بعد مرور شهر تقريباً، هدأ الليل فوق قرى الصعيد، لكنه لم يهدأ داخل القصر العريق الذي يملكه كاسر. كانت الأنوار باهتة، والهواء محملاً بثقل لا يُرى، والحرس يتحركون في فناء القصر كأنهم يطاردون ظلاً، والخدم يتحدثون همساً كأن الحيطان قد بدأت تستمع.
وفجأة، انفتح باب القصر الكبير واندفع كاسر خارجاً بخطوات سريعة. كان وجهه مقفولاً وحاجباه معقودان، وصدره يعلو ويهبط بعنف. ففتح باب سيارته بحدة ورمى بجسده إلى الداخل وأدار المحرك بقوة جعلت صوت السيارة يخترق سكون الليل. تبعته ثلاث سيارات من الحراسة دون أن يجرؤ أحدهم على سؤاله أو حتى اللحاق بنظراته. كان كاسر طويلاً عريض الكتفين، بوجه تلونه الشمس وعينين لا تعرفان الرحمة. لا أحد يقترب منه حين يغضب، ولا أحد يسأله لماذا.
أما في الداخل، وبين أروقة القصر، كانت الخادمات يتحركن بحذر شديد. في الزاوية الخلفية من المطبخ، اجتمعن حول صينية الشاي التي لم تُقدّم بعد، وبدأن يتبادلن النظرات والهمسات. حتى قالت واحدة منهن وهي تضع السكر في الأكواب: "هي الست هانم لسه في المستشفى؟ ردت أخرى وهي تلمّع الكؤوس: "أيوه يا أختي… الدكاترة بيقولوا حالتها حرجة ومفيش تحسن نهائي." همست ثالثة كانت تراقب الباب كل لحظة:
"الناس بتقول إن جوزها السبب… وإنهم لقوا كدمات على جسمه." رفعت الرابعة حاجبيها باستنكار: "جوزها؟! ده لو فعلاً مد إيده عليها يبقى كتب نهايته بإيده… دي أخت كاسر بيه مش أي حد." قهقهت إحداهن لكن بصوت خافت خوفاً: "ده كاسر بيه يخلي المستشفى نفسها تنقلب نار لو عرف إن حد عمل فيها حاجة عاد. بس تعرفي الست رحمة طيبة قوي غير الست أميرة اخت كاسر بيه الصغيرة… تحسي إنها مدلعة وبصراحة جليلة التربية ومغرورة وشايفة نفسها."
وقبل أن ترد أي واحدة، دوى صوت جهوري من خلفهم: "في إيه عاد… واقفين ليه؟! خلصوا شغلكم بدل ما أخصم منكم يوم كامل." كان الصوت لسمية، رئيسة الخدم، التي وقفت ويداها على خصرها تنظر إليهم كأنها قائدة فرقة عسكرية. ورددت مرة أخرى: "كل واحدة ترجع مكانها وإلا هخلي كاسر بيه يعرف ال بتعملوه." تفرقت الخادمات على الفور.
وبعد منتصف الليل، توقفت السيارة أمام بوابة المستشفى واندفع كاسر إلى الداخل كالعاصفة. لم يلقِ السلام، ولم ينتظر المصعد، بل صعد الدرج بخطوات واسعة تخلع الأرض تحتها. ولم تكن ملامحه توحي بشيء سوى الغضب. حيث فتح باب الجناح بقوة فارتج المكان وارتعد الممر. وعندما لمح الطبيب في نهاية الممر، تقدم نحوه بسرعة ثم أمسكه من ياقة المعطف الأبيض بعنف وقرب وجهه من وجهه وصرخ: "إيه اللي حصل لأختي… إزاي تتعب بالشكل ده وفجأة أكده؟
مين المسؤول عن اللي حصلها؟ انتوا لازمتكم إيه مش فاهم؟ بتعملوا إيه أصلاً؟ حاول الطبيب أن يحرر نفسه وهو يقول متوتراً: "اهدأ يا كاسر بيه… كل حاجة تحت السيطرة دلوقتي والله واختك بقت كويسة الحمد لله… مفيش داعي للعصبية دي." ولكن قبل أن يرد كاسر، اقترب شاب في الثلاثينات من العمر، وجهه شاحب ونظراته قلقة. كان أدهم، زوج رحمة، وقال بصوت متلعثم: "إيه… ورحمة مالها؟ التفت إليه كاسر بعينين تقدحان ناراً، لكن الطبيب تدخل بسرعة:
"في خطأ حصل… ممرضة بدلت الدوا بالغلط بس الحمد لله. ممرضة تانية كانت موجودة وتداركت الموقف وأنقذتها في آخر لحظة… دلوقتي حالتها مستقرة والله الحمد لله." كاسر بغضب: "فين الممرضة دي… أنا عايز أشوفها دلوقتي حالا." أشار الطبيب بتردد: "في أوضة استراحة الممرضين… الدور اللي تحت." بدون كلمة زيادة، اندفع كاسر نحو السلم ونزل الدرجات اثنتين اثنتين حتى وصل إلى باب الاستراحة وفتح الباب فجأة دون أن يطرق.
وفجأة، ظهرت روح وهي ترتدي جاكيته وتستعد للمغادرة. والتفتت بسرعة، وما إن رأت وجهه حتى تجمدت لحظة ثم ارتفع حاجباها بغضب وهتفت: "انت إزاي تدخل كده من غير استئذان؟ فاكر نفسك مين عاد عشان تتجرأ وتدخل بالطريقة دي؟ اقترب منها كاسر بسرعة وقبض على ذراعها وصوته مليء بالاتهام: "انتي أكيد كنتي قاصدة تقتلي أختي صح… إيه اللي عملتيه ده هااا؟ إيه حكايتك بقى؟ قوليلي مين دفعلك عشان تقتلي أختي؟
نفضت روح يدها بعنف من قبضته ثم رفعت كفها وضربته على وجهه بقوة جعلت الصمت يسود المكان لثوانٍ ورددت: "انت اتجننت؟ أنا معملتش حاجة… ولا لمستها. انت عايز مني إيه عاد؟ فاكر نفسك مين وإزاي تكلمني بالطريقة دي وتلمسني أكزي؟ امشي… اطلع بره يلا." ضاق صدر كاسر أكثر واقترب منها بغضب وكأنه سيلتهمها. لكن قبل أن يلمسها، اندفع الطبيب إلى الداخل وصوته يحمل توتراً واضحاً:
"كفاية….. كفاية بقى يا كاسر بيه. روح هي السبب إن أختك لسه عايشة… الممرضة التانية اللي اتسببت في المشكلة اتحولت للتحقيق وروح هي اللي لحقت الموضوع وأنقذت حياتها. المفروض تشكرها." توقف كاسر والتفت ببطء إلى روح وعيناه تحدقان فيها بشراسة. حتى اقترب منها خطوة أخرى وهمس بجانب أذنها: "القلم اللي ضربتيهولي… هيرجعلك بس بطريقتي أنا."
ثم التفت وخرج من الغرفة يتبعه الطبيب بصمت مشحون. وظلت روح تقف مكانها ونفاسها متسارعة تحاول أن تهدئ نبض قلبها. حتى دخل أدهم، زوج رحمة، واقترب منها بتردد: "أنا آسف… معلش متزعليش من كاسر. هو بس متعصب على أخته شوية وحصل سوء تفاهم." نظرت روح إليه بضيق وهي تتفحصه. نظراته كانت غريبة… عينيه لا تطابق كلماته وبصوته ما يشبه اللين لكن فيه شيء خفي. فمد يده ليضعها على كتفها، لكنها ابتعدت بسرعة ورددت بضيق:
"حصل خير. مفيش مشكلة. أهم حاجة دلوقتي إن مدام رحمة بخير." ألقت روح كلماتها وتركته واقفاً، بينما نظراته تلاحقها… بنوايا لا تبدو بريئة أبداً. وبعد فترة، داخل المقابر، كان كل شيء ساكناً صامتاً إلا من صوت أنفاس متقطعة ونشيج خافت. حيث جلست روح على الأرض، قدماها مثنيتان أمامها وذراعاها تعانقان ركبتيها، وهي تحدق بعينين دامعتين في شاهد قبر مغطى بالتراب وبعض الورد الذابل. مكتوب عليه اسم فرات.
فمدت يدها المرتجفة ولمست أطراف الحجر ثم انهمرت دموعها وهي تتحدث: "عارفة يا فرات… شفت اللي كاسر ده النهارده… شفته بعيني… واحد معندوش قلب يا فرات… معندوش رحمة… دخل عليا زي العاصفة… مسكني واتهمني إني كنت عايزة أقتل أخته… متخيلة؟ بس أنا فعلاً كنت عايزة أقتلها وغيرت العلاج وفي آخر لحظة اترددت… مجدرتش أقتل واحدة ملهاش ذنب في أي حاجة غير إن أخوها شيطان معندوش إنسانية." شهقت روح وارتعشت شفتاها وأكملت:
"بس أنا هنتقم… قسماً بالله يا فرات هخليه يدفع التمن… زي ما أنا خسرتك بسببه مش هسيب أي حد بيحبه يفضل جنبه… هبعده عن كل حاجة بيحبها… عن أخته… عن قصره وعن راحته… هخليه يعيش أسوأ أيام حياته." مدت روح يدها تتحسس اسم فرات المكتوب على الشاهد ومسحت دموعها بكفها المرتعشة وسكتت لحظات ثم همست: "نامي وانتي مطمنة… ومتخافيش… مش هسيبه وهاخد بتارك."
قامت روح ببطء ونظرت حولها في صمت. لم يكن هناك أحد سوى ظلال المقابر وأصوات ليل الصعيد الثقيلة. اتجهت نحو البوابة الصغيرة الحديدية التي تؤدي إلى الخارج ودفعتها بيدها وأحدث صوت الصرير فيها رجة خفيفة في السكون.
وما إن وضعت قدمها خارج المقابر حتى أضاءت أمامها أنوار سيارة سوداء ضخمة. توقفت فجأة وكأنها كانت تنتظرها. لم يكن هناك وقت للهروب. انفتح الباب الخلفي بعنف وقبل أن تصرخ أو تتحرك، انقض عليها رجلان ملثمان وسحبوها إلى الداخل. حاولت أن تصرخ… أن تضرب… لكن كفاً قوية كتمت صوتها وأخرى كبلت يديها. فرددت روح بصوت مخنوق، متهدج: "سيبوني… انتوا مين؟ عايزين مني إيه عاد… سيبوني."
لكن لا أحد أجاب والسيارة انطلقت في ظلام الليل تاركة المقابر خلفها. وكل ما بقي من روح في المكان… هو وشاحها الذي سقط بجانب قبر فرات يتمايل مع الريح كأنه يلوح لها الوداع. وفي الصباح، استفاقت روح على صمت خانق. والغرفة التي وجدت نفسها فيها كانت خالية إلا من سرير خشبي مهترئ وستارة نصف ممزقة تراقصها نسائم خفيفة تتسلل من النافذة الصغيرة. وجلست فجأة وهي تلهث تتلفت حولها بذعر قبل أن تصرخ بأعلى صوتها: "يا ناس في حد هنا؟
أنا فين؟ افتحوا… افتحوا الباب بالله عليكم." لكن لا جواب. ترددت أصداء صراخها على الجدران كأنها وحدها في هذا العالم المهجور. فنهضت تتعثر في خطواتها حتى سقطت بجانب السرير. وهناك… لاحظت شيئاً. محفظة صغيرة ملقاة بعشوائية كأن أحداً نسيها أو تعمد أن يتركها. فمدت يدها ببطء والتقطتها وفتحتها بأصابع مرتعشة. حتى صورتها وصورة كاسر. فتسمرت عيناها عليه وعلى الورقة المطوية خلف الصورة، ثم شهقت بانكسار وخرجت منها شهقة باكية وهي تهمس:
"فرات… دي محفظة فرات. هي محتفظة بصورتي وصورته بس ليه؟ ليه يا فرات؟ ده زبالة… إزاي تحبي واحد زي ده؟ أهه هو السبب في موتك… هو السبب في كل اللي حصلنا." انفجرت روح باكية وقلبها يتمزق ووجهها يتلوى بين الذكرى والخوف. ثم زحفت نحو الباب وبدأت تضرب عليه بجنون: "افتحولي… كاسر… أنا عارفة إنك انت اللي جبتني هنا. كاسر افتح. أنا مش هسكتلك… قسماً بالله ما أنا ساكتة. أنا عارفة إنك عرفتني وعرفت أنا مين. افتح بقولك."
ظلت روح تضرب وتصرخ حتى سمع صوت المفتاح يدور من الجهة الأخرى. فـ تراجعت خطوة وأنفاسها تتلاحق وجسدها يرتجف والباب يفتح ببطء. وعندما رأت من يقف خلفه تسمرت مكانها وشهقت شهقة مكتومة ثم تمتمت: "انت… مستحيل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!