تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الواحدة والعشرون
..............
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
أخبروا قلوبكم أنها تستحق الفرح، واملؤوها بالابتسامة، واستودعوها الله، وكونوا مطمئنين، فالسعادة ليست حلمًا، ولا وهمًا، ولا بأمر محال، بل هي التفاؤل وحسن الظن بالله والصبر بغير استعجال.
........
ولج طفلا أشجان عليها في غرفتها بعدما انتهوا من اللعب مع سيف ابن خالهم وابن عمتهم في ذات الوقت.
تبدلت ملامح أشجان الحزينة على حالها للفرح عند رؤية طفليها، فمدت ذراعها لهم، فركض الاثنان لها واحتضناها بحب، فضمتهم أشجان لصدرها بقوة ثم أبعدتهم قليلًا لتقبّلهم بنهم وحب.
آسر: أنا بحبك قوي يا ماما وبحب بابا، بس أنا زعلان منه قوي، عشان بقاله كتير مش بيسأل عليا أنا وآيسل، هو بطل يحبني.
تأثرت أشجان بكلام الصغير وقالت بحزن: ما تقولش كده يا حبيبي، أكيد بابا بيحبك بس هو مشغول بس وأول ما يفضى أكيد هيكلمك وهيجي يشوفك.
لتشير آيسل إليها بحزن: هو صح يا ماما إحنا مش هنرجع بيتنا تاني عند تيتا زينب عشان خالته أسماء قعدت في بيتنا. طيب ليه يا ماما أنا مش عايزة أقعد هنا وعايزة أروح بيتنا.
دمعت عين أشجان ولم تستطع الإجابة على أسئلتها، فكيف يتقبل عقلها الصغير أن خالتها ستتزوج من أبيها.
لتجد آسر قد أشار إلى آيسل بقوله: بس أنا مش عايز أرجع بيتنا يا آيسل، عشان ده بيت وحش وماما كانت بتعيط كتير فيه، لكن هنا حلو مع جدو وتيتا وعمو أحمد، أنا بحبه قوي يا ماما عشان بيلعب معايا وبيجيب لي دائمًا حاجات حلوة. وكمان تيتا قالت لي إنه هياخدنا في بيت كبير أحلى من هنا هنعيش فيه أنا وأنتِ وآيسل.
دق قلب أشجان لذكر اسم أحمد ولمعت عينيها بوميض الحب وزاد عشقها له لأضعاف لأنه حنون على أولادها وكأنه عوض الله ليس لها فقط بل لأولادها أيضًا.
فهمست بشوق: إمتى ربنا يقرب البعيد يا أحمد وتكون حلالي وأقدر أكلمك من غير ما أتكسف منك وتحط وشك في الأرض. وأعترف لك إني بحبك، بحبك قوي وكنت مستنية اللحظة دي عشان أقولها. بس يا خوفي يا أحمد لو ما اعتبرتنيش زوجة بجد ومتجوزني كده شفقة وستر. لا يا أحمد أوعى، ده أنا مستنية بفارغ الصبر اليوم اللي أترمي فيه في حضنك وأبكي من فرحتي بقربك في الحلال. يا ريت يا أحمد أعيش وأشوف اليوم اللي أحس فيه فعلًا أن قلبك مال لي وفيه أمل إنك تحبني. ياااه إمتى بس يجي اليوم ده.
..........
خطت دلال خطواتها نحو المجهول بعد أن ظنت أن أحمد لن يكرر عليها طلبه بالعودة للفيلا مرة أخرى والزواج منه بناءً على رغبتها في ذلك.
أما أحمد فكان شاردًا لا يعي حقًا إنها تبتعد عنه، وكل جُل تفكيره في عذابه في حبها وعذابها في حبه وتلك الورطة التي تورط بها من زواجه من أشجان وبين حب عمره التي تضيع الآن أمام عينيه.
ثم استمع فجأة إلى صوت صراخ أخرجه من شروده فهمس دون وعي: دلال.
وكان هذا بالفعل صوت دلال بعد أن صدمتها سيارة مسرعة، فصرخت ثم وقعت مغشيًا عليها من الصدمة، فلاذ صاحب السيارة بالفرار سريعًا ظنًا منه إنها قد ماتت حتى لا يعاقب على ما فعله.
ركض أحمد بكل قوته نحو دلال بقلب ملتاع خائف وود أن لو طوى الأرض ليصل إليها سريعًا.
وعندما وصل إليها انحنى ليراها وأخذ يردد: دلال ردي عليّ، دلال أرجوكِ ردي عليّ. لاااا أوعي تسيبيني يا دلال، أنا فعلًا بحبك بس ما كنتش قادر أقولها غصب عني. أنتِ حبيبتي وأميرتي وأغلى من حياتي. أقسم بمن خلق روحك داخلي أنني أعشقكِ إلى حد الجنون. أقسم بمن خلق نبضكِ بداخل أوصالي وأنني لا أستطيع التنفس بعيدًا عنك. أقسم بمن خلق الكون أن اسمك صار حبيبي وقد تغلغل داخل الروح ورسمه دمي داخل أضلعي ومكتوب بين أهداب عيني. أقسم بمن أحسن خلقك أنكِ تسكنين كل اتجاهاتي. أقسم بمن خلق الحب داخل قلوبنا أنني أشتاقك إلى حد الجنون وأكثر. أقسم بمن خلق النبض بروحي أنكِ أحييتِ نبضي كلي. أقسم بمن خلق الحرف أن حروفي تتسابق لعينيكِ لتخبرك عن شوقي لعناقك وتهمس لكِ بمداد حبي... أحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبــــــكِ.
ثم استطرد بألم يئن في كل جوارحه: أرجوكِ قومي واعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، بس ما تسبينيش يا دلال. أنا من غيرك هيتيتم تاني ومش هقدر أستحمل صدقيني. أنا مش قوي قوي زي ما أنتم فاكرين، أنا إنسان ضعيف بس بتقوى بالله سبحانه وتعالى.
ثم رفع بصره إلى السماء واستنجد بالله قائلًا: يا رب نجيها عشان خاطري، أنا ما بقاش لي في الدنيا غيرها. يا رب أدعوك بعمل صالح عملته بإخلاص تنجيها لأني عارف إنك بتستجيب بالعمل الصالح زي أصحاب الصخرة زمان اللي اتحبسوا في الغار ولما خلص منهم الأكل والشرب وقربوا على الهلاك كل واحد فيهم دعا بعمل صالح عمله. الأول قال إنه كان بار بأمه وأبوه جدًا لدرجة إن قبل ما يروح بيته كان يزورهم ويأكلهم ويشربهم ففي يوم رجع متأخر وكان جايب لبن معاه يشربهم بس لقيهم ناموا فأصر إنه ما حدش يشرب قبلهم من أولاده اللي كانوا جعانين واللبن بالنسبة لهم أكل لأنهم صغيرين وفضل واقف باللبن لغاية ما صحيوا وشربهم هما الأول وبعدين شرب أولاده. فدعا وقال يا رب أنا عملت كده عشان وجهك الكريم ففرج عنا. فاتفتحت الصخرة شوية اللي كانت قافلة فتحة الغار. والثاني قال يا رب إنه كان شغال عنده أجير ومشى من غير ما ياخد أجره وبعد فترة رجع يطالبه بيه فعطاه الضعف لأن استثمر ماله. فاتفتحت الصخرة شوية كمان. والأخير قال إنه كان بيحب بنت عمه راودها عن نفسها فرفضت بس بعد كده احتاجت فلوس فراحت وقبلت لكن لما جه يقرب منها ارتعشت وقالت اتقي الله والحلال أفضل فخاف ربنا وبعد عنها. وقال يا رب أنا عملت كده من أجلك فاتفتحت الصخرة كلها وطلعوا.
نزلت دموع أحمد بغزارة على وجنتيه وحملها على يده سريعًا كالأطفال ثم أسرع بها إلى سيارته وبها إلى المستشفى القريبة لينقذها.
فهرول بها للداخل صارخًا: أرجوكم حد ينقذها بسرعة.
فقال أحد الأطباء: هاتها هنا طوارئ بسرعة.
وأثناء الكشف تحدثت دلال بهمهمة قائلة بهمس: والله بحبك يا مولانا، بس أنا زعلانة منك عشان سبتني أمشي هونت عليك، يعني كده خلاص ما فيش أمل أتجوزك في الدنيا وهتجوزك في الجنة بس أنت حلو قوي يا مولانا في الدنيا أمال في الجنة هيكون شكلك إيه.
فابتسم الطبيب والتفت إلى أحمد قائلًا: المدام، ثم صمت لحظة وتابع: مش المدام برضه؟
فأسرع أحمد بقوله بحرج: آه آه مراتي.
فوجد دلال تجلس فجأة بعد أن عاد إليها وعيها عند سماع صوت أحمد وهو يؤكد على الطبيب قول: أيوه مراتي.
فاعتدلت وجلست وكأن ليس بها شيء وقامت على الفور بإطلاق زغرودة وقالت: شوفت بقى يعني أنا ما غلطتش يوم الحادثة بتاعتك لما قلت إني مراتك. أديك بتأكد أهو يا مولانا.
فتلون وجه أحمد من الحرج وتصبب عرقًا وحدقها بنظرة حادة معناها (يعني أنتِ كنتِ بتمثلي إن أغمى عليك وأنتِ زي الفل أهو وبالعكس لسانك طول أكثر).
أما الطبيب فضحك وقال: شكل المدام بتحبك وبتدلع عليك عشان تشوف معزتها عندك. وعلى العموم هي عندها كدمات بس بسيطة وهكتب لها مراهم لكن هي بخير وتقدر تروح معاك.
لتستطرد دلال بمرح: آه هروح معاه يا دكتور، هو أنا لي غيره، ده حبيبي.
فصك أحمد على أسنانه بغيظ وصاح بانفعال: لمي لسانك شوية، إيه ما فيش عندك بربع جنيه حياء.
ثم همس: مش عارف حبيتها إزاي دي، هتجنني بس أعمل إيه بحبها وهتجوزها عشان ما أضيعش ديني.
عقدت دلال حاجبيها ورفعت شفتيها متذمرة مثل الأطفال وهمست: والله حاسة بيحبني وبيموت فيَ بس بيتكبر يقولها، بس أنا مش هسكت وتملي هكون وراه لغاية ما يعترف. ما هو يا أنا يا أنت يا مولانا يا عسل أنت.
ابتسم أحمد ابتسامة صفراء للطبيب ثم قال: تمام شكرًا لحضرتك.
ثم نظر لها بحدة قائلًا بتهكم: طيب يا مدام مش يلا بينا نروح وكفاية لحد كده فضايح.
ابتسمت دلال عندما رأت الغضب يشتعل في عينيه مع ذكره كلمة مدام فطالعته بمكر لتزيد من اشتعاله ورددت: روح المدام طالعة من بوقك زي العسل يا مولانا. بس لمؤاخذة يعني أنت شايفني متكسرة إيدك معايا تساعدني أقوم. أنا في مقام مراتك دلوقتي يعني، فقرب ما تتكسفش.
جحظت عين أحمد من جرأتها وتلون وجهه بالحمرة وصك على أسنانه بغيظ ثم صاح بانفعال جعلها ترتجف: والله لو ما قمتِ لوحدك يا دلال لأكون رزعك في الأرض أجيب أجلك وبكده هكون أرمل وأرتاح من لسانك الطويل ده.
ففزعت دلال واستقامت سريعًا ووقفت أمامه واقتربت منه وقالت بدلال: وأهون عليك يا مولانا، أموت كده قبل ما أخش دنيا.
أثار قربها أحمد فتعرق بشدة وشعر بالاختناق كأن قربها سحب الهواء من رئتيه.
ابتسمت دلال وهمست: يا لهوي الراجل هيموت مني ولا إيه!
لتجده قد تراجع قليلًا للوراء وجاهد حتى يستطيع السيطرة على نفسه وأخرج زفيرًا حارًا قائلًا: اخفي من وشي السعادي يا دلال وقدامي يلا حالًا على المأذون هكتب عليكِ دلوقتي لأني لو اتأخرت لحظة عن كده هرتكب جريمة.
فابتسمت دلال وهمست: مش قلت لكم بيحبني وبيموت فيَ ويلا بقى ما بدهاش أتحرك زي بعضه لأني لو طولت أكثر هيجيله شلل مني وأنا محتاجة العسل ده.
فتقدمت منه بخطوات وهو من ورائها يحاول السيطرة على نفسه وهمس:
مالك يا أحمد ما تثبت كده، أمال لما تكتب عليها وتكون حلالك هتعمل إيه وإحنا متفقين هتتقل والجواز هيكون على الورق بس لغاية ما يتصلح حالها وتكون الزوجة اللي كنت بتمناها، بس بعمايلها دي ربنا يستر وما أستسلمش من أول لحظة. عيب يا رجولة والله.
كانت دلال في ذهول لا تستوعب ما تفوه به للتو، أحقًا ستكون زوجته بعد لحظات من الآن؟ هل سيتحول حلمها حقيقة بتلك السهولة؟ هل حقًا غفر الله ذنبها وأكرمها به زوجًا لم تكن تتخيله في يوم من الأيام؟ هل هذا ما يسمونه عوض الله عن كل ما عانته طيلة حياتها؟ ولم تجد ما تقوله أو تعبر به عن فرحتها إلا أنها سجدت لله تشكره بدموع عينيها.
فتأثر أحمد من فعلتها تلك ولمعت الدموع في عينيه أيضًا.
ثم أخرج هاتفه واتصل على عمته قائلًا: عمتي أنا هكتب على دلال دلوقتي عشان ما تهربش مني تاني.
فضحكت عفاف وقالت بمكر: للدرجادي مستعجل يا شيخ أحمد؟ ماشي يا حبيبي ألف مبروك وربنا يسعدك.
أحمد: الله يبارك في عمرك يا عمتو.
_ بس قولي لي تميم دلوقتي ألاقيه صاحي ولا نايم؟
ولسه هتجاوب عليه عفاف وتقول له ممكن يكون نام لقت تليفونها بيدى انتظار وكان هو تميم فقالت بضحك: يا ريتني كنت افتكرت مليون جنيه أهو بيتصل يا أحمد اقفل أنت وهتصل بك لما أكلمه وأقول له.
أحمد: تمام يا أحلى عمتو في الدنيا.
ثم قامت عفاف بالرد على تميم: أيوه يا قلب أمك، عامل إيه وحشتني يا حبيبي. ما جيتش ليه تسلم عليّ النهاردة؟
ابتسم تميم على لهفة والدته عليه وقال بحب: معلش يا أمي حصلت ظروف كده. وصراحة يعني أنا قررت أتجوز.
فأطلقت عفاف زغرودة ببهجة وقالت: بجد يا ضنايا أخيرًا هتفرح قلبي وتجوز وأشيل عيالك قبل ما أموت.
أغمض تميم عينيه بحزن على ذكر الأطفال لأنه يعلم أن هذه أمنية مستحيلة بسبب مرض تقى. ولكنه قال: إن شاء الله يا أمي.
عفاف: ويا ترى مين العروسة أعرفها؟
تميم: عز المعرفة يا ست الكل وهتفرحي لما تعرفيها.
عفاف بذهول: أوعي تقول تقى معقول!
تميم: هي بلحمها وشحمها.
عفاف بفرحة: يا بركة دعائي أخيرًا يا ابني قلبك حن للغلبانة دي، وهتجبر بخاطرها، ألف حمد وشكر لك يا رب. أنت فعلًا لو لفيت الدنيا كلها ما كنتش هتلاقي واحدة زيها تحبك وتراعيك.
أطلق تميم زفيرًا محملًا بالهموم والندم على ما فات وأكد: عندك حق يا أمي وعشان كده بإذن الله هحاول أعوضها عن اللي فات.
عفاف: ربنا يسعدك يا ابني، وإظاهر كده الأفراح بتيجي كده مرة واحدة. تصور أحمد لسه مكلمني وعايزك حالًا تشهد على عقد كتب كتابه.
تفوه تميم بذهول: إزاي ده معقول هيتجوز أشجان بالسرعة دي!
فضحكت عفاف واستطردت: لا يا ابني مش أشجان دي الحب، تصور أحمد طلع زي أي شاب بيحب.
تميم: وفيها إيه يا ماما ما هو برضه إنسان زينا. بس كده إيه صرف نظر عن أشجان هو صراحة من حقه لأنها أكبر منه ومطلقة بس ده طبعًا ما يعيبهاش بس يعني ما كانتش تليق لأحمد.
عفاف: لا يا ابني أنت عارف أحمد ما يقدرش يخلف وعده لعمه وهيتجوزها.
فضحك تميم: يا لعبك يا أحمد يعني هياكل واحدة ويحلي بالثانية، آه من شيوخ اليومين دول، أوعدنا يا رب.
فعاتبته عفاف: إيه اللي بتقوله ده يا تميم يا ابني، هو أحمد بتاع الحاجات دي برضه. ده يا حبة عيني في نار وأنا لما شوفت أنه بيحب البنت دي قلت له اتجوزها بدل العذاب اللي أنت فيه وراعي ربنا في الاثنين. بس برضه خايف على شعور أشجان لأنها يا حبة عيني شافت كتير ومش ناقصة كمان تعرف أن هيكون لها ضرة ولا الثانية اللي بتحبه ومش متحملة فكرة أنه هيتجوز بنت عمه عشان الواجب. فصراحة يعني موقفه صعب ربنا يكون في عونه. المهم عشان هو مستني اتصالك به عشان تروح له وتقف معاه وتشهد على العقد.
استطرد تميم بمرح: أيوه يا ست الكل ما أنا عارف أحمد عندك إيه، وبتحبيه عني وبتدافعي عنه كمان.
فضحكت عفاف: يا بكاش أنت عارف إن ما فيش حد أغلى عندي منك بس أحمد بسبب ظروفه وأمه اللي ما فرحتش به وقساوة زينب عليه خليته عندي في مكانة ثانية.
تميم: ماشي يا جميل، طيب إيه رأيك جت لي فكرة نخلي الفرحة فرحتين وتلبسي وتشيكي وتجهزي وآخذك وأكتب كتابي أنا كمان على تقى وأهو أحمد يوفر لي أجرة المأذون.
فضحكت عفاف: آه يا لئيم، للدرجادي مستعجل ما كانت قدامك من زمان. بس والله فكرة حلوة يلا خير البر عاجله. أنا هجهز وأنت كلم أحمد واعرف مكانه فين وكلم تقى وعدي عليها خذها وبعدين عليه.
همس تميم بغصة مريرة: وهي تقى هتقدر على الفرهدة دي، ده المفروض يكون كتب الكتاب عندها بس إزاي وممكن أحمد حد من عيال خالي يشوفوه ويوصل الموضوع لأشجان وتبقى مصيبة. أعمل إيه دلوقتي؟ ربنا يسترها بقى وعشان الدنيا ليل ما حدش يحس بينا. أنا هكلم أحمد يجيب ماما والمأذون ويجي عليّ وهفهمه طبعًا حالة تقى.
تميم: بصي يا أمي هو كده كتب الكتاب هيكون في شقة تقى بإذن الله.
عفاف باندهاش: ليه يا ابني حد يحس من ولاد سليمان وتبقى ليلة ومش عايزين مشاكل لأحمد هو مش ناقص ونفسي يفرح.
تميم: معلش الظروف يا أمي لما تيجي هفهمك وإن شاء الله تعدي على خير، ودلوقتي هقفل وأكلم أحمد.
وبالفعل حدث أحمد فتبدلت تعابير أحمد من الخوف قائلًا: الموضوع هيكون حساس قوي وصعب لو عرف عمي سليمان ووصل لأشجان وأنا مش عايز أجرح إحساسها كفاية اللي شوفتو من شفيق.
كانت دلال تستمع إلى كلمات أحمد بقلب منفطر وتساقطت دموعها رغماً عنها وتساءلت: للدرجادي خايف على إحساسها يا أحمد وأنا إيه في الموضوع؟ شايفني لوح خشب ولا حجر ما بيحسش، مع إنها أحسن مني في كتير. هي هتتجوزها قدام الناس كلها ومش تخجل تقول قدامهم إنها مراتك وهتفتخر هي بك في كل مكان وحقها. لكن أنا هكون في السر ولو حد شافك معايا مش هتقدر تقول إني مراتك. فليه كده يا أحمد، ملعون أبو الحب اللي يذل الإنسان بالشكل ده.
كان أحمد يراقب انفعالاتها ويرى دموعها التي تنسكب على وجنتيها وشعر أن كل دمعة تسقط على قلبه كالجمر يحرقه. وود أن لو يسرع إليها ويحتضنها بحب ويهمس لها أن ليس في قلبه غيرها ويطمئنها ويصرخ ليسمعه العالم ويقول إنها حبيبته وزوجته. لكن ما بيده وهو مغلوب على أمره، ولديه دين في عنقه يجب عليه الوفاء.
تميم: معلش يا شيخنا والله غصب عني عشان تقى تعبانة وأكيد ربنا هيسترها معانا وكمان حتى لو حد شاف هقول كنت جاي تشهد على عقدي والمدام بإذن الله نقول صاحبة تقى.
زفر أحمد بضيق: ماشي يا تميم ويعني حبكت تعملها أنت كمان النهاردة.
فضحك تميم: يوووه يا شيخنا خير البر عاجله وبالمرة بقى.
أحمد: ماشي، وربنا يسترها لما أشوف كمان شيكا وأظن يعني هيشبط هو كمان، ما تقولش كتب الكتاب النهاردة عليه عرض هدية.
فضحك تميم وضحك أحمد.
لتهمس دلال رغم حزنها: والله اللي مصبرني هي ضحكتك دي يا مولانا، بتنسيني العالم كله، أمال لما يتقفل علينا باب واحد هعمل إيه.
ليحدث ما فكر به أحمد وصاح شيكو: الله أكبر يا ناس، وأنا أولكم يا شيخ الله يسئك عشان أنا صابر من زمااان قوي وحالي يصعب على الكافر والله ودي فرصة عمري أكتب أنا الأول وأحطها قدام الأمر الواقع إلا ترجع في كلامها وأنا عارفها فقر وتعملها.
فضحك أحمد قائلًا: للدرجادي، وفعلًا أنت حالتك صعبة قوي يا صاحبي وماشي كلامك. ويلا هتصل أنا بالمأذون وهاخده على طريقي وأنت تاخد تحصلنا على بيت تميم.
شيكو: تمام ثم أخذ يردد بمرح: هتجوز، هتجوز.
ثم توقف للحظة وتابع بصدمة: بس هي فين العروسة، دي تلاقيها في سابع نومة دلوقتي. بس أقول لك يا واد يا شيكو أحسن برضه، أنا هاخدها نايمة وهخليها تمضي وهي مش حاسة أضمن برضه.
أما تميم فحدث تقى التي رددت بذهول: أنت بتكلم جد يا تميم، دلوقتي إزاي يعني؟
تميم: أيوه دلوقتي عندك مانع يا حرمنا المصون مقدمًا.
ابتسمت تقى بوهن: مش قصدي بس خايفة تكون اتسرعت ولازم تاخد فرصة تفكر شوية.
تميم: أنا خلاص فكرت وأخذت القرار وما فضلش غير إمضتي على العقد. خلي خالتي تحضر الشربات بقى يا جميل بس تزغرط بشويش بالله عليكِ مش عايز الزغاريد توصل لبيت خالي سليمان.
فعضت تقى على شفتيها بغصة مريرة وقالت بصوت مخنوق: ليه يا تميم مش عايز تزعل ست الحسن والجمال أسماء اللي خلاص اتجوزت، يعني فكرك بتحس قوي ولو بتحس كانت سابت واحد زيك واتجوزت واحد استغفر الله العظيم ما يجيش ضفرك.
شعر تميم ببرودة اجتاحت جسده عند ذكر أسماء التي المرأة الوحيدة التي أحبها ولكن مزقت قلبه ولكن رغم ذلك لم يستطع أن يكرهها بل ويشفق عليها أيضًا من شفيق. فهي صغيرته وابنة خاله التي رباها على يديه رغم كل شيء. وحزن على تقى لأنها لم تدرك من يعنيه فتسبب لقلبها بأذى وهي مريضة لا تتحمل لذا سارع بقوله: أنتِ فهمتِ الموضوع غلط يا تقى، أولًا أسماء بالنسبة لي بنت خالي وبس وثانيًا مش عايز يوصل لهم الخبر لأن أحمد متكلم على أشجان بس مش بيحبها وهيكتب كتابه على واحدة بيحبها معانا، فمش عايز يجرحها.
ضغطت تقى على شفتيها مرة أخرى ولكن تلك المرة بندم لتسرعها في الحكم عليه ولم تدرِ بما تجيبه غير: أنا آسفة يا تميم، يا ريت تسامحني عشان بحبك وبغير عليك.
ابتسم تميم بوهن وقال: ما فيش حاجة يا تقى خلاص إنسي وجهزوا نفسكم أنا جاي في الطريق.
.......
كانت شهيرة تذاكر بعض دروسها حتى جاءتها رسالة على هاتفها مفادها: على فكرة الأتوفيت بتاع النهاردة كان تحفة عليكِ وحجابك جميل بس ساعات بتخيل شكلك بشعرك بتهوس صراحة لأنك أكيد أجمل بيه. وهتوحشيني عقبال ما أشوفك بكرة يا قمري. ثم ختم الرسالة بقوله العاشق الولهان.
أصابت الصدمة وجه شهيرة ونظرت إليها بذهول ولم تنطق للحظات ثم حاولت التحدث بهمس خافت حتى لا يسمعها سفيان الذي كان في غرفة ابنهما سيف يلاعبه حتى يتيح لها فرصة المذاكرة لبعض الوقت.
فأخذت تردد بغضب مكتوم: ده مين قليل الأدب ده على المسا وإزاي يسمح لنفسه يتخيلني بشعري وبيكلم كمان عن لبسي النهاردة معناه إيه ده. يعني يعرفني بس إزاي وفين؟ آه ما فيش غير الكلية وتلاقيه واحد من العيال الخايبة اللي هناك اللي مش لاقيين حد يلمهم وفاضيين. استغفر الله العظيم، أنا مش ناقصة معاتيه. وأنا مش هرد عليه وهعمله حظر كمان وأمسح الرسالة بسرعة قبل ما يشوفها سفيان وتبقى ليلة. ومش بعيد يخليني أسيب الكلية بعد ما روحي اتردت لي تاني لما روحتها.
ثم قامت بالفعل بحظر الرقم.
ليزفر كريم بضيق وهدر بانفعال: كده يا شوشو ماشي. مش هسيبك برضه غير لما تنضمي لحريم كريم يا قطة.
وعندما همت شهيرة لمسح الرسالة ولج سفيان الغرفة وعلى وجهه ابتسامة كعادته قائلًا: الحلو خلص مذاكرة ولا لسه؟
فارتبكت شهيرة وارتجفت يدها وهي تجاهد لحذف الرسالة سريعًا.
ولاحظ سفيان ذلك فقال: فيه إيه مالك يا شهيرة؟
فما سيحدث بينهما؟
"والعمل يا شيخ؟"
رد الشيخ بهدوء: "بعد ما تخلصي عدة، تطلقي من جوزك ده."
صُدمت دلال: "أطلق إيه؟ يا شيخ مش عايزة أطلق."
نظر إليها الشيخ باستغراب، وقال: "مش عايزة تطلقي ليه؟ ده أنا شوفت بلاوي فيه."
سكتت دلال وهي تفكر، ثم قالت: "مش عارفة يا شيخ، بس اللي أعرفه إني مش عايزة أطلق."
"اسمعي يا بنتي، لو ما طلقتيش منه، حياتك هتكون جحيم، ده أنا لما كشفت عليه، شوفت حاجات تقشعر لها الأبدان، شوفت إنه بيعمل لك أعمال عشان يكرهك في أهلك، وعشان ما تخلفيش، وعشان يخليكي تحت طوعه، إيه رأيك؟"
لم تستطع دلال تخيل ما قاله الشيخ، وما زالت تفكر في حبه لجوزها.
"يا بنتي، هو ما يستاهلش ظفر من رجلك، ده بني آدم عديم الرحمة، ده أنا شوفت صور لنساء كان بيعمل لهم أعمال، وفيهم اللي ماتت، وفيهم اللي اتدمرت حياتها، وفيهم اللي اتجننت، عايزة تكوني واحدة منهم؟"
بكت دلال بحرقة، وقالت: "أنا مش فاهمة أي حاجة، أنا طول عمري بحبه، وكل اللي أعرفه إني بحبه."
"يا بنتي، الحب ده مش حب، ده سحر، هو عامل لك سحر عشان تحبيه، وعشان تخضعيله، وعشان ما تقدريش تعيشي من غيره، بس أنا هخلصك من كل ده، بس إنتِ لازم تساعديني."
"أساعدك إزاي؟"
"أول حاجة، لازم تصدقي اللي أنا بقوله لك، وتتخلصي من أي حاجة تفكرك بيه، وتتخلصي من أي حاجة هو جابها لك، وتتخلصي من أي حاجة هو لمسها."
"كل ده؟"
"أيوه، كل ده، وبعدين لازم تصلي وتدعي ربنا كتير، وتتقربي لربنا، وتطلبي منه إنه يخلصك من كل ده، وربنا هيستجيب لك."
"بس أنا مش عارفة أعمل كل ده لوحدي."
"أنا معاكِ، وهساعدك، وهقف جنبك، بس إنتِ لازم تكوني قوية، وما تخافيش من أي حاجة."
"حاضر يا شيخ، هعمل كل اللي تقوله لي."
"تمام، دلوقتي هكتب لك آيات قرآنية، تقريها كل يوم، وهكتب لك بعض الأدعية، تقوليها كل يوم، وهكتب لك بعض التحصينات، تعمليها كل يوم، وهقول لك على بعض الحاجات، تعمليها كل يوم، كل ده عشان ربنا يخلصك من كل ده."
"تمام يا شيخ."
"بس في حاجة مهمة جداً، لازم تعرفيها، ما ينفعش أي حد يعرف باللي بيني وبينك، ولا ينفع أي حد يعرف باللي أنا بقوله لك، ده سر بيني وبينك، مفهوم؟"
"مفهوم يا شيخ، مش هقول لأي حد."
"تمام، دلوقتي هقول لك على الحاجات اللي هتعمليها."
بدأ الشيخ يشرح لدلال كل ما يجب عليها فعله، ودلال تسمع بانتباه، وهي مصدومة مما تسمعه، ومصدومة من حقيقة جوزها.
بعد أن انتهى الشيخ من شرح كل شيء، ودعت دلال الشيخ، ورجعت إلى بيتها، وهي تفكر في كل ما قاله لها الشيخ.
عندما دخلت دلال إلى بيتها، وجدت جوزها نائماً، نظرت إليه، وهي تفكر في كل ما قاله لها الشيخ، وشعرت بالاشمئزاز منه.
ذهبت دلال إلى غرفتها، وأخرجت كل ما يخص جوزها، وكل ما هو جابه لها، وكل ما هو لمسه، ووضعته في كيس كبير.
بعد ذلك، أخذت الكيس، وخرجت من البيت، وذهبت إلى أقرب صندوق قمامة، ورمت كل شيء فيه.
رجعت دلال إلى بيتها، ودخلت غرفتها، وبدأت تصلي وتدعي ربنا، وتطلب منه إنه يخلصها من كل ده.
مرت الأيام، ودلال ملتزمة بكل ما قاله لها الشيخ، وبدأت تشعر بتحسن، وبدأت تكره جوزها أكثر وأكثر.
في يوم من الأيام، استيقظت دلال من نومها، وشعرت بأنها قوية، وأنها قادرة على مواجهة أي شيء.
ذهبت دلال إلى جوزها، وقالت له: "أنا عايزة أطلق."
صُدم جوزها: "تطلقي إيه؟"
"أنا عايزة أطلق منك، ومش عايزة أعيش معاك لحظة واحدة."
"إيه اللي غيرك كده؟"
"اللي غيرني إني عرفت حقيقتك، وعرفت إنك بني آدم عديم الرحمة، وعرفت إنك بتعمل لي أعمال."
صُدم جوزها: "أعمال إيه؟"
"أعمال عشان تكرهني في أهلي، وعشان ما أخلفش، وعشان تخليني تحت طوعك، وعشان تخليني أحبك."
"مين اللي قال لك الكلام ده؟"
"الشيخ اللي رحت له."
"شيخ إيه؟"
"شيخ بيعالج الناس من السحر."
"إنتِ اتجننتِ؟"
"أنا ما اتجننتش، أنا عايزة أطلق منك، ومش عايزة أعيش معاك لحظة واحدة."
"إنتِ مش هتطلقي مني، إنتِ تحت طوعي، ومش هتقدري تعيشي من غيري."
"أنا هعيش من غيرك، وهعيش أحسن منك، وهعيش سعيدة من غيرك."
"إنتِ فاكرة إني هسيبك تطلقي مني بسهولة؟"
"أنا مش عايزة أطلق منك بسهولة، أنا عايزة أطلق منك، مهما كلفني الأمر."
"تمام، إنتِ اللي جبتيه لنفسك."
خرج جوزها من البيت، ودلال صُدمت من رد فعله.
بعد ذلك، ذهبت دلال إلى الشيخ، وحكت له كل ما حدث.
قال الشيخ: "تمام، دلوقتي هنبدأ الخطوة التانية."
"إيه هي الخطوة التانية؟"
"الخطوة التانية، إنك تطلقي منه، بس لازم تكوني قوية، وما تخافيش من أي حاجة."
"أنا قوية، ومش هخاف من أي حاجة."
"تمام، دلوقتي هقول لك على الخطوات اللي هتعمليها عشان تطلقي منه."
بدأ الشيخ يشرح لدلال كل ما يجب عليها فعله، ودلال تسمع بانتباه، وهي مصممة على الطلاق من جوزها.
بعد أن انتهى الشيخ من شرح كل شيء، ودعت دلال الشيخ، ورجعت إلى بيتها، وهي تفكر في كل ما قاله لها الشيخ.
في اليوم التالي، ذهبت دلال إلى المحكمة، ورفعت دعوى طلاق على جوزها.
صُدم جوزها عندما علم بدعوى الطلاق، وحاول أن يثني دلال عن قرارها، لكنها كانت مصممة.
بعد عدة جلسات في المحكمة، حكمت المحكمة بالطلاق بين دلال وجوزها.
شعرت دلال بالسعادة، وشعرت بأنها تحررت من سجن كبير.
بعد الطلاق، بدأت دلال حياة جديدة، وبدأت تعمل، وبدأت تتعرف على أصدقاء جدد.
في يوم من الأيام، كانت دلال في عملها، ورأت شاباً وسيماً، شعرت نحوه بمشاعر غريبة.
الشاب أيضاً لاحظ دلال، وشعر نحوها بمشاعر غريبة.
بعد عدة أيام، تقابل الشاب ودلال، وبدأت بينهما قصة حب جميلة.
الشاب كان اسمه أحمد، وكان شاباً طيباً، ومحترماً، ويحب دلال بصدق.
بعد فترة، تقدم أحمد لخطبة دلال، ووافقت دلال، وشعرت بالسعادة.
تزوجت دلال وأحمد، وعاشا حياة سعيدة، ورزقهما الله بطفلين جميلين.
عاشت دلال حياة سعيدة، ونسيت كل ما حدث لها في الماضي، وشكرت ربنا على كل شيء.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
توترت شهيرة عندما وجدت سفيان أمامها، فأسرعت لحذف الرسالة سريعًا. لاحظ سفيان توترها ورعشة يديها مع الهاتف، فسألها يترقب: مالك يا شهيرة، فيه حاجة؟ حد كلمك ضايقك شفيق ولا أمك؟
فحركت شهيرة رأسها سريعًا ونفت بقولها: لا لا محدش كلمني.
ثم حاولت السيطرة على نفسها قليلًا حتى لا يشك في أمرها، وألقت الهاتف على المكتب بإهمال ووقفت وحاولت رسم ابتسامة مصطنعة، واقتربت منه وحاوطت عنقه بدلال قائلة: هو فيه حد يقدر يضايقني وأنت موجود يا روحي.
فضمها سفيان بحب ثم حملها ووضعها برفق على الفراش ليبث لها اشتياقه واحتياجه إليها، ولكنها لم تتجاوب معه لانشغال ذهنها بما حدث.
وشعر سفيان بذلك فابتعد عنها ثم ولاها ظهره، فضغطت على شفتيها بحرج وعاتبت نفسها: مالك بس يا شهيرة! متحطيش في بالك حاجة بدال أنت ماشية في السليم وبتتقي الله وبتحبي جوزك، لكن بعمايلك دي هتخليه يشك فيكِ.
ثم أخذت برفق تلاعب خصلات شعره واقتربت من أذنه وهمست بعشق: إيه يا قلبي بعدت عني ليه؟
زفر سفيان بضيق: مبعدتش ولا حاجة أنا جنبك أهو، بس محتاج أنام، تصبحي على خير.
ابتعدت شهيرة رويدًا عنه وهمست بحزن: وأنت من أهله.
لينام كل منهما مهمومًا، وتساءل سفيان: هي مالها الليلة دماغها مش معايا وغريبة، وليه مش عايزة تصارحني ليه لو حاجة حصلت بجد.
الحقد أصل الشر، ومن أضمر الشر في قلبه أنبت له نباتًا مرًا مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم.
لم تنم زينب تلك الليلة من القهر من تلك الصغيرة أسماء التي لم تكن في الحسبان، وأصبحت هي المفضلة لدى شفيق وأخذت مكانها في قلبه وفقدت السيطرة عليه.
زينب بغل وحقد: لا الحال ده لا يمكن يستمر أبدًا، ويستحيل أسيبها تاخد ابني مني، ولازم أخلص منها خالص، وتنتهي من الوجود عشان ابني يرجع لحضني تاني.
فأسرعت إلى المطبخ وأذابت سم فئران في كوب من اللبن، ثم أعدت معه فطيرًا شهيًا ولم تفارق وجهها الابتسامة وهي تعد ذلك ثم همست بغل: فطور الصباحية على أحلى عروسة، تفطره من هنا وتسكن القبر من هنا وتغور في ستين داهية وتريحنا.
ثم أخذت تنتظر بزوغ الشمس بفارغ الصبر لكي تتوجه إليهم بهذا الفطور.
فما يا ترى سيحدث؟
ارتدى شيكو أفضل ما لديه سريعًا ثم توجه إلى منزل ياسمين بسرعة هائلة، وكأنه يسابق الزمن ليصل إليها لعل نظرة منها تطفئ بركان قلبه الثائر.
وهمس بفرحة: معقول الليلة هتكوني على اسمي يا ياسمين، وأعرف أفضفضلك عن كل اللي في قلبي من غير ما تصدريني الوش الخشب. ياااه، ومش بعيد كمان أخدك في حضني، آه ما ساعتها هتكوني حلالي يا بت، ياااه ياما حلمت باللحظة دي من زمان وأخيرًا هتحقق.
وبالفعل وصل إليها وقام بطرق الباب عدة مرات، وكانت ياسمين تغط في نوم عميق.
فزفر شيكو بضيق: لا أنا قتيل النهاردة ومش متحتح من هنا غير لما تفتح الباب وأكتب عليها.
ثم كرر كثيرًا طرق الباب حتى انتبهت للصوت أختها الصغيرة نغم، فذهبت مسرعة لفتح الباب وابتسمت لرؤية شيكو وقالت: عمو شيكو إزيك.
شيكو بمرح: مش كويس من غير أختك اللي معذباني. هي فين؟
فضحكت نغم مرددة: نايمة يا عمو بس بتحلم بيك وكل شوية أصحى على صوتها وهي بتقول: بحبك يا شيكو بس مش عايزة أتجوزك.
اتسعت عين شيكو بصدمة وردد بذهول: بتحبني ومش عايزة تجوزني، أختك قربت تضيع الفص اللي فضلي في عقلي. بس على مين يا أنا يا هي النهاردة، ادخلي صحيها وخليها تلبس عشان هنتجوز.
فصفقت نغم بحرارة وقالت بفرحة: بجد يا عمو هيييه يعني هلبس الفستان وآكل جاتو.
ضحك شيكو وأكد: هيحصل يا عيون عمو، بس خايف من أختك تطفحولنا. يلا صحيها بسرعة، فدخلت نغم مسرعة تيقظ ياسمين.
نغم: ياسمين اصحي، عمو شيكو بره وعايزك عشان هتتجوزوا. اصحي يلا بقى عشان نلبس الفستان الجديد.
تململت ياسمين في فراشها وهي تستمع لكلمات نغم، وظنت أنها في حلم جميل. وهمست: شيكو حبيبي بس مش هتجوزه عشانك وعشان أخواتك.
نغم: يوووه وإحنا يا ستي عايزينك تتجوزي، ملكيش دعوة بينا. اصحي اصحي يلا لتجذبها نغم من يدها وأيقظت أختها الأخرى سلمى وساعدوها في ارتداء ملابسها وخرجت إلى شيكو.
تجمد شيكو للحظات عند رؤيتها في أبهى صورة فردد بإعجاب: سبحان من أبدع وصور، إيه الجمال ده كله يا ناس.
تلون وجه ياسمين بحمرة الخجل وهمست بحرج: متكسفنيش بقى يا شيكو.
شيكو: هو أنا قلت حاجة ولا عملت حاجة لسه، أجلي الكسوف ده وبعدين يا حب. المهم دلوقت نكتب الكتاب ونعلي الجواب. يلا بينا نصعد المجد قصدي العربية.
وصل تميم عند والدته فاستقبلته بالأحضان وقبلته قائلة: وحشتني يا ابني، أخيرًا هشوفك عريس وأفرح بيك.
تميم: حبيبتي يا أمي، ربنا يخليكِ ليه، ويلا بينا يا قمر، أحمد هيستنانا عند تقى، وكمان إيه الفرحة مش هتكون فرحتين وبس هتبقى تلاتة عشان شيكو كمان هيكتب على ياسمين.
فقامت عفاف بإطلاق زغرودة ابتهاجًا قائلة: ألف مبروك يا حبايبي أيوه كده هي الفرحة لما تدخل بتيجي بالبركة.
ثم صمتت للحظات تدرك ما قاله تميم فقالت بذهول: عند تقى ليه ابني حد يحس بينا ويوصل الخبر لخالك. لا بلاش عندها نكتب عند المأذون وخلاص برا برا.
تنهد تميم بغصة مريرة ثم اقترب من والدته وأمسك بيديها بحنو ونظر في عينيها وقال بخفوت: أمي كنت عايز أقولك حاجة بخصوص تقى.
طالعته عفاف بريبة وقالت: قول يا ابني وغوشتني.
تميم بحزن: صراحة تقى مريضة سرطان.
فضربت عفاف على صدرها وقالت بحزن: يا مصيبتي. لا حول ولا قوة إلا بالله، يا عيني عليكِ يا بنتي. دي لسه في عز شبابها وملحقتش تفرح.
فهمس تميم: قدر الله وربنا قادر يشفيها.
عفاف: يا رب يا ابني، بس فهمني، أنت إزاي عايز تتجوزها وعارف إنها مريضة يعني لا هتقدر على الجواز ولا الخلفة. وكمان عايزة اللي يخدمها، لا يا ابني كده متنفعكش خلاص. وحرام كمان تظلم نفسك معاها. آه نقف جنبها ونواسيها لكن تتجوزها وتضيع نفسك حرام. أنا مش موافقة يا تميم على الجوازة دي.
كادت مقلتي تميم أن تخرج من عينيه من الصدمة، فكيف ترفضها أمه وهي الآن في انتظاره لعقد القران. وقد تموت من الحزن قبل أن تموت من السرطان إن لم يوفي وعده إليها.
لذا صاح بقوله: أنتِ بتقولي إيه يا ماما، عايزاني أتخلى عنها في الظروف دي؟
عفاف: لا يا ابني أقف جنبها وأنا معاك برده دول عشرة العمر لكن كغير جواز متنفعش يا ابني. وأنا عايزة أفرح بيك مش أبكي على حالك معاها.
تميم: أنتِ فعلًا هتبكي على حالي لو متجوزتهاش عشان هتقهر يا أمي لأني حاسس بالذنب ناحيتها وحاسس أن السبب في مرضها لأني رفضتها زمان.
نفت عفاف: ليه يا ابني تحمل نفسك فوق طاقتها، ده قدرها.
تميم: لا يا أمي الحزن هو أساس كل الأمراض صدقيني. ويستحيل أسيبها بعد ما وعدتها إني أتجوزها.
عفاف: يعني مفيش فايدة مصمم يا تميم، تعيش كده من غير حتة عيل يشيل اسمك.
تميم: الأطفال رزق يا أمي والله أعلم مش يمكن أنا اللي أطلع مبخلفش.
عفاف: لا تف من بوقك يا ابني، ربنا يعطيك.
تميم: أيوه كده مش هنقول غير يا رب. ويلا بينا عشان اتأخرنا عليهم.
عفاف: أستغفر الله العظيم كان مستخبلنا فين ده كله.
وبالفعل تجمعوا عند أم تقى التي تجلت الفرحة في عينيها لفرحتها بابنتها حتى أنها أطلقت زغرودة فتبدلت ملامح أحمد وصاح: مش كده يا خالتي الوقت متأخر ومش عايز حد يحس.
فصكت دلال على أسنانها وهمست: والله ما حد مش بيحس غيرك يا مولانا.
ثم استطردت بمرح: ده إيه الجوازة الناشفة دي، طيب بلاش زغرودة أقوم أرقص نفك القعدة دي شوية.
فرمقها أحمد بنظرة حادة مخيفة جعلها ترتجف وهدر بانفعال: أنتِ لسه منستيش أصلك يا دلال إنك رقاصة، بس وديني لأخليكِ حتى تنسي اسمك كمان.
تألمت دلال من كلماته فتجمعت الدموع في عينيها وارتجفت شفتاها، مما جعل قلب أحمد يتمزق لرؤيتها على هذا النحو فهمس: أنا إيه اللي قلته ده، مكنش ينفع أقول كده ولا أكلمها بالحدة دي. بس غصب عني بجد، محستش بنفسي لما قلتها. وأديني أهو رجعت أنبت نفسي من تاني وقلت إزاي أنا الشيخ أحمد أتجوز رقاصة، يخربيت الحب اللي وقعني فيها.
لتخرج دلال كلماتها من بين شفتيها المرتجفة: وإيه جبرك تتجوز واحدة زيي كانت رقاصة يا شيخ أحمد. إحنا لسه فيها أهو ولسه مكتبتش عليه، فسبني يا أحمد أرجوك، عشان صدقني مش هستحمل تقولها مرة تانية، لأنها هتكون فيها موتي يا أحمد خليك فاكرها، أنا بحظرك.
تأثر أحمد لحزنها الذي ظهر جليًا في نبرة صوتها وتحير كيف يخبرها أنه يحبها ويريد الزواج بها رغم كل شيء ولكنه لا يستطيع الاعتراف الآن وليس بوسعه سوى الاعتذار فردد بندم: آسف بجد يا دلال مكنش قصدي، يا ريت تسامحيني وتعرفي إني مكنتش أقصد.
ثم انفعل وتابع: صراحة أنتِ السبب إزاي تقولي كده قدام الناس الغريبة!
مفكرتيش شكلي هيكون إيه قدامهم وهما عارفين أنا مين.
دلال بغصة مريرة: عارفة يا مولانا ومقدرة وكنت بهزر على فكرة، إيه متعرفش تهزر زينا يا صلاح.
رفع أحمد حاجبيه وتساءل بدهشة ممزوجة بالغيرة: مين صلاح ده يا ست هانم.
ابتسمت دلال لتلك النظرة التي تجلت في عينيه بوضوح وقالت: ده اسم دارج لأي إنسان لبش كده زيك مبيعرفش الهزار يا مولانا.
فابتسم أحمد، ففتحت دلال فمها ببلاهة وهمست: يخربيت ضحكته، هو لسه الدور بتاعنا فضله كتير ولا إيه.
مش كان مفروض أنت يقدروك وتكتب أنت الأول.
فلم يستطع أحمد كبت ضحكاته وهمس: مصيبة بس بحبها أعمل إيه.
أما دلال فهمست: عارفة ومتأكدة أنه بيحبني بس عامل زي حسين فهمي واد تقيل وعشان كده صابرة عليه لسانه اللي بينقط سم ده بس بموت فيه.
كانت تنظر عفاف إلى ابنها بعيون دامعة حزينة والمأذون يعقد قرانه على تقى وهمست: طول عمرك حظك قليل يا ابني، اتربيت يتيم واللي حبتها غدرت بيك وفي الآخر تاخد وحدة تعبانة شفقة، يا عيني عليك يا ضنايا.
وعندما انتهى المأذون من عقد قرانهم وقف تميم واتجه إلى تلك تناظره بحب وعينيها تلمع مع الفرحة وأمسك يديها بحنو ورفعها إلى فمه وقبلها ثم ساعدها على الوقوف برفق وهمس: ألف مبروك يا تقى.
فدمعت عينيها من الفرحة وهمست: أنا مش مصدقة وحاسة زي ما أكون في حلم جميل مش عايزة أصحى منه.
فضمها تميم إلى صدره، فشعر بارتجاف جسدها فهمس بجانب أذنها: لا اثبت يا جميل، وأظن كده اتأكدتي أن الحلم حقيقة وأنا معاكِ، وفي حضنك ويستحيل أبعد عنك أبدًا.
تنهد شيكو وهو يطالع تميم وتقى وهمس: يا وعدي يا وعدي.
خلاص يا واد يا شيكو كلها خمس دقايق وهتحضن وتبوس كمان بالحلال ولوح الثلج هيدوب.
ثم صاح بصوت عالٍ وغمز أحمد بعينيه قائلًا: معلش يا مولانا هاخد الدور ده أنا عشان مبقتش قادر أصبر من كده.
ولكن أحمد لم ينتبه له حيث كان في عالم آخر يسبح في خياله بعدما رأى تميم يحتضن تقى فتساءل كيف كان إحساسه فأخرج تنهيدة حارة وهمس:
آه أنا فعلًا محتاج حضن زي ده يروي عطش قلبي من دلال، حضن اتمنيته بالحلال من أول يوم شوفتها فيه ومكنتش أتخيل إنه يجي بالشكل ده.
بس للأسف مش هينفع لأنه لو حصل مش هستحمل واحتمال أقولها قد إيه بحبها واتمنيتها وده غلط مش وقته.
وعشان كده مينفعش مينفعش.
استمعت دلال إلى كلمته الأخيرة مينفعش فحركت شفتيها باستياء مرددة: هو إيه اللي مينفعش يا مولانا.
مترسيلك على رأي، هتكتب ولا نفوضها سيرة عشان خلاص أعصابي تعبت.
ثم نظرت إلى شيكو الذي أتم المأذون عقده على ياسمين، فقفز من فوق المنضدة سريعًا ليختطفها بين جنبيه ويضمها إلى صدره بقوة وكأنه خائف أن يأخذها أحدٌ منه.
فهمست دلال: شوف أهو شيكو ده صاحبه الروح بالروح بس سبحان الله هو جنتل مان بيفهم ويقدر لكن أخينا لوح بعيد عنك، يا عيني على بختي.
اختطف أحمد نظرة سريعة لوجهها وهي تتحدث فجاهد لإخفاء ابتسامته حتى لا تنفجر غيظًا منه.
ولا تعلم المسكينة أنه أشد عشقًا لها من شيكو لحبيبته وأقسم أن يرويها من نهر حبه ويصب عليها اشتياقه وحنينه صبًا صبًا ولكن في الوقت المناسب وليس الآن.
خرجت دلال من شرودها في شيكو وياسمين على صوت ياسمين العالي وهي تبتعد عن شيكو بحدة قائلة: إيه اللي بتعمله ده يا شيكو، احترم نفسك.
جحظت عين شيكو وقال بدهشة: عيب واحترم نفسك.
منك لله يا بعيدة، أنا كنت حاسس إنك مش وش فرحة ولا عندك مشاعر لكن برميل نكد متحرك.
ثم استطرد بتساؤل: عيب ليه يا أخت ياسمين؟
ما خلاص كتبنا الكتاب وبقيتي مراتي على سنة الله ورسوله.
فكاد بؤبؤ عين ياسمين أن يخرج من مقلتيها وضربت على صدرها قائلة بذهول: إيه أنت بتضحك عليا؟
إمتى ده حصل؟
ثم أخذت تنظر حولها بدهشة واستطردت: هو إيه اللي جابني إيه.
أنا آخر حاجة فكراها إني كنت نايمة على السرير في بيتنا.
فضحك الجميع عليها، أما شيكو فانفعل بقوله: أنا قلبي كان حاسس برده إنك نايمة على نفسك ومش معقولة توافقي بالسهولة دي.
ولكن سرعان ما تبدلت ملامحه وبدت نواجزه عندما ابتسم واستطرد: بس صراحة أحسن حاجة.
والمهم اتجوزتك يا ياسو يا حبيبي.
هاتي بوسة بقا.
فصكت ياسمين على أسنانها بغيظ وأشارت بيدها: لا حيلك حيلك.
الجوازة دي باطلة عشان مكنتش في وعي.
فنظر شيكو إلى المأذون برجاء وكأنه يسترجاه حتى ينفي ما قالته ياسمين.
ففهم المأذون نظرته وقال: باطلة إيه يا أستاذة، أنتِ كنتِ صاحية وبترددي ورايا كل كلمة.
وأنتِ دلوقتي حرم الأستاذ شيكو.
فابتسمت ياسمين رغمًا عنها ولكن سرعان ما أخفت الابتسامة ورددت: خلاص احنا فيها والمأذون موجود أهو، طلقني يا شيكو.
أنا مش بتاعة جواز وعايزة أربي أخواتي.
ففتح شيكو فمه بصدمة وعندما هم أن يتحدث قاطعته أختها الصغرى نغم قائلة ببراءة طفولية: والله ما حد عايز يتربى غيرك يا أبلة ياسمين، وعمو شيكو ميستحقش منك كده وكتر خيره صبر عليكِ كتير.
ثم قامت بغمز شيكو قائلة بمرح: بقولك إيه يا عمو شيكو ينفع تطلقها وتجوزني أنا وتربيني بمعرفتك.
فشعرت ياسمين بالغيرة فلكزت أختها قائلة بغيظ: بقا كده يا شبر ونص حاطة عينك على جوزي يا بت.
لا يا حبيبتي ده جوزي أنا ويستحيل أسيبه لغيري، ده بعينك.
ثم ابتسمت لشيكو بحب وقالت: خلاص بقا يا جوزي يا حبيبي.
فبحلق شيكو ونظر إلى نغم نظرة امتنان، ثم اقترب من ياسمين وهمس بحب: يعني خلاص موافقة أبوسك.
فضربت ياسمين صدره وقالت بمرح: بعينك لما أدخل بيتك يا خفيف.
فنظر شيكو إلى السماء وقال: العوض عندك يا رب بس صبرني.
ثم انتبه أحمد على صوت المأذون: يلا يا شيخ أحمد ختامها مسك بيك.
شعر أحمد بقشعريرة تجوب جسده، فهو غير مصدق أنه بعد لحظات من الآن ستكون دلال حب عمره زوجته في الحلال الطيب ويستطيع النظر إليها وحفظ ملامحها عن قرب كيفما يشاء.
مما جعله يبتسم تلقائيًا وهمس بحب مشيرًا إلى دلال: أمامي يا زوجتي.
ولكن دلال تسمرت قدماها في الأرض وظهر على وجهها الذهول وتساءلت أحقًا ما يقول زوجته.
فهي لم تطمع بذلك في أحلامها فكيف سيكون حقيقة.
فكيف للسماء أن تعانق الأرض.
فهمست دلال: مش قادرة يا مولانا، مش قادرة أحرك رجلي، أقولك شلني.
تفاجأ أحمد بطلبها الصريح دون خجل، فهمس بإحراج: والله شكلها هي اللي هتربيك يا أحمد مش أنت.
اشرب يا معلم أنت اللي جبته لنفسك.
فحدثها بنزق آمرًا إياها بحدة: انجري قدامي يا دلال بالذوق أحسنلك، ثم حرك شفتيه باستياء وهمس:
قال أشيلك قال، شالك عفريت يا بعيدة.
لتهتف دلال ببرود: بيموت فيا أنا عارفة.
ليحدث نفسه: ده حقيقة يا حبيبي وبتمنى والله يا حبيبة روحي، بس لسه سامحيني بس أنا شايلك في قلبي يا روح الروح.
لتخطو دلال خطواتها نحو المأذون بسرعة الريشة من فرحتها أنها ستكتب على اسمه بعد دقائق معدودة.
ثم جلست بجانب الشيخ وصاحت: اكتب يا سيدنا الشيخ بسرعة قبل ما يرجع في كلامه، الله يسيئك يا أخويا.
فضحك الجميع وتبادلوا الهمسات بينهم، فتلون وجه أحمد من الحرج وقال: مصممة تجيبلي جلطة أو تموتني مشلول.
لاحظ شيكو ارتباك أحمد فترك ياسمين وتقدم نحوه ووضع يده على كتفه وقال بحنو: أخيرًا يا صاحبي وحبيبي شوفتك عريس وهتكلبش زينا.
ربنا يسعدك يا حبيبي، ثم ضمه بحنو.
وأشار للجميع بقوله: يلا نسكت خالص عشان نسمع كلام الشيخ وهو بيكتب عقد الشيخ أحمد.
طالعه أحمد بامتنان بعد أن أثر به اهتمامه وأعاد له ثقته بنفسه والفرحة التي يجاهد أن يخفيها رغمًا عنه.
ثم جلس بجانب المأذون وبدأ المأذون في مراسم العقد حتى انتهى وقال: ألف مبروك يا شيخ أحمد وألف مبروك يا عروستنا.
بالرفاء والبنين.
فلوت دلال شفتيها وهمست: بنين إزاي بس، وهو بيكسف مني يا ناس.
بس أنا كده بجد بقيت مراته، بجد، لا مش مصدقة.
طب حد يقرصني.
حاول أحمد كتم ضحكاته، فهو أيضًا غير مصدق إنها أصبحت زوجته وحبيبته وقرة عينه.
ثم تبادل الاثنان نظرات مليئة بالحب والاشتياق.
وكانت دلال بنظراتها تحرقه من الداخل وكأنها تقول:
ضمني إليك أشعر بأنفاسك واستمع لنبضات قلبك التي تعلن عصيانك وتعترف بحبك لي.
أما أحمد فتجمد من نظراته إليها ودمعت عينيه من الحرمان الذي طغت به نفسه.
ولاحظ شيكو ذلك فهو أقرب إليه من روحه لذا هتف بمرح:
إيه الجوازة الناشفة دي يا مولانا، ما تحضن ولا تبوس يا شيخ.
أحلفلك بإيه أنه خلاص حلال حلال وربنا.
فرمقه أحمد بحدة رغمًا لأنه لا يشعر بالنار التي تأكله من الداخل والشوق لها وتحدث بلا مبالاة مصطنعة:
مش فارقة معايا الحاجات دي، سبتهالك أنت.
استمعت دلال لكلماته الحارقة التي نزلت على قلبها كالصاعقة التي مزقت قلبها إربًا، فصدرت منها تأوهة موجعة، فتكت بقلب أحمد فهو وحده الذي سمعها ولكن ما باليد حيلة واستطرد قائلًا رغم ألمه:
ودلوقتي نسيب الناس تستريح واحنا كمان نروح نستريح وتنام عشان عندنا شغلنا بدري ولا إيه يا شيكو.
جحظت عين شيكو وفتح فمه وقال بذهول: أنام وأصحى بدري، ناقص تقول لي ومتنساش تشرب اللبن.
هو برده يا مولانا فيه حد عاقل ينام في الليلة المفترجة دي.
ثم اقترب منه وهمس في أذنه: حرام عليكِ والله البنية اللي جنبك دي، أنت هتموتها بالقهرة والله.
مش كده يا مولانا فكها وراضيها عشان ربنا يرضى عنك.
حرام كده.
أخرج أحمد زفيرًا حارًا محملًا بالهموم وأجابه: بس يا شيكو، أنت مش فاهم حاجة.
على العموم أعمل اللي يريحك وأنا هاخد مراتي وماشي.
ثم استأذن من الجميع وأشار إلى دلال: قدامي يلا عشان نروح.
طالعته دلال بقهر وعيون دامعة ولكنها قالت بعفوية: طيب براحة متزقش يا عم فيه إيه.
فابتسم أحمد رغمًا عنه، وهمس: لا وشيكو بيقول أحضن ولا أبوس وأنا بضعف من أي كلمة ولا تصرف عفوي منها.
يا ترى هتعملي إيه فيا تاني يا دلال، وإزاي هتعدي الليلة دي بينا وأنتِ خلاص اتكتبتي على اسمي.
ياااه ده الصبر على الوقوع في الحرام طلع أهون من الصبر على الحلال.
يا رب صبرني.
عرض أقل
"إيه الغباء ده يا دلال، أنا أعمل في نفسي كده ليه؟"
قالتها وهي تضرب رأسها بخفة.
"يا رب، أنا تعبت. يا رب، نجّيني من اللي أنا فيه ده. أنا تعبت يا رب."
جلست على الأرض ودموعها تتساقط بغزارة.
"يا رب، أنا تعبت. أنا مش قادرة أتحمل كل ده لوحدي. أنا فين أهلي؟ فين اللي المفروض يسندوني ويقفوا جنبي؟"
أخذت تبكي بصوت أعلى.
"يا رب، أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا محتارة وتعبت."
في هذه اللحظة، رن هاتفها. نظرت إليه فوجدت أنه رقم غريب. لم ترد، بل تركته يرن حتى سكت. وبعد ثوانٍ، رن مرة أخرى.
"يا ربي، ده وقت رن!"
قالتها وهي تمسح دموعها وتنظر إلى الهاتف.
"ألو."
"ألو يا دلال، عاملة إيه يا حبيبتي؟"
"مين معايا؟"
"أنا أمل يا دلال، بنت خالتك."
"أمل! عاملة إيه يا حبيبتي؟ وحشاني أوي."
"وأنتِ كمان يا حبيبتي، عاملة إيه؟"
"أنا كويسة الحمد لله."
"أنتِ بتعيطي يا دلال؟ صوتك متغير."
"لا يا حبيبتي، بس كنت نايمة وصحيت على التليفون."
"ألف سلامة عليكِ يا روحي. بقول لك إيه، أنتِ فين؟"
"أنا في البيت يا حبيبتي، ليه؟"
"أنا جاية لك يا دلال، عايزة أشوفك."
"تنوريني يا روحي، بس أنا مش في البيت."
"فين طيب؟"
"أنا عند واحدة صاحبتي."
"طيب لما ترجعي البيت كلميني."
"حاضر يا روحي، أول ما أرجع هكلمك."
"ماشي يا حبيبتي، عايزة أقول لك على حاجة مهمة."
"خير يا روحي؟"
"لما ترجعي هقول لك."
"ماشي يا حبيبتي، مع السلامة."
"مع السلامة يا روحي."
أغلقت دلال الهاتف ووضعته بجانبها.
"يا رب، أنا تعبت. أنا مش عارفة أعمل إيه. يا رب، ساعدني."
بعدها بساعة، كانت دلال قد هدأت قليلًا. قامت من الأرض وتوضأت وصلت ركعتين، ثم دعت ربها أن ينجيها مما هي فيه.
بعد الصلاة، شعرت دلال براحة نفسية. ارتدت ملابسها وخرجت من المنزل. استقلت سيارة أجرة وذهبت إلى منزل خالتها.
"يا رب، أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا محتارة."
عندما وصلت إلى منزل خالتها، طرقت الباب. فتحت لها أمل.
"دلال! يا حبيبتي، وحشاني أوي."
قالتها أمل وهي تحتضن دلال.
"وأنتِ كمان يا روحي، عاملة إيه؟"
"أنا كويسة الحمد لله، اتفضلي يا حبيبتي."
دخلت دلال وأمل إلى المنزل. جلست دلال على الأريكة.
"خير يا أمل، كنتِ عايزة تقولي لي إيه؟"
"كنت عايزة أقول لك على حاجة مهمة."
"خير يا روحي؟ قلقتيني."
"أنتِ فاكرة الشيخ اللي جه يخطبك؟"
"آه، فاكراه، ماله؟"
"أنا شفته امبارح."
"فين؟"
"شفته في الجامع، كان بيصلي."
"طيب، وبعدين؟"
"أنا شفته، وهو كان بيبص عليا."
"إيه اللي بتقوليه ده يا أمل؟"
"والله يا دلال، أنا شفته، وهو كان بيبص عليا."
"أنتِ متأكدة؟"
"آه والله، أنا متأكدة."
"طيب، وبعدين؟"
"أنا مش عارفة أعمل إيه."
"أنتِ بتحبيه؟"
"أنا مش عارفة، بس أنا حاسة بحاجة غريبة تجاهه."
"يا أمل، أنتِ عارفة إن الشيخ ده متجوز وعنده أولاد."
"أنا عارفة يا دلال، بس أنا مش عارفة أعمل إيه."
"يا أمل، أنتِ لازم تبعدي عنه."
"أنا مش قادرة يا دلال."
"يا أمل، أنتِ لازم تفكري في نفسك، وفي مستقبلك."
"أنا عارفة يا دلال، بس أنا مش قادرة."
"يا أمل، أنا خايفة عليكِ."
"متقلقيش عليا يا دلال، أنا هبقى كويسة."
"أتمنى ذلك يا روحي."
بعدها بساعة، ودعت دلال أمل وغادرت منزل خالتها. عادت إلى منزلها وهي تفكر في كلام أمل.
"يا رب، أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا محتارة."
في اليوم التالي، استيقظت دلال مبكرًا. ارتدت ملابسها وذهبت إلى عملها. في المساء، عادت إلى منزلها.
"يا رب، أنا تعبت. أنا مش عارفة أعمل إيه."
جلست على الأريكة وأخذت تفكر.
"أنا لازم أتصرف. أنا مش هينفع أفضل كده."
في هذه اللحظة، رن هاتفها. نظرت إليه فوجدت أنه رقم غريب. لم ترد، بل تركته يرن حتى سكت. وبعد ثوانٍ، رن مرة أخرى.
"يا ربي، ده وقت رن!"
قالتها وهي تمسح دموعها وتنظر إلى الهاتف.
"ألو."
"ألو يا دلال، عاملة إيه يا حبيبتي؟"
"مين معايا؟"
"أنا الشيخ عبد الرحمن."
"الشيخ عبد الرحمن!"
"آه يا دلال، أنا الشيخ عبد الرحمن."
"خير يا شيخ؟"
"كنت عايز أكلمك في موضوع مهم."
"خير يا شيخ؟"
"أنا كنت عايز أخطبك."
"تخطبني! أنتَ متجوز يا شيخ."
"أنا عارف يا دلال، بس أنا عايز أتجوزك."
"أنا مش موافقة يا شيخ."
"أرجوكِ يا دلال، فكري في الموضوع."
"أنا آسفة يا شيخ، أنا مش موافقة."
"طيب، ممكن أقابلك؟"
"لا يا شيخ، أنا مش عايزة أقابلك."
"أرجوكِ يا دلال، أنا عايز أتكلم معاكِ."
"أنا آسفة يا شيخ، أنا مش عايزة أتكلم معاكِ."
"طيب، ممكن أكلمك تاني؟"
"لا يا شيخ، أنا مش عايزة أكلمك تاني."
أغلقت دلال الهاتف ووضعته بجانبها.
"يا رب، أنا تعبت. أنا مش عارفة أعمل إيه."
جلست على الأرض ودموعها تتساقط بغزارة.
"يا رب، أنا تعبت. أنا مش قادرة أتحمل كل ده لوحدي."
بعدها بساعة، هدأت دلال قليلًا. قامت من الأرض وتوضأت وصلت ركعتين، ثم دعت ربها أن ينجيها مما هي فيه.
بعد الصلاة، شعرت دلال براحة نفسية. ارتدت ملابسها وخرجت من المنزل. استقلت سيارة أجرة وذهبت إلى منزل خالتها.
"يا رب، أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا محتارة."
عندما وصلت إلى منزل خالتها، طرقت الباب. فتحت لها أمل.
"دلال! يا حبيبتي، وحشاني أوي."
قالتها أمل وهي تحتضن دلال.
"وأنتِ كمان يا روحي، عاملة إيه؟"
"أنا كويسة الحمد لله، اتفضلي يا حبيبتي."
دخلت دلال وأمل إلى المنزل. جلست دلال على الأريكة.
"خير يا أمل، كنتِ عايزة تقولي لي إيه؟"
"كنت عايزة أقول لك على حاجة مهمة."
"خير يا روحي؟ قلقتيني."
"أنتِ فاكرة الشيخ اللي جه يخطبك؟"
"آه، فاكراه، ماله؟"
"أنا شفته امبارح."
"فين؟"
"شفته في الجامع، كان بيصلي."
"طيب، وبعدين؟"
"أنا شفته، وهو كان بيبص عليا."
"إيه اللي بتقوليه ده يا أمل؟"
"والله يا دلال، أنا شفته، وهو كان بيبص عليا."
"أنتِ متأكدة؟"
"آه والله، أنا متأكدة."
"طيب، وبعدين؟"
"أنا مش عارفة أعمل إيه."
"أنتِ بتحبيه؟"
"أنا مش عارفة، بس أنا حاسة بحاجة غريبة تجاهه."
"يا أمل، أنتِ عارفة إن الشيخ ده متجوز وعنده أولاد."
"أنا عارفة يا دلال، بس أنا مش عارفة أعمل إيه."
"يا أمل، أنتِ لازم تبعدي عنه."
"أنا مش قادرة يا دلال."
"يا أمل، أنتِ لازم تفكري في نفسك، وفي مستقبلك."
"أنا عارفة يا دلال، بس أنا مش قادرة."
"يا أمل، أنا خايفة عليكِ."
"متقلقيش عليا يا دلال، أنا هبقى كويسة."
"أتمنى ذلك يا روحي."
بعدها بساعة، ودعت دلال أمل وغادرت منزل خالتها. عادت إلى منزلها وهي تفكر في كلام أمل.
"يا رب، أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا محتارة."
رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء سعيد
فكرت أن أهديك عمري واكتشفت بأنه ملكك، فأردت أن أهديك قلبي فوجدته بيتك، قلبي لك يا من ملكت كل القلوب وعهدي لك أني سأبقى رفيقك في الدروب.
خواطر دلال ❤️
غادر بالفعل أحمد ودلال بعد عقد القران تحت أنظار شيكو وتميم، ليتمتم شيكو بسخط:
"يلا ملهوش في الطيب نصيب."
ثم نظر إلى ياسمين فوجدها تتثاءب وتغمض عينيها للحظة ثم تفتحهما وتغمضهما مرة أخرى، فحرك رأسه وضغط على أسنانه بغيظ قائلًا:
"سلام قول من رب رحيم! أنا عارف ميلة بختي، الهانم بتنام على نفسها وأنا اللي قولت الليلة ليلتي وهنسهر نحب في بعض."
ثم تحرك نحوها ببطء ووقف أمامها وصاح بصوت عالٍ فزعها:
"ياااااااااسمين!"
فوقفت ترتجف وترمش بأهدابها وهمست دون وعي:
"سيبيني أنام شوية كمان يا نغم."
فضرب شيكو كفًا بكف وقال:
"عليه العوض ومنه العوض! أمري لله هاخدها تتلقح تنام على الله وعسى بكرة تكون فاقت شوية عشان أعرف أتكلم معاها."
وعندما غادر شيكو، اقترب تميم من تقى ورفع كف يدها وقبله بحنو قائلًا:
"الجميل عايز مني حاجة قبل ما أتوكل على الله أروح أوصل الحجة وأرجع أنام عشان الشغل في الورشة؟"
ابتسمت تقى على خجل:
"عايزة سلامتك، لما ترجع بس رن لي قبل ما تنام عشان أطمن عليك."
تنهد تميم بارتياح وأدرك أنه لم يخطئ في الارتباط بطيبة القلب تلك، بل ندم أنه لم يعرف قدرها منذ البداية.
ثم أخذ والدته وغادر.
جلست دلال بجانب أحمد في السيارة وفي داخلها مشاعر مختلطة بين السعادة والحزن. السعادة لأنها أصبحت زوجة لرجل طالما حلمت به وتمنت أن تكون له، والحزن لإحساسها أنه يعاملها بدونية لماضيها الذي يخجل منه وليس لها يدٌا به، بل كانت مضطرة لذلك.
وظل أحمد صامتًا طوال الطريق لم يحدثها ولم ينظر إليها، فحدثت نفسها:
"ماله ده؟ ماشي يا أحمد براحتك، اتقل، التقل حلو برضه، بس على قد ما أنا بحبك ومصدقت أتجوزك على قد ما هوريك دلال الراقصة اللي بتستعر منها واتجوزتها شفقة هتعمل إيه!!"
"إما خليتك تلف حوالين نفسك لغاية ما تيجي وتعترف بحبك ليَّ وتديني حقوقي عليك ما أبقاش أنا دلال."
ثم أخذت تتأمل تفاصيل وجهه التي تعشقها بحب وتستنشق رائحة عطره الجذابة لتبدأ في أول خطوات المكر.
فاصطنعت النعاس وأخذت تتثاءب بكثرة، حتى لاحظ أحمد ذلك فنظر إليها وجدها تغمض أعينها فتوتر وهمس:
"إيه دي؟ دي بتنام على نفسها ولسه السكة طويلة، أعمل إيه لما نوصل هصحيها إزاي عشان تنزل؟ طيب لو ما صحت أعمل إيه؟ ما هو يستحيل أشيلها لا مقدرش دي فيها نهايتي ومش ضامن أعصابي هتستحمل ساعتها ولا إيه؟ ده مش بعيد يعني..."
ثم عاتب نفسه:
"إيه يا شيخ أحمد أنت مراهق ولا إيه؟ مش هتقدر تتحكم في أعصابك لدقائق مش معقول، لا اجمد كده وافتكر العهد اللي قطعته على نفسك إنك مش هتحن ولا تلمسها إلا لما تكون الزوجة اللي بتتمناها."
أخذت دلال تترنح برأسها قليلًا ثم حاولت التقرب منه بجسدها لتضع رأسها على كتفه، فتوتر أحمد وارتجف قليلًا عندما لامست رأسها جسده.
فهمست دلال بمرح:
"حلاوتك يا مولانا، بس أثبت كده عشان أعرف أريح حبتين."
"والله وخلاص أخيرًا يا بت يا دودو هتدوقي طعم الراحة بعد سنين العذاب والشقا."
"بس إيه ريحته القمر دي؟ عسل عسل وبجد دوختيني وهتخليني أنام بجد."
لتذهب بالفعل في نوم عميق حتى هدأت أنفاسها.
فجاهد أحمد حتى يسيطر على ذلك البركان الذي اشتعل في جسده لاقترابها منه لهذا الحد، ولكنه في ذات الوقت لا يعلم سر ارتياحه لما فعلته ووجد نفسه يبتسم ويختلس النظر إلى وجهها البريء بين الحين والآخر.
وأخذت تراوده أحاسيس ضارية وود لو حاوط ظهرها بيده وأطبق قبلة حارة على جبينها، بل تمنى أن لو يدخلها داخل قلبه لتعلم أن ليس هناك من تربع على عرش قلبه سواها.
آه دلال وآه من حبك الضاري الذي حطم كل حصوني، فرفقًا بي سيدتي فأنا الشيخ وأنت فاتنتي.
وظل هكذا حتى وصلا إلى الفيلا فتساءل:
"ها يا بطل هتعمل إيه دلوقتِ؟"
"آه لازم تصحيها، أيوه أنا معنديش الدلع ده، قال أشيل قال."
ثم استطرد:
"ولا أقولك يا شيخ أحمد، شيل وقربها من قلبك وضمها ليك، فرصة وهي نايمة مش هتتعوض عشان مش هتقدر تعمل كده وهي صاحية."
ليحملها بالفعل وينزل بها من السيارة وأغلق الباب بقدمه، ليتفاجأ بتلك الماكرة تحاوط عنقه بيديها وتهمس باسمه وتعترف بحبه:
"بحبك يا أحمد."
فارتجف قليلًا ولكنه حاول الثبات حتى لا تسقط من بين يده وحدث نفسه:
"يا ويلك يا أحمد منها، مش قولت هتشيل أديك شلت بس في نفس الوقت مش قادر تشيل نفسك."
"وتقولها إنك مش بس بتحبها الحب العادي ده، أنت بتعشقها."
"وعاشق كل تفاصيلها حتى لسانها الفالت منها ده."
ثم وصل بها إلى غرفتها وعندما هم أن يضعها في التخت وجدها تتشبث بعنقه ثم فتحت عينيها الساحرة التي أذهبت بعقله ليظل متخشّبًا للحظات يتأملها مرورًا بشفتيها المكتظة التي تلهبه شوقًا.
لتثيره بذكر اسمه بدلال:
"أحمد حبيبي وضى عيوني."
ثم حدثت نفسها:
"وشه أحمر ملهلب مش هيقاوم أكيد ويبوسني لما أقرب أوي عشان يعملها."
وعندما اقتربت منه حتى كادت تلامس شفتيه، توتر أحمد وارتجف وألقى بها على التخت مستغفرًا:
"أستغفر الله العظيم يا رب."
"أنت إيه بالضبط؟ جبلة معندكيش دم؟ وصل بيكي الأمر إنك تتحرمشي بيه يا مصيبة أنتِ؟"
"آه ما أنا عارف كنت مقضياها، بس يكون في علمك يا بتاعة أنتِ، أوعي تفتكري إن عشان كتبت عليكِ بقيتي مراتى خلاص."
"أنت بتحلمي، يستحيل واحدة زيك تكون مراتى شرعًا."
استمعت دلال لإهانتها على لسان أحب الناس إليها بذهول وشعرت كأن نار تجتاح جسدها وتكاد تفتك برأسها حتى تلونت عينيها للون الأحمر القاني وارتجفت شفتاها ولم تستطع أن تتفوه في تلك اللحظة إلا بكلمة واحدة صدمت أحمد:
"اطلع بره أنا مش عايزة أشوفك يا أحمد."
"أنا بكرهك، بكرهك."
ثم انفجرت في البكاء، ليتخشّب أحمد للحظات ينظر إليها بتيه لا يدري ما يفعل.
فهو يدرك حقيقة ما قاله ويعلم جيدًا أنه خاطئ ولم تكن تلك طريقته في التعامل قط، بل كان هشًا ناعمًا لا ينطق إلا بالخير والكل يحبه، ولكن لا يعلم لماذا أمامها هي يكون بتلك الغلظة والشدة، بل هي ربما أنانية لمحاولة إنكار ذلك الحب الذي ينهش قلبه.
لذا لم يستطع نطق كلمة واحدة أخرى وطالعها للحظات بعين نادمة ولكن لم يقو لسانه على الاعتذار ثم خرج مسرعًا وأغلق الباب بقوة من ورائه، فأسرعت هي للباب تطرقه بكل قوتها وتعيد ما قالته بغصة مريرة:
"بكرهك يا أحمد، وخسارة الحب اللي حبيتهولك، خسارة."
وظلت هكذا للحظات تكرر كلماتها وهي تبكي حتى انهارت وجلست في الأرض وهو من وراء الباب يستمع إلى شهقاتها المتكررة ويود أن يفتح ذلك الباب اللعين الذي يفصل بينهم ليضمها إليه ويعتذر ويفشي لها سره أنه يعشقها من صميم قلبه ولم ولن يرى غيرها أبدًا.
ولكن باليد حيلة، ليتحرك بعدها إلى غرفة أمه ليطمئن عليها.
وعندما رأته تهلل وجهها فرحًا وأخذت تردد اسمه:
"أحمد أحمد."
فابتسم وأسرع إليها واحتضنها بحب فأخذت تمسد شعره بحنو.
ليبتعد عنها قليلًا ثم بدأ يحدثها عما في صدره وهو يعلم أنها لا تفهم شيئًا ولا تدرك أي شيء في الحياة سوى قلبها الذي يشعر بها:
"أنا عايز أحكيلك اللي في قلبي يا أمي رغم إني عارف إنك مش هتفهميني بس مش قادر أكتم أكتر من كده حاسس إني هنفجر."
"أنا بحب دلال أوي رغم ماضيها اللي مفيش راجل يتقبله بس ملعون الحب اللي خلاني أقبله وأنا عارف ومتأكد أنه كان غصب عنها وعارف برضه أنها بتحبني وعشان كده اتجوزتها ونفسي فعلًا أنسى ماضيها ده وأبدأ معاها من جديد وأعيش طعم الحب اللي فضلت محروم منه طول عمري بس مش قادر آخد الخطوة دي وبعذب نفسي وبعذبها معايا."
"وبقول يمكن لو اتغيرت ومع الوقت التزمت بحجاب شرعي وعرفت تطبق شرع ربنا وسنة رسوله ساعتها هقدم ليها قلبي على طبق من دهب بس مش عارف ده هيحصل إزاي ولا أبدأ منين..."
وفي تلك اللحظة كانت عمته عفاف على باب الغرفة قد استمعت لما يجيش به صدره ومقدار محبته لدلال.
فولجت إليهم واقتربت من شمس وقبلتها بحنو فابتسمت لها وكأن قلبها يشعر بها ويمتن لها بكل ما قدمته لها.
ثم ربتت على كتف أحمد بحنو وقالت بحب:
"حبيبي يا ابن الغالي، ما كنتش أعرف إنك قلبك حساس أوي كده، بس ليه معذب نفسك يا ابني ومعذب البنت معاك وأنت عارف أنها بتحبك؟"
"وهي عشان بتحبك هتعمل كل اللي تقول عليه وتسمع كلامك وتراضيك بس أنت الأول عاملها بما يرضي الله وغرقها بحبك وحنيتك ساعتها هتبقى زي العجينة تشكلها زي ما أنت عايز."
ابتسم أحمد بوهن وقال بخفوت:
"أنا عارف ده يا عمتو."
"بس أنا مش عايزها تعمل ده عشان بتحبني بس، وعند أول مشكلة بينا أو مع الوقت حبها ليَّ قل ترجع زي ما كانت."
"أنا عايزها تعمل ده عشان مقتنعة بيه وقربت فعلًا من ربنا ونفذت شرعه بنفس راضية طمعًا في رحمته والفرق بين الأولى والثانية كبير أوي."
"أنا عايزها تغسل كل اللي جواها وتبدأ بصفحة نظيفة، وترضي الخالق مش المخلوق."
عفاف:
"حيرتني يا ابني، ودي هتعملها إزاي عشان الهداية دي بتاعة ربنا؟"
أحمد:
"مهو ده اللي محتاج حضرتك تعمليه لإني أول مرة أحس إني عاجز قدام حد."
"فأنا هفهمك توصلي ليها المعلومة إزاي، وكمان هديكِ كتب وفيديوهات تساعدك لمشايخ بيدخلوا القلب بسرعة."
"ده غير هشوف ليها معلمة قرآن تحفظها كتاب الله."
"ولو سمحتِ كمان طلب صغير، لو تقدري تدخلي لها دلوقتِ تطيبّي بخاطرها لإني قسيت عليها غصب عني."
ابتسمت عفاف وأومأت برأسها قائلة:
"حاضر يا ابني، ربنا يسعدك أنت وتميم ابني اللي مش عارفة اللي عمله ده صح ولا غلط وهيضيع عمره على الفاضي."
أحمد:
"تميم راجل وعمل الصح والأعمار بيد الله ومتأكد إن ربنا هيعوضه خير."
عفاف:
"يا رب يا حبيب عمتك."
"لما أروح بقى أراضي البنية."
فذهبت إليها عفاف وطرقت الباب قائلة:
"أنا عفاف يا بنتي ممكن أدخل؟"
فأزالت دلال سريعًا تلك الدموع العالقة في أهدابها ثم رسمت ابتسامة مصطنعة على وجهها وذهبت لفتح الباب ورحبت بها:
"أهلًا بيكي يا عمتو."
ابتسمت عفاف رغم الحزن الذي أصاب قلبها من أجل تلك المسكينة التي تلونت عيناها بالحمرة بسبب كثرة البكاء وذبل وجهها.
"حلوة أوي منك كلمة عمتو يا حبيبتي."
"وأنا جيت عشان نتكلم مع بعض شوية."
دلال:
"أتفضلي حضرتك طيب ارتاحي الأول."
فجلست عفاف:
"أولًا يا بنتي مبارك زواجك من أحمد، أحمد ده سكرة العيلة والكل بيحبه وصدقيني عمرك ما هتندمي إنك اخترتيه."
تنهدت دلال بحرارة واستطردت بغصة مريرة:
"المهم هو اللي ما يندمش يا عمتو."
ثم استطردت بعبوس:
"سكرة إيه بس، تقدري تقولي بصلاية العيلة اللي بتخلي عيني تدمع، ده جبار والله."
فضحكت عفاف وقالت:
"هو كده القط ما بيحبش إلا خناقه."
دلال:
"أنا فعلًا بحبه بس اللي عمله معايا من شوية خلاني أكره حبي ليَّ وحاسة إني خلاص مش هقدر أستحمل إهانته ليَّ أكتر من كده وعايزة أسيب البيت وأمشي بس قلبي مش مطاوعني عشان خايب أنا عارفاه بس لحد أمتى يا عمتو أستحمل أنا تعبت."
ثم بدأت في البكاء فأشفقت عليها عفاف وأخذت تلمس شعرها بحنو وقالت:
"هو من جهة خايبة آه ما تزعليش مني آه خايبة."
"عشان مدلوقة عليه، انشفي يا بنتي شوية، وما تديهوش وش وفي نفس الوقت شغليه من بعيد لبعيد لغاية ما يسلم الراية ويجي لغاية عندك ويقول عايزك."
ابتسمت دلال بمكر وقالت:
"يعني قصدك..."
فضحكت عفاف:
"أيوه هو اللي جه في بالك، مفيش غيره استخدمي سلاح الأنوثة اللي بيجيب الراجل على مناخيره."
استنكرت دلال ذلك بقولها:
"بس أحمد يعني مش أي راجل ينفع معاه الكلام ده وعنيد أوي."
عفاف:
"لا هو مش عنيد هو صابر بس لغاية ما تكوني الإنسانة اللي كان نفسه يتجوزها."
"إنسانة ملتزمة بحجاب شرعي وحافظة كتاب الله عشان تربي ولاده على الشرع وسنة الحبيب المصطفى."
دلال:
"أنا مستعدة أعمل كل حاجة هو عايزها المهم يفتح لي قلبه وأشوف الحب اللي يتمناه في عينيه ويعاملني كزوجة بجد وينسى الماضي بتاعي ونبدأ أنا وهو من جديد."
"ياااه نفسي أوي أمشي أنا وهو في الشارع ماسكين إيد بعض وأقول للناس كلها إن ده جوزي وحبيبي."
"بس للأسف حساه حلم عمره هيتحقق وهيفضل طول عمره شايفني رقاصة وإنسانة مش كويسة جابها من القسم."
"ده كله كوم والكوم التاني جوازه من بنت عمه اللي هتكون هي مراته قدام الناس وبت الحسب والنسب اللي هيتشرف قدام أي حد لكن أنا مين أنا حتة رقاصة اتجوزني شفقة أو عايز ياخد ثواب فيَّ مش أكتر."
نظرت لها عفاف طويلًا قبل أن تجيبها:
"كان عنده حق أحمد لما قال أنا عايزها تتغير عشان ربنا مش عشاني، لأن التعلق بربنا موصول ودائم، لكن التعلق بالعبد الأيام بتغيره.
أما حتة بت عمه وقدام الناس والكلام ده، مش هقول ما عندكيش حق يا بنتي، بس الأهم من ده كله مين اللي في القلب؟ مين اللي اتجوزها رغم زي ما قولتي ماضيها؟"
فتحت دلال عينيها على آخرهما قائلة بعدم تصديق:
"تقصدي أن بجد أحمد اتجوزني عشان بيحبني مش شفقة؟"
أومأت عفاف برأسها قائلة:
"آه يا بنتي لازم تعرفي كده كويس ومش شفقة زي ما بتقولي.
لو شفقة ما كانش أصلًا ليه داعي للجواز، وكان شاف لك شغلانة حلال ومطرح تقعدي فيه وخلاص، لكن جواز ويربط اسمه باسمك ده حب، بس مكابر لغاية ما قلبك يتعلق بالله، عشان هو ربنا رحيم لطيف ودود يستحق الحب والعبادة لنفسه مش عشان عبد."
دلال بتيه وعدم فهم:
"يعني إيه أنا مش فاهمة، هو فيه حد ما يحبش ربنا؟ بحبه طبعًا."
عفاف:
"كلنا بنحب ربنا، بس الطريق ليه هو اللي لازم نعرف، وأول خطوة هي كتاب الله، لأنه بيشرح الصدر لأي حاجة بعدها، وكل ده لازم نيتنا تكون مخلصة لله وبس مش عشان حد."
دلال:
"وأنا والله قلبي أبيض ومستعدة لأي حاجة تقربني من ربنا."
........
غادرت في الصباح الباكر شهيرة إلى جامعتها، وأصرت على أن تذهب بمفردها ولا يقوم سفيان بتوصيلها كما اعتاد، وهذا بسبب الخوف الذي تغلغل بداخلها من ذلك الذي يراقبها ويبعث لها تلك الرسائل بقصد إفساد حياتها.
لذا خافت أن يتعرض لها في الجامعة ويراه سفيان ويظن بها السوء.
ولكن أدى إصرارها إلى الذهاب للجامعة بمفردها إلى إثارة الشكوك في قلب سفيان، فحدث نفسه:
"مش عارف قلبي مش مطمن لشهيرة اليومين دول، ولولا أني واثق إنها عمرها ما تغلط لأني أنا اللي ربيتها على أيدي لكنت قولت فيه حاجة."
ثم استغفر الله واستطرد:
"استغفر الله العظيم يا سفيان، حاجة إيه وبتاع إيه؟ أنت متخيل أنك بتتكلم عن شهيرة بنت قلبك.
بس فيه إيه يا ترى؟ ما هو توترها والقلق اللي ظاهر على وشها وإصرارها تروح لوحدها مخلي الشك يدخل قلبي.
وخايف أندم إني دخلتها الجامعة المخروبة دي بأيدي، وفتحت عينيها على الدنيا والقرف اللي فيها بعد ما كانت قطة مغمضة ما تعرفش حد غيري.
خايف أوي بجد أخسرها وأخسر نفسي معاها."
وفي داخل الجامعة، لاحظ كريم مجيء شهيرة، فقام على الفور ينفذ ما خطط لكي يلفت انتباهها له ويستطيع ترويض تمردها ليحصل منها على ما يريد كما تعود.
فتقدم منها وأسرع من خطواته ليصدم بها على غفلة منها لتظن ذلك خطأ ما غير مقصود.
وبالفعل اصطدم بها فسقط ما كان بيدها من كتب.
فغضبت شهيرة ورمقته بحدة قائلة:
"أنت إيه أعمى ما بتشوفش يا أخينا أنت؟
كده وقعت الكتب اتفضل بقى هاتهم، لإني مش هوطي قدام الناس ألمهم ما يصحش."
بحلق كريم بها لجرأتها فقال مندهشًا:
"إيه الأسلوب ده يا آنسة؟ وأنا أصلًا كنت من نفسي هوطي أجيبهم وأعتذر لحضرتك، لكن أنتِ أسلوبك بيئة وبتأمري كإني شغال عندك.
هو أنتِ ما تعرفيش أنا مين ولا إيه يا آنسة؟"
شهيرة بانفعال:
"إن شاء الله تكون ابن وزير حتى ما يهمنيش يا أخينا، ويلا هات الكتب وابعد عن طريقي عشان ألحق المحاضرة."
فضغط كريم على أسنانه بغيظ بعد أن أدرك أن تلك العنيدة لا يغريها شيء، ولكن أقسم أن ينالها بأي طريقة، ثم انحنى والتقط كتبها وناولها إياها قائلًا:
"اتفضلي يا آنسة."
فابتسمت شهيرة مرددة:
"والله ما فيه حاجة حلوة فيك إلا كلمة آنسة يا محترم، يا ريت بس النصيب."
"أنا مدام يا اسمك إيه وعندي طفل كمان.
يلا سلام وبعد كده ابقَ بص قدامك كويس."
ثم تركته وذهبت مسرعة للمدرج.
ليقف كريم في مكانه مندهشًا وأخذ يردد:
"مدام؟ دي كده احلوت على الآخر والمغامرة هتكون أحسن معاها."
.......
كانت زينب تجوب غرفتها طوال الليل من الغيظ، منتظرة بفارغ الصبر شروق الشمس بعد أن تغلغل بداخلها شعور الانتقام من أسماء، تلك الطفلة التي استطاعت بمكرها هز أركان عرشها الذي تمتعت به سنوات طويلة، واستطاعت أسماء أن تأخذ منها شفيق الذي كان بمثابة الروح لديها، لذا كان عليها أن تتخلص منها سريعًا حتى يعود إليها مرة أخرى طفلها المطيع.
وظلت هكذا حتى طلوع شمس يوم جديد، فلمعت عينيها بلذة الانتقام، وأمسكت بكوب اللبن والفطير بعد أن أعادت تسخينه، ثم توجهت نحو شقة شفيق وأخذت تطرق الباب عدة مرات.
كان حينها شفيق يغط في نوم عميق في غرفة الأطفال بعد أن رفضت أسماء أن يبيت معها أو حتى يلمسها لنفورها منه، وكانت هي من استمعت لطرق الباب أولًا، فذهبت لترى من سيأتيهم في تلك الساعة المبكرة.
وعندما رأت أسماء أنها تلك الحية زينب، فزفرت بضيق وهمست:
"إيه اللي جابها دي على الصبح؟
وإيه اللي شيلاه على أيديها ده؟ لبن وفطير؟ طالعة تفطر النوغة بتاعتها؟ هو مش بسلامته خلاص اتفطم ولا لسه؟
ومش قادرة الجبلة دي تحس أنه بقى راجل طول بعرض ومتجوز؟ طيب ماشي يا زينب، ما كنتش هحسرك عليه وعلى تربيتك الطين ليه ما بقاش أنا أسماء!"
ثم ذهبت مسرعة إلى غرفة شفيق تيقظه بدلال مصطنع:
"شفشق حبيب قلبي اصحى يلا."
ففتح شفيق عينيه وتعجب من رؤيتها وكلامها المعسول فقال بذهول:
"هو اللي أنا شايفه ده حقيقي ولا أنا لسه بحلم بيكِ يا سمسمة، ومعقول أنتِ قدامي وبتصحيني على صوتك الجميل ده؟"
أسماء:
"آه طبعًا يا حبيبي، هو أنا ليا حبيب غيرك؟"
ابتهج شفيق وحاول ضمها إليه، ولكنه استمع إلى طرقات عنيفة على الباب بعد أن ملت زينب من الانتظار، فأخذت تطرق الباب بشدة لتوقظهم رغماً عنهم.
فزفر شفيق بضيق قائلًا:
"هو ده وقته؟ بس مش مهم خلي يخبط يخبط.
تعالي أنتِ في حضني يا حبيبي، ما تتصوريش وحشاني قد إيه لدرجة إني طول الليل بحلم بيكي يا سمسمة.
بس في نفس الوقت زعلان منك أوي عشان اللي عملتيه معايا، وأنتِ عارفة إني هموت عليكي."
فحدثت أسماء نفسها:
"إلهي تموت أنت وأمك يا بعيد في ساعة واحدة ونخلص من شركم."
ولكنها ابتسمت ابتسامة صفراء واستطردت:
"لا ما أقدرش على زعلك يا حبيبي."
وعندما هم شفيق أن يقبلها، ابتعدت عنه مع ازدياد طرقات الباب قائلة:
"يوه بقى مش هنخلص أنا صدعت صراحة.
قوم يا شفيق شوف مين بيخبط، وبعدين نبقى نكمل كلامنا على رواقة."
شفيق:
"يوه ما فيش فايدة، دايماً يجي العزول في أجمل لحظة بينا، ده أكيد حد باصص لي في الجوازة دي."
ليقوم غاضبًا متجهًا نحو الباب وفتحه ليرى والدته، فتجهم وجهه قائلًا:
"خير يا حاجة، فيه حاجة حصلت عشان تجيبك بدري كده؟"
زينب بتهكم:
"إيه يا شفيق مالك وشك مقلوب كده، وشكلك ما نمتش، تكونش بنت الرفضي نكدت عليك وطيرت النوم من عينك؟"
وعندما هم شفيق أن يرد على كلماتها، استوقفته أسماء عندما اقتربت منه بدلال ووضعت يدها على كتفه بحنو قائلة وهي تطالع زينب بمكر:
"معلش بقى يا حماتي، أنتِ عارفة العرسان مش بيجيلهم نوم من العسل.
بس إيه اللي جابك كده وإيه اللي في إيدك ده؟
لبن؟ لا اشربيه أنتِ، شفيق اتفطم خلاص."
ضغطت زينب على شفتيها بغيظ ولكنها حاولت ألا تظهر الغيظ وتوددت إليها قائلة:
"لا ده ليكي يا عروسة، عشان عارفة شفيق ما يحبش اللبن، بس بيحب الفطير من إيد أمه حبيب أمه."
حركت أسماء شفتيها مستنكرة:
"لا والله من امتى الحنية دي يا حماتي."
زينب:
"إحنا بيت كرم يا أسماء وأنتِ خلاص بقيتي مرات الغالي وغلاوتك من غلاوته.
يلا خدي الكوباية من إيدي يا مرات الغالي."
فأخذت منها أسماء الكوب وقالت:
"من يد ما نعدمها."
ثم همست:
"يا رب نعدمها قريب."
لترفعه على فمها وزينب تنظر إليها بتشفٍّ وتجلت الفرحة على وجهها.
رواية دلال و الشيخ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء سعيد
طالعت زينب أسماء بعيون شيطانية حادة وشفاه مبتسمة، لأنها ستحقق مرادها وتتخلص منها ليعود لها ابنها طائعًا كما كان.
أخذت منها أسماء كوب اللبن وقالت:
"من يد ما نعدمها."
ثم همست:
"يارب نعدمها قريب."
لترفعه إلى فمها وزينب تنظر إليها بتشفٍّ وتجلت الفرحة على وجهها، ولكن قبل أن ترتشف منه شيئًا وجدت قطتها قد تعلقت بملابسها وأخذت تصدر صوتًا وكأنها تناشدها أن تعطيها بعضًا منه لإنها جائعة.
فابتسمت أسماء لها وقالت بمرح:
"أنتِ جعانة يا بوبس؟ خلاص هحطلك شوية يا عسل."
لتتجمد الدماء في عروق زينب وتحاول بلع تلك الغصة في حلقها قبل أن تقول:
"اشربي يا حبيبتي أنتِ، وأنا هنزل أجيب تاني لبسبس بتاعتك."
طالعتها أسماء بحيرة وشك، فهي لم تعهد عليها أبدًا ذلك الحنو الزائد، ولكن لم يأتِ في خاطرها أبدًا إنها تريد القضاء عليها بتلك السهولة، ولكنها لا تعلم إنها بالفعل تريد ذلك وقد فعلتها من قبل مع زوجها حمدي الجمال.
لذا أصرت أسماء أن تعطي البعض لقطتها قبل أن تتناوله هي وقالت:
"معلش يا حماتي أنا أستنى لكن القطة ما تصبرش."
ثم وضعت البعض من اللبن في طبق وقدمته للقطة التي انهالت عليه سريعًا ترتشف منه.
وزينب تطالعها بخوف وعين زائغة وجسد مرتجف، لتحاول التحدث بكلمات ملعثمة قبل أن ينكشف أمرها:
"اشربي أنتِ بقى يا مرات ابني قبل ما يبرد ويبقى ماسخ."
أسماء بشك وهي تنظر إلى قطتها التي بدأت في التشنج:
"آه هشرب أهو."
ليشعر شفيق الذي كان يقف يراقب الموقف تارة بين نظرات والدته المريبة التي يعلمها جيدًا وبين القطة التي تركت اللبن وأخذت تتقلب في الأرض تصارع الموت.
ليضرب فجأة الكوب من يد أسماء فسقط مهشمًا في الأرض قائلًا وهو يحاول أن يخفي ما قد أدركه بقدر الإمكان:
"معلش يا سمسمة خبطتك غصبًا عني."
لتثور زينب بانفعال:
"مش تفتح يا شفيق!"
فرمقها شفيق بحدة والتقت أعينهم بنظرة طويلة تحمل الكثير، استفاقوا منها على صوت صراخ أسماء:
"ألحق يا شفيق القطة مش عارفة مالها قعدت تتلوى لغاية ما سكتت خالص، معقول تكون ماتت؟"
فصاحت زينب:
"ما تهدى يا مرات ابني ألا يطقلك عرق وتحصليها! هو فيه إيه كل الزيطة دي عشان قطة لا راحت ولا جت."
فانفعل شفيق وحدث زينب بصوت عالٍ:
"بزيادة كده ياما، وانزلي وسيبيني أنا ومراتي في حالنا ولما تعوزي حاجة كلميني وأنا هنزلك، ما تطلعيش أنتِ تاني."
لونت الصدمة وجه زينب الذي تحول للأزرق من طرد شفيق لها فقالت بانفعال:
"أنت بتطرد أمك يا شفيق؟ دي جزاتي بعد ما عملت الواجب معاك ومع عروستك. وعشان مين!!"
عائلة صغيرة بتعيط على قطة.
فصرخت أسماء في وجهها: أنتِ كنتِ حاطة إيه في اللبن يا زينب؟
وبسببه القطة ماتت، ولو كنت شربته أنا الأول كنت موت.
يعني كنتِ قصداني أنا يا زينب؟
فهمست زينب: يا ريت كنت ارتحت بس قَدَرَك لسه ما جاش وهيجي برضه على إيديه.
فصاحت زينب بغدر: أنتِ بتقولي لي كده؟ زينب من غير ألقاب؟ أنتِ شكلك اتجننتي يا بت ابتهال.
آه ما أنتِ تربية شوارع وابني اتهبل على كبر ورضي يجوز واحدة صايعة زيك.
فصفعتها أسماء على وجهها قائلة: أنا هوريِكِ حالًا بت الشوارع هتعمل فيكِ إيه، ومش بس كده، هاسجنك كمان عشان كنتِ عايزة تموتيني.
ثم هاجمتها وأخذت تضربها بكل ما أوتيت من قوة وزينب تصرخ بين يديها.
ولكن لم يتحمل شفيق إهانة أمه رغم كل شيء فتدخل وأبعد عنها أسماء قائلًا بغضب: أنتِ اتجننتي يا أسماء بتضربي أمي وأنا واقف!
خشّي جوه وإلا...
فصاحت أسماء: وإلا إيه يا سيد الرجالة؟ هاطلقني؟
طلقني يا أخويا، ده يوم المنى لما أخلص منك ومن أمك.
فانتهزت زينب الفرصة وقالت: أيوه طلقها البنت الرافدي دي وخلصنا من بلوتها ودخلتها علينا بالشؤم.
لتضع أسماء يدها على خصرها ثم تمايلت للأمام مستطردة: طلقني يلا يا شفيق، انطقها لو كنت راجل بجد.
حاول شفيق ابتلاع تلك الغصة في حلقه من كلمتها الجارحة وهدئ قليلًا ثم قال بحب: ما أقدرش أبدًا أفرط فيكِ يا سمسمة، ده أنتِ العين والنني يا بت.
فجحظت عين زينب وصاحت بانفعال: آه يا عرة الرجالة يا خرونج، ضحكت عليك إزاي البت دي!
دي أكيد عملالك عمل.
أسماء بغضب: ده عملك الأسود يا زينب اللي هيوديكِ ورا الشمس.
ثم أشارت إلى شفيق ببعض الدلال لينفذ ما ستقوله: بأقولك إيه يا حبيبي.
يا أنا يا أمك في البيت ده، مش عايزة أشوف خلقتها اللي تسد النفس دي تاني.
فنفذ شفيق على الفور ما تفوهت به فأشار إلى زينب:
– مش كفاية قلة قيمة وتنزلي شقتك بقى يا حجة.
لتصعقها أسماء بكلمة تصيب قلبها في مقتل: لاااا مش قصدي تنزل شقتها، أنا مش عايزاها في البيت كله يا شفيق.
وإلا وإيمانات الله كلها أخرج من هنا على القسم وأخليها تبات فيه الليلة.
تخشبت زينب في مكانها ووقفت الكلمات في عنقها وقالت بصوت متلعثم: أنتِ بتطرديني من بيتي يا بت؟ هي حصلت؟
وبتهدديني كمان؟
أسماء بغل: أيوه بطردك يا زينب زي ما طردتي أحمد ابن من بيت أبوه وكلتوا ورثه حار ونار في جتتكم يا بعدة.
وهنا لم يتحمل شفيق فانفعل عليها عند ذكر أحمد الذي يكرهه فقال: أنتِ اتجننتي يا أسماء بتجيبي سيرة أحمد قدامي؟ أنتِ كده فعلًا ناوية على الخراب.
استغلت زينب ذلك فقالت بمكر: قلتلك طلقها يا شفيق ما سمعتش كلامي، أهي بتقولك أحمد، شوف بقى بتجيب سيرته قدامك ومستقلية بيك ليه.
آه صح ما كان قاعد واكل شارب ونايم كمان عندهم، وتلاقيها كانت عينيها منه وهو كمان معشمها.
ولما لقاك أنت بعبطك اتقدمتلها لف على مراتك أشجان اللي كانت رقبتها بالبت دي بس أنت خسرتها وهو خدها كيد فيك عشان بيكرهك يا شفيق.
ولآخر مرة بأقولك طلق البت دي ورجع أشجان أم عيالك أحسن.
فانفعل شفيق وقال: خليه يشبع بيها يا أما، خلاص أشجان ما بقتش تنفعني.
ثم نظر إلى أسماء بعيون تملأها الحب وقال: وأنتِ إياكِ تجيبي سيرته على لسانك تاني، أنتِ فاهمة.
فاصطنعت أسماء الدلال واقتربت منه قائلة بخجل: أنت بتغير عليه يا شيفو.
شفيق: عيون شيفو من جوه، وآه بأغير عليكي حتى من عيوني، وآه لو ترضي عني وتنوليني المراد أجيبلك الدنيا كلها تحت رجليكِ.
فحدثت أسماء نفسها بمرارة: ولو إن الموت أهون عليّ من إني أسلمك روحي يا شفيق بس غصب عني عشان أخلص أرواح من أرواح وأرجع الحق لأصحابه.
فقالت بتغنج: هيحصل بس أمك الليلادي تبات في دار مسنين وتكتبي لي البيت والمحلات باسمي..
فصرخت زينب: لاااااا يا شفيق أوعى تسمع كلامها، يهون عليك أمك بعد ما ربيتك وبقيت راجل وعطيتك شقى عمر أبوك على الجاهز.
اسمعني يا شفيق، البت دي مش بتحبك وطمعانة فيك عشان كده عايزة تكتبت لها اللي حيلتك وبعدين ترميك وتتجوز واحد من دورها.
أوعى يا شفيق، أخذ صوت زينب يتردد في أذن شفيق ولكنه كان مثل المغيب عن الوعي لا يسمع ولا يرى سوى أسماء لذا طالعها بحب وقال: كل اللي تأمري بيه يا سمسمة بس أنول المراد يا قلبي وهاكتب لك كل حاجة أنتِ عايزاها بس عشان أسكت صوت أمي لازم تعملي لي توكيل بعد ما أكتب لك عشان أعرف أدير الشغل، تمام يا روحي.
فطالعته أسماء بغل قائلة: تمام يا شيفو.
فلم تتحمل زينب تلك الصدمة القوية فأخذت تصرخ وتصرخ بصوت عالي.
فزفرت أسماء بضيق: لا أمك صدعتني قوي يا شيفو.
يلا خدها من قدامي ووديها دار المسنين يلا، ثم غمزته قائلة: وهاستناك على نار يا حبي، ما تتأخرش عليّ.
فتح شفيق فمه ببلاهة ولمعت عينه بالرغبة وقال: يا صبر أيوب، حاضر يا قلبي، هاوديها أي مصيبة تاخدها وارجعلك هوا يا حبي.
يا سمسمة قلبي، سماسيمو القمر.
ثم أخذ يزج بزينب لتخرج وزينب تصرخ وتتشبث بالباب بقوة ولا تريد أن تخرج.
فصاحت أسماء: إيه يا ولية ما تتحركي بقى، قرفتينا.
لتدفعها بقوة من الباب حتى سقطت على السلم وأخذت تتدحرج على السلم حتى سقطت فاقدة الوعي.
ففزعت وضربت وجهها قائلة: قتلت أمك يا شفيق، هاروح في ستين داهية كده.
شفيق بصدمة: لا أمي ماتت لا، ثم نزل سريعًا ليرى نبضها.
وخرج على الصوت أخوه شاهين وزوجته أنهار.
وعندما وجد والدته على هذا النحو صرخ: أمي.
حصلها إيه يا شفيق؟
تلعثم شفيق وقال بخوف: مش عارف، كانت عندنا ونزلت وفجأة سمعت صرختها طلعت شفتها كده، شكلها اتزحقلت وهي نازلة.
وهنا وضعت أسماء يدها على قلبها واطمأنت بعض الشيء بعد اعتقادها أن الحادث سيكون قضاء وقدر.
اختبر شاهين نبضها فحمد الله: الحمد لله لسه عايشة.
ساعدني يا شفيق، نشيلها ونروح بيها أقرب مستشفى.
فحملوها الاثنان معًا إلى السيارة.
رفعت أنهار أنظارها إلى أسماء فوجدتها جامدة ونظرتها مرعبة فساورها الشك فقالت: بت يا أسماء أوعي تكوني أنتِ اللي عملتي كده.
حركت أسماء شفتيها باستياء مرددة: وده يهمك في إيه يا ست أنهار ولا تكونش صعبانة عليكي ولا حاجة.
أنهار: مش موضوع صعبانة عليّ، هي ست أصلًا منها لله فهماني، يعني ربنا بس اللي ينتقم منها لكن احنا ما ينفعش نكون زيها لأن ساعتها هيفرق إيه بينا.
فرفعت أسماء أنفها بإباء وقالت: بأقولك إيه يا أنهار يا أختي، ادخلي ريحي دماغك ومتشغليش بالك بيه.
وأنا كمان داخلة أتخمد وأستريح قبل ما يجي خايب الرجا شفيق وياريت تنقلب بيهم العربية ونستريح.
فصرخت أنهار: بعد الشر يا بت، أنتِ بتفولي على جوزي كمان.
فأخرجت أسماء زفيرًا حارًا واستطردت: لا يا قلب أختك ربنا يخليهولك يا حبيبتي.
وكفاية كده يا أنهار سيبيني أنا فيه اللي مكفيني.
ثم ولجت إلى شقتها.
أما أنهار فقالت بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، كانت أشجان وبعدين أسماء، إيه الحظ المهبب ده، ربنا يفرجها عليكِ أنتِ كمان زي ما فرجها على أشجان.
.........
بات أحمد في تلك الليلة مهمومًا لا يعلم ما أصابه، وكيف له أن يكون بتلك القسوة مع دلال وأخذ يتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه."
ثم همس: أنا آسف يا حبيبتي غصب عني والله بس نفسي بجد أشوفك زي ما كنت باتمنى عشان ما يجيش يوم وأندم على حبي ليكي أو جوازي منك.
وفي الصباح استيقظ أحمد على صوت طرقات باب غرفته في بيت عمه واستمع لصوت عمه قائلًا: أنت لسه نايم يا أحمد يا ابني.
فقام سريعًا وهندم ملابسه ومسد على شعره ليعيد تلك الخصلات التي نزلت على جبهته ثم فرك عينيه ليزيل أثر النوم ثم سار نحو الباب وفتحه واستقبل عمه ببشاشة وجه كعادته قائلًا: أهلًا يا عمي اتفضل.
فدلف سليمان وجلس على المقعد وقال: معلش لو صحيتك من النوم يا ابني بس كنت عايز أتكلم معاك في موضوع.
أحمد: لا أبدًا يا عمي أنا أصلًا خلاص كنت هأصحى عشان أشوف أشغالي وتحت أمرك في أي وقت، خير إن شاء الله.
سليمان: ربنا يوفقك يا ابني.
صمت سليمان للحظة ثم استطرد بحرج:
بص يا أحمد أنت ابن أخويا الغالي الله يرحمه ومكانتك يا ابني زي سفيان بالضبط عندي وعشان كده يا ابني.
أنا جاي أقولك لو من جواك مش حابب تكمل جوازتك من أشجان قول عشان صراحة حاسس إنك اتكلمت عليها بسبب الكسوف مني، عشان ظروفها وتجبر بخاطرها وخاطري.
لكن أنت مش عايزها والدليل إنك ما حددتش يوم للجواز مع إن عدتها خلصت.
أخرج أحمد زفيرًا حارًا وتلون وجهه من الحرج ولم يدرِ بما يجيبه هل يقول الحقيقة ويكسر بخاطر عمه الذي كرمه وآواه في بيته أم بخاطر أشجان التي تعشقه.
أم بخاطر نفسه التي لا تريد سوى دلال.
ففكر قليلًا وعلم أنه لن يستطيع أن يكسر بخاطرهم ويتحمل إثم حزنهم، إنما هو مسئول عن نفسه فقط لذا قال بتأنٍ: لا يا عمي أنا لسه عندي وعدي وعايز أشجان، ولو على ميعاد الفرح قصدي كتب الكتاب لأن حضرتك عارف إني ما ليش في جو الأفراح ده وإن الموضوع كله هيكون عقد في المسجد وبعديها هاخدها هي والولاد عندي في الفيلا تعيش مع عمتي وأمي، فحضرتك اسألها عن الميعاد اللي يريحها وتكون مستعدة فيه وتبلغوني وأنا هأكون جاهز بأمر الله.
ابتهج وجه عمه وسرت في جسده الطمأنينة والسعادة لإنه يعلم جيدًا أخلاق أحمد وأن السعادة ستنول قلب أشجان معه أخيرًا بعد ابتلائها مع شفيق.
سليمان: عداك العيب يا ابني، وآه طبعًا يا ابني ما فيش فرح لكن فيه عقد وإشهار عشان الناس تعرف مش أكثر.
ربنا يسعدك يا ابني وأنت عارف أشجان طيبة وبنت حلال وقلبي حاسس إنك هتعوضها خير وعارف برضه إنك هتكون أب ثاني لولادها.
أحمد بتأكيد: عارف يا عمي، وعايزك تكون مطمن عليها وعلى ولادها لأنهم مسئوليتي من أول لحظة هيدخلوا فيها بيتي وساعتها مش هتحتاج مليم واحد من شفيق ثاني لأني بعون الله أنا اللي هأتكل على كل مصاريفهم.
طالعه سليمان بامتنان ولمعت عينيه بالدموع ثم احتضنه بحب وهمس: راجل ابن راجل يا حبيب عمك، ربنا يسترها معاك يا ابني دنيا وآخرة، ويفرح قلبك.
ثم ابتعد عنه وقال: أسيبك بقى تجهز نفسك عشان ما أعطلكش، وأروح أفرح العروسة عشان تجهز هي كمان وتحدد يوم مناسب.
أومأ أحمد برأسه ثم غادر سليمان فتنهد أحمد بمرارة وقال: دبر لي يا رب أعمل إيه عشان ما أظلمش الاثنين معايا.
وهاعمل إيه مع أشجان لما تكون حلالي، مش متصور إني ممكن أعاملها كزوج.
لاااا مش هأقدر، أنا طول عمري شايفها أخت كبيرة مش أكثر من كده.
ثم استطرد: بس ده حقها وممكن تطلبه يا أحمد، وساعتها مش هتقدر ترفض لإنه حرام.
فرفع أحمد بصره للسماء واستغاث بربه قائلًا: رحمتك لعبدك الضعيف يا رب ودبر لي أمري عشان أنا تعبان تعبان قوي.
.....
دلف سليمان إلى أشجان في غرفتها فوجدها تطعم أطفالها الذين أسرعوا إليه فورًا عندما رأوه مهللين فرحًا: جدو جدو.
احتضنهم سليمان بحب قائلًا: حبايب جدو الغاليين عاملين إيه؟
إيسل وآسر: الحمد لله يا جدو..
إيسل: بس أنا زعلانة منك عشان وعدتني نروح الملاهي وما أخدتناش.
ضحك سليمان وقال: لا ما أقدرش على زعلك أنتِ بالذات يا إيسولة.
أقولك روحي قولي لسيف ابن خالك وكمان سمر بنت خالتك عشان هنروح كلنا دلوقتي، إيه رأيك.
ففرحوا جميعًا وخرجوا مسرعين.
فقالت أشجان: دلوقتي إيه يا بابا والمدرسة؟
اتسعت عين سليمان قائلًا: آه صح بس خلاص العيال فرحت مش لازم النهارده اعتبريه إجازة.
وكمان عايزك يا بنتي تكلمي أختك أنهار وتخرجي تجيبي كام حاجة لنفسك جديدة زي أي عروسة دخلتها قربت.
رددت أشجان بذهول: عروسة، أنا يا بابا؟
ضحك سليمان: أيوه أنتِ، أنتِ نسيتي إن أحمد ابن عمك متكلم عليكي ولا إيه.
أخفضت أشجان رأسها بخجل بعد أن توردت وجنتاها وهمست: يعني بجد كلمك يا بابا إنه عايز يتمم جوازي منه، عشان يعني حسيت إنه بيتهرب وقلت يا بت انسي وربي ولادك وخلاص.
سليمان: لا يا بنتي مش أخلاق الشيخ أحمد إنه يتهرب لا، هتتجوزي يا بنتي وتتهني وربنا هيعوضك فيه بإذن الله.
ويلا كلمي أختك وهاتي كل اللي نفسك فيه وشوفي يكفيكي وقت قد إيه عشان أبلغه.
وهو بيقول هنكتب الكتاب في المسجد عشان الإشهار وبعدين ياخدك على الفيلا.
اللي فيها عمتك وأمه الست شمس وياريت يا بنتي تساعدك عمتك فيها عشان تكسبِ حب أحمد وكمان تاخدي ثواب عشان كتر خير عمتك اللي عملته معاها السنين دي كلها.
أشجان: ده أكيد يا بابا، ده كفاية إنها جابت لي الشيخ أحمد.
ابتسم سليمان لفرحتها واقترب منها وقبل جبهتها قائلًا بحنو: ربنا يسعدك يا بنتي.
أسيبك بقى عشان أشوف الولاد حبايب قلب جدو.
........
في الجامعة جلس كريم يفكر كيف يوقع تلك العنيدة في شباكه خصوصًا أنها متزوجة ولن تطلب منه الزواج مثل باقي الفتيات اللاتي خدعهن باسم الحب واعتقد أن شهيرة صيد سهل واستحل ما حرمه الله.
وبينما هو كذلك أقبلت إليه سالي وهي فتاة متحررة مثله تعتقد أن الحرية في فعل كل ما يحلو لها دون رقابة.
فاقتربت منه وقالت بتهكم: عم كرملة قاعد شايل طاجن ستي كده ليه أوعى تكون بتحب..!
فضحك كريم وقال: هو أنا بتاع كده برضه، أنا بأحب أجيب من الآخر بس فيه وحدة مغلباني حبتين.
سالي باندهاش: وهي مين دي اللي قدرت توقف لكريم باشا.
كريم: اسمها شهيرة يا ستي، اللي عاملة نفسها بني آدمة ده أنا بصيت لها عشان أجبر بخاطرها مش أكثر.
بس نفسي بجد أجيب مناخيرها الأرض عشان مش كريم اللي وحدة شبهها كده بيئة ترفضه.
سالي بتهكم: شهيرة ما لقتش غير البت دي، دي فعلًا من ساعة ما شفنا وشها وهي حاطة مناخيرها في السما.
سيبك منها يا كرملة وشوف غيرها أحسن ثم تدللت عليه واستطردت: وأنا قدامك أهو بأقولك شبيك لبيك سالي بين إيديك.
طالعها كريم بنفور ولكنه اصطنع الرغبة واستطرد: عيون كريم وما فيش أجمل ولا أحلى منك يا سالي بجد بس صراحة نفسي أجيب مناخير البت دي الأرض الأول وبعدين أحلى بيكي يا جميل ولو ساعدتيني ليكي كمان الحلاوة.
سالي: عيوني وكفاية حلاوتك يا كرملة، بس إزاي؟
كريم بمكر: تقربي منه بس وتعزميها على كوباية عصير ولا نسكافيه اللي تحبه ثم أخرج من بنطاله حبة مخدرة تغيب العقل ولكن في آن الوقت تبقى الإنسان مستيقظ وتزيد رغبته في الجنس الآخر.
ابتسمت سالي بمكر وبسطت يدها لتأخذ منه تلك الحبة قائلة: والله خسارة فيها ده أنا اللي محتاجاها عشان أنسى الدنيا كلها إلا أنت يا كرملتي.
فضحك كريم: معلش هي بس تاخدها وأنا أوعدك هأنسيكي اسمك كمان من غير حاجة بس يلا وريني هتعملي إيه وتبشريني وأنا مستنيكي هنا.
سالي: علم وينفذ يا باشا.
بس هي فين؟
كريم: في المحاضرة ما هي دحيحة قوي، بس خلاص ثواني وهتلاقيها خارجة دلوقتي وتستلاقيها بقى وتشوفِ شغلك معاها.
سالي: وهو كذلك.
كريم مشيرًا لها: أهي شايفها خارجة، يلا بسرعة روحي لها قبل ما تخرج بره الجامعة.
فذهبت إليها سالي وبينما هي كذلك كان سفيان قد اقترب من الجامعة ليأخذها ويعود بها إلى منزلهم كما تعود ولكنه كان في تلك المرة في حيرة من أمره وقد اجتمع في قلبه شعور غريب مزيج من الشك والقلق بسبب تصرفاتها الغريبة في الآونة الأخيرة وجاهد حتى يتخلص من هذا الشعور ولكنه في الآخر يفشل.
حتى وصل أمام باب الجامعة وأخذ ينتظرها لتخرج.
اقتربت سالي من شهيرة وتوددت إليها بقولها: ممكن يا حبيبتي أنقل منك المحاضرة على السريع في كافيتريا الكلية عشان جيت متأخر للأسف وما عرفتش أدخل.
شهيرة بضيق: بس كده هتأخر وأنا جوزي بيكون مستنيني بره.
سالي برجاء: بليز معلش مش هناخد عشر دقايق ولو هو من النوع اللي بيضايق من الانتظار كلميه وقولي له يروح هو وأنا بنفسي هوصلك يا حبيبتي.
طالعته شهيرة للحظات وودت أن ترفض حتى لا يغضب منها سفيان ولكنها شعرت بالحرج منها واضطرت للموافقة وأمسكت بهاتفها وحدثت سفيان.
- سفيان أنت جيت بره.
سفيان: أيوه بره مستنيكي، يلا تعالي.
شهيرة: معلش أنا مضطرة أستنى شوية ليّ زميلة عايزة تنقل المحاضرة يعني ربع ساعة كده كمان وهي هتوصلني.
فروح أنت أفضل من الانتظار وعشان كمان سيف.
زفر سفيان بضيق: طيب اللي تشوفيه يا شهيرة ثم أغلق الخط وهمس: هو في إيه يا شهيرة؟ أنا قلبي مش مطمن خالص وخايف يكون في اللي في دماغي صح وأنتِ بتوزعيني عشان... لا مش قادر أكمل معقول لا..
بس أنا لازم أتأكد ومش هامشي غير لما أشوفها بعيني خارجة مع مين بالضبط.
........
عاد آسر وإيسل إلى أشجان ليبدلوا ملابسهم استعدادًا للخروج، فساعدتهم والدتهم والابتسامة لم تغادر على وجهها.
فسألها آسر: ماما أنتِ فرحانة كده عشان هنروح الملاهي مع جدو ومش زعلانة إننا هنغيب من المدرسة.
قبلته أشجان وقالت بحب: أنا أي حاجة تفرحكم تفرحني يا حبيبي.
وكمان فرحانة إننا قربنا نسيب بيت جدو وهنروح فيلا عمو أحمد خلاص هي كبيرة وفيها بسين وألعاب كتير.
فطأطأ آسر رأسه قليلًا، فاندهشت أشجان من تصرفه وقالت: مالك يا حبيبي؟ أنت مش فرحان ليه؟
ده أنت كل يوم كنت بتسألني هنروح هناك امتى.
آسر: آه كنت فرحان الأول بس خلاص إحنا مش هنروح هناك عشان عمو عمل زي بابا واتجوز وحدة تانية يا ماما.
أشجان بصدمة: أنت بتقول إيه؟
رواية دلال و الشيخ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الخامسة والعشرون
..............
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
صعب أن تحب شخصاً لا يحبّك ..
والأصعب أن تستمر في حبه رغم عدم إحساسه بك.
أخبر آسر طفل أشجان بحقيقة زواج أحمد من دلال، فكانت الصدمة.
آسر: آه، كنت فرحان الأول بس خلاص إحنا مش هنروح هناك عشان عمو عمل زي بابا واتجوز وحدة تانية يا ماما.
أشجان بصدمة: أنت بتقول إيه يا آسر..!! مين اللي اتجوز وعرفت إزاي؟ أنت أكيد متهيألك أو كنت بتحلم صح يا حبيبي.
نفى آسر بحركة رأسه وأكد: لا يا ماما، أنا شفت بعيني من فترة بس مردتش أقول عشان متزعليش. أنا شفت عمو أحمد ومعاه بنت شكلها حلو أوي، وكمان عمو شيكو وياسمين وعمو تميم. وطلعوا شقة خالتي أم تقى ومعاهم شيخ كده عمو أحمد بيقول عليه مأذون. فأنا كنت مستغرب هيعملوا إيه ومين البنت دي اللي مع عمو، فطلعت وراهم وقعدت أسمع بيقولوا إيه. فسمعت خالتي أم تقى بتزغرط وبتقول لهم مبروك وقالت لعمو أحمد مبروك عروستك حلوة أوي. فأنا صراحة نزلت جري وأنا بعيط عشان اتجوز وحدة تانية وهيأخدها هي الفيلا وإحنا لأ، فإزاي تقولي دلوقت هنروح؟
لم تتحمل أشجان الصدمة وأخذت تبكي، وبكى على بكائها آسر، وأخذ يمسد على شعرها بحنو قائلًا: متزعليش يا ماما وخلينا قاعدين مع جدو، هو بيحبنا وهيفسحنا.
أشجان بغصة مريرة: طب إزاي بابا كلمني إني أحضر نفسي ومجبليش سيرة إنه اتجوز، وده معناه إنه محدش يعرف بالكلام ده. يعني اللي كان قلبي خايف منه حصل، إنه عايز يتجوزني كده شفقة وجبران خاطر وإني يستحيل أدخل قلبه. وخلاص جت اللي شغلته وأخذت قلبه. يا ميلة بختك يا أشجان، اتكتب عليك الحزن طول عمرك ويا شماتة شفيق فيك. أعمل إيه دلوقت؟ أسيبه للبنت اللي أخدته مني وأبعد بكرامتي أحسن.
بس أبعد إزاي وأنا روحي فيه ولو بعدت أموت. وأنا اللي كنت بتمناه وبدعي ربنا بيه في كل لحظة بعد ما خلصت من سجن شفيق. ولو اتجوزته برضه هموت في الليلة ألف مرة عشان عارفة هيكون بروحه وقلبه معاها هي وأنا مجرد حمل تقيل فوق قلبه. أعمل إيه؟ احترت ومش هقدر أفتح بوقي قدام حد وأفشي سره عشان أنا عارفة لو عرفوا بابا هيخيره بينا إحنا الاثنين. ولو اختارها أنا كده هكون انتهيت، ولو اختارني هيعيش معايا متعذب من غير روح، ومش هو بس هي كمان، يعني هظلم اثنين عشان أعيش أنا، وبرضه هكون مظلومة لأن قلبه مش معايا.
أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ أنا هتجنن بجد. ثم دخلت في نوبة بكاء، ولكنها استفاقت على صوت والدها من الخارج ينادي آسر. فأزالت دموعها ثم قالت لآسر: حبيبي يا آسر، أنا عرفتك راجل صح.
آسر: أيوه يا ماما.
أشجان: متقولش لحد اللي قلته من شوية.
آسر: آه عشان جدو هيزعل، أوعدك مش هقول بس توعديني تبطلي عياط عشان خاطري.
ابتسمت أشجان بوهن مرددة: حاضر يا حبيبي مش هعيط تاني. ثم همست: كفاية قلبي هو اللي بيبكي بدل الدموع دم.
ولج شاهين إلى المستشفى يحمل زينب ويساعده شفيق، ثم ولجوا بها إلى غرفة الطوارئ ليقوم الطبيب بالكشف عليها بعد أن أبلغه شفيق أنها سقطت من السلم.
شاهين: طمني عليها يا دكتور وهتفوق امتى؟
الطبيب: من الواضح أنها تعرضت لكسور وده هيبان من الأشعة، وللأسف فاقدة الوعي ده لازم بسبب الوقعة أكيد أثرت على مخها، فهنعمل أشعة ونشوف لو كان حصل لها نزيف داخلي.
فبكى شاهين رغم قسوتها عليه ولكنها في النهاية أمه قائلًا: يعني إيه يا دكتور أمي ممكن تروح فيها؟ ما تقول حاجة يا شفيق ساكت ليه؟
شفيق: هقول إيه يا شاهين، أمر الله.
الطبيب: يا جماعة الأعمار بيد الله، دلوقت بس هنعمل الأشعة عشان نحدد الكسور وندخلها عمليات وساعتها هنحكم على الحالة في المتابعة.
حمحم شفيق بحرج: والموضوع ده هياخد وقت يا دكتور؟
فرمقه شاهين بحدة قائلًا: ما ياخد اللي ياخده يا شفيق، أنت وراك حاجة؟ ثم تذكر أسماء وابتسم ابتسامة واهنة قائلًا: آه فهمت، مستعجل عشان ترجع لعروسك. مش عارف صراحة أنت جنسك إيه يا أخي..! مش اللي بين الحيا والموت دي أمك اللي كانت روحها فيك، عايز تسيبها وتمشي عشان أسماء وكأنك أول مرة تتجوز.
زفر شفيق بغيظ: يوووه بقى يا شاهين، بطل تقطيم فيا، وراعي ظروفي، أنا بسبب أمك دي واللي عملته لغاية دلوقت مش عارف أتلم عليها وخلاص مبقتش قادر. أقول لك أنا ماشي، هروح بس أطمن عليها عشان سايبها لوحدها ودي عروسة برضه ميصحش، ساعتين زمن كده وهبقى أرجع أطمن على الحجة. يلا سلام.
فضرب شاهين يدًا بيد وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. شفتي نتيجة ظلمك يا أما، أهو اللي فضلتيه علينا كلنا هو أول واحد اتخلى عنك.
ليعود مسرعًا شفيق إلى المنزل، وعندما سمعت أسماء صوت مفتاح الباب ارتجفت وسرت البرودة في جسدها.
أسماء بذعر: هو لحق يرجع المنيل على عينه؟ مش مفروض كان قعد بأمه طول اليوم. أعمل إيه دلوقت وأنا مفروض أنفذ وعدي عشان يكتب لي كل ورثه باسمي. لا مش هقدر يلمسني، أنا بكرهه وبقرف منه. يا رب حد روحي الأول قبل ما يعملها، أنا مش هقدر أعيش العذاب ده مرة تانية.
لتسمع صوته البذيء يتخلل أذنها: أسمسم، سماسيمو، أنت يا قمري فينك يا حبيبتي؟ الليلة ليلتك يا جميل وهنولعها وهنعوض وفرصة أمي مش هنا.
أسماء بتذمر: إلهي ربنا ياخدك أنت وأمك.
ثم ولج إليها يطالعها برغبة واقترب منها، فوضعت يدها حائل بينهم قائلة: إيه حيلك حيلك. مش لما تنفذ اتفاقنا الأول وتكتب لي البيت ونصيبك في المحلات؟
أزاح شفيق يديها وحاول عناقها قائلًا بهمس: خليني بس أدوق العسل الأول وبعدين أعمل لك كل اللي عايزاه يا حبي. متضيعيش ساعة الحظ مبتتعوضش.
ولكن أسماء ابتعدت وقالت بصرامة وصوت قاسٍ: شفيق. مش هتلمس شعرة مني إلا لما تعمل لي أما تمضي على التنازل وحالًا. وأنا محضرة لك الورقة أهي ومش ناقص غير إمضتك.
أخذ يطالع شفيق الورقة بتردد ثم ينظر لها ولحسنها البادي عليها رغم قسوة حديثها، فأخذ يلهث مثل الكلب وقال وهو يأخذ الورقة ليوقعها: وادي إمضتي أهي يا سمسمة. ثم ناولها لها تأخذها، ولكن قد شق قلبها ذلك نصفين لأن لا سبيل أمامها الآن سوى الاستسلام له، فلتتجرع إذًا مرارة الاغتصاب تحت مسمى الزواج.
ليعيش معها شفيق لحظاته التي تمناها وظن إنها بداية السعادة وبحر عشق لا ينضب، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
الحياة لا يمكن أن تدوم إلا بوجودك وحبك فأنت من يمتلئ القلب بحبه وقربك هو أجمل ما في الحياة.
استقل أحمد سيارته متوجهًا إلى عمله، ولكن خفق قلبه عندما تخيل دلال فشعر بالحنين لرؤيتها وهمس: وحشتيني. أوي يا قرة العين ومهجة القلب، وصراحة شكلي كده مش هقدر يعدي عليه اليوم من غير ما أشوفك، والنهاردة مش هيكون زي أي يوم، أنت دلوقت مراتي حلالي يعني همتع عيني برؤيتك يا كل قلبي.
فعاد بأدرجه إلى الفيلا واستقبلته عمته بحفاوة وتهلل وجه أمه لرؤيته ومدت ذراعيها له وأخذت تردد: أحمد أحمد. فخفق قلبه فهي أول مرة تفعل هذا. نعم هي تردد اسمه وتفرح لرؤيته ولكن تمد أيضًا ذراعيها وتريد احتضانه يعد هذا تطور في حالتها. فاحتضنها على الفور ثم ابتعد عنها وأخذ يلاطفها قليلًا ثم حدث عفاف: شفتي يا عمتو اللي ماما عملته.
عفاف باندهاش: شفت يا ابني، أول مرة تعملها وأول مرة تكون بالهدوء ده، وكأن خلاص قلبها اطمن إنك معاها.
فعرض أحمد على عفاف فكرة فقال: إيه رأيك يا عمتو آخدها لدكتور مخ وأعصاب يمكن بفضل الله حالتها تتحسن خصوصًا بعد بداية الأمل النهاردة.
ابتسمت عفاف بفرحة وأجابت: يا ريت يا ابني، نفسي ترجع زي الأول بس تفتكر ممكن؟
أحمد: مش عارف بس ربنا قادر على كل شيء. ومش شرط ترجع طبيعية مية في المية بس على الأقل تدرك شوية وتتكلم.
عفاف: يا كريم يا رب، يا ريت. ثم دعت على زينب: ربنا يحمك في نار جهنم يا زينب بسبب اللي عملتيه فيها وقهرة أبوك الله يرحمه عليها ساعتها.
أغمض أحمد عينيه بألم وأخرج تنهيدة مؤلمة واسترسل: أنا مكنتش عايز أسأل عن الموضوع ده يا عمتو وكفاية عليا اللي عرفته عن أمي، لكن بجد عايز أسأل كان إحساسه إيه لما شافها كده. وعرف أن زينب اللي عملت كده وإزاي سامحها وقبل يكمل معاها. وإزاي ماخدتش عقابها واتحبست؟
فعادت عفاف بذاكرتها للوراء في هذا اليوم القاسي. يا أحمد يا ابني بعد ما زينب عملت عملتها وخلت الستات القادرة عدموا أمك العافية وكسروا ضلعها وضربوها على دماغها لغاية ما جابوا لها الحالة اللي هي فيها دي دلوقت. وأنت كنت لسه حتة لحمة حمرا يا حبة عيني، وطبعًا كنت ساعتها على صرخة واحدة جعان ومحتاج أمك ترضعك وأمك لا حول لها ولا قوة ومن شدة صريخك سمعتك الحاجة كوثر جارتها وطلعت وهي بتقول يا شمس يا بنتي فينك وسايبه الولد على صرخة واحدة كده. وأول ما وصلت على باب الشقة اللي كان مفتوح سمعت صوت شمس بيتألم فدخلت لقيتها يا عيني وشها مزرق ونافورة دم طالعة من رأسها ده غير جسمها. فصرخت وقالت إلحقوني يا ناس وقعدت تسألها مين اللي عمل فيكي كده يا بنتي بس شمس خلاص كانت راحت في دنيا تانية واتجمع الناس عليهم وشالوها وودوها المستشفى واتصلوا بأبوك اللي أول ما شافها كده أغمي عليه ولما فوقوه قعد يبكي زي الحريم. وأنا كنت شايلك على إيدي ومش بتبطل عياط، فقربت من أبوك وشيلتك ليه يمكن عشان يتلهي شوية فيك وكمان عشان ميحصلوش حاجة من الصدمة كفاية اللي حصل لشمس. فأخدك وضمك لصدره وساعتها سبحان الله سكت ونمت.
فبكى أحمد بقهر وقال بوجع: يا حبيبتي يا أمي وربنا يرحمك يا أغلى الناس وفعلا مكنتش بستريح إلا على صدره ومن ساعة ما مات وأنا مدوقتش طعم الراحة. بس قولي لي عمل إيه مع زينب لأن أكيد عرف أن مفيش غيرها اللي عمل كده.
الحجة كوثر: دي بجحة يا ابني وبت شياطين وهي كمان اللي اعترفت بلسانها لما رجع لها آخر الليل مهموم وحزين وده شفى غليلها منها وابتسمت وقالت: شفت يا حمدي اللي يجي على زينب ويغدر بيها عمره ما يكسب أبدًا.
فبص لها بصدمة وقال: قصدك إيه؟
فضحكت زينب وقالت: قصدي اللي أنت جاي من عندها دلوقت يا عرة الرجالة.
جحظت عين حمدي وهجم عليها بكل قوته ومسكها من هدومها وقعد يهز فيها وهو بيصرخ ويقول: أنت اللي عملتي في شمس كده؟ ليه حرام عليكي؟ عملت لك إيه؟
طيب كنت انتقمتي مني أنا لكن هي ذنبها إيه وذنب ابني إيه يتحرم من أمه وهو لسه حتة لحمة حمرا كده.
زينب بنظرة غل: ذنبها أنك حبتها يا حمدي ومحبتنيش أنا، أنا مراتك أم عيالك والخير اللي أنت فيه ده كله بسببي لأنه خير أبويا أما أنت فكنت جربوع جاي من الصعيد حافي وبعد ما عملناك راجل ملو هدومك تيجي في الآخر وتغدر بيا يا راجل وتتجوز عليا بنت من الشارع.
تملك الغضب من حمدي حتى تلون وجهه وأخرجت عيناه حمم بركانية وصاح بغضب: أنا هوريكي الجربوع ده هيعمل إيه فيكي دلوقت يا زينب، أنا هخليكي زيها ولا هي عايشة زينا ولا هي ميتة فترتاح وحرمتي ابني منها.
ليكيل لها الضربات فتصرخ زينب: أنت بتضربني يا عرة الرجالة والله لأبيتك في القسم الليلة دي.
حمدي: أنا اللي أبات ولا أنت يا مجرمة.
زينب: إيه كمان عايز تحبسني عشان السنيورة بتاعتك وتحسر ولادي عليها؟ طيب هي حشرة لكن أنا زينب يا عيني.
ليكيل لها الضربات مرة أخرى فتصرخ ليستيقظ أطفالها شفيق وشاهين وشهيرة. ويأتوا إلى غرفتهم وعندما رأوا ذلك المشهد تباكوا وصاحوا: ماما ماما ليه كده يا بابا تعمل كده؟
وهنا خفق قلب حمدي لبكائهم وللحظة أدرك أنه يكفي واحد قد تيتم ووالدته على قيد الحياة، فليغفر لها ظاهريًا وإن كان قلبه لن يستطيع أبدًا أن يغفر لها ما فعلته بحبيبة قلبه. ولكن من أجل أطفاله الذي هو أحن عليهم منها. لذا قال بتروي: أنا هسيبك دلوقت يا زينب عشان خاطر عيالك بس ولولاهم أنا مكنتش هخلي في جنتك حتة سليمة لكن قلبي عمره ما هيسامحك أبدًا وأنت من دلوقت محرمة عليا زي أمي وأختي. ويا عيني عليك يا أحمد يا ابني ربنا يتولاك برحمته.
جحظت عين زينب بشر وفكرت للحظات في مصير هذا الطفل وهل ممكن أن يتزوج عليها مرة أخرى بعد أن حرم نفسه عليها لتقضي حاجته وتربي له الولد.
لذا فكرت بمكر من أجل أن لا يفعلها مرة أخرى ومن أجل أن تحسن علاقتها معه مرة أخرى بالتدريج أن تعرض عليه بهذا الاقتراح فقالت مظهرة بعض الندم: تصور صح يا حمدي، أنا كمان صعبان عليا الولد أوي، هو صح ملوش ذنب في اللي حصل وعشان كده أنا عشان خاطرك رغم كل اللي عملته فيه أنا هاخده هربيه مع إخواته ويكون تحت عينك يا حمدي. آه ما هي طيبة قلبي دي اللي مشندلة حالي.
طالعها حمدي باندهاش وتخوف لأنه يعلم قسوة قلبها حتى على أولادها فكيف ستفعل بابن غريمتها، ولكنه في آن الوقت وجده حل مقبول ليتربى أحمد أمامه وبين إخوته وأقسم إن فعلت معه أي شيء لن يتردد في قتلها مهما كلفه ذلك. لذا وافق على مضض لتبتسم زينب ابتسامة النصر وهمست: والله لأوريك النجوم في عز الظهر يا ابن شمس.
لتنهمر دموع أحمد مرددًا بقهر: وفعلاً ورتني النجوم في عز الظهر وعمري ما حسيت أنها أمي، عمرها ما خدتني في حضنها ولا طبطبت عليا وعلى طول كانت بتشتمني وتمد إيدها عليا بدون سبب وكنت بشوف في عينيها كره وأسأل نفسي ليه أنا عملت إيه لده كله؟ بس كنت بلاقي الحضن والحنية من بابا، الله يرحمه ويسامحه، اتعذب كتير بسببها، اللهم أنت الجبار فانتقم.
انهمرت دموع الحزن من عفاف هي الأخرى ثم تداركت ذلك لكي تخرجه من حالة الحزن التي هو عليها لذا قالت: الحمد لله يا ابني إن ربنا عوضك عن اللي فات ووسع رزقك وكمان رزقك وحدة بتحبك. ثم ضحكت وقامت بغمزة قائلة: وحدة إيه دول اثنين كمان يعني باشا زمانك يا شيخ أحمد.
ابتسم أحمد على مضض وتابع: وربنا يستر منهم هما الاثنين يا عمتو والله مينغصوش عليا حياتي وكفاية اللي حصل.
عفاف: تفائل يا شيخ أحمد، هو أنا هعلمك ولا إيه؟ ده أنت ياما كنت بتقول القدر موكل بالنطق، فتفائل وربنا هيسعدك بإذن الله.
زفر أحمد بهدوء: ونعم بالله يا عمتو. وهي عاملة إيه؟ جت ليها المحفظة؟
عفاف: أيوه يا ابني ومشت من شوية وقالت ما شاء الله عليها لمحة وبتردد وراها وشبه حفظت كمان السورة بسرعة.
ابتسم أحمد ابتسامة مشرقة مرددًا: الحمد لله. ممكن أطلع لها أسمع لها بنفسي.
فضحكت عفاف: هو أنت بتستأذن تطلع لمراتك يا ابني. اطلع يا حبيبي، ربنا يهدي سركم.
ثم غمزته وتابعت: متحرمش على نفسك اللي ربنا أحله يا ابني وعيش وأسعد نفسك ده حقك وحقها وبالحب هيكون أجمل بكتير. وبلاش عناد، العناد بيولد الكفر وبيطفي القلب والبنت بتحبك وبتتمنى ليك الرضا ترضى، فراضيها هتراضيك مش عشان بتحبك وبس لا البنت معدنها كويس وكانت بتبكي لما كانت بترتل كتاب الله. وبسم الله ما شاء الله عليها في الحجاب زادت جمال على جمال، بقت حتة من القمر.
تلون وجه أحمد بحمرة الخجل واضطربت حواسه وأشعل حديث عمته جوارحه واشتياق لرؤيتها وزادت رغبته بها وتحرك بقلبه قبل قدميه لها وكأنه طائر يحلق في سماء السعادة لأول مرة. وكلما اقترب من غرفتها زادت ضربات قلبه حتى أنه توقف قليلًا ليضع يده على قلبه الذي أعلن عصيانه وهدم كل حصونه وأعلن الاستسلام ورفع راية الحب فوق كل اعتبار.
وفي تلك اللحظات اتصلت عفاف بدلال وهمست: أحمد طلع لك حالًا واعملي زي ما اتفقنا عايزاه ينزل من عندك عريس، خليه يدوق شهدك ويدمنه وساعتها مش هتخافي عليه من أشجان ولا عشرة زيها.
حبست دلال أنفاسها قليلًا بعد أن دق قلبها بشدة لاستعداد لرؤية حبيب القلب والروح، فخفق قلبها خصوصًا وأنها تستعد لمعركة الحب التي لن تتنازل بها تلك المرة عن النصر أو الشهادة أمام حبه الضاري الذي فتك بها.
لتكاد تنطق بالكاد: عيوني يا عمتو، متقلقيش يا أنا يا هو المرة دي، بس أكيد أنا يعني.
فضحكت عفاف وقالت: هو ده، ربنا يهديكم يا بنتي. والبسي القميص الأسود اللي بعتهولك الصبح مع بقية الحاجة.
دلال بخجل: حاضر، مع إنه شفاف وهتكسف بس ماشي عشان أطلع عينيه.
وعندما استمعت دلال لصوت أحمد وهو يحمحم لكي يشعرها إنه آت. وبدأ يحرك الباب استعدادًا للدخول عليها فأغلقت الخط، لتقوم سريعًا بتشغيل صوتًا للدُف حتى لا يغضب منها لو استمعت لأحد الأغاني الهابطة، للتمايل بعد ذلك يمينًا ويسارًا على الصوت كأنها ترقص. ثم فتح أحمد الباب وعلى لسانه اسمها "دلاااا" ولكنه لم يستطع تكملته بعد أن وقف مذهولًا وهو يراها على هيئتها تلك تتمايل بفتنة طاغية وقد ظهرت مفاتنها فسرت قشعريرة في جسده واجتاحت جوارحه نار من حقها تحرقه حيًا بعد أن شعر أنها بالفعل استطاعت هزيمته ولن يستطيع أن يقاوم ولو حتى بكلمة وهي حلاله وتقف أمامه كحلوى لذيذة يريد التهامها.
حاولت دلال كبت ضحكتها وهي تراه واقفًا كالتمثال لا يتحرك له جفن فهمست: أستر يا رب على الراجل اللي حيلتي هيروح مني وأنا ملحقتش لسه اتهنى.
طيب أعمل إيه وهو واقف زي خيال المآتة كده؟ أروح أجيبه من إيده عشان يتحرك ولا أرش على وشه شوية مية عشان يفوق؟
لتجده يهمس باسمها بعذوبة لأول مرة كأنه سيمفونية خلقت من أجلها هي "دلال". لتجيبه في الحال: مولانا، وعيون وروح دلال.
صوتك هو اللحن الذي يرافقني في كل خطوة، كلما سمعتك أشعر بالسكينة وكأنني أعيش في عالم لا يعرف إلا الحب.
ثم سارت إليه ومع كل خطوة كان يشعر أحمد أنه سقط غريقًا ولا أمل له في النجاة تلك المرة من براثن تلك الغاوية.
ظل سفيان ينتظر شهيرة أمام الجامعة ولكنه تخفى وراء سيارة أخرى حتى لا تراه حتى لا تظن إنه يشك بها بعد أن قال لها إنه سيغادر. وأخذ ينتظرها في ترقب شديد ومع كل دقيقة تمر يشعر بغليان في دمائه والخوف يتملك منه.
أما شهيرة فقد اصطحبتها سالي إلى كافيه الجامعة وطلبت منها الجلوس لإحضار كوبان من الشاي.
شهيرة: متتعبيش نفسك مش لازم شاي واقعدي يلا انقلي المحاضرة عشان متأخرش على البيت.
سالي: متقلقيش يا بنتي مش هتتأخري كتير ولازم كوباية شاي نعدل بيها الدماغ عشان أركز، ثواني مش هتأخر عليكي.
فذهبت سالي تلك المخادعة لإحضار الشاي وكريم يراقبهم وينتظر اللحظة المناسبة للتدخل. وبالفعل وضعت سالي المخدر وتقدمت من شهيرة وهي تطالعها بمكر مصحوب بالغل فتناولته شهيرة وأخذت ترتشف منه قليلًا حتى شعرت بشعور غريب يتسلل بداخلها ولكنه كان شعور لذيذ فوجدت نفسها تبتسم تلقائيًا بدون شعور وهكذا حتى أتمت شرب الكوب بأكمله لتجدها سالي قد دخلت في نوبة من الضحك لا تنتهي.
فضحكت على إثرها قائلة: إيه السعادة دي كلها يا شوشو.
شهيرة: فعلًا أنا حاسة إني مبسوطة أوي وكأني طايرة في الهوا.
ليتقدم منهم كريم في تلك اللحظة بعد أن علم أن مفعول المخدر قد ظهر على سلوكها وعندما رأته شهيرة أمامها قالت بمرح: كريم إزيك؟ لتقترب منه وهمست: شكلك حلو أوي النهاردة، وصراحة مز يعني.
فضحك كريم وهمس: زي الفل السهرة هتكون صباحي الليلة. ليلمس يدها برفق ثم رفعها إليه وقبلها قائلًا: مفيش بحلاوتك أنت يا شاهي. بقولك ما تيجي أعزمك على الغدا بره.
شهيرة: يا ريت أنا حاسة إني جعانة أوي.
كريم: بس كده أنا هشبعك على الآخر، ثم غمز سالي. سلام دلوقت يا سالي وهتصل بيكي يا قمر أنت.
سالي بضحك: عيوني يا كرملة.
ليغادر كريم مع شهيرة ولم يكتفِ بلمس يديها فقط بل حاوطها بذراعه حتى خرج بها من الجامعة واتجه بها إلى سيارته. ليصعق سفيان عندما رآها على هذا النحو فصرخ بصوت يُدمي القلب: شهيرة لاااااا. يستحيل دي تكون شهيرة مراتي. شهيرة بتخوني لااااااا.
رواية دلال و الشيخ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة السادسة والعشرون
لم يصدق سفيان ما رآه بعينه، وانفجرت الدماء في أوردته، وأخذ يضرب بانفعال بيده على عجلة القيادة عدة مرات، ثم أخذ يسأل نفسه بقهر:
"ليه، ليه يا شهيرة؟ أنا قصرت معاكي في إيه عشان تعملي كده وتخونيني؟ ده أنا أديتك قلبي وكنت بعاملك زي الأميرة، وعمري ما هان عليّ أزعلك، وأنا برضه اللي حققت حلمك وجبتك بإيدي هنا، يكون ده جزائي في النهاية؟ لاااا لااااا مش قادر أصدق ولا أتحمل."
ثم بدأت سيارة كريم في التحرك وبجانبه شهيرة. فتحرك ورائهم سفيان بقلب منفطر، لا يدري ما يفعل معهم. هل يقتلهما معًا ثم يقتل نفسه لأنه لن يستطيع أن يعيش بعد ما حدث؟ ولكنه عاد لرشده عندما تذكر طفله سيف، فكيف سيعيش عندما يخسر والديه؟ غير أنه سيكون منبوذًا بين الناس عندما يعلموا سبب وراء قتل أبيه لأمه، ويلقبونه بابن الخائنة. لذا قرر مواجهتها لتدرك أنه قد اكتشف خيانتها، ثم يرمي عليها يمين الطلاق. ولن يكتفي بذلك، سيحرمها أيضًا من ابنها الصغير سيف. وسيلقنها درسًا لن تنساه هي وذلك المجرم الذي تخونه معه.
أما كريم فكان يختلس لها النظر بين الحين والآخر وهي بجانبه في السيارة، أما شهيرة فكانت في عالم آخر لا تعي ما تفعل ولا تدرك أنها على وشك فعل مصيبة لم تتخيلها أبدًا.
لتشير إليه قائلة: "إيه يا كرملة، مقربناش لسه من المطعم؟ أنا جعانة أوي."
كريم: "خلاص أهو يا شاهي وصلنا."
ثم توقف بها أمام أحد البنايات وأمرها بقوله: "يلا انزلي يا حبيبتي."
فنزلت شهيرة وأخذت تحدق بالمكان وقالت: "بس أنا مش شايفة أي مطعم هنا."
كريم بمكر: "لا، ما أنا قولت ناكل أحسن أكل بيتي من إيد الست الوالدة، وبالمرة تتعرفي عليها عشان تعرفي إني ذوقي حلو أوي في اختيار شريكة حياتي."
عقدت شهيرة حاجبيها وقالت باندهاش: "شريكة حياتك؟"
كريم: "آه، ما أنا بحبك يا عسلية وعايز أتجوزك."
شعرت شهيرة في ذلك الوقت بصداع شديد، ووضعت يدها على رأسها، واهتزت رؤيتها قليلًا وشاهدت أمامها خيالًا بصورة غير واضحة لسفيان.
ارتبك كريم للحظات وشعر أن تأثير المخدر قد بدأ يزول، فأراد أن يسرع فيما خططه قبل أن تفوق كليًا.
شهيرة بهذيان: "تجوزني؟ بس أنا صراحة مش فاكرة أنا مرتبطة ولا مش مرتبطة."
فأمسك كريم يدها قائلًا بمكر: "ميفرقش معايا، ويلا يا حبيبتي عشان أنا كمان جعان زيك، هموت من الجوع."
ليجذبها من ورائه سريعًا إلى مصعد العمارة ومنها إلى شقته.
نزل سفيان سريعًا ورائهم وعندما هم أن يدخل استوقفه حارس العمارة:
"رايح فين يا أستاذ؟"
سفيان وصدره يعلو ويهبط: "للأستاذ اللي لسه طالع من شوية."
الحارس: "قصدك كريم باشا؟ بس لا مؤاخذة هو مش فاضي دلوقتي، معاه حتة إنما إيه قمر."
فأخرجت عين سفيان براكين الغضب وأمسكه من تلابيب ملابسه وصرخ: "هأقتلك معاه لو مقولتش هما في الدور الكام حالًا."
ففزع الحارس: "الدور التاسع، سيبني يا بيه أنا عندي كوم لحم."
فتركه سفيان وأسرع المصعد بجسد مرتجف، تأبى نفسه أن تنهمر دموعه فحاول الثبات قليلًا.
أما كريم فولج شقته مع شهيرة فظهر على وجهها الخوف وقالت: "هي والدتك فين؟ مش سامعة صوتها يعني..!"
كريم: "تلاقيها نايمة يا شاهي، تعالي يلا اقعدي استريحي يا حبيبتي."
فجلست شهيرة وما زال الصداع يفتك برأسها فقالت بألم: "أنا تعبانة أوي، ومش عارفة مالي، أنا عايزة أروح يا كريم. بس مش عارفة ليه ناسيه أنا ساكنة فين."
ليقترب منها كريم بلهفة وهمس برغبة: "وأنا مش عايزك تفتكري غير كريم وبس دلوقتي يا شاهي."
ليلمس بشرتها الناعمة ونظر إلى شفتيها المرتجفة التي تهتز بخوف واقترب منها ليقبلها. ولكنها ابتعدت فجأة عنه عندما سمع طرق شديد على الباب يكاد أن يحطمه. ففزعت شهيرة ووقفت على الفور لتختبئ في أحد أركان الغرفة ترتعد خوفًا.
زفر كريم بضيق وقال محاولًا تهدئتها: "أهدي يا حبيبتي، ده تلاقيه الولد بتاع المكوة الرذل، همشيه وأجيلك يا قمر."
ثم بعث لها قبلة في الهواء واتجه لفتح الباب وهو ينفخ غضبًا وعندما فتح وجد أمامه رجل طويل القامة عريض المنكبين ووجهه لا يبشر بالخير، تقذف عينيه براكين الشر.
فتراجع كريم خوفًا من هيئته وقال: "أنت مين وعايز إيه!"
فلكمه سفيان لكمة حطم بها أنفه فنذف منها الدماء وصاح سفيان بغضب جامح: "عايز أجلك، هي فين الست هانم شهيرة؟"
صرخ كريم بألم: "أنت بتتهجم عليّ في شقتي، أنا هوديك في ستين داهية."
لم يعبأ سفيان لكلماته واندفع للداخل ليجد تلك الخائفة ترتعد في أحد الأركان ولم يعلم لما حمد الله أنه رآها بكامل ثيابها ولكنه همس: "آه، معلشان ملحقوش ما أنا كنت وراهم وجيت على طول."
ليصرخ في وجهها: "شهيرة!!"
لتغمض عينيها وتفتحهما عدة مرات وترمش بأهدابها ثم تحدق به كثيرًا وكأنها تتعرف عليه ليعود لها وعيها بعد لحظات لتصيح: "سفيااان."
فصرخ سفيان بصوت متقطع من الألم: "أيوه سفيان اللي دنستي اسمه وشرفه يا خاينة. ليه عملتي كده؟ ليه؟ ده أنا طول عمري شايلك في عينيا الاثنين، وبتمالك الرضا ويوم ما حققتلك حلمك، تعملي كده فيّ؟! هي دي جزاتي؟ بس أقول إيه: اقلب الأربة على فمها تطلع البنت لأمها. آه، ما أنت بت زينب يا فاجرة."
فصرخت شهيرة بظلم: "لا يا سفيان أنت بتقول إيه! أنا مش بنت زينب ولا ناسي إنك قولتلي كده. أنا بنتك أنت وتربيتك، متصدقش إني ممكن أعمل كده."
فضحك سفيان: "يعني عايزاني أكدب عينيا وأصدقك وأنتِ متلبسة في شقة عشيقك يا مجرمة."
شهيرة برجاء واستعطاف: "أرجوك صدقني أنا معرفش جيت هنا إزاي."
ثم بكت بقهر: "صدقني أنا مظلومة."
حرك سفيان رأسه بتهكم قائلًا: "دموع التماسيح، يعني عايزة تفهميني أنه ضربك على إيدك."
ليتدخل كريم غير عابئ بما فعله مما زاد من انفعال سفيان: "لا يا عمنا، جاية بكامل قواها العقلية، مهو أنت لا مؤاخذة لو كنت راجل مكنتش جت هنا."
فضربة سفيان وسدد اللكمات فصرخت شهيرة: "سيبه يا سفيان، هيموت في إيدك."
سفيان: "زعلانة على حبيب القلب؟"
ليضربه ضربة سقط على إثرها مغشيًا عليه.
ثم نظر إلى شهيرة باستحقار وبصق على وجهها وقال: "أنتِ طالق يا شهيرة، وملكيش عندي أي حقوق، وابنك مش هتشوفيه تاني."
نزلت الكلمة عليها كالصاعقة فصرخت: "لا، كله إلا سيف، أبوس إيدك متحرمنيش من ابني."
سفيان بقهر: "لا، مش هتشوفيه تاني ومش مسامحك ليوم الدين يا شهيرة. وقدامي يلا أوصلك ولا عايزة تقعدي جمب حبيب القلب، لسه مشبعتيش منه؟!"
شهيرة ببكاء: "والله مظلومة يا سفيان، مش أنا اللي أعمل كده ومعرفش فعلًا أنا جيت إزاي هنا."
ضحك سفيان ضحكة مميتة: "جيتي على رجلك يا هانم، وكفاية دموع ملهاش لزمة وتمثيل عشان الفضايح. قدامي يا بت زينب، وأنا ليا كلام تاني مع أخواتك لسه عشان يعرفوا نتيجة تربيتك وخسارة فيكي كل الحب اللي حبتهولك."
فخرجت معه شهيرة مكسورة لم تكف عن البكاء وترديد: "حسبي الله ونعم الوكيل. اللهم إني مغلوب فانتصر."
لتعود إلى بيت والدتها من جديد باكية لأنها تعلم إنها قاسية القلب ولن تحتضنها لتخفف عنها ما ألم بها، بل ستزيد من معاناتها فاستغفرت الله: "استغفر الله العظيم يا رب. يا رب أنت عالم بحالي واجعل لي مفرج من عندك."
وعندما ولجت إلى البيت وجدته ساكنًا لا روح فيه. ولم تستمع إلى صوت والدتها فأخذت تبحث عنها في كل الغرف فلم تجدها فشعرت بغصة في قلبها رغم كل شيء فاتصلت على أنهار سريعًا:
"أمي فين يا أنهار؟ أنا جيت ملقتهاش."
ضغطت أنهار على شفتيها وهمست: "أقولها إيه دلوقتي؟ مكنش على البال والنية تيجي في الوقت ده. هو مش كان سفيان محرم عليها تيجي؟ يا ترى إيه حصل؟"
القصد هقولها وخلاص كده كده هتعرف، لذا قالت بحزن: "صراحة يا حبيبتي، أمك اتزحلقت على السلم وخدوها المستشفى وشاهين معاها هناك."
فبكت شهيرة: "أمي، يا حبيبتي يا أمي. وهي عاملة إيه دلوقتي؟"
أنهار: "في العمليات لسه متصلة بشاهين وقالي."
شهيرة: "وشفيق فين؟"
فضحكت أنهار بتهكم: "شفيق ساب أمه ورجع لعروسته عشان مستحمل بعدها يا ستي."
أغمضت شهيرة عينيها بألم وأخرجت زفيرًا حارًا محملًا بالهموم: "من ساعة اللي حصل ده والمصايب نازلة ترف علينا."
فاستفسرت أنهار: "هو أنتِ فيكِ حاجة يا شهيرة؟ صوتك مش عجبني وسفيان معاكي ولا إيه؟"
ارتجفت شفتيها بانهيار على ذكر سفيان وكتمت أنفاسها حتى لا تصرخ بما يجيش في صدرها فقالت: "لا مش معايا، المهم فين المستشفى اللي فيها أمي؟"
أنهار: "مستشفى النصر، بس هتروحي لوحدك؟ خلي سفيان يوصلك."
شهيرة: "لا أنا هروح لوحدي، سلام دلوقتي."
أنهار: "هو فيه إيه بيحصل؟ فعلًا من ساعة اللي حصل لأسماء والعيلة دي انشقلب حالها."
....
عاد سفيان مهمومًا إلى منزله ليستقبله طفله بدموع قائلًا: "هو فين ماما يا بابا؟ مجتش ليه؟ واتأخرت وأنا عايزها."
فنهره سيف بغلظة قائلًا بعصبية مفرطة: "وأنت عايز ماما في إيه؟ مش عندك تيتا بتعملك كل اللي أنت عايزه؟ مش عايزك تقول ماما تاني، انساها خلاص عشان خلاص ماما راحت عند ربنا."
فصرخ سيف وقال والدموع تنهمر منه بغزارة: "لا أنت بتكدب عليّ، أنت وحش بتزعقلي، أنا بحب ماما وهي قالتلي مش هتأخر وماما مش بتكدب عليّ. ماما هتيجي دلوقتي."
فخرجت ابتهال على صوت صراخ سيف مذعورة وقالت: "إيه مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟"
سيف: "بابا بيقول ماما راحت عند ربنا، لا ماما هتيجي دلوقتي صح يا تيتا؟"
فوضعت ابتهال يدها على فمها بصدمة ونظرت إلى سفيان الذي كانت هيئته تغني عن السؤال، مشعث الرأس، ملابسه غير مهندمة.
وعندما شعر بنظرات والدته الحارقة أدار وجهه وقال: "خدي سيف يا ماما وعشيه عشان هينام جمبك الليلة دي، وأنا طالع استريح، ولو سمحتي نأجل أي كلام لغاية ما أقدر أتكلم عشان معنديش استعداد أحكي أي حاجة دلوقتي."
وعندما استدار ليغادر صاحت ابتهال: "مراتك فين يا سفيان؟"
فنزلت دمعة حارقة من عين سفيان واستدار برأسه قليلًا قائلًا: "زي ما قولت لسيف راحت عند ربنا، ماتت بالنسبالي ومش هقدر أقول أي كلمة تاني."
ثم أسرع للمغادرة لتهمس ابتهال: "يا مصيبتي يا مصيبتي. يا ترى حصل إيه؟ لا ده أكيد عمل تاني اتعملك يا ضنايا أو عين قوية. عشان كل الناس عارفة قد إيه هو بيعشق مراته."
.......
ذهبت شهيرة إلى المستشفى تجر أذيال الخيبة، دموعها لا تتوقف ليس على مرض والدتها فحسب، بل على شريك العمر الذي لم تعرف الحب إلا على يديه، وها هو يطلقها بتهمة بشعة ما كانت أن تتخيلها حتى في أحلامها، ولكن كيف حدث هذا؟ لتتحدث بصوت أوشك على الجنون:
"أنا هتجنن، إزاي الزفت ده روحت معاه الشقة؟ أنا مش فاكرة حاجة خالص، ارحمني يا رب وأظهر الحقيقة، أنا مقدرش أعيش من غير ابني ولا حتى سفيان، ده أنا حبيته لا عشقته مش حبيته بس، فإزاي يصدق إني ممكن أعمل كده؟ مجاش في باله إني مظلومة خالص. أنا عارفة إنه غصبًا عنه عشان شافني، بس كان يديني فرصة أشرحله ويفكر شوية، ده أنا شهيرة يا سفيان."
وهكذا حتى وصلت إلى شاهين الذي كان لا ينقص وجعًا عن شهيرة بعد أن علم من الطبيب أن والدته قد أصيبت بشلل ولن تستطيع المشي مرة أخرى، والأسوأ من ذلك إنها قد فقدت النطق أي أصبحت عاجزة عن الحركة والكلام.
فأخذ يردد بقهر: "لا حول ولا قوة إلا بالله. أمي اللي كانت عاملة زي الجبل تتهد مرة واحدة كده؟ سبحان من له الدوام. حكمتك يا رب، لعله تغفير ذنوب، ربنا يسامحك يا حجة."
شهيرة بصوت منبوح من البكاء: "شاهين."
فالتفت لها شاهين بقلب منفطر ولم يستطع كبح دموعه أمامها وقال وهو يحتضنها: "أمك اتشلت يا شهيرة."
فبكت شهيرة على صدره: "معقول يا شاهين أمي اللي مكنش يتهز منها شعرة تقع كده مرة واحدة؟"
شاهين: "سبحان الله المعز المذل، وأنا كان قلبي حاسس أن هيجي عليها اليوم ده عشان ظلمت كتير، بس مكنتش عارف إنه هيجي بالسرعة دي."
ابتعدت عنه شهيرة واستطردت بقهر: "فعلًا الظلم صعب أوي يا أخويا."
ثم انهارت في البكاء لتتابع بغصة مريرة: "وأختك النهاردة اتظلمت بسبب واحد خسيس وسفيان طلقني بسببه وحرمني من ابني يا شاهين. أنا عايزة أشوف ابني يا شاهين. أبوس إيدك يا أخويا كلم سفيان واترجاه أشوف ابني وميحرمنيش منه."
ليفتح شاهين عينيه على مصرعيه قائلًا بهسيس: "مين الخسيس ده وحصل إيه يا بت أبويا عشان جوزك يطلقك بسببه؟"
لتزداد دموع شهيرة، فصرخ بها شاهين: "هتنطقي ولا ادفنك مكانك هنا؟ ماهو مفيش بعد الشرف يا شهيرة، عشان أعرف أرد وأتكلم مع ابن عمك بدل ما أحط راسي في الطين."
دافعت شهيرة عن نفسها: "وأنت تصدق يا أخويا إني ممكن أعمل حاجة تخليك تمشي موطي راسك. أنا انضحك عليّ أقسم لك بالله ولقيت نفسي في شقة واحد زميلي وفجأة لقيت سفيان فوق راسي."
فوضع شاهين يده على رأسه الذي كاد أن ينفجر من شدة الغليان ثم رفع يده وهم أن يصفعها حتى إنها من الخوف وضعت يدها على وجهها، فتراجع لرؤية الخوف في عينيها فقال بخفوت: "عايزك تحلفي على المصحف أنه انضحك عليكِ مش نفسك اللي غوتك يا شهيرة."
شهيرة: "أقسم لك بكل إيمانات الله يا أخويا أنا معرفش روحت إزاي معاه، أنا كنت تايهة وحاسة إني في دنيا تانية ومفوقتش إلا وسفيان فوق راسي."
أغمض شاهين عينيه بألم وقال بغصة مريرة: "وسفيان شافك على أنهي وضع؟ فهماني؟"
شهيرة: "بالستر أقسم لك بالله، كنت بهدومي وحجابي وأسأله."
فتمتم شاهين: "الحمد لله. يبقى تحكيلي يومك من أوله حصل إيه وشربتي إيه؟"
فقصت له شهيرة ما حدث معها وحديثها مع سالي ثم وجدت نفسها مع كريم.
فاحمرت عيني شاهين من الغضب وقال بانفعال: "يبقى البنت دي شريكة معاه وشكلها بنت حرام وحطت لك حاجة في الشاي. وقعتها مربربة وهجيبها وهجيبه أفرمهم مع بعض، لغاية ما يعترفوا بالحقيقة."
شهيرة: "ياريت يا أخويا، إلا حاسة إنه هيجرالي حاجة."
لامس شاهين الصدق في عينيها ونبرة صوتها فطمئن قلبه، ومد ذراعيه لها فألقت بثقل قلبها عليه، ليهمس: "متشليش هم طول ما أخوكِ موجود على وش الأرض."
...........
وجدت دلال أحمد يهمس باسمها بعذوبة لأول مرة كأنه سيمفونية خلقت من أجلها هي "دلال". لتجيبه في الحال: "مولانا، وعيون وروح دلال."
ثم سارت إليه ومع كل خطوة كان يشعر أحمد أنه سقط غريقًا ولا أمل له في النجاة تلك المرة من براثن تلك الغاوية.
اقتربت منه دلال حتى بات لا يفصل بينهم شيء فاختلطت أنفاسهم فتعرق أحمد وهمس: "دلال أنااا."
دلال بنظرة تحمل كل معاني الحب والاشتياق: "قولها يا أحمد، قول إنك بتحبني ومتخفش، أنا بعهدك إني هكون زي ما بتحب وأكثر ومش عشانك عشان أنا فعلًا عايزة ده. أنا بحب ربنا أوي، لإنه حنين وعطاني أكبر نعمة في حياتي وهي أنت يا حبيبي."
فابتسم أحمد لتشرق شمس دلال بعد سنين من الظلام وهمست: "يعني خلاص هتعترف إني في قلبك يا روح الروح؟"
فخرجت تأوهة حارة من جوفه أعقبها قبلة طويلة منه اختلطت بها مشاعر الحب والشوق والرغبة، ليبتعد عنها قليلًا ليسمح لها أن تلتقط أنفاسها فوجدها قد تلون وجهها بحمرة الخجل واخفضت رأسها فتعجب ولامس أسفل وجهها لتنظر إليه فقال بعشق ضارٍ: "أنا مش بحبك بس يا نبض القلب وروح الروح، أنا بعشقك من أول يوم شوفتك فيه. بس قوليلي أنتِ بتعرفي تكسفي أهو زينا ووشك بيحمر من مجرد قبلة يا أخت دلال."
فوضعت دلال يدها على فمه وطلعت حروفها من جوفها بمرارة: "أرجوك متكملش يا أحمد عشان بجد لو زعلت منك تاني مش هتلاقيني. ولأخر مرة هقولك إني شريفة عمري ما حد لمسني وأنت أول راجل يدخل قلبي وحياتي."
لمعت عين أحمد بالفرحة وصدق ظنه إنها صادقة ولذلك تزوجها. ولكن الشيطان تمكن منه لذلك كان يقسو عليها بكلماته ليحرمه من السعادة ويشعره بالحزن هكذا هو يفعل بالمؤمن ولكن يكفي ولن يستسلم له مجددًا وسيبحر معها في عالم الأحلام الذي تمناه بالحلال الطيب مع من خطفت قلبه وعقله لذا همس بجانب أذنها فجعل جسدها كجمرة من نار ولن يطفئ هذا الحريق إلا الإبحار بسفينة العشق الضاري.
أحمد بعشق: "وأنا عايز أتأكد بنفسي ممكن؟"
فضربته على صدره ضربة خفيفة بدلال وقالت بتغنج: "مش عيب كده يا مولانا الشيخ أحمد؟"
فضحك أحمد حتى سمع صوت صدى ضحكته الرنانة في أرجاء الفيلا، فانشرح قلب عفاف وقالت بفرحة: "الحمد لله، أخيرًا يا ابني الفرحة هتدخل قلبك بعد سنين الحرمان."
ثم ضحكت واستطردت: "عفارم عليكِ يا دلال."
ثم طالعت شمس بحب عندما وجدتها هي أيضًا تبتسم وتذكر اسمه: "أحمد أحمد."
فضحكت عفاف وقالت بمرح: "هيجي يا حبيبتي دلوقتي بس يخلص المأمورية الصعبة اللي هو فيها، عريس بقى ربنا يفرحه."
ثم تذكرت تميم فعاد لها العبوس وهمست: "كان نفسي أنت كمان يا ضنايا قلبك يفرح كده، بس النصيب غلاب والغلبان غلبان من يومه وبخته قليل. ربنا يسامحك يا أسماء، وشوفتي نتيجة اللي عملتيه مع تميم."
لتستغفر سريعًا قائلة: "استغفر الله العظيم، اللهم لا شماتة. عشان بجد صعبانة عليّ تتجوز واحد زي شفيق ده، مش عارفة بجد اللي السبب اللي رماها عليه."
.....
ما زال العاشقان يبحران في بحر الحب حتى اتضح له بالفعل أنها كانت عفيفة ولم يلمسها رجل سواه. فشدد من ضمها إليه وهمس: "أنا آسف عن كل كلمة جرحتك بيها يا حبيبتي."
أخفضت دلال عينيها بحرج ثم همسات: "اتأكدت دلوقتي إني شريفة؟"
فداعبها أحمد بقوله ضاحكًا: "آه، بس يعني مفيش مانع أتأكد تاني، زيادة الحب حبين."
لتضحك دلال ليصيح أحمد: "يا قوي."
ثم استطرد بحب: "بحبك يا عمري ويا فرحة سنيني الجاية."
وهكذا انقضت أجمل لحظات السعادة. ليهمس أحمد: "بحبك بحبك بحبك بحبك."
فضحكت دلال: "إيه كل ده؟ هو الشريط سف ولا إيه يا مولانا؟"
فضحك أحمد: "إيه، مليتي من أولها؟ مش كنت هتموتي وأقولك بحبك يا دولي."
داعبت دلال أنفه بخاصتها وأجابت: "هو أنا كنت هموت بس كده بالساهل؟ ده أنت كنت هتشلني يا جدع وكنت هموت ناقصة عمر. أقولك صراحة يا مولانا؟"
فانتبه أحمد لها وأومأ برأسه قائلًا: "قولي يا آخرة صبري ونصي الحلو وعمري كله."
رمشت دلال بأهدابها كثيرًا لتقول بحرج: "يعني أقول إزاي بعد الكلمتين الحلوين دول يا عم الشيخ؟"
فضحك أحمد: "شيخ إيه بقى ما خلاص، أنا بقيت باد بوي، ما تجيبي بوسة الأول."
دلال: "لا استنى لما أقول يمكن تغير رأيك. صراحة يعني أنت كنت غتت غتاتة، ومش عارفة أنا استحملتك إزاي كل ده، بس عشان بحبك. صدق المثل اللي بيقول: حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط."
جحظت عين أحمد قائلًا بدهشة: "أنا غتت يا دلال؟ لا أنتِ لازم تتعاقبي عقاب جامد."
فقامت سريعًا تركض دلال ظنًا منها أنه سيعاقبها بالضرب بالفعل: "لا خلاص توبة يا مولانا."
فضحك أحمد: "لا طلعت حمش يا أحمد ودبحت لها القطة من أولها وخايفة منك أهي وفاكراني هضربها ومتعرفش إني نيتي عقاب من نوع تاني لذيذ مسكر."
فقام وركض ورائها حتى أمسك بها.
دلال بخوف: "لا يا أحمد أرجوك أوعى تمد إيدك عليّ."
فابتسم أحمد وقال: "ليه فكراني مش راجل؟ لأن مفيش راجل أبدًا يمد إيده على واحدة ست ضعيفة. حبيبنا النبي عمره ما عملها، صلى عليه."
فتمتمت دلال: "صلى الله عليه وسلم. بس أنت قولت هتعاقبني وأنا كنت بهزر معاك يا شيخ."
ففاجأها أحمد بقبلة طويلة أذهبت خوفها ليبتعد قليلًا لتلتقط أنفاسها فهمس بحب: "أهو ده العقاب لو طولتي لسانك تاني."
فضحكت دلال: "لا كده أموت أنا فيك يا مولانا."
ابتسم أحمد ثم فجأة غابت ابتسامته وصمت، فتعجبت دلال وقالت باستفهام: "إيه يا مولانا مالك؟ ما أنت كنت كويس ولا وحشك النكد؟"
ابتسم أحمد بوهن وقال بحزن: "دلال معلش ممكن نلبس عشان نشوف شقة مناسبة نعيش فيها أنا وأنتِ يا حبيبتي."
دلال باندهاش: "شقة إيه يا عسل ونسيب المكان الجميل ده؟ وكمان هنا فيه مامتك وعمتو، فهنروح فين ونسيبهم؟"
طأطأ أحمد رأسه وقال بحرج: "لأن المكان ده مش ليكي. ده..."
ثم قطع حديثه وصول رسالة من أسماء تقول فيها: "عامل إيه يا ابن عمي؟ كنت عايزة أقولك إني أخدتلك حقك من شفيق لما كتبلي كل ماله بيع وشراء. وكده حقك في ورث أبوك معايا دلوقتي وهكتبلك بيه تنازل وتقدر تيجي تاخد مني ورقة التنازل في أي وقت يا ابن عمي، بس ياريت تدعيلي ربنا ربنا يعوض عليّ زي ما ربنا عوض على أشجان بيك يا أحسن ابن عم في الدنيا."
ابتسم أحمد وحمد الله على كرمه وعوضه ولكن هناك غصة مريرة في حلقه حين سأل نفسه: "مش عارف ليه اتجوزتيه وأنتِ عارفة ومتأكدة أن إنسان سفيه، ربنا يهديك يا شفيق وكانت أختك قدامك عظة. الحكاية فيها حاجة مش قادر أفهمها أو بمعنى أصح مش قادر أتخيل أنه حصل من شفيق.. لااا استغفر الله العظيم معقول؟ ربنا يسترنا دنيا وآخرة."
......
في مكان آخر عن تقى وتميم
تميم: "بقولك إيه يا ست البنات، ما تيجي نعمل عمرة أحسن من الفرح عشان ربنا يبارك لينا في حياتنا مع بعض، وقادر كمان بالدعاء هناك يشفيكِ يا حبيبتي."
تهلل وجه تقى وقالت بسعادة: "ياريت يا تميم."
ثم تفاجأ بها تسجد لله وتبكي وسمع همسها: "ياااه يا رب على كرمك وعطفك وحنيتك عليّ، حققت لي كل أحلامي واستجبت دعائي اللي قعدت أدعيه سنين، أتجوز اللي بحبه وبدل الفرح عمرة."
فلمعت عين تميم بالدموع وحمد الله أنه رزقها زوجة صالحة مثل تقى ودعا الله أن يشفيها من أجله.
قامت تقى وأمسكت بهاتفها، فسألها تميم: "إيه هتكلمي مين؟"
تقى بفرحة: "ياسمين طبعًا، هفرحها وأنا عارفة هتشبط هي كمان وكده هاخد ثواب مضاعف."
فضحك تميم: "بس يعني عم شيكو هيوافق؟ ده راجل بيحب الفرفشة وبيحلم بيوم الفرح عشان يهيص ويرقص وبعدين يدلع نفسه. لكن العمرة مش هيكون فيها دلع، دي عبادة إلا لما ينهي إحرامه."
فضحكت تقى: "والله عندك حق. على العموم أنا هقولها وهي تبلغه ونشوف الدنيا."
وهيقولها إيه؟ يا ترى شيكو هيوافق ولا إيه؟
وأحمد عايز يدور ليه على شقة.
نص الفصل:
"ايه يا ستي أنا عايزة بنتك، دي بتي أنا، أنا اللي مربياها، أنا اللي تعبت فيها، وياما سهرت الليالي عشانها، هي فين بنتي؟"
قالت أم دلال وهي تصرخ في وجه أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتي؟ مش بنتك دي اللي رمتيها في الشارع؟ مش بنتك دي اللي كنتِ بتسيبها وتخرجي بالساعات؟ مش بنتك دي اللي كانت بتنام في الشارع من قلة اهتمامك؟"
قالت أم دلال:
"أنا؟ أنا اللي كنت بأسيبها؟ أنا اللي كنت برميها؟ مش كنت بشتغل عشان أأكلها وأشربها؟ مش كنت بشتغل عشان ألبسها أحسن لبس؟"
قالت أم الشيخ:
"أحسن لبس؟ أحسن لبس إيه؟ ده كانت بتيجي لينا هنا بالهدوم المقطعة والوسخة، ده كانت بتيجي لينا هنا وهي جعانة، أنتِ فاكرة إيه؟ أنتِ فاكرة إنك بتضحكي علينا؟"
قالت أم دلال:
"أنا اللي كنت بشتغل؟ أنا اللي كنت بتعب؟ أنا اللي كنت بربيها؟ هي بنتي أنا، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي كنتِ بتتعبي؟ أنتِ اللي كنتِ بتربيها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها."
قالت أم دلال:
"أنتِ اللي ربيتيها؟ أنتِ اللي علمتيها؟ أنتِ اللي أكلتيها وشربتيها؟ أنتِ اللي لبستيها؟ ده أنا اللي كنت بشتغل عشانها، ده أنا اللي كنت بتعب عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتك إيه؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا، أنتِ مش أمها، أنتِ مش أمها، أنتِ مش أمها."
قالت أم دلال:
"أنا مش أمها؟ أنا مش أمها؟ أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي ولدتيها؟ أنتِ اللي ربيتيها؟ أنتِ اللي تعبتي فيها؟ أنتِ اللي سهرتِ الليالي عشانها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي علمتها، أنا اللي أكلتها وشربتها، أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي تعبتي فيها؟ أنتِ اللي سهرتِ الليالي عشانها؟ أنتِ اللي ولدتيها؟ أنتِ اللي ربيتها؟ أنتِ اللي علمتيها؟ أنتِ اللي أكلتيها وشربتيها؟ أنتِ اللي لبستيها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتك إيه؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي علمتها، أنا اللي أكلتها وشربتها، أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي تعبتي فيها؟ أنتِ اللي سهرتِ الليالي عشانها؟ أنتِ اللي ولدتيها؟ أنتِ اللي ربيتها؟ أنتِ اللي علمتيها؟ أنتِ اللي أكلتيها وشربتيها؟ أنتِ اللي لبستيها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتك إيه؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي علمتها، أنا اللي أكلتها وشربتها، أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي تعبتي فيها؟ أنتِ اللي سهرتِ الليالي عشانها؟ أنتِ اللي ولدتيها؟ أنتِ اللي ربيتها؟ أنتِ اللي علمتيها؟ أنتِ اللي أكلتيها وشربتيها؟ أنتِ اللي لبستيها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتك إيه؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي علمتها، أنا اللي أكلتها وشربتها، أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"أنتِ اللي تعبتي فيها؟ أنتِ اللي سهرتِ الليالي عشانها؟ أنتِ اللي ولدتيها؟ أنتِ اللي ربيتها؟ أنتِ اللي علمتيها؟ أنتِ اللي أكلتيها وشربتيها؟ أنتِ اللي لبستيها؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
قالت أم دلال:
"هي بنتي أنا، أنا اللي ولدتها، أنا اللي ربيتها، أنا اللي تعبت فيها، أنا اللي سهرت الليالي عشانها، هي بنتي أنا."
قالت أم الشيخ:
"بنتك؟ بنتك إيه؟ ده أنا اللي ربيتها، ده أنا اللي علمتها، ده أنا اللي أكلتها وشربتها، ده أنا اللي لبستها، هي بنتي أنا."
رواية دلال و الشيخ الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة السابعة والعشرون
كان يزيد بن حاتم يقول: "ما هِبْتُ شيئًا قط هيبتي من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبي الله، الله بيني وبينك".
وبكى علي بن الفضيل يومًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدًا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة.
اتصلت تقى على ياسمين من أجل أن تخبرها بقرارها الذهاب للأراضي المقدسة لعمل عمرة هي وتميم، تقربًا لله تعالى بدلًا من الإنفاق على فرح وما يشمله من معاصي.
استحبت ياسمين تلك الفكرة وأيدتها بقولها:
"عفارم عليكِ يا تقى يا حبيبتي، فكرة جميلة وأنا معاكِ فيها وما شاء الله هتكون بركة وسعادة علينا".
"أنا هكلم شيكو وأخليه يتفق مع تميم على التفاصيل ونطلع معاكم إن شاء الله".
فابتسمت تقى واستطردت:
"بس أظن شيكو مش هيعارض".
عقدت ياسمين حاجبيها وقالت:
"ويعارض ليه إن شاء الله..!"
"بس هو يقول لأ ويبقا جت من عنده ولا يكون فيه فرح من الأساس ولا يحزنون".
فضحكت تقى وقالت بمداعبة:
"أحبك يا مسيطرة أنتِ".
فضحكت ياسمين وأغلقت معها الخط لتتصل على شيكو.
شيكو بحب:
"مش مصدق إن الجميل بيتصل بيه بنفسه، ده أنا كده لازم أوزع الشربات".
ياسمين بتهكم:
"أنت بتتريق يا شيكو ولا إيه؟"
"هي أول مرة أتصل بيك يعني؟"
شيكو بحب:
"أنا كل مرة أسمع صوتك فيها كأنها أول مرة يا حب، بحس قلبي جوه بيرتعش كده".
"ما تجيبي بوسة عشان يهدى".
فغضبت ياسمين:
"ما تلم نفسك يا شيكو مش قولتلك لما أدخل بيتك".
شيكو:
"يا صبر أيوب، بس ماشي يا جميل، وإحنا إيه اللي مخلينا نستنى ما تيجي نعمل الفرح النهاردة وندخل يا عسل".
ياسمين:
"لا هو أنتَ متعرفش إني خلاص مش عايزة فرح ونعمل عمرة أحسن يا حبيبي، ها إيه رأيك؟"
"وفقت صح؟ أنا عارفة برده مش بترفضلي طلب".
"ربنا يخليك يا حبيبي".
كان شيكو يستمع إليها وهو في ذهول حتى انتهت من حديثها، فصاح:
"عمرة إيه يا ياسمين، هو أنا داخل دنيا ولا آخرة، حرام عليكِ يا بت تعبتيني".
"خلينا نعمل الفرح ونهيص ده اللحظة اللي بستناها وبعدين نعمل عمرة بعدين".
ياسمين بتذمر:
"لا مفيش فرح وفيه عمرة عشان ربنا يهديك".
"يأما مفيش جواز أساسًا".
شيكو بصدمة:
"لا مفيش إيه..!"
"لا يا حبيبتي وماله نروح عمرة ونقعد للحج كمان ولو عايزة مهو أنا غلطان إني حبيتك وهروح أكفر عن ذنبي، اقفلي يا ياسمين دلوقتي".
ليغلق الخط قائلًا:
"آه يا ميلة بختك يا واد شيكو".
"إمتى بس هتلم على البت دي، هتجنني".
عاتبت دلال أحمد عندما طلب منها أن يتركوا الفيلا ويعيشوا في شقة:
"أنت بتقول إيه يا أحمد حد يسيب البراح ده ومامتك وعمتو ويمشي يروح شقة".
أخفض أحمد رأسه بحزن وقال بحرج:
"معلش يا دلال سامحيني عشان عارف إن الموضوع صعب عليكِ وعليه صدقيني أكتر بس غصبًا عني".
دلال بإندهاش وذهن مشتت:
"هو فيه إيه يا أحمد ما تقول الموضوع على طول، ليه عايزني أمشي من هنا؟"
أحمد بحرج:
"عشان..."
ثم صمت للحظة وتابع:
"هتجوز أشجان الجمعة الجاية وهتيجي هي وولادها يعيشوا هنا".
تمزق قلب دلال من الصدمة فهل بعد ما حدث بينهما واعترافه بحبه لها وتلك اللحظات السعيدة التي عاشتها معه وظنت إنها قد امتلكت الدنيا وضحكت لها بعد سنين الضنك والشقاء ولكن للأسف كان هذا حلم استيقظت منه عندما ألقى بها إلى الأرض مجددًا بعد أن كانت تحلق في سماء السعادة فتمزق قلبها إلى أشلاء.
فوجدتها تدفعه بكلتا يديها وتصيح بانفعال:
"عايز تجوز عليه يا أحمد وأنا لسه عروسة يوم ملحقتش أفرح وكمان تخرجني من هنا وترميني في أي مكان عشان خاطرها".
"ياااه لدرجاتي أنا قليلة في نظرك ومليش أي قيمة وهي عندك الكل في الكل وبتراعي مشاعرها ومديها قيمتها وهتكون مراتك قدام الناس".
"لكن أنا إيه يا أحمد مجرد واحدة حشرة دوستها برجلك مش كده".
"طلقني يا أحمد واتجوزها لأن صدقني مش هستحمل حد يشاركني فيك".
ومع كل كلمة تخرج من فم دلال كانت تنزل على قلب أحمد كالسوط يمزق قلبه، فظهر الألم على وجهه حتى أنه شعر بالدوار وأمسك برأسه.
وكل ما نطق به:
"آسف غصب عني".
ثم أُغمي عليه.
وكأنه لم يتحمل ذلك الضغط العصبي الذي يفوق قدرته على المواجهة.
فهو على عهد من عمه وأيضًا يعشق تلك التي هدمت حصونه وأصبح أسيرًا لعينيها.
سقط أحمد أمام أعين دلال فجأة فكانت في ذهول وصدمة لم تكن تتوقعها أبدًا.
فصرخت بقهر زلزل كيانها:
"أحمد، قوم يا أحمد".
"افتح عينك وكلمني وقول إنك معايا وعمرك ما هتسبني".
"قوم يا أحمد، أنا بحبك".
"أوعى تكون صدقت لما بقولك طلقني".
"ده أنا بقول كده من غيرتي بس".
"ده أنا لو بعدت عنك أموت".
"قوم يا أحمد عشان خاطري، قوم واتجوز ماشي القردة بنت عمك بس تقوم ولو عايز تكملنا أربعة ماشي".
"ما أنت قادر وتعملها يا مولانا بس قوم".
"قوم يا أحمد، قوم يا أحمد ما هو أنا مينفعش أترمل وأنا لسه عروسة كده".
"ده كده أكون نحس وربنا، قوم يا أحمد".
وهكذا أخذت تصيح بألم حتى سمعتها شمس فأخذت تردد بخوف:
"أحمد أحمد".
فانتبهت لها عفاف فقالت:
"متقلقيش يا حبيبتي، يمكن بيتسامروا عشان عرسان وكده".
ولكن شمس لم تفتر عن ذكر اسمه وحينها استمعت عفاف لصراخ دلال فانتفضت واقفة وقالت بفزع:
"استر يا رب".
ثم هرولت إليهم سريعًا لتجده مغشيًا عليه وبجانبه دلال تبكي وتصرخ باسمه.
عفاف بفزع:
"حصله إيه انطقي؟"
دلال بخوف:
"مش عارفة مرة واحدة كده وقع من طوله".
عفاف:
"اسم الله عليك يا حبيبي، شكل قلبك ضعيف، طيب قومي نوليني إزازة برفان من عندك بسرعة".
فقامت دلال مسرعة وأتت به لتنثر عفاف على أنفه، فيستفيق أحمد رويدًا رويدًا وهو يذكر اسم دلال.
لتمسك دلال بيده وقالت بعشق:
"أنا جنبك أهو يا حبيبي، وعمري ما هسيبك أبدًا".
عفاف:
"خضتيني عليك يا ابني، مالك بس حصل إيه؟"
"ما كنت زي الوردة المفتحة وصوتك مجلجل الفيلا".
فاستطردت دلال:
"كله من سيرة المشؤومة أشجان دي عملت كده".
عفاف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله وده وقته أشجان انتوا فيه إيه ولا إيه".
دلال بتذمر:
"قوليله".
أحمد بخفوت:
"يا عمتو حضرتك عارفة إنه مينفعش أرجع في كلامي وجوزتي منها غصب وأنا وعدت عمي إنها هتيجي هنا".
"وده ضاغط على أعصابي جدًا لكن يرضيكِ دلال تضغط عليه أكتر وتقول طلقني فحسيت إني في دوامة ومش عارف أخرج منها ومحستش بنفسي بعدها".
فنظرت عفاف إلى دلال نظرة عتاب وقالت:
"ليه كده يا بنتي تخربي على نفسك وأنتِ عارفة إنه بيحبك والموضوع غصب عنه يعني مش فراغة عين زايغة".
"عجبك كده كان هيروح منك".
فلمعت عين دلال بالدموع وأمسكت بيد أحمد ورفعتها إلى فمها وقبلته برقة قائلة:
"لا بعد الشر عليه، اتجوزها يا أحمد وسامحني كان غصب عني، أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا لما حسيت إنها هتشاركني فيك ولا ممكن تاخدك مني وأنا مصدقت لقيتك يا مولانا".
أحمد بعشق:
"محدش يقدر يعملها يا دلال، لأنك في دمي ونسمة الهوا اللي بتنفسها، ده أنا من غيرك أموت يا دلال".
"وأرجوكِ مسمعش منك كلمة الطلاق دي تاني".
ابتسمت عفاف واعتدلت قائلة:
"لا أظن بقى كده دوري انتهى وأمشي عشان مبقاش عزول يا عصافير".
"تفاهموا يا حبايبي وربنا هيراضيكم".
لتخرج عفاف ليضم أحمد دلال إلى صدره بقوة وهمس بعشق:
"سامعة دقات قلبي دي يا دولي".
"كل دقة منهم بتقول اسمك وبتدق ليكِ وحدك".
"وصدقيني أنا هكتب على أشجان لكن ده هيكون على الورق، هعيش معاها زي الأخوات هقضي طلباتها وطلبات ولادها عشان خلاص مسئولين مني وهحاول أعوضهم عن قسوة أبوهم وحنيته اللي اتحرموا منها وهو لسه عايش على وش الدنيا".
رفعت دلال عينيها إلى عينيه فرأت فيهما الصدق ولكن سألته بغيرة واضحة:
"بجد يا أحمد يعني مش هتلمسها وهتكون لي أنا لوحدي وبس".
أكد لها أحمد رغم علمه أن في ذلك معصية ولكن حقًا نفسه تأبى ذلك وليسامحه الله.
فابتسمت دلال وأخفضت رأسها بعدما اطمأنت.
لتجده يهمس:
"اطمأنتي ممكن تصالحيني عشان زعلان منك".
اتسعت عين دلال واستطردت:
"أنت اللي زعلان كمان".
"أقول إيه بس عوض علي عوض الصابرين يا رب".
فضحك أحمد:
"مفيش فايدة في لسانك".
"طيب يا حبيبتي قومي يلا نلبس، عشان نشوف شقة نعيش فيها على حريتنا، وصدقيني هتكون فيها مرتاحين أكتر من هنا".
أومأت دلال برأسها، واستجابت لطلبه على مضض.
لتمضي عدة ساعات استطاع بها أحمد شراء شقة مجهزة بالكامل على أفضل وجه.
..................
ما زال شاهين مع أخته شهيرة فسألها:
"تعرفي عنوان الكلب ده كويس يا شهيرة".
شهيرة:
"معرفش يا شاهين لإني روحت هناك وأنا مش في وعيي فمركزتش".
شاهين:
"طيب معاكِ تليفون الزفتة صاحبتك دي؟"
شهيرة:
"آه بس هتعمل إيه معاها أكيد مش هتعرف على نفسها عشان متوديش نفسها في داهية".
شاهين:
"ملكِش دعوة أنا عارف الأشكال الزبالة دي بتيجي بتبيع ضميرها بالفلوس".
"هاتي بس رقمها".
فأخذه شاهين منها ولكنه كان مشغولًا.
لأنها في ذات الوقت كانت تحدث كريم.
"إيه يا كرملة متصلتش علي ليه زي ما اتفقنا مش قولت هجيلك بعد ما تخلص مع شهيرة".
فصاح كريم بانفعال:
"بقولك إيه يا سالي أنا مش فايقلك، كفاية اللي أنا فيه ومتتصليش بي تاني أنا مش طايقك".
"صنف ملعون صحيح".
ثم أغلق الخط في وجهها.
لترتسم معالم الغضب على وجه سالي قائلة:
"كده يا كريم!"
"دي آخرتها، كنت بتضحك علي عشان تنول المراد بس وتخلي بي وتقفل كمان السكة في وشي".
"ماشي يا كريم، مش سالي اللي تعمل معاها كده".
"وهفضحك فضيحة المظاهر في الكلية وهقول لشهيرة الحقيقة وشوف بقى هتعمل فيك إيه مش بعيد تقتلك عشان اللي عملته فيها وهي مش دريانة".
ثم استمعت لرنين الهاتف فاستجابت قائلة:
"ألوو".
شاهين:
"آنسة سالي".
"أيوة أنا سالي مين معايا".
شاهين:
"أنا واحد عايزلك كل خير وبالتمن اللي تطلبيه بس قصاد مصلحة صغيرة كده".
سالي:
"وهي إيه المصلحة دي؟"
شاهين:
"تقولي اللي عملتيه في شهيرة وبسببه كريم عرف يسيطر عليها وياخدها بيته".
فدب الذعر في قلب سالي وأنكرت:
"كريم مين وشهيرة مين أنا معرفش حد بالاسم ده".
"ومع السلامة".
ولكن قبل أن تغلق الخط صاح شاهين:
"هتقولي الحقيقة بالذوق وتستري عرض واحدة زيك اتسببتي في طلاقها من جوزها ولا أجيلك آخد منك الاعتراف وأنا بشوه وشك الجميل ده".
فخافت سالي وقالت:
"لا هقول كل حاجة بس متأذنيش أرجوك".
شاهين:
"طيب أنا هستناك في كافيه العمدة في نص البلد كمان نص ساعة لو مجتيش هجيبك من تحت الأرض".
سالي:
"لا جاية جاية".
أغلق معها شاهين الخط ليجد شهيرة ما زالت تبكي فحدثها بقوله:
"مش قولتلك طول ما أنا في ضهرك متبكيش ومتقلقيش، ارفعي راسك يا شهيرة وأوعدك الليلة هتنامي في بيتك وفي حضن جوزك وابنك".
شهيرة:
"أنا عايزة ابني بس لكن سفيان صعب أرجعله بعد اللي عمله فيَّ".
شاهين:
"استهدي بالله أي واحد في مطرحه كان قتلك مش بس طلقك يا شهيرة".
"ومعلش ابقوا اتعاتبوا وأنتوا في بيتكم".
شهيرة:
"طيب وماما هنعمل إيه معاها".
شاهين:
"أمك كده خلاص يا شهيرة انتهت، وهتقضي بقية عمرها بالحالة دي".
"وبس الدكتور يصرح ليها بخروج وهجيب واحدة تاخد بالها منها بالفلوس".
"أنا عارف إن أنهار هتخدمها بس أنا مش عايز نظرة شماتة منها تكون غصبًا عنها وأمي في الحالة دي".
"وعارف كمان أن أمي مش هيقدر حد يشوفها كده".
شهيرة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله".
وبالفعل تقابل شاهين مع سالي وقصت عليه كل ما حدث وسجل ذلك شاهين صوت وصورة فيديو ثم بعثها إلى سفيان الذي كان يحبس نفسه في غرفته يبكي وبيده صورة شهيرة يحدثها:
"أنا عملتلك إيه عشان تعملي فيَّ كده يا شهيرة".
"خسارة الحب اللي حبتهولك وللأسف مش قادر أكرهك رغم كل اللي عملتيه ومش عارف أعمل إيه أكتر من أحرمك من ابنك، يا ريت كنت موتك بإيدي يمكن كنت ارتحت ساعتها لكن مش عارف إزاي ممكن أشوفك بعد كده من غير ما أحن ليكِ يا بنت عمي".
ثم أخذ يبكي حتى احمرت عينيه.
ليأتي له فرج الله عندما شاهد الفيديو واستمع إلى كلام سالي.
فوقف منتصبًا لا يصدق ما يسمعه أحقًا قد ظلمها ونعتها بأفظع كلمة على وجه الأرض وهي الخيانة.
نعم قد قذفها ولكن رغما عنه وتساءل كيف كان سيسامح نفسه أن قتلها وعلم بعد ذلك الحقيقة.
فقفز من الفرحة عندما أدرك طهارتها وعفتها وأنها كانت صادقة فيما تقول وحمد الله أنها وصل إليها في الوقت المناسب قبل أن يستبيح هذا المعتوه عفتها.
ثم اتصل بها على الفور، وعندما شاهدت اسمه على الشاشة دق قلبها بشدة ولكن همست بغصة مريرة:
"إزاي هقدر أسامحك وأرجع لطبيعتي معاك يا سفيان بعد اللي حصل".
ثم شردت في سيف واستطردت:
"عشانك أنت بس يا حبيبي هعيش وهدعي ربنا يسامحه وأنسى اللي حصل".
فاستجابت له بصوت مكلوم قائلة:
"أيوة يا أبو سيف".
استشعر سفيان بهذا اللقب الجديد عليها مدى حزنها ولكن ما كان بيده أن يفعل فهو معذور لذا قال:
"حلو منك أبو سيف يا أحلى أم سيف في الدنيا".
"ممكن أجي أبوس إيد أم سيف وآخدها بيتها معززة مكرمة".
بكت شهيرة بصوت مزق قلبه فقال:
"لا مقدرش قلبي ميستحملش يا شهيرة البكا ده كله يا حبيبتي".
"معلش سامحيني واعذريني، الصدمة كانت صعبة علي أوي وأنتِ عارفة مكانتك عندي".
شهيرة:
"خلاص يا سفيان اللي حصل حصل، وأنا موجودة في المستشفى عشان أمي تعبانة".
سفيان:
"خلاص هاجي أعمل الواجب وأطمن عليها وآخدك يا حبيبتي".
فابتسمت شهيرة لكلمته التي أدمنتها منه "حبيبتي" وعاد لها حنينها مجددًا إليه.
وتمنت في تلك اللحظة أنه لو عادت بها الأيام أن لا تفكر في موضوع الجامعة هذا وتكتفي بقربها منه، فهو يكفيها عن كل شيء.
.......
كانت أعين تقى وياسمين تخرج قلوبًا حمراء من الفرحة وهما أمام الكعبة ونظرت كل منهما لزوجها نظرة امتنان وحب.
وعندما رأى شيكو تلك النظرة حمد الله إنه وفقه لتلك الرحلة المطهرة للنفس والروح وأقسم أنه سيعيدها مرات كثيرة بعد أن شعر براحة وسعادة لم يعهدها من قبل.
أما تميم فلم يفتر لسانه وقلبه معًا بالدعاء لتقى أن يشفيها الله من هذا المرض اللعين وأن يطيل الله في عمرها من أجله.
نعم هو في قرارة نفسه لم يحبها هذا حب العشاق المتيم كما كان مع أسماء ولكن شعوره نحوها شيء آخر جميل يميزه المودة والرحمة والعشرة الطيبة وتلك أنقى وأدوم.
وبعد تحلل الإحرام وفي غرفة شيكو وياسمين.
وجدته يحاوطها من ظهرها وقبلها برقة في عنقها قائلًا بهمس:
"مش آن الأوان تفرجي عن المسجون روحه بسبب حبك وتخليه ينطلق وياخد حريته".
فابتسمت ياسمين وتوردت وجنتاها خجلًا وهمست:
"طيب نستنى لما نرجع بلدنا مش كده".
فضحك شيكو وهو يحملها بين يديه كالأطفال فتعقلت بعنقه ودفنت رأسها بخجل في صدره.
فاستطرد بعشق ومرح:
"وماله هنا ما زي الفل أهو، على الأقل الواد يجي ياخد الجنسية السعودية والمصرية كمان وكده يبقى المعلم شيكو بجلالة قدره قدر يوحد البلدين".
ليأخذها في رحلة عشق وحب لا تنتهي.
أما عند تقى فقد حملها أيضًا برفق تميم ووضعها على الفراش وقبل جبينها وهمس:
"ها تعبتي أوي من المناسك صح وأكيد محتاجة ترتاحي وتنامي كويس".
"فخدي راحتك وأنا هنام على الكنبة قصادك ولو حسيتي بوجع زيادة أو احتجتي حاجة نادي علي هقوم على طول أنا نومي خفيف".
ابتسمت تقى بامتنان وحمد الله أن رزقها الله بهذا الزوج السهل اللين الذي يعاملها كملكة متوجة رغم مرضها.
ثم قالت بعشق وهي تتطلع إلى تفاصيل وجهه التي عشقتها وكأنها تحفرها في ذاكرتها حتى وإن غابت عن الوعي بسبب مرضها كان هو من تراه في أحلامها.
"راحتي هي وجودك جمبي يا تميم، وأنا مش تعبانة بالعكس أنا عمري ما حسيت إني كويسة زي دلوقتي".
فقبل يدها تميم واستطرد:
"الحمد لله يا حبيبتي، متصوريش كنت قلقان عليكِ قد إيه في المناسك وكنت خايف تتعبي ومتقدريش تكملي".
تقى:
"لا يا حبيبي مش تعبانة والله حاسة إني زي ما يكون خفيت ومفيش حاجة".
لمعت عين تميم بالفرحة واستطرد:
"بجد يا بركة الله في مية زمزم إنها لما شربت له".
"بس برده لما ننزل مصر لازم نحلل ونتأكد يا حبيبتي".
ثم اعتدل واقفًا، فسألته تقى بحرج:
"وقفت ليه؟"
تميم:
"محتاج أنام شوية عشان مصدع معلش".
"فهريح شوية على الكنبة قصادك وأنتِ برده حاولي تنامي".
أخفضت تقى بصرها وقالت بخجل:
"تميم ممكن متبعدش عني وتنام جمبي".
اتسعت عين تميم وخرجت كلماته ملعثمة:
"جمبك لا إزاي".
"هو أنتِ فاكراني حجر، أنا راجل وممكن مستحملش يعني..."
"قصدي.. ولا أقولك لا مش قصدي".
"نامي يا تقى بالله عليكِ".
فضحكت تقى وأكدت بنعومة أذابت حصونه:
"ولو قولت إني أقصد قصدك".
أغمض تميم عينيه بألم ثم تنهد وتابع:
"يا تقى أنا عارف أنتِ بتفكري إيه".
"بس يا حبيبتي صدقيني أنا يكفيني إنك تكوني موجودة قدامي وبخير لكن أي حاجة تانية لما نتأكد إنك خفيتي لأني بجد خايف عليكِ يا حبيبتي".
تقى:
"جميلة حبيبتي منك يا تميم، ومتخافش علي أنا كويسة وفعلا محتاجك جمبي، محتاجة أحس إننا بقينا روح واحدة وتقرب مني كأي زوجين ومش تبعد عني".
ابتسم تميم وطالعها بترقب:
"تقى أنتِ متأكدة وفاهمة أنتِ عايزة إيه وممكن يحصل إيه".
أومأت تقى برأسها بخجل، فقفز تميم على الفراش بجانبها قائلًا بمداعبة جعلتها تتطلق ضحكاتها الرنانة التي أضاءت وجهها وأعادت به الحياة التي ظنت أنها فقدتها:
"يا بركة دعاكِ يا أم تميم، وهتجوز زيك يا شيكو".
لنتركهم يبحروا في لحظاتهم السعيدة لتعوضهم عن مرارة الأيام.
.....
لم تنم دلال تلك الليلة التي في صباحها سيعقد أحمد زواجه على أشجان بعد صلاة الجمعة ليكون ذلك إشهارًا أمام أهل الحي.
ولم تفارق حضن أحمد وكأنها تخشى أن تفقده وسمع أحمد دوي صدرها الذي يعلو ويهبط بفعل تلك التنهيدة المؤلمة التي تخرج من جوفها بين الحين والآخر.
أما هو فحاول بقدر الإمكان أن يتماسك رغم النار التي تأكل من الداخل وظن أنه ثابت ولكنه انفجر عندما شعر بسائل ساخن على صدره فعلم أنها تبكي بمرارة.
فأبعدها قليلًا عنه وهمس بوجع:
"وبعدين يا دلال، صدقيني أنا ماسك نفسي بالعافية وفعلا مش قادر أشوفك بالحالة دي".
"أنا هموت من التفكير وحاسس بيكِ بس أحلفلك بإيه إنه غصب عني وإن جوازي منها مجرد صورة قدام الناس لكن قلبي وعقلي معاكِ أنتِ يا كل كلي ونبض قلبي وعقلي".
دلال بأنين مكتوم:
"قول إنك بتحبني يا أحمد تاني قول وكمان قلبي واحلف إنها هتكون زي أختك وإن قلبك عمره ما هيميل ليها وقلبك لي أنا وحدي".
لمس أحمد يديها ورفعها إلى فمه وقبلها وقال بعشق:
"أحلفلك برب دلال اللي مفيش في قلبي أغلى منها إني بحبها أيوة هي اللي قدامي دي دلال حبيبتي وروح الروح وضي عيوني".
"بحبك يا حياة قلبي، أما هي هتكون زي أختي لأني فعلا عمري ما تخيلتها أكتر من كده".
دلال:
"خلاص يبقى يستحيل تبات هناك يا أحمد، أنا هموت لو سبتني ليلة لوحدي من غيرك".
"أنت شوف طلباتهم الصبح هي وعيالها لكن الليل ده بتاعي أنا وبس".
فابتسم أحمد وتمتم بعشق:
"عيوني حاضر".
"بس إحنا هنفضل نتكلم كتير والليل قرب يخلص كده".
"وصراحة قلبي بيسرب شحن بسرعة وعايز شحن يكفي لغاية ما أرجعلك تاني يا جميل".
فارتجفت شفتا دلال وهي تؤكد عليه:
"هترجعلي صح يا أحمد، هستناك".
"قول إنك هترجعلي".
تنهد أحمد وأكد لها بقلبه قبل لسانه:
"إن كتب لي ربي عمرًا".
"هرجع يا دولي وأصلًا مين قالك إني همشي، أنا معاكِ هنا بقلبي وروحي".
اطمأنت دلال قليلًا ولكن ما زال هناك شيء عالق في نفسها لا تدري ما هو هل هو زواجه من أشجان أم شيء آخر يخفيه لها الزمن.
هل ستظل تضحك لها الدنيا أم سيغدر بها الزمن...
.....
حاولت أنهار أن تدخل في قلب أشجان السعادة في صباح عرسها على أحمد، فجمعت الأطفال وأسماء وشهيرة وأخذوا يرددون الأغاني ويصفقون بحرارة مع رقص أيسل وسمر.
ولكن أشجان لم تكن معهم كانت في عالم آخر من الأحزان بعد أن أدركت أنها ستزف إلى الموت.
نعم إنه الموت بعينه وهي تدرك أنها لن تكون له زوجة بالفعل كما كانت تتمنى بل مجرد هامش في حياته وهناك أخرى محظوظة تتمتع بما حرمت هي منه وهو قلبه وربما بل أكيد جسده أيضًا.
فأي عذاب أكثر من ذلك.
بل شعرت أن عذابها مع شفيق العذاب الجسدي بالضرب والإهانة كان أهون من عذاب الروح مع أحمد.
لأن عذاب الجسد يداويه الوقت أما عذاب الروح لا يداويه إلا الموت.
فكيف ستواجه أحمد في ليلتهم الأولى؟
رواية دلال و الشيخ الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الثامنة والعشرون
......
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
يُخلِّف وجع القلب في العين نظرة مكسورة لا يملّحها إلا من يحبّك بصدق، ولا يطببها إلا من يخلص لك.
..............
ولجت ابتهال إلى غرفة أشجان فرأتها بوجه غير الوجه الذي اعتادت عليه، فقد كانت في الفترة الأخيرة وجهها مشرق كالشمس، والآن ذابل، وفي عيونها لمعة كأنها تحبس الدموع بداخلها، فأدركت بقلب الأم أن هناك شيئًا بداخلها تخفيه عنها، لذا قالت:
يلا يا بنات سيبوا أشجان تلبس عشان الوقت، وأنتوا خدوا ولادكم جهزوهم يلا واستعدوا.
أومأت أنهار برأسها قائلة:
حاضر يا ماما، يلا بينا يا ولاد نلبس.
فخرجوا جميعًا، لتقف ابتهال أمام أشجان، فحاولت أشجان الهروب بعينيها من نظرات والدتها التي تشك في أمرها.
فأشارت ابتهال لها:
بتداري عينيكِ ليه عني يا بت بطني، تفتكري إن أمك مش حاسة بيكِ.
فين أشجان اللي كانت هتطير من الفرحة من يومين اتنين عشان هتتجوز اللي بتحبه، وفين أشجان دلوقتِ اللي عينيها بتبكي وشكلها زي ما يكون عندها مرض.
فيه إيه يا أشجان حصل، قولي ومتخبيش عن أمك حاجة، لإنك مش هتلاقي حد ترمي عليه حمولك ويستحملك زي صدر أمك يا قلب أمك.
وكأن تلك الكلمات بمثابة شرارة الانفجار، فانفجرت أشجان بالبكاء وألقت بنفسها على صدر والدتها وقالت بشهقات متتالية تكاد لا تكون مفهومة:
_ أحمد خلاص يا أمي حتى لو هنتجوز لكن مش هيكون ليَّ.
لإن جت اللي شغلت باله واتجوزها في السر قبلي، لكن أنا هكون مجرد صورة أو خيال مآتة، واسمي اتجوزت.
علت الصدمة وجه ابتهال لتقول:
إزاي ده وحصل امتى ومن غير ما نعرف؟
وخلاص يستحيل يتجوزك بعد اللي عمله، أنا هكلم أبوكِ دلوقتِ يقوله كل شيء نصيب.
فابتعدت أشجان عنها وصرخت:
لااا مقدرش مقدرش، أنا بحبه بحبه حتى لو واحدة تانية في قلبه غيري، وكده كده أنا خلاص بقيت عايشة ومش عايشة في نفس الوقت، يعني كده كده ميتة.
فخليني أتجوزه وأكون جنبه حتى لو مش حاسس بيَّ، وعشان يكون أب لولادي اللي اتحرموا من أبوهم وهو على وش الدنيا.
استنكرت ابتهال:
أنتِ بتقولي إيه يا بنتي، إزاي تقبلي على نفسك كده، وفين كرامتك، وهو مفيش غير أحمد، بكرة يجيلك أحسن منه.
أشجان:
وأنا مش عايزة غير أحمد يا أمي، ومتخافيش كرامتي هتكون محفوظة لإني عارفة أحمد كويس عمره ما هيهيني ولا يقولي كلمة تزعلني، ومش هطلب بحقوقي عليه كزوجة إلا لو هو طلب ده، وأنا عارفة إنه مش هيطلب.
ابتهال بغصة مريرة:
وعلى إيه يا بنتي تضيعي شبابك كده على الفاضي وهو هيتهنى مع اللي بيحبها، وأنتِ تاكلي في نفسك لغاية ما تموتي بحسرتك.
أشجان:
كلها موتة يا أمي، ومعدتش تفرق معايا خلاص.
ومش عايزة حاجة غير إن ربنا يقويني ويصبرني لما يكون حلالي ومقدرش ألمسه ولا يلمسني.
وأنا كده كده حتى لو متجوزتش أحمد كنت مش هتجوز وهربي ولادي، لكن أنا حاسة إن مع أحمد ولادي هيتربوا أحسن تربية ويارب يطلعوا زيه في حنيته وأخلاقه.
فزفرت ابتهال بضيق:
مش عارفة أقولك إيه يا بنتي، اللي تشوفيه في مصلحتك اعمليه، وقادر ربنا يحط حبك في قلبه مع الوقت، ما هو ياما رجالة اتجوزوا أكتر من واحدة وعدلوا ما بينهم وعاشوا مرتاحين.
أشجان:
لو كان بالحب ماشي، لكن أنا يستحيل أفرض نفسي عليه ولو فيه روحي.
ابتهال:
ربنا يصبرك يا بنتي، وأظن هو اتجوز في السر عشان ما يجرحكيش قدام الناس.
طيب دلوقتِ يلا ألبسي فستانك عشان أذان الجمعة على وشك يا بنتي.
أشجان بنفس ملتاعة حزينة:
حاضر يا أمي.
لترتدي أشجان فستانًا بسيطًا هادئًا من الحرير باللون الأبيض وحجابًا من نفس الخامة، وعندما انتهت وجدت سفيان في انتظارها فقبل جبينها وقال بفرحة:
مبارك عليكِ أحمد يا حبيبتي.
أما سليمان فقال:
وسع كده يا سفيان، عايز أشوف عروستي الحلوة.
فضمها إلى صدره وقال بفرحة:
ألف مبروك يا حبيبتي، الحمد لله عشت وشوفتك عروسة الغالي وربنا عوضك خير.
فبكت أشجان على صدره:
ربنا يديك طول العمر ويخليك لينا يا بابا.
أنهار بمرح:
امسحي دموعك يا آمال مش وقته يا أختي، وافرحي من نفسك مرة.
ابتسمت لها أشجان بوهن فهي لا تدري بالنار التي تأكل قلبها.
ولم تحضر أسماء معهم، بعد أن منعها شفيق من حضور تلك الزيجة وهي استجابت ليس لطاعته وإنما لشيء في نفسها حتى لا ترى تميم وزوجته.
ليمر بعضًا من الوقت تم فيه عقد القران وردد أحمد خلف المأذون بقلب تائه حتى أنه تلعثم عدة مرات في النطق مما أثار ضحك البعض وهمسوا:
الراجل شكله مغصوب على الجوازة دي ولا إيه، ده مش عارف ينطق.
بس صراحة عنده حق، إزاي يجوز واحدة أكبر منه ومطلقة وهو لسه ما دخلش دنيا.
أما شيكو فكان يطالعه بحزن لإنه يعلم ما في نفسه ومدى حبه لدلال.
شيكو:
يا عيني عليك يا صاحبي طول عمرك فقري وفرحتك مش بتكمل أبدًا.
....
وانتهى العقد وأخذ أحمد أشجان وأطفالها إلى الفيلا، لتستقبلهم عفاف ببشاشة وجه وترحيب قائلة:
أهلًا ببنت الغالي، ألف مبروك يا حبيبتي.
أشجان ببسمة مصطنعة:
الله يبارك فيكِ يا عمتو.
فأشارت إليها عفاف:
اطلعي يا حبيبتي استريحي في أوضتك، وأنا هاخد الولاد يلعبوا شوية في الجنينة، ما تقلقيش عليهم.
وهخلي الدادة تطلع ليكِ أنتِ وأحمد الغدا.
توتر أحمد وظهر ذلك على وجهه، فهو لا يريد أن يجمعهم مكان واحد حتى لا تقترب منه دون إرادته.
لاحظت أشجان ذلك، فأخرجت تنهيدة محملة بالآلام ولكن حاولت ألا تظهر شيئًا أمامهم فتداركت وقالت:
ما تتعبيش نفسك يا عمتو، وأنا هطلع بس أغير هدومي وهنزل نتغدى كلنا سوا أنا وأنتِ وماما شمس.
ألا هي فين مش شايفاها؟
ابتسم أحمد بعد أن أراحت صدره بهذا الحديث وأيضًا استحب سؤالها عن والدته.
عفاف:
مريحة شوية يا حبيبتي في أوضتها.
بس ليه تنزلي وأنتِ عروسة يا بنتي، بعدين الكلام ده.
رددت أشجان بقهر:
عروسة إيه بس يا عمتو، هو أنا غريبة.
والأكل كمان ما يحلاش إلا في اللمة.
ثم استأذنت:
عن إذنكم هطلع أغير هدومي.
وممكن بس الدادة تجيب شنطتي من العربية وتطلع معايا تدلني على أوضتي، وبعدين تاخد الولاد لما يخلصوا لعب على أوضتهم وتناديني عشان أغيرلهم هدومهم.
عفاف:
بس كده من عينيا يا حبيبة عمتو.
ثم قامت بالنداء على أم فرج:
يا أم فرج هاتي شنطة أم آسر من العربية وتعالي وصليها أوضتها.
ثم أشارت إلى أحمد:
وأنت برده يا ابني، اطلع مع مراتك ريح شوية.
فشعر أحمد بالاختناق حتى أنه حاول فك زر قميصه، وبحركته تلك شق قلب أشجان وهمست:
للدراجات دي يا أحمد بتحبها، وللدراجات دي مش طايقني.
يا ترى شكلها إيه، أكيد صغيرة وحلوة وبنت بنوت، يعني ما فيش مقارنة بيني وبينها، وعشان كده مش هدخل نفسي في معركة خسرانة، وعلى قد حبي ليك يا أحمد بتمنى ليك السعادة.
لتخرجه من إحراجه فقالت مشيرة إلى عفاف:
عمتو أحمد وراه شغل فسبيه يشوف حاله.
طالعتها عفاف باندهاش وتساءلت:
معقول دي أشجان اللي كانت هتموت على أحمد مالها بقت باردة كده، وشغل إيه والراجل عريس، ولا تلاقيه خايف من دلال فابتسمت بتلقائية.
أما أحمد فنظر إلى أشجان بعينين يملؤها الاعتذار والامتنان معًا.
ثم قال:
أشجان دلوقتِ الفيلا كلها بقت تحت أمرك، فاتصرفي فيها زي ما يعجبك أنتِ والولاد، ولو احتجتم أي حاجة كلموني.
وأنا فعلًا عندي شغل مهم جدًا، هخلصه وأرجع أطمن عليكم.
ثم استمع أحمد لصوت الهاتف فأخرجه فوجدها دلال فابتسم بحب ولكن سرعان ما خشي من نظرات أشجان إليه التي تترقبه فرفض المكالمة.
فجن جنون دلال وصاحت:
بتكنسل عليَّ يا مولانا.
أيوه تلاقيك عايش حياتك يا عريس، ما أنا عارفة صنف الرجالة بيحبوا الرمرمة حتى لو كان شيخ، ما هي حلاله آه.
والشرع بيقول مثنى وثلاث ورباع.
آه يا دماغي لا أنا مش هسكت وهفضل أرن عليه عشان أقطع لحظتهم السعيدة ولغاية ما يرد الباشا.
فأعادت الاتصال فتغير وجه أحمد وهمس:
مجنونة أنا عارف، ومش هتسكت غير لما أرد عليها.
وكذلك أكلت الغيرة قلب أشجان هي الأخرى ولم تستطع الصمود أكثر من ذلك وقررت الهروب إلى غرفتها كي تتيح لعينيها أن تسكب الدموع الحزينة على حظها القليل في هذه الدنيا.
لذا قالت بنبرة حزينة واضحة على صوتها دون أن تنظر لأحمد:
طيب أنا بعد إذنكم هطلع أوضتي عشان أرتاح، وأنت يا أحمد خد راحتك ورد على الموبايل براحتك.
ثم أسرعت راكضة إلى غرفتها، ونظر أحمد في أثرها فاستغفر:
استغفر الله العظيم يارب، أنا مش عارف صراحة أعمل إيه معاها وبطلب من ربنا يسامحني لو قصرت في حقها غصبًا عني.
ليرن هاتف أحمد للمرة الثالثة وهنا استجاب على الفور ليقول بحدة:
وبعدين معاكِ يا دلال، أنا كنسلت عليكِ تفهمي إني مشغول ولما أفضى هتصل بيكِ.
مش ترني ورا بعض، وتوتري أعصابي.
صكت دلال على أسنانها بغيظ عندما شعرت بتوبيخه لتهاجمه بتهكم:
معلش يا مولانا أزعجت جنابك وعطلتك عن العروسة يا عريس، ويا ترى لما قطعت عليكم باتصالي كنت معاها في أي لحظة بالظبط ها؟
ليرتفع صوتها قليلًا وتابعت بقهر:
لمستها يا أحمد صح؟
عشان كده ما كنتش فاضي لي ولا بترد عليَّ.
ليه يا أحمد ليه تقهر قلبي وأنا اللي صدقتك.
ثم بدأت في نوبة بكاء.
فحوقل أحمد:
لا حول ولا قوة إلا بالله، اهدئي يا دلال بالله عليكِ، مش كده.
أنتِ بتتخيلي حاجة ما حصلتش ولا هتحصل لإني مش عشان وعدتك وبس عشان أنا كمان قلتلك إنها زي أختي مش أكتر من كده.
هدأت دلال من روعها قليلًا لتستحلفه:
طيب احلف يا مولانا.
أحمد بانفعال:
يعني بتكدبيني يا دلال وعايزاني أحلف، وده من أول يوم أمال بعد كده هتعملي إيه؟
دلال أرجوكِ، انسى الموضوع ده لأن لو فضلتي تنكدي عليَّ كل شوية كده هتخلي الحياة بينا لا تطاق.
دلال بصدمة:
يعني إيه يا أحمد هتطلقني عشان بحبك وبغير عليك.
رق أحمد لها قليلًا عندما أحس بنبرة صوتها الحزينة فقال نافيًا:
ده يستحيل يا قلب أحمد، أنتِ مراتي ليوم الدين.
وأنا كمان بحبك ويمكن أكتر يا حياتي وسنين عمري الجاية وفرحة قلبي.
بس عشان خاطري انسى موضوع أشجان ولا كأنه حصل لإنه فعلًا مجرد صورة مش أكتر.
رضخت دلال قليلًا حتى لا يتأزم الوضع بينهما وهما ما زالا في أول الطريق.
فقالت بعشق خدر حواسه:
طيب هتيجي بالليل يا أحمد صح، ومش هتحرمني منك، أنا ما بقتش أعرف أنام غير وأنا في حضنك.
تنهد أحمد باشتاق لتلك الفاتنة واستطرد:
ده أكيد يا دلال، وأنا فعلًا محتاج حضنك عشان أنسى فيه العالم كله ومش أفتكر غير دلال وبس.
دلال بتغنج:
حبيبي يا مولانا، هتوحشني وما تتأخرش عليَّ.
وأوعى تاكل بره أنا هعملك الأكلة اللي بتحبها وناكلها سوا.
أحمد بعشق:
عيوني وأحلى أكل من إيديكِ يا حبي.
ويلا سلام عشان أنا ورايا معاد مع شيكو نشوف أشغالنا.
دلال:
سلام يا عيوني أنت.
أغلق أحمد الخط ليتفاجأ بعمته عفاف تنظر لها نظرة عتاب واستطردت بسخط:
أحمد أنا ما أنكرش إني فرحتلك لما تميت جوازك من دلال والسعادة دخلت في قلبك أخيرًا يا ابني وشوفت الفرحة في عينيك لأول مرة.
لكن دلوقتِ الوضع اختلف وأنت رضيت لنفسك زوجة تانية وكمان بتحبك وليها عليك حقوق.
فإزاي اللي سمعته ده يا ابني إنك حلفت إنك ما تلمسهاش وإنها زي أختك.
طيب اتجوزتها ليه..!!
أنت كده هتظلمها وهي يا حبة عيني شبعت ظلم وافتكرت بجوازك منها هتشوف الهنا والسعادة اللي اتحرمت منها سنين طويلة مع شفيق.
تقوم أنت النهاردة تقول زي أختي، لا كان الأولى ما تكملش الجوازة دي وتسيبها لصاحب النصيب اللي يسعدها ويعوضها.
مش تركنها جنبك كده وكأنها مش مراتك وما لهاش حقوق عندك.
ليطأطئ أحمد رأسه بخزي قائلًا:
عمتي أرجوكِ، ما تزوديش النار اللي جوايا عشان عارف إنه حرام بس صدقيني مش قادر.
صعب عليَّ يكون بيني وبين أشجان حاجة لإني عمري ما بصتلها نظرة تانية غير أنها أختي وبس.
فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
فاحتدت عفاف بقولها:
طيب ما كنتش اتجوزتها يا ابني، ليه بس تعذب نفسك وتعذبها كده.
أحمد:
حضرتك عارفة إن جوازي منها كان بسبب الحرج اللي وقعت فيه من مرات عمي وعمي كمان اللي كانوا عايزين ده وأنا ما قدرتش أقول لأ.
عفاف:
وأشجان يا ابني اللي زي ما يكون قلبها حاسس وشوفتها كده النهاردة متغيرة وساكتة واللهفة اللي في عينيها ليك راحت.
أحمد:
أنا فعلًا كنت مستغرب من أسلوبها أوي بس حمدت ربنا إنها متفاهمة وسكتت، وهي أكيد مع الوقت هتفهم وساعتها لو طلبت مني الطلاق عشان كده هطلقها عشان ما أظلمهاش أكتر من كده.
عفاف:
لا حول ولا قوة إلا بالله، يا عيني عليكِ يا أشجان.
ماشي يا ابني ربنا يدبرها بمعرفته.
وروح شوف شغلك وابقى سلملي على دلال.
ابتسم أحمد لذكر اسمها وكأنها هي وحدها سر سعادته.
ثم غادر لمباشرة أعماله..
ليتوجه إليها في المساء، فاستقبلته بأبهى صورة وهمست وهو يضمها لصدره بقوة وكأنه يريد أن يخفيها بداخله كي لا تبتعد عنه.
_ وحشتني يا مولانا، أنا كنت بتعذب في كل دقيقة مرت عليَّ وأنت بعيد عني.
أحمد:
أنتِ وحشتيني أكتر يا قلب أحمد، ومن جهة العذاب عن كل دقيقة كنت بعيد عنك فيها أنا هعوضك.
ففتحت أبواب الجنة على مصراعيها أمام الذي كان نائمًا زاهدًا في هذه الحياة والآن حان وقت.
مكافأته التي لم يكن يتخيل وجودها. فتلاقت الأرواح وتعانقت القلوب وتعاظم الشعور حتى ترك بصماته على كل شيء حولهم، وكلما خارت قواهم جددتها أشواقهم من جديد، إلى أن شعر بها تستند على كتفه بأكتاف متعبة وجسد منهك. فقام بضمها واضعًا قبلة حانية فوق جبينها تعبيرًا عما يجيش في صدره من امتنان لتلك التي جعلته يذوق الجنة بين أحضان عشقها. وقد كان هذا أروع عناق تلقته بحياتها للحد الذي جعل العبرات تنبثق من عينيها تأثرًا برجل الحب والجليد الذي انصهر لأجلها وصارت نيرانًا لم تذق أشهى منها في حياتها.
وبينما هما في جنة العشق، كانت أشجان تعاني في فراشها نار الحرمان، فأخذت تتحسس بيدها الفراش وكأنها تتخيل وجوده وتسكب من عينيها العبرات وهمست بألم:
"اللي كنت خايفة منه حصل يا أحمد. كان قلبي حاسس إني مش هقدر ألمسك ولا تاخدني في حضني زي ما كنت بحلم أول ما أكون حلالك. ربنا يعلم إني مسكت نفسي عن الحرام وأنبت نفسي كتير عن مجرد التفكير فيك، ولما أطلقت دعيت ربنا يكرمني بيك بالحلال، وفعلاً بقيت حلالي، لكن مش قادرة ألمسك ولا أقولك اللي في قلبي. وده يمكن عقاب من ربنا ليّ عشان فكرت فيك وأنا كنت على ذمة راجل تاني، بس كان غصب عني صدقني، محدش يقدر يتحكم في قلبه."
فانهارت أشجان من البكاء وشعرت بنار تأكل جسدها، فقررت أن تقوم لتتوضأ وتصلي بين يدي الله وتدعوه أن يغفر لها ذلاتها ويربط على قلبها.
.......
في أحد مرات المتابعة عند دكتور تقى، رأت على وجهه الاندهاش فسألته:
"خير يا دكتور؟ التحاليل بتقول إيه؟ طمني."
ثم نظرت إلى تميم الذي أعاد سؤاله مكملًا:
"قول يا دكتور الحقيقة، ما تقلقش، تقى إنسانة مؤمنة وعارفة إن قدر الله كله خير."
الطبيب:
"هو بالنسبة للخير فهو فعلًا خير يا مدام تقى، وأنا فعلًا مش مصدق إن تحاليلك سليمة والمرض ما عادش له وجود، سبحان الملك مع إن المرض ده مالوش أي علاج."
فهلل تميم من الفرحة وقام يعانق تقى التي سكبت دموع الفرحة وقالت:
"أنا مش مصدقة، ألف حمد وشكر ليك يارب."
وعندما ابتعدت عن تميم سألت الطبيب:
"يعني كده ممكن أخلف عادي يا دكتور؟"
الطبيب:
"طبعًا مبقاش فيه حاجة تمنعك من كده، ربنا يرزقكم الذرية الصالحة."
فأحكم تميم يده على يدها وهمس بجانب أذنها:
"طيب يلا بينا يا حبيبتي عشان نجيب ولي العهد."
فتوردت وجنتا تقى خجلًا وسارت معه والفرحة تملأ قلبها ولم تفتر عن حمد الله عز وجل.
......
أما عند شيكو فغلبته الغيرة من شدة حبه لياسمين فأمرها بقوله:
"بقولك إيه يا ياسمين، أنت مش هتنزل الشغل تاني خلاص، وخلي واحدة من البنات تمسك بدالك الإدارة تكوني بتثقي فيها. أنا مش عايز كل يوم والتاني أدب عركة مع حد بيبصلك ولو نظرة مش ولابد يا ياسمين."
فضمت ياسمين شفتيها بغيظ وقالت بصياح:
"أنت بتقول إيه يا جدع؟! عايزني أقعد في البيت بعد شقى السنين دي كلها لغاية ما كبرت المكان وبقى له اسمه في السوق والعملاء بيطلبوني بالاسم."
تلون وجه شيكو من الغضب عند ذكر كلمة العملاء واتصال الراغبين بالشراء منها بين الحين والآخر. فصاح بغضب:
"مهو مش كل شوية ألاقي فلان وعلان يتصل بيك يا ياسمين. لا أنا دمي حامي وما أقبلش مراتي تتعامل مع رجالة."
وعندما رأت ياسمين صدق الغيرة في عينيه وشعرت بشدة غضبه، فحاولت اللين معه واستخدام ذكائها، فاقتربت منها بهدوء وطبعت قبلة على إحدى وجنتيه وقالت بدلال:
"أنت بتغير يا بيضة."
فتحول الغضب إلى ابتسامة جميلة من شيكو فردد بعشق:
"ومين يكون مجوز القمر ده وما يغرش عليها؟"
ياسمين:
"حبيب قلبي أنت. بس يا روحي أنا ما أعرفش أقعد في البيت. ده أنا من وأنا لسه عيلة بشتغل، وأتخنق لو قعدت يوم في البيت."
شيكو:
"مش متحمل بجد يا ياسمين ومفروض تراعي شعوري."
ياسمين:
"مراعية أهو، وادي بوسة على خدك التاني عشان ما يزعلش. وأقولك عشان نراضى بعضينا، أنا هتابع الشغل مع البنات لكن الكلام مع العملاء والاتفاقات ولذي منه هجيب سكرتيرة. ها إيه رأيك؟"
فابتسم شيكو عندما استحسن تلك الفكرة وقال:
"لا أنت كده اللي عايزة بوسة."
....
ليمر شهرين عاش بهما أبطالنا على خير حال حتى نبتت في رحم ياسمين نبتة صغيرة وعندما علم شيكو سجد لله وحمده على نعمته. أما تقى عندما علمت بحمل ياسمين فرحت وتمنت أن يكرمها الله هي أيضًا وانتظرت الحمل ولكنه لم يحدث، فعرضت على تميم أن يذهبوا للطبيب للاطمئنان. وبالفعل ذهبوا ليطلب منهم عمل بعض التحاليل من أجل الاطمئنان على قدرتهم على الحمل. ليتفاجأ تميم بالنتيجة أنه لا ينجب، فكانت صدمة كبيرة له وشرخ في رجولته. وعندما عاد إلى المنزل وقف أمام تقى وقال بعين تلمع من الدموع ولكن تأبى رجولته أن تنسكب:
"بصي يا بنت الناس، أنا دلوقتي مليش في الخلفة ومش عايز أظلمك معايا. وعشان كده احنا لازم نطلـ...ق."
ولم يتم تميم كلمته حتى وضعت تقى يدها على فمه وبكت ثم عانقته بحب وهمست:
"أوعى تقولها يا تميم أرجوك. إزاي جالك قلب تقول كده وأنت عارف إني روحي فيك. ومن غيرك أموت، ده أنا ربنا شفاني من فرحتي بوجودك جنبي. فتيجي دلوقتي تقول كده. أنا مش عايزة أطفال، أنت عندي بالدنيا يا حبيبي وأنت ابني البكري. فأرجوك تنسى الموضوع ده ومتفكرش غير في أنا وأنت وبس. وسيبك من كلام الدكاترة والتحاليل، ده رزق لما ربنا بيقدره يقول كن فيكون."
فردد تميم بحزن:
"ونعم بالله."
ثم همس:
"وأنا أمي كانت عايزة أسيبك وأنت مريضة عشان الخلفة أتاريني أنا اللي ما بخلفش. سبحانك ربي ولك في خلقك شؤون."
...........
في مكالمة حدثت بين اثنين أحدهما شفيق والثاني مجهول.
مجهول:
"معقول لسه ما لقتهاش يا شفيق كل الوقت ده؟"
شفيق:
"لسه والله يا باشا. زي ما تكون فص ملح وداب."
مجهول:
"أنا مش هرتاح أبدًا غير لما تلاقيها يا شفيق. يا ريت تشد حيلك شوية والمكافأة هتزيد لو لقتها في أقرب وقت."
شفيق:
"إن شاء الله يا باشا هلاقيها وهتوصى بيها كمان وهبعتهالك متغلفة في سلوفان كمان."
مجهول:
"ماشي لما نشوف آخرتها."
.....
ذاق شفيق عسل أسماء وظن أن أبواب الجنة قد فتحت له أخيرًا وسيعيش في هذا النعيم الأبدي. ولكنه تفاجأ بها ترفضه وتبعده عنها كلما حاول الاقتراب منها مرة أخرى. فتملك منه الغضب وصاح:
"هو فيه إيه يا أسماء؟! ليه بتبعدي عني يا بنت الناس وأنت عارفة إني بحبك. ده كده حتى ربنا يغضب عليه لما ترفضيني. وتلعنك الملائكة."
فضحكت أسماء وقالت:
"هو ده اللي تعرفه في الدين يا شفيق عشان على مزاجك. اخفي يا راجل من قدامي عشان أنت ملعون كلك على بعضك وأنا قرفانة منك ومش قادرة حتى أبص في خلقتك."
احتقن وجه شفيق من الغضب وصاح بانفعال:
"كده يا أسماء! طيب ما كانش برضاك، هيبقى غصب عنك."
ليحاول أن يعتدي عليها دون إرادتها وعندما قبلها عنوة لم تتحمل وتقيأت فابتعد عنها وقال بنفور:
"إيه القرف ده! لدرجاتي بتكرهي قربي منك يا أسماء؟"
لتخرج جمرات من النار من عينيها وكادت أن تحرقه بها وقالت بغصة مريرة:
"أنا بكرهك يا شفيق، بكرهك. ضيعت حياتي في لحظة وضيعت مستقبلي، وضيعت كل حاجة حلوة في حياتي."
لتلمع عيناها بالدموع وهي تشير إلى بطنها مستطردة بحزن يأكل جوارحها ويشق قلبها:
"ولولا اللي..."
رواية دلال و الشيخ الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء سعيد
الحزن الصامت ينهش في القلب حتى يقضي عليه. من الممكن أن يبكي كل شيء فيك إلا عينيك ترفض البكاء. من لا يشعر بك وأنت صامت، لا يقدر أن يفهم حديثك. إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من أن تحلق فوق رأسك ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك.
رفضت أسماء محاولات تقرُّب شفيق إليها وصراحته بكل جرأة إنها تكرهه. ولمعت عينيها بالدموع وهي تحدثه وتوبخه، ثم أشارت إلى بطنها واستطردت بحزن يأكل جوارحها ويشق قلبها:
_ ولولا اللي في بطني كنت خلعتك يا شفيق لإني فعلاً مش طايقة أشوفك وبقرف منك.
طالعها شفيق باندهاش مصدوماً: أنتِ حامل يا أسماء؟
أسماء بغصة مريرة: آه تصور! مكنتش أتخيل إني أخلف منك يا عرة الرجالة، وابني حد يتريق عليه في يوم من الأيام ويقوله يا ابن شفيق.
فنظر لها شفيق بإنكسار وقال بمرارة: ياه مكنتش أعرف إن قلبك قاسي كده يا أسماء وإنك بتكرهيني للدرجة دي مع إني عمري ما حبيت حد قدك ولا ضعفت قدام حد زيك. وطول عمري راجل بين الناس وكلمتي بتمشي على الكل من كبير لصغير. حتى لما أمي اتشلت بسببك مكلمتش ولا عاتبتك عشان متزعليش، تقومِ في الآخر تعملي كده وخايفة على ابني منك كمان يتعاير ليه؟ أنا عملت إيه لده كله؟ أنا مش وحش للدرجة دي يا أسماء، ولو كنت وحش كنتِ شوفتي مني وش تاني. بس أنا هديكي فرصة يا أسماء تراجعي نفسك وتراضيني، إلا وكتاب الله لو ما تعدلتيش لأجيب لك ضرة أقعدها معاكي هنا.
فضحكت أسماء وضيقت عينيها بمكر وقالت بتهكم:
تجوز عليَّ منين يا خفيف؟ أنتَ ناسي أن كل حاجة باسمي دلوقتي.
شفيق: بس أنا معايا توكيل وهرجع كل حاجة ليَّ من تاني يا أسماء.
فضحكت أسماء ضحكة رنانة وتابعت: بلَّه واشرب ميته عشان أنا لغيته تاني يوم.
فتملك الغضب من شفيق واندفع إليها يريد الفتك بها صارخاً: تصوري أنتِ طلعتي فاجرة زي ما أمي كانت بتقول عليكي وضحكتي عليَّ وخدتي شقى عمري. والله أعلم كمان اللي في بطنك ده ابن مين؟ ما هو يمكن يكون ابن أحمد اللي خدعتيني وعطيتيه قال إيه ورثه وهو ولا أخويا ولا أعرفه.
لتخرج حمم بركانية من عيني أسماء ولا تعرف كيف جاءتها تلك القوة فدفعت يده عنه وضربته في صدره بقوة فأجبرته عن الابتعاد عنها، بل وأيضًا التقطت سكّينًا كان بطبق الفاكهة لتهدده به صارخة: اخرس يا كلب وأنتَ فكرني نجسة زيك. ده ابنك يا حقير وأقولك حاجة عشان ترتاح وتشيل دماغك مني خالص، أنا ما عنديش مانع تجوز عشان تتحمل قرفك هي وبالمرة ألاقي حد يخدمني عشان تعبانة من الحمل. وما تقلقش هديك مصروف جيبك كل يوم عشان تعرف بس إني ست أصيلة. ولو فكرت تهوب ناحيتي تاني يا شفيق وديني لأخلص عليك ومش هاخد فيك يوم حتى عشان هيكون دفاع عن.
النفس.
أنت فاهم؟!
ثم ذهبت وفتحت الدرج وأخرجت منه بعضًا من المال لتلقيه في وجهه قائلة:
خد شبرق نفسك. مع إنه خسارة فيك بس عشان ابني لما يجي ما يلقيش ابنه شحات وجعان، الوجهة حلوة برده.
شعر شفيق بالخزي والانكسار أمامها، ولكنه لم يستطع فعل أي شيء بعد تهديدها الصريح له، لذا انحنى وأخذ المال وخرج من شقته ليتوجه إلى شقة والدته.
التي لمعت عينيها لرؤيته، ولكنها لا تتكلم بل أشارت بيديها له ليسرع إليها، فاحتضنته ليبكي كالطفل على صدرها.
قائلًا: كان عندك حق يا ماما، يا ريتني ما حبتها ولا اتجوزتها. أنا بقيت ضايع يا ماما ومحلتش حاجة خالص وبقيت زي العيل الصغير باخد منها مصروف.
فحركت والدته رأسها بغضب ثم أشارت إلى رقبتها بحركة معناها أن يذبحها.
فانتفض شفيق وقام قائلًا بذعر: أدبح مين يا ماما أنت فكراها أشجان؟ ده ولية مفترية تدبحني أنا وعشرة زيي. أنا مخنوق أوي يا ماما، ومعلش هسيبك دلوقتي وأطلع أسهر بره.
ليعود شفيق لما كان عليه من السهر في النوادي الليلية مجددًا وفعل المحرمات مع فتيات الليل.
لتأخذه إحداهن إلى شقتها "سارة" ليقضي معها ليلة كاملة مقابل مبلغ من المال التي كانت تعطيه له أسماء.
وعندما انقضت الليلة وأراد المغادرة فودعته سارة بقبلة على الباب قبل أن يفتحه.
ليستمع شفيق لصوت خارج الباب يعلمه جيدًا فنظر سريعًا من العين السحرية ليجده نعم هو.
أحمد أخوه هو بعينه والصدمة الكبرى التي جعلت مقلتي شفيق تكاد تخرج من عينيه هو رؤية من تودعه على باب الشقة.
أيعقل هذا الفتاة التي يبحث عنها ذلك المجهول أمامه ومع من أخيه؟!
فأخذ شفيق يفرك في عينيه ويرمش بأهدابه عدة مرات ليتأكد أنه ليس في حلم بل واقع.
ثم تساءل بدهشة ما هو الذي جمع الشيخ بالراقصة؟!
كيف ده إيه اللي جمع الشامي على المغربي. وعامل نفسه شيخ وبتاع ربنا وهو مقضيها مع راقصة. بقى كده يا شيخ أحمد ماشي والله لأخلي فضيحتك بجلاجل قدام الناس عشان يعرفوك على حقيقتك. والله جاتلك الفرصة يا شفيق عشان تشمت فيه بجد وتصغره قدام الناس وتحرق قلب ست أشجان. مش كانت متضايقة مني زمان عشان بعرف ستات، أهو حتى الشيخ عملها، يعني مفيش أحسن من حد.
ليقطع شروده صوت "سارة": مالك يا شفيق واقف مسهم كده ليه وبتبص على إيه يا راجل. أوعى كده وريني.
ليتنحى شفيق لترى سارة الشيخ أحمد يودع دلال قائلًا:
دلال مش كده ادخلي واقفلي وما تقفيش كده على الباب حد يشوفك يا حبيبي.
دلال: مين بس هيشوفني يا حبيبي، مفيش حد قصادنا غير الست سارة ودي ست وحدانية عايشة لوحدها ومفيش غيرها في الدور.
أحمد: برده ما تقفيش تاني على الباب غير بحجابك، افرضي حد طلع على السلم فجأة برده. ادخلي يلا واقفلي سلام.
دلال: حبيبي يا مولانا، أموت أنا في الغيور حبيب القلب والروح. سلام يا روحي.
ليغادر أحمد وأغلقت دلال الباب.
لتشير سارة إلى شفيق بقولها: إيه يا راجل يا دوم بتبصبص للست اللي قدمنا وأنا واقفة كده معاك.
انفعل شفيق: فيه إيه يا سارة؟! هو أنت مراتي ولا حاجة لا مؤاخذة ما أنت مقضياها كل يوم مع واحد. وصراحة كده جارتك دي داخلة دماغي أوي، وعايزها متبعتلها وليكي الحلاوة ولا أروحلها أنا بعد الزبون اللي كان معاها مشي.
فضحكت سارة وقالت بتهكم: تروحلها وزبون. إيه الكلام اللي بتقوله ده! هو أنت فاكر كل الناس زيي وزيك، لا يا شفيق. دول ناس محترمين وهو مش زبون ولا حاجة، ده جوزها. يعني انساها يا حبيبي وما تفكرش غير في سارة وبس.
ظهرت الصدمة على ملامح شفيق للمرة الثانية بل كانت أشد وطأة عليه تلك المرة من المرة الأولى.
فأخذ يردد بعدم تصديق: جوزها إزاي، معقول ده؟ لا مش ممكن دي كانت وهو يعني. لا إزاي ما ينفعش.
ثم أخذ يضحك وقال شامتا: نفسي أشوف وشك يا أشجان لما تعرفي إن جوزك الشيخ يا بنت الحسب والنسب متجوز عليك رقاصة. دي هتبقى قنبلة الموسم ولما أشوف وش عمي كمان اللي كل لما يشوف خلقتي يكشر وعنده أحمد هو بس البريمو.
ولا كمان سفيان اللي عامل نفسه هو كبير العيلة وهو حتة عيل مفعوص. ياه أخيرًا هفرح فيهم العيلة الواطية دي ولا أمي هتفرح أوي، دي يمكن من فرحتها تقوم تمشي على رجليها. بس ماشي يا أحمد ولا وقعت وأنت واقف وأخذت بنت ما لهاش حل صاروخ صاروخ يعني. وعشان أنا أخوك لازم ناكل مع بعض يا حبيبي، ما هو اللي ياكل لوحده يزور. وهي داخلة دماغي من زمان ولازم أوصلها، قبل ما عمنا يوصلها هو كمان وتطير من إيد أحمد خالص يا عين أمك يا أخويا.
نهرته سارة بغضب: أنت بترطم بتقول إيه يا شفيق؟
شفيق: ما بأقولش حاجة يا أختي، أنا ماشي عشان ترتاحي وأنا أرتاح كمان من زنك. سلام يا سرسورة.
فأغلقت سارة من ورائه الباب وهي تلعنه: يخربيتك راجل مقرف، ربنا يتوب علينا من الشغلانة السودة دي. ألاقي راجل محترم زي الشيخ أحمد كده اللي هو شنا يعاملني كأميرة ويحبني زي ما بيعامل مراته. يا بختك يا بنت يا دلال.
...
غادر شفيق يفكر فيما يفعله، هل يخبر الرجل أنه رآها بالفعل ويدلي بعنوانها ليصل أتباعه إليها ويرسلوها له يفعل بها كيف يشاء. أم يصبر قليلًا ليستمتع بها هو في بادئ الأمر.
ليقرر أن يفعل الاثنين مع بعض المكر مع الأول ليعطيه مكافأته التي وعده بها إن عثر عليها.
فاتصل به قائلًا: لقيتها يا متولي، لقيتها.
برقت عيني متولي بفرحة وقال: بجد! وفين وامتى؟ أوصف لي مكانها بالظبط وكانت فين كل المدة اللي فاتت دي كلها وبتعمل إيه وعايشة إزاي؟
شفيق: إيه براحة كل ده! أنا لسه ما أعرفش حاجة، أنا يدوبك لمحتها بالعربية كده داخل شارع المعز. وعقبال ما نزلت من العربية كانت اختفت ما عرفتش أنهي عمارة بالظبط. بس ما تقلقش أنا هربط في الشارع لغاية ما أشوفها مرة تانية وأطقص وأعرف كل التفاصيل وأقولك. أنا كنت بأبشرك بس.
ضيق متولي عينيه بمكر وقال: ماشي يا شفيق على العموم عشان البشرة الحلوة دي هديك نص المكافأة اللي وعدتك بيها زي ما اتفقنا. والنص التاني لما تعرف التفاصيل كلها وأتلم عليها، دي بنت الغالية مراتي ربنا يرحمها.
فضحك شفيق: أنت هتقولي هي من جهة غالية فهي غالية عندنا كلنا يا متولي. ويا بختك لما توصلك عشان صراحة احلوت وأدورت أوي كمان عن الأول وممكن تتفتحلك طاقة القدر عندك لأنهم بيحبوا أوي الجمال المصري والرقص الشرقي كمان.
أثارت كلمات شفيق الرغبة عند متولي وهمس: امتى أتلايم عليك يا دلال وساعتها مش هرحمك. وأطلع عليك القديم والجديد وآخد بتاري منك، مش كنت عايزة تقتليني. أنا بقى هخليك تتمني الموت هنا على إيدي ومش هتطوليه. عشان مش متولي اللي يسيب تاره أبدًا.
....
نعود للماضي عشان نعرف إزاي متولي طلع عايش والمفروض أنه اتقتل على إيد أم دلال واتسجنت وماتت في السجن.
لما جاءت الإسعاف عشان تشيل متولي كان نبضه ضعيف جدًا بسبب النزيف وافتكر المسعف إنه مات لكن لما اتعرض على دكتور الطب الشرعي في المشرحة عرف إنه لسه عايش فدخله عمليات بسرعة عشان يسيطر على النزيف ونقل ليه دم ولما فاق متولي الدكتور دخل عليه وقال:
حمد لله على السلامة أنت نجيت من الموت بأعجوبة واتكتب لك عمر جديد يا متولي.
متولي بضعف: الحمد لله، ومنها لله اللي كانت السبب.
الدكتور: هي في السجن حاليًا.
همس متولي: زمانك فرحانة دلوقتي يا دلال إني اتكلت على الله وارتاحتي مني، بس أنا لسه عايش على وش الدنيا وهقفلك زي اللقمة في الزور. وهسيبك بس تشمي نفسك شوية وأسافر أنا أشوف حالي عشان زهقت من أم البلد دي وأول ما أستقر وأترستق كده هجيبك ولو من تحت الأرض واللي ما قدرتش أعمله هنا هأعمله هناك على كيفي.
لذا أخفض صوته قليلًا محدثًا الطبيب: يا ريت خدمة يا دكتور، أنا عايزك ما تقولش لحد إني لسه عايش وتأكد إني اتكلت على الله وليك عندي مية ألف جنيه وفوقيهم بوسة. غير إنك هتكسب ثواب عشان هتحميني من بنتها لو عرفت إني لسه عايش ممكن تفكر تقتلني هي كمان.
فلمعت عين الطبيب بلذة الطمع فاستطرد: اعتبر شهادة وفاتك طلعت من دلوقتي.
فضحك متولي ضحكته الشيطانية ثم طلب تليفون ليحدث أحد أتباعه لييسر سفره إلى أحد البلاد الأوروبية.
أما شفيق فلم تبرح عن مخيلته صورة دلال فقد فتنته بجمالها من زمن والآن تجدد شغفه حبها وأقسم أن ينالها قبل متولي.
فعاد بأدراجه سريعًا إليها وطرق الباب، فظنت دلال أن أحمد قد نسي شيئًا فعاد إليها مجددًا فابتسمت وذهبت مسرعة لفتح الباب ولكنها تفاجئت بشخص ليس وجهه بالغريب وشعرت إنها قد رأته قبل ذلك.
فطالعته لدقائق باندهاش ولاحظ شفيق نظراتها فابتسم قائلًا بمكر: افتكرتيني ولا لسه يا دولي؟
فارتبكت دلال وقالت بجمود: حضرتك مين وعايز إيه؟
طالعها شفيق برغبة وهو يناظرها من مخمص قدميها إلى رأسها ثم قال: عايزك يا دولي. أنا من أول يوم شوفتك فيه في الكباريه وأنت بترقصي وبتتحركي زي الفراشة كده وأنا هموت عليك.
شعرت دلال بدوار مفاجئ من الصدمة، فلم تكن تتوقع أن تقابل أحدًا ممن يذكرها بماضيها التي تود أن تفقد الذاكرة بسببه.
تحاملت دلال على نفسها لتثبت أمامه قليلًا ونهرته بقولها: أنت شخص قليل الأدب وشكلك كده مجنون ولو ما مشيتش من قدامي دلوقتي هبلغ عنك وأقول جاي يتعدى عليه.
ثم همت بإغلاق الباب في وجهه ولكنه حال بيده بينه وبين الباب وقال بتهديد: حيلك حيلك يا قطة ما كنتش أعرف إنك بتخربشي كده.
بس يكون في علمك أنا عارف عنك كل حاجة وعارف أنت متجوزة مين وبإشارة مني لأي كلب من أتباعي يخلص عليه. ده غير الفضيحة اللي هأعملها لما روحه تطلع وأعرف كل الناس إن الإنسان اللي عامل نفسه شيخ ومحترم كان متجوز رقاصة وكنت مقضياها مع نص رجالة مصر.
فارت الدماء في أوردتها فرفعت يدها وهوت به على وجهه وصرخت: أخرس يا جبان أنا أشرف منك يا كلب. ولو فكرت تمس شعرة من أحمد هيكون آخر يوم في عمرك.
وضع شفيق يده موضع صفعتها وأخرجت عينيه براكين الغضب وصاح: هدفعك تمن القلم ده غالي يا دلال. وهتشوفي مني الويل أنت ومولانا اللي مش هأخليه يمشي رافع رأسه تاني أبدًا. عشان يفضل طول عمره ندمان أنه اتجوز وحدة زيك. وبأقولهالك تاني يا دلال: هستناك زي دلوقتي بكرة في فندق السعادة اللي في مدينة نصر. ولو اتأخرتي عليه عشان أنا ما ليش خلق أنتظر ما تندميش على اللي أعمله، ويلا سلام يا حلوة.
ثم غادر شفيق تحت أنظار دلال الساخطة التي أغلقت الباب من ورائه بقوة تدل على مدى انفعالها وعصبيتها التي لم تشهدها من قبل، ثم أطلقت لعينيها العبرات التي هبطت على وجنتيها كبركان من نار يحرقها.
وأخذت تهمس بغصة مريرة: يا ويلك يا دلال. هتعملي إيه دلوقتي في المصيبة دي، وهترضى إن أحمد اللي قدم لك قلبه وعطاك اسمه يتفضح بسببك. يا ريتني ما كنت عرفتك يا أحمد عشان ولا كنت أتأذى بحبك ولا تتأذى بسببي. وصح دلوقتي آمنت إن ما ينفعش شيخ يتجوز راقصة لأن لو هو رضي وهي تابت الناس مش هتسيبهم في حالها. استغفر الله العظيم يا رب، أعمل إيه. ده أنا كنت خلاص قربت أنسى اللي حصل في حياتي وما أفتكرش غير أحمد وحياتي معاه بس يقوم في لحظة يطلع لي العفريت ده ويهد كل اللي بنيته وكمان عايزني أبيع نفسي. ده أنا ما عملتهاش وأنا راقصة هأعملها دلوقتي وأنا مرات الشيخ، لا وألف لا.
ثم لمعت عينيها بالشر وقالت بصوت يشبه هسيس الأفعى: مش هأخليك تلمس شعرة وحدة مني يا كلب يا شفيق ومش هأخليك برده تمس سمعة أحمد ولا تلمس شعرة منه. أحمد هيفضل نظيف طول عمره وأنا هأفديه بنفسي.
........
عاد شفيق إلى منزلهم وعندما صعد السلم متوجهًا إلى طابقه سمع صوت أنثوي جميل تخلل إلى أذنيه يتسلل من شقة والدته.
فهمس بإعجاب: إيه الصوت الجميل والرقيق ده؟ ما سمعتهوش قبل كده ولا من أشجان النكدية ولا حتى من أسماء المفترية لما أعدي على أمي وأشوف المهلبية دي.
فأخرج مفتاح شقة والدته وتسلل للداخل، ليجد فتاة جميلة بالقرب من والدته تعطيها دواءها.
أعجب شفيق بها على الفور فتقدم قائلًا: دستور.
فأحكمت الفتاة حجابها وقالت بحرج: اتفضل.
فولج شفيق للداخل ففرحت زينب برؤيته وأصدرت همهمات صوت، فحدث شفيق نفسه: اكتمي يا ماما دلوقتي خليني أسمع صوت المهلبية دي.
فقال بإعجاب: أنت مين يا قمر؟
جنا بحرج: أنا الممرضة اللي بتابع الحجة من طرف الأستاذ شاهين.
فهمس شفيق: أول مرة يستضيف شاهين يعني، بس خير ما عمل.
شفيق: أهلًا بك يا جنا، أنت نورتينا وخلي بالك من الحجة، دي أمي الغالية.
جنا: ما تقلقش يا بيه دي في عيني الاثنين.
فهمس شفيق: ده أنت يا قمر اللي عايزة تتشالي في العين والنني يا قمر.
فغضبت جنا من جرأته الزائدة وقالت: إيه الكلام ده يا بيه، ما يصحش كده.
شفيق: أنت زعلتي ولا إيه يا جنا، أنا ما أقصدش حاجة وعلى العموم هأسيبك تشوفي شغلك.
ليغادر شفيق وحدث نفسه: أموت أنا في القطط اللي بتخربش دي.
فحدثت نفسها جنا: راجل سمج وعينيه زايغة وقال إيه أمه الغالية وهو ما بص لهاش أصلًا ولا سلم عليها.
..........
كعادة أحمد يوميًا أن يذهب إلى الفيلا ليطمئن على والدته التي تحسنت كثيرًا في الآونة الأخيرة بفضل الله ثم طبيب يتابع حالتها وبدأت تنطق كلمات أخرى غير اسم أحمد وتشير إلى الشيء الذي تحتاجه وتحاول نطقه بتلعثم.
فرح أحمد كثيرًا بهذا التقدم في حالتها وحمد الله كثيرًا ثم تابع بشغف أولاد أشجان وتقرب منهم وأحضر لهم كل احتياجاتهم فتعلقوا به كثيرًا وأحبوه أكثر من والدهم الذي لا يكلف نفسه بالسؤال عنهم ولو بالهاتف.
عمته بامتنان: ربنا يكرمك يا أحمد يا ابني بحق الأيام المفترجة عشان حنيتك على العيال دي.
أحمد: كله بفضل الله يا عمتو. أمال فين أشجان مش قاعدة معاكم يعني؟
عفاف: مش عارفة يا ابني نايمة ولا إيه؟ بس غريبة يعني مش متعودة تتأخر في النوم كده. اطلع يا ابني اطمن عليها وطمني.
أحمد بحرج: بس يعني.
عفاف بجدية: يعني إيه بس يا أحمد، دي مراتك يا ابني. وهي يا حبة عيني زي ما تكون حاسة إن في حياتك حد وعمالة تدبل وتخس وعلى طول سرحانة ولو حد جاب سيرتك عينيها تدمع. فاتقي الله يا ابني واطلع على الأقل اطمن عليها عشان تحس ولو لحظة إنك مهتم بيها.
تنهد أحمد بغصة مريرة واستغفر الله: استغفر الله العظيم، أعمل إيه في ذنبك يا أشجان. أنا فعلًا اللي غلطان أن رضيت أتجوزك من الأول وأنا عارف نفسي مش هأقدر أعتبرك زوجة بجد. بس على رأي عمتو لازم حتى أسأل، فهطلع وأمري لله.
فصعد أحمد السلم ومع كل درجة شعر أن أنفاسه تنسحب منه وكأنه على وشك الاختناق. حتى وصل عند غرفتها وطرق الباب ولكنه لم يأته منها رد، فشعر بالقلق عليها ففتح الباب ودعى الله أن تكون مستورة حتى لا يشعر بالحرج منها.
فولج للداخل ووجدها على فراشها ترتجف ووجهها قد تحول للون الأحمر بسبب سخونة اجتاحت جسدها وأخذت تهمس دون وعي باسمه: أحمد ليه عملت كده وأنا بحبك. ليه تبعد عني وأنا كنت بدعي ربنا تكون لي في كل لحظة. أحمد أحمد.
فتأثر أحمد بكلماتها التي مزقت قلبه وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. زدتي تعبي يا بنت الناس وسامحيني صدقيني مش قادر.
ثم تحسس جبينها فوجد ملمسها ساخن.
دي سخنة أوي ومش في وعيها، أنا لازم أجيب لها دكتور حالًا.
فأخرج هاتفه واتصل بالطبيب الذي أخبره أنه سيأتي في أقرب وقت.
فنزل أحمد لعمته ليخبرها بالأمر لتكون معها عندما يأتي الطبيب.
عفاف: لا حول ولا قوة إلا بالله، ألف سلامة عليها. هأطلع لها حالًا وربنا يطمنا عليها.
ليأتي الطبيب وبالكشف تبين أنها محمومة وكتب لها علاج ومحاليل لضعفها الظاهر عليها.
.....
في مكان آخر عند والدة آدم حين ولج إليها بعد عمله، فسمع أنينها وشم رائحة كريهة.
فأسرع إليها بذعر قائلًا: مالك يا حبيبتي؟
بكت والدته وقالت: أنا باتمنى أموت يا ابني عشان تعبت من احتياجي للناس والبنت اللي جبتها بتفضل بالساعة والساعتين تتكلم في التليفون وتسيبني محتاجة أغير ومش عارفة أصلي بسبب ريحتي. يا رب رحمتك.
فغضب آدم وقال بانفعال: آه يا بنت ** والله لأبهدلها ومش هأخلي حد يتعامل معاها تاني ومش هأديها باقي حسابها القذرة دي وما تبكيش تاني يا أمي ولا تقولي كده. صدقيني أنا محتاجك أكثر ما أنت محتاجاني.
والدة آدم: ربنا يحفظك يا ضنايا، وعايزة أقول لك حاجة. ما تشوف دلال يا ابني دي كانت أحن وحدة علي وقلبي حاسس إنها مظلومة لأن ما فيش وحدة بالحنية والأخلاق دي تعمل كده.
تبدلت تعابير آدم للغضب وصاح بقوله: أرجوك يا أمي ما تجيبيش سيرتها تاني ويعني اللي خلق دلال ما خلقش غيرها. إن شاء الله هأشوف لك بنت تاني كويسة.
لتأتيه رسالة على هاتفه لم يكن يتوقعها ....
اللهم أنت ربي، لا يخفى عليك ما في قلبي، فاللهم طمأنينة منك. يا رب، أعوذ بك من ضيقة القلب، وشعور لا يُشكى ولا يُفهم.
شيماء سعيد
أم فاطمة
رواية دلال و الشيخ الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الثلاثون
.......
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
أطهر أنواع الحب أن تحب شخصًا وأنت تعلم أنه لن يكون ملكك ولا من نصيبك، ولكن تبقى تحبه وتحب أن تراه سعيدًا فقط لأنك أحببته.
........
وصلت رسالة إلى آدم جعلته ينتفض من مكانه وكانت مفادها:
أنا صديق إبراهيم يا أستاذ آدم، وكنت معاه في الليلة المشؤومة يوم القبض علينا.
وأنا من ساعتها في كرب لأن إبراهيم حكى لي على البنت اللي اسمها دلال اللي كانت خطيبتك وحضرتك سبتها بسبب اللي حصل.
فأنا عايز أقول لك أن البنت دي مظلومة بجد ومكانش ليها أي علاقة بإبراهيم وهي جاءت الشقة على أساس تليفون جاء لها وما تعرفش إنه إبراهيم وقال لها أنك بتخونها في الشقة دي ووصف لها العنوان ولما جاءت اتفاجئت بإبراهيم وكان عايز يعتدي عليها بس ما لحقش عشان البوليس هجم علينا.
أنا قلت لحضرتك الحقيقة عشان لو تقدر تعتذر لها وترجعها يمكن ربنا يسامحني ويرجع لي خطيبتي اللي سابتني بعد ما عرفت اللي حصل ورافضة ترجع لي.
انتفض جسد آدم وأخذ يردد بصدمة: معقول بريئة وأنا ظلمتها وضيعتها من يدي بسبب أنانيتي وعصبيتي.
أنا فعلاً رفضت أسمعها مع أنها قالت اسمعني وعينيها كانت بتقول إنها صادقة بس الغضب عماني وما استحملتش أشوفها في المكان ده وبالطريقة دي.
وخسرت إنسانة طيبة كانت بتعامل أمي زي أمها وأكثر.
استمعت والدته لكلماته فبكت واستطردت: قلت لك يا ابني البنت مش كده لكن أنت اتسرعت وآدي النتيجة.
دي كانت نسمة وما شفتش في حنيتها ومن بعدها اتبهدلت.
اتصل بها يا ابني وحاول تعتذر لها ولو حكمت أبوس يديها أنا كمان بس ترجع لنا.
آدم: حاضر يا أمي هتصل بها بس إيه تبوسي يديها دي كده هتشوف نفسها علينا، أنا هكلمها ما ردتش خلاص، يعني ما فيش غيرها في الكون.
فغضبت والدته قائلة: أيوه يا ابني اللي يفرّط في بنت أصول زي دي عمره ما ربنا يكرمه بزيها لأنك كنت ظالم، قول بس يا رب هي ترضى وما تأخذهاش الكرامة وحقها.
....
كانت دلال في ذلك الوقت تبكي على حظها العاثر الذي أوقعها في ذلك الشيطان مجددًا بعد أن تخلصت من الشيطان الأول متولي على حد فكرها.
ثم استمعت إلى رنين الهاتف فإذا بها ترى اسم آدم فضحكت ضحكة موجعة وقالت بغصة مريرة: هي الشياطين كلها هتتجمع عليّ النهارده وده عايز مني إيه كمان بعد اللي عمله فيّ؟
بس يمكن الحسنة الوحيدة في الموضوع إني شفت مولانا واتجوزني على سنة الله ورسوله وعشت معاه أحلى أيام زي ما يكون كانت حلم وأديني صحيت على حقيقتي اللي كنت بتهرب منها وافتكرت إني نسيتها إني كنت رقاصة والكل طمعان فيّ.
لم تجب دلال على الاتصال الأول منه حتى انتهى ثم وجدته يعيده مرة أخرى فاستجابت على مضض قائلة: السلام عليكم.
ابتسم آدم عندما سمع صوتها الذي أعاد له الحنين لها مرة أخرى وقال بشوق: إزيك يا دلال يا رب تكوني كويسة.
قالت دلال بتهكم: آه أنا كويسة أوي أوي وإزاي ماما الحجة؟
آدم: بتسلم عليكِ كثير ونفسها تشوفك وصراحة أنا كمان محتاج أشوفك عشان أعتذر لك عن اللي حصل كان غصب عني ودلوقت عرفت إنك مظلومة وعايز نرجع لبعض ثاني.
صكت دلال على أسنانها بغيظ ثم تابعت بسخرية: نرجع إيه وتشوف إيه يا باشمهندس.
حضرتك أنا دلوقت ست متجوزة، فأرجوك ما تتصلش بيّ ثاني واعتذارك ده بلّه واشرب ميته لأني مش مسامحاك عشان أنت إنسان قاسي ومتكبر وخذلتني في أكثر وقت كنت محتاجاك فيه.
ثم أغلقت الخط في وجهه، ليثور هو بانفعال: إنسانة لسانها طويل وعايزاني كنت أتجوزها، كويس إنها لقيت اللي يعبرها أصلاً ويتجوزها.
فبكت والدته ورددت: لا حول ولا قوة إلا بالله.
تصور إنها هي اللي ربنا نجاها منك ربنا يسامحك يا ابني.
يا رب أموت عشان أرتاح من اللي أنا فيه ده.
فبكى آدم وانحنى إليها وقبل يدها قائلاً: أنا آسف يا أمي سامحيني وأرجوكِ ما تقوليش كده ثاني.
والدة آدم: يا ابني أنت فيك خير وبار بأمك والحمد لله بس فيك حتة الكبر والعصبية الزيادة ودول صفتين مش أي ست تتحملهم فحاول يا ابني عشان خاطري تتخلص منهم.
آدم: حاضر يا أمي المهم ما تزعليش وأنا هاخد إجازة من الشغل لغاية ما نشوف وحدة كويسة تهتم بيكِ.
........
في هذه الدنيا لا بد من التضحية، فربما تضحي بقلبك أو بشمعة حياتك، لتنير قلوب أناس آخرين.
صعد أحمد إلى أشجان مرة أخرى بعد أن اطمأن على حالتها من الطبيب قبل مغادرته.
فاستأذن للدخول عليها فقالت عمته: ادخل يا ابني هو أنت بتستأذن عشان تدخل تطمئن على مراتك.
خجل أحمد من كلمات عمته ثم اقترب من أشجان وقال بخفوت: عاملة إيه دلوقت يا أشجان؟
طالعته أشجان بعشق للحظات تتأمل تقسيمات وجهه الرجولية ولحيته التي تزين وجهه، أما صوته فهو يخترق قلبها دون استئذان.
ارتبك أحمد من نظراتها التي تشعره بالذنب نحوها فأعاد سؤاله لكي تنتبه وتجيبه: بقيتي أحسن؟
خرجت أشجان من شرودها فقالت بضعف: الحمد لله أحسن.
ليقطع حديثها مكالمة من دلال التي كانت في تلك اللحظة على شفير الانهيار وتريد أن تحدثه ليطمئن قلبها قليلاً.
لأنها تدرك أن الفراق قد اقترب وستضحي بنفسها من أجله كما هو فعل معها وأنقذها من غيابات السجن في قضية الآداب وتزوجها.
وقد سامحته على تلك القسوة التي عاملها بها في البداية لأنها تعلم أنها كانت رغماً عنه فقد كان في صراع بين قلبه الذي يحبها وعقله الذي كان يظن أنها لا تناسبه فهي راقصة وهو شيخ ولكن انتصر القلب على العقل في النهاية وأذاقها نعيم الجنة على الأرض وعاشت معه أجمل أيامها ولكن للأسف لا شيء يدوم وكأن كتب عليها الشقاء والعذاب.
رأى أحمد اسمها ينير الشاشة فابتسم كعادته ولكن سرعان ما أخفاها وضغط على إلغاء المكالمة.
فانفعلت دلال: طالما بيكنسل يبقى عند أم قويق.
ثم بكت بغصة مريرة وتابعت: خلاص هسيبه لك تتهنى به بس أرجوكِ خلي بالك منه.
هتوحشني يا أحمد، مش عارفة إزاي هتحمل بعدك، ده أنت بتوحشني وأنت معي.
ليه يا دنيا استكثرت عليّ فرحتي، ده أنا ما لحقتش أفرح لسه.
ثم أعادت الاتصال به مرة أخرى ليتغير وجهه أمام أشجان التي حاولت السيطرة على غيرتها فقالت بهدوء ينافي النار التي تشتعل بداخلها: رد عليها يا أحمد.
تطالعها أحمد بصدمة وتجمد للحظات قبل أن يقول: هي مين دي؟
ابتلعت أشجان تلك الغصة في حلقها وقالت بحزن يمزق قلبها: مراتك.
ففتحت عفاف فمها على آخرهما بصدمة ثم قالت: هو أنتِ عارفة يا بنتي؟
أتاريكِ متغيرة وأقول مش دي أشجان أبدًا ومن كثر الحزن تعبتي.
زاغت عيون أحمد قليلاً في الغرفة ثم جاهد في النطق بصعوبة قائلاً: أشجان أنا..
هربت من أشجان دمعة جاهدت ألا تخرج منها ولكنها أبت وقالت بحزن: ما تبررش حاجة يا أحمد وأنا مش زعلانة عشان ده حقك وكثر خيرك إنك كملت جوازك مني عشان ما حدش يتكلم عليّ وعشان أنت أحن واحد على أولادي.
وأنا مش طالبة منك غير كده يا أحمد تربي أولادي على الدين وبتمنى يطلعوا زيك.
أحمد بحرج: بس يعني أنتِ مش زعلانة إني أكون أب لأولادك بس مش أكثر من كده.
أشجان وقد فهمت ما يعنيه: آه يا أحمد ما تحملش نفسك فوق طاقتها، أنا راضية أكون مجرد زوجة على الورق وكفاية إني مستورة معاك يا ابن عمي هعوز إيه أكثر من كده.
ويلا رد عليها عشان ما تقلقش عليك.
فأطلق أحمد تنهيدة مريحة بعد عناء الكتمان والشعور بالذنب نحوها فابتسم لها ابتسامته المشرقة التي جعل قلبها يتراقص طربًا حتى وإن لم يكن لها، فيكفي أن تراه سعيدًا.
أحمد بامتنان: مش عارف أقول لك إيه غير شكرًا بجد ريحتي قلبي وعن إذنك دلوقت يا بنت عمي.
ثم خرج مسرعًا ليحدث دلال بقلب مشتاق لفاتنته الصغيرة.
أما أشجان فما أن خرج واختفى طيفه التي كانت تتابعه، انفجرت باكية بألم، فأسرعت لها عفاف تضمها وتمسد على ظهرها بحنو: يا حبيبتي يا بنتي، كل ده شيلاه في قلبك وساكتة وصابرة.
مش عارفة أقول لك إيه غير ربنا يكملك بعقلك ويصبرك.
فهمست أشجان: يا رب يا عمتو يا رب.
...
رن أحمد على دلال فاستجابت على الفور وقالت بصوت حزين: وحشتني يا نور عينيّ.
رقصت كلماتها على أنغام قلبه فقال بشوق: ياااه.
كلمة وأنتِ كمان وحشتيني قليلة على اللي أنا حاسه دلوقت.
أنا مش عارف عملت فيّ إيه، كل ما أبعد تشديني ثاني زي المغناطيس وكده مش هعرف أشوف أشغالي وهقعد جنبك في البيت.
حاولت دلال ابتلاع قطعة الجمر الواقفة في حلقها لتقول بصوت حزين: يا ريت يا أحمد، أنا سعادتي وهنايا كله وأنت جنبي، يا ريت لو تفضل العمر كله جنبي وما فيش حاجة تفرق ما بينا.
أحمد: ما فيش حاجة تقدر تفرق ما بينا إلا الموت يا حبيبتي.
فهمست دلال بصوت مكلوم: الموت أو السجن.
ثم تابعت: أحمد هو ممكن تيجي دلوقت، عشان أنا مش عارفة حاسه إني محتاجاك جنبي.
وكمان طلب معلش لو ممكن نخرج في أي مكان فيه هوا عشان حاسه إني مخنوقة وما تقلقش لو حد شافنا هقول إني كنت محتاجة منك مساعدة.
فشعر أحمد بالذنب نحوها لأن زواجهم كان سرًا إلا على بعض من أصدقائه، لذا أقسم أن يعترف بها دون خجل وسيعلن للعالم كله إنها زوجته وحبيبته التي اختارها قلبه.
وسيقوم بعمل حفل زفاف لها أيضًا من جديد، لا لشيء سوى أن يرى الفرحة في عينيها التي طالما رأت منه الحزن رغماً عنه.
فليعوضها إذًا، لذا قال بعشق: مساعدة إيه يا حبيبتي.
أنتِ امرأتي على سنة الله ورسوله ومن النهارده الكل لازم يعرف إنك امرأتي.
استمعت دلال لكلماته التي تمنت كثيرًا أن يحدثها بها لتفتخر إنها زوجته أمام الجميع وهذا من قمة سعادتها ولكن الآن بعد أن علم طريقها شفيق وهددها بقتله وفضح ماضيها أمام أهله فلم يعد ذلك الخبر يفرحها بل يحزنها خشية عليه هو.
لذا قالت: لا يا أحمد خليها لما ظروفك تتحسن شوية مع أهلك.
أنا بس مخنوقة وعايزة أخرج وكمان عشان نعمل ذكريات حلوة نفتكرها بعدين..
والأهم كمان من إنك تعلن جوازنا أن ما يجيش اليوم اللي تندم فيه إنك اتجوزتني.
وهنا شعر أحمد أن هناك شيئًا تخفيه عنه وهذا سبب صوتها الحزين رغم ما حدثها به وظن إنها ستكون سعيدة.
فسألها: دلال أنتِ فيه حاجة مخبياها عليّ؟
توترت دلال فقالت: لا هخبي إيه ما فيش، ليه بتقول كده؟
أحمد: مش عارف حاسس صوتك فيه حاجة.
دلال: لا ما فيش، أنت وحشتني بس، ويلا تعال عقبال ما أكون لبست.
فابتسم أحمد وقال بمكر: طيب ما استنى أجي أساعدك أنا.
فضحكت دلال واستطردت: كده مش هنخرج يا خفيف.
لا هلبس أنا أضمن.
أحمد بمرح: بس كده لازم تكافئينني مكافأة كبيرة لما نرجع عشان عطلتيني عن مصالحي.
دلال: آه يا قليل الأدب.
فضحك أحمد وفاجأها بقوله: طيب افتحي لقليل الأدب يعلمك الأدب، أنا على الباب يا هانم.
فصاحت دلال بعدم تصديق إزاي؟
أحمد: عقبال ما خلصتي لوك لوك كنت في العربية ووصلت أهو.
فأغلقت دلال الخط في وجهه لتسمع صوت ضحكاته بالفعل في الشقة.
فرددت: مجنون لما أدخل بسرعة أغسل وشي عشان ما يحسش بحاجة.
فغسلت وجهها سريعًا لتجده ينتظرها أمام المرحاض قائلاً وهو يمد ذراعه لها: أنا جيت يا روح قلبي.
فألقت دلال بنفسها ليعانقها بشدة كأنه يريد أن يخفيها بداخله حتى لا تبتعد عنه.
أما هي فكانت تحترق بداخلها وتتحدث: يا ريتني ما شفتك ولا حبيتك يا أحمد، عشان الفراق صعب وعذاب.
يا رب تسامحني يا أغلى الناس، عشان اللي هعمله ده عشانك أنت وعشان سمعتك ما تتهزش بين الناس.
هخليه يخرس للأبد شفيق.
ابتعدت دلال عن أحمد وقالت وهي تخشى النظر إليه حتى لا تفضحها عينيها: إيه يا عم هتضحك عليّ بالحضن ده ولا إيه.
لا أنا عايزة أخرج وأتفسح وأركب مركب نيلي وآكل ذرة على الكورنيش وتجري ورائي ونتصور في كل مكان صورة حلوة نضحك عليها لما نشوفها بعد ما الزمن يعدي علينا.
أحمد: مهما الزمن يعدي علينا هتفضلي أنتِ البنت الحلوة اللي حبيتها وفي عيوني أجمل بنات العالم رغم لسانها الطويل ومجنونة حبتين بس بحبك.
فضربته دلال في صدره وقالت: أنا مجنونة، طيب هوريك الجنان اللي على أصوله.
فركضت من أمامه وقالت: لو مولانا بصحيح امسكني.
فضحك أحمد وأخذ يركض وراءها كالأطفال هنا وهناك حتى تعثرت دلال وسقطت فانحنى أحمد سريعًا إليها ليرفعها ويطمئن عليها ومد لها يده، فأمسكت بها ولكن جذبته لأسفل معها لينام بجانبها على الأرض ليتبادلا نظرات الحب والعشق ولم يمهلهما الشوق كثيرًا حتى أصبحا روحًا واحدة في جسدين لينعم بجنته على الأرض.
أعادت دلال عليه سؤالها المعتاد التي ذكره بالسيدة عائشة رضي الله عنها.
أتحبني يا رسول الله؟
فيجيبها: نعم وحبي لك كعقدة في حبل، فتضحك هي ثم كلما مرت عليه سألته: كيف حال العقدة يا رسول الله؟ فيقول: كما هي.
كذلك أعادت دلال سؤالها: بتحبني يا أحمد؟
فابتسم وتنهد بحرارة وأجاب: بحبك لدرجة إني ساعات مش بصدق إننا مع بعض، روح واحدة وحبي لكِ ما عدتش قادر أوصفه بكلمات لأنه عدى الكلمات.
بس كل اللي أقدر أقوله إنك أنتِ ليّ روحي اللي بين جملة ومن غيرك أموت.
فوضعت دلال يدها على فمه وقالت بخوف: لا بعد الشر عليك يا أحمد أنت هتعيش وهيكون عمرك طويل بيّ أو من غيري.
أوعدني إني لو حصلي حاجة تعيش حياتك وساعتها بس تقدر تلمس بنت عمك وتعيش معاها زوج عادي.
فقام أحمد عنها وقال بغضب لوّن وجهه: أوعى تقولي الكلام ده ثاني يا دلال أرجوكِ، صدقيني ما أقدرش أتحمل اللي بتقوليه ده، حرام عليكِ، ده أنا مصدقت ألاقيكِ.
وشيلي دماغك من أشجان خالص لأنها طلعت عارفة وموافقة إنها تعيش كأننا أخوات وأربي عيالها وبس.
فتحت دلال عينيها على آخرهما من كلماته وشعرت بالذنب نحو تلك المرأة التي لا تعرفها التي آثرت سعادته عليها وقبلت بذلك رغم حبها له.
فتمتمت: خلاص هيكون ليكِ بكله وسامحيني على الشوية اللي أخذته منك.
شعرت دلال بمدى قلقه عليها لذا أرادت أن تشتت انتباهه فحدثته: إيه إيه يا أستاذ حضرتك هتقلبها نكد عشان تهرب من الخروج.
آه ما أنا عارفة صنف الرجالة مش بيحبوا يخرجوا ستاتهم أبدًا ولو خرجها ينكد عليها.
أحمد: أعوذ بالله لا يا ستي أنا مش من الصنف ده ما تقلقيش.
عشان أنا مش بقتدي بعادات وتقاليد أنا بقتدي بسيد البشر لما كان بيخرج حبيبته السيدة عائشة ويضاحكها مش بس كده كمان كانوا بيعملوا سباق في الجري ما بينهم.
ويلا بينا يا قرة عيني نجهز عشان نخرج.
وبالفعل ارتدت دلال جلبابها ولكن كانت غير منتقبة ولم يفرض عليها أحمد النقاب إلى أن تعتاد على الستر واللباس الشرعي الفضفاض أولًا ثم إذا أحبت أن تكمل ذلك بالنقاب لتأخذ الأجر فلترتديه إذا على قناعة.
لينتقل بها من مكان لآخر كما تحب هي وترى في انسجام منه وتفاهم وتبادلوا الضحكات حتى إنها تناست ما هي مقبلة عليه والتقطوا كثيرًا من الصور التي جمعتهم معًا وكان منها مضحك والآخر به اقتراب رومانسي بينهم.
حتى شعروا بالتعب والإجهاد فقرروا العودة للمنزل وصلى أحمد بها صلاة العشاء وأخذت تدعو الله أن يصبره ويصبرها على الفراق.
لينام هو قرير العين وهي بين أحضانه أما هي فلم تذق طعم النوم واكتفت أن تنظر إليه طوال الليل وكأنها تحفر ملامحه في ذاكرتها لتتذكرها كلما اشتاقت إليه.
ليأتي اليوم التالي التي وقف أحمد بها على الباب يودعها فلمعت عينيها بالدموع وشعر أن هناك شيئًا جللاً حقًا تخفيه عنه فقال بتخوف: دلال لو حاسة إنك تعبانة ولا حاجة مش لازم أمشي وأقعد معاكِ، أنا كده أصلاً بتلكك ومش عايز أمشي من جنبك.
فحركت دلال رأسها بالنفي: لا لا أتوكل يلا على بركة الله يا أحمد ربنا معاك.
فالتفت أحمد ليغادر ومع كل خطوة منه كانت تريد أن تصرخ ليعود إليها ولا يتركها.
وكأنه هو قد استمع لصراخها فالتفت إليها وعاد لها مجددًا ليعانقها باشتاق وكأنه كان غائبًا عنها.
ثم قال: لا إله إلا الله.
دلال: محمد رسول الله.
ليغادر أحمد بالفعل فأغلقت دلال باب الشقة لتذهب مسرعة إلى المطبخ لتلتقط سكينًا حادًا لتقضي على شفيق.
ليمر الوقت سريعًا وقد تجهز شفيق في غرفة الفندق للقاء دلال وطلب ما لذ وطاب من الطعام والشراب.
وأخذ ينتظر بلهفة مجيء دلال بشغف ولهفة.
شفيق: يااه مش مصدق إن أخيرًا يا أحمد هاخذ منك أكثر حاجة بتحبها، مراتك يعني شرفك.
يااه نفسي أشوف وشه ساعة ما أبعت له الفيديو الجاحد باللي هيحصل بيني وبينها.
عشان يشوف مراته قال إيه الشريفة العفيفة مش رقاصة كانت مع كل واحد شوية.
يشرب بقى هو اللي جابه لنفسه وكفاية عليه أشجان أم العيال.
ثم أخذ يعدل في الكاميرا التي وضعها أمام التخت مباشرة لتصور لحظاته السعيدة معها.
ثم نظر في ساعته فوجدها قد دقت السادسة، ليحرك يدًا بيد بتلذذ قائلاً: حانت ساعة الحظ اللي ما تتفوتش.
لتصل دلال إلى الفندق في نفس الموعد الذي حدده شفيق وتبدأ في السير إلى الغرفة بخطوات ثقيلة مرتجفة تمشي خطوة وتتراجع خطوتين.
لتهمس بجرأة لتشجع نفسها على الاستمرار: ما تخافيش يا دلال أنتِ النهارده هتتخلصي من مجرم يستحق القتل فعلاً زي ما أمك عملتها مع متولي الكلب عشان تريحي الناس من شره.
ثم تذكرت أحمد فابتسمت واستطردت بعشق: هفديك بنفسي عشان تعيش يا قلب دلال وتعيش كمان مستور يا أحمد وما حدش يعايرك به وتمشي توطي راسك.
عشان كده لازم شفيق يموت أفضل ويأخذ الشر معاه بس يا ريت تسامحني وما تنسانيش يا أغلى الناس.
لتتقدم من غرفته وتطرق الباب فابتسم شفيق وهمس: لا مواعيدها مظبوطة بالملي، أيوه ما هو ما حدش يقدر يقاوم شفيق ثم تذكر أسماء فقال ألا طبعًا البرنسيسة أسماء ربنا يسامحك مش كنت هنسى الهلس ده.
أنتِ السبب على فكرة، وهبعت لك أنتِ كمان الفيديو عشان تعرفي إنك ما تهمنيش وعملت اللي عايزه مع أحلى منك كمان يمكن تتغير وتبطل تقل عليّ.
سار شفيق نحو الباب وفتحه فوجد دلال أمامه فتعجب بما ترتديه من لبس فضفاض واسع فضحك وقال بتهكم: بركاتك يا شيخ أحمد، اتفضلي يا حجة دلال.
بس يا ريت تكوني من تحت اللبس ده بدلة الرقص عشان من ساعة ما شفتك وأنا أتمنيت ترقصي لي لوحدي.
فضحكت دلال: أنت تؤمر يا شفيق.
شفيق: حبيبي والله يا دولي، أمال كان لزمته إيه وأنتِ حلوة كده الكلمتين اللي سممتي بهم بدني لما شفتك أول مرة.
كنتِ رسمة الدور أوي وهو مش لايق عليكِ.
وكأنك نسيتي نفسك إنك رقاصة يا بت.
دلال: لا ما نسيتش وعمري ما أنسى، لكن هنسيك أنت حتى اسمك.
ثم نظرت حولها لترى أي شيء تلهيه عنها قليلاً لتطعنه من الخلف حتى لا يقاوم ثم تجهز عليه مرة واحدة.
شفيق: طيب يلا ما يضيعش الوقت واقلعي الشوال ده وفرجيني ولا تحبي أساعدك.
فنظرت إلى المنضدة من ورائه المليئة بما لذ وطاب وقالت: بس أنا ما أعرفش أرقص على معدة فاضية.
ناولني حتى تفاحة كده تصبيرة قبل ما أرقص عشان أرقص لك بمزاج.
غمزها شفيق وقال برغبة: بس كده عيوني، ليلتفت ليحضر لها ما طلبت.
لتخرج السكين وتنقض عليه بكل قوتها فصرخ شفيق وعندما أرادت أن تطعنه مرة أخرى وجدت يد فولاذية تقبض على يدها....