كان كاسر واقفاً عند باب الغرفة يتأمل الوجوه المتجمدة أمامه، وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام أكثر من الغضب. لم يسمع شيئاً مما قيل، لكن الصمت وحده كان كفيلاً بإشعال الشك في قلبه. تقدمت رحمة بخطوات بطيئة وهي تحاول استعادة تماسكها، ثم قالت بنبرة مرتجفة: ادخل يا كاسر... تعالي اتفضل... تعالي يا روح. نظر إليها كاسر مطولاً، ثم التفت نحو روح وقال بنبرة هادئة لكنها آمرة: هاتي العلاج يا روح.
يُلا، تحركت روح نحو الحقيبة وقدمت له العلبة، لكن حين مدت يدها إليه، وقعت عيناه على آثار داكنة على معصمها. فقبض على يدها بسرعة وحدق فيها بحدة: دا من إيه؟ إيه اللي عمل في إيدك أكده؟ ارتبكت رحمة وسحبت يدها بخفة، ثم تمتمت: لا دا... أنا وقعت بس مفيش حاجة خالص.. متخافش أكده. رمقها كاسر بنظرة طويلة، ثم أشاح بوجهه، بينما كانت رحمة تخفي ارتباكها خلف صمت مشحون. فشردت روح وهي تفكر لنفسها داخلياً:
إزاي كل حاجة حواليا بقت مربوطة ببعض... كريم خطفني في مكان تبع رائف... وفرات اسمها بيتكرر كتير قوي وأنا حاسّة إن فيه حاجة غريبة.. أنا متأكدة إني سمعت اسم فرات آدم بيجيله لرحمة.. العيلة دي مش طبيعية وأنا لازم أفهم علشان أنا زهجت وتعبت. وفجأة قاطع شرودها صوت كاسر الجاف: مالك؟ فوقي... سرحانة في إيه عاد؟ رفّت روح بعينيها نحوه، فأشارت رحمة من على السرير وهي تقول:
خد روح معاك تجيبلي العلاج التاني يا كاسر علشان مش موجود نهائي أهنه. روح بلهفة: لأ معلش أنا هروح أجيبه مفيش داعي. لكن كاسر قاطعها بلهجة قاطعة: لأ يلا تعالي معايا... حضري نفسك لحد ما أجهز العربية. ألقى كاسر كلماته وذهب، وبعد مرت دقائق كانت روح تجلس جواره في السيارة تحتضن حقيبتها وكأنها درع يحميها من كل الأسئلة. حتى التفتت نحوه فجأة وقالت بتردد: هو حضرتك... مين فرات؟ جمد كاسر للحظة، ثم رد بنبرة منخفضة: بتسألي ليه؟
روح بتوتر: بسمع اسمها كتير... الناس بتتكلم عنها. زفر ببطء، ثم أجاب وهو يثبت عينيه على الطريق: كانت بتشتغل عندنا... ومشيت من زمان زي ما أي واحدة بتشتغل. وفجأة رن هاتفه فقطع اللحظة وأجاب باقتضاب، ثم أغلق الخط وقال: معلش... لازم أعدي على الشركة دلوجتي ضروري. قالت روح بهدوء: طب خلاص نزلني أهنه وأنا أجيب العلاج والحاجة وأرجع. هز كاسر رأسه وقال بصرامة: لأ. هتيجي معايا الشركة وأول ما أخلص نبقى نروح نجيب العلاج.
وبعد فترة دخلا الاثنين الشركة، وبدت روح مأخوذة بتفاصيل المكان، عيناها تتحركان في كل اتجاه كأنها تحاول حفظ كل شيء. فدخل كاسر المكتب، وما إن فتح الباب حتى تجمد في مكانه. كان رائف مستلقياً على الأريكة ويده ملفوفة بضمادة غارقة في الدم. فصرخ كاسر وهو يندفع نحوه: رائف إيه دا... إنت اللي عملت أكده في نفسك.... اتجرحت على مين؟ وكسرت الدنيا بالطريقة دي. فتح رائف عينيه بتعب وقال: مفيش... إنت اتأخرت ليه عاد مش قولتلك تعالي بدري.
اقتربت روح بحذر وقالت: ممكن أعالج الجرح... هو بينزف جامد ولازم نوقف النزيف. مدت روح يدها لحقيبتها، وعندما انتهت، فتح الباب ودخلت سارة بتوتر، وحين وقعت عيناها على روح اتسعت حدقتاها وهتفت: روح.... ياااه... مش معقول... إنتِ أهنه إيه الصدفة دي.. عاملة إيه واحشاني جوي وفرات عاملة إيه؟ تجمدت روح في مكانها واتسعت عيناها بذهول، بينما التفت كاسر ورائف نحوها في اللحظة نفسها. الاسم الذي نطقته سارة ارتطم بجدار الصمت كالصاعقة.
فنظرت روح وتمتمت بارتباك: قصدك فاطمة.. آه. الحمد لله... هي... تمام. لم تلاحظ سارة التوتر وتابعت بحماس: تعالي بقى لما أعزمك على قهوة ونتكلم شوية انتي واحشاني جوي. ثم التفتت لكاسر وقالت بابتسامة: ممكن أستأذن؟ أومأ كاسر برأسه، وسحبت سارة روح معها. وما إن أغلق الباب خلفهما حتى قال كاسر وهو ينظر نحو رائف: فيه حاجة غلط... بس ما علينا دلوقتي... قولي عملت أكده في نفسك ليه؟ نهض رائف ببطء وهو يرد بضيق: هي هتتخطب... سارة!
كتم كاسر ضحكة ساخرة، ثم قال ببرود: مدام بتحبها قولها بدل المصاريف دي كلها بسبب الحاجات اللي بتكسرها.. بلاش تعاند نفسك أكتر من كده. تذمّر رائف وردد بضيق: خلينا في الشغل أحسن.. شغلنا أهم دلوقتي. أنهى رائف كلماته بضيق، وكانت الأيام تمر بسرعة تتسرب من بين أصابع الوقت كما يتسرب الماء من كفٍ مثقوب. لا شيء يذكر يحدث على السطح، لكن تحت الملامح الهادئة، كانت أمور كثيرة تتغير. كانت روح تحاول المقاومة...
تحاول أن تتذكر السبب الذي جاءت من أجله، تحاول أن تبقي في ذهنها صورة فرات وصوتها ودمعتها الأخيرة. لكن المشكلة أن كاسر لم يكن ذلك الشخص الذي ظنته. أيام وأيام، وكل يوم كان يجعلها تقترب منه أكثر. تراه يبتسم لطفل صغير من أبناء الخدم، يسمع وجع الجدة دون أن يتكلم، يقرأ في عينيها ألمها قبل أن تبوح، ويترك القهوة تبرد فقط لأنه شارد في حزن لم تفهمه بعد. حاولت كثيراً أن تنتقم...
حاولت أن تزرع الشك، أن تزرع له كميناً بسيطاً تفضحه فيه، لكنها كانت تتراجع في آخر لحظة. كانت عيناها تفضحها وقلبها يخونها كل مرة، وكان هو يقترب... دون أن يطلب شيئاً. دون أن يعترف، لكن صمته كان أكثر ضجيجاً من الكلام.
وفي صباح يوم دافئ كانت الشمس تتسلل إلى أرجاء القصر على استحياء. وكاسر يقف داخل غرفته عاري الصدر يلملم أزرار قميصه الأسود استعداداً للخروج. حين دق الباب بخفة وظهر وجه روح من خلفه، ودخلت بخطوات مترددة وهي تحمل صينية صغيرة عليها فنجان قهوة، ثم رددت بخجل: القهوة... الشغالين مشغولين تحت فـ قولت أجيبها لحضرتك. نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت منخفض: تعالي... دخليها.
تقدمت روح بخطوات بطيئة ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة قرب النافذة، لكنه لم يبتعد. كانت خطواته تقترب ودفء أنفاسه بدأ يخترق الجدار الذي حاولت تبنيه طوال الأيام الماضية. فـ قال وهو يراقب ملامحها دون أن يبتسم: إنتِ بقيتِ بتخافي مني ولا إيه عاد؟ في إيه يا روح مالك؟ هزت روح رأسها سريعاً وهي تتفادى النظر إليه وهتفت: لأ طبعاً يا بيه بتقول أكده ليه بس ياريت كل الناس تبقى زي حضرتك. كاسر بضيق:
طيب ليه حاسس دايماً مش مرتاحة... صح؟ أرادت أن تكذب... أن تنكر، لكنها صمتت، وكان صمتها كافياً ليعرف كل شيء. ومرت لحظة صمت طويلة، ثم قالت فجأة كمن اتخذ قراراً مؤلماً: أنا لازم أسيب الشغل. تجمد مكانه وكأن كلماتها صفعة غير متوقعة: إيه.... ليه... إيه اللي حصل.. فيه حد أهنه زعلك أو عملك حاجة تضايقك؟ نظرت إليه روح بعينين مبللتين وتمتمت: أنا مش هقدر أكمل أكده... اللي بيحصل غلط... غلط قوي كمان.. لازم أمشي.
ارتفع صوت كاسر ليس غضباً بل ذهولاً وصاح: غلط... إزاي يعني أنتي شايفة إنك غلطانة في إيه؟ نظرت إليه ثم إلى الأرض كأنها تخجل حتى من أفكارها: أنا... أنا بحاول أفتكر ليه جيت أهنه... وبنسى كل حاجة لما بشوفك... أنا واحدة خاينة... مش كويسة. اقترب منها خطوة، ومد يده ليوقفها حين تحركت مغادرة مرددة: استني... مينفعش تمشي أكده. جوليلي في إيه.. أنا مش فاهم حاجة والله. هزت روح رأسها بقوة ودموعها تنهمر: مينفعش...
أنا مش قادرة أكمل أكده... مش عارفة أعيش.. أبوس يدك سيبني أمشي. أمسك كاسر يدها وسحبها نحوه وقال بصوت مختنق: خونتي مين؟ إنتِ عمرك ما تكوني خاينة متقسيش على نفسك أكده.. لو فيه حاجة فهميني ونحلها مع بعض. صرخت روح بانكسار وهي تبكي أكثر وهتفت: إنت مش فاهم أي حاجة. مش فاهم حاجة خالص.. أنا بقيت بضعف قدامك. وأنا مينفعش أضعف أكده... مينفعش.
تركت رزح يده فجأة وركضت خارجة من الغرفة تاركة خلفها قلباً مأخوذاً وصمتاً يحاول أن يفهم ما جرى. أما كاسر، فظل واقفاً في مكانه يحدق في باب الغرفة المغلق بصدمة لا يفهم أي شيء مما يحدث. وبعد فترة كان الصمت يسود أرجاء الغرفة إلا من صوت السوستة وهي تنزلق على حافة حقيبة السفر، بينما أدهم يحشو ملابسه بعنف كأنما يريد أن يخرج من جلده لا من البيت فقط. وكانت رحمة واقفة خلفه عيناها محمرتان ويدها ترتجف وهي تتوسله
بعينين دامعتين مردفة: بالله عليك استنى... إنت بتعمل إيه؟ رايح فين... متسبنيش أكده يا أدهم.. أبوس يدك أنا بحبك جوي والله. لكن أدهم لم يلتفت، بل ازداد صمته حدة حتى نطق أخيراً بصوت جهوري: خلاص... مش قادر أعيش معاكي أكتر من أكده.. ومش هاممني لو هخسر كل فلوسي المهم أبعد عنك.. أنا لو فضلت أهنه أكتر أكده هموت. ارتجفت شفتاها وخرج صوتها متهدجاً: علشان فرات صح... كل ده علشان فرات؟ بتبعد عني علشانها.
توقف لحظة، ثم التفت نحوها كمن انفجر داخله بركان قديم وصاح بألم: أيوه علشان فرات..... فرات اللي بعتي ناس يعتدوا عليها اللي خوفتيها وجولتلها لو نطقتي باسمي هقتل كل اللي بتحبيهم. ماتت وأنا حتى معرفتش مكانها... ولا أهلها راحوا فين. فرات اللي إنتِ خليتي كاسر ورائف يصدقوا إن أميرة أختك هي اللي عملت فيها أكده علشان كانت بتغير منها... كرهوا أختك يا رحمة بسببك. بطلوا يشوفوها زي العار وهما ميعرفوش إنك إنتِ السبب الحقيقي...
وأميرة نفسها مش فاهمة ليه الكل بيبعد عنها... ليه بيتعاملوا معاها كأنها جانية مش ضحية. انحنت رحمة إليه باكية ومدت يدها تمسك بذراعه: أنا آسفة... أنا بحبك يا أدهم... عملت أكده علشان بحبك... خفت أخسرك. لكنه أبعد يدها عنه بعصبية وقال بقسوة: انتهينا... أنا مش قادر أعيش معاكي تاني! الحب اللي بيوصلنا للعار ميبقاش حب... اسمه خراب.
وقبل أن يرفع حقيبته ويغادر الغرفة، انفتح الباب فجأة. كانت أميرة تقف هناك جسدها متخشب ووجهها شاحب والدموع تنهمر من عينيها دون أن ترمش: يعني... إنتِ اللي عملتي أكده.... إنتِ السبب إن كاسر ورائف بيكرهوني.... ليه دا أنا أختك... أختك الصغيرة يا رحمة دا أنا بموت فيكي أنا دايماً مستعدة أضحي بحياتي كلها علشانك إنتِ وكاسر ورائف. وفجأة صوتها تحول لصرخة مكتومة وهي تقول: أنا لازم أكلم كاسر.. لازم أقوله الحقيقة كلها. أسرعت رحمة
إليها تمسكها بقوة مرددة: مش هتروحي.... بالله عليكي يا أميرة استني أبوس يدك. أميرة بصراخ: ابعدي عني... لازم يعرفوا إني بريئة.... لازم أفهمهم... لازم أعرفهم إني مش الوحش اللي هما فاكرينه واني معملتش حاجة.. ومستحيل أعمل حاجة زي دي. بدأت أميرة تتحرك باتجاه الباب، وقبل أن تلمسه... رفعت رحمة شيئاً ثقيلاً كان بجوارها... وهوت به على رأس أختها. وصرخة قصيرة خرجت من أميرة، ثم سقط جسدها على الأرض بلا حراك. فشهق
أدهم وهو يندفع ناحيتها: أميرة... أميرة فووقي بالله عليكي.. أميرة. ركع أدهم بجوارها يتلمس نبضها، ثم رفع رأسه نحو رحمة ووجهه مذهول مرعب: جتلتيها... جتلتي أختك بإيدك. وفي تلك اللحظة... انفتح الباب مرة أخرى ودخلت روح وهي تمسك بالأدوية بين يديها، وما إن رأت المشهد حتى سقط الدواء من يدها... وجمدت مكانها تغمرها الصدمة وعيناها على جسد أميرة المسجى وصرخت وهي تتراجع للخلف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!