استيقظت روح على وقع لمسة دافئة على كتفها. فتحت عينيها ببطء لتجد الجدة واقفة بجوارها تتفحص وجهها القلق بنظرات حانية. "مالك يا بنتي؟ شكلك مش على بعضك اكده لبه عاد وباين عليكي تعبانة جوي." رفّت أهداب روح وهمست وصوتها مشوش من أثر النوم والقلق: "كاسر بيه... هو فين كاسر بيه؟ أجابت الجدة بهدوء وهي تضبط طرف طرحتها: "تحت... مع عمة بنت كانت بتشتغل عندنا. مش عارفه عايزه مني اي عاد. هو اني عايزاه في حاجه يا بنتي."
اتسعت عينا روح في قلق وارتعشت يدها وهي تضعها على صدرها كأنها تحاول تهدئة دقات قلبها. لم تستطع أن تخفي التوتر الذي تسلل لملامحها. مالت الجدة نحوها وربتت على يدها برفق وهي تقول: "ارتاحي يا بنتي... شكلك تعبانة. نامي شوية وملكيش صالح بحاجه. انا هدي لرحمه العلاج." هزت روح رأسها ببطء دون أن تنطق. وفي داخلها كانت الأفكار تعصف بها بلا رحمة. في الأسفل...
جلس كاسر في أحد أركان الصالون. انعكست أشعة الشمس المتسللة من النوافذ على ملامحه الجادة. أمامه كانت عمة فرات وروح تجلس وقد علت وجهها علامات التعب، لكن عينيها بقيتا ثابتتين على كاسر تتحدى نظرته الباردة. وضع كاسر ظرفًا كبيرًا أمامها امتلأ بالمال حتى فاض طرفه. وردّ بصوت منخفض لكن حازم: "اكده كفاية... الفلوس دي أكتر من ال يرضيكي كمان. ولا عايزه حاجه تانيه؟ نظرت إليه العمة بنظرة مشتعلة ثم هتفت بحدة مكتومة:
"دا بجا تعويض عن دم بنت أخوي. انا مش جاية آخد فلوس. أنا جاية أسأل عن بنت أخوي التانية. وأنا واثقة إنك تعرف هي فين." كاد كاسر أن يرد، لكن فجأة ظهرت روح عند أول درجات السلم تقف بثبات. عيناها كانت ترصد كل شيء. وحين وقعت عينا العمة عليها اتسعت حدقتاها من الصدمة. وشحب وجهها، لكنها لم تنطق، فقط تسمرت في مكانها. أشار كاسر بيده نحو المال وقال: "خدي الفلوس وامشي. خلينا نخلص." نهضت العمة ببطء وقالت بنبرة مليئة بالخذلان:
"أنا مش عايزة حاجة. وغلطت لما جيت. حتى بنت أخوي التانية... هدور عليها وهلاقيها من غير ما أمد إيدي لحد. شكرا يا بيه." ألقت الجدة كلماتها ثم استدارت وخرجت من القصر بخطى ثابتة. لم تلتفت وراءها ولم ترف بكلمة. بعد دقائق نزلت الجدة من الطابق العلوي ونظرت إلى كاسر باستفهام: "كانت عايزة إي الست دي يا ابني؟ زمّ كاسر شفتيه وقال بحدة وهو يشيح بوجهه:
"جوزها. ييحي ياخد مني فلوس وهي جاية تعملي فيها صاحبة كرامة. بس أنا ال غلطان إني فتحتلهم باب." كان صوت كاسر غاضبًا، لكن روح التي كانت قد وصلت بهدوء إلى أسفل الدرج وقفت متجمدة حين سمعت تلك الجملة. جوز عمتها خد منه فلوس. ارتبكت أنفاسها واهتزت الأرض تحت قدميها للحظة. لم تعد تعلم من تصدق ومن تكذب. فقط تراجعت ببطء وعقلها يغلي بالأسئلة. وبعد فترة...
نزل رائف من سيارته الفاخرة أمام الشركة ينفث زفيراً من صدره كأنه يحاول كتم غضب لا يعرف مصدره. وبينما كان يغلق الباب بحدة لمحها. كانت سارة تنزل بخفة من فوق الدراجة النارية وأمامها شاب. تخلع خوذتها بيد وتهز شعرها الطويل في حركة عفوية. لم تتحمل أعصابه رؤيتها. فشد قبضته وغمغم: "هو في إي عاد. ومين ال معاها دا كمان؟ ثم اندفع داخل المبنى بخطوات سريعة كأن كل حجر في الأرض يستفزه.
وبعد دقائق كان يجلس على مكتبه وأمامه أوراق مبعثرة لم ينظر فيها. فقط يحتسي قهوته بعصبية ويدخن السيجارة تلو الأخرى. حتى قاطعه خياله صوت الطرق على الباب. ودخلت سارة بملابسها المعتادة وشعرها المربوط تحمل ملفًا في يدها وابتسامة خفيفة في وجهها. فنظر لها رائف بحدة وقال بلهجة جافة: "أنتي عارفة إن دي شركة محترمة؟ والشغل اهنيه مش بالسلوك ده." رفعت حاجبيها بدهشة وسألته: "سلوك إي عاد يا بشمهندس. انا عملت اي يعني مش فاهمه."
رد وهو يرمي السيجارة في المنفضة: "إنتي نازلة من على موتسيكل مع واحد قدام الموظفين دا منظر ينفع يتشاف؟! قالت بسخرية مستفزة: "اه عادي يعني اي المشكله مش فاهمه. انا معملتش حاجه غلط اصلا." نهض من كرسيه بانفعال وقال بعصبية: "دي قلة احترام للمكان ولكل الناس ال اهنيه. مين دا اصلا ال انتي جايه راكبه وراه؟ تقدمت خطوة نحوه وقالت بحدة: "دا هيبقى خطيبي." صدمته الجملة للحظة وانعقد حاجباه، وتجمدت نظراته. لكن كعادته...
لم يظهر شيئًا. "متدخلش في حياتي. ليك شغلي وبس. وأنا ممكن أقدم استقالتي عادي جدا. لكن ال حضرتك بتعمله دا مينفعش." ثم استدارت وغادرت المكتب دون أن تنتظر رده. فرمى رائف الكوب بقوة على المكتب وتناثرت القهوة. وصاح وهو يضرب سطح المكتب بيده، فانكسر الخشب تحت يده وارتفعت شهقة ألم مكتومة منه. وبدأ الدم يسيل من كفه. ودقيقة... فتحت الباب مرة أخرى. كانت سارة تمسك ورقة الاستقالة. لكنها تجمدت حين رأت الدماء تسيل من يده.
وهتفت بلهفة: "ـإيدك... إنت إيدك اتعورت." اقتربت منه بسرعة وهي تزيح الورقة من يدها وأمسكت يده بحذر. فحاول سحبها قائلاً بجمود: "ـ متلمسينيش. ابعدي عني." لكنها لم تتركه. أخرجت شنطة الإسعافات الأولية من أحد الأدراج وبدأت في تنظيف الجرح وتعقيمه رغم مقاومته. فتألم في صمت. وهي تنهي ضمادة الجرح ثم مدت إليه الورقة ببرود: "دي استقالتي حضرتك." نظر إليها رائف بغضب وسحبها نحوها فجأة وقال ببرود ناري:
"ـ في شرط جزائي في عقدك الجديد. مليون جنيه لو سيبتي الشغل قبل ٤ سنين." نظرت له ساره مصدومة وهتفت: "إزاي.... الشرط دا مكنش فيه لما جددت العقد. مكنش فيه الشرط دا نهائي. ازاي بجا موجود؟ قال بابتسامة خفيفة: "انا كتبته بعد ما مضيتي. اتفضلي على شغلك." ابتعدت عنه وهي تدمع ثم انفجرت وهي تصرخ: "ـ انت عايز مني إي؟! سيبني فـ حالي بجا. ليه بتعاملني بالطريجه دي حرام عليك! انا عملت ايه؟ انت عايز مني إي اصلا؟ وفجأة... دخلت أميرة
ونظرت بينهما بذهول وهتفت: "ـ إي ال حوصل ومالها إيدك يا رايف في اي عاد." ثم التفتت نحو سارة بحدة وهتفت: "ـ انتي لكيد السبب صوح. انتي ال وصلتيه لـ اكده." لكن سارة لم ترد. فقط أخذت الورقة من على المكتب وركضت خارجة من الغرفة ودموعها تنهمر في صمت. وفي المساء... في حديقة القصر. كان الليل قد أسدل ستاره على قصر العائلة وهدأت الأنفاس في الأرجاء. إلا من روح التي وقفت تحت شجرة في الحديقة تنظر حولها بحذر وهي
تمسك هاتفها وتهمس بعصبية: "أيوه يا عمتي. أنا هجيلك والله الهظيم وهفهمك كل حاجة بنفسي. بس خدي بالك من جوزك الراجل ده هيضيعنا. وانا دلوجتي اتاكدت ان كاسر هو ال عمل اكده في فرات. بس والله ما هسيبه وهعرف آخد حقي منه. هنتقم منه بأي طريجه." وفجأة... جاءها صوت من خلفها كالسهم المباغت مرددًا: "عايزة تنتقمي من مين يا روح؟
تجمدت في مكانها وسقط الهاتف من يدها. ثم التفتت برعب لتجد كاسر واقفًا خلفها بوجهه الصارم وعيناه تلمعان بغموض في عتمة الليل. فتلعثمت وهي تحاول التقاط أنفاسها: "لا لا... دي ممرضة كانت معايا في المستشفى. دايما تضايجني وتجول عني كلام غلط. حضرتك فهمتني غلط." اقترب منها خطوة وقال بنبرة أقل حدة لكنها لا تخلو من الاتهام: "أنتي بتكرهيني ليه؟ حدقت فيه بذهول وردت بسرعة: "العفو يا بيه. أنا؟!
مستحيل. حضرتك عملت معايا خير وربنا يعلم قد إي أنا ممتنة ليك. مين أنا علشان اتجرأ اكرهك؟ ابتسم ببرود وفجأة أخرج مسدسًا صغيرًا من جيبه ووجهه إلى رأسها دون سابق إنذار. فتوسعت عيناها من الصدمة وتراجعت خطوة وهي تهمس بذعر: "في اي يا بيه. اي ال حضرتك بتعمله دا. نزل البتاع دا بالله عليك." لكنه لم يضغط الزناد. فقط اقترب أكثر وأزاح السلاح بعيدًا وقال بصوت بارد: "ـ أنا مش مرتاحلك. وهفضل دايما أراقبك خطوة بخطوة."
ثم أشار بيده وقال بجفاء: "يلا. دا وقت علاج رحمه. اطلعيلها." ركضت روح بسرعة نحو القصر تكاد أن تتعثر في خطواتها من فرط الارتباك. وما إن دخلت من الباب حتى وضعت يدها على قلبها تحاول تهدئة ضرباته وهمست: "في إي. إي ال بيحصلي دا؟ أنا لازم أسيطر على نفسي أكتر من اكده. أكده هموت قبل ما أنتقم منه." ثم فجأة وضعت يدها على جبينه وغمغمت وهي تتلفت حولها: "ـ ياه نسيت العلاج."
وفي الصباح استفاقت روح على ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر. كانت أنفاسها متقطعة ونبضات قلبها تتسارع دون سبب واضح. فرمشت عدة مرات وهي تحاول أن تستوعب أين هي. وما إن أنزلت عينيها حتى اتسعتا برعب مكتوم. كانت بلا ملابس. فشهقت بصوت مكتوم وسحبت الغطاء سريعًا إلى جسدها. ونظراتها تتخبط في أرجاء الغرفة كأنها تبحث عن إجابة واحدة فقط: ما الذي حدث؟ وإلى جواره كان أدهم مستلقيًا بهدوء عاري الصدر. ملامحه ساكنة ونفسه منتظم.
فهمست وهي ترتعش: "انا... أنا إزاي وصلت لـ اكده؟ حوصل إي وإمتى؟ تحركت روح بسرعة مرتبكة تحاول أن تجمع ملابسها من على الأرض وتبكي في صمت. تصارع ارتباكها وخوفها وصدمة لم تعرف لها اسمًا. وارتدت ملابسها على عجل ودموعها تبلل وجنتيها وكأنها تغتسل من ذنب لا تعلم إن كانت اقترفته أم لا.
وما إن وصلت إلى الباب، وهمّت بفتحه والخروج حتى توقفت فجأة. كان كاسر واقفًا. جسده مشدود، ووجهه جامد، ونظراته تحمل ألف سؤال. وغضب يغلي في صمت قاتل. تراجعت خطوة للخلف وشفتيها ترتجفان. وفجأة... استفاقت رحمة من نومها مفزوعة ونهضت من سريرها وهي تلهث كأنها كانت تغرق. وضعت يدها على قلبها وصرخت بصوت مرتجف: "أنا ليه بحلم حلم زي دا؟ ليه بحلم إن روح... وإن أدهم جوزي بيخونوني مع بعض؟
ليه اكده مع ان محدش منهم ليه صلة ببعض. لع دي كابوس. تخيلات مني علشان انا تعبانه بس. روح الممرضة بتاعتي وادهم مستحيل اصلا يبصلها يعني." وفجأة دلف أدهم إلى الغرفة في تلك اللحظة وهو يغلق أزرار قميصه. فرفعت رأسها نحوه والارتباك يملأ ملامحها وسألته: "رايح فين يا ادهم الصبح اكده؟ أجابها ببرود وهو لا ينظر إليها: "ملكيش صالح. انتي مين اصلا علشان أقولك رتيح فين وجاي منين." نهضت رحمه من الفراش بحدة وقالت:
"لأ ليا. أنت جوزي. جولي انت كنت مع مين ولا رايح لمين." توقف لحظة ثم التفت إليها بنظرة غاضبة وهتف: "تاني؟ مش هنخلص من تخيلاتك دي بجا." اقتربت منه وهي تصرخ: "طيب ليه؟! ليه بتعمل معايا اكده؟ أدار وجهه عنها وقال بجفاء: "علشان بكرهك. وانتي عارفة ده كويس." صعقت من كلماته وتجمدت مكانها قبل أن تهمس: "وبتحبها هي... صح؟ التفت لها بحدة ونظراته مصدومة. لكن صمته كان أبلغ من أي اعتراف. فقالت بصوت مهتز:
"علشان اكده. دايما حاساها واقفة بينا. حتى وهي مش اهنيه. مش عارفة تخرج من دماغك." اقترب منها بخطوات غاضبة وأمسك يدها بعصبية: "اوعي تجيبي سيرتها تاني. وايوه بحبها وهفضل أحبها طول عمري. وانتي ال بعدتيها عني." بدأت دموع رحمة تسيل وهي تهمس بانكسار: "أنا؟! أنا عملت إيه؟ صرخ فيها بجنون مرددًا: "هي ماتت بسببك. انتي ال جتلتي فرات."
عمّ الصمت في الغرفة لثوانٍ ثقيلة. لكنهما تجمدا فجأة حين سمعا صوت خطوات خلفهما. فالتفتا ببطء. ووجهيهما يكسوه الذهول. كانت روح واقفة أمام الباب. وإلى جوارها كاسر. عيناهما تتحدثان بما لم تنطق به الشفاه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!