لم تكن لتتخيل أشجان ما حدث بينها وبين أحمد حتى فى أحلامها، لإنها تدرك إنه لا يحبها، لذا اختارت بكامل إرادتها أن تكون له كأخت رغم زواجها منه، لأن لا فائدة من حب الجسد بدون روح. ولكن أحمد كان فى تلك اللحظة لا يرى أمامه سوى دلال فقط، وكأن العالم كله انحسر فى صورتها. فرأى صورة دلال فى أشجان دون وعى منه، إنها ليست هي، فتقرب منها يبث لها اشتياقه وحنينه إليها بتلك الصورة الرومانسية.
فاقاوماته أشجان فى البداية ولكنها استسلمت له فى النهاية لسيطرته عليها بسبب بنيته القوية فى لحظة ضعف منها أمام تلك المشاعر الهوجاء التى عصفت بقلبها، وتمنت أن تعيش ما تبقى من عمرها فى تلك السعادة، ولكن للأسف كانت لحظة وقتية ستكون نتيجتها نبتة صغيرة جميلة كما جاء فى حلم أحمد ابنته من أشجان "حور".
خلد أحمد إلى النوم بعد تلك المشاعر الفياضة، ونامت بجانبه أشجان لتمر عدة ساعات، بعدها استيقظ أحمد وفتح عينيه بتثاقل ليصعق عندما رأى تلك التى تنام بجواره وهيئتها تدل على إنه حدث بينهما ما لم يحمد عقباه. فانتفض واقفاً كالمصروع وصرخ: "أشجااان! أنتِ بتعملى ايه هنا جمبى وعلى سريرى؟
استيقظت أشجان على صوته بفزع ونظرت إلى هيئتها بحرج وحاولت سريعا ستر نفسها بالشرشف. ليتأكد خوفها بسبب صراخه عليها إنها هي من أرادت ذلك واستغلت مرضه فى لحظة ضعف منها. فشعرت بنار تأكل جوفها وتساقطت دموعها وحاولت النطق بصعوبة: "أحمد أناااا مكنتش عايزة ده يحصل، أنت اللى كنت... فقاطعها أحمد بغلظة بعدم فهم: "كنت ايه يا أشجان؟
بصى حولين نفسك أنتِ اللى هنا عندى، مش أنا اللى عندك. أنا مش عارف إزاى جتلك الجراءة تعملى فى نفسك كده، أنتِ فعلا نزلتى من نظرى واتفضلى إطلعى بره وإياكِ تهوبي من مكانى تانى." كانت وقع كلمات أحمد عليها كالسوط الذى جرح قلبها فانهارت باكية، وكانت ستغادر بالفعل ولكنها التفتت لتدافع عن نفسها:
"صدقنى يا أحمد، أنت كنت مش وعيك امبارح وانا جيت عشان أطمن عليك بعد ما وصانى شيكو إنك تاخد علاجك فى أوقاتها بانتظام، فقعدت جمبك عشان اخد بالى من الوقت والعلاج. وفجأة لقيتك بتقرب منى لإنك كنت فكرنى دلال وحاولت أفوقك وأقولك أنا مش دلال يا أحمد أنا أشجان لكن أنت مفوقتش وسيطرت عليه. وانا أحلفلك بإيه قومتك على قد ما أقدر لكن للأسف استسلمت عشان أنااااأنااا بحبك، ايوه يا أحمد أنا بحبك واتمنيت أعيش اللحظات دي بس كنت أتمنى أعيشها وأنت عارف إنى أشجان وإنك من جواك حابب كده معايا، مش عشان فكرنى دلال يا أحمد."
أغمض أحمد عينيه بألم عند ذكر اسم "دلال". وارتجفت شفتاه باسمها وردده كثيرا حتى شحب وجهه، ولاحظت أشجان ذلك فأسرعت بإحضار الدواء له، واقتربت منه وقالت: "أحمد خد الحباية دي، عشان شكلك تعبان، وهى هتريحك." طالعها أحمد بحزن وقال باعتذار: "أنا آسف يا أشجان. اعذرينى وسامحينى، وأنا حاسس إن عشان ظلمتك معايا، ربنا عقبنى وخد منى أغلى حاجة عندى. وأنا مش عارف هى عملت ليه كده؟
ليه تعمل فيه كده وهى عارفة إنى روحي فيها ومن غيرها حاسس إنى بموت." ليبكى أحمد بمرارة وتبكي أشجان على بكائه لتحاول السيطرة على نفسها قليلا لتعطيه دوائه ليخفف عنه أعراض الإنهيار تلك، ومساعدته على النوم قليلا. لينام أحمد فتدثره جيدا وتضع قبلة حانية على جبهته كأنه طفلها ثم تغادر لتطمئن على أولادها. عاد شفيق إلى منزله متأخرا بعد أن قام الجراح بخياطة جرحه مستنداً على أحد رجاله. فراته أسماء على هذا النحو
فطالعته بسخط قائلة بتهكم: "ايه يا سبعى، مين شلفطك كده؟ شفيق بإنفعال: "بتتمسخرى بجوزك يا بنت الأصول، بدل ما تزعلي عليه وتقولي سلامتك." فضحكت أسماء واستطردت: "لا ألف سلامة عليك وده مين ايه ده ان شاء الله؟ شفيق: "مفيش واحد ابن حرام كان عايز يسـ.ـرقني نغـ.ـزني بالمـ.ـطوة فى ضهرى." فهمست أسماء: "ياريته كان جاب أجلك وخلصنا." شفيق: "ادخلي دلوقتى إعمليلي لقمة أرُم بها عضمى واعوض اللي نزفته." حركت أسماء شفتيها بأستياء مرددة:
"ده عند أمك يا شفيق. انزل يا اخويا عندها تحت ولي بتخدمها تخدمك أنت كمان. لكن أنا تعبانة من الحمل ومفيش حيل لخدمة حد. اه صحيح، ده أنا نسيت اقولك كمان إنى رايحة أقعد عند أمى لغاية ما أولد، عشان تراعيني هي. ومحضرة حاجتي وناقص بس أحط العباية عليه وأنزل." فانفعل شفيق حتى برزت عروقه وقال: "هي دي الأصول يا أسماء، تسيبى جوزك تعبان وتروحي تقعدي عند أمك. صدقت أمي لما كانت بتقول عليكِ تربية ابتهال." فحدقته أسماء بغضب حجيمى
وصاحت بصوت هز الأركان: "عارف يا ابن زينب لو جبت سيرة أمي على لسانك القذر ده تاني هعمل ايه فيك." فابتلع شفيق لعابه بتوتر وذعر، فتابعت أسماء: "هكمل عليك أنا واقول برده كلب من كلاب السكك كان عايز يسـ.ـرقك." فابتسم شفيق رغما عنه وقال بخوف: "وأهون عليكِ يا سمسمة، ده أنا بهزر معاكِ يا بت. دي أمك دي حتة سكرة والله، ونعم التربية والله. روحي يا حبيبتي واستريحي براحتك خالص وانا لما أشد حيلى هاجي بنفسي أطمن عليكِ." كتمت أسماء
ضحكتها وطالعته بخبث مرددة: "لا جدع يا شفشق." ثم التفت لترتدي ملابسها. أما هو فوضع يده على رأسه وأخذ يعدد كالنساء:
"جبت لنفسك مصيبة متحركة يا شفيق، ياريتني كنت سمعت كلامك ياما ومتجوزتهاش ورجعت أشجان اللي كان زمانها قاعدة تحت رجلي دلوقتي. وخسارة في أحمد اللي اتجوز عليها رقاصة بس أهي طارت منه الحلو، يااه نفسى أشوفه عامل ايه دلوقتي بعد ما الموزة دي طارت منه. واه يا ناري كان نفسي أنول منها المراد بس للأسف منها لله كانت عاملة نفسها شريفة وعايزة تخلص مني. واهي راحت للي يعلمها الأدب، تشوف بقا هتعمل معاه ايه. وماشي يا أسماء يلا هتغوري من
وشي بأم شكلك العكر ده. وانا هجيب بدالك كل يوم وحدة تظبطني وتنسيني أصلا إني كنت متجوز وحدة إسمها أسماء. ودلوقتي هتسند وأدخل أحضرلي كام غيار وأنزل لأمي حبيبتي، عشان تراعيني أنا كمان القمر اللي معاها. يااه ده أنا كده مش هعوز أخف وهفضل تعبان."
غادرت أسماء بحقيبة كبيرة بها ملابسها وقبل أن تتجه إلى منزل والدها قررت أن تزور زينب. فطرت الباب ففتحت لها سارة فنظرت لها أسماء مطولا وهمست: "لا كده شفيق مش هيزعل إني سبتله البيت." تعجبت سارة من نظراتها فقالت: "حضرتك مين وزي ما تكون بتشبهي عليه ولا حاجة..؟ أسماء: "لا يا حبيبتي مش بشبه ولا حاجة، أنتِ بس زي القمر ماشاء الله بس خدي بالك من نفسك عشان ولاد الحرام مسبوش لولاد الحلال حاجة." سارة: "ربنا يحفظنا." أسماء:
"أنا جاية أطل على مرات عمي وماشية على طول." سارة: "الحجة زينب، اه طبعاً اتفضلي." فولجت أسماء ترفع قامتها بكبرياء حتى رأتها زينب فحدقتها بغضب حجيمى وكأنها تقول: أنتِ ايه اللي جابك هنا، أنا مش عايزة أشوفك. اقتربت منها أسماء فشعرت زينب بالخوف منها فارتجف جسدها. "إزيك يا مرات عمي." فحركت زينب رأسها بإنفعال. فابتسمت أسماء بمكر.
"متخفيش مني يا زينب، ده أنا جاية أبشرك عشان أنا حامل يا ولية، هجبلك حفيد من ابنك شفيق الله يهده ويهدك أنتِ اكتر واكتر. متعرفيش قد إيه أنا مبسوطة وأنا شيفاكِ كده لا حول ليكِ ولا قوة، بس ياريت تكوني اتعظتي وندمتي على اللي عملتيه في حياتك ولو أنه مش باين عليكِ. وعينيكِ كلها شر ومش عارفه إمتى ربنا هيهديكِ. وشكلها مش مكتوبالك يا زينب فربنا ياخدك احسن ويريح الناس من شرك."
فانفعلت زينب وفارت الدماء في رأسها وأخذت تحاول تحريك جسدها على الكرسي المتحرك وتمايلت للإمام حتى سقطت على وجهها. فطالعتها أسماء بسخط ثم قامت بالنداء على سارة: "انتِ يا إسمك ايه. تعالي اعدلي الحجة معايا، اتكبت على وشها يا حبة عيني." فجاءت سارة مسرعة مرددة: "لا حول ولا قوة الا بالله. حصل إزاي ده؟ أسماء: "يختي إعديلها معايا مش وقته حصل إزاي." فساعدتها أسماء على الجلوس على الكرسي مرة أخرى. واستطردت بتهكم:
"ابقي خلى بالك بعد كده يا زينبو، أنتِ مفكيش حاجة تنكسر تاني." ثم همست بجانب أذنها: "عشان تعرفي بس محدش بيجي على أسماء ويكسب أبدا." لتغادر بعد ذلك إلى بيت والدها. تلون وجه زينب من الغيظ حتى ارتفع ضغطها وبدأت في نوبة قلبية ونهجان، فناولتها سارة على الفور الدواء حتى هدأت قليلا ثم خلدت للنوم. سارة: "أنا قربت أتجنن من تصرفات العيلة دي صراحة." أتصل متولي على شفيق.
"حمد لله على السلامة يا شفيق، حقك تبوس إيدك وش وضهر عشان لولايا كنت زمانك مع الأموات دلوقتي ورجالتي أنقذوك في آخر وقت." شفيق بحرج: "أنا مديونلك بحياتي يا متولى والله." فضحك متولي بخبث: "وأنا مش عايز منك حاجة غير تقولى معلومات عن الراجل اللي مجوزاه دلال وأوصل ليه إزاي؟ ابتسم شفيق وقال بحقد وغل: "ياريته يا متولي تعمل معاه الواجب، نفسي أشوفه مذلول ومكسور اوي." متولي ساخراً: "ده أنت شكلك بتعزه اوى." شفيق بضحك:
"اوي اوي مقولكش يعني." متولي: "هو فعلا هيتقهر لما يشوفها ببدلة الرقص وفى حضنى عشان يطلقها ونخلص ونطوى الصفحة دي خالص وترجع دلال لعقلها." شفيق:
"الله عليك يا سيد الناس هو ده. ويا سيدي اللي متجوزاه هو أحمد اللي بيقولوا عليه اخويا بس أنا عمري ما اعترفت بيه وقال إيه عامل نفسه شيخ. بذمتك فيه شيخ يتجوز راقصة. وتليفونه **** وعليه واتس تقدر تبعتله كل اللي نفسك فيه. بس نفسي ومنى عيني أشوف اللحظة دي بعيني. ياريت تقولى امتى هتبعتله عشان أشوف قهرته بنفسي." متولي: "بس كده عيوني، هيكون الوقت عندكم الصبح الساعة عشرة مثلا واحنا بالليل." ليغلق معه الخط
ثم هندم من ملابسه وهمس: "جيلك يا دولي وأنا يا أنتِ المرة دي." فذهب إليها وفتح عليها الباب بقوة فوجدها تصلى وتدعو الله وهي تبكي. فأغضبه هيئتها تلك وكأنه شيطان، فسار إليها بخطى سريعة وجذبها من طرحتها حتى كادت تخنق. فصرخت دلال: "ابعد ايدك عني يا متولي، حرام عليك اللي بتعمله ده. صدقني ربنا مش هيسبك المرة دي." متولي بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"مش هبعد يا دلال وبطلي اللي بتعمله ده، مش هيخلي عليه. أنتِ رقاصة وأنا متولي اللي بيحبك ومربيكِ على إيده ومش هسيبك غير لما أنول المراد. وبعدها ترجعي تنوري الصالة من تاني بالرقص والزباين هنا هيعجبوكِ عشان أجانب مش زي ألاديش مصر. يعني هيدخلوا دماغك." فلعنته دلال: "انت ايه يا اخى شيطان ملعون، أنا لا يمكن أعمل كده وقولتلك إني ست متجوزة وبحب جوزي." إنفعل متولي: "جوزك ده تنسيه خالص ومش عايزك تفتكري غير متولي وبس."
ثم جذب حجابها لينسدل شعرها الحريري على ظهرها فنظر لها برغبة وحاول أن يمزق ملابسها ولكنها تراجعت للوراء بخوف وقالت بذعر: "خلاص أنا موافقة أرجع أرقص يا متولي بس تبعد عني والا هموت نفسي لو لمست شعرة منى." فضيق متولي عينيه عندما شعر بصدق ما قالته ففكر بجدية وهمس لنفسه:
"أعقل يا متولي والبت بدال وافقت ترقص هتفتحتلك طاقة القدر هنا، فماشي أبعد عنها مؤقتا لغاية ما تاخد الألم الصح لما جوز البرابر بتعها يطلقها وساعتها أظن هتسبلي نفسها بإرادتها وهتبيع الدنيا." لذا أومأ متولي برأسه وقال: "عشان خاطر بس عيونك الحلوة يا دولي. وعندك الدولاب اهو فيه بدل رقص أشكال وألوان اختاري اللي يناسبك ومستنيكِ بره بس متتأخريش عليه عشان أنا مش بحب الانتظار."
فخرج متولي وانهارت دلال من ورائه وجلست على أرضية الحجر تبكي بمرارة مرددة اسم أحمد: "يا ترى عامل ايه يا أحمد؟
أنت كنت سترى في الدنيا وأماني ومن بعدك رجعت للضياع تاني، رجعت راقصة يا أحمد. بس الرقص أهون عليه من إني أبيع جسمي. أنا هفضل صينة نفسي ليك يا مولانا ولو كلفني ده عمري. وحشتني اوي يا أحمد، يااه البعد صعب اوي. أنا حاسة إني قلبي في بعدك بيتفتت وكل اه منه زي ما تكون نار بتحرق جوفي. يارب امتى تخلصني من الهم والابتلاء ده وترجعني لمولانا." ثم مرت لحظات حتى وجدته يصيح من الخارج: "لسه مخلصتيش يا دولي، لو تحبي أجى أساعدك."
دلال بغصة مريرة: "لا ثواني وهكون جاهزة." فقامت تجر أذيال الخيبة لتنتقي بدلة رقص تناسب جسدها الهزيل. ثم نظرت إلى المرآة وتسائلت: "معقول ده بعد ما بقيت مرات الشيخ أحمد وربنا سترني بالحجاب أرجع تاني للأرف ده. سامحني يارب، غصبا عني." ثم خرجت ليستقبلها متولي بنظرات الإعجاب وأطلق صفيرًا قائلاً: "واو ده احنا احلوينا وادورنا عن الأول كمان اكتر واكتر. يلا يا حبيبتي، متعى نظر جمهورك بيكِ وبرقصك."
طالعته دلال بسخط ثم خرجت المسرح فتعالت أصوات الهتافات من كل الجنسيات الموجودة عرب وأجانب. لتبدأ دلال في أداء رقصتها وهي تحبس دموعها حتى لا يوبخها متولي الذي كان يقف لها بالمرصاد وصورها عدة صور في أوضاع مختلفة. ثم قام بعد ذلك بالصعود للمسرح وحاوطها بذراعه رغم محاولتها في الابتعاد عنه ولكنه أجبرها حتى يقوم بالتقاط صورة لهم معا. أتصل الشيطان شفيق على أحمد فتعجب أحمد من اتصاله ولكنه استجاب له قائلاً: "السلام عليكم."
شفيق بصوت مصطنع حزين: "وعليكم السلام يا اخويا. أنا عارف إنك مستغرب من اتصالي بس أنا تعبان يا أحمد وقاعد عند امى بعد ما أسماء سبتني وراحت عند امها. وكنت محتاج أشوفك واستسمحك تسامحني عشان حاسس إن أجلي قرب ومش عايز أموت وأنا ظلمك يا اخويا." فتناسى أحمد كل فعل شفيق معه ولم يتذكر في تلك اللحظة الا أنه أخيه ويحتاجه فدمعت عينيه وقال بصوت رخيم حزين: "متقولش كده يا اخويا ربنا يبارك في عمرك وأنا جيلك حالا أطمن عليك."
ثم أغلق معه الخط وتوجه إليه بقلب مرتجف يخشى أن يحدث له شيء دون أن يراه. أما شفيق فانعدمت الرحمة من قلبه وأخذ يضحك باستمتاع قائلاً: "لا طيب يا أحمد وبينضحك عليك بس تستاهل اللي حصلك عشان عينيك متعلاش بعد كده على الاحسن منك." ثم توجه نحو غرفة أمه ورأى سارة تنحني لتطعم والدته، فلمعت عينيه بالرغبة وهمس: "لا البت دي جامدة ودخلت دماغي ومش هسبها الليلادي تبرد قلبي المشتاق."
ثم حمحم لتعتدل سارة فتحركت إلى ركن الغرفة بحرج. فولج شفيق وحدقها بإعجاب فأخفضت بصرها. فأشار إليها: "بقولك ايه يا آنسة سارة. محتاج أغير على الجرح كمان ساعة كده، ممكن تساعديني." أومأت سارة برأسها: "اه طبعاً تحت أمرك." شفيق: "تشكري يا ست البنات. ويا ريت تعمليلي فنجان قهوة من ايدك الحلوة." سارة: "حاضر ثواني ويكون عندك." لتتركه مع والدته التي كانت تطالعه بحب، فأقبل إليها وقبل يدها وابتسم قائلاً بمكر:
"عارفة مين جي دلوقتي يا ياما." فحركت زينب رأسها باستفهام. شفيق: "أحمد ابن غريمتك." فجعدت زينب وجهها بغضب. شفيق: "لا متكشريش كده ياما، ده أنتِ دلوقتى هتنبسطي اوى ويمكن تقومى تمشي كمان من فرحتك فيه. لما تشوفيه مقهور وحزين ومكسور." فانفرجت ملامح زينب وكأنها كانت تنظر تلك اللحظة. شفيق:
"اه ما أنتِ متعرفيش إن الباشا اللي عامل نفسه ملتزم وشيخ كان متجوز بت راقصة تصوري على الخيبة أشجان. بس المعلم بتعها خطفها منها وهيبعتله لما يجي عندى صورها وهي بترقص وصورها معاه. ياااه على فرحتي لما أشوف وشه وهو مقهور أول ما يشوف الصور دي. مش عارف حاسس إني هيجرالي حاجة من كتر فرحتي فيه." فابتسمت زينب بفرحة. ثم غمزها شفيق:
"وكمان ياما أنا داخل دماغي البت سارة دي اوى، فهخليها تقضيلك كل حاجة دلوقتي عشان قلبي محتاجها اوى ياما وهخليها معايا شويتين تلاتة."
فارتسم على وجه زينب تلك العجوز الشمطاء ابتسامة مكر ورضا عن أفعال ابنها الذي يشبهها في الشر تماما. لتنقضي دقائق معدودة ويصل أحمد إلى بيت والده لمقابلة شفيق وعندما ولج للداخل تذكر طفولته التعيسة معهم فاغمض عينيه متألماً ولكنه ابتسم عندما تذكر والده الراحل ودعا له بالرحمة فهو لم يبخل عليه بشيء وأعطاه من الحب والمال ما يحتاجه. سمع أحمد صوت شفيق منادياً عليه عندما علم بقدومه من سارة: "تعال يا أحمد تعال يا اخويا."
فولج أحمد له وعندما رآه على التخت وقد ظهر عليه التعب خفق قلبه واقترب منه وقبل جبهته قائلاً: "ألف سلامة عليك يا شفيق. حصلك ايه وعامل ايه دلوقتي؟ ولو تحب أنقلك أفضل وأحسن مستشفى فيكِ يا مصر. أو حتى أسفرك بره المهم ربنا يعافيك." فكتم شفيق غيظه وهمس لذاته: "تسفرني بره، للدرجاتي الدنيا فتحتلك بابها من وسع، روح يا شيخ ربنا يقفلها في وشك تاني. ويلا يا متولي ابعت الرسالة عشان مش طايق أبص في وشه اكتر من كده ولا أتحمل كلامه."
ثم ابتسم ابتسامة صفراء وجاهد بصوت منخفض: "ربنا يخليك يا اخويا ده عشمي فيك. إدعيلى بس ربنا يشفيني." أحمد مبتهلاً لله: "يارب اشفيه وعافيه وبارك في عمرك واديله على قد نيته." فانفعل شفيق وهمس: "لا الأخيرة دي بلاش." شفيق:
"اقعد يا احمد واقف ليه، ارتاح وقولي أحوالك ايه ومبسوط مع أشجان ولا عشان أنا عارفها بوز نكد ولو اني حاسس إنك مش مبسوط وعشان كده يا اخويا طلقها أحسن ولا أقولك اتجوز عليها وحدة مفرفشة كده تبسطك وتعيش شبابك." فغضب أحمد من أجل أشجان لأنها على اسمه حتى لو كان لا يكن لها أي مشاعر خاصة فقال بإنفعال:
"شفيق لو سمحت الزم حدودك ومتنساش ان اللي بتكلم عليها دي مراتى. ومسمحش لحد أبدا يجيب اسمها بأي كلمة. وبالعكس أشجان إنسانة محترمة وزوجة صالحة." تلون وجه شفيق بحمرة الغيظ بعد دفاع أحمد عن أشجان الذي يعلم جيدا إنها بالفعل كانت زوجة صالحة ولكنه خسرها بسبب أفعاله الدنيئة. فهمس: "يلا يا عم متولي ابعت الرسالة عشان خلاص مش قادر وعايز أقوم أفرمه اللي شايف نفسه ده. ونفسي أشوفه مذلول قدامي."
وبالفعل في تلك اللحظة ترك متولي دلال وابتعد قليلا، ليرسل تلك الصور الى أحمد مع رسالة مفادها:
"أنا دلال يا أحمد، عايزة أقولك إني مليت من عيشة الدروشة اللي كنت معيشنى فيها دي، وخنقني الحجاب ومقدرتش أكمل صراحة وحنيت للشهرة والمجد ورجعت لشغلي. والناس اللي شبهي وأنت خليك مع الناس اللي شبهك وحلال عليك بنت عمك. بس عايزاك تطلقني عشان مش عايزة أكون مرتبطة بيك وأعيش حياتي بحرية. فياريت تطلقني عشان اكتشفت اني كنت موهومة بحبك لكن خلاص فوقت واكتشفت أنه مكنش حب حقيقي. سلام يا مولانا."
وصلت الرسالة لأحمد فجحظت عيناه من الصدمة التي لم يتوقع أبدا أن تصدر تلك الكلمات من دلال التي يسري عشقها في دمه ورأى منها حب يفوق حبه لها. فكيف يصدر منها ذلك، احقا كانت بارعة في التمثيل لتلك الدرجة التي صدقها عقله وقلبه فعلا. ومع كل كلمة كان يقرأها أحمد كان يزداد وجهه قتامة وكان أشبه ببركان على وشك الانفجار في أي لحظة. وشفيق يطالعه بفرحة تطل من عينيه بسعادة وود أن أقام حفل ورقص به على روحه التي ماتت في تلك اللحظة.
شعر أحمد بجسده يتهاوى وكاد أن يسقط أرضا ولكنه استند على الجدار والغريب أنه رأى نظرة فرحة في عين شفيق لم يدرك معناها لذا حاول بقدر الإمكان أن يخفي صدمته وألمه وألا يضعف أمامه. فاستطرد بألم يأكل قلبه وجوفه: "الحمد لله اني اطمنت عليك يا شفيق وبعد إذنك هضطر استأذن عشان عندي شغل ولو احتجت أي حاجة كلمني هتلاقيني عندك. يلا السلام عليكم."
ثم التفت وغادر قبل أن يسمع رد شفيق الذي كان على وشك أن يسأله عن ما شاهده على هاتفه ليتغير وجهه بتلك الصورة ليشمت به ولكنه لم يتيح له الفرصة. لذا صاح بقوله غاضباً:
"إزاي يمشي قبل ما أكمل عليه يمكن كان مات بحسرته وارتحت. بس ماشي فلت بجلده مني المرة دي لكن أنا برده هفضل وراك يا أحمد ومش هسيبك ابدا. وأشجان اللي فرحان بيها دي هتصل بيها وأقولها إنك متجوز عليها عشان تنكد عليك هي كمان ومتبقاش يعنى عارف تلاقيها منين ولا منين. ده غير أشجان هتقول لعمى وعمى يتوصى بيك يا مولانا." ليهاتف شفيق أشجان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!