، كانت تكفهر ملامح أشجان وتزداد قتامة وغضب من تلك الأفعى وابنها وما يخططان له تجاه أحمد.

فتمتمت بغيظ: "أيوه ما هي قلوبكم مليانة حقد على الغلبان اللي مفيش زيه، وأنتِ تستاهلي كل اللي حصلك بسبب أفعالك ربنا ينتقم منك يا شيخة. ويا ترى يا أحمد عامل إيه دلوقتي؟ قلبي عليك." ثم حركت يدها دون انتباه في الهواء فاصطدمت بالمزهرية فسقطت وأحدثت صوتًا فانتبه له شفيق وزينب فخرجوا على أثره مفزوعين ليروا تلك الواقفة بقرب الباب تنتفض خوفًا. فصاحت بها زينب بهدر جعلها ترتجف: "واقفة عندك بتعملي إيه يا بت؟ بتصنتي علينا؟!

دي التربية اللي ربتيهالك ابتهال برضه. بس لو كانت ابتهال معرفتش تربيكِ فأنا هربيكِ يا عديمة الرباية." لتهاجمها كالووحش الثائر، وقد عقدت شعرها حول يديها تجذبها منه حتى كاد أن يتمزق في يديها وانهالت عليها بالسباب والشتائم والدعوات الحارقة وأشجان تصرخ وتستغيث بشفيق: "حوشها عني يا شفيق هتموتني، حرام عليك. ده أنا مراتك وأم عيالك." ولكن شفيق لم يهتم لكلماتها بل زاد حنقًا وغضبًا عندما خرجت كلمات أمه المسمومة قائلة:

"اخرسي يا بت، يعني أمك معرفتش تربيكِ ولا جوزك قدر عليكِ وليكِ عين تكلميني." فغضب شفيق من كلمة والدته الأخيرة فقال: "إيه الكلام ده بس يا حاجة؟ أنا برضه مقدرش على حتة بت ما تسواش تعريفة." فسددت له النظر زينب قائلة بحدة: "طيب وريني يا سبع البرمبة هتعمل إيه فيها عشان تتربى عايزة أشوف الرجولة." فأومأ شفيق برأسه واحتدت نظراته التي خرجت على هيئة حمم بركانية ليقول بغضب جحيمي: "عنك أنتِ يا حاجة، أنا هعرف أربيها كويس."

كانت كلماته كصاعقة ضربت قلب أشجان وزاد كرهها لها، فأخذ يكيل لها الضربات والركلات دون رحمة لصرخاتها. وزينب تنبهه على الحرص ألا تفشي أشجان ما سمعته لأحد، فطمأنها شفيق: "متخافيش يا حاجة، لو طلعت كلمة واحدة بره، هي عارفة هيحصلها إيه وهتقرأ على نفسها الفاتحة." فأخذت تتمتم أشجان متألمة بغصة مريرة: "حسبي الله ونعم الوكيل." استمتعت زينب بصراخ أشجان تحت وطأة شفيق ثم قالت:

"أنا نازلة بقى يا شفيق عشان خلاص مراتك صدعتني، ومش هوصيك، أنت عارف." شفيق: "عارف ومتقلقيش يا حاجة." عندما ولجت زينب إلى شقتها استمعت لرنين الهاتف وكان الاتصال من ابنتها شهيرة لتطمئن عليها. رغم قسوة زينب عليها لأنها لا تحب خلفة البنات وودت أن لو كانت ولدًا ثالثًا ليكون لديها عزوة وسند، وعندما جاءت بنت تمعض وجهها وقالت باحتقان: "بنت يعني غم وأرف، يا ريتها كانت ماتت في بطني."

ولكن زجرها حمدي قائلًا: "أستغفر الله العظيم، حد يقول كده برضه؟ دي البنات نعمة. احمدي ربنا على النعمة عشان ما تزولش من وشك يا زينب." فحركت شفتاها زينب باستياء مرددة: "غريبة يعني ده أنت حتى أصلك صعيدي وما تحبوش البنات." فابتسم حمدي ابتسامة لم تغادر شفتيه بتهكم قائلًا: "ده اللي فكره على قده زيك كده وما يعرفش ربنا، لكن بنت ولد كله رزق من عند ربنا وما لناش دخل فيه المهم يكونوا صالحين." أجابت زينب

على اتصال شهيرة بجمود: "أيوه يا شهيرة، عايزة حاجة؟ أصاب شهيرة غصة مريرة من رد زينب الخالي من أي عاطفة، وتعجبت كيف لزوجة عمها تعاملها بلطف عن والدتها. فقالت بخفوت: "عايزة سلامتك يا ماما، أنا باتصل أطمن عليكِ وعلى بابا هو كويس؟ فزفرت زينب بضيق وأجابت: "أنا كويسة لكن أبوكِ من امبارح بيشتكي تعبان ونايم في سريره." فتجمدت شهيرة وقالت بقلق وخوف على والدها الذي طالما أغدق عليها بحنوه وكأنه يعوضها بسبب قسوة زينب عليها.

"ماله بابا ألف سلامة عليه؟ زينب باستياء: "عادي ما تتخلعيش كده، تلاقيهم شوية برد." شهيرة بتخوف: "يا حبيبي يا بابا، أنا مش هطمن غير لما أشوفه بنفسي." لتغلق الخط وتسرع في ارتداء ملابسها وكان سفيان في الأسفل مع والديه يطمئن عليهم قبل أن يغادر لمتابعة عمله في المصنع. وعندما نزلت ورأى سفيان على وجهها الحزن، دق قلبه بعنف وأسرع إليها قائلًا: "مالك يا حبيبتي؟ شكلك زعلان ليه ولابسة ورايحة على فين؟

شهيرة بقلق: "بابا تعبان شوية وهروح أطمن عليه." ثم طالعت زوجة عمها برجاء قائلة: "معلش يا ماما، لما باص المدرسة يجي بالولد خليه عندك عقبال ما أرجع." فأومأت لها ابتهال قائلة ببشاشة وجه: "في عينيا يا بنتي، متقلقيش عليهم." أما سليمان فوقف والخوف على أخيه يملأ عينيه قائلًا: "ألف سلامة على الغالي، خذيني معاكِ يا بنتي أطمن على أخويا وحبيبي." وعندما حاولت شهيرة الرد قاطعها سفيان بقوله:

"وأنا كمان لازم أروح أطمن على عمي، ربنا يشفيه ويعافيه." فابتسمت شهيرة له برضا فطالعها هو بحب استوطن قلبه حتى تملك منه وطمأنها بعينيه وهمس: "طول عمري هكون جنبك ومش هسيبك ولو للحظة." "بس إمتى قلبك يلين وأحس إنك بتحبيني حب حقيقي، مش حب عشرة، لإنه حب ملوش ملامح مش بيمس القلب." شيء ما أصاب قلب حمدي جعله يشعر بالقلق على أحمد فشعر بنغزة قوية تجتاح قلبه أوجعته. فما كان منه إلا أن التقط هاتفه وسارع بالاتصال به.

فسمع أحمد رنين هاتفه في جيب بنطاله ولكن لم يستطع أن يخرجه ليقوم بالرد. فنظر إلى دلال نظرة فهمت معناها فقالت باستياء: "بتبصلي ليه كده، عايزني أطلع تليفونك صح؟! "مش كنت من شوية بتقول ملتمسنيش كإني عندي جرب وخايف أعديك." خجل أحمد واحتار كيف يفهمها مقصده من عدم اللمس، بعد أن أدرك إنها لا تفهم شيئًا في الدين ولا تدرك مقصده وتعتقد إنه يعاملها باحتقار.

لاحظت دلال عينيه التي تدور في الحجرة بتيه وقلبها حدثها أنه يشعر بالخجل، فأشفقت عليه واقتربت منه لتخرج هاتفه ولكنها لم تستطع كبت ضحكاتها وهي تنظر إلى وجهه الذي تلون بالحمرة من الخجل. فهمست: "والله الراجل ده هيجنني، هو فيه راجل بيكسف كده؟! ثم وجدت اتصالًا آخر بعد انتهاء الأول ففتحت قائلة: "ألووووو." اندهش حمدي من صوتها فقال: "مش ده تليفون أحمد؟ دلال: "أيوة مين حضرتك؟ حمدي: "أنا أبوه، وأنتِ مين؟ "وليه بتردي بداله؟

"وهو فين؟ فابتسمت وقالت بدعابة جعلت هذا الممدد على فراشه يكاد يموت من الغيظ. "حمايا العزيز أهلًا وسهلًا." "وأنا هقولك على كل حاجة." "أنااااا مراته."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...