تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الواحدة والثلاثون
ألم الفقد قادر على سحق الإنسان بين طياته وإنهاك الروح للحد الذي يجعله كثوب مهلهل تبعثرت خيوطه حتى أن فلسفة العالم لا تصلحه.
انتهزت دلال فرصة التفات شفيق فطعنته من الخلف بكل قوتها فصرخ شفيق، وعندما أرادت أن تطعنه مرة أخرى لتقضي عليه وجدت يدًا فولاذية تقبض على يدها.
فارتجفت ونظرت إليه بتوجس وصاحت:
"مين أنت؟ لو بوليس استنى بس أخلص عليه وأعدموني بعدها مش مهم."
فحدثها صاحب تلك اليد وهو أحد أتباع متولي الذي كلفه بمراقبة شفيق الذي لم يثق به بعد حديثه عن دلال أنه لا يعلم مكانها بالتحديد، فشك في أمره، فقرر أن يراقبه أحد أتباعه ليعلم حقيقة ما يخفيه عن مكان دلال.
وعندما ظهرت دلال أمام الفندق أخبر متولي، فأمره أن يتبعها في الحال ويقوم باختطافها عندما تدخل إلى غرفة شفيق حتى لا يحدث جلبة أمام الناس.
حدثها الرجل متعجبًا ويُدعى "رجب":
"قد كده بتكرهيه؟ أمال ليه جيتيله برجليكي؟"
دلال بغصة مريرة:
"أيوه بكرهه لإني شوفت فيه نفسي زمان لما كنت رقاصة، ولما قربت أنسى رجع هو يفكرني ويهددني فكان لازم أعمل كده، فسبني يا باشا أبوس إيدك أخلص عليه عشان أرتاح."
تألم شفيق من أثر الطعن والنزف الذي أصابه وحاول الحديث بجهد قائلًا برجاء:
"ألحقني يا باشا أبوس إيدك قبل ما أموت."
قال ذلك ثم أُغمي عليه.
فتوسلت دلال:
"لا متلحقهوش سيبه لغاية ما يصفى دمه النجس ويموت ويريح."
فضحك "رجب" وقال بتهكم:
"كل ده لشفيق؟ أمال لما تروحي للباشا الكبير هتقولي إيه ولا هتعملي إيه يا قطة؟"
فتحت دلال فمها بصدمة وقالت بعدم استيعاب:
"باشا مين؟"
ثم تذكرت المنياوي فابتسمت وقالت:
"هو أنت تبع الباشا المنياوي؟ هو عامل إيه؟ أنا لسه شايلة جميله فوق راسي. أحمدك وأشكرك يارب يعني هو موجود، ويعني حتى لو شفيق مماتش هيقدر عليه وأرجع أنا لجوزي حبيبي."
ثم استطردت ورجب يستمع إليها بذهول:
"خلاص بقى يا عمنا لم جثته وسبني أنا أمشي وسلم لي على الباشا المنياوي."
فضحك رجب بصوت عالٍ فتعجبت دلال وطالعته بدهشة فقال:
"لا أنتي يا قطة اللي هتروحي للباشا بنفسك."
دلال بتوتر:
"لا مش لازم عشان أنا ست متجوزة دلوقتِ. قوله بس وهو هيقدر."
فعقد رجب حاجبيه واستطرد:
"لا أنتي بتتكلمي كتير وأنا صدعت."
ليسارع بنثر المخدر على أنفها ليُغشى عليها.
ثم اتصل على متولي ليخبره بما حدث.
متولي:
"عفارم عليك، وشوف للكلب ده دكتور من تبعنا يداويه من غير شوشرة ونبهه لو نطق وقال مين اللي عمل كده فيه، هيكون آخر يوم في عمره. آه ما أنا مش عايز يطلع قرار بالقبض عليها ويدوروا وراها في كل حتة. يلا ابعتهالي على أول طيارة شحن زي ما اتفقنا في صندوق."
رجب:
"تؤمرني يا باشا."
ليتصل رجب بأحد زملائه ليهتم بأمر شفيق أما هو فقد حمل دلال وخرج بها من السلم الخلفي.
ليشعر أحمد في تلك اللحظة بغصة في قلبه لم يعلم سببها ولكنه همس:
"دلال."
تنبه شيكو لتبدل تعابير وجهه فسأله:
"مالك يا أحمد؟ أنت تعبان ولا حاجة أجيبلك دكتور؟"
نظف أحمد حنجرته وقال بخفوت:
"مش عارف حسيت قلبي كده وجعني فجأة."
شيكو:
"تلاقي بس واحدة من جوز الضراير بتوعك جابت في سيرتك ولا حاجة. عشان كده بقولك أجمد."
حاول أحمد الابتسام مجاملة ثم وقف بتوتر وأشار إلى شيكو:
"معلش يا شيكو احنا ممكن نأجل الاجتماع لبكرة عشان فعلًا حاسس إني مش مركز ومحتاج أرتاح."
شيكو بتوتر:
"إيه يا عم متقلقنيش عليك. قول الحقيقة أنت فعلا تعبان ولا مش قادر تبعد عن حبيبة القلب؟"
أحمد:
"لا بجد مش عارف مالي وحاسس فيه حاجة. فروح معلش وإن شاء الله بكرة نكمل شغلنا."
شيكو:
"ماشي يا صاحبي طريق السلامة، بس لما توصل طمني."
أحمد بامتنان:
"حاضر بإذن الله."
ليغادر أحمد تحت أنظار شيكو المترقبة:
"استر يارب. يا ترى فيه إيه؟ ربنا ما يكتبلك حاجة وحشة يا أحمد."
أما أحمد فلم يصبر حتى يصل إلى بيته مع دلال فاتصل بها ولكنه وجد هاتفها مغلق مما جعل الذعر يتسلل إلى قلبه.
أحمد:
"أول مرة أتصل بيكي ألاقي تليفونك مغلق، يا ترى فيكي إيه يا روح الروح."
ليصل أحمد إلى شقته بأسرع وقت بأنفاس متقطعة وصدر يعلو ويهبط كأنه كان يركض ثم فتح الباب بيد مرتجفة وتخيل أنها تقف في انتظاره على الباب كعادتها تبتسم له وتعانقه ولكنها لم يجدها بل وجد ظلامًا دامسًا كقلبه من غيرها.
فتجمدت دماؤه في عروقه خوفًا ولكن حاول أن يطمئن نفسه بقوله:
"أكيد نايمة، يعني هتروح فين؟ هي ملهاش مكان ولا حد تعرفه غيري، فمتوترش نفسك ومتقلقهاش وادخل بشويش."
فولج للداخل بخطى ثقيلة إلى غرفة النوم وأضاء أباجورة صغيرة حتى لا يوقظها بالأنوار العالية.
فكانت الصدمة ليست في فراشها، فظن ربما أنها في المرحاض فسار إليه وفتحه ولكنه لم يجدها.
فجن جنونه وسار يبحث عنها في كل الغرف وينادي بأعلى صوته:
"دلال، دلال. أنتي فين يا حبيبتي؟ بالله عليكي إظهري، لو عاملة فيا مقلب إظهري أنا مش قادر أتحمل ولا أتخيل إنك تبعدي عني بالشكل كده."
"أكيد يمكن مستخبية في الدولاب."
فذهب مسرعًا ليفتحه ولكنه بخيبة أمل فصرخ صرخة مدوية محملة بالألم والقهر وعذاب لم يشهد مثله من قبل:
"دلااااال، دلاااال يا ترى روحتي فين؟ وليه؟ دلااال."
ثم حاول الاتصال بها مجددًا ربما نزلت لتبتاع شيئًا احتاجت إليه رغم أنه يوفر لها كل ما تتطلبه.
ولكنه وجد هاتفها مغلق فصرخ مجددًا بألم وألقاه على المنضدة الصغيرة بجانب الحائط.
ليلاحظ ورقة صغيرة عليها، فأسرع إليها ليلتقطها ويرى ما بها ربما بها مكانها التي ذهبت إليه.
ففتحها وبدأت عيناه تقرأ سطورها بتوجس:
"أحمد أنت دلوقتِ بتقرأ رسالتي وبطلب منك إنك تسامحني لأن الفراق مكنش بإيدي كان غصب عني، وبكرة تفهم أنا عملت ليه كده، وأرجوك متدورش عليّ لإنك مش هتلاقيني. صدقني فراقك صعب وأنا في بعدك هموت في كل لحظة بس الفراق عندي أهون من إنك تتأذى بسببي يا مولانا. سامحني يا أحمد سامحني يا أغلى الناس."
كان أحمد في ذهول مع كل كلمة يقرأها وتمنى أن لو كان هذا حلمًا فيستفيق منه.
فيستحيل أن تفارقه دلال بكل تلك السهولة بعد ما كان بينهم من مشاعر وحب فاق كل الوصف.
فأخذ يتحدث بكلمات سريعة متتالية كأنه يهذي:
"دلال مش معقول تسيبني دلال فينك لا مش مصدق ده أكيد كابوس وهصحى منه. دلااااال طب ليه وعشان إيه وأنتي عارفة إنك روحي ودلوقتِ حاسس إني بموت من غيرك. لاااا حرام دلال، مش قادر."
ثم شعر بالفعل بالاختناق وبدأ يفقد الوعي تدريجيًا وفي تلك اللحظة اتصل به شيكو ليطمئن عليه.
فظن أنها هي فجاهد ليصل إلى هاتفه وفتحه ليذكر اسمها:
"دلال."
ثم سقط مغشيًا عليه.
فأصاب شيكو الذعر وصاح:
"أحمد مالك يا حبيبي ومالها دلال، رد عليّ يا أحمد أرجوك. أحمد أحمد. لا أنا لازم أروح أشوف فيه إيه بالظبط."
فأسرع إلى سيارته التي قادها بجنون حتى وصل إليه وأخذ يطرق الباب فلم يستجب له أحد فاضطر أن يكسره خشية أن يكون قد أصابه مكروه.
فولج للداخل سريعًا حتى وجده مغشيًا عليه ففزع شيكو ولمعت عيناه بالدموع.
وحاول أن يعيد له وعيه فنثر بعضًا من العطر على أنفه.
استفاق أحمد بالفعل ولكنه كان في حالة صدمة لم ينطق سوى باسمها فقط.
شيكو:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ترى حصل إيه؟"
ليلاحظ تلك الورقة التي في يد أحمد التي كان متمسكًا بها.
فأخذها وقرأها لتأخذه الصدمة هو أيضًا وحوقل:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه كده يا بنت الناس؟ ده كان روحه فيكي. أعمل إيه دلوقتِ، الراجل هيروح مني. أنا لازم أخده المستشفى يتعاملوا معاه وياخد مهدئات لغاية ما يعدي الأزمة دي، اللي متأكد إنها مش هتعدي بسلام أبدًا."
فتحت دلال عينيها بتثاقل وأخذت ترمش بأهدابها عدة مرات حتى تتضح لها الرؤية لتحاول تذكر ما كانت تفعل وأين هي.
لتأخذها الصدمة عندما وجدت أمامها أقبح وجه قابلته في حياتها فصرخت:
"متولي، لا مش معقول أكيد أنا بحلم. متولي مات واندفن هو أنا دخلت النار ولا إيه؟ بس نار إيه ده أنا على السرير وإيه الأوضة الغريبة دي."
فأخذ متولي يطلق الضحكات الرنانة على كلماتها ثم قيد حاجبيه واقترب منها ليهمس بهسيس:
"أيوه أنتي في النار. أهلًا بيكي في جحيم متولي يا دولي."
دلال بخوف وذعر تملك منها:
"لا أنت مش متولي، أنت أكيد عفريت. انصرف انصرف. متولي أمي قتلته ومات."
فضحك متولي وقال بتهكم:
"هي آه حاولت تقتلني لكن جت سليمة وأنا أهو قدامك بشحمي ودمي يا دولي. وإذ كان أمك الله يرحمها فأنا هاخد بتاري منك أنتي وهتدفعي تمن اللي عملته."
فصرخت دلال:
"لا لا حرام عليك أنا ذنبي إيه وأمي كمان كانت بتدافع عني. أنت طلعتلي منين؟ مش معقول اللي بيحصلي ده. مرة الكلب شفيق ومرة أنت يا شيطان. لااا الرحمة يارب ارحمني، أنا عايزة أرجع لجوزي. ألحقني يا أحمد."
فضيق متولي عينيه وقال:
"جوزك. أنتي اتجوزتي كمان يا دلال، بس خلاص انسى يا حبيبتي. واعتبريني أنا جوزك، وأنا هتجوزك فعلًا. عشان بحبك يا بنت من زمان ونفسي أعيش حياتي معاكي."
فبصقت دلال على وجهه وصرخت:
"تجوزني إزاي وأنت كنت جوز أمي؟ مينفعش وحرام، ده غير إني متجوزة يا عديم الدين والأخلاق."
انفعل متولي وصفعها على وجهها فصرخت دلال متألمة:
"آه!"
متولي:
"مفيش حاجة عند متولي اسمها حلال وحرام في شرع متولي. أنا هتجوزك زي ما بيعملوا هنا جواز مدني، وعايزك تخلفيلي الولد اللي بتمناه عشان يورثني بعد عمر طويل برضه. وعشان تتنسى موضوع جوزك ده خالص، هطلقك منه."
"بصورتين حلوين ليه وليكي مع بعض، وصورة ببدلة الرقص اللي هموت وأشوفها عليكي يا دولي. ونرجع زماننا تاني يا حبيبتي."
دلال بصدمة:
"رقص. عايزني أرجع رقاصة تاني يا متولي. لا يمكن ده أنا مرات الشيخ أحمد. أنت فين يا أحمد ألحقني."
ثم قامت من التخت سريعًا تريد الهرب وأسرعت للباب.
ومتولي يقف مكانه يطالعها بابتسامة خبيثة وعندما فتحته وجدت رجلين من حراس متولي يقفون كسد منيع ومعهم كلاب شرسة فخافت دلال وتراجعت للوراء.
فضحك متولي:
"مفيش هروب من جحيم متولي يا دلال. وعشان ترتاحي إحنا أصلًا مش في مصر، إحنا في أوروبا وبالتحديد ألمانيا."
فوضعت دلال يدها على فمها بصدمة وشهقت:
"ألمانيا. يا وقعتك السودة يا دلال، معقول بعد ما كنت في الجنة أدخل النار كده. رحمتك يارب."
ثم واصلت البكاء مع استرجاء متولي بقولها:
"أرجوك يا متولي أنا خلاص بطلت السكة دي خالص وتبت لربنا واتجوزت إنسان شريف. فسبني أرجع لجوزي وهخليه يدفعلك كل اللي أنت عايزه المهم ترجعني."
متولي برغبة:
"وأنا مش عايز غيرك يا دولي. بس مش مستعجل دلوقتِ هسيبك تريحي أعصابك يومين كده تاخدي على الجو وترجعي للشغل عشان الزباين هنا إيه نااار وبيحبوا الرقص الشرقي موت."
نام أحمد قليلًا عندما أخذ تلك الحقنة المهدئة على يد الطبيب.
وحدثه شيكو بقلق:
"إيه الأخبار يا دكتور، هيفضل تعبان كده كتير؟"
الطبيب:
"للأسف هو اتعرض لصدمة كبيرة جدًا ومش من السهل التعافي بسرعة لازم تاخد وقت. ده غير إنكم لازم تساعدوه عشان يتخطى الأزمة بسهولة."
شيكو:
"نساعده إزاي يا دكتور؟"
الطبيب:
"بالحب والكلام الطيب اللي يصبره وممكن يسافر يغير جو."
شيكو:
"طيب هيقدر يروح امتى؟"
الطبيب:
"النهاردة لو عايز بس لازم يمشي على روشتة العلاج بالمواعيد المكتوبة فيها. ولو لا قدر الله حصل أي انتكاس تجيبه فورًا."
شيكو:
"ربنا يسترها."
وعندما غادر الطبيب، اتصل شيكو على عفاف وقال لها ما حدث.
فقالت بصدمة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، معقول ده! طيب ليه عملت كده؟ دي بتموت فيه، لا الموضوع ده فيه إنّ يا شيكو يا ابني. أنا حاسة البنت دي كانت هربانة ولا حاجة من أهلها وممكن يكون حد شافها وعمل فيها حاجة."
شيكو:
"الله أعلم يا خالتي، مش مهم دلال دلوقتِ. المهم أحمد هنعمل إيه معاه عشان يقدر ينساها ويعيش حياته كويس ألا حاله يصعب على الكافر بجد."
عفاف بحزن:
"يا عيني عليك يا ابني، ديما كده فرحتك مش بتكمل أبدًا. هنعمل إيه يا ابني العمل عمل ربنا هو وحده اللي يصبره ويجبر بخاطره. وهترجع بيه امتى؟"
شيكو:
"أول ما يفوق بإذن الله."
ليغلق شيكو معها الخط.
فأشارت شمس إليها بحزن:
"أحمد حبيبي. ماااله؟ أحمد تعبان."
ربتت عفاف على كتفها بحنو وقالت:
"متقلقيش يا حبيبتي، هو كويس بس أنتي ادعيله ربنا يخفف عنه."
ثم همست:
"يا ترى أنتي روحتي فين يا دلال وإيه حصلك يا بنتي."
لتتجه بعد ذلك إلى أشجان في غرفتها لتخبرها بما حدث.
ففتحت أشجان عينيها على آخرهما بصدمة ووضعت يدها على قلبها مرددة:
"يا حبيبي يا أحمد وآه من حرقة قلبك. أنا حاسة بيك لإني حاسة بنفس الحرقة في قلبي. لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بس كده؟ ده بيحبها أوي، ليه تعمل كده؟ ياريت أعرف مكانها وأروحلها وأترجاها ترجع عشان خاطره."
فنظرت لها عفاف باندهاش وقالت:
"أنتي هبلة يا بنت. ده أنا قولت هتفرحي ويخلاكي الجو لوحدك من غير ضرة وساعتها هتكوني الأولى والأخيرة في حياته."
تنهدت أشجان بحرارة موجعة:
"أفرح وأنا بشوف أحمد بيموت قدامي كل ثانية عشان الإنسانة اللي حبها. أفرح عشان هشوفه مكسور وعينه مطفية من الحزن. لا يا عمتي اللي يحب بجد ميقدرش يشوف حبيبه كده. وأنا مجربة الوجع ده، فإزاي أتقبله على أحمد. ربنا يتولاه برحمته ويصبره على بلوته."
عفاف:
"أنتي غريبة أوي يا أشجان يا بنتي ومثالية زيادة عن اللزوم. أنا مش هنكر إني حبيت البنت دلال دي عشان طيبة وكان باين عليها حب أحمد. بس المثل بيقول الحي أبقى من الميت. ولو البنت دي مظهرتش تاني فمن حقك يا بنتي تحاولي تكسبي قلبه وتعيشي معاه زي شرع ربنا ما بيقول. وكفاية عليكي أنتي كمان وجع ومن حقك تفرحي من نفسك."
ابتسمت أشجان ابتسامة باهتة مرددة:
"حتى لو عاش معايا هيكون قلبه معاها ولو غابت العمر كله لأن اللي يحب عمره ما ينسى أبدًا يا عمتو. وأنا هقوم دلوقتِ ألبس وأروحه المستشفى وأطمن عليه بس كل خوفي أنه يرفضني كمان أكتر من الأول عشان هيفتكر زي حضرتك كده إني مصدقت مشيت عشان آخد مكانها. بس مش مشكلة هتحمله بس مقدرش أشوفه في محنة وأسيبه لوحده."
عفاف:
"ياه يا بنتي مكنتش أعرف إنك بتحبيه للدرجادي وحب كده مشوفتش زيه صراحة. مش هقدر أقولك غير ربنا يراضيكي من عنده."
وعندما بدلت ملابسها وكانت على وشك المغادرة اتصل شيكو بهم أنه وأحمد على وشك الاقتراب من الفيلا.
عفاف:
"كده ماشي يا ابني، ده احنا كنا جايين."
دق قلب أشجان وأغمضت عينيها بألم لمجرد تخيله بهذا الوضع ودعت له الله أن يخفف عنه ألم الفراق.
ثم وقفت أمام الباب متلهفة لرؤيته وعفاف وشمس بجانبها.
حتى أطل عليهم أحمد يسانده شيكو.
فكانت الصدمة عندما رأوا وجهه الذي تبدل تمامًا من شاب في مقتبل العمر لوجه رجل كأنه قد بلغ الخمسين من العمر حيث جعد وجهه الحزن وذبل مع جسد متهالك لا يقوى على السير كأنه خرقة بالية.
آلم أشجان رؤيته هكذا وشعرت بضربات قلبها وكأنها تتنغز بكامل جسدها فتؤلمه وكتمت بكاءها الذي كان يهدد بالانفجار وسارعت إليه تسانده مع شيكو وهمست باسمه بخفوت:
"أحمد."
ولكنه كان في عالم آخر لا يسمع أحد ولا يرى أحد ولا يرى أمامه إلا صورتها هي فقط.
أما شمس فتساقطت عبراتها وشعرت بألم في قلبها فوقفت أمامه وضعت رأسها على صدره بحركة تلقائية وكأنها تطمئن روحها أنه على قيد الحياة عندما سمعت نبضات قلبه.
أما عفاف فكانت لا تصدق ما رأته وهمست:
"ياااه يا ابني للدرجادي كنت بتحبها، لا حول ولا قوة إلا بالله. ده كده كلام أشجان صح وأنا اللي هبلة وكنت بقول هي تعوضك، أتاري فعلًا محدش بيعوض مكان حد."
ساندته أشجان مع شيكو بقلب ملتاع حزين على حاله وتساقطت دموعها رغمًا عنها ولا تعلم سبب حزنها الشديد هذا هل هو عليه أم على روحها الحزينة أم هما معًا.
حتى وصلوا بها إلى فراشه ودثرته أشجان جيدًا.
وأشار لها شيكو:
"الروشتة فيها أسماء ومواعيد الأدوية اللي حطيتها جنبه على الكومودينو ياريت تلتزمي بالمواعيد عشان ربنا يعفو عنه ويرجع لحالته الطبيعية."
أومأت أشجان برأسها:
"حاضر ميكنش عندك فكرة."
شيكو:
"تمام. طيب معلش هستأذن أنا دلوقتِ عشان ورايا شغل متعطل كتير بعد إذنك."
أشجان:
"اتفضل ربنا يقويك."
فخرج شيكو وظلت هي بجانبه تتأمله عن قرب، فوجدت نفسها تبتسم.
فكم عشقت تلك الملامح الرجولية وتمنت لو استطاعت أن تلمس وجهه بيديها.
وحاولت بالفعل أن تلمس وجهه ولكنها ما أن تصل إلى وجهه أبعدتها مرة أخرى خشية أن يعتقد أن وراء لمستها له شيء.
ولكنها لم تستطع كبح زمام أمرها وبالفعل لامست وجهه بحنو، كأم تحنو على وليدها.
وهمست:
"أنت جميل أوي يا أحمد، جميل في كل حاجة. ومتستهلش اللي بيحصلك ده. ومكنتش عايزة أبدًا تحس بنفس إحساس الحرمان اللي حساه. قد إيه صعب حد يتحمله."
ثم تفاجئت به يفتح عينيه بعد أن ظنت أنه قد نام.
ثم أخذ يتأمل وجهها وابتسم لها دون وعي وهمس:
"دلال. أنتي جيتي؟ كنت عارف إنك هترجعيلي عشان عارفة أنا قد إيه بحبك ومقدرش أعيش من غيرك."
فسكبت أشجان العبرات بمرارة وهمست:
"ده فاكرني هي. ياااه يا أحمد لدرجادي كنت بتحبها وشايفها قدامك."
لتصعق عندما وجدته قد لامس وجهها هو الآخر بحنو مرورًا بشفتيها وهمس بعشق:
"بحبك."
واقترب منها بشدة وقبلها بلهفة، فتجمدت الدماء في جسد أشجان وارتجفت بين يديه وحاولت أن تقاومه بكل قوتها.
ولكنها لم تستطع بعد أن أحكم سيطرته عليها وبدأت يده تتخلل إلى جسدها لتستسلم رغما عنها لتلك المشاعر الهوجاء التي طالما تمنتها أن تعيشها معه بالحب الحلال.
فما يا ترى سيحدث بعد ذلك...
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء سعيد
لم تكن لتتخيل أشجان ما حدث بينها وبين أحمد حتى فى أحلامها، لإنها تدرك إنه لا يحبها، لذا اختارت بكامل إرادتها أن تكون له كأخت رغم زواجها منه، لأن لا فائدة من حب الجسد بدون روح.
ولكن أحمد كان فى تلك اللحظة لا يرى أمامه سوى دلال فقط، وكأن العالم كله انحسر فى صورتها. فرأى صورة دلال فى أشجان دون وعى منه، إنها ليست هي، فتقرب منها يبث لها اشتياقه وحنينه إليها بتلك الصورة الرومانسية.
فاقاوماته أشجان فى البداية ولكنها استسلمت له فى النهاية لسيطرته عليها بسبب بنيته القوية فى لحظة ضعف منها أمام تلك المشاعر الهوجاء التى عصفت بقلبها، وتمنت أن تعيش ما تبقى من عمرها فى تلك السعادة، ولكن للأسف كانت لحظة وقتية ستكون نتيجتها نبتة صغيرة جميلة كما جاء فى حلم أحمد ابنته من أشجان "حور".
خلد أحمد إلى النوم بعد تلك المشاعر الفياضة، ونامت بجانبه أشجان لتمر عدة ساعات، بعدها استيقظ أحمد وفتح عينيه بتثاقل ليصعق عندما رأى تلك التى تنام بجواره وهيئتها تدل على إنه حدث بينهما ما لم يحمد عقباه.
فانتفض واقفاً كالمصروع وصرخ:
"أشجااان! أنتِ بتعملى ايه هنا جمبى وعلى سريرى؟"
استيقظت أشجان على صوته بفزع ونظرت إلى هيئتها بحرج وحاولت سريعا ستر نفسها بالشرشف. ليتأكد خوفها بسبب صراخه عليها إنها هي من أرادت ذلك واستغلت مرضه فى لحظة ضعف منها. فشعرت بنار تأكل جوفها وتساقطت دموعها وحاولت النطق بصعوبة:
"أحمد أناااا مكنتش عايزة ده يحصل، أنت اللى كنت..."
فقاطعها أحمد بغلظة بعدم فهم:
"كنت ايه يا أشجان؟ بصى حولين نفسك أنتِ اللى هنا عندى، مش أنا اللى عندك. أنا مش عارف إزاى جتلك الجراءة تعملى فى نفسك كده، أنتِ فعلا نزلتى من نظرى واتفضلى إطلعى بره وإياكِ تهوبي من مكانى تانى."
كانت وقع كلمات أحمد عليها كالسوط الذى جرح قلبها فانهارت باكية، وكانت ستغادر بالفعل ولكنها التفتت لتدافع عن نفسها:
"صدقنى يا أحمد، أنت كنت مش وعيك امبارح وانا جيت عشان أطمن عليك بعد ما وصانى شيكو إنك تاخد علاجك فى أوقاتها بانتظام، فقعدت جمبك عشان اخد بالى من الوقت والعلاج. وفجأة لقيتك بتقرب منى لإنك كنت فكرنى دلال وحاولت أفوقك وأقولك أنا مش دلال يا أحمد أنا أشجان لكن أنت مفوقتش وسيطرت عليه. وانا أحلفلك بإيه قومتك على قد ما أقدر لكن للأسف استسلمت عشان أنااااأنااا بحبك، ايوه يا أحمد أنا بحبك واتمنيت أعيش اللحظات دي بس كنت أتمنى أعيشها وأنت عارف إنى أشجان وإنك من جواك حابب كده معايا، مش عشان فكرنى دلال يا أحمد."
أغمض أحمد عينيه بألم عند ذكر اسم "دلال". وارتجفت شفتاه باسمها وردده كثيرا حتى شحب وجهه، ولاحظت أشجان ذلك فأسرعت بإحضار الدواء له، واقتربت منه وقالت:
"أحمد خد الحباية دي، عشان شكلك تعبان، وهى هتريحك."
طالعها أحمد بحزن وقال باعتذار:
"أنا آسف يا أشجان. اعذرينى وسامحينى، وأنا حاسس إن عشان ظلمتك معايا، ربنا عقبنى وخد منى أغلى حاجة عندى. وأنا مش عارف هى عملت ليه كده؟ ليه تعمل فيه كده وهى عارفة إنى روحي فيها ومن غيرها حاسس إنى بموت."
ليبكى أحمد بمرارة وتبكي أشجان على بكائه لتحاول السيطرة على نفسها قليلا لتعطيه دوائه ليخفف عنه أعراض الإنهيار تلك، ومساعدته على النوم قليلا. لينام أحمد فتدثره جيدا وتضع قبلة حانية على جبهته كأنه طفلها ثم تغادر لتطمئن على أولادها.
عاد شفيق إلى منزله متأخرا بعد أن قام الجراح بخياطة جرحه مستنداً على أحد رجاله. فراته أسماء على هذا النحو فطالعته بسخط قائلة بتهكم:
"ايه يا سبعى، مين شلفطك كده؟"
شفيق بإنفعال:
"بتتمسخرى بجوزك يا بنت الأصول، بدل ما تزعلي عليه وتقولي سلامتك."
فضحكت أسماء واستطردت:
"لا ألف سلامة عليك وده مين ايه ده ان شاء الله؟"
شفيق:
"مفيش واحد ابن حرام كان عايز يسـ.ـرقني نغـ.ـزني بالمـ.ـطوة فى ضهرى."
فهمست أسماء:
"ياريته كان جاب أجلك وخلصنا."
شفيق:
"ادخلي دلوقتى إعمليلي لقمة أرُم بها عضمى واعوض اللي نزفته."
حركت أسماء شفتيها بأستياء مرددة:
"ده عند أمك يا شفيق. انزل يا اخويا عندها تحت ولي بتخدمها تخدمك أنت كمان. لكن أنا تعبانة من الحمل ومفيش حيل لخدمة حد. اه صحيح، ده أنا نسيت اقولك كمان إنى رايحة أقعد عند أمى لغاية ما أولد، عشان تراعيني هي. ومحضرة حاجتي وناقص بس أحط العباية عليه وأنزل."
فانفعل شفيق حتى برزت عروقه وقال:
"هي دي الأصول يا أسماء، تسيبى جوزك تعبان وتروحي تقعدي عند أمك. صدقت أمي لما كانت بتقول عليكِ تربية ابتهال."
فحدقته أسماء بغضب حجيمى وصاحت بصوت هز الأركان:
"عارف يا ابن زينب لو جبت سيرة أمي على لسانك القذر ده تاني هعمل ايه فيك."
فابتلع شفيق لعابه بتوتر وذعر، فتابعت أسماء:
"هكمل عليك أنا واقول برده كلب من كلاب السكك كان عايز يسـ.ـرقك."
فابتسم شفيق رغما عنه وقال بخوف:
"وأهون عليكِ يا سمسمة، ده أنا بهزر معاكِ يا بت. دي أمك دي حتة سكرة والله، ونعم التربية والله. روحي يا حبيبتي واستريحي براحتك خالص وانا لما أشد حيلى هاجي بنفسي أطمن عليكِ."
كتمت أسماء ضحكتها وطالعته بخبث مرددة:
"لا جدع يا شفشق."
ثم التفت لترتدي ملابسها. أما هو فوضع يده على رأسه وأخذ يعدد كالنساء:
"جبت لنفسك مصيبة متحركة يا شفيق، ياريتني كنت سمعت كلامك ياما ومتجوزتهاش ورجعت أشجان اللي كان زمانها قاعدة تحت رجلي دلوقتي. وخسارة في أحمد اللي اتجوز عليها رقاصة بس أهي طارت منه الحلو، يااه نفسى أشوفه عامل ايه دلوقتي بعد ما الموزة دي طارت منه. واه يا ناري كان نفسي أنول منها المراد بس للأسف منها لله كانت عاملة نفسها شريفة وعايزة تخلص مني. واهي راحت للي يعلمها الأدب، تشوف بقا هتعمل معاه ايه. وماشي يا أسماء يلا هتغوري من وشي بأم شكلك العكر ده. وانا هجيب بدالك كل يوم وحدة تظبطني وتنسيني أصلا إني كنت متجوز وحدة إسمها أسماء. ودلوقتي هتسند وأدخل أحضرلي كام غيار وأنزل لأمي حبيبتي، عشان تراعيني أنا كمان القمر اللي معاها. يااه ده أنا كده مش هعوز أخف وهفضل تعبان."
غادرت أسماء بحقيبة كبيرة بها ملابسها وقبل أن تتجه إلى منزل والدها قررت أن تزور زينب. فطرت الباب ففتحت لها سارة فنظرت لها أسماء مطولا وهمست:
"لا كده شفيق مش هيزعل إني سبتله البيت."
تعجبت سارة من نظراتها فقالت:
"حضرتك مين وزي ما تكون بتشبهي عليه ولا حاجة..؟"
أسماء:
"لا يا حبيبتي مش بشبه ولا حاجة، أنتِ بس زي القمر ماشاء الله بس خدي بالك من نفسك عشان ولاد الحرام مسبوش لولاد الحلال حاجة."
سارة:
"ربنا يحفظنا."
أسماء:
"أنا جاية أطل على مرات عمي وماشية على طول."
سارة:
"الحجة زينب، اه طبعاً اتفضلي."
فولجت أسماء ترفع قامتها بكبرياء حتى رأتها زينب فحدقتها بغضب حجيمى وكأنها تقول: أنتِ ايه اللي جابك هنا، أنا مش عايزة أشوفك.
اقتربت منها أسماء فشعرت زينب بالخوف منها فارتجف جسدها.
"إزيك يا مرات عمي."
فحركت زينب رأسها بإنفعال. فابتسمت أسماء بمكر.
"متخفيش مني يا زينب، ده أنا جاية أبشرك عشان أنا حامل يا ولية، هجبلك حفيد من ابنك شفيق الله يهده ويهدك أنتِ اكتر واكتر. متعرفيش قد إيه أنا مبسوطة وأنا شيفاكِ كده لا حول ليكِ ولا قوة، بس ياريت تكوني اتعظتي وندمتي على اللي عملتيه في حياتك ولو أنه مش باين عليكِ. وعينيكِ كلها شر ومش عارفه إمتى ربنا هيهديكِ. وشكلها مش مكتوبالك يا زينب فربنا ياخدك احسن ويريح الناس من شرك."
فانفعلت زينب وفارت الدماء في رأسها وأخذت تحاول تحريك جسدها على الكرسي المتحرك وتمايلت للإمام حتى سقطت على وجهها. فطالعتها أسماء بسخط ثم قامت بالنداء على سارة:
"انتِ يا إسمك ايه. تعالي اعدلي الحجة معايا، اتكبت على وشها يا حبة عيني."
فجاءت سارة مسرعة مرددة:
"لا حول ولا قوة الا بالله. حصل إزاي ده؟"
أسماء:
"يختي إعديلها معايا مش وقته حصل إزاي."
فساعدتها أسماء على الجلوس على الكرسي مرة أخرى. واستطردت بتهكم:
"ابقي خلى بالك بعد كده يا زينبو، أنتِ مفكيش حاجة تنكسر تاني."
ثم همست بجانب أذنها:
"عشان تعرفي بس محدش بيجي على أسماء ويكسب أبدا."
لتغادر بعد ذلك إلى بيت والدها. تلون وجه زينب من الغيظ حتى ارتفع ضغطها وبدأت في نوبة قلبية ونهجان، فناولتها سارة على الفور الدواء حتى هدأت قليلا ثم خلدت للنوم.
سارة:
"أنا قربت أتجنن من تصرفات العيلة دي صراحة."
أتصل متولي على شفيق.
"حمد لله على السلامة يا شفيق، حقك تبوس إيدك وش وضهر عشان لولايا كنت زمانك مع الأموات دلوقتي ورجالتي أنقذوك في آخر وقت."
شفيق بحرج:
"أنا مديونلك بحياتي يا متولى والله."
فضحك متولي بخبث:
"وأنا مش عايز منك حاجة غير تقولى معلومات عن الراجل اللي مجوزاه دلال وأوصل ليه إزاي؟"
ابتسم شفيق وقال بحقد وغل:
"ياريته يا متولي تعمل معاه الواجب، نفسي أشوفه مذلول ومكسور اوي."
متولي ساخراً:
"ده أنت شكلك بتعزه اوى."
شفيق بضحك:
"اوي اوي مقولكش يعني."
متولي:
"هو فعلا هيتقهر لما يشوفها ببدلة الرقص وفى حضنى عشان يطلقها ونخلص ونطوى الصفحة دي خالص وترجع دلال لعقلها."
شفيق:
"الله عليك يا سيد الناس هو ده. ويا سيدي اللي متجوزاه هو أحمد اللي بيقولوا عليه اخويا بس أنا عمري ما اعترفت بيه وقال إيه عامل نفسه شيخ. بذمتك فيه شيخ يتجوز راقصة. وتليفونه **** وعليه واتس تقدر تبعتله كل اللي نفسك فيه. بس نفسي ومنى عيني أشوف اللحظة دي بعيني. ياريت تقولى امتى هتبعتله عشان أشوف قهرته بنفسي."
متولي:
"بس كده عيوني، هيكون الوقت عندكم الصبح الساعة عشرة مثلا واحنا بالليل."
ليغلق معه الخط ثم هندم من ملابسه وهمس:
"جيلك يا دولي وأنا يا أنتِ المرة دي."
فذهب إليها وفتح عليها الباب بقوة فوجدها تصلى وتدعو الله وهي تبكي. فأغضبه هيئتها تلك وكأنه شيطان، فسار إليها بخطى سريعة وجذبها من طرحتها حتى كادت تخنق.
فصرخت دلال:
"ابعد ايدك عني يا متولي، حرام عليك اللي بتعمله ده. صدقني ربنا مش هيسبك المرة دي."
متولي بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"مش هبعد يا دلال وبطلي اللي بتعمله ده، مش هيخلي عليه. أنتِ رقاصة وأنا متولي اللي بيحبك ومربيكِ على إيده ومش هسيبك غير لما أنول المراد. وبعدها ترجعي تنوري الصالة من تاني بالرقص والزباين هنا هيعجبوكِ عشان أجانب مش زي ألاديش مصر. يعني هيدخلوا دماغك."
فلعنته دلال:
"انت ايه يا اخى شيطان ملعون، أنا لا يمكن أعمل كده وقولتلك إني ست متجوزة وبحب جوزي."
إنفعل متولي:
"جوزك ده تنسيه خالص ومش عايزك تفتكري غير متولي وبس."
ثم جذب حجابها لينسدل شعرها الحريري على ظهرها فنظر لها برغبة وحاول أن يمزق ملابسها ولكنها تراجعت للوراء بخوف وقالت بذعر:
"خلاص أنا موافقة أرجع أرقص يا متولي بس تبعد عني والا هموت نفسي لو لمست شعرة منى."
فضيق متولي عينيه عندما شعر بصدق ما قالته ففكر بجدية وهمس لنفسه:
"أعقل يا متولي والبت بدال وافقت ترقص هتفتحتلك طاقة القدر هنا، فماشي أبعد عنها مؤقتا لغاية ما تاخد الألم الصح لما جوز البرابر بتعها يطلقها وساعتها أظن هتسبلي نفسها بإرادتها وهتبيع الدنيا."
لذا أومأ متولي برأسه وقال:
"عشان خاطر بس عيونك الحلوة يا دولي. وعندك الدولاب اهو فيه بدل رقص أشكال وألوان اختاري اللي يناسبك ومستنيكِ بره بس متتأخريش عليه عشان أنا مش بحب الانتظار."
فخرج متولي وانهارت دلال من ورائه وجلست على أرضية الحجر تبكي بمرارة مرددة اسم أحمد:
"يا ترى عامل ايه يا أحمد؟ أنت كنت سترى في الدنيا وأماني ومن بعدك رجعت للضياع تاني، رجعت راقصة يا أحمد. بس الرقص أهون عليه من إني أبيع جسمي. أنا هفضل صينة نفسي ليك يا مولانا ولو كلفني ده عمري. وحشتني اوي يا أحمد، يااه البعد صعب اوي. أنا حاسة إني قلبي في بعدك بيتفتت وكل اه منه زي ما تكون نار بتحرق جوفي. يارب امتى تخلصني من الهم والابتلاء ده وترجعني لمولانا."
ثم مرت لحظات حتى وجدته يصيح من الخارج:
"لسه مخلصتيش يا دولي، لو تحبي أجى أساعدك."
دلال بغصة مريرة:
"لا ثواني وهكون جاهزة."
فقامت تجر أذيال الخيبة لتنتقي بدلة رقص تناسب جسدها الهزيل. ثم نظرت إلى المرآة وتسائلت:
"معقول ده بعد ما بقيت مرات الشيخ أحمد وربنا سترني بالحجاب أرجع تاني للأرف ده. سامحني يارب، غصبا عني."
ثم خرجت ليستقبلها متولي بنظرات الإعجاب وأطلق صفيرًا قائلاً:
"واو ده احنا احلوينا وادورنا عن الأول كمان اكتر واكتر. يلا يا حبيبتي، متعى نظر جمهورك بيكِ وبرقصك."
طالعته دلال بسخط ثم خرجت المسرح فتعالت أصوات الهتافات من كل الجنسيات الموجودة عرب وأجانب. لتبدأ دلال في أداء رقصتها وهي تحبس دموعها حتى لا يوبخها متولي الذي كان يقف لها بالمرصاد وصورها عدة صور في أوضاع مختلفة. ثم قام بعد ذلك بالصعود للمسرح وحاوطها بذراعه رغم محاولتها في الابتعاد عنه ولكنه أجبرها حتى يقوم بالتقاط صورة لهم معا.
أتصل الشيطان شفيق على أحمد فتعجب أحمد من اتصاله ولكنه استجاب له قائلاً:
"السلام عليكم."
شفيق بصوت مصطنع حزين:
"وعليكم السلام يا اخويا. أنا عارف إنك مستغرب من اتصالي بس أنا تعبان يا أحمد وقاعد عند امى بعد ما أسماء سبتني وراحت عند امها. وكنت محتاج أشوفك واستسمحك تسامحني عشان حاسس إن أجلي قرب ومش عايز أموت وأنا ظلمك يا اخويا."
فتناسى أحمد كل فعل شفيق معه ولم يتذكر في تلك اللحظة الا أنه أخيه ويحتاجه فدمعت عينيه وقال بصوت رخيم حزين:
"متقولش كده يا اخويا ربنا يبارك في عمرك وأنا جيلك حالا أطمن عليك."
ثم أغلق معه الخط وتوجه إليه بقلب مرتجف يخشى أن يحدث له شيء دون أن يراه. أما شفيق فانعدمت الرحمة من قلبه وأخذ يضحك باستمتاع قائلاً:
"لا طيب يا أحمد وبينضحك عليك بس تستاهل اللي حصلك عشان عينيك متعلاش بعد كده على الاحسن منك."
ثم توجه نحو غرفة أمه ورأى سارة تنحني لتطعم والدته، فلمعت عينيه بالرغبة وهمس:
"لا البت دي جامدة ودخلت دماغي ومش هسبها الليلادي تبرد قلبي المشتاق."
ثم حمحم لتعتدل سارة فتحركت إلى ركن الغرفة بحرج. فولج شفيق وحدقها بإعجاب فأخفضت بصرها. فأشار إليها:
"بقولك ايه يا آنسة سارة. محتاج أغير على الجرح كمان ساعة كده، ممكن تساعديني."
أومأت سارة برأسها:
"اه طبعاً تحت أمرك."
شفيق:
"تشكري يا ست البنات. ويا ريت تعمليلي فنجان قهوة من ايدك الحلوة."
سارة:
"حاضر ثواني ويكون عندك."
لتتركه مع والدته التي كانت تطالعه بحب، فأقبل إليها وقبل يدها وابتسم قائلاً بمكر:
"عارفة مين جي دلوقتي يا ياما."
فحركت زينب رأسها باستفهام.
شفيق:
"أحمد ابن غريمتك."
فجعدت زينب وجهها بغضب.
شفيق:
"لا متكشريش كده ياما، ده أنتِ دلوقتى هتنبسطي اوى ويمكن تقومى تمشي كمان من فرحتك فيه. لما تشوفيه مقهور وحزين ومكسور."
فانفرجت ملامح زينب وكأنها كانت تنظر تلك اللحظة.
شفيق:
"اه ما أنتِ متعرفيش إن الباشا اللي عامل نفسه ملتزم وشيخ كان متجوز بت راقصة تصوري على الخيبة أشجان. بس المعلم بتعها خطفها منها وهيبعتله لما يجي عندى صورها وهي بترقص وصورها معاه. ياااه على فرحتي لما أشوف وشه وهو مقهور أول ما يشوف الصور دي. مش عارف حاسس إني هيجرالي حاجة من كتر فرحتي فيه."
فابتسمت زينب بفرحة. ثم غمزها شفيق:
"وكمان ياما أنا داخل دماغي البت سارة دي اوى، فهخليها تقضيلك كل حاجة دلوقتي عشان قلبي محتاجها اوى ياما وهخليها معايا شويتين تلاتة."
فارتسم على وجه زينب تلك العجوز الشمطاء ابتسامة مكر ورضا عن أفعال ابنها الذي يشبهها في الشر تماما. لتنقضي دقائق معدودة ويصل أحمد إلى بيت والده لمقابلة شفيق وعندما ولج للداخل تذكر طفولته التعيسة معهم فاغمض عينيه متألماً ولكنه ابتسم عندما تذكر والده الراحل ودعا له بالرحمة فهو لم يبخل عليه بشيء وأعطاه من الحب والمال ما يحتاجه.
سمع أحمد صوت شفيق منادياً عليه عندما علم بقدومه من سارة:
"تعال يا أحمد تعال يا اخويا."
فولج أحمد له وعندما رآه على التخت وقد ظهر عليه التعب خفق قلبه واقترب منه وقبل جبهته قائلاً:
"ألف سلامة عليك يا شفيق. حصلك ايه وعامل ايه دلوقتي؟ ولو تحب أنقلك أفضل وأحسن مستشفى فيكِ يا مصر. أو حتى أسفرك بره المهم ربنا يعافيك."
فكتم شفيق غيظه وهمس لذاته:
"تسفرني بره، للدرجاتي الدنيا فتحتلك بابها من وسع، روح يا شيخ ربنا يقفلها في وشك تاني. ويلا يا متولي ابعت الرسالة عشان مش طايق أبص في وشه اكتر من كده ولا أتحمل كلامه."
ثم ابتسم ابتسامة صفراء وجاهد بصوت منخفض:
"ربنا يخليك يا اخويا ده عشمي فيك. إدعيلى بس ربنا يشفيني."
أحمد مبتهلاً لله:
"يارب اشفيه وعافيه وبارك في عمرك واديله على قد نيته."
فانفعل شفيق وهمس:
"لا الأخيرة دي بلاش."
شفيق:
"اقعد يا احمد واقف ليه، ارتاح وقولي أحوالك ايه ومبسوط مع أشجان ولا عشان أنا عارفها بوز نكد ولو اني حاسس إنك مش مبسوط وعشان كده يا اخويا طلقها أحسن ولا أقولك اتجوز عليها وحدة مفرفشة كده تبسطك وتعيش شبابك."
فغضب أحمد من أجل أشجان لأنها على اسمه حتى لو كان لا يكن لها أي مشاعر خاصة فقال بإنفعال:
"شفيق لو سمحت الزم حدودك ومتنساش ان اللي بتكلم عليها دي مراتى. ومسمحش لحد أبدا يجيب اسمها بأي كلمة. وبالعكس أشجان إنسانة محترمة وزوجة صالحة."
تلون وجه شفيق بحمرة الغيظ بعد دفاع أحمد عن أشجان الذي يعلم جيدا إنها بالفعل كانت زوجة صالحة ولكنه خسرها بسبب أفعاله الدنيئة. فهمس:
"يلا يا عم متولي ابعت الرسالة عشان خلاص مش قادر وعايز أقوم أفرمه اللي شايف نفسه ده. ونفسي أشوفه مذلول قدامي."
وبالفعل في تلك اللحظة ترك متولي دلال وابتعد قليلا، ليرسل تلك الصور الى أحمد مع رسالة مفادها:
"أنا دلال يا أحمد، عايزة أقولك إني مليت من عيشة الدروشة اللي كنت معيشنى فيها دي، وخنقني الحجاب ومقدرتش أكمل صراحة وحنيت للشهرة والمجد ورجعت لشغلي. والناس اللي شبهي وأنت خليك مع الناس اللي شبهك وحلال عليك بنت عمك. بس عايزاك تطلقني عشان مش عايزة أكون مرتبطة بيك وأعيش حياتي بحرية. فياريت تطلقني عشان اكتشفت اني كنت موهومة بحبك لكن خلاص فوقت واكتشفت أنه مكنش حب حقيقي. سلام يا مولانا."
وصلت الرسالة لأحمد فجحظت عيناه من الصدمة التي لم يتوقع أبدا أن تصدر تلك الكلمات من دلال التي يسري عشقها في دمه ورأى منها حب يفوق حبه لها. فكيف يصدر منها ذلك، احقا كانت بارعة في التمثيل لتلك الدرجة التي صدقها عقله وقلبه فعلا. ومع كل كلمة كان يقرأها أحمد كان يزداد وجهه قتامة وكان أشبه ببركان على وشك الانفجار في أي لحظة. وشفيق يطالعه بفرحة تطل من عينيه بسعادة وود أن أقام حفل ورقص به على روحه التي ماتت في تلك اللحظة.
شعر أحمد بجسده يتهاوى وكاد أن يسقط أرضا ولكنه استند على الجدار والغريب أنه رأى نظرة فرحة في عين شفيق لم يدرك معناها لذا حاول بقدر الإمكان أن يخفي صدمته وألمه وألا يضعف أمامه. فاستطرد بألم يأكل قلبه وجوفه:
"الحمد لله اني اطمنت عليك يا شفيق وبعد إذنك هضطر استأذن عشان عندي شغل ولو احتجت أي حاجة كلمني هتلاقيني عندك. يلا السلام عليكم."
ثم التفت وغادر قبل أن يسمع رد شفيق الذي كان على وشك أن يسأله عن ما شاهده على هاتفه ليتغير وجهه بتلك الصورة ليشمت به ولكنه لم يتيح له الفرصة. لذا صاح بقوله غاضباً:
"إزاي يمشي قبل ما أكمل عليه يمكن كان مات بحسرته وارتحت. بس ماشي فلت بجلده مني المرة دي لكن أنا برده هفضل وراك يا أحمد ومش هسيبك ابدا. وأشجان اللي فرحان بيها دي هتصل بيها وأقولها إنك متجوز عليها عشان تنكد عليك هي كمان ومتبقاش يعنى عارف تلاقيها منين ولا منين. ده غير أشجان هتقول لعمى وعمى يتوصى بيك يا مولانا."
ليهاتف شفيق أشجان.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء سعيد
لم تكن لتتخيل أشجان ما حدث بينها وبين أحمد حتى في أحلامها، لأنها تدرك أنه لا يحبها، لذا اختارت بكامل إرادتها أن تكون له كأخت رغم زواجها منه، لأن لا فائدة من حب الجسد بدون روح.
ولكن أحمد كان في تلك اللحظة لا يرى أمامه سوى دلال فقط، وكأن العالم كله انحسر في صورتها. فرأى صورة دلال في أشجان دون وعي منه، إنها ليست هي، فتقرب منها يبث لها اشتياقه وحنينه إليها بتلك الصورة الرومانسية.
فقاومتْه أشجان في البداية، ولكنها استسلمت له في النهاية لسيطرته عليها بسبب بنيته القوية في لحظة ضعف منها أمام تلك المشاعر الهوجاء التي عصفت بقلبها، وتمنت أن تعيش ما تبقى من عمرها في تلك السعادة، ولكن للأسف كانت لحظة وقتية، ستكون نتيجتها نبتة صغيرة جميلة كما جاء في حلم أحمد ابنته من أشجان "حور".
خلد أحمد إلى النوم بعد تلك المشاعر الفياضة، ونامت بجانبه أشجان لتمر عدة ساعات. بعدها استيقظ أحمد وفتح عينيه بتثاقل، ليصعق عندما رأى تلك التي تنام بجواره وهيئتها تدل على أنه حدث بينهما ما لم يحمد عقباه.
فانتفض واقفاً كالمصروع وصرخ:
"أشجااان! أنتِ بتعملي ايه هنا جمبي وعلى سريري؟"
استيقظت أشجان على صوته بفزع، ونظرت إلى هيئتها بحرج، وحاولت سريعا ستر نفسها بالشرشف. ليتأكد خوفها بسبب صراخه عليها، إنها هي من أرادت ذلك واستغلت مرضه في لحظة ضعف منها. فشعرت بنار تأكل جوفها، وتساقطت دموعها، وحاولت النطق بصعوبة:
"أحمد أناااا مكنتش عايزة ده يحصل، أنت اللى كنت..."
فقاطعها أحمد بغلظة بعدم فهم:
"كنت إيه يا أشجان؟ بصي حوالين نفسك، أنتِ اللي هنا عندي، مش أنا اللي عندك. أنا مش عارف إزاي جتلك الجرأة تعملي في نفسك كده، أنتِ فعلاً نزلتِ من نظري، واتفضلي اطلعي بره وإياكِ تهوبي من مكاني تاني."
كانت وقع كلمات أحمد عليها كالسوط الذي جرح قلبها، فانهارت باكية، وكانت ستغادر بالفعل، ولكنها التفتت لتدافع عن نفسها:
"صدقني يا أحمد، أنت كنت مش وعيك امبارح، وأنا جيت عشان أطمن عليك بعد ما وصاني شيكو إنك تاخد علاجك في أوقاتها بانتظام. فقعدت جمبك عشان آخد بالي من الوقت والعلاج. وفجأة لقيتك بتقرب مني لأنك كنت فاكرني دلال، وحاولت أفوقك وأقولك أنا مش دلال يا أحمد أنا أشجان، لكن أنت مفوقتش وسيطرت عليا. وأنا أحلفلك بإيه قومتك على قد ما أقدر، لكن للأسف استسلمت عشان أناااا... أنااا بحبك. أيوه يا أحمد أنا بحبك. واتمنيت أعيش اللحظات دي، بس كنت أتمنى أعيشها وأنت عارف إني أشجان، وإنك من جواك حابب كده معايا، مش عشان فاكرني دلال يا أحمد."
أغمض أحمد عينيه بألم عند ذكرها اسم "دلال". وارتجفت شفتاه باسمها وردده كثيراً حتى شحب وجهه. ولاحظت أشجان ذلك، فأسرعت بإحضار الدواء له، واقتربت منه وقالت:
"أحمد خد الحباية دي، عشان شكلك تعبان، وهى هتريحك."
طالعها أحمد بحزن وقال باعتذار:
"أنا آسف يا أشجان. اعذريني وسامحيني، وأنا حاسس إن عشان ظلمتك معايا، ربنا عقبني وخد منى أغلى حاجة عندي. وأنا مش عارف هي عملت ليه كده؟ ليه تعمل فيه كده وهي عارفة إني روحي فيها ومن غيرها حاسس إني بموت."
ليبكي أحمد بمرارة، وتبكي أشجان على بكائه، لتحاول السيطرة على نفسها قليلاً لتعطيه دوائه ليخفف عنه أعراض الانهيار تلك، ومساعدته على النوم قليلاً. لينام أحمد، فتدثره جيدا وتضع قبلة حانية على جبهته كأنه طفلها، ثم تغادر لتطمئن على أولادها.
عاد شفيق إلى منزله متأخراً بعد أن قام الجراح بخياطة جرحه مستنداً على أحد رجاله. فراته أسماء على هذا النحو فطالعته بسخط قائلة بتهكم:
"إيه يا سبعي، مين شلفطك كده؟"
شفيق بإنفعال:
"بتتمسخري بجوزك يا بنت الأصول، بدل ما تزعلي عليه وتقولي سلامتك."
فضحكت أسماء واستطردت:
"لا ألف سلامة عليك، وده مين إيه ده إن شاء الله؟"
شفيق:
"مفيش واحد ابن حرام كان عايز يسرقني، نغزني بالمطوة في ضهري."
همست أسماء:
"ياريته كان جاب أجلك وخلصنا."
شفيق:
"ادخلي دلوقتي أعمليلي لقمة ألم بها عضمي وأعوض اللي نزلته."
حركت أسماء شفتيها باستياء مرددة:
"ده عند أمك يا شفيق. أنزل يا أخويا عندها تحت، ولو بتخدمها تخدمك أنت كمان. لكن أنا تعبانة من الحمل ومفيش حيل لخدمة حد. آه صحيح، ده أنا نسيت أقولك كمان إني رايحة أقعد عند أمي لغاية ما أولد، عشان تراعي أنا. ومحضرة حاجتي وناقص بس أحط العباية عليه وأنزل."
فانفعل شفيق حتى برزت عروقه وقال:
"هي دي الأصول يا أسماء، تسيبى جوزك تعبان وتروحي تقعدي عند أمك؟ صدقت أمي لما كانت بتقول عليكِ تربية ابتهال."
فحدقته أسماء بغضب حجيمي وصاحت بصوت هز الأركان:
"عارف يا ابن زينب لو جبت سيرة أمي على لسانك القذر ده تاني هعمل إيه فيك."
فابتلع شفيق لعابه بتوتر وذعر، فتابعت أسماء:
"هكمل عليك أنا وأقول برده كلب من كلاب السكك كان عايز يسرقك."
فابتسم شفيق رغما عنه وقال بخوف:
"وأهون عليكي يا سمسمة، ده أنا بهزر معاكِ يا بت. دي أمك دي حتة سكرة والله، ونعم التربية والله. روحي يا حبيبتي واستريحي براحتك خالص وأنا لما أشد حيلي هاجي بنفسي أطمن عليكي."
كتمت أسماء ضحكتها وطالعته بخبث مرددة:
"لا جدع يا شفشق."
ثم التفت لترتدي ملابسها. أما هو فوضع يده على رأسه وأخذ يعدد كالنساء:
"جبت لنفسك مصيبة متحركة يا شفيق، ياريتني كنت سمعت كلامك ياما ومتجوزتهاش ورجعت أشجان اللي كان زمانها قاعدة تحت رجلي دلوقتي. وخسارة في أحمد اللي اتجوز عليها رقاصة بس أهي طارت منه الحلو، يااه نفسي أشوفه عامل إيه دلوقتي بعد ما الموزة دي طارت منه. واه يا ناري كان نفسي أنول منها المراد بس للأسف منها لله كانت عاملة نفسها شريفة وعايزة تخلص مني. واهي راحت للي يعلمها الأدب، تشوف بقا هتعمل معاه إيه. وماشي يا أسماء يلا هتغوري من وشي بأم شكلك العكر ده. وأنا هجيب بدالك كل يوم وحدة تظبطني وتنسيني أصلا إني كنت متجوزة وحدة اسمها أسماء. ودلوقتي هتسند وأدخل أحضرلي كام غيار وأنزل لأمي حبيبتي، عشان تراعي أنا كمان القمر اللي معاها. يااه ده أنا كده مش هعوز أخف وهفضل تعبان."
غادرت أسماء بحقيبة كبيرة بها ملابسها، وقبل أن تتجه إلى منزل والدها قررت أن تزور زينب. فطرق الباب ففتحت لها سارة، فنظرت لها أسماء مطولاً وهمست:
"لا كده شفيق مش هيزعل إني سبتله البيت."
تعجبت سارة من نظراتها فقالت:
"حضرتك مين وزي ما تكون بتشبهي عليه ولا حاجة؟"
أسماء:
"لا يا حبيبتي مش بشبه ولا حاجة، أنتِ بس زي القمر ماشاء الله بس خدي بالك من نفسك عشان ولاد الحرام مسبوش لولاد الحلال حاجة."
سارة:
"ربنا يحفظنا."
أسماء:
"أنا جاية أطل على مرات عمي وماشية على طول."
سارة:
"الحجة زينب، آه طبعاً اتفضلي."
فولجت أسماء ترفع قامتها بكبرياء حتى رأتها زينب، فحدقتها بغضب حجيمي وكأنها تقول: "إنتِ إيه اللي جابك هنا، أنا مش عايزة أشوفك."
اقتربت منها أسماء فشعرت زينب بالخوف منها، فارتجف جسدها.
"إزيك يا مرات عمي."
فحركت زينب رأسها بانفعال. فابتسمت أسماء بمكر.
"متخفيش مني يا زينب، ده أنا جاية أبشرك عشان أنا حامل يا ولية، هجبلك حفيد من ابنك شفيق الله يهديه ويهدك أنتِ أكتر وأكتر. متعرفيش قد إيه أنا مبسوطة وأنا شيفاكِ كده لا حول ليكِ ولا قوة، بس ياريت تكوني اتعظتي وندمتي على اللي عملتيه في حياتك ولو إنه مش باين عليكِ. وعينيكِ كلها شر ومش عارفه إمتى ربنا هيهديكِ. وشكلها مش مكتوبالك يا زينب، فربنا ياخدك أحسن ويريح الناس من شرك."
فانفعلت زينب وفارت الدماء في رأسها، وأخذت تحاول تحريك جسدها على الكرسي المتحرك وتمايلت للأمام حتى سقطت على وجهها. فطالعتها أسماء بسخط ثم قامت بالنداء على سارة:
"إنتِ يا إسمك إيه. تعالي اعدلي الحجة معايا، اتكبت على وشها يا حبة عيني."
فجاءت سارة مسرعة مرددة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. حصل إزاي ده؟"
أسماء:
"يختي اعديلها معايا مش وقته حصل إزاي."
فساعدتها أسماء على الجلوس على الكرسي مرة أخرى. واستطردت بتهكم:
"ابقى خلي بالك بعد كده يا زينبو، أنتِ مفكيش حاجة تنكسر تاني."
ثم همست بجانب أذنها:
"عشان تعرفي بس محدش بييجي على أسماء ويكسب أبداً."
لتغادر بعد ذلك إلى بيت والدها. تلون وجه زينب من الغيظ حتى ارتفع ضغطها وبدأت في نوبة قلبية ونهجان، فناولتها سارة على الفور الدواء حتى هدأت قليلا ثم خلدت للنوم.
سارة:
"أنا قربت أتجنن من تصرفات العيلة دي صراحة."
أتصل متولي على شفيق.
"حمد لله على السلامة يا شفيق، حقك تبوس إيدك وش وضهر عشان لولايا كنت زمانك مع الأموات دلوقتي ورجالتي أنقذوك في آخر وقت."
شفيق بحرج:
"أنا مديونلك بحياتي يا متولي والله."
فضحك متولي بخبث:
"وأنا مش عايز منك حاجة غير تقول لي معلومات عن الراجل اللي مجوزاه دلال وأوصل له إزاي؟"
ابتسم شفيق وقال بحقد وغل:
"ياريت يا متولي تعمل معاه الواجب، نفسي أشوفه مذلول ومكسور أوي."
متولي ساخراً:
"ده أنت شكلك بتعزه أوي."
شفيق بضحك:
"أوي أوي مقولكش يعني."
متولي:
"هو فعلاً هيتقهر لما يشوفها ببدلة الرقص وفي حضني عشان يطلقها ونخلص ونطوي الصفحة دي خالص وترجع دلال لعقلها."
شفيق:
"الله عليك يا سيد الناس هو ده. ويا سيدي اللي متجوزاه هو أحمد اللي بيقولوا عليه أخويا بس أنا عمري ما اعترفت بيه وقال إيه عامل نفسه شيخ. بذمتك فيه شيخ يتجوز راقصة. وتليفونه ***** وعليه واتس تقدر تبعت له كل اللي نفسك فيه. بس نفسي ومنى عيني أشوف اللحظة دي بعيني. ياريت تقول لي امتى هتبعت له عشان أشوف قهرته بنفسي."
متولي:
"بس كده عيوني، هيكون الوقت عندكم الصبح الساعة عشرة مثلا واحنا بالليل."
ليغلق معه الخط ثم هندم من ملابسه وهمس:
"جيلك يا دولي وأنا يا أنتِ المرة دي."
فذهب إليها وفتح عليها الباب بقوة فوجدها تصلي وتدعو الله وهي تبكي. فأغضبه هيئتها تلك وكأنه شيطان، فسار إليها بخطى سريعة وجذبها من طرحتها حتى كادت تختنق.
فصرخت دلال:
"ابعد ايدك عني يا متولي، حرام عليك اللي بتعمله ده. صدقني ربنا مش هيسيبك المرة دي."
متولي بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"مش هبعد يا دلال وبطلي اللي بتعمله ده، مش هيخلي عليه. أنتِ رقاصة وأنا متولي اللي بيحبك ومربيكِ على إيده ومش هسيبك غير لما أنول المراد. وبعدها ترجعي تنوري الصالة من تاني بالرقص والزباين هنا هيعجبوكِ عشان أجانب مش زي ولاد بلدنا. يعني هيدخلوا دماغك."
فلعنته دلال:
"إنت إيه يا أخويا شيطان ملعون، أنا لا يمكن أعمل كده وقولتلك إني ست متجوزة وبحب جوزي."
إنفعل متولي:
"جوزك ده تنسيه خالص ومش عايزك تفتكري غير متولي وبس."
ثم جذب حجابها لينسدل شعرها الحريري على ظهرها، فنظر لها برغبة وحاول أن يمزق ملابسها، ولكنها تراجعت للوراء بخوف وقالت بذعر:
"خلاص أنا موافقة أرجع أرقص يا متولي بس تبعد عني والا هموت نفسي لو لمست شعرة مني."
فضيق متولي عينيه عندما شعر بصدق ما قالته، ففكر بجدية وهمس لنفسه:
"أعقل يا متولي والبت بدال وافقت ترقص هتتفتح لك طاقة القدر هنا، فماشي أبعد عنها مؤقتاً لغاية ما تاخد الألم الصح لما جوز البرابر بتاعها يطلقها وساعتها أظن هتسيب لي نفسها بإرادتها وهتبيع الدنيا."
لذا أومأ متولي برأسه وقال:
"عشان خاطر بس عيونك الحلوة يا دولي. وعندك الدولاب أهو فيه بدل رقص أشكال وألوان اختاري اللي يناسبك ومستنيكِ بره بس متتأخريش عليا عشان أنا مش بحب الانتظار."
فخرج متولي وانهارت دلال من ورائه وجلست على أرضية الحجر تبكي بمرارة مرددة اسم أحمد:
"يا ترى عامل إيه يا أحمد؟ أنت كنت سِتري في الدنيا وأماني ومن بعدك رجعت للضياع تاني، رجعت رقاصة يا أحمد. بس الرقص أهون عليا من إني أبيع جسمي. أنا هفضل صاينة نفسي ليك يا مولانا ولو كلفني ده عمري. وحشتني أوي يا أحمد، يااه البعد صعب أوي. أنا حاسة إني قلبي في بعدك بيتفتت وكل آه منه زي ما تكون نار بتحرق جوفي. يارب امتى تخلصني من الهم والابتلاء ده وترجعني لمولانا."
ثم مرت لحظات حتى وجدته يصيح من الخارج:
"لسه مخلصتيش يا دولي، لو تحبي أجي أساعدك."
دلال بغصة مريرة:
"لا ثواني وهكون جاهزة."
فقامت تجر أذيال الخيبة لتنتقي بدلة رقص تناسب جسدها الهزيل. ثم نظرت إلى المرآة وتساءلت:
"معقول ده بعد ما بقيت مرات الشيخ أحمد وربنا سِترني بالحجاب أرجع تاني للأرف ده. سامحني يارب، غصباً عني."
ثم خرجت ليستقبلها متولي بنظرات الإعجاب وأطلق صفيراً قائلاً:
"واو ده احنا احلوينا وادورنا عن الأول كمان أكتر وأكتر. يلا يا حبيبتي، متعّي نظرك جمهورك بيكِ وبرقصك."
طالعته دلال بسخط ثم خرجت المسرح فتعالت أصوات الهتافات من كل الجنسيات الموجودة عرب وأجانب. لتبدأ دلال في أداء رقصتها وهي تحبس دموعها حتى لا يوبخها متولي الذي كان يقف لها بالمرصاد وصورها عدة صور في أوضاع مختلفة. ثم قام بعد ذلك بالصعود للمسرح وحاوطها بذراعه رغم محاولتها في الابتعاد عنه، ولكنه أجبرها حتى يقوم بالتقاط صورة لهم معاً.
أتصل الشيطان شفيق على أحمد فتعجب أحمد من اتصاله ولكنه استجاب له قائلاً:
"السلام عليكم."
شفيق بصوت مصطنع حزين:
"وعليكم السلام يا أخويا. أنا عارف إنك مستغرب من اتصالي بس أنا تعبان يا أحمد وقاعد عند أمي بعد ما أسماء سبتني وراحت عند أمها. وكنت محتاج أشوفك وأستسمحك تسامحني عشان حاسس إن أجلي قرب ومش عايز أموت وأنا ظلمك يا أخويا."
فتناسى أحمد كل فعل شفيق معه ولم يتذكر في تلك اللحظة إلا أنه أخيه ويحتاجه، فدمعت عينيه وقال بصوت رخيم حزين:
"متقولش كده يا أخويا ربنا يبارك في عمرك وأنا جيلك حالا أطمن عليك."
ثم أغلق معه الخط وتوجه إليه بقلب مرتجف يخشى أن يحدث له شيء دون أن يراه. أما شفيق فانعدمت الرحمة من قلبه وأخذ يضحك باستمتاع قائلاً:
"لا طيب يا أحمد وبينضحك عليك بس تستاهل اللي حصلك عشان عينيك متعلاش بعد كده على الأحسن منك."
ثم توجه نحو غرفة أمه ورأى سارة تنحني لتطعم والدته، فلمعت عينيه بالرغبة وهمس:
"لا البت دي جامدة ودخلت دماغي ومش هسيبها الليلة دي تبرد قلبي المشتاق."
ثم حمحم لتعتدل سارة فتحركت إلى ركن الغرفة بحرج. فولج شفيق وحدقها بإعجاب، فأخفضت بصرها. فأشار إليها:
"بقولك إيه يا آنسة سارة. محتاج أغير على الجرح كمان ساعة كده، ممكن تساعديني."
أومأت سارة برأسها:
"آه طبعاً تحت أمرك."
شفيق:
"تشكري يا ست البنات. ويا ريت تعملي لي فنجان قهوة من إيدك الحلوة."
سارة:
"حاضر ثواني ويكون عندك."
لتتركه مع والدته التي كانت تطالعه بحب، فأقبل إليها وقبل يدها وابتسم قائلاً بمكر:
"عارفة مين جاي دلوقتي يا ياما."
فحركت زينب رأسها باستفهام.
شفيق: "أحمد ابن غريمتك."
فجعدت زينب وجهها بغضب.
شفيق: "لا متكشريش كده ياما، ده أنتِ دلوقتي هتنبسطي أوي ويمكن تقومي تمشي كمان من فرحتك فيه. لما تشوفيه مقهور وحزين ومكسور."
فانفرجت ملامح زينب وكأنها كانت تنظر تلك اللحظة.
شفيق: "آه ما أنتِ متعرفيش إن الباشا اللي عامل نفسه ملتزم وشيخ كان متجوز بت راقصة، تصوري على الخيبة أشجان. بس المعلم بتاعها خطفها منها وهيبعت له لما ييجي عندي صورها وهي بترقص وصورها معاه. ياااه على فرحتي لما أشوف وشه وهو مقهور أول ما يشوف الصور دي. مش عارف حاسس إني هيجرالي حاجة من كتر فرحتي فيه."
فابتسمت زينب بفرحة. ثم غمزها شفيق:
"وكمان ياما أنا داخل دماغي البت سارة دي أوي، فهخليها تقضي لك كل حاجة دلوقتي عشان قلبي محتاجها أوي ياما وهخليها معايا شوية.
فارتسم على وجه زينب تلك العجوز الشمطاء ابتسامة مكر ورضا عن أفعال ابنها الذي يشبهها في الشر تماماً. لتنقضي دقائق معدودة ويصل أحمد إلى بيت والده لمقابلة شفيق، وعندما ولج للداخل تذكر طفولته التعيسة معهم، فاغمض عينيه متألماً، ولكنه ابتسم عندما تذكر والده الراحل ودعا له بالرحمة، فهو لم يبخل عليه بشيء وأعطاه من الحب والمال ما يحتاجه.
سمع أحمد صوت شفيق منادياً عليه عندما علم بقدومه من سارة:
"تعال يا أحمد تعال يا أخويا."
فولج أحمد له وعندما رآه على التخت وقد ظهر عليه التعب خفق قلبه واقترب منه وقبل جبهته قائلاً:
"ألف سلامة عليك يا شفيق. حصلك إيه وعامل إيه دلوقتي؟ ولو تحب أنقلك أفضل وأحسن مستشفى في مصر. أو حتى أسفرك بره المهم ربنا يعافيك."
فكتم شفيق غيظه وهمس لذاته:
"تسفرني بره، للدرجاتي الدنيا فتحت لك بابها من وسع، روح يا شيخ ربنا يقفلها في وشك تاني. ويلا يا متولي ابعت الرسالة عشان مش طايق أبص في وشه أكتر من كده ولا أتحمل كلامه."
ثم ابتسم ابتسامة صفراء وجاهد بصوت منخفض:
"ربنا يخليك يا أخويا ده عشمي فيك. ادعي لي بس ربنا يشفيني."
أحمد مبتهلاً لله:
"يارب اشفيه وعافيه وبارك في عمرك واديله على قد نيته."
فانفعل شفيق وهمس:
"لا الأخيرة دي بلاش."
شفيق:
"اقعد يا أحمد واقف ليه، ارتاح وقولي أحوالك إيه ومبسوط مع أشجان ولا عشان أنا عارفها بوز نكد، ولو إني حاسس إنك مش مبسوط وعشان كده يا أخويا طلقها أحسن، ولا أقولك اتجوز عليها وحدة مفرفشة كده تبسطك وتعيش شبابك."
فغضب أحمد من أجل أشجان لأنها على اسمه حتى لو كان لا يكن لها أي مشاعر خاصة، فقال بإنفعال:
"شفيق لو سمحت إلزم حدودك ومتنساش إن اللي بتكلم عليها دي مراتي. ومسمحش لحد أبدا يجيب اسمها بأي كلمة. وبالعكس أشجان إنسانة محترمة وزوجة صالحة."
تلون وجه شفيق بحمرة الغيظ بعد دفاع أحمد عن أشجان الذي يعلم جيدا إنها بالفعل كانت زوجة صالحة ولكنه خسرها بسبب أفعاله الدنيئة. فهمس:
"يلا يا عم متولي ابعت الرسالة عشان خلاص مش قادر وعايز أقوم أفرمه اللي شايف نفسه ده. ونفسي أشوفه مذلول قدامي."
وبالفعل في تلك اللحظة ترك متولي دلال وابتعد قليلاً، ليرسل تلك الصور إلى أحمد مع رسالة مفادها:
"أنا دلال يا أحمد، عايزة أقولك إني مليت من عيشة الدروشة اللي كنت معيشنى فيها دي، وخنقني الحجاب ومقدرتش أكمل صراحة وحنيت للشهرة والمجد ورجعت لشغلي. والناس اللي شبهي وأنت خليك مع الناس اللي شبهك وحلال عليك بنت عمك. بس عايزك تطلقني عشان مش عايزة أكون مرتبطة بيك وأعيش حياتي بحرية. فياريت تطلقني عشان اكتشفت إني كنت موهومة بحبك لكن خلاص فوقت واكتشفت إنه مكنش حب حقيقي. سلام يا مولانا."
وصلت الرسالة لأحمد فجحظت عيناه من الصدمة التي لم يتوقع أبداً أن تصدر تلك الكلمات من دلال التي يسري عشقها في دمه ورأى منها حب يفوق حبه لها. فكيف يصدر منها ذلك، أحقاً كانت بارعة في التمثيل لتلك الدرجة التي صدقها عقله وقلبه فعلاً. ومع كل كلمة كان يقرأها أحمد كان يزداد وجهه قتامة وكان أشبه ببركان على وشك الانفجار في أي لحظة. وشفيق يطالعه بفرحة تطل من عينيه بسعادة وود أن أقام حفلاً ورقص به على روحه التي ماتت في تلك اللحظة.
شعر أحمد بجسده يتهاوى وكاد أن يسقط أرضاً ولكنه استند على الجدار والغريب أنه رأى نظرة فرحة في عين شفيق لم يدرك معناها، لذا حاول بقدر الإمكان أن يخفي صدمته وألمه وألا يضعف أمامه. فاستطرد بألم يأكل قلبه وجوفه:
"الحمد لله إني اطمنت عليك يا شفيق وبعد إذنك هضطر أستأذن عشان عندي شغل ولو احتجت أي حاجة كلمني هتلاقيني عندك. يلا السلام عليكم."
ثم التفت وغادر قبل أن يسمع رد شفيق الذي كان على وشك أن يسأله عن ما شاهده على هاتفه ليتغير وجهه بتلك الصورة ليشمت به، ولكنه لم يتيح له الفرصة. لذا صاح بقوله غاضباً:
"إزاي يمشي قبل ما أكمل عليه يمكن كان مات بحسرته وارتحت. بس ماشي فلت بجلده مني المرة دي لكن أنا برده هفضل وراك يا أحمد ومش هسيبك أبدا. وأشجان اللي فرحان بيها دي هتصل بيها وأقولها إنك متجوز عليها عشان تنكد عليك هي كمان ومتبقاش يعيني عارف تلاقيها منين ولا منين. ده غير أشجان هتقول لعمي وعمي يتوصى بيك يا مولانا."
ليهاتف شفيق أشجان.
رواية دلال و الشيخ الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء سعيد
اندلعت النيران في قلب سارة بعد أن قضى شفيق على طهارتها دون ندم. لذا قررت أن تحرقه كما أحرق قلبها، وهي معهم لأن الموت في حالتها رحمة في مجتمع لا يرحم المغتصبة وينظر لها كوصمة عار، مع أنها هي المجني عليها.
فخرجت مسرعة إلى المطبخ وأحضرت الجاز وأخذت تسكبه في كل أنحاء الشقة. وعندما رأتها زينب واشتمت رائحة الجاز، أخذت تنتفض وتطالعها بذهول ولسان حالها يسأل: أنتِ هتعملي إيه؟
سارة بضحك هستيري: اتشهدى على نفسك يا أم السافل الواطي، هحرقه زي ما حرق قلبي وأنتِ كمان عشان معرفتيش تربي. وأنا كمان معاكم عشان مش هقدر أعيش بعد اللي حصل وربنا يسامحني.
فأخذت تحرك زينب رأسها بهيسترية وذعر، وودت لو تصرخ ولكن صوتها لا يتعدى جوفها.
لتشعل سارة عود الثقاب وتلقيه في الأرض ليتفاعل مع الجاز، لتندلع النيران في كل الشقة.
ليخرج صوت زينب في تلك اللحظة من فرط الألم: ناااار! إلحقوني، يا شفيق، هنمووووت، نار!
أما شفيق فقد كان نائماً قبل أن تصله النيران ليستيقظ من لهيب النار، لتخرج عيناه من مقلتيه من الصدمة. ثم حاول الفرار ولكنه وجد النار تحيط به من كل مكان. فأخذ يصرخ: لا مش عايز أموت، أنا لسه مستمتعتش بحياتي. مش عايز أموت.
حتى سكن صوته عندما أكلت النار جسده جزاءً لما فعل هو ووالدته. وهذه نار الدنيا ونار الآخرة أشد وطأة.
بدأت ألسنة النيران تخرج من النوافذ مما أثار الفزع في قلوب المارة، فتعالت أصواتهم. فتنبه شاهين الذي كان يتابع عمله في المحل ولا يدري شيئاً، إلا عندما سمع أصوات الناس. وعندما رأى ألسنة النار تخرج من شقة والدته، فزع وصرخ: أمي، شفيق!
ثم أسرع نحو الشقة ومعه بعض الرجال. ولكن للأسف عندما فتح باب الشقة وجد النار في كل مكان. وعندما حاول أن يدخل، أمسك به أحد الرجال قائلاً: مينفعش تدخل، أنت كده بتهلك نفسك يا معلم شاهين. وأظن كده خلاص، اطلب لهم الرحمة.
فصرخ شاهين: لا، يستحيل أسيب أمي، سابوني!
فنزلت أنهار على صوت الصراخ. وعندما رأت شاهين يحاول الدخول رغم تحذيره، فصرخت وأمسكت بيده: أبوس إيدك يا شاهين، إحنا ملناش غيرك، ولو حصلتلك حاجة هموت. بلاش يا حبيبي عشان خاطري واطلب بسرعة المطافي، ولو ليهم عمر ربنا هينجيهم. قول يارب بس.
فبكى شاهين: يااارب يارب.
ليأتي فريق إطفاء الحرائق وتتجمع أهل المنطقة. ومن بينهم شهيرة التي جاءت على الفور مع سفيان عند سماعها الخبر. وقد سبقتها أسماء التي قفزت من الفرحة عند علمها بالأمر، وأخذت تنتظر بلهفة خروجهم متفحمين كما أماتوا قلبها من قبل.
وهكذا حتى انطفأت الحريق وأسرعوا جميعاً للداخل ليتفاجأوا بأفظع مشهد، حيث وجدوا جثة شفيق وزينب متفحمة. أما سارة فكانت مازالت في رمقها الأخير، وقالت بأنين: حرقتهم زي ما حرقوا قلبي وضيعوا شرفي. ولسه هشتكيهم لربنا. وبلغوا أمي تسامحني وادعولي ربنا يسامحني. ثم فاضت روحها إلى الله.
فبكت عليها أسماء وهمست: قولتلك خلي بالك من نفسك، واهو حصلك نفس اللي وقعت فيه. بس أنتِ طلعتيلي أجدع مني وخدتي حقك، واهو كمان ارتحتي من الدنيا كلها. ربنا يسامحك ويعوض شبابك في الجنة.
جلست دلال في أحد أركان الغرفة تبكي بهيسترية بعدما علمت من متولى أن أحمد طلقها. فاسودت الدنيا في عينيها ودخلت في دوامة حزن لا تنتهي. وأدركت أن لا حياة بعد أحمد، فقد كان هو لها حياة وتعيش من أجله. والآن بعدما فقدته، لا شيء يستحق أن تعافر من أجله لتعيش.
لذا قررت أن تنهي حياتها بنفسها. ولكن عليها أن تنهي حياة هذا البائس قبلها لتخلص الدنيا بأسرها من شره. ولكي تقتله بسهولة دون مقاومة منه، يجب أن تقوم بخداعه أولاً، ولتفعل ما يريد.
لذا قامت لترتدي بدلة رقص أخرى تناسب فقرتها الثانية، وخرجت بابتسامة صفراء على وجهها رغم الحطام الذي يعصف بها من الخارج.
تعجب متولى من ابتسامتها رغم بكائها وهمس: إيه الصدمة جابت نتيجة زي ما كنت عايز وهتفوق لنفسها وتنسى عم الشيخ ده، ياريت بركة يا جامع. وشكلي هقضي الليلة إنما إيه، ولا ألف ليلة وليلة.
لتبدأ دلال رقصتها بالفعل، وكان متولى ينظر لها بإعجاب وقلبه يتلهف على لقائهم الأول.
ليجد من يضع يده على كتفه، فالتفت فوجده أحد رجال المنياوي.
حسام: الباشا عايزك في كلمتين يا متولى.
أومأ متولى برأسه وهمس: عيوني للباشا. ثم سار نحوه ورحب به: أهلاً أهلاً، نورت مكانك يا باشا. ثم غمزه واستطرد: وايه رأيك في دلال، مش إحلوت عن الأول؟
فطالعه المنياوي بنظرة حزينة قائلاً: بقولك إيه يا متولى، البت دي تخصني. يعني آه قبلت تجيبها وده غصب عني عشان الصور والفيديوهات اللي حضرتك هددتني بيهم، وأنا لولا مركزي الحساس مكنتش وفقت. لكن إنك تعمل فيها زي ما كنت عايز زمان ولا تبيعها تاني، لا يا متولى. ومتنساش إني ممكن أقفلك المكان ده بمكالمة مني.
جف حلق متولى من تهديده الصريح له وابتلع ريقه قائلاً: إيه يا باشا، هي البت دي عملالك عمل ولا إيه، عشان تبيع حبيبك متولى عشانها؟ ما في منها كتير.
المنياوي: آه، لكن مفيش غير دلال واحدة بس.
ثم عاد بذاكراته للوراء قليلاً عندما حدثه متولى عبر الهاتف: حبيبي الباشا الكبير عايز منك خدمة.
المنياوي: عايز إيه تاني يا متولى؟ مش دخلت البلد وعملت شغل وعايش زي الفل، إيه تاني؟
متولى: عايز دلال يا باشا، عشان الحال نايم وهي الوحيدة اللي هتقدر تشغله بجمالها ودلالها.
المنياوي: وأنا أجبهالك منين يا متولى؟ أنا معرفش حاجة عنها من فترة كبيرة.
متولى: أنا عارف يا باشا، بس المطلوب منك تسهل دخولها البلد في طيارة شحن.
المنياوي بصدمة: شحن؟ يعني مش بمزاجها؟ مفيش فايدة فيك يا متولى. ما عندك بنات كتير، اشمعنى دلال؟ البت غلبانة وسبها في حالها.
متولى: أنا مش عايز غيرها، ولا عندك مانع يا باشا.
المنياوي بإنفعال: أنت بتهددني يا متولى.
متولى: العفو يا باشا، أنا بس بترجاك.
المنياوي: ماشي، بس تبعتلي كل الصور والفيديوهات اللي عندك ليه، ولو اتأكدت إنك محتفظ بنسخة، هيكون آخر يوم في عمرك. أنت فاهم؟
متولى: فاهم يا باشا، أنا من بعد دلال خلاص مليش طلبات تانية.
نعود للواقع.
قامت دلال بأداء رقصتها ولكن تلك المرة دون وعي، وكل ما تراه أمامها هو أحمد ولا أحد غيره. فأخذت تهمس باسمه حتى اسودت الدنيا في عينيها وسقطت فجأة مغشياً عليها.
فوقف المنياوي وردد اسمها بقلق: دلال.
ثم أشار إلى متولى بأمر: أنت واقف عندك بتعمل إيه؟ أجرى شوف البنت كلها وشلها ودخلها أوضتها، وأنا هتصل بدكتور حالا يجي يشوف فيها إيه.
فنفذ متولى ما أمره به وهمس لذاته: ربنا يستر، تكون البت ماتت وكده يبقى ولا طولت عنب الشام ولا بلح اليمن، وكل أحلامك ضاعت يا متولى.
ثم جاء الطبيب مع المنياوي، واستطاع أن يعيد وعيها. وبالفحص ابتسم الطبيب قائلاً: المدام حامل، مبروك.
كادت مقلتا دلال أن تخرج من عينيها من فرحتها بالخبر وهمست: أنا حامل، أنا حامل من مولانا الشيخ أحمد. معقول فيه حتة منك في بطني يا أحمد.
ثم استطرد الطبيب: بس هي ضعيفة شوية وشكلها مش بتاكل كويس، وده غلط عليها وعلى الجنين. فهكتب لها شوية مقويات، بس الأهم إنها تتغذى كويس.
فنظر المنياوي إلى متولى بذهول وهمس: حااامل؟ إزاي يا متولى؟
فحمحم متولى بحرج: علمي علمك يا باشا، معرفش، يمكن كانت مقضياها. ما أنت عارف كانت كل شوية مع زبون.
فصرخت دلال: أنا أشرف منك يا جبان.
ثم أشارت إلى المنياوي: أنت موجود صح قدامي يا باشا ولا أنا باتخيل؟
اقترب منها المنياوي وقال بحنو: لا أنا قدامك يا بنتي، عاملة إيه دلوقتي؟
فبكت دلال بهيسترية وقالت: اوعى تصدق اللي قالت يا باشا، أنت عرفني شريفة والحمل ده من جواز على سنة الله ورسوله. ثم حاولت أن تقبل يده وترجته بقولها: انجدني منه يا باشا، ده عايز يجوزني وهو عارف إني محرمة عليه، يرضيك كده؟
فنظر المنياوي إلى متولى وقال بغضب جحيمي: الكلام اللي بتقوله دلال ده صحيح يا متولى؟
فأومأ متولى برأسه: آه، وسيبك يا باشا من موضوع الحلال والحرام ده عشان إحنا دفنينه سوا. أنا بحبها وهتجوزها وهتجبلي الولد اللي نفسي فيه. واللي هتجيبه كمان ده هاخده وأكتبه على اسمي، يبقى زيادة الخير خيرين.
المنياوي بإنفعال: أنت شكلك اتجننت يا متولى. ويستحيل يحصل اللي بتفكر فيه ده، وأنا هاخد دلال عندي وعايزك تنساها خالص، وعندك أنت البنات اللي شبهك كتير.
فنطق متولى بصدمة: تاخد مين؟ لا أنت اللي شكلك مش وعي يا باشا ونسيت إنك اللي وفقت أجيبها هنا.
فتلوم وجه دلال من الصدمة وقالت بقهر: أنت اللي جبتني هنا يا باشا، جبتني لجحيم متولى بعد ما كنت عايشة في الجنة مع جوزي. لتبكي بإنهيار مرددة: ليه حرام عليك، حرام.
شعر المنياوي بالندم وجلس بجانبها قائلاً: سامحيني والله يا بنتي، أنا معرفش إنك كنتي متجوزة والندل ده هدني بصور وفيديوهات مع بنات، ولو الحاجات دي انتشرت كانت هضيع تاريخي واترفد وأنا قربت خلاص على سن المعاش. لكن أنا نبهت عليه ميأذكيش وهقف له بالمرصاد صدقيني. ومستعد دلوقتي أرجعك لجوزك.
فبكت دلال: بعد إيه، ما خلاص كل حاجة حلوة راحت وهو طلقني بسبب متولى. منك لله يا متولى، ربنا يعذبك في الدنيا والآخرة.
المنياوي: لو عايزني أكلمه وأصلح ما بينكم أكلمه.
فأغمضت دلال عينيها بألم وقالت: معدتش ينفع لأنه أكيد اتجرح وانكسر بسببى، وخايفة أرجع أعيش معاه تفضل في عينيه نظرة الكسرة دي بعد ما كانت نظراته كلها حب، وأكيد الشك هيكون ملا قلبه من ناحيتي. وعشان كده البعد أحسن، وخليه هو يعيش حياته مع بنت عمه وأنا خليني في حزني اللي انكتب عليا، وعشان بس ابني اللي جاي في الطريق لازم أعيش.
تأثر المنياوي لحزنها، فهو يشعر معها بعاطفة الأبوة التي حرم منها، لذا قرر أن يساعدها مهما كلفه الأمر.
المنياوي: متشليش هم يا بنتي وأنا هاخدك تعيشي معايا لغاية ما تقومي بالسلامة، وبعديها إن شاء الله هشوف لكِ شغل مش عشان الفلوس لأني الحمد لله مستعد أصرف عليكم لوجه الله، لكن عشان تشغلي بالك وتنسي اللي فات وتبدأي حياة جديدة.
بكت دلال واستطردت: أنسى أحمد، حد ينسى قلبه. أنا هعيش العمر كله على اللحظات الحلوة اللي عشتها معاه، ودي كفاية.
وهنا صاح متولى بإنفعال: خلصتوا التمثيلية الحزينة دي ولا لسه؟ ثم أشار إلى المنياوي وقال بحدة: تاخد مين يا باشا؟ هي وكالة من غير بواب ولا إيه؟ دلال مش هتطلع من هنا وابنها هيكون ابني.
فأخرج المنياوي حمم بركانية من عينيه من شأنها تحرق الأخضر واليابس، وقال بصوت جحيمي: أنت بتعارضني يا متولى؟
متولى: معلش يا باشا سامحني المرة دي، عشان دلال تخصني لا مؤاخذة.
المنياوي: وأنا قولتلك انساها، قومي معايا يا دلال.
متولى: متخلينيش أستخدم أسلوب مش يعجبك يا باشا.
المنياوي: هتعمل إيه يا متولى، وأنت عارف بإشارة مني، المكان ده يتقفل ويتشمع بالشمع الأحمر.
فضحك متولى وقال يتهكم: مش لو لحقت تشاور. ليقول لواحد من رجاله ويأمره: عايزك تضايق الباشا في البدروم كده يومين تلاتة لغاية ما يعرف مين هو متولى.
حسام: أمرك يا متولى بيه. ليحاول الانقضاض على المنياوي، ولكن المنياوي ضغط بسرعة على زر هاتفه، ففهم رجال المنياوي بالخارج ما يقصد، فقد كانت رنة معناها أنه محاصر، لأنه كان يتوقع الغدر من متولى في أي لحظة.
ليتفاجأ متولى بهجوم رجال المنياوي، ليصرخ متولى في رجاله ليأتوا جميعاً.
فارتجفت دلال فأمرها المنياوي أن تنزل حالاً تحت التخت حتى لا يصيبها مكروه. لتبدأ معركة طاحنة بين رجال متولى والمنياوي. وعندما رأى متولى أن الغلبة قد تكون لرجال متولى، فقرر الهروب من بينهم.
وبالفعل كانت الغلبة لرجال المنياوي، وأخذ المنياوي دلال إلى منزله. وأشار لها إلى أحد الغرف: دي هتكون أوضتك يا بنتي. وعايزك تاخدي راحتك ومتخافيش من حاجة خالص، أظن أنتِ عارفة ظروفي فمتخافيش مني، وصدقيني أنا فعلاً حاسس إنك بنتي اللي مخلفاتهاش، واللي في بطنك ده أنا منتظره بفارغ الصبر عشان عايز أعيش مشاعر أبوة اللي أنا اتحرمت منها.
فلمعت عينا دلال بالدموع وقالت بامتنان: أنت صراحة مش عارفة أرد على المعروف اللي عملته معايا ده إزاي يا باشا. بس هفضل مديونالك طول عمري بيه.
المنياوي: ولا دين ولا حاجة، يلا ادخلي استريحي شوية وأنا هأمر الطباخ يعملك أكلة حلوة تفتح نفسك، وبكرة إن شاء الله هاخدك لدكتورة أعرفها تتابع معاكي الحمل عشان تطمني.
ابتسمت دلال وحمدت الله أنه وضع في طريقها ذلك الرجل الطيب.
كان أحمد يسير في الطرقات لا يعرف إلى أين وكأنه تائه، حتى رن هاتفه من شهيرة، ففتح فسمع بكاءها ففزع قائلاً: مالك يا حبيبتي في إيه؟
شهيرة بنحيب: أمي وشفيق البيت ولع بيهم يا أحمد.
أحمد بصدمة: إيه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. لتد مع عيناه حزناً على أخيه رغم ما فعله به. واسترجع: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. أنا جي حالا.
ليصل إليهم في أسرع وقت، فاحتضنه شاهين بحب وبكى قائلاً: شفيق وأمي ماتوا يا أحمد.
أحمد بحزن: وحدة الله يا شاهين، كلنا في ذمة الله. وادعي ربنا يسامحهم.
فابتعد شاهين وطالعه بحرج ثم ترجاه: أنا عارف إنهم أذوك كتير يا أخويا، بس عشان خاطر ربنا تسامحهم، دول خلاص بين إيدين الله. أنا عارف إن قلبك كبير وبيسامح.
فأخرج أحمد تنهيدة مؤلمة، فكيف يسامح من حرمته من والدته عمر أكمله وكان في أشد الاحتياج إليها، وكيف يسامح شفيق خصوصاً بعد نظرة الفرح في عينيه عندما أخبرته دلال إنها هجرته، وكأنه كان يعلم ما حدث. ولكن اضطر أن يسامح من أجل نظرة الحزن في عيون أخيه واستعطافه له، فابتسم بمرارة قائلاً: سامحتهم لله يا شاهين.
فاحتضنه شاهين وهمس: ده عشقي فيك يا أخويا. روح ربنا يعطيك ما يحرمك.
أغمض أحمد عينيه متألماً عند تذكره دلال وهمس: كان نفسي تكون معايا العمر كله، لكن قدر الله وما شاء فعل.
ثم نظر إلى أطفال أشجان الذين يبكون على والدهم رغم أنه لم يكن أب بمعنى الكلمة وحرمهم من عطفه وحنانه، ولكنهم مازالوا أطفال قلوبهم نقية لا يعلمون الكره.
فأقترب منهم وقال بحنو: آسر حبيبي وأيسل حبيبة عمو. فالتفت الاثنان له وألقوا بأنفسهم عليه، فضمهم بحب وهمس: مش عايز أشوفكم بتبكوا تاني واعتبروني أنا بابا، وفي نفس الوقت متنسوش بابا شفيق ودايماً وأنتم بتصلوا ادعوا له ربنا يرحمه.
فطالعته أشجان بحب، وعلمت أنها لم تخطئ أنها وافقت على الزواج منه رغم أنها زيجة صورية لا أكثر وهو لا يحبها، ولكن يكفيها أن يكون أب رحيم لأولادها.
وبينما هي تطالعه شعرت فجأة بدوار، فأمسكت برأسها ثم سقطت فجأة أمامهم. فذعر أحمد وأسرع إليها وبكت أيسل وآسر مرددين: ماما مالك يا ماما؟ قومي لا تموتي زي بابا، ماما.
سفيان: لا متخافوش يا حبايبى، هي بس تلاقيها مأكلتش كويس.
فأشار سفيان إلى أحمد أن يأتي بطبيب على وجه السرعة، ثم حملها شاهين إلى شقتها. وعندما جاء الطبيب وبالفحص ابتسم قائلاً: مبروك، المدام حامل.
ففتح أحمد عينيه على آخرهما وقال بصدمة: حامل؟
وعندما نظرت إليه أشجان ورأت الصدمة على وجهه، حزنت وتألمت وعاتبته بعينيها وكأنها تقول: غصب عني مش بإيدي.
ليتذكر أحمد في تلك اللحظة ذلك الحلم الذي راوده كثيراً قبل أن يتزوجها وكان يتعجب منه. وفي تلك اللحظة ابتسم لأنه قدر الله وكل قدر الله خير، وإن كان ليس على هواه، وهذا رزقه. وإن كان يتمناه أن يكون من حبيبة القلب التي ظن أنها غدرت به.
مرت عدة أشهر ساءت فيها حالة تقى ولازمت الفراش، وأصبحت الكلمات ثقيلة على لسانها سوى اسم تميم الذي تنطقه بحب. ومع كل يوم يمر يراها تميم في تلك الحالة بتمزق قلبه، ويخشى من يوم الفراق الذي لن يتحمله. لذا ترك عمله وجلس بجانبها لا يفارقها، وأصر أن يقضي هو كل احتياجاتها في الفراش من طعام وقضاء حاجة وتنظيف، رغم اعتراض والدتها.
والدة تقى: يا ابني روح أنت اسعى على رزقك، حرام تقفل الورشة كل ده، الزباين كده هتطير منك. وأنا أهو قاعدة جنبها هعملها كل اللي هى عايزه.
فرفض تميم خوفاً من أن لا يكون معها في لحظتها الأخيرة.
تميم: معلش يا أمي أنا مرتاح كده ومتقلقيش الرزق بتاع ربنا، وحضرتك ادخلي ريحي جسمك شوية، أنا عارف إنك تعبانة وأنا أهو جنبها مقدرش أسيبها في الحالة دي ولو لحظة واحدة.
فبكت والدة تقى ودعت له: ربنا يجازيك كل خير يا ابني، مش عارفة من غيرك كنا عملنا إيه.
أخرج تميم زفيراً حاراً محملاً بالهموم واستطرد: أنا اللي من غير تقى مش عارف أعمل إيه. أنا بصلي وادعي ربنا يشفيها ويخفف عنها لأني بتألم أكتر منها لما بشوفها كده ومش قادر أعمل حاجة. وكان نفسي أوديها عمرة زي ما كانت عايزة، لكن الدكتور قال حالتها الصحية متسمحش.
والدة تقى: مفيش في إيدينا غير الدعاء يا ابني ورحمة ربنا فوق كل شيء.
ليسمع تميم همس تقى باسمه: تميم.
فأسرع إليها وانحنى ليقترب من وجهها وقال بحنو: عيون تميم، محتاجة حاجة يا حبيبتي.
تقى: هو أنا صليت العصر؟
لمعت عينا تميم بالدموع على تلك النقية الطاهرة التي تحرص وهي في أصعب حالاتها على أداء الصلاة، وهي على فراش الموت برموش عينيها، فلا عذر لتارك الصلاة.
تميم: آه يا حبيبتي صليتيه من بدري، قوللي حاسة بألم ولا أحسن شوية.
فابتسمت تقى: لا أنا كويسة خالص، حتى نفسي مفتوحة للأكل.
فأسرعت أم تقى بقولها: عيوني يا بنتي ياه أخيراً ها تاكلي، هروح بسرعة أسخنلك الأكل وأجيبه. ثم ذهبت مسرعة نحو المطبخ لإعداد الطعام لها.
طالعت تقى تميم بنظرة مطولة هادئة وكأنها تحفظ ملامحه، فتعجب تميم وسألها: أنتِ متأكدة إنك كويسة يا تقى؟
تقى: آه بس حاسة إني سقعانة شوية، ممكن تحضني يا تميم.
ابتسم تميم: بس كده عيوني يا حبيبتي.
فضمها تميم إلى صدره حتى سمعها تهمس بخفوت: هتوحشني يا تميم. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.
ثم شعر بثقل رأسها على كتفه. فاجتاح في جسده برودة لم يعهدها من قبل، وأزرق وجهه من الصدمة وهو يبعدها عنه ببطء فسقطت منه على التخت. فصرخ صرخة مدوية: لاااااا تقى متسبينيش. متسبينيش حبيبك تميم، فوقي يا تقى أرجوكِ.
وفي تلك اللحظة كانت والدتها على باب الغرفة تحمل صينية الطعام، وعندما سمعت صراخه سقطت منها على الأرض وولجت للداخل صارخة: تقى بنتي، يا حبيبتي يا بنتي. يا عيني على شبابك، روحتِ خلاص وسبتيني بدري. تقى تقى.
ليتجمع الجيران على صوت صراخ والدتها ويصل الخبر إلى سليمان، فاسترجع: لا حول ولا قوة إلا بالله. إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم اتصل على سفيان ليكون بجانبه.
أما أسماء عندما علمت بالخبر لم تصدق، وولجت إلى غرفتها ودفنت وجهها على الوسادة وأخذت تبكي بهيسترية: يا عيني عليك يا تميم، كل شوية بتاخد صدمة أصعب من التانية. ربنا يصبرك يا تقى ويعوض شبابك في الجنة.
مضت الأيام سريعاً وأوشكت أن تضع مولودها أسماء، حيث ولج لها سفيان وقبلها على جبينها وابتسم قائلاً: عاملة إيه يا أم عتريس؟ ها نويتي تسمي المولود إيه؟ يارب يكون اسم حلو مش زي شهيرة عايزة تسمي البنت اسم عامل زي الدوا كده، آه سيلينا.
فضحكت أسماء: لا والله اسم حلو وأنا حاجزاه من دلوقتي لابني تميم إن شاء الله.
برقت عينا سفيان وقال متعجباً: تميم؟ بس يعني يا أسماء، هو اسم حلو وكل حاجة، بس خايف يعني الناس تقول إنك سمتيه على اسم ابن عمتك عشان فيه حاجة بينكم.
لمعت عينا أسماء بالدموع واستطردت: ده أقل حاجة ممكن أعملها عشان أكفر عن ذنبي لتميم يا سفيان، ويا ريت يجي اليوم اللي يسامحني فيه. وسيبك من الناس، كده كده ما لهمش غير الكلام.
أما دلال فقد أوشكت على الوضع أيضاً، وعندما سألها المنياوي: ها يا دولي اخترتي اسم للعروسة الصغيرة اللي جاية في السكة؟
ابتسمت دلال وهي تضع يدها على بطنها ورددت: أيوه هسميها: منايا، عشان جاية من اسمك يا باشا المنياوي، وده أقل حاجة أقدر أقدمها لك عشان كل اللي عملته معايا. ثم همست: منايا أشوفك يا أحمد يا كل قلبي.
تحدث متولى مع أحد رجاله قائلاً: الهانم خلاص قربت تولد، فعايزك أول ما ترجع للبيت تعرفني عشان...
يتبع
رواية دلال و الشيخ الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم شيماء سعيد
هز صراخ أسماء البيت من آلام الوضع فأسرعت إليها والدتها بذعر:
مالك يا حبيبتي؟
تألمت أسماء وقالت بخفوت:
مش قادرة يا ماما، شكلي بولد، ألم فظيع في بطني وضهري.
ابتهال بخوف:
يا حبيبتي يا بنتي هكلم سفيان ينزل حالًا وناخدك المستشفى بسرعة، ويا عيني عليه هييجي الدنيا يتيم الأب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تأففت أسماء من قول والدتها فقالت بتوضيح:
ده من بخته ونصيبه، يلا الحمد لله الميت ما يجوزش عليه غير الرحمة.
آآآآه مش قادرة.
فأسرعت ابتهال بالاتصال على سفيان الذي جاء سريعًا بصحبة شهيرة وعندما خرجوا من المنزل لاحظهم تميم الذي جاء بالقرب منهم لإصلاح سيارة معطلة.
فدق قلبه عندما رأى الألم على وجهها، فذهب إليهم قائلًا:
إيه خير يا مرات خالي مالها أسماء؟
ابتهال:
بتولد يا ابني، ادعي لها ربنا يقومها بالسلامة.
تميم:
ربنا يقومها بالسلامة وأنا جاي معاكم.
ظهر السرور على وجه أسماء رغم آلامها وطالعته بعشق فأخفض تميم بصره سريعًا.
وفي المستشفى ولجت أسماء لغرفة الولادة ومضى وقت ليس بالطويل كان الجميع في الخارج يدعون لها بالتيسير.
وسأل تميم نفسه:
مالك قلقان كده وإيدك بتترعش، أوعى تكون حنيت لااا يا تميم أوعى تقل من نفسك تاني وأوعى تنسى اللي عملته فيك زمان.
لتخرج الممرضة تحمل طفلًا بين يديها، فتهافتوا عليها يسألون عنها.
الممرضة:
زي الفل وجابت ولد زي القمر.
ثم أخذت تنظر في وجوه من حولها حتى اقتربت من تميم وقالت:
أكيد حضرتك والده عن شبهه جدًا.
ففتح تميم عينيه على آخرها بصدمة وردد:
أناااااا.
لتستغل ابتهال تلك الفرصة التي جاءت على طبق من ذهب وقالت:
شيل يا ابني تميم الصغير.
ارتجفت شفتا تميم مرددًا:
تميم الصغير.
ففهم سفيان ما ترمي إليه والدته وابتسم بمكر قائلًا:
أيوه أسماء قالت هتسميه تميم يا سيدي على اسمك عشان يطلع قلبه طيب زيك.
مش عارف مسمتهوش على اسمي ليه ما أنا قلبي طيب برضه.
فابتسمت ابتهال وقالت:
أنت هتقولي.
فتجلت الفرحة في عين تميم وحمل الطفل وضمه إلى صدره ولم يشعر بتلك الدموع التي انهمرت من عينيه تأثرًا من الموقف وكأنه بالفعل ابنه الذي من صلبه.
وبمرور الوقت كان يتعلق به أكثر كلما زاره وخاصة لو ابتسم له الصغير فأغدق عليه بالهدايا.
وكانت والدته تعاتبه قائلة:
وبعدها لك يا تميم مش عاجبني موضوع مجيئك كل شوية عند خالك بحجة العيل الصغير، أنت شكلك حنيت لأسماء تاني صح؟
فصمت تميم فهو لا ينكر أنه ما زال في قلبه حنينًا إليها ولكنه كلما تذكر ما فعلته به غضب وحاول إنكار ما يشعر به.
استطردت عفاف عندما وجدته صامت:
أنت لسه بتحبها يا تميم بس مكابر يا ابني.
تميم بغصة مريرة:
ويفيد بإيه بعد اللي حصل؟
عفاف:
بص يا ابني صراحة أنا لو حسيت إن أسماء لسه زي ما هي بتاعة زمان كنت وقفت قصادك وقولت لك ما تعتبش هناك تاني.
لكن الشهادة لله البنت من ساعة اللي حصل وموت شفيق انكسرت وبقت واحدة تانية خالص وقلبي حاسس أنها لسه بتحبك عشان كده سمت الولد على اسمك.
وعشان كده يا ابني بقولك توكل على الله وربنا يكرمك وتاخد ثواب في تربية ابن يتيم الأب يمكن قادر كريم باللي هتعمله معاه ربنا يعوضك عليك من صلبك، مفيش حاجة بعيد عن ربنا يا ضنايا.
أخذ تميم يردد ما قالته والدته فاستحسنه رغم تلك العقبة التي بينه وبين أسماء لا يعلم متى سيستطيع أن يتخطاها.
فبادرت عفاف بقولها:
أنا بقول يا ابني أعمل زيارة لمرات خالك وأجس نبضهم كده الأول، إيه رأيك؟
طأطأ تميم رأسه وهمس بأسى:
ولو قالت عليه ميكانيكي مشحم تاني..
فاستغفرت عفاف:
أستغفر الله العظيم يا رب، قلت لك يا ابني اتغيرت والله وأنا قلبي حاسس أنها هتفرح أوي وهتصدق كمان.
استسلم تميم:
لما نشوف.
عفاف:
ربنا يقدم اللي فيه الخير يا ضنايا.
أنا هروح لهم دلوقتي عشان ما أعوقش على شمس يا ابني.
تميم:
مش أشجان معاها وهي بقت أحسن دلوقتي، ما ترجعي تعيشي معايا يا أمي أحسن.
ولا خدتي على عيشة الفيلا.
عقدت عفاف حاجبيها وقالت بعتاب:
بقى كده يا تميم، تفتكر أمك بتاعة كده برضه.
فقبل تميم رأسها وقال:
بهزر معاك يا أم تميم، معلش.
عفاف:
يا ابني شمس آه بقت أحسن من الأول كتير وبتفهم وتتكلم كلمات بس برضه ما بقتش طبيعية مئة في المئة، غير كمان أن أشجان مشغولة بعيالها ده غير بطنها اللي قدمها يعني مفهاش حيل.
تميم:
ربنا يقومها بالسلامة هي وشهيرة.
عفاف:
يا رب يا ابني ويكرمك ما يحرمك.
ثم غادرت عفاف واتجهت إلى بيت سليمان فرحبت بها ابتهال وأجلستها ثم ذهبت لإحضار واجب الضيافة ولكنها دلفت إلى حجرة أسماء وابتسمت لها وبشرتها:
سمسمة يا حبيبة أمك تعرفي مين عندنا؟
أسماء:
مين يا ست الكل؟
ابتهال:
عمتك عفاف.
أسماء بفرحة:
بجد دي بقالها كتير أوي ما جتش عندنا، أنا هطلع أسلم عليها.
وعندما تقدمت فأمسكت ابتهال بيدها وقالت بحنو:
استني رايحة فين؟
أسماء:
هسلم على عمتو يا ماما، مش لسه قايلة.
ابتهال:
آه بس كده من غير ما توضبي نفسك وتسرحي شعرك وتحطي قلم كحل عشان عينيك الحلوة تظهر ولا تحمري خدودك.
فضحكت أسماء:
لا هو أنا عروسة ورايحة تقابل عريسها دي عمتو يعني.
ابتهال:
أنا قلبي حاسس إنك هتكوني عروسة قريب يا نن عين أمك، وعمتك جاية عشان كده.
فلمعت عين أسماء بالفرحة وهمست:
تميم.
ابتهال:
ده أكيد يا حبيبتي، وأخيرًا ربنا هيعوضك بإنسان كويس، كان ممكن يكون نصيبك من زمان بس النصيب غلاب يمكن عشان دلوقتي تقدري قيمته أكثر.
أسماء:
عندك حق يا ماما، عرفت متأخر أوي.
ابتهال:
يلا يا حبيبتي اعملي زي ما قلت لك وأنا هاخد تميم أطلعه لعمتك تشوفه وأنت اعملي الشاي وهاتيه.
توردت وجنتا أسماء من الفرحة وتزينت كما أخبرتها والدتها وخرجت تعد الشاي وعندما توجهت إلى عمتها به وجدتها تقبل الصغير تميم قائلة:
بسم الله ما شاء الله ده مش على اسمه وبس ده شبهه كمان سبحان الملك.
ثم داعبت الصغير واستطردت:
إيه رأيك يا تيمو يا صغنن أنت، تميم الكبير يتجوز ماما ويكون هو بابا.
ارتجفت يد أسماء بخجل وهي تقدم الشاي، فأخذته منها ابتهال:
هاتي يا حبيبتي وسلمي على عمتو.
فسلمت عليها وضمتها عفاف بحب ثم همست:
أهلًا بعروستنا الحلوة، ها يا بنتي تقبلي تميم يكون أب لابنك.
تسللت دموع الفرحة إلى عين أسماء وأومأت برأسها ثم أسرعت لغرفتها بخجل.
فضحكت عفاف:
شوفي البنت مكسوفة إزاي.
يبقى الخير عاجله وأجيب تميم الجمعة الجاية بإذن الله ونقرأ الفاتحة ويلبسها شبكتها بالمرة وإن شاء الله في أقرب وقت الدخلة ولا إيه رأيك يا مرات أخويا؟
ابتهال بفرحة:
هو في كلام بعد كلامك يا غالية، ربنا يسعدهم.
عادت عفاف إلى المنزل فوجدت أشجان تتألم.
فذعرت قائلة:
مالك يا بنتي؟
أشجان بألم حاد يفتك بجسدها:
مش عارفة يا عمتو وجع جامد أوي في ضهري ومغص في بطني كأني هولد.
عفاف:
لا تولدي إيه أنت لسه في السابع يا بنتي، اجمدي كده، وادخلي استريحي وأكيد البنت بس بتفرك في بطنك أكيد هتطلع شقية.
ابتسمت أشجان على مضض ولكن سرعان ما صرخت عندما اشتد الألم وفتح كيس الماء وانهمر بين قدميها.
فتوترت عفاف وقالت بخوف:
لا دي شكلها صح ولادة يا أشجان وبنتك هتكون بنت سبعة.
أشجان بألم:
أنا خايفة أوي يا عمتو عليها عشان هتكون ضعيفة ولا بعد الشر يحصل لها حاجة.
عفاف:
لا ما تقلقيش خير إن شاء الله، كتير عيال بيتولدوا على السابع كده ويكونوا زي الفل.
فأخذت تردد أشجان برجاء لله سبحانه وتعالى:
يا رب نجي بنتي دي بنت الغالي، وحتة منه والحاجة الوحيدة اللي ربطت بينا.
مستنياها عشان أضمها وتعوضني عن حضنه اللي اتحرمت منه.
مستنياها عشان أطلع كل الكلام اللي كنت عايزة أقوله له ومش قادرة عشان عارفة إنه مش هيسمعني ولا هيحس بيّ.
عفاف:
أنا هتصل بأحمد يجي بسرعة وناخدك المستشفى وإن شاء الله تقومي بالسلامة.
اتصلت عفاف على أحمد وقالت:
أنت فين يا ابني مراتك بتولد وتعبانة أوي؟
أحمد بصدمة:
بتولد إزاي مش لسه بدري؟
وأنا أصلًا مع شيكو في المستشفى مراته بتولد.
عفاف:
نصيب يا ابني ادعي لها بس عشان خايفة على البنت تكون سليمة وتعيش.
أحمد:
ربنا يسترها، أنا جاي حالًا.
شيكو:
إيه مالك يا ابني، متوتر كده هو أنا ناقص مش كفاية الست هانم اللي جوه اللي سمعت بها المستشفى وهي بتصرخ وهما بيولدوها وتقول: منك لله يا شيكو أنت السبب أنا ما كنتش عايزة أتجوز.
وأنا مش هجيب عيال تاني لو عايز تاني هو اللي يولد.
فضحك أحمد:
معلش ربنا يقومها بالسلامة وأشجان هي كمان بتولد شكلهم متفقين علينا النهاردة يا صاحبي.
وابنك وبنتي هيكونوا زي التوأم.
فضحك شيكو:
خلاص أول ما تقوم بالسلامة نقرأ فاتحتهم على بعض وما تقلقش البامبرز على العريس.
أحمد بضحك:
يا عم احنا فيه إيه ولا في إيه.
سيبني أروح ألحق أشجان.
فغادر أحمد سريعًا ليحضرها إلى تلك المستشفى وأدخلوها سريعًا إلى غرفة الولادة.
لتخرج الممرضة بالطفلة فأسرع إليها أحمد وابتهال.
الممرضة:
البنت حجمها صغيرة فخلوا بالكم عشان عايزة معاملة خاصة عقبال ما جسمها يكبر شوية.
ابتهال مشيرة إلى أحمد:
هتسميها إيه يا أحمد؟
ابتسم أحمد وقال:
حور أحمد الجمال زي ما جالي في المنام.
ابتهال:
ربنا يبارك فيها وينبتها نباتًا حسنًا.
أحمد للممرضة:
طمنيني على الأم أشجان عاملة إيه؟
فعقدت البنت حاجبيها وقالت بأسى:
للأسف الأم تعبانة شوية والدكتور أمر تدخل عناية مركزة.
ابتهال بذعر:
ليه بنتي فيها إيه، بنتي جرى لها حاجة ومخبيين عليّ.
أحمد:
أرجوك اهدئي يا مرات عمي، سيبيني أفهم منها.
واستطرد:
ليه تدخل العناية، حصل حاجة في العمليات؟
الممرضة:
قلبها ضعيف وكويس إنها عاشت أصلًا لأن اللي عندها القلب غلط عليه الحمل والولادة.
أحمد بصدمة:
أشجان عندها القلب، ده إزاي وامتى؟
ابتهال ببكاء ونحيب:
يا حبيبتي يا بنتي، طول عمرك حظك من الدنيا قليل وآخرتها المرض.
أنا عايزة أشوف بنتي، عايزة أطمن عليها.
الممرضة:
للأسف الدكتور مانع الزيارة لغاية ما حالتها تستقر شوية.
تقدروا بس تاخدوا البنت وترضعوها صناعي لأن الأم مش هتقدر ترضعها في الوقت الحالي وهي تعبانة كده.
فضم أحمد البنت إلى صدره ودمعت عيناه بالدموع ودعا الله بخفوت:
ربنا يشفيكِ يا أشجان، عشان بنتك ما تترباش يتيمة زي ما أنا اتربيت.
لأن ما حدش أبدًا بيعوض حنان الأم.
وكمان قلبي مش مستحمل إني أفقد حد تاني، ربنا يسامحك يا دلال ليه علقتي قلبي بيكِ وبعدين سبتيني.
يا ترى أنتِ عاملة إيه وعجبك العيشة اللي رجعتِ لها برجليكِ وخنتِ ثقتي فيكِ.
سبتي لي جرح عمره ما هقدر أنساه ولا هقدر في يوم من الأيام إني أسامحك رغم قلبي اللي حبك وعمره ما هيحب غيرك.
استيقظ المنياوي على صراخ دلال، فأسرع إليها.
مالك يا بنتي، بتتألمي ليه كده؟
دلال:
شكلي هولد خلاص يا باشا ألحقني الله يخليك ووديني المستشفى مش قادرة، آآآه هموت يا ناس.
ثم فاضت عيناها بالعبرات وهي ترى أمامها أحمد وهمست:
مش لو كنت معايا كنت زمانك بتدعي لي ربنا يخفف عني.
آآه من الزمن اللي فرق بينا، وبنتك هتجيئ الدنيا وأنت مش معايا يا أحمد، وهتتحرم من حنانك وحبك اللي اتوزع على الناس كلها يفيض.
آآآه مش قادرة، هموت.
المنياوي:
بعد الشر عليكِ يا بنتي، ثم أخذها سريعًا إلى المستشفى لتلد بسلام وتخرج الطفلة أولًا فحملها المنياوي وبكى لأنه كان يتمنى أن يكون له ولد أو بنت من صلبه فهمس وهو يقبلها بحب:
هتكوني بنتي يا مَنايا وهربيكِ أحسن تربية وأدخلك أفضل المدارس هنا.
ثم خرجت دلال بحالة جيدة فابتسم متولي لها قائلًا:
حمد لله على السلامة على دولي.
دلال:
الله يسلمك، البنت حلوة.
المنياوي:
طبعًا، أنتِ قمر هتجيبي إيه يعني أكيد قمرين.
وعندما ولجت إلى غرفتها واستراحت بعض الشيء حدثها المنياوي بترقب:
عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم يا بنتي.
وأرجوكِ ما تفهمينيش غلط.
دلال بتعجب:
خير يا باشا.
المنياوي:
البنت لو اتسجلت باسم أبوها الحقيقي هتكون الحياة صعبة هنا لها عشان موافقة الأب هتكوني مطلوبة هنا في حاجات كتير، ده غير التسجيل نفسه أنتِ معكش أي شيء يثبت أنك كنتِ متجوزة من الأساس ولا أي شهادة للأب.
إلا يا بنتي لو عايزة ترجعي لجوزك، أنا مستعد أسفرك له؟
فأشارت دلال بيديها بغصة مريرة:
لاااا ده ممكن ياخد البنت مني أو ينكر أنها مش بنته وكده ممكن أموت فيها لأني مستحملش أنه يطعن في شرفي وأنا اللي كان عندي استعداد أموت وما حدش يلمسني في الحرام.
منك لله يا متولي هديت حياتي بعد كنت أسعد واحدة في الدنيا مع إنسان بيحبني وبحبه لكن هو شوه صورتي قصاده وطلقني ظلم.
فيستحيل أرجع له بعد اللي حصل.
المنياوي:
مش يمكن لما يعرف الحقيقة يعذرك.
دلال بحزن:
حتى لو هتفضل حتة في قلبه من ناحيتي ويخاف لو ده اتكرر تاني فخليني بعيد أحسن وهو يعيش حياته براحته.
المنياوي بحرج:
بدال كده يا بنتي، يبقى ما فيش حل غير إني أكتب البنت باسمي، عشان تعرف تعيش في المجتمع كويسة وأعرف كمان أتصرف في أمورها لأني خلاص بعتبرها بنتي وأوعدك إني هعوضها عن أبوها وهعيشها حياة كريمة وهكتب ليها أملاك كمان بيع وشراء من بعدي.
فبكت دلال بدموع الحزن والفرحة معًا.
الحزن لأنها كانت تتمنى أن يكون أحمد بجانبها ويكتب البنت بنفسه مَنايا أحمد الجمال.
والفرح لأن نصيب ابنتها سيكون أفضل منها بوجود رجل كريم مثل المنياوي.
وبالفعل نسبها المنياوي إلى نفسه.
فأصبحت مَنايا توفيق المنياوي.
الوووو أيوه يا باشا دلال دخلت المستشفى وولدت وجابت بنت.
متولي:
مع أن كان نفسي في ولد بس ماشي أهو تنفع وتكمل مسيرة أمها بعدها.
ولما ترجع وأتجوزها تجيب لي الولد اللي نفسي فيه.
المهم دلوقتي عرفت هتعمل إيه؟
حسام:
أيوه يا باشا، هلبس لبس الدكاترة وأدخل على إني طبيب أطفال وآخد البنت بحجة أنها تعبانة ومحتاجة رعاية خاصة.
متولي:
تمام، وأنا مستني بفارغ الصبر.
ليغلق معه فيهمس متولي بشر:
هتجيئي لي يا دولي وتبوسي رجلي كمان عشان أرجع لك بنتك.
وساعتها مش هتخرجي من هنا تاني إلا على قبرك.
وأنا يا أنت يا منياوي عشان ما تمدش إيدك تاني على حاجة تخص متولي تاني.
ليتخفى بالفعل حسام في زي دكتور وولج لغرفة دلال التي كانت نائمة في ذلك الوقت والمنياوي قد تركها منذ قليل ليحتسي فنجان قهوة بعد أن اطمئن إنها بخير وستنام لترتاح قليلًا.
فحمل حسام الطفلة وخرج بها دون أن تشعر دلال ثم هرب بها سريعًا نحو متولي.
لتستيقظ دلال بعد فترة قصيرة من الوقت وعندما نظرت إلى سرير ابنتها المخصص للأطفال في المستشفى لم تجدها فصرخت صرخة مدوية:
بنتي، بنتي فين؟
فأسرعت على صوتها الممرضة لتعلم بالأمر وتتصل بالأمن سريعًا ويصل الخبر إلى المنياوي فشعر بألم يجتاح قلبه وهمس:
لا مش معقول بعد ما تجيئي لي بنت اتمنيتها عمري كله تروح كده بالساهل، والله لأدفع ثمن اللي عمل كده عمره كله دي بنت المنياوي مش أي حد.
ثم أسرع إلى دلال التي وجدها في حالة هياج وتبكي بهستيرية وعندما رأته صاحت:
بنتي يا باشا، سرقوها مني زي ما سرقوا عمري وحبي قبليها.
المنياوي:
اهدئي يا دلال وصدقيني بنتك النهاردة هتكون في حضنك والمسألة مسألة وقت بس.
دلال:
بنتي لو ما رجعتش أنا هموت نفسي لأني خلاص ما بقتش مستحملة أعيش في الدنيا دي ولو لحظة واحدة تانية، أنا كنت هعيش عشانها بس.
المنياوي:
ما تقوليش كده يا دلال، هتعيشي وبنتك هتجيلك وهعوضك عن دموعك دي صدقيني.
ثم جاءت رسالة إلى دلال يقول فيها متولي:
بنتك عندي لو عايزاها تجيئي لي لوحدك فاهمة وتفهمي المنياوي إنه ما يدخلش ده لو عايزاها تعيش أما لو ما سمعتيش كلامي وقلتي له أو بلغتي البوليس، فهأخلص عليها أنا خلاص ما بقتش فارقة معايا كده كده هدخل السجن.
قرأت دلال الرسالة بدموع عينيها وشعرت بنار تحرق قلبها ثم حاولت الاعتدال بصعوبة حتى وقفت وقالت بصوت خافت للمنياوي:
أنا هنزل أدور على بنتي بنفسي مش هستنى لما تجيبها لي يا باشا، أنا ما عنديش صبر.
طالعها المنياوي بشك فهو كان يلاحظ تعبيرات وجهها وهي تنظر إلى الهاتف وسمع ضربات قلبها القوية لذا علم أن هناك سرًا تخفيه وراء طلبها البحث عن البنت وكأنها تائهة وليست مخطوفة.
هذا غير إحساسه أن الفاعل هو نفسه متولي لا غيره، لأن دلال ليس لها أي عداوة في ذلك المجتمع الجديد عليها ولا أحد يعرفها حتى يفعل ذلك بها.
لذا أومأ لها برأسه دون كلمة وفي قرارة نفسه سيتبعها هو ورجاله وسيبلغ الشرطة أيضًا ليكون الأمر قانونيًا غير مخالف حتى لا تهتز مكانته في السفارة.
تعجبت دلال من موافقته السريعة ولكنها لم تبالِ، فلا يشغل بالها سوى ابنتها فقط الآن.
وأقسمت أن تدفع متولي الثمن غاليًا تلك المرة ولن تتركه أن يفعل بابنتها مثل ما فعله بها فهي ليست كوالدتها ضعيفة.
بل ستدافع عنها وإن كان الثمن حياتها هي أيضًا.
وبالفعل اتجهت بسيارة أجرة إلى مكان متولي بعد أن اشترت سكينًا حادًا من محل للأدوات المنزلية وتبعها المنياوي ورجاله بعد أن أبلغ الشرطة الذين حاصروا المكان.
وصلت دلال لدى متولي الذي استقبلها بترحيب شديد ومد ذراعيه ليحتضنها قائلًا:
أهلًا لك وحشة والله يا دولي.
فنهرته دلال واستطردت بقوة:
فين بنتي يا متولي؟
متولي:
في الحفظ والصون يا دولي، وحالًا هجيبها لك ده لو اتفقنا.
رفعت دلال حاجبيها وقالت:
نتفق!
متولي:
أيوه.
دلال:
على إيه إن شاء الله.
متولي:
إننا نتجوز والبت تتكتب باسمي عقبال ما نخويها إن شاء الله.
وتنسي المنياوي وخالص وتكلميه كمان عشان تقولي له بنفسك إنك عايزاني وما يدخلش في حياتك تاني.
فضحكت دلال:
عيبك إنك رافع سقف طموحاتك أوي يا متولي، ثم أخرجت سكينًا كانت تخفيه تحت ملابسها وتحركت نحوه سريعًا لتضربه بها ولكنه تفاداها وحاوطها بذراعه وهددها بالقتل هي وابنتها إن لم ترضخ لطلبه.
وفي تلك اللحظة هجم المنياوي برجاله.
فهدد متولي بقتل دلال إن لم يتركوه يهرب.
فأمر المنياوي رجاله أن لا يتعرض له أحد.
ليتفاجأ الجميع بصوت صراخ فجأة بعد أن أصابه طلق ناري....
يا ترى مين اللي انضرب بالرصاص؟ توقعاتكم.
رواية دلال و الشيخ الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم شيماء سعيد
تبدو مخيفة سرعة الأيام، تجري بنا دون أن نشعر، تمشي بأقصى عداد سرعتها، ثم نتفاجأ أننا وصلنا لنهاية أيامنا ونحن نشعر أننا لم نبدأ بعد. أيها الماضي لا تغيرنا كلما ابتعدنا عنك. أيها المستقبل لا تسألنا من أنتم وماذا تريدون مني فنحن أيضًا لا نعرف. تحملنا قليلًا فلسنا سوى عابري سبيل.
تفاجأ الجميع بصراخ متولي رغم أن المنياوي أمر ألا يتعرض له أحد.
ولكن ما حدث كان عجيبًا بالفعل، حيث غمز المنياوي "دلال" فتنبهت أنه يريد أن يفهمها شيئًا، فأشار إلى قدميه حيث باعد بينهما وأشار إليها أن تفعل مثلما فعل، ففعلت مثله. وفي تلك اللحظة أطلق المنياوي رصاصة أصابت قدم متولي فترك دلال من الألم، فسارعت لتحتمي خلف ظهر المنياوي.
ولكن متولي حاول التماسك قليلًا وباغت المنياوي على غفلة عندما انشغل بدلال، وصوب السكين إلى صدره فنزفت دماؤه وصرخت دلال:
لااااا حرام عليك إلا الباشا.
ثم حاول متولي الفرار سريعًا من أحد الأبواب السرية، وعندما خرج الشارع رآه أحد أفراد الشرطة الذين أحاطوا بالمكان، فطلب منه أن يسلم نفسه حتى لا يطلق عليه النار. ولكن متولي أبى الاستسلام وسارع إلى سيارته فاضطر الشرطة أن يطلق عليه النار فأرداه قتيلًا في الحال.
وتم نقل المنياوي إلى أقرب مستشفى لإسعافه، وظلت دلال بجانبه تحمل ابنتها التي وجدتها في إحدى الغرف عند متولي.
وعندما فتح المنياوي عينيه وجدها بجانبه، فهمس بخفوت:
دلال.
فابتسمت وقالت بلهفة:
عيوني يا باشا، وحمد لله على سلامتك، أنا كنت هتجنن عليك والله.
قرأ المنياوي في عينيها الصدق فقال بحب أبوي:
وأنا اتمسكت بالدنيا عشان خاطرك وخاطر بنتي الصغيرة منايا. أنتم حسستوني إن فيه حاجة فعلًا ممكن أعيش عشانها، وإن فيه فعلًا حاجة اسمها حب من غير مصلحة، ومش عارف من غيرك أنت ومنايا كنت كملت حياتي إزاي.
دمعت عين دلال قائلة:
ربنا يخليك لينا يا باشا وشد حيلك كده عشان تطلع بالسلامة.
أشار المنياوي إلى دلال:
دلال ممكن أطلب منك طلب تاني؟
دلال:
أنت تطلب عيني يا باشا.
المنياوي بحرج:
أنا عايز أكتب عليك عشان حياتنا تكون حلال مع بعض. آه أنت عندي زي بنتي، آه أنا مليش في الجواز بس عشان تقعدي براحتك في البيت وتحسي إنه ملكك مش ضيفة، وتورثيني لما أموت أنت ومنايا. بس لو شوفتي راجل ابن حلال يستاهل فعلًا قلبك الطيب، أنا هطلقك عشان تجوزيه عشان مظلمكيش يا بنتي.
أطلقت دلال تنهيدة حارة واستطردت بحزن:
بعد الشر عليك يا باشا، وأنا خلاص بعد أحمد شلت موضوع الجواز ده من دماغي خالص وهعيش لبنتي وبس.
فسألها المنياوي:
كنتي بتحبيه للدرجة دي يا دلال؟
تنهدت دلال بغصة مريرة وهربت دموعها من عينيها وقالت بحزن:
أحبه دي كانت كلمة قليلة على أحمد.
أنتِ متعرفهوش يا باشا، ده أحن شخص ممكن تقابله في حياتك بس ساعات في لحظة بيتحول لقاسي. وعلى الرغم إنه طلقني بالسرعة دي من غير ما يتأكد، بس أنا عذراه لأن أي واحد في مكانه كان هيصدق ويعمل كده. ربنا يجحمك يا متولي عشان هو كان السبب في كل اللي أنا فيه ده.
ثم أعلنت موافقتها على زواجها من المنياوي:
وأنا موافقة تكتب عليه يا باشا.
ثم همست:
وربنا يجمعني بيك في الجنة يا أحمد، ولو كنت... بتمنى عيني تشوفك تاني يا ضي عيوني. ويا ترى ممكن نتقابل في صدفة تانية زي أول مرة؟
انتظمت ضربات قلب أشجان قليلًا بعد مرور يومين، وسمح لهم الطبيب بالزيارة ولكن دون حديث طويل حتى لا تنتكس حالتها مرة أخرى.
فولج أحمد إليها فبكت أشجان حين طالعته وقالت بخفوت:
حور يا أحمد عاملة إيه؟ كان نفسي أشوفها وأضمها بس غصب عني.
ضم أحمد شفتيه بحزن ثم حاول التحدث ليطمئنها:
متقلقيش على حور، مرات عمي شيلاها في عينيها ومش بتنزلها من على إيديها. شدي حيلك أنت بس وهتطلعي بألف سلامة وهتاخديها في حضنك وهتربيها هي وإخوتها أحسن تربية.
أشجان بحزن:
بتمنى بس خايفة أموت قبل ما أطمن عليهم وعليك أنت كمان يا أحمد.
أحمد:
متقوليش كده يا أشجان، أنت هتعيشي وربنا هيبارك في عمرك. وإيه تتطمني عليه دي يا أم حور ما أنا كويس قدامك أهو.
ثم أشاح ببصره عنها حتى لا تفضحه عيناه بالحزن الذي يسكن بها.
أشجان:
ومين غيري يحس بيك يا أحمد؟ أنا أكتر وحدة حاسة إنك حزين وعارفة إنك لسه بتحبها رغم كل الشهور اللي عدت.
أحمد بغصة مريرة:
وهيفيد بإيه؟ هي خلاص راحت لحالها.
أشجان:
أنت متأكد يا أحمد إن الصور اللي شوفتها ليها حقيقية مش ممكن متركبة وأنت ظلمتها واتسرعت وطلقتها؟
أحمد:
للأسف حقيقية، أنا دماغي بعد ما طلقتها مبطلتش تفكير وجه في بالي الموضوع ده وروحت اتأكدت من الصور وقالوا حقيقية.
أشجان:
معرفش يا أحمد بس أنا قلبي حاسس إن الموضوع مش زي الكلام اللي كتبته، حاسة زي ما يكون هي مغصوبة على كده. لأن لما شوفت الصورة لقيت وشها حزين فيها، مش طبيعي أبدًا، وكان لازم يا أحمد تصبر قبل ما تطلقها وتسمع منها هي بنفسها مش مجرد رسالة ممكن يكون حد كتبها مش هي.
أصابت كلمات أشجان قلب أحمد في مقتل وأعاد له الحنين والاشتياق لتلك الغائبة عنه وحبيبته الأولى والأخيرة "دلال".
وتساءل هل يمكن بالفعل أن يكون قد ظلمها؟ فأخرج هاتفه ليتأكد من صورتها كما قالت أشجان ليجد بالفعل معالمها باهتة وعينيها حزينة.
فردد بغصة مريرة:
فعلًا مش دي دلال اللي عرفتها وضحكتها اللي مكنتش بتفارق وشها حتى لو زعلانة مني. أنا بجد في حيرة ومش هسامح نفسي أبدًا لو فعلًا ظلمتها واتسرعت وطلقتها.
أشجان:
متحملش نفسك فوق طاقتها يا أحمد، ودور عليها واسأل لغاية ما تعتر فيها وواجهها واسمع منها بنفسك عشان قلبك يرتاح. ولو فعلًا طلعت مظلومة استسمحها وهي لو بتحبك صح هتعذرك، وأنا مستعدة كمان أكلمها.
فطالعها أحمد بامتنان وابتسم بحرج وسألها:
أنا صراحة مش عارف أقولك إيه يا أشجان. ومش عارف أنت ليه بتعملي كده رغم إني عارف مشاعرك ناحيتي وعارف إني ظلمتك أنت كمان معايا.
فابتسمت أشجان بوهن وقالت:
متتعجبش يا أحمد، صدقني اللي بيحب بجد بيحب يشوفه سعيد حتى لو مكنش ليه. وأنت مظلمتنيش أنا اللي ظلمت نفسي وحبيتك وأنا عارفة إن قلبك مش ليا. وكفاية عليا إن ليا حتة منك، حور يا أحمد، دي هتكون سعادتي.
ومنذ تلك اللحظة بدأت معاناة أحمد في البحث عن دلال في كل مكان، ولكن للأسف لم يجد لها أثرًا وكأنها تلاشت من الوجود، مما سبب له حزنًا بالغًا.
وخشى أن يكون حدث لها شيء أو قد فارقت الحياة.
يا ترى أنت فين وفين أراضيكِ يا قلب أحمد. نفسي أعرف أنت فين وأشوفك وقلبي يرتاح لو عرفت إنه كان غصب عنك البعد ده. بس ليه حرمتيني منك ومقولتيش؟ أنا كان عندي استعداد أحارب الدنيا كلها عشانك ومش مهم حد عندي قدك.
وأنا من بعدك تايه وحاسس إني انتهيت، ولولا ولاد أشجان وبنتي اللي جت بقدر الله وعمري ما كنت أتخيل أبدًا إنها تيجي من أشجان مش منك يا روح الروح، أنا كان حصلي حاجة من الحزن بس بتمسك بالحياة عشانهم وعلى أمل إني أشوفك تاني. يا رب اجمعني بيها ورد لي روحي اللي غايبة عني.
أتى يوم زواج تميم وأسماء وتم عقد القران في منزل سليمان، وارتدت فستانًا بسيطًا من اللون الأبيض وطرحة بنفس اللون، ومن فرحتها أخذت تطلق الزغاريد هي بنفسها.
فوكزتها ابتهال بضيق قائلة:
اتلمي يا بت شوية، الناس تقول إيه كنتِ هتموتي عليه وأنت لسه جوزك مقفلش السنة.
فرفعت أسماء حاجبيها وقالت بتأكيد:
أيوه كنت هموت عليه والناس تقول اللي تقوله، ده خلاص بقى جوزي وحبيبي ودنيتي كلها. واللي فات أنا خلاص نسيته ومش عايزة أفتكر منه غير ابني حبيبي وبس، ولو أطول أغير اسمه عشان مفتكرش اسم شفيق تاني أغيره.
ابتهال:
لا أنت اتجننتي، ربنا يهديكِ يا بنتي ويصبر تميم عليكِ.
رأى تميم الفرحة في عين أسماء وابتسم على أفعالها الطفولية فهمس:
لسه مجنونة زي ما هي، ومنكرش إني فرحان يمكن أكتر منها، دي حب عمري كله. بس مش عارف فيه حاجة جوايا مخلية الفرحة متكملش، يمكن عشان رفضها ليا، يمكن لسه مأثر فيه موت تقى، مش عارف.
وعندما انتهت الليلة وأخذها إلى شقته، دلفت أسماء على خجل للداخل وتبعها تميم إلى غرفة النوم مقطب الجبهة.
ثم حدثها بصوت غاضب:
تقدري تغيري هدومك براحتك، وأنا هدخل أغير في الحمام.
فتعجبت أسماء من طريقة حديثه لأنها تعلم جيدًا أنه يعشقها فهمست:
ماله ده..! عامل فيها واد تقيل بس مش على أسماء يا حبي.
فبدلت ملابسها لقميص نوم شفاف باللون الأبيض يبرز مفاتنها.
ثم جلست على التخت تنتظره، وعندما خرج وطالعها بتلك الهيئة المهلكة تجمد مكانه وكادت أن تسمع أسماء نبضات قلبه العالية فابتسمت وقالت بمكر:
معلش أصل الجو حر شوية.
فحمحم تميم ثم أشاح ببصره عنها حتى لا يضعف أمامها وقال:
خدي راحتك، أنا داخل أنام في الأوضة التانية.
فتجهمت معالم أسماء ورددت:
أوضة تانية!!
وعندما سار بخطواته ليغادر الغرفة استوقفه صوت أسماء تناديه بدلال:
تميم.
فتجمد مكانه من نطقها باسمه الذي كان كسيمفونية متقنة لعبت على أوتار قلبه.
ثم سارت إليه أسماء واحتضنته من الخلف، فارتبك تميم وأوشك قلبه أن يعلن الاستسلام أمام سلطان الهوى.
فابتسمت أسماء وهمست في أذنه بعشق:
بحبك ومحتاجك جنبي.
وهنا هدمت كل حصونه واستسلم لأجمل لحظات تمنى أن يعيشها في الواقع كما عاشها مرارًا وتكرارًا في أحلامه.
ولم ينسَ من باب الفضل أن يقوم بزيارة والدة تقى ومعه تميم الصغير لتضمه والدة تقى وتبكي:
كان نفسي أشيل ابن تقى.
تميم بحزن:
أنا أهو ابنك يا أمي واعتبري تميم حفيدك، وزي ما هيقولي يا بابا وأنا مش أبوه، هيقولك يا تيتا وهجبهولك ديما ولا مش عايزنا؟
أزالت والدة تقى دموعها وقالت:
لا إزاي هو حد بيسأل ولا بيدخل عليه غيرك يا ابني، ربنا يحفظك وقادر كريم يكرمك بابن من صلبك.
فأغمض عينيه تميم وآمن على دعائها:
آمين يا رب.
وضعت شهيرة مولودتها: سيلينا التي كانت تشبهها كثيرًا، مما جعل سفيان يغرم بها من اللحظة الأولى وتكاد لا تفارق ذراعيه.
حتى إن شهيرة شعرت بالغيرة تأكل قلبها منها فقالت:
مش عارفة كانت دماغي مالها لما أجيب ضرة بنفسي تاخد جوزي مني يا ناس.
فقهقه سفيان وضم شهيرة بذراعه الآخر قائلًا:
أنت الحب كله يا شاهي وجبتيلي حتة منك لازم أحبها.
شهيرة:
ربنا يخليك ليا يا حب العمر كله.
مرت خمس سنوات على أبطالنا وترعرع بهما الأطفال.
وأخذت منايا تدلل على المنياوي بصوتها الرقيق:
شلني توقة على كتافك.
فنهرتها دلال:
إيه توقة دي..!! اسمه بابا عيب يا منون كده. وبعدين أنت كبرتي على الشيل وبابا كمان تعبان مش قد دلعك ده.
المنياوي:
سبيها يا دلال تدلع براحتها دي حبيبة بابي.
وعندما حاول أن يحملها شعر بالتعب وجلس سريعًا فتعالت نبضات قلبه، فوضع يده عليه متألمًا ولاحظت دلال ذلك فأسرعت إليه قائلة بذعر:
إيه مالك يا باشا، حاسس بإيه؟
المنياوي:
تعبان بس شوية يا دولي، هاتي لي دوا القلب من جوه بسرعة.
فأسرعت دلال بإحضاره ثم ناولته إياه مع كوب من الماء فتناوله، لتسكن قليلًا نبضات قلبه.
دلال:
قولتلك بلاش مجهود يا باشا، أنت مريض قلب فحافظ على نفسك أرجوك، إن ما كانش عشاني فعشان منايا هي محتاجك جنبها.
المنياوي بخفوت:
الأعمار بيد الله يا دلال، وأنا بدعي ربنا يطول في عمري لغاية ما أطمن عليها.
أدى أحمد فريضة العشاء جماعة في المسجد ثم عاد للفيلا وصلى السنة كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وعندما سجد أحمد أسرعت حور فوق ظهره، ليحملها عندما يعتدل من سجوده.
وعندما انتهى احتضنها بحب ثم قبلها قائلًا:
حبيبة بابا أنت يا روح قلبي.
فعاتبته الصغيرة:
لا أنت لو بتحبني كنت نفذت وعدك ليا يا سي بابا وودتني الملاهي.
ابتسم أحمد وأكد:
بس كده عيوني لحور هانم هي تأمر وأنا أنفذ. يلا روحي قولي لأخواتك آسر وأيسل يستعدوا عشان يجوا معانا.
فزفرت حور بضيق:
يوووه هما لازم يجوا معانا في كل حتة؟ على فكرة أنت بتحبهم وبتدلعهم أكتر مني.
فغضب أحمد:
حور عيب كده، دول أخواتك وأنا مش بحب حد أكتر من حد، بحبكم كلكم زي بعض.
حور:
لا مفروض تحبني أنا أكتر، عشان أنا بنتك، اسمي حور أحمد لكن هما اسمهم أيسل وآسر شفيق.
وفي تلك اللحظة تذكر أحمد الحلم الذي راوده قبل زواجه من أشجان مع اختلاف التفاصيل.
فبسط لها القول بحب حتى تدرك حقيقة الأمر:
بصي يا حور يا قلب بابا أنت. آسر وأيسل دول حبايبي لأني أنا اللي ربيتهم بعد ما عمو شفيق مات، وبسببهم أنا هدخل الجنة برحمة ربنا عشان سيدنا النبي قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة". فلو عايزة بابا يدخل الجنة متزعليش أخواتك وحبيهم زي ما بحبهم عشان كمان تدخلي الجنة معانا.
حور بلطافة:
لا إلا الجنة خلاص يا بابا من هنا ورايح مش هزعلهم وهروح بسرعة أخليهم يلبسوا. بس أنا زعلانة لأن ماما تعبانة ومش بتقدر تخرج معانا.
أحمد:
معلش يا حبيبتي، إن شاء الله بكرة تخف وتخرج معانا بس أنت ادعي كتير ليها.
حور:
يا رب اشفي ماما.
نظر الطبيب إلى آخر تحاليل تميم فابتسم قائلًا:
ما شاء الله يا تميم التحاليل بعد العلاج الأخير مبشرة جدًا، مش قولتلك متيأسش وسيبها على الله.
تهلل وجه تميم من الفرحة وقال بعدم تصديق:
بجد يا دكتور يعني أنا دلوقتي أقدر أخلف بعد السنين دي كلها؟
الطبيب:
قول يا رب، عشان ده رزق بتاع ربنا، وإحنا مجرد سبب.
تميم:
يا رب يا رب ارزقني وكل مشتاق.
ثم عاد إلى منزله، فوجد تميم الصغير يلعب بألعابه، فاحتضنه بحب وقبله وسأله:
حبيب قلب بابا عامل إيه؟
تميم الصغير:
الحمد لله يا بابا، بس أنا زهقان شوية.
تميم:
ليه يا حبيبي؟
تميم الصغير:
عشان أنا خلاص كبرت على الألعاب الصغيرة دي وعايز بلايستيشن.
فابتسم تميم:
بس كده عيوني يا تيمو بكرة بإذن الله يكون عندك أحلى بلايستيشن في العالم كله.
ففرح الصغير واحتضنه بحب قائلًا:
أنا بحبك أوي يا بابا.
لمعت عين تميم بالدموع واستطرد بحب:
وأنا كمان يا حبيبي بحبك أوي. بس فين ماما مش سامع صوتها يعني؟
تميم الصغير:
ماما نايمة مش راضية تصحى، وكل ما أدخل أصحيها تقولي سيبني شوية كمان يا تيمو.
تميم متعجبًا:
كل ده نوم؟ إيه الكسل ده. لما أدخل أشوفها.
فولج تميم غرفة النوم وأضاء النور.
فهمست أسماء:
طفي النور يا تيمو وسيبني أنام.
تميم بضحك:
لا مش هسيبك.
ثم اقترب منها وقبل جبينها بحب ولاعب خصلات شعرها قائلًا:
ماله القمر كسلان ليه كده؟
ففتحت أسماء عينيها بتكاسل وابتسمت لرؤية تميم:
أنت جيت يا حبيبي؟ معلش سامحني هقوم دلوقتي أحضر ليك الأكل.
فوقفت أسماء ولكن أصابها دوار مفاجئ وكادت أن تسقط ولكن لحق بها تميم وأجلسها برفق على التخت.
تميم بذعر:
مالك يا حبيبتي؟
أسماء:
مش عارفة حسيت إني دوخت فجأة كده.
ثم ابتسمت وهمست لذاتها:
معقول يكون حصل؟ يا رب المرة دي يكون بجد مش بتوهم، أنا نفسي فعلًا ربنا يراضي تميم ويكون له طفل مني.
هدخل دلوقتي الحمام وأطلع التحليل ويا رب يطلع حمل.
وبالفعل ولجت المرحاض وقامت بعمل التحليل لتتفاجأ بظهور شرطتين.
فخرجت مسرعة ووقفت أمامه وأعطته شريط التحليل.
وقالت بفرحة:
أنا حامل يا تميم.
أخذ تميم ينظر لها تارة وللتحليل تارة أخرى غير مصدق أنها حامل بالفعل في ابنه الذي دعا الله به من سنوات عديدة.
فوجد نفسه يبكي بكاءً شديدًا من الفرحة ثم سجد لله أولًا يشكره على رزقه، ثم قام واحتضن أسماء بحب وهمس بعشق:
مبروك علينا يا روح قلبي.
ثم ابتعد عنها ليضم تميم الصغير إلى قلبه وقال بحب:
أنت وش السعد عليا يا تيمو وصدقني مش هيكون أغلى عندي منك يا حبيبي.
مرت سنوات أخرى على أبطالنا نال كل منهم جزءًا من السعادة إلا أحمد وكأن السعادة اقتصرت في إنسانة واحدة هي بمثابة النبض لقلبه وهي "دلال".
التي لم يترك مكانًا واحدًا في مصر إلا بحث عنها فيه ولكن لم يجدها، ولم يطرق على مخيلته أنها في بلد آخر بعيد تعيش مع قطعة من روحه وهي ابنته "منايا".
التي وصلت الآن إلى المرحلة الأخيرة من الدراسة الثانوية وتستعد للجامعة وقد كانت طالبة نجيبة ذكية تحصل دائمًا على الدرجات النهائية.
وهذا بجانب جمالها الآخاذ الذي ورثته من دلال.
كما حرصت دلال على تعليمها ما تعلمته من أحمد من فرائض الدين وتحفيظها كتاب الله حتى تكون حريصة على دينها في هذا المجتمع الغريب عن الدين.
كما جعلتها ترتدي حجابًا ولكن منايا جعلته حجابًا عصريًا لا يتفق تمامًا مع تعاليم الدين، كما تفعل بعض البنات الآن من إظهار الرقبة وهذا مخالف للشرع.
ولجت إليها دلال بكوبًا من اللبن بجانب فطيرة الجبن التي تعشقها.
ابتسمت لها دلال التي لا تصدق أن طفلتها الصغيرة أصبحت فتاة يافعة تفوقها جمالًا ودلالًا.
فطبعت قبلة حانية على رأسها وقالت:
كبرتي يا روح قلبي وكبرتيني معاكي يا موني.
منايا بحب:
كبرتي إيه بس يا دولي، ده مفيش حد بيشوفك معايا إلا ويفتكرك أختي ومش مصدقين إنك ماما أبدًا. أنت لسه صغيرة يا حبي أنا.
دلال بضحك:
آه يا بكاشة هو سن 35 سنة صغيرة برضه؟
منايا:
آه يا جميل صغنن، ده اللي في سنك لسه متجوزش أصلًا. أنت اتجوزتي صغيرة أوي يا دولي من بابا توفيق وده من جمالك طبعًا.
فدمعت عين دلال عندما تذكرت المنياوي فرددت:
الله يرحمه.
لاحظت منايا دموع دلال فقامت واحتضنتها وقالت:
قد كده كنت بتحبي بابا يا ماما رغم إنه كان كبير في السن عنك كتير؟
دلال:
آه طبعًا يا بنتي، بابا ده راجل مفيش زيه ربنا يرحمه ويسامحه، يا ريته كان عايش معانا عشان يشوفك زي ما يتمنى أكبر دكتورة في الدنيا. لازم تحققي وصيته يا بنتي وتدخلي كلية الطب.
منايا:
آه بإذن الله يا دولي، وهتخصص قلب، عشان أعالج المرض اللي كان سبب في موت بابا من تلت سنين لما جت له الأزمة شديدة وراح يا قلبي فيها.
ثم بكت منايا.
فربتت دلال على ظهرها بحنو:
ربنا يرحمه وتحققي كل اللي بتتمنيه يا حبيبة ماما.
ثم حدثت نفسها دلال:
بنتك يا أحمد هتكون دكتورة قد الدنيا تصور!! يعني الراقصة عرفت تربي يا مولانا. يا ترى أنت عامل إيه دلوقتي؟ ويا ترى لسه فاكرني ولا نسيتني وعشت حياتك عادي مع بنت عمك وأكيد زمانك خلفت منها. آااه يا بختها بيك يا أحمد، بس أنا عمري ما نسيتك ولو لحظة واحدة وكل يوم والتاني بشتاق ليك أكتر يا روح الروح.
جلست أشجان والتوتر يظهر على ملامحها وازدادت نبضات قلبها وهي في انتظار نتيجة الثانوية العامة لابنتها "حور".
وأحمد يجلس بجانبها يمسك بهاتفه ويبحث عن النتيجة برقم الجلوس.
وحور تنظر له بترقب شديد وتدعو الله أن يكلل مجهودها بالنجاح والمجموع الذي يؤهلها لكلية الطب.
ثم فجأة يصرخ أحمد من الفرحة قائلًا:
نجحتِ يا حور وبتفوق ما شاء الله 99 في المية يا قلبي، يعني كمان ممكن تكوني من العشرة الأوائل.
فبكت حور من الفرحة وسجدت لله شكرًا ثم قامت واحتضنت أحمد وهمست:
الحمد لله رب العالمين.
ثم احتضنت أشجان بفرحة قائلة:
بركة دعاكِ يا ست الكل.
فحمدت الله أشجان بخفوت ثم انقطع صوتها فجأة.
رواية دلال و الشيخ الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة السابعة والثلاثون
إن الحزن الداخلي هو الأصعب، لأنه يأكل روحك بشكل تدريجي، يخليك لا عارف تنام ولا تأكل ولا تشرب ولا تعيش مثل العالم والناس، وتصير كل الحاجات في نظرك باهتة.
لم يتحمل قلب أشجان الضعيف تلك الفرحة بابنتها فتوقف لترتاح من الدنيا وما بها وتنتقل إلى جوار ربها، ليعوض قلبها الحزين ويجازيها عن صبرها على مشقة المرض، فهو رحمن رحيم.
ولكنها كانت صدمة كبرى لصغيرتها حور التي لا تزال في مقتبل العمر.
نعم لها جسد امرأة بالغ، ولكن ما زال قلبها كطفل صغير يحتاج إلى أمه، فتحولت فرحتها إلى صراخ جزع، له أحمد وبكت عيناه لألم الفراق الذي كُتب عليه منذ صغره.
فاحتضن صغيرته لتهدئ قائلًا:
"لو بتحبيها ما تصرخيش يا حبيبتي، وادعيلها بالرحمة."
لتسرع إليهم أيسل عندما استمعت لصوت الصراخ، التي أصبحت شابة ناضجة، مع آسر الذي أصبح مهندسًا واعدًا في أحد شركات أحمد.
أيسل بصراخ:
"أمي حبيبتي، لا هعيش من غيرك إزاي؟! ده أنا كل ما أكبر باحتاجلك أكثر، قومي يا حبيبتي ما تسيبنيش."
كما انهار آسر من البكاء أيضًا وأخذ يردد:
"أمي ماتت، ماتت. لينا مين دلوقت من بعدك؟"
فحاول أحمد التخفيف عنهم وضمهم لصدره قائلًا بحنو:
"أنا موجود يا حبايبي ومش هسيبكم أبدًا. أنتم الثلاثة ولادي، وقلبي مش هيطمن أبدًا غير لما أشوفكم في بيوتكم وأشيل ولادكم كمان، وكده أكون أديت رسالتي معاكم."
كما انفطر قلب سليمان الذي بلغ به الكبر مبلغه، وكان جليس غرفته لا يتحرك منها سوى إلى المرحاض، وابتهال بجانبه لا تتركه ولو لحظة واحدة.
ولكن قلب الأم لم يتحمل فقدان أشجان وأخذت تنوح:
"يا ريت أنا وأنتِ، لا يا ضنايا. ويا ريتك شفت الهنا في الدنيا، إلا حياتك كلها كانت صعبة وآخرها كمان مرض."
سليمان بانكسار:
"ما تقوليش كده يا ابتهال، دلوقت هي عند الأحَن الأكرم، وربنا يعوض شبابها اللي ضاع في الجنة."
ولكن ابتهال غلبها الحزن، حتى جاء اليوم الذي لم تستيقظ به بجانب سليمان، ليجدها قد فارقت الحياة حزنًا عليه.
ولم يمر وقت طويل حتى تبعها هو، فكيف له أن يستطيع الحياة وقد فارقته حب حياته وعشرة عمره كله، زوجته وحبيبته "ابتهال".
وحينها خيم الحزن على عائلة الجمال.
وبالرغم تلك الأحزان، كان ينبع الحب من قلوب ما زالت صغيرة.
حين بعث ذلك المتيم الصغير ابن شيكو "سليم" إلى حور رسالة.
"قلبي عندك يا حور، ما تتصوريش أنا زعلان قد إيه من ساعة ما عرفت الخبر، وهأتجنن ونفسي أشوفك بأي طريقة. ما تتصوريش أنتِ وحشتيني قد إيه؟"
فعقدت حور حاجبيها وغضبت لتصريحه المعلن دون خجل:
"على فكرة الكلام اللي بتقوله ده عيب وما يصحش وحرام كمان، ولولا إني عارفة العلاقة بين بابا وعمي شيكو أنا كنت هاقوله، بس مش عايزة يحصل زعل ما بينهم، فأرجوك ما تبعتليش ثاني، وآسفة هأضطر أحظرك عشان الشيطان ما يلعبش بدماغك وتبعث ثاني."
قرأ سليم الرسالة، وبالرغم أنه يعلم جيدًا أنها على حق، ولكن الحزن مزق قلبه عندما شعر أنها لا تبادله نفس الشعور، وهو الذي أحبها منذ أن كانت طفلة.
لذا سارع بكتابة:
"حور ما تزعليش مني أرجوكِ، صدقيني غصب عني، أنا بأحبك ونفسي أتأكد من مشاعرك ناحيتي، ولو اتأكدت أنا هأكلم بابا ونيجي نتقدم، صدقيني أنا عايزك بالحلال مش بتسلى."
فهمست حور:
"أقوله إيه دلوقت؟ هو فعلًا شخص كويس ومحترم، بس أنا مش متأكدة من مشاعري ناحيته بجد، ولا هو ولا تميم ابن خالتو أسماء برضه اللي كل ما بأشوفه عينيه تقول كلام وأنا بأحاول أتجنبه بقدر الإمكان. أنا مش عايزة حب ولا ارتباط دلوقت خالص، أنا كل اللي بأفكر فيه مستقبلي وبس. وخصوصًا بعد ما طلعت من الأوائل وجاتلي منحة مجانية أدرس الطب في أكبر جامعات ألمانيا، ودي فرصة عمري ما كنت بأحلم بيها، بس خايفة في نفس الوقت بابا أحمد يرفض عشان أكيد خايف من المجتمع الغربي واللي فيه، وحقه طبعًا، بس هو عارف أكيد حوريته أخلاقها إيه. بس إزاي أقدر أقنعه؟"
ثم فكرت قليلًا لتتسع عينيها من جمال الفكرة التي أتت على مخيلتها.
حتى قالت:
"أيوه ما فيش غيره، وده كان حلم جدي الله يرحمه زي ما قال إنه يكمل تعليمه ويكون دكتور."
ثم ضحكت:
"الله، أنا وبابا حبيبي هنكون زملاء، إشطة يا مولانا."
"بس فيه مشكلة، بابا مش هيقدر يسيب آسر وأيسل، وعنده حق دول وصية ماما الله يرحمها. فكري ثاني يا حور، هنعمل فيهم إيه؟ هو آسر أمره سهل، ممكن يجيي معانا ونفتح فرع الشركة هناك. بس ده ممكن يخلي البت سمورة بت خالتي أنهار تروح فيها عشان هي بتحبه قوي الموكوسة دي، وهو ولا هنا. مركب الطناش وجبلة مش فاهم حاجة، مع إنها لمحتله كثير، دي ناقص تقوله بأحبك كده بالمفتشر. وكله كوم وسى سيف ده كمان ابن خالي سفيان اللي بيحب ست أيسل هانم، وأنا قلبي حاسس إنها بتحبه برضه، بس عشان هي أكبر منه بسنة واحدة بس عاملة إنها كبيرة، وكل ما ألمحلها إنه بيحبها وبيموت فيها تقول لي: من همه ياخذ قد أمه. هههههههههههه هتجنني البت دي، دي هي سنة والواد موافق خلاص ما فيهاش حاجة. لا أنا لازم أدخل وأجوزهم لبعض، وكده يكون بابا اطمن عليها هي كمان. والله عليكِ أفكار يا حور، شطورة."
وعندما خرجت حور من شرودها وجدت عدة رسائل أخرى من سليم، وما آثار غيظها إنه قال في إحداها:
"أعتبر إنك ما رديتيش يعني فعلًا بتحبيني زي ما بأحبك بس مكسوفة تعبري عن مشاعرك."
فصكت حور على أسنانها بغيظ مرددة:
"يا نحنوح أمك يا عم روميو أنت."
لتكتب له رسالة لعله ينساها:
"آسفة يا سليم، أنا مش بأفكر غير في مستقبلي وبس، فيا ريت نقفل على الموضوع ده وما نتكلمش فيه ثاني، خصوصًا إني كمان مش هأقعد هنا وهأسافر ألمانيا أكمل دراستي هناك في كلية الطب."
فشعر سليم بألم يجتاح كيانه كله وارتجفت شفتاه عندما نطق:
"هاتسافر إزاي وتسيبني؟! للدرجاتي قلبك مش حاسس بيّ يا حور؟ لا حرام عليكِ. مش كفاية حرماني من كلمة باترجاها منك، تقومِ كمان تسافري وتبعدي عني؟ لا يستحيل، ولو حصل أنا مش هأسيبك وهأسافر معاكِ. بس أنا مفروض هندسة، مش مشكلة أكمل هناك، المهم أكون جنبها. بس يا ترى أمي هترضى؟ ده أنت لما بتخرج مع أصحابك وتتأخر بتكون واقفالك على الباب بالشبشب وكأنك عيل صغير."
فذهب إليها وكانت في المطبخ تعد طعام وجبة الغذاء، فقبلها من وجنتيها قائلًا بمرح:
"حبيبي ياسمين يا قمر."
فابتسمت ياسمين ثم سرعان ما عقدت حاجبيها مرددة بتذمر:
"إيه ياسمين دي يا قليل الأدب؟ أنا أمك يا ولا."
سليم بمكر:
"مش باين عليكِ يا قلبي، ده كل اللي يشوفك معايا يقول أختك وما يصدقش إنك أمي أبدًا."
فضحكت ياسمين مرددة:
"أيوه ما أكمني اتجوزت صغيرة، ربنا يسامحه أبوك هو اللي جاب رجلي للجواز وأنا ما كنتش عايزة، بس يلا أهو راجل والسلام."
ليسمع كلماتها شيكو الذي صادف مروره أمام المطبخ ليمسح على وجهه بغيظ ثم رفع بصره للسماء قائلًا:
"صبرني يا رب، أنا مش عارف كنت هاموت وأتجوزها ليه. أنا عارف إنها تغفير ذنوب يا رب من كثر البنات اللي عرفتهم قبل ما أتجوزها وعشمتهم بالجواز. أنا مني لله."
ثم فجأة وجدها تصرخ وتبكي فأسرع إليها.
"إيه مالك يا أم سليم؟"
فطالعته ياسمين بنفور مستطردة بغيظ:
"إيه أم سليم دي يا شيكو؟ ما تخلي عندك شوية نظر يا أخويا، ده الواد ابنك اللي ينشك بيناديني باسمي عشان أنا لسه صغيرة."
فردد شيكو بغيظ:
"الله أمطولك يا روح. طيب مالك يا ست ياسمين هانم؟"
ياسمين بتهكم:
"حلو الاحترام برضه."
ثم صرخت مرددة:
"ابنك الحيلة اللي ما حلتيش غيره عايز يسافر ويسيبني. يسافر ويسيب أمه حبيبته. وعشان مين؟ عشان البت المسلوعة بت الشيخ أحمد، ويا ريت معبراه، دي حلقاه وهو لزقة بغيره، ما عندوش ريحة الدم."
فتبدلت ملامح سليم للحزن، فأشفق عليه شيكو لإنه يعلم مرارة الحب حقًا.
فاقترب منه ووضع يده على كتفه وقال بحنو:
"بتحبها قد كده لدرجة إنك تسيب بلدك وتسافر وراها؟"
فأومأ سليم برأسه:
"أي نعم."
فابتسم شيكو:
"ابن أبوك يا سليم، حبيب بصحيح. بس أمك بتقول حلقاك يا ابني، يعني حب بلا هدف. يعني هاتتعب قلبك على الفاضي من غير نتيجة."
"لكن أنا زمان تعبت قلبي عشان أمك اللي ما تتسمى دي عشان عارف وحاسس أنها بتموت فيه بس عاملة ثقيلة."
فصاحت ياسمين:
"شيكو وبعدين؟!"
شيكو:
"طيب عيني في عينك كده يا قلب يا شيكو."
فابتسمت ياسمين بخجل واستطردت:
"أيوه كنت بأحبك."
شيكو مشيرًا إلى سليم:
"شفت بقى، يعني تعبت بفايدة. لكن أنت مش مالي إيدك منها، ففكك من البت المسلوعة دي على رأي أمك، وحب واحدة تستاهل قلبك الطيب."
سليم بحزن:
"مش بإيدي والله يا بابا، بس عندي أمل إنها تحبني زي ما أنا بأحبها. وكل اللي بأطلبه منك إنك توافق إني أسافر."
فصرخت ياسمين:
"لا يستحيل تسافر وتسيب أمك يا سليم. أهون عليك، دي آخرة تربيتي وجزائي، تيجي واحدة ما تساويش ثلاثة تعريفة في سوق البنات تاخدك على الجاهز كده، لاااا."
سليم بغضب:
"أرجوكِ يا أمي ما تقوليش على حور كده، دي ست البنات."
ياسمين:
"ست البنات؟ مهو واضح، وعشان كده مش معبراك. أقولك سافر يا سليم عشان عارفة هترجع تعيط وتقول يا ريتني سمعت كلامك يا أمي، عشان متأكدة إنها بيعاك."
أخفض سليم رأسه بحزن خوفًا أن يتحقق كلام والدته.
وهنا طرأت على ذهن شيكو فكرة أن يفتتح مقر لشركته في ألمانيا وينتقل بعائلته هناك، حتى تكون ياسمين بجانب سليم ولا تتركه بمفرده.
"وربنا يستر على الألمان منك يا ياسو، والله خايف يرحلوكِ من هناك على رجلك عشان أنتِ فضايح."
ربت شيكو على كتف سليم بحنو وقال:
"خليها على الله."
ثم تركهم واتصل بأحمد يخبره بما فكر به، ليتفاجأ أحمد وقال باندهاش:
"هو أنت كنت سامع حور وهي بتكلمني ولا إيه؟! دي أكلت وداني، ومش هاتصدق كمان عايزاني أرجع تلميذ ثاني وأكمل في كلية الطب معاها. قال بعد ما شاب ودوه الكتاب."
فضحك شيكو واستطرد:
"أحلى شايب في الدنيا. بس شايب إيه ده، أنت اللي يشوفك يقول لسه ما دخلتش دنيا وبتمشي جنب بنتك الزئردة دي كأنك عريسها."
فضحك أحمد:
"بطل بكش يا حبيبي."
شيكو:
"لا بجد يا أحمد، أنت فعلًا لسه في عز شبابك وفرصة تكمل فعلًا عشان تفرح أبوك الله يرحمه في تربته. كان نفسه فعلًا تطلع دكتور."
فدمعت عين أحمد اشتياقًا لوالده الذي لم تبرح صورته من أمام عينيه أبدًا.
ولكن ماذا عن والدته؟ سيأخذها معه بالتأكيد فهي روحه الثانية ولن يستطيع أن يفارقها، وهل ستوافق عمته على ترك ابنها تميم وحفيدها من أجل شمس؟
ولكنه أجاب:
"مش مهم، لو رفضت هي أمي ما شاء الله مش محتاجة رعاية زي الأول، بالعكس بتهتم بنفسها وبتفهم وتتكلم."
فنطق بحبور:
"خلاص يا شيكو، الظاهر كده مكتوبالي هنسافر. وهأتواصل مع مهندس هناك أعرفه يشوف لينا مكان مناسب لشركتنا، بس يا عم أنت هتشيل الليلة لوحدك، عشان أنا هيكون ورايا مذاكرة."
فبحلق شيكو وتحدث بندم:
"أنا اللي جبته لنفسي. يعني يا دكاترة أنت تذاكر وأنا أحتاس، مش كفاية عليّ ياسمين."
فضحك أحمد:
"بالعكس ياسمين ممكن تساعدك في الشغل، الست دي دماغها حلوة بس أنت مش فاهمها."
شيكو:
"لاااا هيبقى البيت والشغل، لا الله الغني. اشتغل أنا أحسن."
ثم أغلق معه، لتقبله حور من وجنتيه بحب قائلة بمرح:
"أيوه كده يا زميل، بس باقولك إيه يا زميلي ما فيش غش. مش عشان بنتك تقول لي غششيني، هاتعتمد على نفسك."
فضحك أحمد حتى بدت نواجذه قائلًا:
"بقى كده ماشي يا حور. طيب وآيسل هاتوافق تروح معانا؟"
فغمزته حور بمكر مرددة:
"لا البت دي ما تجيش معانا في حتة."
فغضب أحمد وصاح بعلو صوته:
"بتقولي إيه يا بنت؟! بأقولك يا حور اسمعيني كويس، دي أختك الكبيرة وحتة من قلبي، ولو مش عايزة تسافر مش هأروح وهأقعد عشانها."
انبهرت حور بجمال ووفاء والدها لأختها رغم أنه ليس أباها.
فتعلقت برقبته بدلال قائلة:
"ما تتحمقش قوي كده يا مولانا."
فابتسم أحمد لتلك الكلمة المحببة إلى قلبه التي تذكره بمتيمة قلبه "دلال".
التي جاءت حور الدنيا تشبهها كثيرًا وكأنها جاءت لتراضي قلبه الحزين.
وتذكر أشجان فترحم عليها عندما قالت له:
"أنا كنت بأبص لصورة دلال كثير وكنت بأتمنى بنتي تطلع شبهها عشان تحبها، لإني كنت متأكدة إنك كنت تتمنى إنها تيجي منها هي، بس القدر كرمني ببنت منك يا أحمد."
استطردت حور بمرح:
"سرحت في إيه يا مولانا؟"
أحمد:
"ما فيش، بس لازم تراضي أختك يا حور."
حور:
"والله أنا عارفة الست ما لهاش غير بيت جوزها، عشان كده بأقولك يا مولانا نجوزها البت دي ونخلص منها، بدل ما هي اللي واخدة الدلع كله من حضرتك وكأني أنا بنت البطة السودة وهي بنت البطة البيضة."
فضحك أحمد:
"بنت تأدبي، وإيه نجوزها دي؟ أختك لسه صغيرة مش هندلل لها على عريس."
فغمزته حور مرددة:
"العريس موجود يا مولانا، بس هي اللي توافق عشان تريح الكون وهو يشرب بقى."
فبحلق أحمد بعينيه وجلس أمامها وقال بانتباه:
"لا كده الموضوع في إنّ، والظاهر أن ست أيسل هانم اللي مربيها على إيدي مخبية عليّ. احكي لي يا شهرزاد إيه الموضوع بالضبط؟"
فضحكت حور وجلست مشيرة بيدها:
"أمرك مولاي. هو الواد سيف ابن خالو سفيان بيحبها وبيموت فيها ووووو."
وبينما حور تقص لوالدها عشق سيف لأيسل، كانت أيسل في غرفتها تصلي فرضها، وبعد الانتهاء جلست على التخت وأخذت تتفحص وسائل الاتصال الاجتماعي.
حتى وجدت عدة رسائل عديدة من سيف.
"أيسولة حبيبتي عاملة إيه؟ وحشتيني قوي. هأشوفك النهاردة أكيد، لإني ما بقتش أقدر على بعدك أكثر من كده. بأقولك ما أجيب الحج بالمرة أبويا ونخطبك عشان أهدأ كده وأركز في الشغل. موافقة صح؟ مهو السكوت علامة الرضا زي ما بيقولوا."
ابتسمت أيسل على هذا العاشق الذي احتل كيانها واقترب من هدم حصونها أمام عشقه الضاري.
ولكن كل ما تخشاه فرق السن اللعين، نعم هي سنة واحدة، ولكن في اعتقادها إنه يجب أن يكون هناك فارق بين الرجل والمرأة في العمر، لأن المرأة تكبر قبل الرجل وعقلها أيضًا يكون أنضج منه.
لذا تخشى أن يكون فارق العمر بينهم عقبة في حياتهم ويندثر الحب مع الوقت لاختلاف العقول.
فقامت بالرد عليه:
"أيوه تعالى يا سيفو عشان محضرالك الرضعة يا حبيب ماما."
قرأ سيف رسالتها فصك على أسنانه بغيظ قائلًا:
"ما فيش فايدة فيها، محسساني إني عيل صغير مش راجل مالي هدومي وعقلي يوزن بلد، بس هي مش مقدرة. بس أنا مش هييأس وهأفضل وراها لغاية ما توافق وتعترف إنها بتحبني زي ما بأحبها وأكثر كمان. وتشيل من دماغها أنها أكبر مني، ده اللي يشوفها أصلًا يقول لسه عيلة في إعدادي مش خريجة جامعة الأوزعة دي. ما هو يا أنا يا أنتِ يا أوزعة."
فبعث لها:
"أيوه جاي وحضري الرضعة زي ما أنتِ عايزة، بس لفيها عشان ما تبردش عقبال ما نجيب الواد ولا البنت، ويا ريت يكونوا شبهك عشان أنتِ قمر بس ياخدوا طولي أنا عشان لا مؤاخذة أنتِ أوزعة."
قرأت أيسل الرسالة فضمت شفتيها بغيظ ثم تمتمت:
"أنا أوزعة يا سيف ماشي. بس ده إيه بيقول جاي؟ لا ده شكله أتجنن خالص. أعمل إيه دلوقت ولا استخبى فين؟ ما أنا عارفة بابا أحمد يستحيل يرفضه ده ابن شهيرة الغالية أخته حبيبته."
ضحك أحمد على تعبيرات حور وهي تقلد أيسل عندما قالت لها:
"لا ما تتجوزيهوش هو، من همه أخذ قد أمه."
فاستطرد:
"بس الفرق مش كبير بينهم، وكمان سيف ما شاء الله طويل وعريض زي سفيان، لكن أختك أوزعة كده وشكلها كأنها هي أصغر منه بكثير، فليه ترفض؟"
حور:
"أنا غلبت معاها يا بابا، اتصرف معاها أنت بقى."
أحمد بغضب:
"يعني هو الباشمهندس كان كلمني عشان أقنعها؟ وهو إزاي يحبها أصلًا من غير ما يأخذ رأيي؟"
فضحكت حور:
"هو الحب فيه استئذان؟ ما تفتح مخك معانا يا مولانا الله، المهم الراجل يدخل من الشباك قصدي الباب. وهو هيعملها النهاردة، وزمان عمو سفيان هيكلمك ناو ويقولك."
أحمد باندهاش:
"وعرفتي منين يا دكتورة حور؟"
حور:
"هي البت سيلينا ما فيش غيرها ما بتعرفش تحط في بوقها فولة وبتبعتلي كل الأخبار."
فضحك أحمد:
"مش عارف البنت دي طالعة كده إزاي؟! دي شهيرة ما فيش أطيب وأهدى منها. لكن هي سيلينا على الرغم من إنها مش باينة من الأرض شبه أيسل كده بس عليها لسان أعوذ بالله. بس الحمد لله أنا كده فعلًا اطمنت على إسراء، لأن فعلًا سيف إنسان محترم وعلى خلق وكفاية أنه ابن الغالية شهيرة والغالى سفيان. عقبال ما أفرح بيكِ أنتِ كمان يا حوري."
حور برفض:
"لاااا أنا غير، ما فيش في دماغي الكلام ده خالص، أنا عايزة أشوف مستقبلي عشان عايزة أكون أشهر جراحة قلب في العالم."
ابتسم أحمد واستطرد:
"حبيبي الصغنن، ربنا يعطيكِ ما تتمني، بس برضه هيكون أجمل مع راجل يستاهلك تحبيه وبحبك."
ليقوم بالفعل سفيان بالاتصال على أحمد، ليحدد ميعاد لطلب أيسل منه.
وبعد محاولات كثيرة مع أيسل، أعلن سلطان الهوى أنه لا سلطة عليه سواء كان سن أو لون أو أي فروق اجتماعية، وأنه دائمًا الفائز.
فوافقت أيسل واستسلمت لأمر الحب.
وتم تحديد موعد الزفاف قبل سفر أحمد في بداية العام الدراسي الجديد إلى ألمانيا.
ولجت أنهار إلى غرفة سمر فوجدتها تبكي.
ففزعت وأسرعت إليها قائلة:
"مالك يا حبيبتي، فيكِ حاجة؟"
نظرت سمر إلى والدتها بحزن وألقت بنفسها في أحضانها وقالت بغصة مريرة:
"آسر يا ماما هيسافر ويسيبني."
تمعضت أنهار من ذكر آسر ذلك الشقي الذي تعشقه ابنتها الوحيدة وهو لا يبالي كأنه صخر دون مشاعر.
فقالت بغضب:
"ما يسافر ولا يتنيل ابن أشجان، أنتِ مالك ليه يا سمر؟ أوعي تكوني لسه بتفكري فيه يا بنتي؟!"
"لا اللي يبيعك بيعيه، وأنتِ الكسبانة، وديما كرامتك تكون هي أول حاجة."
فبكت سمر:
"بس أنا بأحبه يا ماما."
أنهار بنصح:
"حب من طرف واحد عمره ما ينفع ولا يكون ليه معنى. اسأليني أنا. ده يموت كمان يا بنتي زي ما ماتت أشجان أختي ربنا يرحمها وعاشت متعذبة بحب أحمد. وفي الآخر ولا منها عاشت زي الناس معاه ولا شافت حالها بعيد عنه وماتت بحسرتها بعد ما جالها القلب. من كثر ما قلبها تعب من حب ما لوش آخر. فنصيحة يا بنتي انسيه وحطي قلبك تحت رجلك وشغلي عقلك واستني لما يجيلك اللي يحبك ويقدرك وهو بحبه هيخليكِ تحبيه غصبًا عنك. زي أنا وأبوكِ كده ربنا يبارك في عمره. مع إني مش واخدها على حب، لكن من طيبته وحنيته عليّ حبيته يمكن أكثر ما هو بيحبني كمان. وبتمنى من قلبي ربنا يرزقك واحد زي أبوكِ يا حبة عين أمك."
لتمر الأيام سريعًا وتتزوج أيسل من سيف ويعيشوا حياة هادئة سعيدة يغشاها الحب والرحمة والمودة، وبعد أن اطمأن أحمد عليها.
همس:
"الحمد لله يا أشجان، أول ثمرة حبك في الدنيا ربنا كرمها. وأكيد أنتِ حاسة بيها. وعقبال آسر وحور."
ليستعد بعد ذلك مع حور الانتقال مع شيكو وأسرته إلى ألمانيا.
ولكن عفاف لم تستطيع مفارقة شمس بعد طول تلك العشرة الطيبة ما بينهم وقالت:
"ما أقدرش يا ابني. دي أمك دي روحي من جوه، ما أقدرش على بعدها. سافر أنت بس وما تقلقش عليها، وكل فترة تعالى يا ابني شقر عليها وتقدر كمان تكلمها كل يوم فيديو تتطمن."
وعندما وجد أحمد أن والدته هي أيضًا لا تستطيع مفارقة عفاف رضخ لها وسافر.
فما سيحدث هناك؟
وهل ستقع حور في غرام سليم كما يتمنى؟
وماذا عن منايا؟
وماذا عن العاشقين دلال وأحمد؟
هل آن الأوان أن يجتمعا بعد أن ظنوا أنهم أنها النهاية؟
"دلال!"
ردت دلال وهي ترجع شعرها الذي سقط على وجهها:
"نعم يا شيخ."
قال الشيخ:
"تعالي هنا، اقعدي جنبي."
جلست دلال بجانبه، وقالت:
"نعم يا شيخ، أمرني."
قال الشيخ:
"أنا عارف إنك بتحبيني."
ردت دلال بخجل:
"أنا مقدرش أقول كده."
قال الشيخ:
"لا، أنا عارف، بس في حاجة لازم تعرفيها."
قالت دلال:
"إيه هي يا شيخ؟"
قال الشيخ:
"أنا متجوز، وعندي أولاد."
صُدمت دلال، وقالت:
"إيه؟ متجوز؟"
قال الشيخ:
"أيوه، متجوز، ودي حاجة مقدرش أخبيها عليكي."
قالت دلال والدموع تملأ عينيها:
"بس أنا..."
قاطعها الشيخ:
"أنا عارف، بس أنا مقدرش أظلم مراتي وأولادي."
قالت دلال:
"يعني إيه؟ يعني مفيش أمل؟"
قال الشيخ وهو يمسك يدها:
"الأمل موجود، بس بطريقتي أنا."
نظرت دلال إليه باستغراب، وقالت:
"طريقتك إيه؟"
قال الشيخ:
"تتجوزيني، بس ده هيكون سري."
صُدمت دلال مرة أخرى، وقالت:
"سر؟ يعني إيه سر؟"
قال الشيخ:
"يعني محدش هيعرف إنك مراتي غيري أنا وإنتي."
قالت دلال:
"بس ده حرام."
قال الشيخ:
"متقلقيش، أنا هتجوزك على سنة الله ورسوله، بس محدش يعرف."
فكرت دلال قليلًا، ثم قالت:
"طب ليه؟ ليه عايزني سر؟"
قال الشيخ:
"عشان مراتي متزعلش، وعشان ولادي ميتأثروش."
قالت دلال:
"بس أنا عايزة أكون ليك."
قال الشيخ:
"وهتكوني ليا، بس بطريقتي."
قالت دلال:
"طب لو مرتك عرفت؟"
قال الشيخ:
"متقلقيش، أنا هعرف أتصرف."
قالت دلال:
"طب أنا موافقة."
ابتسم الشيخ، وقال:
"أنا عارف إنك بتحبيني."
قالت دلال:
"أنا بحبك أوي يا شيخ."
قال الشيخ:
"وأنا كمان بحبك يا دلال."
بعد مرور عدة أيام، تزوج الشيخ ودلال سرًا، وعاشا حياة سعيدة، ولكنها كانت مليئة بالخوف من أن ينكشف سرهم.
في يوم من الأيام، كانت دلال تجلس في منزلها، وفجأة سمعت صوت طرق على الباب. فتحت الباب، فوجدت امرأة تقف أمامها.
قالت المرأة:
"إنتي دلال؟"
قالت دلال:
"أيوه، مين حضرتك؟"
قالت المرأة:
"أنا مرات الشيخ."
صُدمت دلال، وقالت:
"إيه؟"
قالت المرأة:
"أيوه، أنا مرات الشيخ، وعرفت إنك متجوزاه."
قالت دلال بخوف:
"إزاي عرفتي؟"
قالت المرأة:
"عرفت كل حاجة."
قالت دلال:
"طب إيه اللي جابك هنا؟"
قالت المرأة:
"جيت عشان أوريكي إنك غلطانة."
قالت دلال:
"أنا مش غلطانة."
قالت المرأة:
"لا، إنتي غلطانة، إنتي خربتي بيتي."
قالت دلال:
"أنا ما خربتش بيتك."
قالت المرأة:
"لا، إنتي خربتيه، إنتي سرقتي جوزي مني."
قالت دلال:
"أنا ما سرقتش جوزك."
قالت المرأة:
"لا، إنتي سرقتيه، وإنتي لازم تدفعي التمن."
قالت دلال بخوف:
"تمن إيه؟"
قالت المرأة:
"تمن اللي عملتيه."
قالت دلال:
"أنا ما عملتش حاجة."
قالت المرأة:
"لا، إنتي عملتي، وإنتي لازم تدفعي التمن."
قالت دلال:
"أنا مش هدفع أي تمن."
قالت المرأة:
"هتدفعي، وهتدفعي غصب عنك."
ثم دفعت المرأة دلال، ودخلت المنزل، وبدأت في تكسير الأثاث. حاولت دلال إيقافها، ولكن المرأة كانت أقوى منها.
بعد أن انتهت المرأة من تكسير الأثاث، نظرت إلى دلال، وقالت:
"ده بس بداية."
ثم غادرت المرأة المنزل، وتركت دلال تبكي بحرقة على ما حدث.
بعد مرور عدة أيام، علم الشيخ بما حدث، فغضب غضبًا شديدًا، وذهب إلى زوجته، وتحدث معها.
قال الشيخ:
"إزاي تعملي كده؟"
قالت الزوجة:
"عشان تستاهل."
قال الشيخ:
"إنتي عارفة إنك غلطانة."
قالت الزوجة:
"أنا مش غلطانة."
قال الشيخ:
"لا، إنتي غلطانة، وإنتي لازم تعتذري لدلال."
قالت الزوجة:
"أنا مش هعتذر لحد."
قال الشيخ:
"لو ما اعتذرتيش، يبقى كل واحد يروح لحاله."
صُدمت الزوجة، وقالت:
"إيه؟ هتطلقني؟"
قال الشيخ:
"أيوه، لو ما اعتذرتيش، يبقى هتطلق."
فكرت الزوجة قليلًا، ثم قالت:
"طب أنا هعتذر."
قال الشيخ:
"تمام."
ذهبت الزوجة إلى دلال، واعتذرت لها، وسامحتها دلال، وعاشوا جميعًا في سلام.
النهاية.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الثامنة والثلاثون
الأمل بالله هو وقود الحياة وشعلة النور التي تنير دروبنا في أحلك الظروف. إنه الإيمان العميق بأن الله تعالى هو القادر على كل شيء، وأنه لن يخذل عباده المؤمنين.
الأمل بالله يمنحنا القوة للمضي قدمًا، والصبر على البلاء، والثقة بأن القادم أجمل بإذن الله.
تمعضت حور طوال الرحلة من نظرات سليم التي تفضح عينيه وكأنها تقول للعالم أجمع أنها حبيبته.
كما لاحظ أحمد تلك النظرات فاستغفر:
"استغفر الله العظيم يا رب، الواد طالع شبه أبوه بالظبط، ربنا يهديك يا ابن شيكو."
وعندما نظر إلى حور وجد وجهها يكاد ينفجر من الغيظ، فابتسم أحمد وحمد الله أن ابنته قوية وليست ضعيفة حتى لا تنجرف لمشاعر قد تكون غير حقيقية.
أما ياسمين فكانت تصك على أسنانها بغيظ من نظرات سليم إلى حور، فلكزت شيكو بذراعها فتألم وطالعها بغضب قائلًا:
"مش تحاسبي يا آخرة صبري."
ياسمين بغيظ:
"ما يخلي ابنك اللي يحاسب شوية ويخلي عنده شوية دم، بدل ما عينه مش بتنزل من على البت وأبوها واخد باله ومكشر ومش بعيد لما يزهق يقوم يضربه ولا يفك الشراكة معاك وتحتاس بقى بمخك الضلم ده زي ابنك يا شيكو."
احتقنت دماء شيكو ومسح على وجهه بانفعال قائلًا:
"اللهم طولك يا روح، هو يا ست أنتِ متعرفيش تقولي كلمة حلوة أبدًا وسادة نفسي كده على طول. أنا زهقت والله، وبقولك ملكيش دعوة بالموضوع ده وسيبيه ومتخافيش على اللي بيني وبين أحمد، لأن اللي بنا أكبر بكتير من كده. أنا وأحمد روح واحدة منقدرش نفترق أبدًا، غير أنه عارف سليم محترم بزيادة حتى لو عينه فضحاه لكن مستعد يحميها حتى من نفسه. أما البنت فكل اللي عليه وعليكِ تدعي وبس ربنا يلين قلبها لسليم عشان الولد صعبان عليه جدًا."
ياسمين بنفور:
"ولد إيه بقى، يا ريتني كنت جبت بنت أحسن. ده عِيرة الرجالة."
فبرق شيكو لها من الصدمة ولم يستطع الكلام فاستغفر:
"استغفر الله العظيم وأتوب إليه. ربنا يهديكِ يا ياسمين."
أما آسر فظهر على وجهه الحزن ولاحظ أحمد ذلك فسأله:
"إيه يا هندسة مالك كده مكشر بس كفاية علينا ست حور هانم."
آسر:
"صعبان عليّ جدًا سمر، مش قادر أنسى دموعها قبل ما أسافر بس مكنش في إيدي حاجة. أنا أصلًا عمري ما وعدتها بحاجة وعلى طول كنت شايفها مجرد أخت وبس مش أكتر من كده لكن مشاعر وحب وكده لا، أنا لسه مقبلتش الإنسانة اللي تخطف قلبي لكن بجد سمر أنا كنت هضعف أمام دموعها وألغي السفر وأتجوزها وأمري لله بس اترجعت على آخر لحظة."
فأخرج أحمد تنهيدة مريرة ثم قال بحزن:
"كده أحسن يا آسر، وأفضل كمان بدل ما كنت تقضي طول عمرك حزين وتحس إنك ظلمت نفسك معاها وظلمتها هي كمان لأنك مش قادر تديها قلبك."
ثم همس:
"يا ريتني أنا زمان كنت رفضت أشجان يمكن كانت تلاقي حد غيري يقدرها ويحبها بدل ما اتظلمت معايا، ويمكن كنت قدرت أتجوز دلال قدام كل الناس عشان تحس بالأمان اللي يمكن بسببه حصل اللي حصل وسبتيني فجأة حتى من غير وداع. يا ترى ليه عملتي كده يا دلال؟ ويا ترى أنتِ فين أراضيكِ؟ ويا ترى ممكن نتقابل بعد العمر ده كله؟ أنا فعلًا خايف أموت من غير ما أشوفك يا أجمل ما شافت عيني ونبض قلبي."
طلب شاهين من سعد وهو شاب ذكي يدير حسابات المحلات أن يذهب إلى شقته ويأخذ دفتر للحسابات قد تركه ولم يأتِ به. فاستجاب سعد وصعد إلى شقة شاهين وطرق الباب ففتحت له سمر، فتخشب سعد في مكانه وتفتح فمه ببلاهة من جمالها الآخاذ ببشرتها البيضاء وطابع الحسن الذي يزين وجهها.
وعندما لاحظت سمر تحديق سعد بها انفعلت وصاحت بغضب:
"صورتني ولا لسه يا اسمك إيه؟ هو فيه إيه جدع ما مالك كده متخشب؟ ما تنطق تقول عايز إيه؟"
سعد بتلعثم:
"آه أنا كنت جاي عشان.."
ثم وضع يده على رأسه محاولًا التذكر، فباغتته بقولها بحدة:
"أنت لسه هتفكر؟ طب لا مؤاخذة هقفل الباب ولما تفتكر ابقى خبط عشان أنا مش فاضية."
وعندما حاولت غلقه أتت والدتها على صوتها المرتفع وتساءلت:
"صوتك عالي ليه يا سمر؟ بتكلمي مع مين؟"
ثم لاحظت سعد فابتسمت واستطردت:
"أنت جيت يا ابني، الحاج لسه مكلمني أديك الدفتر."
فجحظت عين سعد متذكرًا:
"آه الدفتر."
فتابعت سمر بتهكم:
"توك ما افتكرت! الجدع ده دماغه بايظة."
فأشارت لها أنهار:
"هاتي يا بنتي لسعد كوباية عصير يبل ريقه، عقبال ما أدخل أجيب له الدفتر."
فصكت سمر على أسنانها بغيظ مرددة:
"حاضر يا ماما."
وعندما تقدمت بخطواتها استوقفها سعد بقوله:
"ملوش لزوم يا آنسة سمر، أنا هاخد الدفتر وأنزل على طول."
فتمتمت سمر:
"وفرت."
حدث سعد نفسه:
"لسانها طويل بس زي القمر، يا بخته اللي هتكون من نصيبه ويصحى يلاقي القمر ده قدامه."
ثم جاءت أنهار وناولته الدفتر ثم غادر. لتغلق سمر الباب من ورائه بقوة، فنهرتها أنهار:
"ما براحة على الباب يا سمر."
سمر بانفعال:
"معلش يا ماما، أنا مصدقت الراجل الغلس ده مشي."
فضحكت أنهار مرددة:
"غلس!! ده سعد ده سكر وطيب أوي وأبوكِ ديما يتكلم عنه وعن شطارته غير، أنه أمين أوي على الشغل ودبة النملة يكتبها، صراحة محترم ويا بخت اللي هتكون من نصيبه."
سمر بتهكم:
"يا بختها قولي أمها داعية عليها، دي سحنته كفاية تقفلها."
وصل أحمد مع ابنته وآسر وشيكو وعائلته إلى مطار ألمانيا وعندما هبط من الطائرة شعر بنبضات قلبه تزداد فوضع يده على قلبه وهمس باسم دلال لا إراديًا.
ولاحظت حور ذلك فطالعته بقلق قائلة:
"مالك يا بابا، أنت تعبت من السفر يا حبيبي؟"
ابتسم أحمد لها وقال مطمئنًا:
"لا يا قلب بابا، أنا بخير. ودلوقتي هنخلص الإجراءات ونروح البيت نستريح شوية من السفر وبعدين ننزل نتفسح ونتعرف شوية عن البلد والمعالم اللي فيها."
فهمست حور في أذن أحمد:
"وطي صوتك يا بابا عشان ما يسمعش عمو شيكو ويجي هو وابنه الرذل ده سليم، ويا لهوي لو جت أمه كمان دي تفضحنا بين الأجانب يا مولانا."
فغضب أحمد ونهرها:
"حور ده كلام عيب وحرام عشان يعتبر نميمة."
أخفضت حور بصرها قليلًا واستغفرت:
"استغفر الله العظيم. مش قصدي يا بابا بس بجد أنا عايزة آخد راحتي معاك ومع آسر لوحدنا بليز ممكن؟"
فابتسم أحمد ولبى طلب صغيرته:
"حاضر يا عيوني زي ما تحبي."
وبالفعل تم ما تريد لتنبهر حور بجمال تلك البلد الغريبة عليها وأخذت تلتقط كثيرًا من الصور لها مع والدها وآسر لتكون تذكارًا لها عندما تعود إلى أرض الوطن.
تذمر آسر من كثرة المشي وشعر بالإجهاد فقال:
"مش كفاية كده ونرجع بقى يا ست حور، مش قادر أقف على رجلي ربنا يسامحك."
حور:
"معلش خمس دقايق كمان يا أسورة ونروح بس تعال نتصور عند النافورة الحلوة دي."
آسر:
"ماشي آخر صورة بس."
حور:
"أيوه يا أخي مش عارفة متسرع كده ليه."
وعندما اتجهوا نحو تلك النافورة صادف وجود مُنايا مع صديقة لها مصرية أيضًا تدعى سلمى.
قالت سلمى بانبهار:
"بصي يا موني اللي جاي ده مع بنت محجبة، شكله مز خالص، يا ريت يكون مصري ولا حتى ثري عربي يا بنتي أهو تبقى مصلحة."
مُنايا:
"بس يا حبيبتي، عيب كده ما بتبصيش عليهم ألا ياخدوا بالهم."
سلمى:
"عيب إيه!! دي حتة مارون جلاسيه بس يا ترى البنت اللي معاه دي إيه نظامها خطيبته ولا أخته ولا صاحبته، يا رب تكون أخته."
ثم لاحظت سلمى أحمد فقالت بإعجاب:
"أوبا ومين ده كمان اللي جاي وراهم عسول أوي واللحية هتاخد منه حتة، شكله كده أخوهم الكبير بس قمر، أنا بحب السن ده أوي، بيكون الراجل عاقل وراكز ويدلع الست اللي معاه."
منايا بانفعال:
"وبعدين معاكي يا سلمى، لو ما بطلتيش كلام عليهم همشي وأسيبك."
سلمى:
"طول عمرك وش فقر، ومش مقدرة النعمة، دول الرجالة دول حاجة قمر خالص."
منايا بضحك:
"قمر بالستر يا بت. بقى الرجالة حاجة قمر، دول بوز نكد من خلال التجارب اللي بقرأها على الفيس إلا بابي بس الله يرحمه هو الوحيد اللي عمري ماما ما اشتكت منه ونفسي بجد أتجوز واحد زيه."
سلمى:
"ما هو عشان كان أكبر من ماماتك كتير أوي يا مُنايا، فعشان كده كان مدلعها وما يقدرش يزعلها. وأظن العسل أبو لحية ده ممكن يقوم بالواجب ده، أنا هتنازلك عنه زي بعضه مع أنه عجبني وهاخد الصغير. شوفتي بقى أنا حنينة إزاي."
مُنايا بضحك:
"أنتِ هتقوليلي..!!"
وعندما رفعت بصرها وطالعت أحمد بجانب حور ويقوم بتصويرهم آسر، نبض قلبها بشعور لم تشعر به من قبل، شعور غريب لأول مرة يراود قلبها الصغير. فوجدت نفسها تتأمل ملامحه وغزا قلبها شعور أن ملامحه ليست بالغريبة عليها وأنها قد رأته من قبل. فابتسمت دون شعور منها ثم لفت نظرها صوت حور:
"عايزين نصور احنا التلاتة مع بعض نشوف حد يصورنا."
فتقدمت مُنايا التي لم تبرح عينيها أحمد دون شعور قائلة:
"ممكن أنا أقوم بالمهمة دي أصوركم."
فابتسمت حور ورددت:
"إيه ده مصرية زينا، يا هلا ومرحبًا بنت بلدي، أنا سعيدة أوي إني شوفتك وممكن تكون صحاب."
لم ينظر أحمد إلى مُنايا عندما اقتربت منهم وعرضت عليهم التصوير ولكن صوتها الذي يعلمه جيدًا عن ظهر قلب ويشبه صوت أحب الناس إليه "دلال" جعله يرفع عينيه ليطالعها لثوانٍ معدودة وهمس دون أن يسمعه أحد "دلال". ولكنه أخفض بصره سريعًا وهمس بحزن:
"أنت اتجننت يا أحمد؟ دلال إيه؟ دي عيلة من دور بنتك."
ثم أخرج زفيرًا حارًا وهمس بمرارة:
"وبعدين يا دلال، أنا بقيت مهووس بيكِ لدرجة إني بشوف شكلك في أي بنت ولا إيه؟ يا ترى أنتِ فين يا حبيبتي؟ وإمتى هشوفك ولو حتى للحظة واحدة أقولك قد إيه أنتِ وحشتيني يا ضي عيوني."
أما آسر فكان في عالم آخر عندما رأى منايا، فقد انبهر بجمالها الطبيعي ورقتها وصوتها العذب. لذا ردد سريعًا:
"طبعًا احنا لينا الشرف يا آنسة إنك تصورينا."
خجلت منايا وقالت:
"ميرسي. أنا اسمي مُنايا المنياوي."
حور:
"الله اسم جميل جدًا وجديد."
آسر:
"فعلًا اسم قمر زي صاحبته."
منايا:
"هو مشابه لاسم بابي الله يرحمه، وماما هي اللي اختارت الاسم ده عشان كانت بتحبه جدًا."
تنبه أحمد لكلمة "الله يرحمه"، فأشفق عليها وهمس:
"يتيمة يعني! لا حول ولا قوة إلا بالله، قلبي وجعني عليها."
ثم رفع بصره إليها، ليجدها تبحلق به، فشعر بالحرج وسرعان ما أخفض بصره وهمس:
"البنت دي فيها حاجة غريبة أوي، ومش عارف فعلًا هي شبه دلال فعلًا ولا أنا من كتر ما دلال وحشاني بيتهيألي. بس كل اللي أقدر أقوله إني حاسس إن نظرات البنت دي مش طبيعية وبتقول حاجة مش فاهمها."
وبالفعل قامت منايا بتصويرهم وشكرتها حور:
"متشكرة جدًا يا منايا، ويا ريت أشوفك تاني ممكن؟"
منايا:
"يا ريت نتقابل تاني، ممكن رقمك عشان أتواصل معاكِ."
حور:
"أكيد، اتفضلي."
منايا:
"تمام هرن عليكِ دلوقتي، تسجليه."
فهمس آسر إلى حور:
"ابقي اديني رقم الموزة دي يا حور."
فدعست حور قدمه فتألم، فابتسمت حور وقالت بمكر:
"سوري يا أسورة ما خدتش بالي."
فصك آسر على أسنانه بغيظ وقال:
"ما خدتيش بالك وديني لما نروح بس مش هسيبك."
ثم جاءت سلمى مسلطة نظرها على آسر وقالت:
"إيه يا موني سبتيني ورحتي فين؟ مش تعرفينا طيب عليهم؟"
منايا بحرج:
"آسفة يا سلمى، اتأخرت عليكي."
حور:
"أهلًا بيكِ يا قمر، ومعلش خدنا منك صاحبتك شوية. أنا حور والمشاكس ده آسر أخويا، والقمر ده بابا."
فرمقته منايا بحزن وهمست:
"بابا إزاي مش باين عليه، يعني متجوز."
فسألت بحرج:
"أمال فين ماما عشان تصور معاكم؟"
فلمعت عين حور بالدموع وقالت بحزن:
"ماما الله يرحمها."
فسارعت منايا بقولها بأسف:
"أنا آسفة جدًا."
آسر:
"مفيش آسف ولا حاجة."
ثم نظر إلى سلمى:
"أهلًا بيكِ يا آنسة."
سلمى بدلال:
"اسمي سلمى وحقيقي أنا سعيدة إني اتعرفت عليك، يوه قصدي عليكم."
حور:
"أهلًا بيكِ يا سلمى، والله أنا سعيدة جدًا إني اتعرفت على ناس من بلدي لأني كنت جاية خايفة أكون وحيدة هنا عشان ما اعرفش حد وأنا من النوع الاجتماعي اللي ما يعرفش يكون لوحده، ولو إني عارفة إن دراسة الطب هتاخد كل وقت."
اتسعت عين منايا مرددة:
"أنتِ في طب؟"
حور:
"آه أول سنة ليّ وبابي كمان هيكمل دراسته بعد انقطاع طويل بسبب شوية ظروف كده. أما آسر فهو باشمهندس بس هيشتغل في فرع شركة بابا هنا."
فهمست سلمى:
"شركة، يا حلاوة يا ولاد، أخيرًا لقيت واحد حليوة ومتريش كمان، إظاهر أمك داعيالك يا سلمى وأخيرًا هتستريحي من الشغل والممرمطة عشان تقدري تخلصي كليتك هنا."
ابتسمت منايا بفرحة أن ذلك الملتحي الذي لا تعلم ما به يجذبها إليها هل وجهه المريح أم قلبه النقي الذي تكاد تراه من داخله لتستطرد:
"يا محاسن الصدف، سبحان الله أنتِ كمان أولى طب، يعني معناها هشوفكم كتير."
توتر أحمد عند سماعه كلماتها ولكنه حاول السيطرة على نفسه وحدث نفسه:
"مالك يا أحمد فيه إيه؟ إيه خلاك متوتر كده لما عرفت إنك هتشوفها كل يوم؟ عادي فيها إيه؟ مش عارف البنت دي فيها حاجة غريبة وكأني أعرفها قبل كده وحاجة بتجذبني ليها بس مش عارف هي إيه؟"
حور:
"بجد والله، لا أنتِ كده عايزة بوسة كبيرة، تعالي لما أبوسك يا قمر أنتِ."
فضحكت منايا وعلق آسر يتهكم:
"براحة عليها ألا تاكليها يا حور، عشان عارفك مفجوعة."
تذمرت حور مرددة:
"أنا مفجوعة يا بابي."
ابتسم أحمد وأشار برأسه:
"أي نعم."
حور:
"لا أنتم متفقين عليّ بقى، أنا زعلانة، بقولك إيه يا موني ما تاخديني معاكِ."
منايا بضحك:
"يا ريت أنا كان نفسي أوي في أخت تشارك معايا كل حاجة في البيت."
سلمى بغيظ:
"إيه يا ست منايا، من لقى أحبابه نسى صحابه ولا إيه، هو أنا مش أختك برضه ولا إيه؟"
منايا:
"آه طبعًا بس أنا قصدي على الأخوات الشِققة من الدم."
سلمى:
"يا ستي مش مهم، المهم إني موجودة أهو، ومش كفاية نروح بقى عشان الكلية الصبح."
منايا:
"آه طبعًا، طيب بعد إذنكم يا جماعة وإن شاء الله نتقابل بكرة في الكلية."
آسر:
"أنا كده شكلي هقدم طب بعد الهندسة عشان الصحبة الحلوة دي."
فابتسمت منايا بخجل واحمرت وجنتيها.
آسر:
"لا ما أقدرش على كده، هو فيه لسه بنات بتتكسف وخدودها تحمر، دي البنت اللي معاها عينها قبيحة ومش منزلة عينيها من عليّه. لكن شكل منايا دي حاجة تانية خالص وحاسس إني هيكون ليّ معاها قصة. ياااه ممكن تكون فعلًا البنت اللي بحلم بيها طول عمري والحب اللي انتظرته كتير."
غادرت منايا بعد ذلك وعندما غادرت شعر أحمد بخفقان في قلبه، لا يعلم سره. بل تشوق لرؤية صغيرته مرة أخرى. فمتى سيعلم أنها ابنته من حبيبة العمر والقلب "دلال".
عادت مُنايا إلى المنزل وعانقت والدتها وأخذت تقبلها مرات عديدة والابتسامة لا تفارقها.
دلال بحب:
"حبيبة قلب ماما، وشك منور يعني ومبسوطة، خير قد كده الخروج مع سلمى ريحك."
مُنايا:
"هي سلمى لذيذة ودمها خفيف وأنا بحبها وبنت بلد مجتهدة بتشتغل وتصرف عشان تقدر تكمل دراسة مش زيي نايتي وبصرف من فلوس بابا الله يرحمه."
فضحكت دلال:
"أحلى نايتي وبسكوتة يا قلبي. وربنا يرحمك يا باشا بحق ما جعلتنا مستورين."
استطردت منايا:
"بس اللي خلاني مبسوطة يا ست الكل إني قابلت بنوتة عسل كده اسمها حور هي وبابها وأخوها. شكلها عسولة أوي ودمها خفيف وحبتها جدًا وكمان طلعت زميلة ليّ في الكلية، وإن شاء الله هجيبها هنا معايا مرة عشان تتعرفي عليها، أنا متأكدة إنك هتحبيها. وشكلهم عيلة ملتزمة لأن حجابها كبير وبابها ملتحي."
سرى شعور سيطر على كيان دلال عند ذكر ملتحي وتذكرت أحمد بلحيته التي خطفت قلبها عندما شاهدته أول مرة. وهمست:
"كنت قمر يا مولانا باللحية، كانت هتاكل من وشك حتة."
ولكنها لم تتخيل أن ذلك الملتحي هو أحمد.
دلال بلهفة:
"شوقتيني أشوفها."
منايا:
"صح يا ماما، أنتِ ليه ما جبتيش ليّ أخ ولا أخت بدل ما أنا وحيدة كده."
فحركت دلال شفتيها باستياء وهمست:
"ودول كنت هجيبهم إزاي باللاسلكي وكان هينفع من غير مولانا؟"
ثم قالت بهدوء:
"هو النصيب وإرادة ربنا يا حبيبتي."
اتصل شيكو على أحمد بناءًا على رغبة سليم بعد إلحاح شديد منه، لأن حور لا تجيب على رسائله فأصابه القلق. رغم أن شيكو أفهمه أنها ربما تكون نائمة من عناء السفر ولكنه أصر فاضطر للاتصال فأجابه أحمد:
"حبيبي يا أخويا وصاحبي."
شيكو:
"لا يا عم أنا زعلان لا حس ولا خبر من ساعة ما جينا، إيه مش معقول كل ده نايم."
أحمد:
"لا يا صاحبي ما أقدرش على زعلك بس الآنسة حور دبستني في فسحة عشان تتفرج على البلد وراجع رجلي متكسرة والله."
فضحك شيكو:
"يا راجل اجمد كده ولا شكلك كبرت وعجزت."
أحمد بضحك:
"شكلها كده يا صاحبي."
شيكو:
"لا ما تقولش كده أنت لسه في عز شبابك يا أحمد. ونفسي بجد تنسى الماضي واللي فيه ونشوف نفسك شوية، كفاية السنين اللي عدت وأنت دافن نفسك حرام كده. حب الدنيا عشان تحبك وشوف بنت الحلال اللي تسعدك باقي عمرك يا أحمد ويمكن ربنا يكرمك منها بالولد الصالح اللي يشيل اسمك ويقدر تعبك كل السنين اللي فاتت ويكمل هو."
لم يتحمل أحمد كلمات شيكو فنهرة بحزن:
"أنت بتقول إيه يا شيكو. لو بتحبني صح ما تفتحش سيرة الموضوع ده تاني. يستحيل واحدة ست تدخل حياتي بعد دلال أبدًا، لأني قلبي معها هي وبس. فمش عايز أظلم حد معايا تاني، كفاية ظلمت أشجان الله يرحمها."
شيكو:
"يعني هتقضي بقية عمرك مترهبن كده يا مولانا. ما تجيب واحدة تعكنن عليك عيشتك يا ياسمين كده، مراتي حبيبتي."
فضحك أحمد وردد:
"لا شكرًا سبتلك أنت النكد، حلال عليك."
شيكو:
"بقى كده، ماشي يا ندالة. طيب هشوفك بكرة بقى في مقر الشركة الجديد."
أحمد:
"آه بإذن الله بس أنت عارف هتأخر طبعًا بعد ما أخلص الكلية."
شيكو:
"والله فرحانلك يا دكتور أحمد أنت تستاهل كل خير."
أغلق شيكو الخط مع أحمد ليطالع سليم بحزن لما آل إليه من حزن على فتاة لا تشعر به. فوجده يغادر إلى غرفته بعد أن استمع إلى المكالمة وعلم أنها كانت تستمتع بوقتها دونه ولا تفكر به. فألقى بنفسه على الفراش وضم وسادته إلى صدره وحدث نفسه بغصة مريرة:
"للدرجاتي أنا مش في بالك يا حور ومطنشة كل رسايلي ومبترديش عشان حضرتك بتتفسحي ومش فاضية وكمان من غير ما نعرف. آه ما هو صحيح مش عايزاني معاكِ عشان تاخدي راحتك. ماشي يا حور وحياة قلبي اللي أحبك وأتمنى منك ولو كلمة ولا حتى نظرة، هتيجي أنتِ اللي تقوليلي بحبك وعايزاكِ. وأنا إيه تفتكروا هرفض وأعمل تقيل لا دي نبض قلبي وحتة مني هاخدها في حضني وأقول نورتي حياتي. فاصمد يا قلبي أمام حبها وصون كرامتك حتى تنال المراد عزيزًا."
ومنذ تلك اللحظة قرر سليم ألا يحدثها وأن يهتم بمستقبله كما تهتم هي وأكثر ولكن إن كان لسانه لن ينطق بحبها، سيدع قلبه سيد المواقف إن احتاجت له في أي لحظة. ولن ييئس حتى تهيم به حبًا.
وفي اليوم التالي أصر آسر على توصيل أحمد وأخته إلى الجامعة. تعجب أحمد قائلًا:
"أنت يا ابني مالوش لزوم تعطل نفسك وروح المكتب عشان تشوف شغلك مع عمك شيكو، حرام هو يشيل لوحده كل حاجة."
توتر آسر حتى لا يفتضح أمره أنه يريد رؤية تلك الساحرة التي سحرته من أول نظرة. ولكن حور أنقذته من ذلك الحصار لأنها شعرت به من نظراته إليها فقالت:
"سيبه يا مولانا، خليه يجي ياخد فكرة عن الجامعة ويشوفها من جوه وياخد له صورتين يتمنظر بيهم قدام صحابه أنه بقى شخصية مهمة ويقدر يدخل أي مكان، ويرد عليه أصحابه: عاش يا بطل اللي مشرفنا جوه وبره."
فقهقه أحمد واستطرد:
"وأنا أقول البنت سيلينا طالعة لمين، طالعالك لسانها متبري منها."
ليهمس آسر في أذنها:
"جبارة بس ماشي أي حاجة المهم أشوفها."
حور:
"ما يوقع إلا الشاطر، يا عيني عليكِ يا سمورة، مش كانت أولى بيك يا ابني."
آسر:
"القلب وما يريد يا حور، وافتكري الكلام ده كويس لما يجي نصيبك."
حور بنفور:
"لا أنا مليش في الصنف اشبعوا بيه أنتم، أنا هتخصص قلب عشان أداوي مش أنجرح زيكم."
فضحك آسر:
"آه يا جااامد أنت."
ليصلوا بالفعل الجامعة وكانت منايا في انتظارهم بفارغ الصبر وعينيها تبحث عنهم في كل مكان. ولا تعلم سر انجذابها إلى أحمد أهو إعجاب أم حنين لمشاعر أب افتقدته منذ سنوات وترك في قلبها فراغًا تريد أن تملأه بالقرب من أحمد. ولكنها في ذات الوقت عندما رأت آسر فنبض قلبها وغزت السعادة روحها فتعجبت وسألت نفسها:
"يووو ما ترسي على بر يا ست موني أنتِ معجبة بالولد ولا أبوه ومش عارفة إزاي ده يكون أبو ده شكله جابه وهو إعدادي لسه هههه."
وعندما ضحكت أذابت قلب آسر عشقًا وتمتم بحب:
"لا ما أقدرش على كده أنا ومش بعيد النهاردة أقولها بحبك و بالليل أكون كاتب عليها وأقولها ما تضحكيش تاني غير قدامي أنا بس، عشان ما أتصورش قتيل لو حد فكر بس يبصلك."
أما أحمد فتوتر من ضحكتها وقال:
"مش ممكن الشبه بينها وبين 'دلال' حتى في الضحكة ونظرة العين وطريقة الكلام. أنا هتجنن!! البنت دي طلعتلي منين بس؟ وهتصرف معاكِ إزاي؟ ويا ترى أنتِ فين يا نبض قلبي، أنا من غيرك ولا حاجة."
ولا تتركني وحيدًا، فإني لا أعرف كيف تستمر الحياة دون أن أشعر بلطفك، دون أن أشعر بيدك معي في كل أمر.
فكن معي وثبّتني وأعني على نفسي، وتولني بحسن تدبيرك وسعة فضلك، وسخر لي الخير يا رب، كل الخير.
رواية دلال و الشيخ الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة التاسعة والثلاثون
..................
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
مهما فرقتنا الأيام والسنين، ومهما كان الجفاء والبعد هو طريقنا، إلا أن هذا لن يمنع ولن يقلل من مدى اشتياقي وحنيني إليك. سأكون بانتظارك، سأبقى على العهد الذي بيننا، سأكمل الطريق الذي رسمناه سويًا، فشوقي إليك يزداد وحنيني إليك ينمو، فأنا دائمًا بقربك وبجانبك، فإليك هنا أجمل العبارات التي تعبر عن الشوق الذي بداخلي.
.............
أخبر الصغير رامي والدته أسماء أن تميم أخيه في غرفته يبكي، ففزعت وأسرعت إليه، فاستوقفها تميم قائلًا:
"سيبيه يا أسماء بينفس عن نفسه. أنا حاسس بيه قوي، وياما عملت زيه."
لمعت عين أسماء بالدموع واقتربت من تميم وأمسكت بيده ورفعتها إلى فمها وقبلتها بحب مرددة بندم:
"إيه يا قلب أسماء، هفضل أعتذر لك لإمتى عشان تسامحيني على اللي عملته زمان."
"كنت طايشة ودماغي مش فيه، وربنا عاقبني باللي حصل، واهو كمان في ابني."
ضمها تميم بقوة لصدره:
"لا يا حبيبتي ما تقوليش كده. وأنا من ساعة ما دخلتي بيتي ونورتيه نسيت كل حاجة حصلت وبحمد ربنا سبحانه وتعالى أنه رد لي روحي ثاني."
"بس اللي خلاني أفتكر هو تميم ابني اللي ربيته على إيدي، ومش عارف أعمله إيه عشان أخفف عنه."
"لأن فعلًا حور مش في دماغها تميم خالص، وهو هيموت عليها خصوصًا أنها سافرت حتى من غير ما تودعه."
أسماء بغضب:
"مش عايزة أدعي عليها بت أشجان عشان خاطر أمها الله يرحمها."
"بس أقول إيه، قادرة بنت اللذينا."
تميم:
"مش كده يا أسماء، هي البنت برده ما لهاش ذنب، والحب مش بالعافية، وهي ما عشمتهوش وخلت بيه صراحة."
أسماء:
"والعمل يا تميم؟ هنسيب الولد كده يضيع وهو لسه يا حبة عيني زي القطة المغمضة، ولسه قدامه المشوار طويل."
"ده كفاية أنه جاب مجموع على القد، ويدوبك هيدخل معهد بالعافية."
تميم:
"معلش ده نصيب، ولو اجتهد في المعهد ممكن بعدها يدخل هندسة، قولي يا رب."
أسماء برجاء:
"يا رب يفرح قلبك يا ابني."
تميم:
"أنا داخل أتكلم معاه يمكن أقدر أهون عليه."
أسماء:
"ربنا يجعل في كلامك القبول عنده يا حبيبي."
فدلف تميم إلى حجرته فوجده يأخذ وضع الجنين وعينيه تحول لونها إلى اللون الأحمر الداكن من كثرة البكاء. وعندما رأى تميم والده وقف احترامًا له، فأشار له تميم بذراعه فأسرع الصغير ليلقي بنفسه على صدره ثم بكى بمرارة. فاحتضنه تميم وهمس:
"وبعدين يا قلب أبوك؟ مش قولنا الراجل ما يبكيش."
تميم الصغير:
"غصب عني يا بابا، دي ما هانش عليها حتى تقولي مع السلامة ولا افتكرتني."
تميم:
"خلاص يبقى اللي ينسانا ننساه ولا كأنه موجود، وأنت لسه قدامك الدنيا وياما هنشوف بنات أصناف وألوان، واللي تشبه قلبك الأبيض الطيب بس هي اللي هتكون من نصيبه."
"وأنا ما أنكرش أن حور بس مؤدبة كويسة، بس إنسانة عملية حبتين مش مناسبة خالص ليك يا حبيبي."
تميم الصغير:
"أنا عارف ده بس غصب عني والله."
تميم:
"عارف وعارف برده وواثق فيك أنك هتقدر تتخطاها، ولو صادف وقابلتها ثاني هتضحك على نفسك وتقول معقول أنا كنت في يوم من الأيام بفكر فيها."
تميم الصغير:
"يا ريت يجي اليوم ده."
.........
طالعت مُنايا أحمد بإعجاب وهي تراه يحاوط حور بذراعه، وأخذتها الغبطة وقالت:
"يا بختك يا حور، عندك بابي مهتم بيكي ويحبك ويخاف عليكي."
ثم تذكرت والدها ولمعت عينيها بالدموع واستطردت:
"يا ريتك كنت عايش يا بابا، ما تصورش أنا محتاج لك قد إيه ومحتاجة حضنك الدافي اللي كان بيحميني."
رأتها حور فتركت ذراع والدها وأقبلت عليها مبتسمة:
"يا صباح الكريمة بالقشطة يا مُنى."
"إيه الحلاوة دي يا بنتي..!!"
ابتسمت منايا بخجل:
"ميرسي يا حور، وأنتي كمان جميلة جدًا."
"ومش بس كده، بحس إنك شبهي كمان."
"حتى سلمى قالت لي اللي يشوفك معاها يقول أخوات."
حور:
"دي حاجة تشرفني يا قمر أنت."
ثم تقدم آسر وطالعها باشتياق قائلًا:
"إزيك يا منايا."
"تعرفي إن اسمك حلو قوي وجديد بس معناه جميل."
مُنايا بخجل:
"ميرسي، وهو فعلًا مش منتشر كتير، وهو من ذوقك ماما عشان جي من اسم بابا الله يرحمه أو لقبه."
آسر:
"شكلها كانت بتحبه جدًا."
مُنايا:
"فعلًا، ومين ما يحبش بابا المنياوي؟"
لتلمع عينيها بالدموع فيتأثر أحمد الذي كان يطالعها عن بعد، ليشعر بالاختناق لذلك. فالتفت وابتعد قليلًا حتى يستطيع التقاط أنفاسه.
فسأل نفسه:
"إيه مالك يا أحمد؟ للدرجاتي ما قدرتش تشوف دموعها؟ ده كان إحساسك بالضبط مع دلال."
"لكن أنا بحب دلال حب الراجل للست، لكن مع البنت دي إحساس مختلف، حاسس أنها زي حور، ولولا أن ما ينفعش ألمس امرأة لا تحل لي، كنت خدتها في حضني وطبطبت عليها وقلت لها أنا هنا موجود ومش عايز أشوف دموعك دي ثاني."
كما حزن آسر بدموعها التي مزقت قلبه فقال:
"وبعدين أنا ما أستحملش كده، إحنا جايين نشوف ضحكتك الحلوة."
لتقول حور بمداعبة:
"هو اللي يشوف طلعتك البهية دي يضحك برده؟ أنا مش عارفة إيه جابك معانا!"
"يلا من غير مطرود على شغلك يا باشمهندس."
فلمعت عين مُنايا مرة أخرى ولكن تلك المرة بسبب الضحك، فلم تتحمل كلمات حور في حق آسر حتى قهقهت. فصك آسر على أسنانه بغيظ وعنف حور:
"لا دمك خفيف يا ست الدكتورة، عليه النعمة أنتي مكانك مش هنا، أنتي مفروض كنتي طلعتي دكتورة بهايم كانت هتليق عليكي أكثر."
فأخرجت حور لسانها له كنوع من الرد عليه. ثم نظرت مُنايا إلى الساعة فوجدت أن وقت المحاضرة قد أوشك فقالت:
"خلاص يا جماعة، عشان المحاضرة قربت وهنا ملتزمين قوي بالمواعيد."
ثم أخذت تدور بعينيها تبحث عن أحمد فلم تجده، فسألت باهتمام عنه مما أثار غيرة آسر:
"هو فين دكتور أحمد يا حور؟ مش كان معاكم؟"
حور:
"مش عارفة هو صح بابا فين؟ ده كان واقف من شوية ورانا."
آسر بغيرة واضحة:
"ومالك يعني مهتمة قوي كده بدكتور أحمد؟"
مُنايا بخجل:
"مش فاهمة قصدك إيه؟ بسأل عادي على فكرة."
آسر بغيظ:
"كده؟ طيب أنا هسيبكم تاخدوا راحتكم وماشي."
فطالعت منايا أثره ببعض الحزن وهمست:
"زعل ليه ده؟ أنا ما كانش قصدي حاجة، بس فعلًا شغلني أحمد رغم إعجابي بآسر."
"أنا شكلي هتجنن ولا إيه."
حور:
"تعالي يا مُنى ندخل المدرج، يمكن بابا سبقنا."
مُنايا:
"أوك."
وعندما دلفوا للداخل وجدوا بالفعل أحمد قد جلس وأمسك بهاتفه يقرأ عليه ورده القرآني لعله يهدئ من نفسه قليلًا. فجلست حور بجانبه قائلة:
"إيه يا زُمل من أولها كده بتبيعني وعايز تسبقني؟"
فضحك أحمد واستطرد:
"لا يا لمضة، أنا بس قلت أسيبكم على راحتكم."
حور:
"بقى كده؟ ماشي يا دكتور."
ثم أشارت إلى مُنايا:
"شوفتي يا ستي كنا ظالمينه وقال إيه سيبنا براحتنا."
فسددت مُنايا النظر إلى أحمد وكأنها تحفظ ملامحه، فلاحظت تلك النغزة في وجنته اليمنى عندما يبتسم مثلها تمامًا. فقالت:
"سبحان الله ده عنده نغزة زيي في خد واحد عن الثاني."
ولاحظ أحمد نظرات مُنايا له ولكنه أظهر عدم الاهتمام حتى تتوقف عن ما تفعله. وبينما كانوا يتحدثون كان من ورائهم شابين من ألمانيا أحدهما يدعى ويليم والآخر سلفستر.
تحدث ويليم بإعجاب:
"تلك الفتاة العربية تعجبني كثيرًا منذ أن رأيتها."
فمتعض سلفستر مجيبًا عليه:
"كيف تعجبك تلك العربية المقيتة التي ترتدي قطعة قماش على رأسها؟"
"بالتأكيد لديها شعر مجعد عفن وهي تخفيه بتلك القطعة."
فضحك ويليم:
"لا أنا شاهدت نساء عربيات بدون حجاب وشعرهم جميل حقًا."
"إنها نوع لذيذ أريد أن أجربه، سأعرض عليها الصداقة بعد انتهاء المحاضرة."
سلفستر:
"لا أنصحك، فأنا أعلم أن المرأة العربية الحب يعني لديها الزواج مباشرة."
"ولا أظن أنك تريد الزواج الآن يا صديقي."
فضحك ويليم:
"بالتأكيد أنا لا أريد الزواج، ولو تزوجت سأتزوج من بنت بلدي وليس عربية."
"ولكني أعلم أن الحب مذاقه لذيذ بدون زواج، وإن أوقعتها في شباكي سأعلم كيف أجعلها دُمية في يدي أحركها كيف أشاء."
سلفستر:
"إذًا دعنا نرى، وإن فعلت ذلك، سأهديك الكلب الخاص بي."
ويليم:
"يا لها من هدية رائعة، أشكرك من الآن."
....
طلبت سمر من والدتها أن تذهب إلى صديقتها مروة لقضاء بعض الوقت معها لشعورها بالملل. فوافقت أنهار قائلة:
"روحي يا سمورة بس قبل ما المغرب تأذن تكوني هنا فاهمة يا بنتي."
سمر:
"آه يا ماما أنا كده كده بخاف أكون لوحدي لما الدنيا تليل."
أنهار:
"ربنا يحفظك يا بنتي وتيجي بالسلامة، بس كنتي لبستي حاجة واسعة شوية، عشان عيون الشباب وأنتي حلوة لوحدك يا بنتي."
سمر بتمعض:
"يعني يا ماما مش ضيق قوي الفستان، وصراحة عجبني."
أنهار:
"هو هياخد منك حتة، بس الستر أحسن يا قلبي."
سمر:
"معلش عديها النهاردة بس يا ست الكل، عشان مروة عايزة تشوفني بيه."
أنهار:
"طيب خلي بالك من الطريق كويس واتصلي بي لما توصلي."
فتقدمت منها سمر وقبلتها بحب وقالت:
"عيوني يا جميل."
لتغادر سمر وعندما رآها سعد تمر من أمام المحل، اتسعت عينيه بانبهار لجمالها وخصوصًا في ذلك الفستان الذي يبرز مفاتنها، ولكنه سرعان ما حل الغضب على تعابير وجهه وقال:
"اتهُبلت البت دي ولا إيه!!"
"إزاي تنزل بالمنظر ده الشارع، مش خايفة من الناس يكلوها بعيونهم؟"
"آه لو أقدر أمنعها وأخليها تطلع تلبس حاجة ثانية كنت عملتها، بس هتضحك علي وتقولي بصفتك إيه!!"
"ما هو العين ما تعلاش على الحاجب برده ودي بنت المعلم شاهين مش أي حد."
"طب هتعمل إيه يا سعد؟ هتسيبها كده تمشي لوحدها وكل من هب ودب يبص لها نظرة كده ولا كده؟"
"واااه لو حد عكسها ومد إيده كمان، ساعتها مش عارف هعمل إيه، ده أنا ممكن أصور قتيل ساعتها."
"ما فيش حل غير إني أتابعها عشان أكون موجود في أي لحظة لو حد فكر بس يأذيها."
وبالفعل استأذن قليلًا من شاهين وتبعها سعد في الطريق. حتى وجد شابين يتطاولان عليها بالكلام المعسول.
"الجميل رايح فين؟"
"قولي لي بس وأنا أوصلك لغاية الباب يا قمر."
فطالعتهم سمر بنفور وأكملت الطريق، ليستوقفها أحدهم وقال وعينيه لا تبارح جسدها الممشوق:
"هو أنا مش بكلمك، ولا سمعك ثقيل؟"
فانفعلت سمر:
"أنت مين أصلًا ويلا امشي من قدامي، مش ناقصة بلاوي."
فانفعل الشاب:
"أنتي لسانك طويل وعايز يتقص، تعالي معايا يا حلوة."
فصرخت سمر ولكنه قبض على ذراعها ليدخلها مدخل البناية المقابلة لهم سريعًا بالقوة وهمّ ليقبلها. ولكنه وجد من يجذبه من الخلف ويقوم بتسديد الضربات إليه.
فصاحت سمر بفرحة:
"سعد."
ولكن سرعان ما انتبهت أن الشاب يكاد يموت بين يدي سعد من كثرة الضرب فقالت:
"كفاية يا سعد، ألا يموت في إيدك وتروح في ستين داهية."
سعد:
"مش مشكلة أنا، المهم أنتي يا ست البنات."
فابتسمت سمر فهذه تلك المرة التي تشعر أن هناك رجل يخاف عليها ويفيدها بحياته. فقالت بخجل:
"طيب كفاية عشان خاطري."
فتركه سعد فهرب الشاب سريعًا خوفًا من بطشه. واقترب سعد من سمر وقال بخفوت:
"خاطرك غالي علي قوي يا ست البنات."
فافترشت سمر بنظرها الأرض خجلًا. فعاتبها سعد:
"بس أنا لي خاطر عندك ممكن؟"
سمر:
"قصدك إيه؟"
سعد:
"ما عدتيش تنزلي ثاني بحاجة ضيقة كده، أنتي زي القمر ومش محتاجة حاجة تجملك، ده أنا لو بإيدي ألبسك نقاب كمان عشان ما حدش يبص لك."
فدق قلب سمر لهذا الغزو الصريح بالحب المحلى بالغيرة. وقالت بتفهم:
"حاضر."
فأخذ ينظر سعد إليها بعشق متيم ثم ردد:
"طيب عليكي واقفة هنا ثانية واحدة عقبال ما أجي."
فتعجبت سمر وأخذت تنظر إليه بترقب، فوجدته قد خطى خطوات واسعة سريعة إلى محل الملابس النسائية ثم خرج بعد دقائق يحمل كيس ثم أتى إليها قائلًا:
"معلش لو تسمحي تحطي الكارديجان ده عليكي."
فتناولته سمر بيد مرتعشة من فرط الخجل ثم ارتدته على الفستان، فطالعها سعد بانبهار قائلًا:
"طيب أعمل إيه دلوقت؟"
"أنتي كده احلويتي أكثر."
فتورد وجه سمر وقالت بخجل:
"وبعدين، أنا لازم أمشي عشان ما أتأخرش على صحبتي أكثر من كده."
سعد:
"ماشي يا ست البنات اتفضلي قدامي، هتمشي وأنا همشي وراكي برده عشان أطمن عليكي لغاية ما توصلي بالسلامة وقولي لي هتنزل امتى هكون مستنيكي تحت عشان برده أوصلك للبيت."
سمر:
"لا ما تتعبش نفسك."
سعد:
"وما كنتش أتعب نفسي عشانك؟ أتعب نفسي لمين؟!!"
لتتولد مشاعر حب حقيقية بين الاثنين منذ تلك اللحظة، وتنسى سمر آسر وتصدق مقولة:
(الراجل بيتنسي براجل أرجل منه).
......
بعد انتهاء المحاضرة تعرف أحمد على زميل له عربي الجنسية في نفس عمره تقريبًا، يُدعى غريب. وفي تلك اللحظات التي انشغل بها أحمد، كانت حور تقف بمفردها بعد انشغال مُنايا هي الأخرى بسلمى صديقتها. فاقترب منها ويليم قائلًا:
"من المحبب لدي التعرف على فتاة عربية مسلمة."
"جميلة أنتي جدًا وهذا الحجاب رائع عليكي."
فعقدت حور حاجبيها وهمست:
"إيه ده هو لا مؤاخذة الأجانب برده بيعاكسوا زي عندنا ولا إيه؟"
"طب أشتمه أقوله إيه ده دلوقت؟"
"بس أقول لك يا بت يا حور خليكي لطيفة وأخلاق معاه يمكن ده يحببه في الإسلام ويدخله على إيدك وتاخدي ثواب وبرده تجنبي الاختلاط معاه بقدر الإمكان عشان ما يحسش أن البنات المسلمة فريسة سهلة."
فحدثته حور:
"مرحبًا، أشكرك دكتور."
"اسمي ويليم."
"وأنا حور، أتمنى لك سنة دراسية سعيدة، بعد إذنك."
ويليم:
"انتظري حور، ما رأيك أن نذهب لنحتسي فنجان قهوة معًا ونتعرف قليلًا على بعضنا البعض؟"
فحدثت حور نفسها:
"لا ده كده عايز أقلع اللي في رجلي وأديله على دماغه."
"بس خايفة أترفض وأنا لسه بقول يا هادي."
فابتسمت حور ابتسامة صفراء من بين أسنانها قائلة:
"وفر ذلك لأحد أصدقائك ويليم، لإني بنت مسلمة لا تجلس ولا تتحدث مع رجال إلا في للضرورة فقط."
"بعد إذنك."
ثم توجهت نحو أحمد. فابتسم ويليم وهمس:
"إنها كالقطة الشرسة وقد أحببت ذلك منها وأظن أنها ستأخذ وقت حتى أروضها لتأتي لفراشي تلك اللعينة العربية المسلمة."
ولا تعلم حور أن هناك من رآها مع ذلك الشاب ويليم فازداد وجهه قتامة واحمرت عينيه غضبًا خصوصًا عندما رأى ابتسامتها التي أضاءت وجهها. فقال بغضب مكتوم:
"بقى كده يا ست الدكتورة حور، عجبك الواد الأبيض الأليط ده في إيه إن شاء الله عشان أجنبي ملون وعكر ومش عجبك أنا آه ما أنا مصري وأنتي عايزة تغيري."
"بس ماشي أنا هصبر كمان عليكي شوية، بس لو شوفت إنك تخطيتي حدودك معاه، وديني لأقتلك أنتي وهو."
قال سليم كلمته تلك ثم توجه إلى أحمد. التي كانت تطالعه من على بعد مُنايا وتتأمل ملامحه التي باتت تعشق النظر إليها. وسلمى توجه لها الحديث ولكنها كانت في عالم آخر مع أحمد. فلاحظت سلمى ذلك فلكزتها وضحكت قائلة:
"اللي واخد عقلك يتهناله يا مُنى."
"للدرجاتي وقعتي في حب الشيخ أحمد بالسرعة دي؟"
فارتبكت منايا من جرأة سلمى وكيف تتهمها بهذا الاتهام الصريح. فهي لا تنفي أنها معجبة به وأن هناك شيء يجذبها نحوه بالفعل ولكنها تعلم إنه ليس هذا الحب الذي بين العاشقين. فإحساسها مختلف عندما تنظر إلى أحمد وإحساس آخر يراودها عندما تنظر إلى آسر. لذا غضبت وقالت:
"حب إيه يا سلمى، أنتي فهمتي غلط."
"كل الحكاية أن أحمد ده زي ما يكون فيه مغناطيس بيشدني ليه، لكن مش حب أبدًا."
سلمى بتهكم:
"ما هو ده أول الحب يا بنتي."
"ما هو أنا كده مع اسمه إيه ده آسر ونفسي أشوفه، يا ريتني كنت جيت بدري شوفته معاكم."
"ما تعرفيش هيجي ثاني امتى؟"
صكت مُنايا على أسنانها بغيظ وأكلتها الغيرة من حديث سلمى عن آسر. فاستطردت قائلة:
"بأقولك إيه يا سلمى، بلا أحمد بلا آسر، أنا مروحة عشان حاسة دماغي هتتفرتك من الصداع."
سلمى بحقد:
"آه يا أختي روحي أنتي نامي وارتاحي وأنا هطلع من هنا على الشغل في الكافتيريا."
مُنايا:
"ربنا يقويكي يا سلمى، معلش فترة بس عقبال ما تخلصي الجامعة وبعدين هتكوني أحلى دكتورة في الدنيا."
سلمى:
"يا ريت ربنا يسهل."
ثم غادرت مُنايا تحت أنظار أحمد وتمنى لو استوقفها ليتحدث معها قليلًا، فصوتها يعيد الطمأنينة التي غابت عن قلبه لسنوات. لأنه يشبه كثيرًا صوت دلال.
...........
عادت حور إلى المنزل واستراحت قليلًا على التخت، ليأتي في مخيلتها ويليم فابتسمت دون شعور ولكن سرعان ما عقدت حاجبيها وهمست:
"الواد ده عايز يضرب على قفاه لو قال كلمة كده ولا كده ثاني."
"بس بصراحة دمه عسل مش زي الواد سليم دمه يلطش."
"آه ولو يعملها ويدخل في الإسلام ويلم نفسه."
"يعني إيه قصدك إيه؟ مش قولنا مش بنفكر غير في دراستنا وبس."
"آه طبعًا بس أهو بفضفض شوية من نفسي."
"بس إيه حكاية سليم النهاردة؟ ما شوفتش وشه ولا حتى رسالة يقرفني بيها كل شوية."
"إيه خلاص اتهد ورجع لعقله وهيبطل يفرض نفسه علي؟"
"طيب كويس، بس يعني مش عارفة نفسي أنا متضايقة أنه شعشان ما سألش علي ولا مبسوطة أنه خلاص."
"مش هيبعت يضايقني ثاني، حاجة تحير."
"أقولك سيبك أنتي من ده كله وادخلي خذي شاور يريح دماغك وصلي فرضك وشوفي هناكل إيه."
"أيوة هو ده المهم."
"الفود بيعدل المود."
........
كذلك عادت مُنايا إلى منزلها واستمعت إلى صوت والدتها في المطبخ ولكنها لم تكترث فقد كانت في عالم آخر متذبذبة بين اثنين الأب وابنه. ولكن شتان بين الإحساس بينهم. دلفت منايا إلى غرفتها وجلست تفكر في ذلك الدخيل على قلبها. فالتفتت إليها دلال ولاحظت أنها شاردة فاقتربت منها بهدوء ووضعت يدها على كتفها بحنو قائلة:
"يعني رجعتي ودخلتي على أوضتك كده بهدوء من غير ما تسلمي علي يا مُنى ولا تقولي لي عاملة أكل إيه النهاردة؟"
"مالك يا بنتي شاردة كده ليه؟"
"أوعي يا مُنى تكوني اتعلقتي بحد من غير ما أعرف."
"أنا أمك حبيبتك وأختك لازم تحكي لي كل حاجة عشان أقول لك الصح من الغلط يا بنتي."
مُنايا بحيرة:
"هو صراحة يا مامي فيه إعجاب لكن فيه مشكلة."
فجلست دلال لتنصت إليها باهتمام وسألتها:
"إيه هي المشكلة يا قلب ماما؟"
مُنايا:
"لو كان قدامي اثنين واحد أكبر مني بكثير وواحد يعني معقول، والاثنين أنا مش عارفة أحدد مشاعري ناحيتهم أعمل إيه؟"
دلال برفق:
"بس يا بنتي الكبير ده ما ينفعش عشان أنتي عقل وهو عقل ثاني خالص وده هيسبب خلاف بينكم."
"فالأفضل اللي قريب بينكم."
مُنايا:
"بس حضرتك كنتي وبابا منسجمين وكويسين رغم فرق السن."
دلال:
"لا بابا كان حاجة ثانية ما فيش زيه يا حبيبتي."
مُنايا:
"مش عارفة أحدد."
دلال:
"طيب خليني أشوفهم وأنا عندي حاسة سابعة كده بأقدر أميز الإنسان الكويس من اللي مش كويس."
منايا:
"بجد يا مامي؟ خلاص بكرة إن شاء الله هاخدك معايا الكلية حتى تتعرفي على حور."
"إنسانة لطيفة ولذيذة وهتحبيها."
دلال:
"أي حد تحبيه أنتي يا قلب أمك لازم أنا أحبه طبعًا."
فعانقت منايا والدتها بحب وأخبرتها كم تحبها، لينتهي اليوم ويحل الصباح. وتذهب دلال مع مُنايا إلى الجامعة. لتشاهد منايا حور مع أحمد الذي كان يعطيهم ظهره. فرأت حور منايا فأشارت لها أن تأتي. فداهم أحمد إحساس غريب وتصارعت نبضات قلبه بشدة، فتعجب من ذلك. واعتبر نفسه وهمس:
"مش معقول كده يا أحمد، أنت لازم تطرد الإحساس الغريب ده نحو البنت دي."
ليسمع صوتها المحبب لقلبه:
"إزيك يا حور."
"أنا جبت مامي معايا عشان من كتر ما بأكلمها عليكي صممت تيجي تشوفك."
فطالعت حور دلال باندهاش وقالت بإعجاب:
"مامي فين مامي دي يا بنتي."
"قولي صحبتك أختك لكن مامي ما أصدقش."
فضحكت دلال وقالت:
"لا شكلي كده هاحب صحبتك قوي يا مُنايا عشان بتفهم صح."
ليهتز جسد أحمد عندما استمع لصوتها، ذلك الصوت الذي كان بمثابة الروح للجسد الذي افتقده من سنوات عديدة. ودعا الله كثيرًا أن يلتقي بها لتعيد الروح لجسده. ليلتفت ليجدها أمامه ففتح فمه بصدمة لم يتحملها قلبه الضعيف وهمس باسمها:
"دلاااااااااال."
اللهم يا مغير الأحوال غير حالي إلى أحسن حال، وسخر لي من حظوظ الدنيا ما تعلم أنه خير لي، واصرف عني كل ما هو شر لي.
اللهم إني أسألك أن تريح قلبي، وأن تصرف عني شتات العقل والتفكير. ربي إن في قلبي أشياء كثيرة، لا يعلمها إلا أنت، فحققها لي يا أرحم الراحمين، واجعل نصيبي من الحياة نصيب طير خفيف، مطمئن البال، يسبح بحمدك وترزقه، يتوكل عليك. يا رب فرحة تغير مجرى حياتي، وخبر جميل أعجز عن شكرك عليه. ربي ارزقني فرحة تجدد الروح في حياتي. اللهم سعادات متتالية لم تكن بالحسبان.
واجعلني من أعظم خلقك نصيبًا في كل خير تقسمه، وفي كل نور تنشره، وفي كل رزق تبسطه، وفي كل ضر تكشفه، وفي كل بلاء ترفعه.
اللهم آمين يا رب العالمين.
أم فاطمة
شيماء سعيد
رواية دلال و الشيخ الفصل الأربعون 40 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الأربعون
أحاول الهروب منك يا قدري
وكيف أهرب من إعصار
أختبئ خلف الستائر
وأخشى على قلبي الدمار
لم يتخيل أحمد أن النصيب سيجمعه مرة أخرى مع قرة عينه وحبيبة قلبه في هذا المكان، وكأن الله سبحانه وتعالى قد طوى المشرق والمغرب معًا ليجمعها سويًا بعد أن فاض به الحنين ولم يعد يتحمل، وبالأخص عندما وجد نسخة صغيرة منها تشبهها في كل شيء وقد اقترب من الافتتان بها لولا قربه من الله عز وجل.
وعندما تحدثت دلال بصوتها المميز الذي كان كسيمفونية جميلة طربت قلبه وأعادت الدماء في أوصاله والروح إلى جسده.
فالتفت سريعًا ليجدها أمامه، نعم إنها هي حبيبة العمر والروح التي خطفت قلبه من أول نظرة وعاش على حبها سنينًا طويلة.
لم يرَ غيرها ولم يحب امرأة أخرى على وجه الأرض سواها، هي وحدها من استأثرت قلبه.
فأتى القدر بها من جديد لتزهر صحراء قلبه القاحلة وتنبت وردات زاهية تعيد له ربيع عمره بعد أن ظن أنها النهاية.
فهمس باسمها:
"دلال".
وكأن اسمها ترياق سيشفيه بعد أن أنهكه العشق والحرمان.
لتجحظ عين دلال بصدمة لم تكن تتوقعها أبدًا في هذا المكان أن تجده من جديد في صدفة أخرى تمنتها ودعت الله بها كثيرًا.
فنطقت بذهول:
مولانا، لا أنا بجد حقيقي واقف قدامي ولا أنا بتخيل.
ولا أنا بحلم، آه أكيد بحلم، لا مش معقول.
ولكن أحمد من الصدمة لم تتحمله قدماه وأخذ يترنح وكاد يسقط لولا يد حور التي حاولت أن تتمسك به صارخة:
بابا مالك أنت كويس؟
لتطالع منايا دلال باندهاش قائلة:
مامي هو فيه إيه؟
هو حضرتك تعرفي دكتور أحمد؟
فضحكت دلال بهيستيرية مرددة:
أعرفه؟!
هو أنا مين؟ وإحنا فين؟
لا لا معرفهوش، تعالي نرجع بيتنا بسرعة يا منايا.
فهربت منه رغم حبها له ورغم أنها تمنت تلك اللحظة منذ سنوات ولكنها خافت من لحظة الاستجواب عن حياتها الماضية كيف قضتها ولما هربت فجأة دون أي مقدمات وحتمًا سيسألها عن منايا.
هل سيغفر لها أنها تزوجت غيره وكتبت ابنتها منه على اسمه.
هل سيصدق أنها ابنته لو أخبرته بالحقيقة؟ أم سيظن أنها كاذبة وباعت نفسها في الحرام.
لا يا أحمد يا مولانا، خليني بعيد أحسن من قرب ممكن يكون فيه هلاكي.
على قد ما كان نفسي أشوفك وآخذك في حضني وأقولك قد إيه وحشتني لكن خايفة، خايفة بجد.
منايا بتوتر:
ماما مالك أنتِ كمان؟ حضرتك شكلك مش طبيعية خالص.
دلال بحدة:
قلتلك يلا نروح حالًا.
منايا:
هنروح إزاي ونسيب حور ودكتور أحمد في الحالة دي؟
دلال:
ملكيش دعوة بيهم بعد الآن يا منايا، فاهمة؟
يلا قلتلك.
فاستجابت منايا على مضض وغادرت مع دلال ولكن ملأ عقلها استفهامات كثيرة وتعلم جيدًا أن والدتها تعلم إجاباتها.
وأن هناك شيء بينها وبين أحمد.
أما حور فقد كانت غير منتبهة لمغادرة منايا ودلال ولكن دخل في قلبها الشك أن هناك شيء أيضًا بين والدة حور ووالدها ولكن كيف وهي تدرك جيدًا أن والدها رجل وقور محترم ملتزم.
اقترب ويليام الذي كان يراقب حور مع والدها ورأى اهتزاز أحمد ومحاولة حور مساعدته، لذا اقترب وعرض عليهم المساعدة.
فطالعته حور بامتنان وأجلسوا أحمد وأخرجت حور من حقيبتها عصير وحاولت أن تجعله يشرب منه ليستعيد وعيه ولكنه أبعده ورفع عينيه ظنًا منه أنه سيجد دلال أمامه بالفعل وأن ما مر به لم يكن حلمًا بل حقيقة وهي معه الآن بعد كل سنوات العجاف تلك.
ولكنه صدم عندما لم يجدها وقال بهيستيرية مفرطة:
دلال كانت هنا، راحت فين؟
ثم أخذ ينادي عليها بصوت مرتفع:
دلال، دلال.
أوعى تكوني سيبتيني تاني بعد ما لقيتك، لا حرام أنا ماعدش فيه طاقة أستحمل تاني وصدقيني هموت.
فلمعت عين حور وهي ترى والدها بهذا الضعف الذي لم تره عليه من قبل.
واتصلت سريعًا على آسر وقالت بصوت متوتر:
آسر تعال فورًا الجامعة بابا تعبان.
آسر بذعر:
بابا ماله؟
حور:
تعال بس وهتفهم بعدين.
وسمع شيكو وسليم الحوار، فجزعوا وأصروا على أن يذهبوا مع آسر للاطمئنان عليه.
وعندما وصلوا ورأى أحمد شيكو فقام وقال له:
أنا شوفت دلال يا شيكو، شوفتها بجد كانت واقفة قدامي هنا وفجأة ما لقيتهاش، مش عارف راحت فين.
زي ما تكون الأرض انشقت وبلعتها، بس أنا محتاجها قوي يا شيكو، أرجوك اتصل بكل معارفك هنا ودور عليها لغاية ما تلاقيها ورجعها لي.
طالعه شيكو بحزن وقال بخفوت:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
استهدى بالله يا أحمد، دلال بس إيه اللي هيجيبها هنا؟!
أنت بس من كتر ما بتشوف البنت زميلة حور وبتقول شبهها افتكرتها هي.
فوق لنفسك يا أحمد وما تعملش في نفسك كده يا أخويا.
أنا محتاجلك وحور وآسر محتاجينك.
أحمد:
لا يا شيكو أنا مش مجنون، أنا متأكد إني شوفتها قدامي بس ما عرفتش اختفت إزاي فجأة.
دي حتى طلعت أم البنت وعشان كده الشبه ما بينهم كبير قوي.
ثم أشار إلى حور:
قولي لعمك شيكو يا حور، مش ده اللي حصل؟
حور بتوتر:
فعلا منايا كانت معاها واحدة وبتقول أنها والدتها.
بس حضرتك تعرفها منين؟
وليه مشيت أول ما شفتك؟
شيكو بصدمة:
يعني بجد الكلام ده يا أحمد هي دلال ولا واحدة تانية برضه شبهها؟
أحمد:
أيوه هي، أنا قلبي عمره ما كذب عليّ.
فحوقل شيكو:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يبقى ما فيش غير تفسير واحد يا أحمد ولو أنه صعب بس لازم تتقبله وتحترمه وده سبب إنها مشيت لما شفتك.
أحمد باندهاش:
إيه هو السبب اللي يخليها تهرب مني المرة التانية يا شيكو؟
شيكو:
مش بتقول طلعت أم بنت زميلتكم، يعني اتجوزت وخلفت يا أحمد أفهم.
وصعب ظهورك في حياتها دلوقتِ من جديد عشان جوزها وبنتها.
احترق قلب أحمد من الغيرة عندما ذكر زواجها من غيره وإنجابها.
فقال بغصة مريرة:
بس البنت قالت إن أبوها مات بقاله كتير.
يعني مش متجوزة.
شيكو:
وممكن تكون اتجوزت بعد ما أبو البنت ما مات واتحرجت برضه تقول كده.
أو خايفة على البنت أنها تتأثر بوجودك وعلاقتها معاها تهتز.
مهو ما فيش تفسير غير كده لهروبها لما شفتك يا أحمد.
خصوصًا أن فاتت سنين كتير بينكم والوقت كفيل بالنسيان.
أنا قلتلك كتير قبل كده إنك بتضيع عمرك على الفاضي في انتظار سراب كان لازم تشوف نفسك وتتجوز.
وهنا صاحت حور بغصة مريرة:
هو فيه إيه بالظبط؟
هو حضرتك يا بابا كان ليك علاقة بالست دي؟
وده كان قبل ما أتجوز ماما ولا بعد ما اتجوزتها يا مولانا؟
ثم أشارت إلى شيكو:
ويجوز إيه يا عمو ده ماما لسه ما كملتش أربع شهور؟!
قالت كلمتها تلك وانهمرت دموعها.
فاستغل ويليام تلك اللحظة وقال بتأثر مصطنع:
أوه، لا تبكي عزيزتي، أنا لا أطيق تحمل دموعك الغالية.
فأصاب كلماته قلب سليم بالغضب وأخرجت عيناه المشتعلة حممًا بركانية واقترب منه وأمسك بكتفه بصرامة قائلًا:
نعم يا روح أمك أنت بتكلم مين وتقولها عزيزتي.
عزيزتي دي تبقى خالتك!
وأنت إيه اللي موقفك أصلًا هنا، روح يا ضنايا شوف مذكرتك ولما تكبر أبقى أتكلم.
فانفعل ويليام قائلًا:
أنا لا أفهم ما تقول أيها الحقير، فأبعد يدك عني وإلا سأبلغ الأمن وسيلقونك في السجن أو يرحلوك الآن على بلدك.
ليتدخل آسر:
مش كده يا سليم هدي نفسك، عشان فعلًا ممكن ينفذ اللي بيقوله يا صاحبي.
الأفضل تعتذر له عشان ما تحصلش مشكلة.
سليم بانفعال:
أعتذر ليه، أنت واعي بتقول إيه يا آسر؟!
ده كان بيعاكس أختك وإحنا واقفين، أنت إيه مش بتغير على عرضك.
آسر بغضب:
بطل هبل وهما الأجانب يعرفوا بيعاكسوا زينا.
وعلى فكرة هما كلامهم كده مش زينا وكمان أنا متأكد من أختي كويس وكمان همنعها تكلم معاه تاني، استريحت كده.
فطالعه سليم بنفور ثم استأذن وغادر تحت نظرات حور الحانقة التي همست:
سليم تاني، هو أنا ناقصة مش كفاية موضوع بابا والست اللي ما تتسمى دي.
نظر أحمد إلى حور بخجل وسألها:
أنتِ معاكِ رقم منايا يا حور؟
فطالعته حور بسخط وسألته بحدة:
إيه يا مولانا؟
عشان تكلم برضه الست دلال؟
اللي مشيت وهي شايفاك في حالتك دي؟
أحمد بانكسار:
حور لو سمحتي؟
حور بجدية:
سامحني يا بابا أنا مش هديك الرقم غير لما أعرف حكايتك إيه بالظبط مع الست دي.
وإزاي هانت عليك ماما بالسرعة دي، ماما اللي ما شفتش منها لحضرتك غير كل حب واحترام.
وكانت بتيجي على نفسها كتير وهي تعبانة عشان ترضينا.
طالعها أحمد بحرج فكيف يفهمها أن دلال هي التي امتلكت قلبه وأنه تزوج أشجان من أجل الوفاء بكلمته وليس حبًا.
والأمرّ من ذلك كيف يقول لها إنها جاءت الدنيا بقدر الله وليس بقدره فهو لم يقترب منها قط رغبة بها ولكن كان في تلك الليلة محمومًا ولا يشعر بنفسه وكان يظنها دلال.
فطن شيكو من نظرات أحمد إلى حور ما يعانيه فأراد أن يخرجه من هذا الحرج فأشار إلى حور:
يا بنتي مش وقت الكلام ده وبابا في حالته دي.
ولا كمان المكان مناسب، اسمعي كلام بابا وإن شاء الله أول ما يهدى شوية كده هيفهمك كل حاجة.
بس عايزك تعرفي أهم حاجة أن أبوكِ من أنصف الرجالة اللي شفتهم، فاوعي يجي في مخك أنه عمل حاجة غلط أبدًا.
حور بانكسار:
مهو أنا عارفة ده كويس وده مش اللي مخوفني. اللي مخوفني هو إنه عملها في الحلال.
ثم رمقت والدها بحزن:
أنت اتجوزت الست دي على أمي يا بابا؟
وماما كانت عارفة ده ولا مش عارفة؟
ولو عارفة إزاي تقبل على نفسها تكمل معاك؟
فصاح شيكو بحدة تلك المرة:
حور وبعدين؟
ما تنسيش اللي بتكلميه ده يبقى والدك مش حد من سنك.
يعني مفروض يكون فيه احترام عن كده.
أنتِ عاملة زي ما تكوني بتستجوبيه عن جريمة عملها.
فلمعت عين حور بالدموع، فتأثر أحمد وأشار إلى شيكو:
خلاص يا شيكو، خلينا بس نروح عشان مش قادر أقعد هنا.
فتحدث آسر:
فعلا حضرتك محتاج تستريح، أسند عليه بابا عقبال ما نوصل العربية.
وعندما هم الجميع للمغادرة.
استوقف ويليام حور قائلًا:
عزيزتي هوني على نفسك الأمر.
حور:
شكرًا لك ويليام.
ويليام:
لا شكر بيننا وكنت أريد أن أحدثك في موضوع ما.
حور:
أظن أن الوقت غير مناسب للحديث الآن.
ويليام:
أعلم ذلك، ولكن أريد فقط رقم هاتفك لكي أرسل لكِ رسالة بما أريد.
فعقدت حور حاجبيها وقالت بانفعال:
ويليام لو الرسالة خارجة عن حدود الأدب فلن أعطيك رقم هاتفي.
ويليام بمكر:
لا عزيزتي فأنا أحترم دينك وأحببته من التزامك به.
أنا كنت أريد أن استفسر عن الدين الإسلامي.
فابتسمت حور رغم حزنها وهمست:
ده شكله واقع بقى لدرجة عايز يدخل الإسلام عشاني.
طيب كويس هاخد فيه ثواب.
فاستطردت:
وهو كذلك ويليام، إذا سأعطيك الرقم.
وبالفعل أعطته الرقم ثم استأذنت وغادرت مع أسرتها.
لتتسع عين ويليام كأسد يراقب فريسته ثم همس بمكر:
سآكلك قريبًا حور أيتها العربية البلهاء.
***
ولج سليم كالطور الهائج إلى منزله ومن ثم إلى غرفته وأغلق الباب من ورائه بقوة وجلس منحنيا يضع يده على رأسه.
فاستمعت ياسمين لصوت الباب فانفزعت وأسرعت إليه بقلق وفتحت الباب لتجده في تلك الحالة يكاد دخان الغضب يخرج من أذنيه من شدة اشتعاله فسألته:
فيه إيه مالك يا سليم يا ابني؟ حصل حاجة في الشغل ولا اتشكلت مع أبوك ما أنا عارفاه
يحب يتخانق مع دبان وشه ونكدي.
فرفع سليم رأسه وقال بحزن:
لا ما فيش حاجة يا ماما، أنا بس محتاج أقعد لوحدي ممكن تسيبيني شوية.
فأدركت ياسمين لحالته تلك أن الأمر بخصوص حور، فقالت متهكمة:
آه بدال كده، يبقى ما فيش غير السنيورة اللي هتموت عليها وهي ولا هنا.
أقولك إيه بس أنت اللي دافن نفسك في الطين ومش عايز تنضف. ربنا يهديلك نفسك يا ابني وتفوق.
فصرخ سليم بألم بمقدار ما يحمله من جرح في صدره:
حرام عليكِ يا أمي، أنا تعبان ومش مستحمل أي كلمة، تقومِ أنتِ بدل ما تبطبطي عليّ، تسميني بالكلام ده.
أرجوكِ اطلعي حالًا، قبل ما أنفجر.
لتعاتب ياسمين نفسها:
هو إيه اللي بعمله في الولد ده، ده الحيلة يا ياسمين وأنتِ أمه مفروض تكوني أحن عليه من نفسه وتشيلِ من دماغك أنه عشان بيحب وبكرة يتجوز هيروح منك، دي سنة الحياة فاكسبيه بدل ما يضيع منك.
فأقتربت منه وربتت على كتفه بحنو قائلة بندم:
سامحني يا ابني غصب عني عشان بس مش قادرة أشوفك في الحالة دي
بس أوعى تفكر إني بكرهك يا حبيبي ده أنت عيني اللي بشوف بيها ومحدش يحبك في الدنيا دي قدِر بس كان صعبان عليّ تبعد عني وتحب بنت أشجان وتنسى أمك اللي ربتك وتعبت فيك وتيجي بنت أشجان تاخدك مني على الجاهز.
قالت ياسمين كلماتها تلك ثم أجهشت بالبكاء، فأدرك حينها سليم مدى الغيرة التي تشعر به والدته لفرط حبها له وأن عليه ألا يتمادى في وصف حبه أمامها مراعاة لشعورها وأن يهتم بوالدته ويظهر حبه لها حتى تتوازن الدفة بين والدته وحبيبة قلبه وهذا شأن العاقل.
فرق قلب سليم لها، فوقف واحتضن ياسمين واعتذر لها:
أنا آسف يا أمي إني رفعت صوتي عليكِ بس كان غصب عني.
وعايزك تعرفي إني بحبك قوي ويستحيل أي واحدة مهما كانت تقدر تأثر على حبي ليكي وهكون دايمًا ليكي السند والصاحب.
لكن يا ريت تقدري أن الحب ليكي حاجة وحب حور حاجة تانية خالص.
حضرتك حبك فيه الجنة اللي وصاني عليكِ ربنا سبحانه وتعالى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكن هي حبها دنيا واستقرار وحياة عشان دي سنة الحياة.
فأرجوكِ ارضي عني وادعيلي ربنا يهدي قلبها ليّ.
وهنا اطمأنت ياسمين وتنهدت بارتياح وقالت:
ربنا يهديكِ يا بنت أشجان، يعني هي هتلاقي أحسن منك فين؟
فابتسم سليم وأكد:
آه طبعا طبعا.
***
أصر شيكو على مصاحبة أحمد صديق عمره وأخيه الذي لم تنجبه أمه رغم اعتراض أحمد
ما فيش داعي يا شيكو تيجي معايا وشوف أنت أشغالك أنا عارف إني بكتر عليك اليومين دول.
شيكو:
ما تقولش كده يا صاحبي، ده إحنا عشرة عمر، ما أقدرش أسيبك وأنت في الحالة دي.
ابتسم له أحمد بامتنان وأجابه:
ربنا يبارك فيك يا رحمة ربنا ليّ، مش عارف من غيرك كنت عملت إيه في الدنيا دي لوحدي.
لمعت عين شيكو بالبكاء ولكن سرعان ما عاد لمرحه المعتاد من أجل أن يرسم البسمة على وجه صاحبه فهمس في أذنه:
كمان أنا لازم أجي عشان بنتك المفترية حور هتقلبها سين وجيم عشان تعرف علاقتك إيه بدلال.
مش عارف البنت دي طالعة قلبها جامد لمين، دي أمها كانت غلبانة وراضية بقليله مع إنها عارفة إن قلبك مع دلال.
فابتسم أحمد وردد:
حور برضه طيبة يا شيكو بس معروفة البنت بتغير على أبوها وكمان أكيد زعلانة على أمها اللي ماتت وبتفكر إني نسيتها بسهولة.
شيكو:
وعشان كده عمال أرتب في دماغي كلام مقنع نقنعها بيه عشان عارفك هتدلق وتقول كل الحقيقة.
أحمد بغضب:
وأنت عايزني أكذب يا شيكو؟
شيكو:
مش فاهمني يا أحمد أنت.
أنا قصدي نحاول بقدر الإمكان نقول شبه الحقيقة عشان البنت ما تنصدمش لما تعرف إنك اتجوزت أمها من كسوفك مش عشان عايزها.
ويا خبر كمان لو عرفت إنها جت غلطة يا صاحبي مش بعيد تتبرى منك.
أحمد بنفي:
لا يستحيل أنا عارف مكانتي في قلب بنتي كويس وهي عارفة أنا بحبها قد إيه وده ما لوش علاقة بأشجان خالص، ده قلب الأب.
شيكو:
آه يا حنين.
أحمد:
المهم عندي دلوقتِ يا شيكو هي دلال، أنا مش عارف ليه هربت مني تاني؟
حتى لو اللي قلته صحيح كانت تفهمني مش تهرب بالسهولة دي وأنا اللي قعدت عمري كله أدور عليها وعايش على أمل إني أشوفها.
شيكو:
قلتلك أكيد مكسوفة من بنتها حتى لو كانت أرملة، مهو أنت شايف حور غيرانة عليك إزاي، أكيد برضه بنتها هتغير عليها وتزعل على أبوها.
ضيق أحمد عينيه بتفكير وغيرة مميتة في آن الوقت ثم قال:
أنا مش عارف إمتى دلال اتجوزت وخلفت.
وحتى لو ده حصل مفروض بالعقل كده البنت تكون أصغر سنة على الأقل من حور لكن دي نفس سنها دي كمان منايا أكبر.
ثم جحظت عينيه ليصرخ قائلًا:
شيكو أنا حاسس إن منايا بنتي أنا وإن دلال لما هربت مني كانت حامل وأنا ما عرفش.
وده أكيد سر انجذابي للبنت.
لأن من ساعة ما شوفتها وأنا قلبي اتحرك وحاسس إن فيه حاجة تربطني بيها.
شيكو بصدمة:
معقول ده؟!
بس لو ده فعلا حصل، ليه هربت لما شفتك وليه البنت أصلًا ما اتكتبتش على اسمك.
الموضوع غريب جدا وفيه علامات استفهام كتير والإجابة عند دلال عشان تأكد شكوكك دي وتعرف منها الحقيقة.
أحمد:
أنا فعلا مش هستريح غير لما أوصل ليها وأعرف الحقيقة، أنا فعلا حاسس إنها بنتي.
فليه تحرمني من بنتي ليه؟
وكمان البنت كان واضح عليها أنها مش عارفة حاجة بس زي ما يكون قلبها حاسس بيّ لأنها من أول ما شافتني وهي عينيها مش بتنزل عليّ لدرجة إني كنت خايف من الفتنة وخصوصًا أنها شبه دلال جدا وسبحان الله أتاريها بنتي ونفسي فعلا أضمها لحضني وأعوضها عن كل السنين اللي عدت وهي مش في حضني.
لتدخل حور في تلك اللحظة عليهم بعد أن استمعت لآخر كلماته فقالت بصدمة:
هي مين اللي بنتك يا بابا؟
يعني اللي توقعته كان صح أن كان ليك علاقة بالست دي واتجوزتها في السر على أمي وخلفت منها.
ثم انهمرت دموعها بغزارة مرددة:
ليه كده تخون ثقة أمي فيك، وليه تتجوز عليها.
دي أمي ما كنش فيه أحن منها أبدًا، ولا يمكن عشان مش جميلة قوي زي الست بتاعتك دي.
بس كنت فاكرة يا بابا إنك مختلف ومش بتبص على الجمال قوي زي بقية الرجالة والمهم عندك القلب.
بس للأسف كل الصنف واحد، أنا حقيقي مصدومة في حضرتك ومش قادرة أصدق.
طالعها أحمد بصدمة فلم يكن يتخيل أن تظن طفلته به هكذا وتحير كيف يرد عليها ويدافع عن نفسه.
كما احتقنت دماء شيكو لأسلوب حور الفظ فصاح قائلًا:
بنت عيب إيه اللي بتقوليه ده؟!
وإزاي تكلمي أبوكِ بالأسلوب ده!
ولعلمك عشان تريحي نفسك، أبوكِ ما حبش في حياته غير دلال واتجوزها على سنة الله ورسوله في الحلال.
لكن أمك الله يرحمها اتجوزها عشان كانت ست غلبانة وطيبة وقال يربي عيال أخوه اللي سابهم واتجوز أختها.
صدمت حور من الحقيقة فقال بأنفاس متلاهثة:
قصدك اتجوزها شفقة يعني؟!
وعشان كده يا حبة عيني يا أمي كانت راضية وساكتة وعمرها ما جابت سيرة الست دي قدامي، بس كان أكيد قلبها وجعها من الحزن وبسبب كده ماتت.
ماتت أمي حبيبتي من الحزن والمرض، ويا ريت حضرتك يا بابا عشت حياتك مع الست اللي حبيتها لكن ما عرفش ليه سابتك ومشيت وخلفت من غير ما تعرف.
أحمد بغصة مريرة:
حور يا بنتي أرجوكِ، وما تزوديش الحزن اللي في قلبي.
حور ببكاء مرير:
لا يا بابا مش هزود خلاص حاجة، وما تشغلش بالك بيّ بعد كده وانسى حور خالص.
وخد أهو رقم بنتك عشان تكلم حبيبتك وشوف لو وافقت ترجعوا لبعض وتعيش معاها هي ومنايا.
قالت كلمتها تلك وأسرعت بالفرار من أمامه.
فقام أحمد بالنداء عليها:
حور، حور اسمعيني بس يا بنتي.
فقاطعه شيكو:
مش هينفع تفاهم معاها طول ما هي في حالتها كده يا أحمد.
لازم لما تهدى شوية تكلمها وتفهمها ومعلش اعذرها البنت من يوم وليلة اتفاجئت إنك كنت متجوز ومخلف.
فصعب تتقبل ده وأكيد خايفة مكانتها تهتز في قلبك.
أحمد:
أنت بتقول إيه يا شيكو، دي بنتي اللي ربيتها وحتة من قلبي ويستحيل مكانتها تهتز في قلبي.
شيكو:
أنت موقفك صعب جدا يا أحمد خصوصًا لو طلعت منايا فعلا بنتك مش عارف هي هتعمل إيه كمان معاك.
أخرج أحمد تنهيدة مريرة وقال:
أنا لازم أتكلم مع دلال الأول عشان أفهم كل حاجة.
***
ولجت حور إلى غرفتها تبكي، فأضاء هاتفها برسالة على الواتس فوجدتها من ويليام جاء فيها:
حور أنا معي مجموعة من الفتيات والأولاد حدثتهم كثيرًا عنك وعن الإسلام.
فأرادوا معرفة المزيد عن هذا الدين، فهل تسمحي ببعض من وقتك لتتحدثي معهم لعلهم يدخلون الإسلام.
ابتسمت حور رغم ما تعانيه ورحبت بالفكرة وكتبت:
هذا يسرني، ولكن أين مكانكم؟
فابتسم ويليام بمكر وكتب لها العنوان بالتفصيل وقال بتهكم:
تلك طفلة بريئة حقًا تصدق كل ما يقال لها، يا للغباء.
لا بأس ستتعلم الدرس بعد تلك المقابلة اللذيذة، حتى لا تثق بأحد بعد ذلك.
سأدخل الآن أعد لها مشروبًا ذكيًا ينسيها العالم بأجمعه.
...
وبالفعل غادرت حور دون أن تبلغ أحدًا بوجهتها وكأنها كانت مغيبة عن الوعي لا تدرك ما تفعل.
حتى وصلت إلى العنوان المنشود واستقبلها ويليام ببشاشة وجه ووووووو.